← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 17832

المفطرات الطبية المعاصرة دراسة فقهية طبية مقارنة

عبد الرزاق الكندي

Полный текст (460 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

ملاحظات هامة: ١. عند غسل الفم بالماء بعد استخدام البخاخ يتم التخلص من ٥٠% من المادة المترسبة. ٢. استخدام القمع الهوائي يمنع ترسب الدواء في البلعوم الفمي وبالتالي تنعدم فرص وصوله إلى المعدة. ٣. الأقماع الهوائية لا يمكن استخدامها مع بخاخات البودرة في الوقت الحالي، لعدم وجود آلية طبية لذلك. ٤. كمية الدواء التي يمكن وصولها إلى المعدة باستخدام جهاز النبيوليزر أكبر بكثير من الكمية التي تُعطى من خلال البخاخات الأخرى. استخدام البخاخ مباشرة ... استخدام بواسطة القمع الهوائي ٣:١٠ صورة تبين الفرق في توزع الدواء إذا تم استخدام القصبة الهوائية حيث يصل الدواء إلى الرئة ولا يترسب في البلعوم الفمي

стр. 142

ثانيًا: الجانب الفقهي: التكييف الفقهي: عند النظر في مسألة بخاخ الربو وحقيقته في ضوء المقدمات الطِّبية السابقة نستطيع أن نكيفه فقهياً على ثلاث صور عند الفقهاء المتقدمين-﵏: ١. الصورة الأولى: مسألة استنشاق بخار الأطعمة والبخور والتداوي به. ٢. الصورة الثانية: مسألة دخوله في عموم الأكل أو الشرب حيث يتم تناوله من الفم. ٣. الصورة الثالثة: مسألة المتبقي من المضمضة حال الصيام. التخريج الفقهي: وأما تخريج حكم كل صورة في ضوء نصوص الفقهاء من المذاهب الأربعة فهو كالتالي: • الصورة الأولى: مسألة استنشاق بخار الأطعمة والبخور والتداوي به. وحكمه عند الفقهاء في ضوء التكييف الفقهي على مسألة استنشاق بخار الأطعمة والبخور يكون مُفَطِّراً عند الجمهور (الحنفية، والمالكية، والحنابلة)، وغير مُفَطِّر عند الشافعية، وأقوالهم تبين لنا موقفهم من هذه المسألة. القول الأول: (استنشاق بخار الأطعمة والبخور مُفَطِّر). وهو قول الحنفية، والمالكية، والحنابلة. •

стр. 143

الحنفية: قال ابن عابدين: «ولو أدخل حلقه الدخان بأي صورة كان الإدخال، حتى لو تبخر بخور فآواه إلى نفسه واشتمه ذاكراً لصومه أفطر لإمكان التحرز عنه» (١). • المالكية: قال الدسوقي: «متى وصل دخان البخور أو بخار القدر للحلق وجب القضاء; لأن دخان البخور وبخار كل منهما جسم يتكيف به الدماغ ويتقوى به، أي تحصل له قوة كالتي تحصل له من الأكل» (٢). • الحنابلة: قال البهوتي: «ولا يفسد صومه إن طار إلى حلقه ذباب أو غبار طريق أو نخل نحو دقيق أو دخان بلا قصد لعدم إمكان التحرز منه» (٣). ومفهومه أنّه إذا كان قاصداً فسد صومه. وهذه الأقوال صريحة في أنَّ البخار المتصاعد من الأطعمة والبخور مفسد للصوم عندهم، وتخريجاً على أقوالهم هذه يكون عندهم بخاخ الربو مُفَطِّراً للصائم.

стр. 144

القول الثاني: (استنشاق بخار الأطعمة والبخور غير مُفَطِّر). وهو قول الشافعية قال الرملي: «ووصول الدخان الذي فيه رائحة البخور أو غيره إلى الجوف لا يفطر به، وإن تعمَّد فتح فِيه لأجل ذلك وهو ظاهر لما تقرر أنّها ليست عيناً عرفاً إذ المدار هنا عليه» (١). وقول الشافعية إنّ بخار القدر والبخور لا يُفَطِّر الصائم ولو تعمده، يتخرج عليه أنّ بخاخ الربو غير مُفَطِّر عندهم. • الصورة الثانية: دخوله في عموم الأكل أو الشرب حيث يتم تناوله من الفم ولاحتوائه على مواد دوائية. وحكمه في ضوء هذا التكييف يكون مُفَطِّراً على المذاهب الأربعة، كونه داخل في عموم الأكل والشرب حيث لم يُفرِّق الفقهاء المتقدمون بين القليل والكثير، فقد نصوا على أنّ تناول القليل يُفَطِّر. • الحنفية: قال السرخسي: «وإن تناول سمسمة وابتلعها ابتداء فهو مُفْطِر لأنَّ هذا يقصد إبطال صومه ومعنى هذا أنّه إذا أدخل سمسمة في فمه فابتلعها فقد وُجِد

стр. 145

منه القصد إلى إيصال المُفَطِّر إلى جوفه وذلك مفسد لصومه» (١). • المالكية: قال المغربي (المعروف بالحطَّاب): «إذا ابتلع الصائم في النهار ما يبقى بين أسنانه من الطعام يجب عليه قضاء؛ لأنّه أمر غالب» (٢). ومفهومه أنَّ تناول هذا اليسير عمداً يفسد الصوم لكونه ليس غالباً. • الشافعية: قال الشربيني: «والذي يفطر به الصائم عشرة أشياء، الأول: ما وصل من عين وإن قلَّت كسمسمة عمداً مختاراً عالماً بالتحريم إلى مطلق الجوف من منفذ مفتوح» (٣). • الحنابلة: قال البهوتي: «لو أدخل إلى جوفه شيئاً من كل محل ينفذ إلى معدته مطلقاً أي سواء كان ينماع ويغذى، أو لا، كحصاة وقطعة حديد ورصاص ونحوهما ولو طرف سكين من فعله أو فعل غيره بأذنه فسد صومه أو وجد طعم علك مضغه بحلقه فسد صومه لأنّه دليل وصول أجزائه إليه» (٤).

стр. 146

وهذه الأقوال تدل على أنَّ فقهاء المذاهب الأربعة يرون الفطر بوصول اليسير من الطعام أو الشراب إلى الحلق، وعلى تكييف بخاخ الربو أنّه نظير الأكل والشرب لاحتوائه على مادة دوائية وجزء من الماء يكون استخدام البخاخ مّفَطِّراً عندهم. • الصورة الثالثة: مسألة المتبقي من المضمضة حال الصيام. وحكمه في ضوء هذا التكييف أنّه غير مُفَطِّر عند المذاهب الأربعة، حيث يرون أنّ المتبقي من الماء بعد المضمضة في دائرة العفو. • الحنفية: قال السرخسي: «ألا ترى أنَّ الصائم إذا تمضمض فإنّه يبقى في فمه بَلَّة، ثم تدخل بعد ذلك حلقه مع ريقه، وأحد لا يقول بأنّ ذلك يُفَطِّره» (١). وهذا النص من السرخسي صريح بأنَّ الماء المتبقي من أثر المضمضة لا يفسد الصوم عندهم وعند غيرهم حيث نص على موافقة المذاهب الثلاثة لهم (٢) بقوله: «وأحد لا يقول: بأنَّ ذلك يُفَطِّره». • المالكية: قال العبدري: «قال ابن القاسم: ويجوز بلع ريقه إذا تمضمض» (٣).

стр. 147

وهذا يدل صراحة على أنَّ المالكية يرون أنّ بلع الرِّيق بعد المضمضة لا يؤثر في الصيام مع حصول اليقين أنّه يصل إلى المعدة. • الشافعية: قال النووي: «إذا تمضمض الصائم لزمه مَجُّ الماء, ولا يلزمه تنشيف فمه بخرقة ونحوها بلا خلاف» (١). ومعلوم بداهة أن المتبقي يتم ابتلاعه ويصل إلى المعدة. • الحنابلة: يرى الحنابلة عدم فساد الصوم ببلع المتبقي من ماء المضمضة قال البهوتي: «لو بلع ما بقي من أجزاء الماء بعد المضمضة لم يفسد» (٢). وهذه الأقوال الصريحة عند فقهاء المذاهب الأربعة تدل على أنَّ بخاخ الربو غير مُفَطِّر عندهم في حال تكييفه أنّ المتبقي منه في الفم نظير المتبقي من المضمضة تخريجاً على أقوالهم. وهذا التكييفات والتخريجات في ضوء ما قرره الفقهاء المتقدمون مقاربة وليست مطابقة تماماً؛ لأنّ تصور مثل هذه الحالة وتعقيداتها الطِّبية لم يكن في مخيلتهم، والواجب في مثل هذه المستجدات النظر إلى الحقيقة الطِّبية وهل تنطبق

стр. 148

تماماً على النظر الفقهي القديم. والحقيقة أنّ الأمر قد يكون مختلفاً، ومن ذلك مسألة بخاخ الربو حيث أثبت الطِّب أن المادة الداخلة لا تكاد تُرى بالعين المجردة، وهي يسيرة جداً، وجزء من ذلك اليسير يَعْلَق بالبلعوم الفمي، ولا يلج مباشرة، والتخلص من نصفه ممكن بالمضمضة، كما أنّ هناك أجهزة مساعدة على عدم علوق شيء من ذلك في البلعوم الفمي، كما هو الحال في استخدام الأقماع الهوائية مع البخاخ، ولذا تباينت أقوال المعاصرين في هذه المسألة على قولين. وفيما يلي بيانها: • أقوال الفقهاء المعاصرين وأدلتهم في حكم استخدام بخاخ الربو للصائم: القول الأول: أن بخاخ الربو لا يُفَطِّر: وهذا ما ذهب إليه كثير من المعاصرين، منهم: الشيخ عبد العزيز بن باز (١) (مفتى السعودية سابقاً)، والشيخ محمد العثيمين (٢)، والشيخ يوسف القرضاوي (٣)، الدكتور هيثم خياط (٤)، والشيخ عبد

стр. 149

الله البسام (١)، والشيخ فيصل مولوى (٢)، والدكتور أحمد الخليل (٣)، واللجنة الدائمة للإفتاء في المملكة العربية السعودية (٤). أدلتهم: الدليل الأول: قياس الواصل إلى الجوف من بخاخ الربو على المتبقي من المضمضة والاستنشاق، وذلك بأن الصائم له أن يتمضمض ويستنشق، إجماعاً (٥)، وإذا تمضمض سيبقى شيء من أثر الماء ومع بلع الريق سيدخل المعدة، ونظيره الداخل من بخاخ الربو إلى المريء ثم إلى المعدة قليل جداً، فيقاس على الماء المتبقي بعد المضمضة (٦).

стр. 150

ووجه ذلك أن عبوة بخاخ الربو تحتوي على ١٠ ملليتر من السائل بما فيه المادة الدوائية، وهذه الكمية مُعدَّة على أساس أن يبخ منه ٢٠٠ بَخَّة (أي أن ١٠ مللتر تنتج ٢٠٠ بَخَّة) وهذا يعني أنّه في كل بَخَّة يخرج جزء من المللتر الواحد، فكل بَخَّة تشكل أقل من قطرة واحدة (١)، وهذه القطرة الواحدة ستقسم إلى أجزاء يدخل الجزء الأكبر منه إلى الجهاز التنفسي، وجزء آخر يترسب على جدار البلعوم الفمي، والباقي قد ينزل إلى المعدة وهذا المقدار النازل إلى المعدة يعفى عنه قياساً على المتبقي من المضمضة، فإن المتبقي منها أكثر من القدر الذي يبقى من بَخَّة الربو بحيث لو مضمض المرء بماء مختلط بمادة مشعة (أي تظهر في الأشعة) لاكتشفنا المادة المشعة في المعدة بعد قليل، مما يؤكد وجود قدر يسير معفو عنه، وهوأكثر مما يمكن أن يتسرب إلى المريء من بخاخ الربو يقيناً» (٢). المناقشة: اعترض أصحاب القول الثاني (٣) بأنّ هذا قياس مع الفارق؛ لأنَّ المحل الذي يقصد به الجناية على الصوم إنما هو الحلق، وهو ليس مقصود المضمضة، بل مقصودها هو الفم، بخلافه في بخاخ الربو فإن الجوف مقصود له (٤).

стр. 151

الجواب: يرى الباحث عدم التسليم بأنّ محل الجناية على الصوم هو الحلق، فالحلق إنما هو مظنة الوصول إلى المعدة، وبخاخ الربو لا يقصد به المعدة وإنما يُقصد به الرئتين، فليس ثمة جناية على الصوم. الدليل الثاني: قياس البخاخ على السواك في جواز استعماله للصائم مع وجود بعض المواد فيه والتي قد عفي عنها؛ لقلتها ولكونها غير مقصودة، فقد ذكر الأطباء أنّ السواك يحتوي على ثمان مواد كيميائية، تقي الأسنان، واللثة من الأمراض، وهي تتحلل باللعاب، وتدخل البلعوم، فإذا عُفي عن هذه المواد التي تدخل إلى المعدة؛ لكونها قليلة وغير مقصودة، فكذلك ما يدخل من بخاخ الربو يعفى عنه للسبب ذاته (١). المناقشة: اعترض اصحاب القول الثاني بأنّ المعفو عنه هو ما عَسُر دفعه، وأما ما نحن فيه فمقصود متعمد. الجواب: يرى الباحث بعدم التسليم لهذا الإيراد؛ لأنَّ القصد لا محل له هنا، إذ لو كان كذلك لجاء المنع من السواك إلا للعبادة فقط، والصواب أنّه يشمل حال العبادة وغيرها، حيث لم يقصره الأئمة على السواك للصائم حال الوضوء

стр. 152

والصلاة، وإنما أطلقوا العبارة، ومن ذلك قول الإمام مالك: «لا بأس بالسواك للصائم في أول النهار وفي آخره» (١). الدليل الثالث: أن ما يحصل من بخاخ الربو لا يعتبر أكلاً أو شربًا في العادة، فلا يحصل به الفطر (٢). المناقشة: اعترض أصحاب القول الثاني بأنّه وإن كان لا يعتبر أكلاً أو شربًا في العادة فإن ذلك لا يخرجه عن جملة المُفَطِّرات، فالعبرة بدخول الجرم للجوف اختياراً؛ لدلالة الكتاب والسنة على تحريم الأكل والشرب على العموم بما يشمل محل النزاع. وحقيقة الصيام هي: الإمساك، وتحقق الإمساك إنما يكون بمنع دخول أي جرم إلى الجوف. الجواب: يرى الباحث أن هذا الإيراد ليس في محله إذ ليس الممنوع مطلق دخول شيء إلى الجوف فقد جاء العفو عن دخول اليسير جداً كالباقي من المضمضة والسواك. الدليل الرابع: أن دخول شيء إلى المعدة من بخاخ الربو ليس قطعيًا فقد

стр. 153

يدخل وقد لا يدخل، والأصل صحة الصوم، ولا يزول هذا اليقين بالشك. المناقشة: اعترض أصحاب القول الثاني بأنّه قد ثبت من الناحية الطِّبية أن الذي يصل إلى المعدة من الدواء يقارب الثمانين بالمائة والباقي يذهب إلى الجهاز التنفسي، فلم يصبح وصول الدواء للمعدة مشكوكًا فيه. الجواب: أننا نسلِّم بصحة ما ذكرتم، ولكن هذا الواصل يسير جداً، ولا يُرى بالعين المجردة فهو ملحق بما عُفي عنه، قياسا على المضمضة والاستنشاق (١). الدليل الخامس: بخاخ الربو يدخل مع مخرج النفس، لا مخرج الطعام والشراب (٢). المناقشة: واعترض أصحاب القول الثاني بأن هذا الفرق بين المخرجين غير مؤثر، فالعبرة بالوصول إلى ما يسمى جوفًا دون التفات إلى المخرج. الجواب: يرى الباحث أنّ العبرة ليست بالوصول لما يسمى جوفاً، وأنَّ العبرة بما يسمى أكلاً أو شرباً أو ما كان في معناهما حقيقة أو صورة، كما سبق بيانه

стр. 154

في ضابط المُفَطِّرات، وهذا لا يتحقق في بخاخ الربو. القول الثاني: أن بخاخ الربو مُفَطِّر: وممن ذهب إلى هذا القول الشيخ محمد المختار السلامي (مفتي تونس) (١)، والشيخ محمود عبد اللطيف عويضة (٢)، والشيخ وهبة الزحيلي (٣)، والشيخ محمد تقي العثماني (٤)، والشيخ فضل حسن عباس (٥). أدلتهم: الدليل الأول: أنّ كل ما يدخل الجوف من الأجرام اختياراً يفسد الصوم؛ لأنَّ المعنى في الجميع وصوله إلى الجوف واستقراره فيه مع إمكان الامتناع منه في العادة. واستندوا لأثر ابن عباس ﵄ أنّه قال: «إِنَّمَا الفطر مِمَّا دَخَلَ وَلَيْسَ مِمَّا

стр. 155

خَرَجَ» (١). المناقشة: أنّ العبرة ليس بالوصول لما يسمى جوفاً، وأن العبرة بما يسمى أكلاً أو شرباً أو ما كان في معناهما حقيقة أو صورة، كما سبق بيانه في ضابط المُفَطِّرات، وهذا لا يتحقق في بخاخ الربو. أما أثر ابن عباس ﵄ فلا يدل على التوسع بمفهوم الجوف إذ الخطاب الشرعي متوجه إلى الغالب، والنادر لا حكم له؛ بل إن قلنا إنّ أثر ابن عباس مرفوع حكماً فيكون فهماً لآية الصيام ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة:١٨٧]، فالخطاب العام يتوجه تفسيره بالمعنى الشرعي إن كان له معنى شرعي، وأثر ابن عباس له معنى شرعي وهو ما دلت عليه الآية من منع الأكل والشرب، وعليه يترجح هذا المعنى على غيره، وإن كان غيره قد يقع، وهذا ما أقره الأصوليون ومنهم: الإمام السبكي حيث يقول: «والخطاب الشرعي المجمل يكون من جهة أنّ الشرعي أرجح وأغلب من غيره، وإن كان غيره قد يقع، فالحكم للغالب» (٢).

стр. 156

كما أنّ الاستدلال بعموم أثر ابن عباس ينتقض عليهم بصور منها الداخل من مسام الجلد حيث أجمعوا على عدم فساد الصوم بما يدخل منها، وكذا نفى بعضهم فساد الصوم بما يدخل الإحليل ما لم يصل المعدة، مما يدل على أن العموم غير مقصود، فإن أخرجوا هذه الصور لاعتبارات فغيرها يخرج باعتبارت أخرى، وعليه لا يُسلم لهم الاستدلال بالأثر (١). الدليل الثاني: أنّ معنى الصوم هو الإمساك، ولا يتحقق الإمساك بدخول شيء ذي جرم إلى الجوف، وإلا كان ركن الصيام منعدمًا، وأداء العبادة بدون ركنها لا يتصور، والخارج من البخاخ رذاذ له جرم مؤثر، حيث أنّ بخاخ الربو يحتوي على مستحضرات طبية دوائية (الفانتلين + ماء + أوكسجين)، فهو مادة مركبة من أجزاء خاصة، غير أجزاء الهواء المعتاد الذي يتنفسه الإنسان. المناقشة: نُسلِّم أنّ بخاخ الربو له جرم، ولكن هذا الجرم مما جاء العفو عن نظائره مثل الداخل إلى الجوف من بقايا المضمضة والسواك. الدليل الثالث: أن المادة المنبعثة من البخاخ تدخل إلى الجوف من منفذ معتبر، والجمهور يرون أنَّ الدخان والبخور مُفَطِّر إذا أُدخل إلى الجوف عمداً خلافاً للشافعية القائلين بعدم الإفطار بالدخان والبخور (٢).

стр. 157

المناقشة: أولاً: دخول دخان البخور محل خلاف بين الفقهاء المتقدمين فالشافعية لا يرون كونه مُفَطِّراً فننازعكم في محل الاستدلال، حيث يقول الرملي (المعروف بالشافعي الصغير): «ووصول الدخان الذي فيه رائحة البخور أو غيره إلى الجوف لا يفطر به، وإن تعمد فتح فيه لأجل ذلك وهو ظاهر لما تقرر أنّها ليست عينا عرفا إذ المدار هنا عليه» (١). ثانياً: على فرض التسليم فإنَّ الداخل يسير جدا أقلّ مما جاء العفو عنه في المضمضة والسواك. الترجيح في حكم بخاخ الربو: بعد هذا الاستعراض الطِّبي والفقهي فإن الباحث يرجح أنّ استخدام بخاخ الربو غير مُفَطِّر، كما يرى أنّ استخدام القمع الهوائي يحدث اطمئناناً أكثر حيث أثبت الطِّب أنّه باستخدامه تصل كمية الدواء شبه كاملة إلى الرئتين. والباحث إذ يرجح القول الأول فإنّ ذلك يرجع لعدة أمور: ١. قوة أدلة القول الأول. ٢.

стр. 158

أنّ اعتراضات أصحاب القول الثاني على أدلة القول الأول أجاب عنها الباحث في موطنها، فأغنى عن إعادتها هنا. ٣. أنَّ أدلة القول الثاني تمت الإجابة عليها. ٤. التشخيص الطِّبي الدقيق لعملية استخدام بخاخ الربو يدل على أنَّ الكمية الواصلة إلى المعدة ضئيلة جداً (١). ٥. أنّ المادة الداخلة يقصد إيصالها إلى الجهاز التنفسي، وعليه يغيب القصد المؤثر في الصوم عند إدخال المادة. ٦. أنّه باستخدام القمع الهوائي يمكن فك النزاع بين القولين، وجمعهم على الجواز، حيث تزول العلة التي ذكرها القائلون بأن البخاخ مُفَطِّر. • حكم بخاخ البودرة. بخاخ البودرة حكمه حكم البخاخ العادي (المضغوط) في التكييف والتخريج والخلاف بين المعاصرين؛ بل إنّ الكمية التي تخرج منه لا يكاد يشعر بها المريض كما أفاد الأطباء، فهو غير مُفَطِّر لما سبق في ترجيح حكم بخاخ الربو

стр. 159

العادي، ويفارق بخاخ الربو العادي بعدم وجود أنبوب طبي يمكن استخدامه معه حتى الآن كما مر معنا في الجانب الطِّبي. • حكم استخدام جهاز النبيوليزر (الرذاذ البخاري). جهاز النبيوليزر يقال فيه من التكييف والتخريج الفقهي ما قيل في التخريج الأول والثاني لبخاخ الربو، ولا ينطبق عليه التكييف والتخريج على الصورة الثالثة (صورة المتبقي من المضمضة والسواك)؛ لأن الكمية المستخدمة في الجرعة الواحدة كبيرة حيث تعادل ٢٠ بَخَّة مقارنة مع الكمية الداخلة من بقايا المضمضة والسواك؛ كما أنّ مدة الجرعة الواحدة ١٠ - ١٥ دقيقة للجرعة الواحدة مما يعزز دخول كمية منه إلى المعدة، ولذا يفارق البخاخ العادي من حيث كمية الدواء الداخلة. وبناءً على ما سبق ذكره من القواعد والأصول, والتكييف والتخريج الفقهي، والأدلة والأقوال والترجيحات، فإنّ الباحث يرى أنّه مُفَطِّر لمفارقته البخاخ العادي من حيث أنَّ الكمية الداخلة إلى المعدة كبيرة، حيث يستمر استنشاق المريض للدواء مابين ١٠ إلى ١٥ دقيقة، كما أنّه يُعْطَى بدفع عالي يوصل جزء كبير منه إلى البلعوم. OOOOO

стр. 160

المطلب الثاني: غاز الأكسجين: أولاً: الجانب الطِّبي: الأكسجين: هو أحد الغازات الحيوية الموجودة في الهواء والذي نستنشقه يومياً وبدونه لن نستطيع أن نعيش، وهو أحد المكونات الأساسية في الهواء نسبته بحدود ٢١%، والباقي عبارة عن غاز النيتروجين وغازات أخرى مثل ثاني أكسيد الكربون وأول أكسيد الكربون وأشياء ضئيلة جداً. والشخص الذي لا يحصل على الأكسجين يتعرض للوفاة خلال لحظات قليلة، كما أن الشخص الذي لا يحصل على كمية كافية من الأكسجين لا يستطيع أن يمارس حياته بشكل طبيعي، لأنّه سيشعر بضيق في النفس وعدم قدرة على العمل وبالتالي لابد من إعطائه الأكسجين (١). غاز الأكسجين: غاز الأكسجين -المادة الطِّبية- عبارة عن أكسجين يضغط بطريقة طبية معينة في اسطوانات ذات أحجام متعددة، وتُعطى على حسب احتياج المريض. وعادة تكون كمية الأكسجين التي تعطى باللتر، فيُعطَى المريض على حسب احتياجه ما بين لتر إلى عشرة لترات كل دقيقة، فكلما كان مرضه أسوأ كلما كانت

стр. 161

نسبة احتياجاته للأكسجين أكثر. حالة الغاز العلاجية: غاز الأكسجين هو الغاز الذي نستنشقه أثناء التنفس ولا تضاف إليه أي مواد أخرى، حتى ما كان محفوظاً في الاسطوانات على شكل سائل فإنّه يتحول إلى غاز بمجرد خروجه من الأسطوانة (١). ويستثنى من ذلك بعض الحالات التي يحتاج فيها المريض لكميات كبيرة تستمر لوقت طويل قد يؤدي إلى نوع من النشوفية في الأنف أو في الحلق، وبالتالي يؤدي إلى نوع من التجريح ففي هذه الحالة يُمرر غاز الأكسجين على ماء لترطيب الأكسجين. فيختلط الرذاذ مع الأكسجين ويذهب إلى الممرات والشعب الهوائية، ولا يصل شيء منها للبلعوم أو المعدة (٢). وغاز الأكسجين كما يُعطى للمرضى فأنّه يستخدمه رجال الإطفاء والغواصون ورجال الإنقاذ في بعض الحالات، وفي حالة انخفاض الضغط الجوي في الطائرات، ورجال الشرطة والجيش في بعض المهام.

стр. 162

ثانياً: الجانب الفقهي: غاز الأكسجين له حالتان: الحالة الأولى: وهو أن يعطى غاز الأكسجين للمريض مجرداً- وهي الحالة الغالبة والأكثر استخداماً- ففي هذه الحالة حكمه حكم استنشاق الهواء ولا أعلم أحداً من المتقدمين أو المعاصرين قال أنّه مُفَطِّر، وهذا ما قرره مجمع الفقه الإسلامي (١). وهي من المسائل البديهية المقررة، لولا الإشكال الحاصل عند بعض الناس بسبب تخزين الغاز بصورة سائلة، وهذا الإشكال ينفك ببيان أن مادة الأكسجين السائلة تعود لحالتها الغازية بمجرد مفارقتها للاسطوانة. الحالة الثانية: وهي الحالة التي يُمرر بها غاز الأكسجين على الماء لتجنب حدوث تجريح لطول مدة تناول الأكسجين. وهذه الحالة محل إشكال، والذي يظهر للباحث أنّها لم تكن محل دراسة من المجمع الفقهي أو أحد من المعاصرين، وذلك ربما كان لقلة حصولها إذ الغالب عدم تمرير الغاز على الماء. وهذه الصورة تُكيَّف وتخرج على الصور التي ذكرناها في بخاخ الربو (٢)؛ إذ الماء المصاحب للهواء يدخل بقصد، إلا أنّه يذهب للجهاز التنفسي مع الغاز

стр. 163

لترطيب القصيبات الهوائية، ولا يعلق منه شي في البلعوم، لكونه يُستنشق مع الأكسجين إلى الرئة مباشرة. وفي هذه الحالة لا يفطر (١). OOOOO

стр. 164

المطلب الثالث: غاز التخدير (Gas anesthesia) • الجانب الطِّبي: التخدير (nesthesia): هو عملية استخدام الأدوية القادرة على محاصرة الإحساس بالألم بصورة أساسية وبعض الإحساسات الأخرى. وتستعمل الأدوية المخدرة لمساعدة المرضى للخضوع للعمليات الجراحية بدون ألم ومعاناة. بداية علم التخدير: بدأ علم التخدير الحديث باكتشاف الأثير عام ١٨٤٢ م، حيث استطاع العالم المسلم الكِندي استقطار الكحول، واكتشف الرازي حمض الكبريت. وإذا علمنا أنّ الأثير ينتج من تعامل الكحول بحمض الكبريت، لأدركنا أن المسلمين كانوا أول من وضع أسس تركيب هذه المادة المخدرة الجوية (الطيارة) في حقل الكيمياء، فإنّ رابطة الأثير التي هي الجذر الأساسي لمجموعة من المواد المخدرة الاستنشاقية التي تستعمل اليوم (أثير، ميتوكسي فلورين، أنفلورين، فلوروكسنت وفورين). وقد كان للمسلمين فضل كبير في هذا العلم، فهم الذين أسسوه بوصفه علماً، وأطلقوا عليه اسم (المُرَقِّد) أي المخدر، وخاصة التخدير العام في العمليات الجراحية (١).

стр. 165

طرق التخدير: ١ - التخدير عن طريق الأنف: حيث يشم المريض مادةً غازية تؤثر على أعصابه، فيحدث التخدير. وهذا محل بحثنا في هذا المطلب. ٢ - التخدير الجاف: وهو نوع من العلاج الصيني، ويتم بإدخال إبر مصمتةٍ جافةٍ إلى مراكز الإحساس، تحت الجلد، فتستحث نوعاً معيناً من الغدد على إفراز المورفين الطِّبيعي الذي يحتوي عليه الجسم، وبذلك يفقد المريض القدرة على الإحساس. وهو في الغالب تخدير موضعي، ولا يدخل معه شيء إلى البدن. ٣ - التخدير بالحقن: وذلك بحقن الوريد بعقار سريع المفعول، بحيث ينام الإنسان في ثوان معدودة، ثم يدخل أنبوب مباشر إلى القصبة الهوائية عبر الأنف، ثم عن طريق الآلة يتم التنفس، ويتم أيضاً إدخال الغازات المؤدية إلى فقدان الوعي فقداناً تاماً (١).

стр. 166

أنواع التخدير: ١ - تخدير جزئي: وهو الذي يزول معه الشعور بالإحساس والألم في منطقة معينة من الجسم هي محل التخدير. ٢ - تخدير كلي: وهو الذي يفقد فيه الإنسان كامل الشعور والإحساس بالألم في كل أنحاء الجسم. غاز التخدير: هو غاز كيميائي يتم تصنيعه على شكل سائل يوضع في جهاز أثناء احتياج هذا الغاز. غازات ومواد التخدير: الأكسجين: هو غاز ليس له طعم ولا لون ولا رائحة غير قابل للاشتعال ولكن يساعد على الاشتعال بشدة، ويتواجد بالحالة الغازية في الطبيعة، ويعتبر من الدعائم اللازمة للحياة؛ لذلك يستخدم في المشافي لمساعدة المرضى في حال ضيق التنفس، كما يستخدم لأغراض التخدير وذلك بخلطه مع الغاز المخدر لضمان استمرار إمداد المريض بالأكسجين اللازم للحياة، ويتواجد بالحالة السائلة في الأسطوانة بضغط قدره ١٣٤.٧ ضغط جوي. أوكسيد النتروز: غاز ليس له لون، ورائحته تؤدي إلى فقدان الوعي، ويستخدم كخلفية مساعدة للتخدير عند خلطه مع الأوكسجين، حيث أنّ هذا الخليط يؤدي إلى تسكين الآلام ولكن في العمليات الجراحية الكبرى يستخدم مع مواد مخدرة أكثر قوة مثل الهالوثين، ويتواجد بالحالة السائلة داخل الأسطوانة عند

стр. 167

ضغط ٤٣.٥ ضغط جوي لذلك فأنّه يستخدم والأسطوانة بالوضع الرأسي. الأنتونوكس: هو خليط من غازي الأوكسجين وأكسيد النتروز بنسبة ٥٠% لكلٍّ منهما يتواجد داخل الأسطوانة بالحالة الغازية، وفائدته أنّه خليط جاهز للاستخدام في حالات تخفيف الآلام. البروبان الحلقي: غاز لا لون له، ورائحته تشبه رائحة البترول مخدر فعَّال مع الغازات الأخرى، يتواجد بالحالة السائلة داخل الأسطوانات عند ضغط ٤.٣٠ ضغط جوي. ثاني أوكسيد الكربون: غاز لا طعم له، ولا لون ولا رائحة، ويستخدم لإثارة أو تنبيه عملية التنفس؛ لأنَّ عملية الزفير تحدث عندما تصل نسبة ثاني أوكسيد الكربون داخل الرئة إلى قيمة معينة، عندها ترسل إشارة ما إلى المخ لتبدأ عملية الزفير (١).

стр. 168

٣:١١ صورة لجهاز غاز التخدير طريقة التخدير بالغاز: يبدأ التخدير الكلي عادةً بحقنه في الوريد من عقار: (الباربيتورات) السريع المفعول جداً، أو عقار (المورفين)، ونحوه. بعد ذلك يتم إعطاء المريض غازات مستنشقة عن طريق الأنف مثل غاز (الأثير) وغيره، ويتم ذلك عن طريق كمامة من البلاستيك توضع على فم المريض، أو بإدخال أنبوب (١) إلى القصبة الهوائية عبر الأنف يتم بواسطته إدخال الغازات المؤدية إلى فقدان الوعي تماماً. فيفقد المخَدّر وعيه تماماً بعد ثوانٍ معدودة، ويتم إجراء التنفس بواسطة الآلة. ويستمر إعطاء المريض الغازات المؤدية إلى فقدان الوعي فقداناً تاماً حسب طول مدة التخدير المطلوبة.

стр. 169

وعند تخدير المريض تخديراً كلياً يطلب منه الصيام (الامتناع عن الأكل والشرب) قبله بعدة ساعات. ثم قبل التخدير، وقبل أخذ المريض إلى غرفة العمليات بوقت قصير يتم إعطاؤه عقاراً سائلاً عن طريق الفم لمنع القيء، ولترخية العضلات، وأحياناً يتم إدخال أنبوب إلى المعدة لاستخراج السوائل المتراكمة فيها، وقد يتقيأ المريض بعد العملية من أثر التخدير (١). ٣:١٢ صورة تبين طريقة التخدير العادية ... ٣:١٣ صورة توضح إدخال الأنبوب الرغامي إلى القصبة الهوائية •

стр. 170

الجانب الفقهي: الجانب الفقهي لاستنشاق غاز التخدير يتناول مسألتين لهما أثر على الصيام. حكم استنشاق غاز التخدير. حكم الإغماء وفقدان الوعي أثناء الصيام. أولاً: حكم استنشاق غاز التخدير أثناء الصيام. • التكييف الفقهي: عند النظر في حقيقة غاز التخدير ومواده الطِّبية نجد أن صورته تشبه صورة استنشاق الهواء فهو مماثل لصورة غاز الأكسجين. • التخريج الفقهي: القول في غاز التخدير هو القول في غاز الأكسجين؛ ذلك أنّ المواد التي تعطى غازات مجردة لا تحتوي على أي مواد جامدة أو سائلة ففي هذه الحالة حكمه حكم استنشاق الهواء وهذا ما قرره مجمع الفقه الإسلامي (١). وهي من المسائل البديهية المقررة، لولا إشكالية حفظ الغاز بصورة سائلة، وهذا الإشكال ينفك ببيان أنَّ الأكسجين يعود لحالته الغازية بمجرد مفارقته للأسطوانة. وهذا ما تطمئن إليه نفس الباحث لوضوح الصورة الطِّبية لهذه المسألة.

стр. 171

وهذا هو حكم إعطاء غاز التخدير مجرداً، أما إذا صحبه إعطاء مواد مغذية عبر الوريد كما يحدث في بعض الحالات فهذا مُفَطِّر ليس بسبب الغاز ولكن بسبب المواد المغذية (١). ثانياً: حكم تأثير الإغماء على الصائم. • التكييف الفقهي للتخدير من حيث زوال العقل: هذه المسألة تتكيف على مسألة الإغماء التي تحدَّث عنها الفقهاء، لكون التخدير الكلي مطابق لها بزوال العقل والإدراك. • التخريج الفقهي: فقدان الوعي-الإغماء- له حالتان أثناء الصيام: الحالة الأولى: أن يغمى عليه من قبل الفجر ويستمر حتى ما بعد غروب الشمس. اختلف العلماء في حكم هذه الحالة، فالجمهور على عدم صحة الصوم في هذه الحالة، وذهب الأحناف إلى صحته. القول الأول: ذهب الجمهور (المالكية، والشافعية، والحنابلة) إلى عدم صحة الصوم. • المالكية:

стр. 172

قال الخرشي: «إذا أغمي عليه اليوم كله من فجره لغروبه فالقضاء» (١). والمالكية لا يشترطون تبييت النية في كل ليلة ويكتفون بنية واحدة عند دخول الشهر (٢). • الشافعية: قال النووي: «إذا نوى الصوم من الليل ثم أغمي عليه جميع النهار لم يصح صومه» (٣). وقال الشربيني: «ولا يجزئه الصوم إذا أغمي عليه جميع النهار» (٤). • الحنابلة: قال ابن قدامة: «ومن نوى من الليل فأغمي عليه قبل طلوع الفجر فلم يفق حتى غربت الشمس لم يجزه صيام ذلك اليوم» (٥). ودليل الجمهور أنّ الإمساك لم يحصل، وهو أحد ركني الصوم (٦).

стр. 173

القول الثاني: ذهب الحنفية إلى صحة الصوم في هذه الحالة. قال السرخسي: «رجل أغمي عليه في شهر رمضان حين غربت الشمس فلم يفق إلا بعد الغد فليس عليه قضاء اليوم الأول؛ لأنّه لما غربت الشمس وهو مفيق فقد صح منه نية صوم الغد، وركن الصوم هو الإمساك، والإغماء لا ينافيه، فتأدَّى صومه في اليوم الأول لوجود ركنه وشرطه، وعليه قضاء اليوم الثاني لأن النية في اليوم الثاني لم توجد، وقد بينا أن صوم كل يوم يستدعي نية على حدة، وبمجرد الركن بدون الشرط لا تتأدَّى العبادة» (١). أدلة الحنفية: قال الحنفية إنّ النية قد صحت، وذهاب الإدراك بعدها لا يمنع صحة الصوم؛ لوجود الإمساك المقترن بالنية، لأنّ الأصل وجودها منه من الليل حملاً لحال المسلم على الصلاح. واستدلوا بقياس الإغماء على النوم فلو نام من الليل بعد أن نوى ولم يستيقظ إلا بعد الغروب صح صومه، فكذلك الإغماء (٢). وفي ضوء هذا التخريج فإن استعمال المريض غاز التخدير من قبل الفجر إلى

стр. 174

غروب الشمس يكون مُفَطِّراً على رأي الجمهور، وغير مُفَطِّر على رأي الأحناف. الترجيح: والذي يظهر للباحث أن القول بصحة الصوم هو الصواب؛ لعدم وجود دليل يقوى على إبطال عبادة حقيقتها الإمساك مع النية، وقد حصلت النية وتحقق الإمساك، ولا وجه للتفريق بين النائم والمغمى عليه، وما فرَّق به الجمهور واعترضوا به من أنَّ النائم يمكن إيقاظه، فإن طبيب التخدير والإنعاش يمكنه إيقاظ الشخص المخدر متى أراد فلا وجه للتفريق. الحالة الثانية: أن يغمى عليه بعض النهار. القول الأول: ذهب جمهور الفقهاء (الحنفية، والشافعية، والحنابلة) إلى أنّه إذا أفاق جزءاً من النهار سواء في أول أو آخره، ولو يسيراً صح صومه. وفيما يلي بيان اقوالهم: • الحنفية: قال السرخسي: «رجل أغمي عليه في شهر رمضان حين غربت الشمس فلم يفق إلا بعد الغد فليس عليه قضاء اليوم الأول» (١). وهذا فيمن أغمي عليه كل النهار فمن أفاق في بعضه فهو من باب أولى. • الشافعية:

стр. 175

قال النووي: «والأظهر أن الإغماء لا يضر إذا أفاق لحظة من نهار» (١). ولهم قول آخر أنّه متى أفاق في أول النهار صح صومه، وإن أفاق في آخره فقط لم يصح صومه. قال الماوردي: «المسألة على قولين: أحدهما: متى أفاق في بعض النهار صح صومه، والثاني: لا يصح صومه حتى يكون مفيقاً في أول النهار» (٢). وعلل من قال بوجوب الإفاقة أول النهار بأنّه يلزم أن يدخل أول العبادة بنية (٣). • الحنابلة: قال ابن قدامة: «ومتى أفاق المغمى عليه في جزء من النهار صح صومه سواء كان في أوله أو آخره» (٤). القول الثاني: ذهب المالكية أنّه إذا أغمي عليه أكثر من نصف النهار لم يصح صومه، وإن كان أقل صح صومه.

стр. 176

قال الخرشي: «إذا أغمي عليه اليوم كله من فجره لغروبه فالقضاء، وكذا لو أغمي عليه جلَّ اليوم سلم أوله أم لا , وأما لو أغمي عليه أقلّ اليوم، - وهو ما دون الجُلّ الشامل للنصف- فإن لم يسلم أوله بأن طلع عليه الفجر مغمى عليه بحيث لو كان صحيحا ونوى لما صحت نيته فالقضاء أيضا» (١). ودليل الجمهور في صحة الصوم في الحالة الثانية-إن أفاق بعض النهار- قالوا لوجود الإمساك وهو أحد ركني الصيام (٢). حكم التخدير بعض النهار على ضوء كلام الأئمة: حكم التخدير إذا كان في جزء من النهار فعلى قول الأحناف يصح صومه، وعلى قول المالكية إن استمر التخدير أكثر من نصف النهار لم يصح وإن كان أقلّ صح، وعلى قول جمهور الشافعية والحنابلة يصح صومه، وعلى قول بعض الشافعية يصح إن كان التخدير بعد دخول الفجر. الترجيح: سبق في الحالة الأولى الترجيح بأن الصوم يصح لو أغمي عليه كل النهار بعد أن بَيَّت النية من الليل، فهنا يصح من باب أولى، وما قيل في سبب الترجيح في الحالة الأولى يقال هنا.

стр. 177

تنبيه: بعد هذا الاستعراض لحكم التخدير الكلي عن طريق استنشاق غازات التخدير فإن ما تم تقريره هو بناءً على حالة إعطاء الغازات المخدرة وأثرها على زوال العقل، أما ما قد يصاحب ذلك في بعض الحالات من إعطاء المريض سوائل مغذية، أو إدخال أنبوب إلى المعدة لإخراج السوائل المتراكمة، فهذا أمر آخر يكون فساد الصوم فيه بسبب المغذي، أو استخراج السوائل قياساً على القيء، وكذلك إذا تقيأ المريض بعد عملية التخدير- مع علمه مسبقاً بأن التخدير قد يسبب له التقيؤ- فإن صيامه يفسد بالقيء لأنّه وقع بسبب منه. OOOOO

стр. 178

المطلب الرابع: معجون الأسنان ومطهرات الفم ومعالِجاته: يدخل تحت هذا المطلب صور كثيرة منها: معجون الأسنان، والخيط السني، وغسول الفم. • المسالة الأولى: استخدام معجون الأسنان: الجانب الطبي: الأسنان عظام حية، وداخل كل سن يوجد نسيج حي يسمى لب السن، ويحتوي على شعيرات دموية تغذي السِّن، وعلى أعصاب تمكنه من الشعور بالبرودة والحرارة، والضغط والألم، ويحيط باللب مادة قاسية تدعى العاج (Dentin) ويغطي جزء السن الظاهر في الفم طبقة قاسية بيضاء اللون تدعى الميناء (Enamel)، وتحيط اللثة بأعناق الأسنان بإحكام بينما تنغرس جذور الأسنان بثبات في تجاويف خاصة داخل عظم الفك (١). وتتعرض الأسنان للنخر والتسوس والترسبات الناتجة من فضلات الطعام، فتصبح مرتعاً للجراثيم والبكتيريا، وهذا يؤدي لتصبغ الأسنان وتلفها وحدوث الألم (٢). وقد كان من محاسن شريعتنا الغرَّاء الأمر بالمحافظة على نظافة الأسنان وجمالها فحثت على السواك، ورتبت الأجر على استخدامه، وهو الذي يحتوي على

стр. 179

مواد كيميائية منظفة ومطهرة، وقد حاول الناس صنع مواد تساعد على تنظيف الأسنان، وأقدم محاولة معروفة لتصنيع المعجون كانت في مصر في القرن الرابع الميلادي، وكان ذاك الخليط مكونا من ملح مطحون، وفلفل، وأوراق نعناع، وزهور السوسن. وعلى كل حال فإنّ معاجين ومساحيق الأسنان لم ينتشر استعمالها كثيراً إلا في أوائل القرن العشرين، حيث تم إضافة الفلوريد إليها. والخلاصة أنّ معجون الأسنان هو تركيبة كيميائية لها طعم نفاذ، وبنكهات مختلفة، تستعمل لتنظيف الأسنان بواسطة الفرشاة. فما هو حكم استعمالها حال الصيام (١). ٣:١٤ صورة لمعجون الأسنان

стр. 180

الجانب الفقهي: التكييف الفقهي: استخدام المعجون يتكيف على صورتين فقهيتين تحدث عنهما فقهاء المذاهب: الصورة الأولى: حكم ما دخل إلى الفم ولم يتجاوز الحلق. الصورة الثانية: حكم السواك في نهار رمضان. التخريج الفقهي للصورة الأولى: (حكم ما دخل إلى الفم (١) ولم يتجاوز الحلق). تحدث الفقهاء المتقدمون –﵏ عن مسألة الفم وهل له حكم الظاهر أم الباطن، وهل ما يصل إليه مؤثر في الصيام؟ ومن خلال أقوالهم يتبين أنّ المذاهب الأربعة على أنّ ما يدخل الفم ولا يصل إلى الحلق لايفسد الصوم، فالفم له حكم الظاهر عندهم. • الحنفية: قال السرخسي: «والفم في حكم الظاهر. ألا ترى أن الصائم يتمضمض فلا
следующие страницы →