← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 17832

المفطرات الطبية المعاصرة دراسة فقهية طبية مقارنة

عبد الرزاق الكندي

Полный текст (460 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

الجانب الفقهي لمنظار المثانة والقناة البولية: التكييف الفقهي: تكييف هذه المسألة أنها نظير ما ذكره الفقهاء في مسألة مداواة الإحليل وإدخال شيء إلى المثانة. التخريج الفقهي: في ضوء ما تقدم من موقف الفقهاء من مسألة مداواة الإحليل أو إدخال شيء إلى المثانة، فإن استخدام منظار المثانة والقناة البولية سواء لمعاينة الإحليل، أو تصوير المثانة أو إيصال الدواء إليهما فإن موقف الفقهاء منها على قولين حسب ما تقدم من تقريرهم فيما يدخل الإحليل (١). القول الأول: غير مفسدة للصوم عند الجمهور (الحنفية، والمالكية، والحنابلة)، فقد نصوا على عدم فساد الصوم بما يصل الإحليل أو المثانة من جامد أو مائع. القول الثاني: مفسد للصوم عند الشافعية وأبي يوسف من الحنفية، سواء صاحب إدخاله مواد دهنية أم لم يصاحبه. •

стр. 352

المسألة الثانية: القسطرة البولية (Urinary catheter): الجانب الطبي: القسطرة البولية: هي عبارة عن إدخال أنبوب من البلاستيك للمثانة البولية من خلال الإحليل لتفريغ المثانة من البول المتجمع فيها، وتستخدم القسطرة البولية عندما يكون الشخص غير قادر على تفريغ مثانته بنفسه، أو لا يستطيع التحكم في إخراج البول، أو عندما يكون هناك ضغط في المثانة، حيث أنّ ارتفاع الضغط في المثانة قد يؤدي إلى فشل في وظيفة الكلية. كما أنّ القسطرة البولية مهمة لمنع حدوث الالتهابات المتكررة في المسالك البولية، فبقاء البول في المثانة يساعد على نمو الجراثيم وتكاثرها، ويسبب التهابات مزمنة في الجهاز البولي، وهي عملية سهلة يمكن لأي شخص القيام بعملها بنفسه (١). ٣:٤٦ صورة تبين أنبوب القسطرة البولية

стр. 353

الجانب الفقهي للقسطرة البولية: التكييف الفقهي: التكييف الفقهي لهذه المسألة أنها نظير ما ذكره الفقهاء في مسألة مداواة الإحليل وإدخال شيء إلى المثانة. التخريج الفقهي: في ضوء ما تقدم من موقف الفقهاء من مسألة مداواة الإحليل، أو إدخال شيء إلى المثانة، فإن حكم عملية القسطرة البولية يتخرج على قولين: القول الأول (الجمهور): القسطرة البولية غير مفسدة للصوم عند الجمهور (الحنفية، والمالكية، والحنابلة)، فقد نصوا على عدم فساد الصوم بما يصل الإحليل أو المثانة من جامد أو مائع. القول الثاني (الشافعية، وأبو يوسف من الحنفية): القسطرة البولية مفسدة للصوم عند الشافعية وأبي يوسف من الحنفية، سواء صاحب ذلك إدخال أنبوب القسطرة مواد دهنية أم لم يصاحبه. • المسألة الثالثة: غسول المثانة: الجانب الطبي: تتعرض المثانة لالتهابات متعددة، إما لتواجد الجراثيم العالقة من البول، أو

стр. 354

لأسباب أخرى، أو توجد جلطات متخثرة بالمثانة، وعندها قد يحتاج المريض لعمل غسيل للمثانة، فيتم تصفيتها عن طريق غسل المثانة بمحلول ملحي من خلال قسطرة كبيرة (١). ولكي تتم عملية غسول المثانة لا بد من تركيب قسطرة بولية عن طريق فتحة مجرى البول الخارجية، سواء كان للذكر أو للأنثى، ويتم دفع السوائل المستخدمة في الغسول عن طريق هذه القسطرة وسحبها مرة أخرى، وغالباً ما تستخدم هذه العملية في حالات النزيف البولي بسحب البول المدمى، وجلطات الدم المصاحبة، كما تستخدم بعد العمليات الجراحية الخاصة بالمثانة والبروستاتا (٢). الجانب الفقهي: التكييف الفقهي: هذه المسألة نظير ما ذكره الفقهاء في مسألة إدخال شيء إلى المثانة. التخريج الفقهي: في ضوء ما تقدم من موقف الفقهاء من مسألة إدخال شيء إلى المثانة، فإن

стр. 355

حكم عملية القسطرة البولية يتخرج على قولين: القول الأول (الجمهور): غسول المثانة غير مفسد للصوم عند الجمهور (الحنفية، والمالكية، والحنابلة)، فقد نصوا على عدم فساد الصوم بما يصل إلى المثانة من جامد أو مائع؛ حيث يرى الجمهور أنّ المثانة لا صلة لها بالجوف وأنّ البول يترشح إليها رشحا (١). القول الثاني (الشافعية): غسول المثانة مفسد للصوم؛ لأنهم يرون أنّ المثانة لها صلة بالجوف، أو أنها جوف بذاتها (٢). • المسألة الرابعة: إدخال الدواء للجهاز البولي: الجانب الطبي: يتعرض الجهاز البولي لبعض المشاكل الصحية التي يتطلب علاجها الطبي إلى حقن مجرى البول أو المثانة بأدوية عن طريق التقطير، أو استخدام حبيبات موضعية عن طريق فتحة مجرى البول لتنشيط الدورة الدموية بالقضيب تحتوى على مادة البروستاجلاندين (٣).

стр. 356

الجانب الفقهي: التكييف الفقهي: التكييف الفقهي لهذه المسألة أنها نظير ما ذكره الفقهاء في مسألة التقطير في الإحليل. التخريج الفقهي: في ضوء ما تقدم من موقف الفقهاء من مسألة التقطير في الإحليل، فإنَّ استخدام هذه الأدوية وإدخالها في مجرى البول أثناء الصيام يتخرج على قولين: القول الأول (الجمهور): أنّ إدخال الدواء للجهاز البولي غير مفسد للصوم عند الجمهور (الحنفية، والمالكية، والحنابلة)، فقد نصوا على عدم فساد الصوم بما يصل إلى الإحليل من جامد أو مائع؛ حيث يرى الجمهور أنّ الإحليل لا صلة له بالجوف. القول الثاني (الشافعية): أنّ إدخال الدواء للجهاز البولي مفسد للصوم عند الشافعية؛ لأنهم يرون أنّ هناك منفذاً متصلاً بين الإحليل والمثانة إلى الجوف، أو أنّ الإحليل جوف بذاته (١).

стр. 357

الراجح في حكم ما يدخل عبر الجهاز البولي: بعد الاستعراض الطبي والفقهي يرى الباحث أنّ مايدخل الجهاز البولي سواء إلى الإحليل أو المثانة للتشخيص أو العلاج بالأجهزة أو الأدوية أو غسول المثانة كل ذلك لا يفطر الصائم، وذلك للآتي: ١. أنّ القول بالتفطير بُني على تعليل تبين بالدليل الطبي القاطع عدم صحته فانتفى الحكم لانتفاء العلة. ٢. أنّ قولهم بالقياس على ما يدخل من الفم قياس مع الفارق حيث أن ما يدخل الفم يصل المعدة، وما يدخل الإحليل لا يصل إلى الجهاز الهضمي مطلقاً. ٣. أنّه لا يمكن أن نفسد عبادة متيقنة إلا بيقين من دليل أو تعليل، وليس ثمة دليل صريح، أو تعليل صحيح للقول بالفساد. وهذا القول هو الذي قرره المجمع الفقهي بكافة علمائه (١)، وكذلك أقرته الندوة الفقهية الطبية التابعة لمجمع الفقه الإسلامي حول التداوي (٢).

стр. 358

وهذا الحكم للرجل والمرأة إذ الوصف التشريحي للجهاز البولي واحد، غير أنّ إحليل الرجل يمتد للخارج في القضيب، وإحليل المرأة فوق فتحة المهبل، ولا علاقة له بالمهبل (١). OOOOO

стр. 359

المطلب الثالث: ما يدخل عن طريق الشرج: الجانب الطبي: الشرج هو القناة السفلى للجهاز الهضمي، وليتم التصور الطبي فلابد من بيان مكونات الجهاز الهضمي ووظيفتها بإيجاز؛ حيث لها تعلق بالموضوع. مكونات الجهاز الهضمي ووظيفتها: الفم: أول أعضاء الجهاز الهضمي، حيث يتناول الإنسان غذاءه عن طريقه، ويقوم الفم بمضغ الطعام بواسطة الأسنان، وتجزئته إلى أجزاء صغيرة، وفيه يقوم اللعاب بتحويل النشأ إلى سكر. البلعوم: تجويف يسمح ببلع الطعام ومروره، بعد مضغه من الفم إلى المريء. المريء: أنبوب يسمح بمرور الطعام من البلعوم إلى المعدة. المعدة: تختزن الطعام لفترة، حيث يتم هضمه جزئيًا بواسطة العصارات التي تفرزها المعدة. الأمعاء الدقيقة: أنبوبة طويلة ملتوية يكتمل فيها هضم الغذاء بواسطة العصارات التي يفرزها الكبد والبنكرياس، بالإضافة للعصارات التي تفرزها الأمعاء الدقيقة، وفيها تحدث عملية امتصاص الغذاء المهضوم، ونقله إلى الدم (١). الأمعاء الغليظة: الأمعاء الغليظة تتميز إلى قولون ومستقيم، وينقسم

стр. 360

القولون إلى الصاعد والمستعرض والنازل تبعا لخط سير الغذاء فيه. ويفتح المستقيم إلى الخارج بفتحة الشرج. والوظيفة الرئيسية للأمعاء الغليظة هي تكوين البراز وطرده إلى الخارج، بالإضافة إلى هذا تمتص الأمعاء الغليظة كمية كبيرة من الماء الموجود في البراز، كما تقوم. بهضم مادة السليولوز (١). الشرج: قناة طولها حوالي ٤ سم، تصل بين المستقيم والوسط الخارج، وهي تسير نحو الأسفل عبر حلقة من العضلات تُدعى المَصَرَّة الشرجية إلى الفوهة الشرجية التي من خلالها يتم طرح الغائط (٢). العلاجات التي تتم من خلال الشرج: هناك ثلاثة أنواع من العلاجات التي تتم من خلال الشرج ١. الحقن الشرجية. ٢. التحاميل والمراهم الشرجية. ٣. مناظير وأصبع الفحص الطبي.

стр. 361

٣:٤٧ صورة تبين الجهاز الهضمي ومكان الشرج فيه • المسألة الأولى: الحقن الشرجية (١): الجانب الطبي: هي عبارة عن محاليل مائية وزيتية ودوائية وغذائية تدخل عن طريق الشرج إلى الأمعاء الغليظة بهدف إخراج محتويات القولون وتنظيفه، أو تغذية المريض عند تعذر إدخال المحاليل بالطرق التقليدية (أوردة، أو فم) أو معالجة بعض

стр. 362

حالات التهابات الأمعاء، وذلك بحقن مواد دوائية مع هذه المحاليل, والكميات قد تتراوح ما بين ٥٠ سم ٣ - ١٠٠ سم ٣ (١)، ويتم امتصاص هذه المواد عن طريق الغشاء المخاطي المزود بشعيرات دموية. والحقن الشرجية نوعان: ١. علاجية للإمساك، وهذه يبقى جزء منها يمكن امتصاصه من الأوعية الدموية في القناة الشرجية. ٢. حقن شرجية للتغذية المباشرة أو غير مباشرة (٢). ٣:٤٨ صورة تبين الحقنة الشرجية

стр. 363

الجانب الفقهي: تمهيد: فَرّق الفقهاء المتقدمون –﵏ في تأثير ما يدخل عن طرق الشرج على صحة الصوم بين ما كان مائعاً، وما كان جامداً، ولهم في كل واحدة أقوال وأدلة وتعليلات، وسوف نذكر موقفهم تحت كل مسألة بما يناسبها، حسب ما تتكيف به المسألة فقهياً. التكييف الفقهي: تحدث الفقهاء المتقدمون عن الحقنة الشرجية التي كانت في زمانهم وهي نظير الحقنة الشرجية المعاصرة من حيث الصورة الأولية، وهي إدخال سوائل عن طرق الشرج، غير أنّ الحقنة الشرجية في عهدهم هي إدخال مواد طاردة لما في الأمعاء، ومذهبة للإمساك المرضي، بينما الحقن الشرجية المعاصرة تتوافق معها من حيث الصورة، إلا أنَّ لها استعمالات متعددة (١). التخريج الفقهي: ذهب جمهور الفقهاء من المذاهب الأربعة إلى أن الحقنة الشرجية مفسدة للصوم، وهو مذهب الحنفية، وجمهور المالكية، والشافعية، والحنابلة، وذهب

стр. 364

بعض المالكية إلى أنها غير مُفَطِّرة، وآزرهم في ذلك القاضي حسين من الشافعية، وابن تيمية من الحنابلة. القول الأول: إدخال المائع عن طريق الشرج مفسد للصوم: وهو مذهب الحنفية والشافعية، والحنابلة، وبعض المالكية، وفيما يلي بيان أقوالهم: • الحنفية: قال ابن نجيم: «وإذا احتقن- أي وضع الحقنة في الدبر - أو استعط أو أقطر في أذنه أو داوى جائفة أو آمة بدواء، ووصل إلى جوفه أو دماغه أفطر» (١). • المالكية: قال سحنون: قلت لابن القاسم: «أرأيت من احتقن في رمضان، أو في صيام واجب عليه أيكون عليه القضاء والكفارة في قول مالك. قال: قال مالك: عليه القضاء. قال ابن القاسم: ولا كفارة عليه» (٢). • الشافعية: قال النووي: «وأما الحقنة فتُفَطِّر على المذهب ... ، سواء كانت الحقنة قليلة أو

стр. 365

كثيرة، وسواء وصلت إلى المعدة أم لا فهي مُفَطِّرة بكل حال عندنا» (١). • الحنابلة: قال ابن قدامة عند حديثه عن المُفَطِّرات: «يفطر بكل ما أدخله إلى جوفه، أو مجوف في جسده كدماغه وحلقه .. أو ما يدخل إلى الجوف من الدبر بالحقنة، ... ؛ لأنه واصل إلى جوفه باختياره فأشبه الأكل» (٢). أدلتهم: ١. حديث: «إِنَّمَا الإفطار مِمَّا دَخَلَ وَلَيْسَ مِمَّا خَرَجَ» (٣)، وأثر ابن عباس: «الفطر مِمَّا دَخَلَ وَلَيْسَ مِمَّا خَرَجَ» (٤). ٢. أنَّه أدخل في جوفه شيئاً باختياره فأشبه الأكل والشرب (٥). ٣. أنَّ ما يدخل عن طريق الدبر يصل إلى الأمعاء فتحصل به الفائدة، فصار بمعنى الأكل، والشرب. ٤. قياس المنفذ غير المعتاد على المنفذ المعتاد في الواصل إلى الجوف (٦).

стр. 366

القول الثاني: إدخال المائع عن طريق الشرج غير مفسد للصوم: وهو قول بعض المالكية أنها غير مُفَطِّرة، وآزرهم في ذلك القاضي حسين (أبو شجاع) من الشافعية، وابن تيمية من الحنابلة، وأقوالهم تجلي لنا المسألة. • بعض المالكية: قال المغربي: مشيراً لحصول الخلاف في المذهب في حكم الحقنة: «واختُلِف في الاحتقان بالمائعات هل يقع به فِطْر أو لا يقع به، وألّا يقع به أحسن؛ لأنَّ ذلك مما لا يصل إلى المعدة، ولا إلى موضع يتصرف منه ما يغذي الجسم بحال» (١). وقال الدسوقي: «فإن أوصل للمعدة حقنة من مائع وجب القضاء على المشهور، ومُقابِله ما لابن حبيب- أي القول الذي لابن حبيب- من استحباب القضاء بسبب الحقنة من المائع الواصلة للمعدة من الدبر أو فرج المرأة» (٢). وقول ابن حبيب باستحباب القضاء مع جزمه أنّها لا تُفَطِّر إنما ذلك من باب التحوط، كما جرت عادة الفقهاء أن يقولوا باستحباب الشيء خروجاً من الخلاف. • بعض الشافعية: قال النووي مشيراً إلى قول القاضي حسين: «وأما الحقنة فتُفَطِّر على المذهب،

стр. 367

وبه قطع المصنف، والجمهور، وفيه وجه قاله القاضي حسين: لا تفطر» (١). • ابن تيمية: قال ابن تيمية: «وأما الكحل والحقنة وما يقطر في إحليله ومداواة المأمومة والجائفة فهذا مما تنازع فيه أهل العلم ... ، والأظهر أنه لا يفطر بشيء من ذلك» (٢). أدلتهم: ١. أنّ الحقنة لا تصل إلى المعدة، ولا إلى موضع يتصرف منه ما يغذي الجسم (٣). ٢. أنّ الحقنة مما سكت عنها الشارع، مع وجودها في زمن الوحي، فلو كانت مفسدة للصوم لبينها النبي ﷺ (٤). ٣. أن المنهي عنه الأكل والشرب، وما يدخل من الدبر ليس أكلاً ولا شرباً. •

стр. 368

المسألة الثانية: التحاميل والمراهم الشرجية: الجانب الطبي: التحاميل الشرجية: هي عبارة عن أجسام شبه مخروطية لينه توضع عن طريق الشرج وأسفل المستقيم، ويختلف دواعي استعمالها فمنها: ١. ما يستعمل لعلاج الإمساك، وذلك عن طريق امتصاص السوائل من جدار الأمعاء والكتل البرازية، ويساعد على حركة الأمعاء. ٢. مضادات حيوية لعلاج الالتهاب. ٣. ما يؤثر مباشرة على الأوعية الدموية للبواسير والشرخ الشرجي. امتصاص التحاميل: يتم امتصاص المواد الفعالة عن طريق الغشاء المخاطي للأمعاء الغليظة، بنسب مختلفة ويستفيد منها الجسم (١). الجانب الفقهي: التكييف الفقهي: بعد التصور الطبي لحقيقة التحاميل الشرجية فإنّ الصورة التي تماثلها مما تحدث عنه الفقهاء المتقدمون هي مسألة إدخال الجامد إلى الدبر، وهي مسألة

стр. 369

تستوعب عندهم الجوامد كالعود والحصاة والأصبع والفتائل، ولو كانت مبتلة بأدهان. التخريج الفقهي: من خلال تتبع أقوال الفقهاء المتقدمين في المذاهب الأربعة نجد أنّهم مختلفون في حكم إدخال الجامد إلى الدبر في نهار رمضان، وتأثيره على صحة الصوم، فذهب الحنفية إلى أنّ الجامد يفسد الصوم إذا غاب كله في الدبر أو كان مبلولاً، وذهب المالكية إلى عدم فساد الصوم بها، وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنها مفسدة للصوم بكل حال. القول الأول: (مفسدة للصوم بشروط): وهو قول الحنفية حيث ذهبوا إلى أن الجامد (١) مفسد للصوم إذا غاب كله في الدبر، أو كان مبلولاً بماء، أو دهن، ونحو ذلك، أما الجاف إذا بقي جزء منه في الخارج فلا يفسد الصوم. قال ابن نجيم: «ولو أدخل خشبةً، أو نحوها وطرفاً منها بيده لم يفسد صومه ... ، وكذا لو أدخل إصبعه في أسته (٢) ... إلا إذا كانت الإصبع مبتلة بالماء أو

стр. 370

الدهن فحينئذٍ يفسد لوصول الماء أو الدهن» (١). القول الثاني: (غير مفسد للصوم): • وهو قول المالكية. قال سحنون: «وسئل مالك عن الفتائل تجعل للحقنة، فقال: أرى ذلك خفيفاً، ولا أرى عليه فيه شيئاً» (٢) وقال المغربي في حديثه عمّا لا يفسد الصوم: «أو استدخل فتائل يعني في دبره، وسواء كان عليها دهن أم لا» (٣). القول الثالث: (مفسد للصوم بكل حال): وهو قول الشافعية والحنابلة يرون أنّ ما يدخل الدبر من خشبة أو أصبع أو حصاة مفسد للصوم بكل حال. • الشافعية: قال النووي: «لو أدخل الرجل إصبعه، أو غيرها دبره، أو أدخلت المرأة إصبعها، أو غيرها دبرها، أو قُبلها وبقي البعض خارجاً، بطل الصوم باتفاق أصحابنا» (٤). •

стр. 371

الحنابلة: قال البهوتي: «إذا أدخلت إصبعها، ... نحو الدماغ، والحلق، وباطن فرجها: كالدبر، مما ينفذ إلى معدته شيئاً من أي موضع كان ولو خيطاً ابتلعه كله، أو ابتلع بعضه، أو رأس سكين من فعله، أو فعل غيره بإذنه، فغاب في جوفه فسد صومه» (١). حكم التحاميل والمراهم في ضوء كلام الفقهاء المتقدمين: التحاميل والمراهم مُفَطِّرة عند الحنفية حيث اشترطوا في الداخل ألا يغيب كله، ولا يكون مبلولا، ومعلوم أنَّ التحاميل والأدهان تغيب كلها وتكون بحكم المبلول. أما على قول المالكية فهي غير مُفَطِّرة، وعلى رأي الشافعية والحنابلة مُفَطِّرة لكونها مما دخل الجوف ولكون داخل الدبر من الجوف. • المسألة الثالثة: المنظار وأصبع الفحص الطبي: الجانب الطبي: ١ - المنظار الشرجي (Flexible Sigmoidoscopy): هو ما يعرف بالمنظار السجمي المرن لفحص المستقيم والجزء الأخير من القولون (الأمعاء الغليظة)، وهو عبارة عن أنبوب رفيع مرن مزود بكاميرا صغيرة في نهايته، يوضع داخل فتحة الشرج ويُحرك ببطء داخل القولون،

стр. 372

ويساعد ضوء موجود في طرف المنظار على تمكين الطبيب من رؤية جدران القولون بشكل جيد باحثاً عن أي تغيير فيها بسبب الإصابة بمرض أو ورم أو أي حالة يمكن أن تتحول ورم سرطاني، كما يمكن للطبيب أن يعرف ما إذا كان هناك نزيف في جدار القولون، وأن يحاول معرفة الآلام التي يشتكي منها المريض ومصدر الدماء النازفة في حالة النزيف الشرجي (١). ٣:٤٩ صورة تبين المنظار الشرجي وكيفية إدخاله ٢ - أصبع الفحص الطبي (Digital Rectal Examination): وهو الفحص الذي يقوم به الطبيب للكشف عن مشكلات البروستات، حيث يقوم بإدخال إصبعه -بعد أن يلبس القفازات- في فتحة الشرج لفحص

стр. 373

السطح الخارجي الخلفي للبروستات ولفحص حجم وحالة البروستاتة، ويعتبر هذا الفحص من الفحوص المهمة ليس لتشخيص تضخم البروستات الحميد؛ بل للكشف المبكر أيضا عن سرطان البروستات. وغالباً ما يستخدم الطبيب مادة ملينة لتسهيل إدخال أصبعه في فتحة الشرج (١). ٣:٥٠ صورة تبين العلاقة بين فتحة الشرج والبروستات الجانب الفقهي: التكييف والتخريج الفقهي للمنظار وأصبع الفحص الطبي هو ما سبق من ذكر أقوال الفقهاء المتقدمين وحكمهم في مسألة دخول الجامد أو الأصبع إلى الدبر؛ إذ التأصيل لهما واحد.

стр. 374

حكم استخدام منظار الشرج والمستقيم وأصبع الفحص للصائم: من خلال أقوال الفقهاء المتقدمين فإنَّ حكم منظار الشرج، وأصبع الفحص الطبي في الشرج كالتالي: ١. يفسد الصوم على رأي الحنفية إذا صاحب إدخال المنظار أو الأصبع دهون مساعدة لإدخالها (١). ٢. لا يفسد مطلقاً عند المالكية سواء صاحبهما أدهان مسهلة أم لا (٢). ٣. يفسد بكل حال عند الشافعية والحنابلة سواء صاحبهما أدهان مسهلة أم لا (٣). أقوال الفقهاء المعاصرين وأدلتهم في حكم ما يدخل عن طريق الشرج: اختلف الفقهاء المعاصرون في حكم ما يدخل عن طريق الشرج وأثره على الصوم، فذهبت طائفة منهم إلى أنها مفسدة للصوم، وذهبت طائفة أخرى بأنها غير مفسدة للصوم، وذهبت طائفة ثالثة إلى أنّ مايدخل الشرج من المائعات أو الجامدات لا يفطر، إلّا ما كان من الحقن الشرجية المغذية، وعزز كل فريق قوله بأدلة وتعليلات.

стр. 375

القول الأول: ما يدخل عن طريق الشرج مفسد للصوم: وهو قول الشيخ حسنين مخلوف (١)، والشيخ حسن أيوب (٢)، والشيخ وهبة الزحيلي (٣)، والشيخ محمود عويضة (٤). أدلتهم: ١. أنها تدخل من منفذ طبيعي، وتصل إلى الجوف (٥). ٢. أن الحقن الشرجية والتحاميل تصل إلى المستقيم، ومنه تنفذ إلى الأمعاء الغليظة، والأمعاء الغليظة تعتبر من الجهاز الهضمي. ٣. أنّ الأمعاء الغليظة لها قدرة على الامتصاص كما أثبت الطب (٦). القول الثاني: ما يدخل عن طريق الشرج غير مفسد للصوم وهو قول الشيخ شلتوت (٧)، والشيخ عبد العزيز بن باز (٨)، والشيخ

стр. 376

القرضاوي (١)، والشيخ عبد اللطيف فرفور (٢). أدلتهم: أن حقيقة الأكل والشرب المنهي عنه هو ما يصل إلى المعدة، وما يدخل من الشرج لايصل إلى المعدة (٣). القول الثالث: (القائلون بالتفصيل) ما يدخل عن طريق الشرج غير مفسد للصوم إلا ما كان من الحقن الشرجية المغذية (٤). وهو قول رشيد رضا (٥)، والشيخ ابن عثيمين (٦)، والشيخ فضل حسن عباس (٧)، والشيخ أحمد الخليل (٨).

стр. 377

أدلتهم: ١. إذا حقنت الأمعاء بدواء ليس فيه غذاء، ولا ماء، فليس هناك ما يدل على التفطير. والأصل صحة الصيام. ٢. إذا ثبت طبياً أن الأمعاء الغليظة تمتص الماء وغيره، فإنه إذا حقنت بمواد غذائية، أو ماء، يمكن أن يمتص، فإن الحقنة هنا تكون مُفَطِّرة؛ لأن هذا في الحقيقة بمعنى الأكل والشرب (١). الترجيح: بعد هذا الاستعراض الطبي والفقهي بأقواله وأدلته للفقهاء المتقدمين والمعاصرين فإنّ الذي ظهر للباحث أن كل ما يدخل عن طريق الشرج لا يفطر من حقنة وتحاميل ومنظار ومراهم باستثناء الحقن الشرجية المغذية، وذلك للأسباب الآتية: ١. أنّ القائلين بفساد الصوم لم يستندوا إلى دليل صريح يمكن أن تطمئن إليه النفس بإفساد عبادة صحيحة متيقنة. ٢. الراجح في ضابط المُفَطِّرات أنَّه ما كان أكلاً أو شرباً أو في معناهما، وما يدخل عن طريق الشرج ليس أكلاً ولا شرباً ولا في معناهما. ٣. أثبت الطب الحديث أنّ الامتصاص في الأمعاء الغليظة ضعيف جداً، وأنَّ

стр. 378

ما يدخل في الحقنة الشرجية يخرج ولا يستقر في الداخل، إلا ما كان مغذياًً. ٤. ما يحصل من امتصاص لبعض الماء أو الدواء لا يغني عن الأكل والشرب. ٥. اختيار كون الحقن الشرجية المغذية مفسدة للصوم؛ لأنها بمعنى الأكل والشرب، وما كان بمعنى الأكل والشرب يأخذ حكمهما، حيث يستغني بها الجسم عن الطعام والشراب كما هو الحال في الحقن الوريدية المغذية.

стр. 379

المبحث الرابع الخارج من البدن وفيه مطالب: - المطلب الأول: الغسيل الكلوي الدموي. - المطلب الثاني: التبرع بالدم. - المطلب الثالث: أخذ الدم للتحليل. المطلب الرابع: شفط الدهون.

стр. 380

المطلب الأول: الغسيل الكلوي الدموي (Hemo dialysis): الجانب الطبي: الغسيل الكلوي الدموي: هو عملية استخلاص المواد السامة، والسوائل الزائدة عن حاجة الجسم باستخدام مُرشِح. وتعتمد هذه الطريقة على ضخ الدم من خلال الكلية الصناعية (جهاز الغسيل الكلوي) التي يتم من خلالها إزالة السموم، ومن ثم إعادة الدم إلى الجسم. والكلية الصناعية هي عبارة عن اسطوانة تحتوي على غشاء يفصل بين الدم وسائل التنقية. ويوجد في هذا الغشاء فتحات صغيرة جداً تسمح بمرور السموم والأملاح والماء إلى سائل التنقية عبر هذا الغشاء. وسائل التنقية عبارة عن ماء يضاف إليه بعض الأملاح وسكر ومعادن تعادل الكميات الموجودة في الدم (١). جهاز الغسيل الكلوي: هو عبارة عن جهاز مؤلف من أنابيب بلاستيكية وجزء فعّال يسمى الفلتر (المُرشِح أو المُصفِي) وهنالك سوائل حمضية تحتوي على الأملاح والسكريات

стр. 381

بنسبة محددة، وهناك سائل البيكربونات وهناك الماء المقطر الذي لا يحوي على أملاح أو سكريات، والذي يخرج من محطة تنقية المياه، وتختلط هذه السوائل جميعها داخل جهاز الغسيل الكلوي ويسمى الخليط سائل الإنقاذ (١). وتعْبُر الفضلات السامة والأملاح الزائدة من الدم إلى سائل التنقية، كما تَعْبُر بعض المعادن والسكر من سائل التنقية إلى الدم، ومن ثم يتم ضخ الدم إلى الجسم مرة أخرى، بينما يُطْرَد سائل التنقية المُحَمَّل بالفضلات السامة إلى الصرف الصحي، وتستلزم عملية التنقية الدموية إعطاء أدوية متعددة كمسيلات الدم والهرمونات والفتمينات. ٣:٥١ صورة توضيحية لكيفية عملية الغسيل الكلوي

стр. 382

الجانب الفقهي: التكييف الفقهي: بعد الاستعراض الطبي للغسيل الكلوي الدموي نجد أنه عبارة عن إخراج دم كثير من البدن، ثم إعادته مصفىً مضافاً إليه مواد حيوية كالسكر والماء والأملاح، فالتكييف الفقهي له من شقين: • الشق الأول فيه مطابق لمسألة الحجامة؛ حيث أنها إخراج دم كثير من البدن. • الشق الثاني هو إعادة الدم إلى البدن عبر الوريد. التخريج الفقهي: بما أن إخراج الدم الكثير من البدن هو شبيه وموافق لصورة الحجامة، فما هي الحجامة؟ وما هو حكمها؟ أولاً: توصيف الحجامة: الحجامة: من الحَجْم (بفتح الحاء وتسكين الجيم) أَي المصّ، وهي استخراج الدم المحتقن من الجسم عن طريق الامتصاص. والحجامة هي فعل الحاجم وحرفته. قال الأزهري: «يقال للحاجم .. حجّام لامتصاصه الدم من فم المِحْجَم»، والمِحْجَم: هو الآلة التي يجمع فيها الدم -أي

стр. 383

القارورة-، وهي مشرط الحجّام أيضا (١). تاريخ الحجامة: عُرِفت الحجامة منذ وقت مبكر في التاريخ البشري، فقد حكت لنا الآثار التاريخية أنّ الصينين عرفوا الحجامة قبل أكثر من خمسة آلاف سنة، كما عرفها الفراعنة، والهنود القدماء، والإغريق، والرومان، وكانت معروفة عند العرب قبل الإسلام، وبرعوا فيها، ومن أشهرهم النضر بن الحارث بن كلدة (المتوفى سنة ١٣ هـ) أشهر أطباء العرب من بني ثقيف، فقد سأله كسرى عن الحجامة فقال «في نقص الهلال, في يوم صحو لا غيم فيه, والنفس طيبة , والعروق ساكنة, لسرور يفاجئك وهَمٌّ يباعدك» (٢). موقف الإسلام من الحجامة: أقر الإسلام الحجامة وحث عليها، فعن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ

стр. 384

قال: «الشِّفَاءُ فِي ثَلاثَةٍ: شَرْبَةِ عَسَلٍ، وَشَرْطَةِ مِحْجَمٍ، وَكَيَّةٍ بِنَارٍ، وَأَنْهَى أُمَّتِي عَنِ الْكَيِّ» (١). وعن أنس بن مالك ﵁ قال: احْتَجَمَ رَسُولُ الله ﷺ ، حَجَمَهُ أَبُو طَيْبَةَ، فَأَمَرَ لَهُ بِصَاعَيْنِ مِنْ شَعِيرٍ، وَكَلَّمَ مَوَالِيَهُ أَنْ يُخَفِّفُوا عَنْهُ ضَرِيبَتَهُ، وَقَالَ: «أَمْثَلُ مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ الْحِجَامَةُ، أو هو أمثل دوائكم» (٢). وعن جابر بن عبد الله ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن كان في شيء من أدويتكم خيرٌ ففي شرطة محجم، أو شربة عسل، أو لذعة نار، وما أحب أن أكتوي» (٣). الحجامة في العصر الحديث: منذ بداية تدوين كتب الطب الحديثة لم تكن تصدر مجلة أو كتاب طبي إلا وذكرت فيه الحجامة وفصلت فيه فوائدها وطرق إجرائها، حيث كانت تستخدم لعلاج كثير من الأمراض منها ضغط الدم، والتهاب عضلة القلب، وتخفيف آلام الذبحة الصدرية. وفي النصف الأخير من القرن العشرين ظهرت أبحاث ودراسات موثقة ارتقت إلى درجة العالمية، ومن أبرزها مؤلفات البروفوسور الألماني يوهان آبله،

стр. 385

ومنها كتابه القيم (الحجامة أسلوب علاجي مجرب) وأيضا دراسته القيمة (الفصد والحجامة) , التي كانت خلاصة لأكثر من عشرين سنة من البحث والتنقيب في الحجامة ونتائجها, وبهذا أزيل الجهل عن الحجامة وعادت هذه الطريقة للظهور من جديد ,وتطورت أدواتها من حيث التشخيص والعلاج, وأصبح التعقيم واستخدام الكؤوس يتم تحت إجراءات طبية ووقائية صارمة (١). كيفية إجراء هذا النوع من الحجامة: ١. تعقم المنطقة المراد حجامتها جيداً. ٢. يوضع كأس الحجامة على الجلد ويفرغ من الهواء بالمقدار المطلوب (بوساطة الماصة)، ويترك من ٣ - ٥ دقائق حتى يحدث الاحتقان (يمكن أن تُكرر هذه العملية أكثر من مرة إذا كان الجلد قاسياً أو لم يحدث احتقان من المرة الأولى. ٣. ينزع الكأس ويعقم مكان الحجامة مرة أخرى. ٤. يشرط الموضع, بواسطة إبرة خاصة أو مشرط صغير خاص, على أن لا يزيد ذلك عن الحد المسموح به وهو خمسة خطوط طولية، في كل خط من ٦ - ٧ وخزات أو ٢ - ٣ شرطات طول كل منها ٣ ملم، ويقلّ ذلك أو يكثر بحسب حالة المريض والمنطقة المراد حجامتها. ٥.

стр. 386

يعاد الكأس مرة أخرى ويفرغ من الهواء مره أخرى, فينسحب الجلد ويخرج الدم إلى الكأس. ٦. يترك الكأس لمدة ٥ - ٧ دقائق على أن لا تزيد هذه المدة خوفا من ظهور فقاعات مائية كما في الحروق. ٧. ينزع الكأس ويمسح الدم منه بوساطة شاش معقم. ٨. يدهن قليل من الزيت المعقّم على المكان المحجوم (١). ٣:٥٢ صورة تبين عملية الحجامة ثانياً: حكم الحجامة أثناء الصوم: بدأ الخلاف في مسألة الحجامة مبكراً، هل هي مفسدة للصوم، أم غير مفسدة؟ فقد اختلف الصحابة ﵃ في الحجامة:

стр. 387

فمنهم من قال أنها غير مُفَطِّرة، وهو قول: ابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وأنس بن مالك، وأبو سعيد الخدري، وأم سلمة، وسعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وهو قول أكثر الصحابة، ومنهم من قال أنّها مُفَطِّرة، وهو قول: علي بن أبي طالب، وأبي هريرة، وعائشة (١). وعلى اختلاف الصحابة اختلفت المذاهب على قولين، الجمهور (الحنفية، والمالكية، والشافعية) أنها لا تُفَطِّر، وذهب الحنابلة وبعض الشافعية إلى أنها تُفَطِّر (٢). وسوف نستعرض أقوالهم وأدلتهم ومناقشتها، حيث أنّ هذه المسألة مما لازال الجدل فيها مستمراً، فلزم البسط لينجلي لنا حكم المسألة التي ينبني على القول فيها حكم عدد من المُفَطِّرات الطبية المعاصرة. القول الأول (الحجامة غير مُفَطِّرة): ذهب أصحاب هذا القول إلى أن الحجامة لا تُفَطِّر، وهم الجمهور (الحنفية، والمالكية، والشافعية) إلا أن المالكية والشافعية يرون كراهتها للصائم (٣). وهذه أقوالهم تبين ذلك: •

стр. 388

الحنفية: قال السرخسي: «وإن احتجم الصائم لم يضره إلا على قول أصحاب الحديث» (١). • المالكية: قال سحنون في المدونة: «وقال مالك: إنما كُرهت الحجامة للصائم لموضع التغرير، ولو احتجم رجل مسلم لم يكن عليه شيء» (٢). • الشافعية: قال الشافعي: «ولو ترك رجل الحجامة صائماًً للتوقي كان أحب إليَّ، ولو احتجم لم أره يُفَطِّره» (٣). وقال النووي: «أما حكم المسألة: فقال الشافعي والأصحاب: تجوز للصائم - أي الحجامة - ولا تُفَطِّره، ولكن الأولى تركها، هذا هو المنصوص، وبه قطع الجمهور» (٤). أدلة الجمهور: استدل الجمهور على قولهم بعدة أدلة: ١.

стр. 389

حديث ابن عباس ب: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ» (١). ٢. حديث ثابت البناني أنه قال لأنس بن مالك ﵁: «أَكُنْتُمْ تَكْرَهُونَ الْحِجَامَةَ لِلصَّائِمِ على عهد النبي ﷺ ؟ قَالَ: لَا، إِلَّا مِنْ أَجْلِ الضَّعْفِ» (٢). ٣. حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «رَخَّصَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بالقُبْلَةِ للصَّائِم وَالحِجَامَة» (٣). ٤. حديث أنس ﵁: «أَوَّلُ مَا كُرِهَتِ الْحِجَامَةُ لِلصَّائِمِ: أَنَّ جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ , فَمَرَّ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ , فَقَالَ: «أَفْطَرَ هَذَانِ» , ثُمَّ رَخَّصَ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدُ فِي الْحِجَامَةِ لِلصَّائِمِ» , وَكَانَ أَنَسٌ يَحْتَجِمُ وَهُوَ صَائِمٌ (٤). ووجه استدلالهم بهذا الحديث أنّ قوله: «رَخّص» ترفع المنع وتنسخه. ٥.

стр. 390

حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ثَلاَثٌ لاَ يُفْطِرْنَ الصَّائِمَ: الحِجَامَةُ، وَالقَيْءُ، وَالاِحْتِلاَمُ» (١). ٦. القياس على الجراحة حيث لاتفسد الصوم، فكذلك الحجامة لأنها جراحة فلم يجب بها الفطر للصائم كالفصاد. المناقشة: اعتراضات القائلين بالتفطير على أدلة الجمهور: رد القائلون بالتفطير بالحجامة على أدلة الجمهور بالآتي: ١ - قالوا حديث: «احتجم وهو صائم» منسوخ بحديث شداد ﵁: «أفطر الحاجم والمحجوم» (٢) لتأخره عنه، ويدل لذلك: أن ابن عباس وهو راوي حديث «أنّ النبي ﷺ احتجم وهو صائم» كان يُعِد الحجَّامَ والمحاجِم، فإذا غابت الشمس احتجم بالليل. وهذا يدل على أنه عَلِم نسخ الحديث الذي رواه (٣). وأجاب الجمهور: بأنّ ابن عباس صَحِبَ النبي ﷺ في حجة الوداع في السنة العاشرة، وحديث شداد: «أفطر الحاجم والمحجوم» سنة ثمان، فدل على أنَّ
следующие страницы →