وقال الماوردي: «أو استعط حتى يصل إلى جوف رأسه فقد أفطر» (١).
• الحنابلة:
قال ابن قدامة: «يفطر بكل ما أدخله إلى جوفه، أو مجوف في جسده كدماغه وحلقه، ونحو ذلك مما ينفذ إلى معدته، إذا وصل باختياره، وكان مما يمكن التحرز منه، سواء وصل من الفم على العادة، أو غير العادة كالوجور واللدود، أو من الأنف كالسعوط» (٢).
وقال المرداوي: «أو استعط سواء كان بدهن أو غيره فوصل إلى حلقه أو دماغه فسد صومه، هذا المذهب وعليه الأصحاب» (٣).
أدلتهم:
١ - حديث لَقِيط بن صَبِرَة ﵁ قال: قلت: يَا رَسُولَ الله، أَخْبِرْنِي عَنِ الْوُضُوءِ، قال: «أَسْبِغِ الْوُضُوءَ، وَخَلِّلْ بَيْنَ الْأَصَابِعِ، وَبَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا» (٤).
٢ - حديث: «الفطر مِمَّا دَخَل» (٥).
٣ - قالوا: إنَّ معنى الفطر موجود، وهو وصول ما فيه صلاح البدن إلى
стр. 212
الجوف (١).
رأي ابن حزم ﵀:
هناك رأي لابن حزم في مسألة ما يدخل من الأنف حيث يرى أنه غير مفسد للصوم، حيث يقول ﵀: «ولا ينقض الصوم ... حقنة، ولا سعوط ولا تقطير في أذن، أو في إحليل، أو في أنف، ولا استنشاق وإن بلغ الحلق» (٢).
ويعلل ابن حزم ذلك بأن الله إنما نهى عن الأكل والشرب، وليس ثمة أكل ولا شرب يدخل من الأنف (٣).
ورد استدلال الجمهور بحديث لقيط بن صبرة بقوله: «ولا حجة لهم فيه؛ لأنه ليس فيه أنَّه يفطر الصائم بالمبالغة في الاستنشاق، وإنما فيه إيجاب المبالغة في الاستنشاق لغير الصائم وسقوط وجوب ذلك عن الصائم فقط، لا نهيه عن المبالغة، فالصائم مخير بين أن يبالغ في الاستنشاق وبين أن لا يبالغ فيه، وأما غير الصائم فالمبالغة في الاستنشاق فرض عليه» (٤).
الجواب:
وقد أجاب الجمهور على ابن حزم بأنَّ أمره ﷺ بالمبالغة في الاستنشاق ونهيه عنها لأجل الصوم، فدل ذلك على أن ما وصل بالاستنشاق إلى الحلق، أو إلى
стр. 213
الدماغ أنه يفطر، ولولا ذلك لما كان لنهيه عنها لأجل الصوم معنى مع أمره بها في غير الصوم (١).
الراجح في تأثير السعوط على الصوم:
لاشك أن قول المذاهب الأربعة هو الراجح، وهو الأسعد بالدليل فحديث لقيط بن صبرة واضح الدلالة والمفهوم، ولو لم يكن الصوم سبباً في المنع من المبالغة كان ذكره نوعاً من اللغو، وكلام النبي ﷺ منزه عن ذلك، وقد تناقض ابن حزم حين قال إنَّ المبالغة في الاستنشاق واجبة لغير الصائم، وتسقط عن الصائم. فما الذي أسقط واجباً إن لم يكن ما هو أوجب منه؟ وهو منع دخول شيء عن طريق الأنف.
حكم قطرات الأنف في ضوء كلام الأئمة المتقدمين:
تبين لنا جلياً أنَّ الأئمة من المذاهب الأربعة متفقون على أنَّ ما يدخل عن طريق الأنف ويجاوزه إلى الداخل مُفَطِّر، وفي ضوء هذا يكون حكم التقطير في الأنف مُفَطِّر عند المذاهب الأربعة إذا تجاوز إلى الداخل وقد علمنا في التصور الطبي أن القطرات تتجاوز إلى الحلق.
الترجيح:
يرى الباحث أنَّ قطرات الأنف لا تُفَطِّر الصائم، وأنّ تخريج حكمها على السعوط لا يتوافق تماماً، وذلك لعدة أسباب:
стр. 214
في ضوء التصور الطبي نجد أنَّ كمية القطرة مابين واحد ٠.٥ - ١ مل، وجزء كبير منها يتم امتصاصه في الأنف والجيوب الأنفية، وما يمكن وصوله إلى الحلق يسير جداً، كما أنّه يُستهلك قبل وصوله إلى المعدة، ولو وصل المعدة منه شيء فهو أقل مما يصل من بقايا المضمضة.
استدلال الجمهور بحديث لقيط بن صبرة ﵁، وحديث «الفطر مما دخل»، فقد سبق بيان أنَّه ليس على إطلاقه، وأنَّ هناك قدْراً معفواً عنه قياسا على بقايا المضمضة والسواك.
وهذا الحكم في حالة ما إذا كانت كمية القطرات المستخدمة قطرة لكل فتحة أما لو كانت أكثر فإنَّ الحكم يأخذ منحاً آخر؛ لأنَّ الكمية ستكون أكثر من مقدار المعفو عنه، ويكون قول الجمهور هو المتعين.
OOOOO
• المسألة الثانية: حكم بخاخ الحساسية عن طريق الأنف:
وهو بخاخ مضغوط يُعطى عن طريق الأنف بمعدل بخة واحدة لكل فتحة في الأنف، ويتم استنشاقها من خلال الأنف أيضاً، ويدخل جزء من هذه المادة إلى البلعوم الأنفي، ثم البلعوم الفمي ثم يذهب جزء منه إلى المعدة لا شعورياً، حيث أنّ كمية البخة ضئيلة جداً أقل من حجم بَخَّة بخاخ الربو، فكمية البخة يساوي ٦٤ مايكروجرام، بينما البخة في بخاخ الربو المضغوط ١٠٠ مايكروجرام أي أقل
стр. 215
من ٠.١ مل (١).
فيقال فيه ما يقال في قطرات الأنف من حيث التكييف والتخريج والحكم؛ بل القول بعدم حصول التفطير به أبلغ من قطرات الأنف لضآلة الكمية حيث يتم امتصاص جزء كبير من المادة في الجيوب الأنفية، وما يصل إلى المعدة كمية لا تكاد تذكر هي أقل مما يصل من بخاخ الربو المضغوط، وهي أقل بكثير مما يصل من بقايا المضمضة.
وعليه فإنَّ استخدام بخاخ حساسية الأنف لا يُفطِّر، وهذا ما اختاره أكثر الفقهاء في الندوة الطبية الفقهية التابعة لمجمع الفقه الإسلامي حول التداوي (٢)، وهذا ما أطمأنت له نفس الباحث بعد التصور الطبي من المختصين.
OOOOO
стр. 216
المطلب السابع: قطرات العين، وملحقاتها:
الجانب الطبي:
تتكون كرة العين من ثلاث طبقات هي:
الصُلبة: وهي الطبقة الخارجية للعين، وتتكون من نسيج ضام قوي غير شفاف لحماية العين، وتلف معظم كرة العين إلا الجزء الأمامي الذي هو قرنية العين الشفافة.
المشيمية: وهي الطبقة التي تقع بين صُلبة العين وشبكية العين, والمشيمية تحتوي على شبكة غنية من الأوعية الدموية، ووظيفتها الأساسية هي دعم شبكية العين وتوفير الغذاء والأوكسجين لها.
الشبكية: هي الطبقة الداخلية للعين، وتغطي ثلثي كرة العين من الداخل الجزء الخلفي.
والشبكية هي الطبقة التي تحتوي على المُستقبلات الضوئية، والمسؤولة عن البصر.
ويتم حماية العين بواسطة الجفون والرموش والجهاز الدمعي (١).
والذي يعنينا في بحثنا هذا من العين هو الجهاز الدمعي، فما هو الجهاز الدمعي وما علاقته بالجهاز الهضمي؟
стр. 217
الجهاز الدمعي:
يتكون الجهاز الدمعي من النقاط الدمعية، وعددها اثنتان في كل عين مرتبطة بالأجفان ومتصلة بالقنوات الدمعية التي بدورها تصب في كيس الدمع، ومن ثم في الأغشية الدمعية والأنفية التي تفرغ محتوى الدمع في تجويف الأنف عبر فتحتها في النُقرة الأنفية السُفلى (١).
وهذا يبين لنا علاقة القنوات الدمعية بالجهاز الهضمي حيث أنَّ هناك اتصال بالتجويف الأنفي الموصل إلى الحلق.
يقول د. حسان باشا: «تنفتح القناة الدمعية التي تخرج من جوف العين على الأنف، عبر فتحة فيه, وبالتالي فإن وضع قطرة في العين تصل إلى الأنف ومنه إلى البلعوم (٢).
ويقول د. البار: «من المعلوم أن هناك قناة ما بين العين والأنف، فإذا وضع الإنسان قطرة في عينه فإنها تصل إلى الأنف، ومن الأنف قد تصل إلى البلعوم» (٣).
стр. 218
٣:٢٢ صورة توضح علاقة القنيات الدمعية بالتجويف الأنفي
• المسألة الأولى: قطرات العين (Eye Drops)
طبيعة العلاج بالقطرات:
تتعرض العين لبعض الأمراض مثل جفاف العين، أو التهاب القزحية، أو التهاب الصُلبة وغيرها من الأمراض، فيحتاج المريض لعلاج القطرات (١).
ومن أشهر قطرات العين، تلك التي تحتوي على المضادات الحيوية، أو (الكورتيزون)، أو مضادات (الهيستامين)، أو قطرات العين التي تعالج الماء الأزرق (الغلوكوما) الناتج عن ارتفاع ضغط العين. أو لمعالجة التهابات العين، ونحو ذلك (٢).
стр. 219
وعند العلاج يستخدم ما مقداره قطرة واحدة من المحلول أي خمسون ميكرولتر يتبقى منها في العين من ٧ - ١٠ ميكرولتر (١).
وهذه بدورها يُمتص جزء منها في قرنية العين وملتحمة العين، ويذهب الباقي من خلال الطرق الدمعية إلى جوف الأنف، وهي كمية يسيرة جداً (٢).
ومتقرر طبياً أنَّ جوف العين لا يتسع لأكثر من قطرة واحدة فقط، وكل ما زاد عن ذلك تلفظه العين إلى الخارج، وأطباء العين يصفون وضع قطرة أو قطرتين في العين كل ٤ - ٦ ساعات مثلًا.
ولكي نتصور كمية هذه القطرة الواحدة لا بد أن نذكر بأن الميليليتر الواحد يحتوي على ١٥ قطرة، وأن ملعقة الشاي الصغيرة تحتوي على ٥ ميليليتر من السائل, وعليه فإن القطرة الواحدة التي توضع في العين تبلغ جزءًا من ٧٥ جزءًا مما تحتويه ملعقة الشاي الصغيرة من السائل, وهذه تعتبر كمية ضئيلة جدًّا (٣).
стр. 220
الجانب الفقهي:
التكييف الفقهي:
عند النظر في مسألة التقطير في العين، وما هو نظيرها في كلام الفقهاء المتقدمين من أصحاب المذاهب الأربعة، نجد أنَّ مسألة الاكتحال للصائم هي التي تناظرها وتتوافق مع التقطير في العين.
التخريج الفقهي:
إذا تبين لنا حكم الاكتحال للصائم عند المذاهب الأربعة استطعنا أن نعرف حكم التقطير في العين للصائم في ضوء كلام الأئمة المتقدين، فقد اختلف أصحاب المذاهب الأربعة فيها على قولين، فذهب الأحناف والشافعية إلى أنه غير مفسد للصوم، وذهب المالكية والحنابلة على أنه مفسد للصوم.
القول الأول: الأحناف والشافعية (١) (الكحل غير مفسد للصوم مطلقاً).
• الحنفية:
قال السرخسي: «والاكتحال لا يضر الصائم وإن وجد طعمه في حلقه ... وإن وصل عين الكحل إلى باطنه فذلك من قِبَل المسام لا من قِبَل المسالك؛ إذ ليس من العين إلى الحلق مسلك، فهو نظير الصائم يشرع في الماء فيجد برودة الماء
стр. 221
في كبده وذلك لا يضره» (١).
وقال الكاساني: «ولا بأس أن يكتحل الصائم بالإثمد وغيره، ولو فعل لا يفطره، وإن وجد طعمه في حلقه عند عامة العلماء ... ، لأنه ليس للعين منفذ إلى الجوف، وإن وجد في حلقه فهو أثره لا عينه» (٢)
• الشافعية:
قال الشافعي: «لا بأس أن يكتحل الصائم» (٣).
وقال النووي: «ويجوز أن يكتحل لما روي عن أنس أنه كان يكتحل وهو صائم ولأنَّ العين ليست بمنفذ، فلم يبطل الصوم بما يصل إليها» (٤).
أدلتهم:
١ - حديث عائشة ل قالت: «اكْتَحَلَ رَسُولُ الله ﷺ وَهُوَ صَائِمٌ» (٥).
٢ - حديث أنس ﵁ قال: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: اشْتَكَتْ عَيْنِي، أَفَأَكْتَحِلُ وَأَنَا صَائِمٌ؟ قَالَ: نَعَمْ» (٦).
стр. 222
٣ - أنَّ العين ليست منفذاً إلى الجوف، وأنَّ ما وصل إلى الحلق من الكحل فهو من قِبَلِ المسام لا من قِبَلِ المسالك (١).
المناقشة:
اعترض أصحاب القول الثاني (القائلون بأنَّه مفسد للصوم) بأنّ هذه الأحاديث لم تصح، وعززوا اعتراضهم بقول الترمذي: «لم يصح عن النبي ﷺ في باب الكحل للصائم شيء» (٢)، وأنّه على افتراض الصحة فيحمل على الاكتحال بما لا يصل إلى الجوف (٣).
وأما القول بأن العين ليست منفذاً إلى الجوف، فقد اعترضوا عليه بأن هذا غير صحيح، فإنَّ العين منفذ إلى الجوف؛ لأنَّه يوجد طعم الكحل في الحلق فدل على أنها منفذ.
القول الثاني: المالكية والحنابلة (الكحل مفسد للصوم إذا وصل الحلق)
• المالكية:
قال المغربي: «ولا يكتحل ولا يصب في أذنه إلا أن يعلم أنَّه لا يصل إلى حلقه، فإن اكتحل بإثمد وصبر أو غيره، أو صب في أذنه دهناً لوجع به أو غيره فوصل ذلك إلى حلقه فليتمادَ في صومه، ولا يفطر بقية يومه، وعليه القضاء، ولا
стр. 223
يُكَفِّر إن كان في رمضان، فإن لم يصل إلى حلقه فلا شيء عليه» (١).
وقال الدسوقي: «الكحل نهاراً لا يفطر مطلقاً؛ بل إن تحقق وصوله للحلق أو شك فيه أفطر فإن تحقق عدم وصوله فلا يفطر» (٢).
• الحنابلة:
قال ابن قدامة: «فأما الكحل، فما وجد طعمه في حلقه، أو علم وصوله إليه، فطَّره، وإلا لم يفطره» (٣).
وقال ابن مفلح: «وإن اكتحل بكحل أو صبر أو قطور أو ذرور إثمد مطيب فعلم وصول شيء من ذلك إلى حلقه أفطر؛ ... لأنَّ العين منفذ، بخلاف المسام» (٤).
أدلتهم:
- حديث أنّ النبي ﷺ : أَمَرَ بِالْإِثْمِدِ الْمُرَوَّحِ عِنْدَ النَّوْمِ، وَقَالَ: «لِيَتَّقِهِ الصَّائِمُ» (٥).
الترجيح بين القولين:
стр. 224
إذا تأملنا أدلة الفريقين نجد أنها ضعيفة؛ وعليه فلا عبرة باستدلالهم بالأحاديث، ويبقى قول القائلين بأن العين منفذ إلى الجوف هو الراجح الذي شهد له الطب المعاصر من حيث أنه منفذ، لا من حيث أثر الكحل على الصيام، فهذا ما لا يُسلَّم به، وإن وجد الطعم في حلقه؛ لأنَّ الطعم إنما هو في حلمات التذوق آخر اللسان؛ ولأنَّ القناة الدمعية الواصلة إلى الحلق لا تسع إلا لكمية ضئيلة جداً، وتمر بمجاري يتم الامتصاص فيها، ولا يصل إلى المعدة شيء مما يدخل منها قطعاً. فقول المالكية والحنابلة من حيث وجود منفذ إلى الحلق هو الراجح، لا من حيث فساد الصوم بالكحل.
حكم قطرات العين في ضوء آراء المذاهب:
بعد هذا الاستقراء لأقوال الأئمة في المذاهب الأربعة نجد أنَّ قطرات العين مُفَطِّرة ومفسدة للصوم على قول المالكية والحنابلة، وغير مفسدة على قول الأحناف والشافعية.
الراجح في حكم قطرات العين:
يرى الباحث في ضوء التقرير الطبي والتخريج الفقهي أن قطرات العين لا تُفَطِّر للأسباب التالية:
١. أن كمية القطرات ضئيلة جداً، وأغلبها يخرج خارج العين وما يدخل القناة الدمعية جزء أقل مما يُعفى عنه من بقايا المضمضة، ذلك أن ١ مل فيه ١٥ قطرة، والقطرة أكبر جزء منها يذهب خارج العين.
٢.
стр. 225
ما يبقى يتم امتصاص جزء منه في قرنية العين وملتحمة العين، ويذهب الباقي من خلال الطرق الدمعية إلى جوف الأنف، وهي كمية لا تكاد تُرى بالعين المجردة، وقطعاً لا يصل إلى المعدة منها شيء.
٣. ما يجده الشخص من طعم فذلك من حلمات التذوق في آخر اللسان، وليس التذوق في الحلق.
٤. القطرات ليست أكلاً ولا شربا، ً ولا في معنى الأكل والشرب، وما كان هذا شأنه فلا يفطر (١).
والقول بعدم تأثير قطرات العين على صحة الصوم هو ما ذهب مجمع الفقه الإسلامي في قراره حول المُفَطِّرات (٢)، وقررته الندوة الطبية الفقهية (٣)، وأكثر العلماء المعاصرين (٤).
•
стр. 226
المسألة الثانية: العدسات اللاصقة:
الجانب الطبي:
ظهرت العدسات اللاصقة كبديل طبي للنظارات، وبدأت طريقها بالانتشار في مجال الزينة والتجميل كزينة للعين في حالة الرغبة في تغيير لونها حتى صار هذا هو الاستخدام الغالب، فما هي حقيقة هذه العدسات؟ وما أثر استخدامها على الصوم؟
العدسات نوع من البلاستيك الخاص المصنَّع طبيًّا بإشراف ومواصفات خاصة. ولها مزايا أكثر من استعمال النَّظارات، فالرؤية بها أفضل، ورؤية الصور يكون بحجمها الطبيعي تقريباً، وهي أخف حملاً من النَّظارة، ويستعملها البعض رغبة في التزين بها من حيث اختيار بعض الألوان، وهذا في حالة كون مرتديها يعاني من قصر النظر، أما لبسها من غير قصر النظر فيكون لأجل الزينة لا غير (١).
ومع أن العدسات ساعدت في رفع معاناة كثير من مستخدمي النظارات إلا أن سوء استخدامها يُشكِّل خطراً على العين، مثل: قرحة في القرنية والتهابات في أجزاء متعددة من العين. ومن هنا فإنه لا ينبغي استخدامها إلا باستشارة طبيب، مع المحافظة على نظافتها وفق التعليمات المعطاة، ويتم لبس العدسات إما مقروناً
стр. 227
ببعض المحاليل المعقِمة والمطهِرة، أو بدون محاليل (١).
٣:٢٣ صورة تبين العدسات اللاصقة وطريقة تركيبها
الجانب الفقهي:
التكييف والتخريج الفقهي للعدسات اللاصقة أثناء الصوم
عند التأمل في حقيقة العدسات نجد أنها توضع على الجزء الخارجي من العين، وهي عبارة عن مادة صلبة، وقد أجمع الفقهاء على أنَّ وصول شيء إلى ظاهر العين غير مؤثر على الصوم؛ ولذا فإن القائلين بفساد الصوم بالاكتحال (٢) عللوا ذلك بأنه يصل إلى الجوف.
стр. 228
وقال الدسوقي: «الكحل نهاراً لا يفطر مطلقاً؛ بل إن تحقق وصوله للحلق أو شك فيه أفطر فإن تحقق عدم وصوله فلا يفطر» (١).
وقال ابن قدامة: «فأما الكحل، فما وجد طعمه في حلقه، أو علم وصوله إليه، فطَّره، وإلا لم يفطره» (٢).
وبهذا نعلم أنَّه في ضوء كلام الأئمة المتقدمين فإنَّ استخدام العدسات غير مُفَطِّر في حالة تم استخدامها من غير إضافة مواد عند لبسها.
حكم لبس العدسات للصائم:
من خلال التوصيف الطبي تبين لنا أنّ لبس العدسات له حالتان:
الأولى: أن يتم لبسها بدون إضافة أي محاليل إليها فهذا لا إشكال فيه إذ العين بالاتفاق من الظاهر، ووصول جسم جاف إليها لا يؤثر.
الثانية: أن يتم إضافة محلول للعدسة عند لبسها، فهذه يقال فيه ما قيل في قطرات العين من التكييف والتخريج على الاكتحال، فتكون مُفَطِّرة ومفسدة للصوم على قول المالكية والحنابلة (٣)، وغير مفسدة على قول الأحناف
стр. 229
والشافعية (١).
الراجح:
يرى الباحث أن لبس العدسات مصحوباً بمحلول لا يفسد الصوم، وذلك أن الكمية الداخلة يسيرة جداً فهي مثل قطرات العين، وقد سبق ذكر أسباب الترجيح في قطرات العين في المسألة السابقة، فأغنى عن الإعادة.
OOOOO
стр. 230
المطلب الثامن: قطرات الأذن وملحقاتها:
الجانب الطبي:
الأذن: هي عضو السمع والتوازن وتنقسم إلى ثلاثة أقسام:
١ - الأذن الخارجية: وتتركب من الصوان، وهو زائدة غضروفية، ووظيفته تركيز وتوجيه ذبذبات الموجات الصوتية التي تدخل الأذن، ويؤدي الصوان إلى القناة السمعية الخارجية وطولها حوالي ٣ سم، وكثيراً ما تحتوي على بعض الشعيرات الكثيفة وتنتهي هذه القناة بطبلة الأذن التي تفصل بين الأذن الخارجية والأذن الوسطى.
٢ - الأذن الوسطى: وتبدأ بطبلة الأذن، وهي عبارة عن حجرة دقيقة تحتوي على ثلاث عظمات صغيرة تسمى العظيمات السمعية، وسميت حسب أشكالها، المطرقة، والسندان، والركاب، وهي مرتبة بحيث تنقل الذبذبات من غشاء الطبلة إلى عضو السمع الحقيقي (القوقعة).
وفي القناة الوسطى توجد قناة استاكيوس التي تصل بين الأذن الوسطى وتجويف البلعوم.
٣ - الأذن الداخلية: تحوي الأذن الداخلية على الأعضاء الخاصة بالسمع والتوازن، وهي أكثر أجزاء الأذن تعقيداً وحساسية، وهي موجودة في تجويف عميق داخل العظم الصدغي، ويسمى بالتيه العظمي ويتكون من الدهليز
стр. 231
والقنوات الهلالية والقوقعة (١).
أمراض الأذن:
تتعرض الأذن لعدة أمراض، منها التهابات الأذن الوسطى، وأخماج الأذن المزمنة، وهذه الأمراض غالباً ما يوصف لها علاج موضعي عن طريق قطرات أو مراهم توضع في الأذن (٢).
• المسألة الأولى: قطرات الأذن:
طبيعة العلاج بالقطرات:
يقول الدكتور محمد صالح أخصائي الأنف والأذن والحنجرة (٣):
المريض يضع في الأذن من ١ - ٣ قطرات في الأذن الخارجية على أكثر تقدير، فإذا كانت الطبلة سليمة فلا مشكلة حيث لا منفذ إلى البلعوم الأنفي، وأما إذا كانت الطبلة مثقوبة فتدخل عن طريق ثقب الطبلة إلى الأذن الوسطى ثم عن طريق قناة استاكيوس تنزل إلى البلعوم الأنفي، ثم إلى المريء.
ويضيف الدكتور: من المقرر طبياً أنَّ المسافة بين الأذن الخارجية إلى المعدة
стр. 232
حوالي ٦٠ سم فالقطرات لا تصل إلى المعدة، أو بنسبة تكاد تكون بحكم المعدوم لسببين:
١ - أثناء مرور القطرات في الأغشية المخاطية للأذن والبلعوم والمريء يتم امتصاص جزء كبير منها.
٢ - إذ وضعت ٣ قطرات على سطح أملس لا يمكن مروه إلى نهاية ٦٠ سم.
فمن وجهة نظري- والكلام لأخصائي أمراض الأذن-أنه في حالة وجود ثقوب في الطبلة فإن القطرات لاتصل إلى المعدة (١).
العلاقة بين الأذن والجوف:
يتبين لنا من خلال كلام المختصين أنه لا علاقة بين الجهاز الهضمي والأذن، إلا في حالة انحراق الطبلة، ففي هذه الحالة يكون الاتصال بينهما عن طريق قناة استاكيوس.
يقول الدكتور البار: «هناك فتحة في الأذن الوسطى وتتصل بقناة استاكيوس التي تصل إلى البلعوم وتعرف بالقناة البلعومية السمعية، ولكن الأذن الخارجية (وتشمل الصيوان وقناة السمع الخارجية) تفصلها عن الأذن الوسطى الطبلة، وهي غشاء جلدي.
ولهذا فإنّ إفرازات الأذن الخارجية، أو وضع قطرات من الدواء، أو الماء،
стр. 233
أو أي سائل في الأذن الخارجية لا تصل إلى الأذن الوسطى، وبالتالي لا تصل إلى القناة السمعية البلعومية (قناة استاكيوس) إلا إذا كانت طبلة الأذن مخروقة» (١).
ويقول الدكتور حسان باشا: «يفصل الأذن الخارجية عن الوسطى غشاء الطبل (طبلة الأذن). وتتصل الأذن الوسطى بالبلعوم عن طريق قناة ضيقة تسمى (قناة استاكيوس) وهذه القناة تمرر الهواء عادة لتحافظ على توازن الضغط داخل الأذن. ولا يمكن لأي سائل أو قطرة توضع في الأذن الخارجية الوصول إلى البلعوم ما لم يكن غشاء الطبل مثقوبًا» (٢).
ومن هنا يتقرر أنَّ ما ذكره الفقهاء من اتصال الأذن الخارجية بالجوف كان بناءً على ظن أثبت الطب الحديث عدمه، فلزم أن يتغير ما بُني على هذا الظن على ضوء ما تقرر قطعاً بالطب الحديث، بأنَّه لا صلة بين الأذن والدماغ، ولا صلة بين الأذن والجهاز الهضمي إلا في حالة مرضية نادرة، وهي تخرم الطبلة.
٣:٢٤ صورة تشريحية للأذن تبين عزل الطبلة للأذن الخارجية عن الاتصال بقناة استاكيوس
стр. 234
الجانب الفقهي:
التكييف الفقهي:
عند النظر فيما سطره الفقهاء المتقدمون ﵏ حول المُفَطِّرات نجدهم قد نصوا على مسألة التقطير في الأذن، وهي مطابقة لمسألتنا حول قطرات الأذن. وسيتبن لنا ما قرروه.
التخريج الفقهي:
ذهب الفقهاء من أصحاب المذاهب الأربعة إلى أنّ الأذن منفذ إلى الجوف أو الدماغ، وبالتالي يفسد الصوم عندهم بما يقطر فيها، وذهب بعض الشافعية إلى أن الأذن ليست منفذاً إلى الجوف، وأنّه لا يفسد الصوم بالتقطير فيها (١)، وفرق بعض الأحناف بين الماء وغيره.
وهذه أقوال المذاهب التي تبين موقفهم من التقطير في الأذن:
• الحنفية:
قال الكاساني: «أو أقطر في أذنه فوصل إلى الجوف أو إلى الدماغ فسد صومه, أما إذا وصل إلى الجوف فلا شك فيه لوجود الأكل من حيث الصورة. وكذا إذا وصل إلى الدماغ، لأنَّ له منفذاً إلى الجوف، فكان بمنزلة زاوية من زوايا
стр. 235
الجوف» (١).
وقال الرزاي: «ما يُفَطِّر من العلاج وما لا يُفَطِّر، ومن احتقن أو استعط أو أقطر في أذنه دواءً أو دهناً أو داوى جائفة أو آمة بدواء رطب فوصل إلى جوفه أو دماغه لزمه القضاء لا غير، وإن أقطر في أذنه ماءلم يفطر» (٢).
وهذا يبين لنا أن بعض الأحناف يفرقون بين تقطير الماء وغيره وأن الماء لا يؤثر.
وقد بين ابن عابدين حصول الخلاف بقوله: «والحاصل الاتفاق على الفطر بصب الدهن، وعلى عدمه بدخول الماء» (٣).
• المالكية:
قال القيرواني في مفسدات الصوم: «ولا يكتحل أو يصب في أذنيه دهناً إلا أن يعلم أنه لا يصل إلى حلقه» (٤)
وقال المغربي: «أو صب في أذنه دهنا لوجع به أو غيره فوصل ذلك إلى حلقه فليتماد في صومه ولا يفطر بقية يومه وعليه القضاء ولا يُكَفِّر إن كان في رمضان،
стр. 236
فإن لم يصل إلى حلقه فلا شيء عليه» (١).
• الشافعية:
قال النووي: «ولو قطر في أذنه شيئاً فوصل إلى الباطن أفطر على الأصح عن الأكثرين كالسعوط، والثاني: لا يفطر كالاكتحال قاله الشيخ أبو علي، والقاضي حسين، والفوراني» (٢).
والقول الثاني اختاره الغزالي حيث يقول: «والصحيح أن تقطير الدهن في الأذن لا يضر» (٣).
وقد صرح النووي أنّ قول الغزالي خلاف قول جمهور الشافعية حيث قال: «لو قطر في أذنه ماءً، أو دهناً، أو غيرهما فوصل إلى الدماغ فوجهان: أصحهما يفطر، وبه قطع المصنف والجمهور» (٤).
• الحنابلة:
قال ابن قدامة: «أو قطر في أذنه فوصل إلى دماغه، أو داوى مأمومه بما يصل إليه أفطر؛ لأنه إذا بطل بالسعوط دل على أنه يبطل بكل واصل من أي موضع
стр. 237
كان، ولأنّ الدماغ أحد الجوفين فأبطل الصوم ما يصل إليه كالآخر» (١).
وقال البهوتي: «أو قطر في أذنه ما يصل إلى دماغه لأن الدماغ أحد الجوفين فالواصل إليه يغذيه» (٢).
أدلتهم:
١ - حديث لقيط بن صبرة أنّ النبي ﷺ قال: «وَبَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا» (٣).
ووجه الاستدلال: أنه لما بطل الصوم بما يصل إلى الدماغ عن طريق الأنف، فكذلك بما يصل إليه من الأذن؛ لأنَّ الدماغ أحد الجوفين (٤).
والجواب عن هذا الاستدلال:
يجاب عن استدلال الجمهور بأنّ هذا الاستدلال في غير محله، وذلك أنّ الطب الحديث أثبت أنّه لا علاقة بين الأذن والدماغ كما بينَّاه سابقاً.
٢ - حديث: «إنما الفطر مما دخل» (٥).
стр. 238
والتقطير في الأذن يصدق عليه ذلك، ففسد الصيام في التقطير فيها.
والجواب عن هذا الاستدلال:
أنّ الحديث لا يصح رفعه إلى النبي ﷺ (١)، وأنَّه على فرض صحته فإنَّه ليس على إطلاقه، وإلا للزم المخالف في صور لا يلتزم بها، وقد سبق تفصيل ذلك في مناقشة كلام الجمهور حول الجوف (٢).
حكم قطرات الأذن في ضوء المذاهب الأربعة:
بعد هذا الاستعراض لأقوال أصحاب المذاهب الأربعة يتبن لنا أن قطرات الأذن مفسدة للصوم عندهم.
وغير مفسدة للصوم على قول بعض الشافعية كالغزالي والقاضي حسين.
وقد يتخرج لنا حكم آخر إذا تأملنا اشتراط المالكية وصول القطرات إلى الحلق فإن القطرات لا تكون مفطرة، حسب لازم قولهم، حيث أنّ قطرات الأذن لاتصل إلى الحلق، وقد اشترطوا وصولها.
ولكن إذا نظرنا إلى مقياسهم فيما يعتبر واصلا إلى الحلق، فإن القطرات تكون مفطرة لاعتبارهم أن وجود الطعم في الحلق هو دليل الوصول، فيتخرج الحكم على مذهب المالكية على صورتين: التفطير وعدمه.
стр. 239
الراجح في قطرات الأذن:
بعد الاستعراض لما قرره الطب حول صلة الأذن بالجهاز الهضمي، وما ذكره الفقهاء في هذه المسألة وأدلتهم ومناقشتها يترجح للباحث أن قطرات الأذن لا تفطر سواء كانت الطبلة سليمة أم مثقوبة، وذلك للأسباب التالية:
١. عدم وجود منفذ بين الأذن والجهاز الهضمي، إلا في حال انخراق الطبلة.
٢. أنه في حال انخراق الطبلة فإن قطرات الأذن لاتصل إلى المعدة بحال؛ لما أثبتناه في التقرير الطبي.
٣. على فرضية وصول شيء من القطرات إلى المعدة فإن الواصل في عداد المعدوم، حيث أنّ الكمية الواصلة مما لا يكاد يُرى بالعين المجردة، فيكون أقل مما يعفى عنه من بقايا المضمضة.
٤. أنّ ما استدل به الجمهور على بطلان الصيام بالتقطير في الأذن مبني على اعتقاد طبي غير صحيح، فلزم أن يدور الحكم مع السبب الذي بُني عليه، فلما بني على سبب تبين عدمه انتقض الحكم، وليس لديهم دليل يقوى على إبطال عبادة متيقنة إلا ما اعتقدوه من العلاقة بين الأذن والدماغ أو الحلق وتبين عدم صحته.
• المسألة الثانية: غسول الأذن:
تفرز القناة السمعية الخارجية شمع الأذن (الصملاخ) (cerumen)
стр. 240
ووظيفته وقائية لمنع حدوث ضرر على القناة السمعية بحكم اتصالها بالهواء الخارجي، وعند تسرب الماء أو العدوى، أو أي أذية. كما يقوم شمع الأذن باصطياد الجسيمات الدقيقة مثل ذرات الغبار.
وحالة شمع الأذن هذه تتراوح بين الحالتين السائلة والصلبة المتصخرة، وفي الحالة الاعتيادية فإنّ شمع الأذن ينتقل من داخل القناة نحو الأذن الخارجية، ثم يأخذ بالاضمحلال، أو يبدأ بالجفاف والسقوط. ولعدد من الأسباب، فإنَّ هذا التراكم قد يتحول إلى كتلة مضغوطة تعيق سلامة السمع وتتسبب في طنين وألم للشخص (١).
العلاج:
ويتم علاج تشمع الأذن بعدة طرق منها: غسل القناة بالماء الدافئ الذي ينثر برفق بواسطة إبرة لتليين الشمع بهدف تسهيل انتقاله وخروجه (٢)، وهي الطريقة التي لها تعلق ببحثنا.
الجانب الفقهي:
إذا تأملنا مسألة غسول الأذن فإنه ينطبق عليها التكييف الفقهي المذكور في
стр. 241
مسألة قطرات الأذن، ويتخرج الحكم والترجيح فيه مثل الذي ذُكر في القطرات.
إلا أنهما يفترقان في الحكم الراجح فيما إذا كانت الطبلة مثقوبة، ففي القطرات كان الترجيح بعدم إفساد القطرات للصوم لما سبق ذكره.
أما في الغسول فإنَّ الحكم يكون مختلفاً، حيث أنّ كمية المياه التي تعطى في الغسول كثيرة وتتسرب إلى الحلق عن طريق قناة استاكيوس، فتصل بدورها إلى المعدة، التي هي محل الطعام والشراب فيستفيد منه الجسم، فتكون مفسدة للصيام؛ لأنها ليست بالقليلة- نظير ما يبقى من المضمضة - التي تكون في حكم المعفو عنه.
وقد تبين أنَّه لا يصل إلى الحلق شيء إلا في حال انخراق الطبلة، وأنه في حال الانخراق يكون ما يصل من القطرات في حكم المعفو عنه.
وأما حكم الغسول في حال انخراق الطبلة فإنّه مفسد للصوم حسب ما ترجح للباحث؛ لأن الكمية الداخلة كثيرة، وتصل المعدة، وليست نظير المعفو عنه.
OOOOO
стр. 242
المطلب التاسع: الأقراص العلاجية التي توضع تحت اللسان:
الجانب الطبي:
تعمل عضلة القلب كمضخة لتوصيل الدم إلى جميع أنحاء الجسم، وتحصل عضلة القلب على ما تحتاجه من طاقة (أوكسجين) لأداء تلك المهمة عن طريق الدم الذي يصلها عن طريق الشرايين التي تغذيها، وعددها ثلاثة تسمى بالشرايين الإكليلية أو التاجية.
ويتعرض القلب لمشاكل وأمراض عدة، ومن أبرزاها ما يُعرف بالذبحة الصدرية، وهي التي تحدث للمريض عند نقصان الدم الساري في الشرايين التاجية المغذية لعضلات القلب والناتج عن عدم التوازن بين استهلاك القلب للغذاء ونسبة وصول الغذاء إليه، وهي في الغالب تكون نتيجة تصلب وضيق الشرايين التاجية مما يمنع وصول الدم بصورة كافية، وأحيانا يكون السبب زيادة كبيرة في حاجة القلب للغذاء، بالرغم من كفاءة الشرايين التاجية مثل حالات تضخم القلب نتيجة لارتفاع الضغط أو اعتلال عضلي.
الأعراض:
آلام مميزة الطابع في الجانب الأيسر من الصدر وخلف عظمة القفص الصدري يكون الألم من النوع الضاغط، وقد يمتد إلى الكتف الأيسر وأسفل الرقبة، والفك الأسفل وإلى اليد اليسرى، وأحيانا قد يمتد إلى الظهر أو أعلى البطن وهناك صفة شبه دائمة في أغلب الحالات وهي حدوث الألم مع الجهد
стр. 243
وزواله بانتهاء الجهد أو الراحة.
أسباب الذبحة الصدرية:
يشكل تراكم المواد الدهنية على جدار الشرايين التاجية والذي يبدأ في عمر مبكر قبل مرحلة البلوغ أحد الأسباب الرئيسية للذبحة الصدرية فمع امتداد الترسب الدهني يحدث مضاعفات داخل هذا الترسب منها النزف والتقرح والتكلس مما ينتج عنه في النهاية ضيق شديد في الشرايين أو انسداد كامل مما يؤدي لظهور الأعراض، وهناك عوامل أخرى تؤدي إلى سرعة حدوث تصلب الشرايين مثل تقدم العمر، وهناك أيضاً ارتفاع نسبة الكولسترول، وارتفاع ضغط الدم والتدخين والتي تشكل دوراً رئيسياً في حدوث الذبحة (١).
العلاج:
ينقسم علاج الذبحة الصدرية إلى ثلاث طرق:
١ - العلاج بالعقاقير:
وذلك بإعطاء أدوية تبطئ من سرعة نبض القلب، أو تخفض من ضغط الدم أو تخفف من الحمل الحجمى على القلب بتوسيع الأوردة في الجسم وهي كلها عوامل تزيد من حاجة القلب للأكسجين، وهناك أدوية تعمل على توسيع
стр. 244
الشرايين التاجية نفسها وتمنع تقلصها وتخفف من الضغط داخل جدران القلب، وفى العادة تكون الحاجة لأكثر من دواء للتقليل من الذبحة الصدرية، أو التحكم بأعراضها.
ومن أبرز هذه الأدوية وأسرعها مفعولاً تناول حبوب (النيتروغليسرين) تحت اللسان، حيث يضع المريض الحبة تحت اللسان، فتمتص بطريقة مباشرة من خلال الأوعية الدموية الموجودة تحت اللسان، ويحملها الدم إلى القلب فتوقف أزماته المفاجئة، ويحدث هذا خلال ثواني فقط (١). وهذا هو محل دراستنا في هذا المطلب.
٢ - العلاج بالقسطرة:
وتتلخص الفكرة في كيفية زيادة الدم الواصل إلى عضلة القلب وذلك عن طريق توسيع الشريان التاجي باستعمال البالون، أو إزالة الرواسب الدهنية من جدران الشريان عن طريق جهاز كحت الرواسب، أو بتركيب الدعامات المعدنية لمنع تضيق الشريان مرة أخرى (٢).
٣ - العلاج الجراحي:
وذلك باستخدام وريد من الساق أو شريان الصدر وتوصيله من الأبهر إلى
стр. 245
ما بعد منطقة التضيق في الشريان التاجي لحين وصول الدم إلى عضلة القلب، ويفضل إجراء العملية الجراحية عند وجود تضيقات عديدة في الشرايين التاجية أو تضيق في الشريان التاجي الأيسر الرئيسي (١).
الجانب الفقهي:
التكييف الفقهي:
عند التأمل في حقيقة هذه الأقراص من الناحية الطبية، ومكان تعاطيها نجد أنه يتم تعاطيها في الفم ولا يدخل منها شيء إلى الجهاز الهضمي إذا ما لفظ الشخص البقايا اليسيرة من الحبة التي توضع تحت اللسان.
والفم له حكم الظاهر، فما يصل إليه ولا يدخل إلى الحلق لا يؤثر على الصوم
وقد تحدث الفقهاء المتقدمون –رحمهم الله تعالى- عن مسألة الفم، وهل له حكم الظاهر أم الباطن، وهل ما يصل إليه مؤثر في الصيام، واتفقوا على أنّ ما يدخل الفم (٢) ولا يصل إلى الحلق لا يؤثر على الصوم.
•
стр. 246
الحنفية:
قال السرخسي: «والفم في حكم الظاهر. ألا ترى أن الصائم يتمضمض فلا يضره ذلك» (١).
• المالكية:
قال المغربي: «وداخل الفم له حكم الظاهر» (٢).
• الشافعية:
قال النووي: «النخامة إن لم تحصل في حد الظاهر من الفم لم تضر بالاتفاق» (٣).
وحد الظاهر عندهم ما قبل الحلق.
ومراد النووي أنّ النخامة إذا تم ابتلاعها قبل أن تصل إلى الفم لم تؤثر على الصوم، وأما إذا وصلت إلى الفم ثم ابتلعها فإنّها تؤثر على الصوم؛ لأنها خرجت إلى ماله حكم الظاهر، وهو الفم.
• الحنابلة:
قال ابن قدامه: «ولأنَّ الفم في حكم الظاهر فلا يبطل الصوم بالواصل
стр. 247
إليه» (١).
أما ظاهر الشفتين فليس من الفم باتفاق الفقهاء، وإنما هو جزءٌ من الوجه (٢).
فهذه نصوص العلماء من المذاهب الأربعة تبين أنهم متفقون على أن الفم له حكم الظاهر.
حكم استخدام الأقراص العلاجية تحت اللسان:
بعد هذا التوضيح الطبي والفقهي يتضح لنا أن حكم ما دخل إلى الفم دون أن يتجاوز الحلق لا يعتبر مُفَطِّراً عندهم جميعاً، وفي ضوء هذا يكون استخدام الأقراص العلاجية تحت اللسان غير مؤثر على صحة الصوم ما لم يدخل إلى الحلق.
وقد قرر مجمع الفقه الإسلامي، والندوة الطبية الفقهية التابعة لمجمع الفقه أنّ تعاطي الأقراص العلاجية تحت اللسان لا يفطر إذا لفظ المريض بقايا الحبة (٣).
стр. 248
المبحث الثاني
ما يدخل الجسم عبر الجلد نفاذًا وامتصاصاً
وفيه مطالب:
- المطلب الأول: الحقن العضلية والجلدية والوريدية.
- المطلب الثاني: حَقْن الدم.
- المطلب الثالث: الغسيل الكلوي البريتوني (الصفاقي).
- المطلب الرابع: منظار البطن.
- المطلب الخامس: إدخال القسطرة في الشرايين للتصوير أو العلاج.
المطلب السادس: الدهانات والمراهم واللصقات العلاجية.
стр. 249
المطلب الأول: الحقن العضلية والجلدية والوريدية .
تمهيد:
قبل استعراض التفاصيل حول أنواع الحقن وحكم استخدامها يحسن بيان طبيعة الحقن بشكل عام من الناحية الطبية.
أما من الناحية الفقهية فليس للفقهاء المتقدمين كلام عنها لكونها مستجدة وما تحدثوا عنه من حقنة الشرج فتلك صورة مغايرة للحقن الطبية الحديثة (١)، ولكن من خلال الصورة التشريحية فإنَّ أقرب تكييف فقهي له هو ماذكره الفقهاء في مسألة صب الدواء في الجروح الغائرة، وسيأتي تفصيله.
الجانب الطبي:
تعريف الحُقنة:
هي إبرة مجوفة تستخدم كأداة طبية لحقن السوائل الطبية بالجسم سواء تحت الجلد في العروق والشرايين أو في العضل. وتربط بالمحقن الذي يتكون من أنبوب مستدق في أحد طرفيه، ويمر بداخله مكبس، أو ذراع اسطواني مسمط، ويعمل كل من الكبس والذراع على دفع السوائل أو سحبها بواسطة الشفط.
стр. 250
الحالات التي تستخدم فيها الحُقن:
- عند الرغبة بإحداث تأثير دوائي سريع كما هو الحال في حالات الطوارئ.
- عندما يكون المريض غير متعاون أو غير واعي.
- عندما يكون المريض غير قادر على قبول أو تحمل الدواء عن طريق الفم.
- عندما يكون الدواء غير فعال بالطرق الأخرى.
ميزات طرق الحقن:
١. آنية التأثير: تستعمل في حالات الإسعاف (كمنبهات القلب والتنفس)
٢. قد تكون الطريق الوحيد لإعطاء الدواء (في حالات العمليات الجراحية).
٣. تساعد على ترميم حجم الدم أو البلاسما، وإعطاء المصول في حالات النزف أو الإسهال.
٤. وصول الدواء إلى الدم بكامل كميته ودون أن يتخرب.
٥. الامتصاص السريع للدواء.
٦. في حالات المرضى الذين يسبب لهم الدواء اضطرابات في الجهاز الهضمي.
طرق الحقن المستخدمة:
• الحقن العضلي.
• الحقن في الجلد (داخل الأدمة) أو تحت الجلد.