Полный текст (7 959 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
المبحث الثاني الرواية والدراية في علم الحديث:
قد درس علماء المسلمين السنة النبوية في علمين رئيسيين هما:
أ: علم الحديث رواية (١): وهو علم يقوم على النقل الدقيق لكل ما أضيف إلى النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير أو صفة.
ب: علم الحديث دراية: وهو عبارة عن مجموعة من المباحث والمسائل التى يعرف بها الراوي والمروي من حيث القبول أو الرد.
وبهذين العلمين استطاع العلماء تدوين السنة النبوية، وحفظهما، والحكم على المرويات فيها من حيث القبول أو الرد، ثم فرعوا مباحث أخرى في دراسة السنة مثل: علم الأسانيد، وعلم العلل، وعلم ناسخ الحديث ومنسوخه. كما قاموا بدراسة رواة الأحاديث في فروع أخرى مثل: علم الرجال، الذي يدرس الرواة من حيث بلادهم، وتاريخ ولادتهم، ووفياتهم، وشيوخهم، وتلاميذهم، ورحلتهم العلمية، وتاريخ سماعهم، ومن رووا عنه، ومن روى عنهم، وضبط أسمائهم وبيان المشتبه منها وغير ذلك مما يعين على معرفة
الراوي، ومن تلك العلوم المتعلقة بالرواة: علم الجرح والتعديل وهو علم يتناول حال الرواة من حيث العدالة والتزكية، أو القدح والتجريح، بحيث يتبين من تقبل روايته ممن لا تقبل روايته.
وهذه العلوم جميعا تعتبر من خصائص الإسلام حيث اهتم بحصر من قاموا بنقل السنة النبوية والسيرة النبوية وعلوم الشريعة، وبيان أحوالهم منذ حياة الرسول ﷺ ، بل ومن العجائب أنه حتى اليوم يوجد أناس يحفظون بعض
_________
(١) انظر: تدريب الراوي للسيوطي ١/ ٤٠.
стр. 107
كتب السنة بسند متصل إلى مؤلفيها مثل صحيح البخاري، وصحيح مسلم، وموطأ الإمام مالك وغيرها.
شروط وضوابط رواية الحديث:
انطلاقًا من العلوم التي وضعها العلماء المسلمون لدراسة السنة، فقد استقرأوا ولم تكن هذه الشروط التي يجب توفرها في الراوي شروط طارئة، بل كانت مستقرة عند المحدثين منذ بدأوا نقل السنة وروايتها في زمن الصحابة ومن بعدهم ومما يدل على رسوخ هذه الشروط أن الإمام الشافعي - وهو من العلماء المتقدمين - قد جمعها في قوله: "ولا تقوم الحجة بخبر الخاصة - أي خبر الآحاد وهو ما لم يبلغ حد التواتر - حتى يجمع أمورًا منها: أن يكون حدث به ثقة في دينه، معروفًا بالصدق في حديثه، عاقلًا لما يحدث به، عالمًا لما يحيل معاني الحديث من اللفظ وأن يكون ممن يؤدي الحديث بحروفه كما سمع، لا يحدث به عن المعنى، لأنه إذا به على المعنى وهو غير عالم بما يُحيل معناه حافظًا إن حدث به من حفظه، حافظًا لكتابه إن حدث من كتابه" (١) لم يدر لعله يُحيلُ الحلال إلى الحرام وإذا أداه بحروفه فلم يبق وجه يُخاف فيه إحالته الحديث.
إلا أن هذه المباحث لا تكفي لأن يعد الشافعي أول من تكلم في مصطلح الحديث؛ بل إن الرامهرمزي هوَ أول من تكلم بذلك.
إن من أهم ما اتصف به عرب الصحراء في الجزيرة العربية، قوة الذاكرة، فقد اشتهر العرب بقوة الحفظ (٢)، لذا كانت الذاكرة هي الوسيلة الأولى في حفظ نصوص الشرع مع الاستيثاق بالكتابة. وقد أشار الله تعالى
_________
(١) الرسالة: (١٠٠٠) و (١٠٠١) بتحقيقنا.
(٢) السنة للسباعي: ٧٢.
стр. 108
إلى هاتين الوسيلتين لحفظ الوحي المنزل على محمد ﷺ ، فقد سمى ذَلِكَ (الكتاب)، قالَ الله تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ (١)، للدلالة على أنه سوف يكتب في السطور، كما سماه (قرآنًا) للتدليل على أنه سوف يحفظ في الصدور، تعبدًا بتلاوته، وتقربًا لله تعالى بحفظه، قد الله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ (٢) ومصداق ذلك الكثرة الكاثرة من الذين يحفظون القرآن الكريم كاملًا، بل إنه ما من مسلم إلا ويحفظ شيئًا من القرآن الكريم.
وكذلك الحال بالنسبة للسنة النبوية، فقد سلك الصحابة - رضوان الله عليهم - الوسيلتين لحفظهما، وحثهم على ذلك الرسول ﷺ حيث قال: انضر الله امرء سمع مقالتي فوعاها وأداها كما سمعها، فرب مبلّغ أوعى من سامع، ورب حامل علم إلى من هو أعلم منه" (٣) فأشار ﷺ بذلك إلى أهمية حفظ الصدور، أما الكتابة، فقد ثبتت عن الكثير من الصحابة حيث إن النبي ﷺ اتخذ كتبة للوحي، إضافة إلى أن الكثير من الصحابة كانوا يكتبون لأنفسهم، فقد ثبت أن عبد الله عمرو ﵁ كان يكتب عن النبي ﷺ حديثه، فقال له بعض الصحابة: لا تكتب كل شيء تسمعه من رسول الله ﷺ فإنه بشر يفرح ويغضب، فربما كتبت عنه ما ليس بوحي، فأخبر عبد الله بن عمرو ﵁
_________
(١) البقرة: ١
(٢) العنكبوت: ٤٩
(٣) أخرجه الحميدي (٨٨)، وأحمد ١/ ٤٣٦، وابن ماجه (٢٣٢)، والترمذي (٢٦٥٧)، وأبو يعلى (٥١٢٦) و (٥٢٩٦)، والشاشى (٢٧٥) و (٢٧٦)، وابن حبان (٦٦) و (٦٨) و (٦٩).
стр. 109
رسول الله ﷺ ذلك فقال ﷺ " اكتب، فوالذي نفسي بيده لا يخرج منه إلا حق" (١).
بناء على ما سبق فإن كتابة السنة النبوية كانت مشهورة ومعروفة منذ عهده ﷺ ، فقد كان لكثير من الصحابة صحائف خاصة كتبوا فيها ما سمعوه من حديث رسول الله ﷺ فقد كان لعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأبي بن كعب وعبادة بن الصامت وغيرهم ﵁ كان جميعهم لهم صحف كتبوا فيها عددًا كبيرًا من الأحاديث، حتى إن الصحابي الجليل واثلة بن الأسقع ﵁ المتوفى سنة (٨٣ هـ) كان يملى حديث رسول الله ﷺ من صحيفته على طلابه، وقد روت كتب السنة الأحاديث الواردة في صحف هؤلاء الصحابة ﵃. إلا أن مرحلة التدوين الرسمي للسنة النبوية بدأت في عصر عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى، حيث كتب إلى ولاته في الأمصار (٢): "انظروا حديث رسول الله ﷺ فاكتبوه، فإني خفت دروس العلم وذهاب أهله". فقد كتب إلى إمام أهل الحديث محمد بن شهاب الزهري، المتوفي سنة (١٤٢ هـ) يأمره بجمع السنة، فقد قال الزهري: "أمرنا عمر بن عبد العزبز بجمع السنة فكتبناها دفترًا دفترا، فبعث إلى كل أرض له عليها سلطان دفترا" (٣) بعد ذلك انطلق العلماء في تأليف وتصنيف الكتب الجامعة لأحاديث الرسول ﷺ ، فكان أول من صنف في الحديث أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز المتوفى سنة (١٥٠ هـ) ثم معمر بن راشد المتوفى سنة
_________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٦٤١٩)، وأحمد ٢/ ١٦٢، أبو داود (٣٦٤٦)، والخطيب في تقييد العلم: ٨٠، والمزي في تهذيب الكمال ٧/ ٤٧٥.
(٢) أخرجه البخاري ١/ ٣٦، والخطيب في تقييد العلم: ١٠٥.
(٣) جامع بيان العلم وفضله: ١/ ٧٦.
стр. 110
(١٥٣ هـ) باليمن وغيرهم، وكانت كتب هؤلاء تجمع الحديث مع فتاوى التابعين (١) إلا أن أول من صنف في الحديث خاصة هو. الربيع بن صبيح المتوفى سنة (١٦٠ هـ)، ثم استمر التصنيف بعده حتى عهود المصنفين الكبار كالإمام مالك بن أنس (٩٣ - ١٧٩ هـ) الذي صنف (الموطأ).
والإمام أحمد بن حنبل (١٦٤ - ٢٤١ هـ) الذي صنف (المسند)، والإمام البخاري (١٩٤ - ٢٥٦ هـ) الذي صنف (صحيح البخاري)، والإمام مسلم (٢٠٤ - ٢٦١ هـ) الذي صنف (صحيح مسلم)، وغيرهم من أئمة السنة، وبذلك جمعت السنة في هذه المدونات.
وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم، ينقلون خبر الرسول ﷺ ويعظمونه، ويستشعرون مسؤولية روايته، ويهابون قول النبي ﷺ : "من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" (٢) مع أن النبي ﷺ قد زكاهم بقوله: "خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" (٣).
وكذلك كان الحال بالنسبة لكبار التابعين، فقد كانت العدالة هي السمة البارزة فيهم، فلم يكونوا يتشددون في قبول حديث الرسول ﷺ بعضهم عن بعض إلا ما روي من تثبت بعضم تحوطًا.
_________
(١) انظر: الحديث النبوي: ٤٣، والإمام الزهري وأثره في السنة: ٢٩٣، وتدوين السنة النبوية: ٨٧.
(٢) أخرجه أحمد ٣/ ١١٦ و ١٦٦، والدارمي (٢٤٢)، والبخاري ١/ ٣٨ (١٠٧)، وأبو داود (٣٦٥١).
(٣) أخرجه الطيلسي (٢٩٩)، وأحمد ١/ ٣٧٨ و ٤١٧ و ٤٣٤، وابن ماجه (٢٣٦٢)، والترمذى (٣٨٥٩)، وابن أبي عاصم (١٤٦٦) و (١٤٦٧)، والنسائى في الكبرى (٦٠٣١).
стр. 111
بعد وقوع الفتنة بمقتل عثمان ﵁ وظهور الفرق والأهواء جعل الصحابة والتابعون يتشددون في قبول الحديث حتى ينظروا في حال الراوي، فإن عرفوه بالعدالة قبلوا روايته وإلا تركوها، فقد روى الإمام مسلم عن مجاهد قال: جاء بشير العدوي إلى ابن عباس فجعل يحدث، ويقول: قال رسول الله ﷺ ، فجعل ابن عباس لا يأذن لحديثه، ولا ينظر إليه، فقال: يا ابن عباس، ما لي لا أراك تسمع لحديثي؟ أحدثك عن رسول الله ﷺ ولا تسمع؟، فقال ابن عباس: إنا كنا إذا سمعنا رجلًا يقول: قال رسول الله ﷺ ، ابتدرته أبصارنا، وأصغينا إليه بآذاننا، فلما ركب الناس الصعب والذلول؟ أي تغير الحال بعد الفتنة لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف" (١)، وبمثل هذا عمل كبار التابعين، فقد قال محمد بن سيرين: "لم يكونوا، أي التابعين يسألون عن الإسناد فلما وقعت الفللة، قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم" (٢).
وعلى هذا الأساس وضع المحدثون قواعد الحكم على الحديث عن طريق النظر في سلسلة رجال الإسناد، فيرجع إلى كل راو في السند للتحقق من توفر الشروط الخاصة بقبول روايته، ومن ثم صحة سند الحديث (٣)، وهذه الشروط هي:
أ: عدالة الراوي ب: ضبطه ج: ثبوت سماعه من شيخه.
_________
(١) أخرجه الدارمي في سننه ١/ ١٢٤، ومسلم ١/ ١٣، والحاكم في المستدرك ١/ ١٩٦، وابن عبد البر في التمهيد ١/ ٤٣.
(٢) أخرجه مسلم في مقدمة صحيحه ١/ ١٥.
(٣) انظر في الصحيح: معرفة علوم الحديث: ٥٨، وجامع الأصول ١/ ١٦٠، ومعرفة أنواع علم الحديث: ٧٩.
стр. 112
أولًا: عن طريق كتب الجرح والتعديل يعلم حال الراوي من حيث العدالة والضبط.
ثانيًا: عن طريق كتب علم الرجال ليعرف الراوي من حيث ولادته ووفاته وموطنه، ورحلاته، وشيوخه وطلابه، وبذلك يعرف إن كان الراوي قد ذكر ضمن تلاميذ من روى عنهم الحديث.
كما أن العلماء وضعوا شرطين آخربن لصحة الحديث وذلك بالنظر إلى نصه وموضوعه، احتياطًا للخطأ الوارد على الر اوى باعتباره بشرًا، والشرطان هما:
أ/ من حيث الموضوع: اشترط عدم العلة القادحة، مثل اضطراب المتن، أو مخالفة أصل من أصول الشرع.
ب/ ومن حيث النص، فقد اشترط عدم الشذوذ، ويراد به ألا يخالص الراوي بحديثه من هو أوثق منه.
وبتطبيق هذه الشروط الخمسة مجتمعة على الحديث يمكن الحكم عليه من حيث الصحة أو الضعف.
إن التوثيق والتدوين في الإسلام يعد مطلبًا شرعيًا مهمًا، لذا قال الله تعلى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦] كان النبي ﷺ يتخذ كتابًا للوحي، كما أنه اتخذ خاتمًا له يختم به مكاتباته، وقد نقش على ختمه (محمد رسول الله) (١). وقد
_________
(١) أخرجه الحميدي (٦٧٥)، والبخاري ٧/ ٢٠٠ (٥٨٦٥) و ٧/ ٢٠١ (٥٨٦٦) و ٧/ ٢٠٢ (٥٨٧٣) و ٧/ ٢٠٣ (٥٨٧٦) و ٨/ ١٦٥ (٦٦٥١)، ومسلم ٦/ ١٤٩ (٢٠٩١)، وأبو داود (٤٢١٨) و (٤٢١٩) و (٤٢٢٠).
стр. 113
كاتب الرسول ﷺ عدد من الملوك والعظماء يدعوهم إلى الإسلام (١)، ولا تزال بعض أصول هذه المكاتبات موجودة حتى اليوم.
إن تداول السنة النبوية منذ عهده ﷺ وحتى تدوين السنة في المدونات الحديثية لم ينقطع، فقد سمع الصحابة رضى الله عنهم من النبي ﷺ . وبعد وفاته ﷺ جاء التابعون وعاصروا الصحابة وقد تأخرت وفاة كثير من الصحابة، فكان أخرهم وفاة هو عامر بن واثلة أبو الطفيل الذي توفى سنة (١٠٠ هـ) (٢) وبذلك يتضح لنا جليًا اتصال مصدر تلقي السنة النبوية.
إن تدوين السنة حتى في صورته الرسمية بأمر الخليفة عمر بن عبد العزبز الذي أمر الزهري وغيره من التابعين بكتابة السنة، إن ذلك التدوين قد تم في عهد الصحابة ﵃، فإن عمر بن عبد العزيز قد توفى سنة ١٠١ هـ (٣) أي بعد سنة من وفاته الصحابي الجليل أبو الطفيل ﵁، ومعلوم بالضرورة أن التدوين يكون قد شرع فيه قبل وفاته.
إن ظاهرة حفظ النصوص ليست من الأمور الغريبة فإنه حتى اليوم لا يزال المسلمون يحفظون الكثير من نصوص الكتاب والسنة، فإذا أمكن ذلك
_________
(١) فقد روى الترمذي في الجامع الكبير بإسناده عن أنس ﵁: أن رسول الله ﷺ كتب قبل موته إلى كسرى وإلى قيصر وإلى النجاشي وإلى كل جبار يدعوهم إلى الله، وليس بالنجاشى الذي صلى عليه النبي ﷺ ، والحديث أخرجه أحمد ٣/ ١٣٣، ومسلم ٥/ ١٦٦ (١٧٧٤)، وأبو يعلى (٢٩٥٤) و (٣٠٧١)، وأبو نعيم في الحلية ٩/ ٤٥.
(٢) وقيل: سنة (١٠٧ هـ)، وقيل: سنة (١١٠ هـ). تهذيب الكمال ٤/ ٣٨ - ٣٩ (٣٠٥١).
(٣) تاريخ الإسلام: ٢٠٥.
стр. 114
في هذا العصر الذي كثرت فيه الشواغل، فإن إمكانه أوعى في زمن الصحابة والتابعين الذين كانت أحوالهم أقرب إلى الصفاء وقلة الشواغل.
ولم تهتم الأمة الإسلامية بشيء بعد اهتمامها بكتاب الله ، كاهتمامها بحديث رسول الله ﷺ ، وسعيها في ذلك السعي العجيب الفذ، الذي أذهل الأعداء قبل الأصدقاء، وعدّ المستشرقون ذلك مفخرة كبرى يفتخر بها المسلمون.
وانطلاقًا من كون السنة النبوية الركن الثاني لهذا الدين العظيم، وما لذلك من آثار وخلفيات, فإن علماء المسلمين منذ السنوات الأولى لفجر الإسلام وعلى مر العصور واختلاف الدهور كان لهم في شتى علوم السنة النبوية شغل شاغل وعمل علمي متواصل وتفرغ كامل، وخدمة واسعة عامة.
فكانوا تارة يحفظون الحديث، وتارة يدونونه وتارة يتحملونه، وتارة يحضون الناس على تحمله، وتارة يقسمونه إلى أقسام بحسب مواضيعه أو بحسب مراتبه، وتارة يذبون الشبهات عنه، وتارة يكشفون أمر الوضاعين فيه، وتارة يبينون القواعد العامة والأصول التي يقبل بها الحديث أو يرد، قيل لعبد الله بن المبارك: هذه الأحاديث الموضوعة، قال: تعيش لها الجهابذة: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (١).
وهكذا تولدت علوم جمة ومعارف كثيرة، حملتها صدور أولئك الرجال الأفذاذ، وسطرتها أقلامهمم النشطة، وطوتها كتبهم النفيسة القيمة التى أفنوا في تحصيلها أعمارهم فكانت شموعًا أضاءت لنا الطريق.
_________
(١) الحجر: ٩.
стр. 115
ونحن عندما نقول (علوم الحديث) نعني بذلك كمّا كبيرًا ضخمًا من المؤلفات والمواضيع، ملأ من المكتبة الإسلامية الكبيرة مساحات واسعة، وكان بفضل الله سبحانه من فوائد هذه الأمة ومزاياها القيمة.
وإذا أردنا بادئ ذي بدء تعريفًا شاملًا لعلوم الحديث، نجد أنفسنا مضطرة إلى إتباع طريقة العلماء في تقسيم تلك العلوم إلى قسمين أساسين هما: علم الحديث رواية، وعلم الحديث دراية.
وأقدم من ألَّف بعض المباحث في علم مصطلح الحديث إليه هو الرامهرمزي (١).
إذ العصر الأول لتدوين السنة النبوية إنما كان القرن الثالث الهجري (٢).
أما القرن الرابع فهو عقد التآليف الجامعة التي لا تزال حتى الآن مراجع لا يستغنى عنها (٣).
وفيما بين القرن السابع والقرن العاشر كان دور النضج والاكتمال وبلوغ الغاية القصوى والتمام.
وإذا أردنا من جانب آخر أن نستقصى جملة علوم الحديث الشريف نجدها كثيرة، وهي:
١. علوم رواة الحديث: وهو ما يتعلق بالتعريف بحال الراوي ومرتبته وتعريف كل مرتبة أو وصف ومتى تقبل روايته ومتى ترد، حيث لقبول الرواية شروط ولردها شروط.
_________
(١) المتوفى سنة (٣٦٠ هـ)، واسم كتابه "المحدث الفاصل".
(٢) انظر: الإمام الزهري وأثره في السنة: ٢٩٣، وتدوين السنة النبوية: ٩٣.
(٣) انظر: تدوين السنة النبوية: ١٤٥.
стр. 116
كذلك وفي هذا القسم من علوم الحديث يتعرض العلماء للتعريف بالصحابة وبطبقات الثقات والضعفاء وغير ذلك، كما يتعرضون لتواريخ رواة الحديث وطبقاتهم وأسمائهم وكناهم وألقابهم، وفي تلك المباحث تفريعات كثيرة لا حصر لها، ومن أهمها شروط العدالة ومسائلها، والجرح والتعديل وأدابه وكيفية قبول كل منهما وألفاظُهما وعدالة الصحابة وطبقاتهم.
وقد ألف في ابن قانع كتابه الفذ "معرفة الصحابة" وهو أضخم الكتب القديمة، وقد سبقه إلى نحوه الإمام أحمد بن حنبل، وألف أبو نعيم في معرفة الصحابة كتابًا وابن عبد البر كتابًا أسماه "الاستيعاب في أسماء الأصحاب" وابن الأئير واسم كتابه "أسد الغابة في معرفة الصحابة".
وكذلك من مباحث علوم رواة الحديث: معرفة الثقات والضعفاء.
وفيها كتب كثيرة منها كتاب "الثقات لابن حبان"، و"الكامل في الضعفاء "لابن عدي وكتاب "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم الرازي، وقد جمع شتات ما تفرق المزي في كتابه الفذ "تهذيب الكمال".
كما إن من علوم رواة الحديث معرفة المدلسين الذي ألف فيهم المحدثون مؤلفات منها: "التبيين في أسماء المدلسين "للبرهان الحلبى الحافظ، وكتاب "تعريفات أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس" لابن حجر.
وقد ألف العلماء في تواريخ الرواة كتبًا منها: "التاريخ الكبير" للإمام البخارى، والصغير والأوسط له، وتاريخ يحيى بن معين.
كما ألفوا في طبقات الرواة مثل كتاب "الطبقات الكبرى" لابن سعد، والذي يعرف به التابعون الذين جاءوا بعد الصحابة رضوان الله عليهم ومن جاء بعدهم.
٢. علوم رواية الحديث: وتشتمل على خمسة أنواع هي: أداب طالب الحديث، وآداب المحدث، وكيفية سماع الحديث وتحمله وضبطه، وصفة
стр. 117
رواية الحديث وشرط أدائه، وكتابة الحديث وكيفية ضبطه. وفي كل نوع فروع كثيرة عديدة.
فمن أداب طالب الحديث (١) إخلاص النية لله تعالى، والجد في الأخذ عن العلماء، والعمل بالعلم، واحترام الأساتذة وتوقيرهم، وبذل الفائدة لزملائه طلاب الحديث، واتباع منهج علمى متدرج في طلب الحديث، والعناية بمصطلح الحديث، والعمل بالحديث النبوي، قال وكيع: إذا أردت أن تحفظ الحديث فاعمل به (٢).
ومن أداب المحدث (٣): الإخلاص، وتصحيح النية، والتحلي بالفضائل، ومراعاة الأهلية للتحديث، وترك التحديث متى خاف الغلط، وتوقير من هو أولى منه، وتوقير الحديث ومجلسه، والاشتغال بالتصنيت والإنتاج العلمي، وأداء زكاة الحديث، وهو تطبيقه وتنفيذه قال بشر الحافي: "يا أهل الحديث، أدوا زكاة الحديث، اعملوا من كل مئتي حديث بخمسة أحاديث" (٤).
ونتيجة لذلك الاشتغال بالتأليف خرجت إلى الأمة الجوامعُ كصحيح البخارى ومسلم وجامع الترمذى، والسننُ كسنن أبى داود والنسائي وابن ماجه، والمصنفات كمصنف عبد الرزاق ومصنف ابن أبي شيبة، والمستدركاتُ كمستدرك الحاكم، والمسانيد كمسند الإمام أحمد ومسند أبي يعلى الموصلي ومسند الطيالسي، والأطراف كتحفة الأشراف بمعرفة
_________
(١) انظر في ذلك: الإلماع: ٤٥ وما بعدها , والإرشاد ١/ ٥٢١، ومعرفة أنواع علم الحديث: ٣٥٣، والمنهل الروي: ١٠٨.
(٢) أخرجه الخطيب في الجامع (١٧٨٨) و (١٧٨٩).
(٣) انظر في ذلك: معرفة أنواع علم الحديث: ٣٤٤.
(٤) الجامع لأخلاق الراوي ١/ ١٤٤ رقم (١٨١)، وأدب الإملاء: ١١٠.
стр. 118
الأطراف للمزي، وجامع المسانيد، وإتحاف المهرة، وإتحاف الخيرة، وذخائر المواريث في الدلالة على مواضع الحديث للنابلسي، والمعاجُم كالمعجم الكبير، والأوسط، والصغير للطبراني، والمصنفاتُ الجامعة للكتب مثل كتاب جامع الأصول من أحاديث الرسول ﷺ لابن الأثير بعد تهذيبها وترتيبها وتذليل صعابها وشرح غريبها، وكنزِ العمال في سنن الأقوال والأفعال للمتقي الهندي، والجامع الكبير للسيوطي، ومصنفات الزوائد كمجمع الزوائد ومنبع الفوائد للهيثمي، والمطالب العالية بزاوئد المسانيد الثمانية لابن حجر، ومصباح الزجاجة، وكتبُ التخريج كنصب الراية لتخريج أحاديث الهداية للزيلعي، والمغني عن حمل الأسفار في الأسفار في تخريج ما في الإحياء من الأخبار للعراقي، والتلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير لابن حجر، وتحفة المحتاج لابن الملقن، وغير ذلك كثير.
وبشكل إجمالي فإن المحدثين قد عنوا أشدَّ العناية بعلوم الروايةِ بتفصيلٍ يُدهش المطلع عليه، وهناك كتب تعتبر مصادر في هذا المجال، مثل كتاب "المحدث الفاصل بين الراوي والواعي" للرامهرمزى، الذي هو أول كتاب يدون في مصطلح الحديث، و"الكفاية في علم الرواية"، و"الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" كلاهما للخطيب البغدادي، و"الإلماع في أصول الرواية وتقييد السماع" لليحصبي.
٣. علم قبول الحديث ورده: ونتيجة لهذا العلم نستطيع الجزم بصحة نسبة الحديث المروي إلى النبي ﷺ أو بكذبها، أو نحكم له بالحسن أو الضعف.
стр. 119
وفي هذا العلم يقسم الحديث إلى قسمين مقبول ومردود، فأقسام الحديث المقبول اثنان صحيح (١) وحسن (٢)، وتتفرع إلى أربعة أقسام: الصحيح، والحسن، والصحيح لغيره، والحسن لغيره، ولكل واحد منها تعريف وأبحاث عديدة، ومن أهمها على سبيل المثال لا الحصر تعريف الحديث الصحيح بأنه: الحديث الذي اتصل سنده بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط إلى منتهاه ولا يكون شاذًا ولا معللًا.
ومصادره عديدة منها موطأ الإمام مالك، وصحيح الإمام أبي عبد الله البخاري، وصحيح مسلم بن الحجاج القشيري، وصحيح ابن خزيمة، وصحيح ابن حبان، والمختارة لضياء الدين المقدسى، والمستخرجات عليهما، وغيرها موجود في ثنايا كتب السنة المتنوعة.
وأما الحديث المردود فهو أنوع منها الضعيف (٣) ويتفرع إلى المتروك والمطروح والمقلوب والشاذ والمنكر والمدلس والموضوع، وغيرها وكذلك لكل منها تعريف ومسائل.
_________
(١) انظر في الصحيح: معرفة علوم الحديث: ٥٨، ومعرفة أنواع علم الحديث: ٧٩، والموقظة: ٢٤، وفتح المغيث ١/ ١٧، وتوضيع الأفكار ١/ ٧، وقواعد التحديث: ٧٩.
(٢) انظر في الحسن: معرفة أنواع علم الحديث: ٩٩، وإرشاد طلاب الحقائق ١/ ١٣٧ - ١٥٢، والاقتراح: ١٦٢، والموقظة: ٢٦، والمقنع ١/ ٨٣، وشرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٧٧، والمختصر: ٧٣، وظفر الأماني: ١٧٤.
(٣) انظر في الضعيف: معرفة علوم الحديث: ٥٨، والجامع لأخلاق الراوي وأداب السامع ٢/ ١٩٢، ومعرفة أنواع علم الحديث: ١١١، وتوجيه النظر ٢/ ٥٤٦.
стр. 120
فمن ذلك أن الحديث الضعيف هو ما فقد شرطًا من شروط الحديث المقبول باختلال عدالة الراوي، أو ضبطه، أو انقطاع السند، أو شذوذ المتن، أو وجود العلة القادحة، أو عدم وجود العاضد عند الحاجة إليه.
وقد بين العلماء حكمَ الحديث الضعيف حيثُ أجاز جمهورهم العمل به في فضائل الأعمال فقط بشروط مذكورة مبينة وهي:
١. أن لا يكون شديد الضعف.
٢. أن يندرج تحت أصل معمول به.
٣. وأن لا يعتقد عند العمل به ثبوته، ولكن يعتقد الاحتياط.
ومن أهم أبحاث الحديث المردود بحث الحديث الموضوع، الذي هو مخلتق ومصنوع ومنسوب كذبًا إلى رسول الله ﷺ إذ أن لهذا النوع أضرارًا كبيرة، وأثرًا سيئًا على الأمة الإسلامية.
ويتعلق بذلك معرفة أسباب الوضع، وأصناف الوضاعين، وكيفية محاربة الوضع في الحديث ووسائل ذلك، وعلامات الحديث الموضوع، وعلامات الوضع في الراوي أو المروى؛ ومعرفة هذه الأمور مهمة للحديثي.
ومن أهم المؤلفات في بيان الأحاديث الموضوعة كتاب "الموضوعات" لابن الجوزي، "واللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة" للسيوطي، وكتاب "تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأحاديث الشنيعة الموضوعة" لابن عِراق الكناني، و"المنار المنيف في الصحيح والضعيف" لابن القيم، و"المصنوع في الحديث الموضوع" للحافظ علي القاري، و"الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة" للشوكاني، وغيرها.
٤. علوم المتن: والمتن في حديث رسول الله ﷺ هو ما انتهى إليه السند من الكلام. أي هو النص المنقول إلينا من خلال سلسلة الرواة وللقسم إلى أقسام.
стр. 121
أولًا: علوم المتن من حيث قائله.
ثانيًا: علوم شارحة للمتن.
ثالثًا: علوم تنشأ من مقابلة المتن المروي بالروايات والأحاديث الأخرى.
فأما علوم المتن من حيث قائله فإنها أربع:
أولها: الحديث القدسي: وهو ما أضيف إلى رسول الله ﷺ وأسنده إلى ربه قال فيه: قال الله تعالى .. وهو غير القرآن الكريم.
وقد عني العلماء بجمع تلك الأحاديث في كتب خاصة منها "الإتحافات السنية في الأحاديث القدسية" للإمام المناوي.
ثانيها: الحديث المرفوع: والمرفوع من الحديث ما أضيف إلى النبي ﷺ خاصة من قول أو فعل أو تقرير أو وصف، وهذا النوع له الخطوة الكبرى في كثرة المؤلفات.
وهذا النوع - أي الحديث المرفوع - يشمل نوعين آخرين ينضمان إلى النوعين السابقين، هما الحديث الموقوف الذي أضيف إلى الصحابة رضوان الله عليهم، والمقطوع وهو ما أضيف إلى التابعين.
ومن مصادر الحديث الموقوف والمقطوع المصنفات ومن أهمها: "مصنف عبد الرزاق"، و"مصنف ابن أبي شيبة" وكذلك الكتب التي اعتنت بالتفسير بالمأثور مثل "تفسير ابن جري"، وتفسير "ابن أبي حاتم".
وأما علوم المتن من حيث درايته فمنها علم غريب الحديث أي ما يتعلق بما وقع في متون الأحاديث من الألفاظ الغامضة البعيدة عن الفهم، مثل شرح كلمة السقب في حديث: "الجار أحق بسقبه" وهو
стр. 122
اللزيق "رواه البخاري وغيره عن أبي رافع" (١).
وقد عني العلماء بالتصنيف في شرح الغريب عناية كبيرة، منهم ابن الأثير في كتابه "النهاية في غريب الحديث"، وأبو عبيد القاسم بن سلام في كتابه "غريب الحديث".
ومن علوم دراية المتن علم أسباب ورود الحديث، وهو مهم لفهم الحديث، كأهمية معرفة أسباب النزول بالنسبة للقرآن الكريم.
ومن المؤلفات في هذا العلم كتاب "اللمع" للإمام السيوطي، و"البيان والتعريف في أسباب ورود الحديث الشريف" للمحدث ابن حمزة الحسيني.
ومن تلك العلوم علم ناسخ الحديث ومنسوخه.
وممن كتب فيه أبو بكر محمد بن موسى الحازمي في كتابه "الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار".
ومن تلك العلوم علم مشكل الحديث أو مختلف الحديث. وهو ما تعارض ظاهره مع القواعد فأوهم معنى باطلًا، أو تعارض مع نص شرعي آخر وهو مهم مفيد لإزالة كثير من الشبه التي يتعلق بها بعض الواهمين.
وممن كتب فيه ابن قتيبة النيسابوري في كتابه "تأويل مختلف الحديث"، وأبو جعفر الطحاوي في كتابه "مشكل الآثار"، وابن فورك في كتابه "مشكل الحديث"، وللشافعي مباحاثات في هذا في كتابه "الرسالة" وغيرهم.
٥ - علوم السند: ومعلوم أن السند هو سلسلة الرواة الذين نقلوا الحديث واحدًا عن الآخر حتى يبلغوا به إلى قائله، قال ابن المبارك:
_________
(١) أخرجه البخاري ٤/ ١١٣ (٢٢٥٨) و ٩/ ٣٥ (٦٩٧٧) و (٦٩٧٨) و ٩/ ٣٦ (٦٩٨٠) و ٩/ ٣٧ (٦٩٨١).
стр. 123
الإسناد عندي من الدين، لولا الإسناد لذهب الدين ولقال من شاء ما شاء (١).
وهذه العلوم تجمعها شعبتان:
شعبة علوم السند من حيث الاتصال، وهي تشمل الحديث المتصل والمسند والمعنعن والمؤنن والمسلسل والعالى والنازل والمزيد في متصل الأسانيد.
وشعبة علوم السند من حيث الانقطاع وهي تشمل المنقطع والمرسل والمعلق والمفصل والمدلس والمرسل الخفي.
ولم يعرف لأمة من الأمم خدمة حديث نبيهم وتتبع أحواله كما صنع المحدثون في حديث نبيهم ﷺ إذ قد بذلوا غاية الجهد في لتبع الأسانيد وتقصيها، حتى رحلوا من أجلها في البلاد، وجالوا في الآفاق، لكي يعثروا على سند، أو لكي يبحثوا في سند صعب عليهم أمره.
وقد قدموا الغالي والنفيس من أجل تمحيص السنة وبيان صحيح ما نسب.
وفي هذا القسم من الكتب كثير منها: "الأحاديث المسلسلة" للسخاوي، و"المراسيل" لأبي حاتم الرازي، و"تغليق التعليق" لابن حجر و"جامع التحصيل
_________
(١) أخرجه مسلم في مقدمة صحيحه ١/ ١٥، والترمذي في العلل الصغير ٦/ ٢٣٢، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ١/ ١٦، والرامهومزي في المحدث الفاصل: ٢٠٩، وابن حبان في المجروحين ١/ ٢٦، والحاكم في معرفة علوم الحديث: ٦، والخطيب في شرف أصحاب الحديث: ٤١ وفي الجامع، له ٢/ ٢١٣ (١٦٤٣)، وابن عبد البر في التمهيد ١/ ٥٦، وابن طاهر في العلو والنزول رقم (٦).
стр. 124
لأحكام المراسيل "للحافظ العلائي، و"تمييز المزيد في متصل الأسانيد" للخطيب البغدادي.
ولكل واحد من علوم السند تعريف وأبحاث ومسائل؛ بل مؤلفات خاصة وعنايات متنوعة.
٦. ومن علوم الحديث الشريف علوم توصف بأنها مشتركة بين سند الحديث ومتنه: وهي تنشأ من مقابلة الحديث سندًا ومتنًا مع غيره من الأحاديث والروايات الأخرى ليعرف تفرد الحديث وتعدده، ثم يعرف اتفاقه مع غيره أو اختلافه، وهو ما يمكن سرده ضمن ثلاثة أنواع:
النوع الأول في تفرد الحديث، وهو يشمل الحديث الغربب، والحديث الفرد، وكل واحد منهما له أقسام وتعاريف.
وممن كتب في هذا النوع الإمام أبو داود السجستاني في كتابه "التفرد" التي تفرد بكل سنة منها أهل بلدة. وكذلك الإمام الدارقطني في كتابه "الأفراد"، والطبراني في معجميه الصغير، والأوسط.
والنوع الثاني في تعدد رواة الحديث مع اتفاقهم، وهذا يشمل الحديث المتواتر، والمشهور، والمستفيض، والعزيز، والتابع، والشاهد ولكل منها - كذلك أقسام وأبحاث - فالمتواتر مثلًا هو الذي رواه جمع كثير يؤمن تواطؤهم على الكذب عن مثلهم إلى انتهاء السند وكان مستندهم الحس. ومن أمثلته حديث: "من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" (متفق عليه عن المغيرة وغيره) فقد رواه عن النبي ﷺ بهذا اللفظ بضع وسبعون صحابيًا (١).
_________
(١) ورد هذا الحديث عن عدة من الصحابة ﵃ منهم: =
стр. 125
ومن المؤلفات في هذا النوع من العلوم: كتاب السيوطي "الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة"، وكتاب "نظم المتناثر في الحديث المتواتر" للعلامة الكتاني.
_________
= جابر بن عبد الله، عند أحمد ٣/ ٢٨٠، والدارمي (٢٣٧)، وابن ماجه (٣٣)، وخالد بن عرفطة، عند أحمد ٥/ ٢٩٢، وزيد بن أرقم، عند أحمد ٤/ ٣٦٦.
وأبو سعيد الخدرى، عند أحمد ٣/ ١٢ و ٢١ و ٣٩ و ٤٤ و ٤٦ و ٥٦، ومسلم ٨/ ٢٢٩ عقيب (٣٠٠٤).
وسلمة بن الأكوع، عند أحمد ٤/ ٤٧ و ٥٠، والبخاري ١/ ٣٨ عقيب (١٠٩).
وابن عباس، عند أحمد ١/ ٢٣٣ و ٢٦٩، والدارمي (٢٣٨)، والترمذي (٢٩٥٠) و (٢٩٥١).
وعبد الله بن عمرو، عند أحمد ٢/ ١٧١.
وابن مسعود، عند أحمد ١/ ٤٠٢ و ٤٠٥ و ٤٥٤، والترمذي (٢٦٥٩).
وعقبة بن عامر، عند أحمد ٤/ ١٥٦.
وعلى بن أبي طالب، عند أحمد ١/ ١٣٠.
ومعاوية بن أبي سفيان، عند أحمد ٤/ ١٠٠.
ويعلى بن مرة، عند الدارمي (٢٤٠).
والمغيرة بن شعبة عند البخاري ٢/ ١٠٢، ومسلم ١/ ١٠ عقيب (٤).
وأبو هريرة، عند أحمد ٢/ ٤١٣، والدارمي (٥٩٩)، والبخاري ١/ ٣٨ و ٧/ ٥٤، ومسلم ١/ ٨ حديث (٣). وقد رواها جميعها، ابن الجوزي في تقدمة الموضوعات ١/ ٥٥ - ٩٣ وبسط الكلام في تخريجها اللكنوى في الآثار المرفوعة: ٢١ - ٣٦.
стр. 126
والنوع الثالث في اختلاف رواية الحديث وهو يضم أبحاث زيادة الثقات، والشاذ المحفوظ والمنكر والمعروف والمضطرب والمقلوب والمدرج والمصحف والمعلّ.
واختلاف الرواة ظاهرة مهمة تحتاج إلى بحث وتقص، لما يتكشف عنها للمحدث من فوائد في السند أو المتن أو فيهما، فربما تكشف وهم راو أو تقوي الحديث أو نحو ذلك.
على سبيل المثال ففي صنف الحديث المقلوب يذكر العلماء أن أشهر اختبار فعله المحدثون لامتحان قدرة شخص ومكانته في الحديث، حينما عمدوا إلى مئة حديث - وهم يمتحنون الإمام البخاري أول ما نزل بغداد - فقلبوا متونها وأسانيدها، ودفعوها إلى عشرة أنفس - إلى كل رجل عشرة أحاديث - ولما اطمأن مجلس البخاري بجلسائه انتدب إليه أول رجل من العشرة، فأورد عليه حديثه الأول بسنده المقلوب، فقال البخاري: لا أعرفه، ثم الثاني والثالث، وهكذا حتى انتهى من عشرته، والبخاري يجيبه: لا أعرفه. ثم انتدب الرجل الثاني ففعل مثل ما فعل الأول، وهكذا فعل الرجال العشرة والبخاري لا يزيد على (لا أعرفه) حتى إذا فرغوا التفت إلى الأول منهم فقال: أما حديثك الأول فهو كذا وصوابه كذا، والثاني كذا وصوابه كذا، ثم رد على الرجل الثاني إلى تمام الرجال العشرة، حتى رد كل متن من متون المئة حديث المقلوبة إلى أسانيدها، وكل إسناد إلى متنه، فأقر الناس له بالحفظ وأذعنوا (١).
_________
(١) رواها ابن عدي في جزء أسامي من روى عنهم البخاري من مشايخه ٢/ أ ومن طريقه رواها الخطيب في تاريخ بغداد ٢/ ٢٠. وانظر وفيات الأعيان ٤/ ١٨٩، وسير أعلام النبلاء ١٢/ ٤٠٨، وطبقات الشافعية الكبرى ٢/ ٦، والبداية والنهاية ١/ ٢٥.
стр. 127
وممن ألف من العلماء في هذا النوع من علوم الحديث ابن حجر في كتابه "المقترب في بيان المضطرب" و"الفصل للوصل المدرج في النقل" للخطيب البغدادي و"إصلاح خطأ المحدثين" لأبي سليمان الخطابي و"علل الحديث" للرازي و"التصحيف" للدارقطني.
وهكذا .... ومن خلال هذا التطواف السريع المختصر في علوم الحديث النبوي الشريف نجد أن الأمة الإسلامية خلال عصورها المتعاقبة بذلت جهودًا جبارة ومضنية في خدمة الأساس الثاني لدينها، حتى حررته صافيًا من كل شائبة، وخاليًا من كل عائبة، فكان بحمد الله كالصبح واضحًا وكالشمس ظاهرًا.
ومن تلك التدوينات المهمة في علم الحديث التدوين في مصطلح الحديث وهو العلم الذي يشرح مصطلحات المحدثين.
والكتب المؤلفة في هذا العلم:
المحدّث الفاصل: للرامهرمزي، (ت ٣٦٠ هـ)، طبع سنة ١٩٧١ م، دار الفكر.
معرفة علوم الحديث: للحاكم ت (٤٠٥ هـ)، طبع سنة ١٩٧٩ م، دار الآفاق الجديدة.
المدخل إلى كتاب الإكليل: للحاكم، (ت ٤٠٥ هـ)، المكتبة التجارية - مكة المكرمة - مصطفى أحمد الباز.
المسند المستخرج: لأبي نعيم الأصبهاني، (ت ٤٣٠ هـ).
الكفاية في علم الرواية: للخطيب البغدادي، (ت ٤٦٣ هـ)، دار الكتب العلمية.
الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع: للخطيب البغدادي، (ت ٤٦٣ هـ)، مكتبة المعارف - الرياض، ١٩٨٣ م.
стр. 128
الإلماع: للقاضي عياض، (ت ٥٤٤ هـ)، طبع الطبعة الثانية سنة ١٩٧٨ م.
ما لا يسع المحدّث جهله: للميانشي، (ت ٥٨١ هـ) طبع سنة ١٩٦٧ م في بغداد.
معرفة أنواع علم الحديث: لابن الصلاح، (ت ٦٤٣ هـ)، طبع بتحقيقنا في دار الكتب العلمية، ٢٠٠٢.
إرشاد طلاب الحقائق: للنووي، (ت ٦٧٦ هـ)، طبعته الأولى سنة (١٩٨٧ م) مكتبة الإيمان، المدينة المنورة.
التقريب: للنووي، (ت ٦٧٦ هـ)، طبع بتحقيق: مصطفى الخن.
الاقتراح: لابن دقيق العيد، (ت ٧٠٢ هـ)، مطبعة الرشاد، بغداد ١٩٨٢.
الموقظة: للذهبي، (ت ٧٤٨ هـ)، طبع سنة ١٤٠٥ هـ في مكتب المطبوعات الإسلامية بحلب.
الباعث الحثيث: لابن كثير، (٧٧٤ هـ)، طبع بدار العاصمة في السعودية سنة ١٤١٥ هـ.
النكت على مقدمة لابن الصلاح: للزركشى، (ت ٧٩٤ هـ)، طبعته الأولى ١٩٩٨ م، مكتبة أضواء السنة.
الشذا الفياح: الأبناسي، (ت ٨٠٢ هـ)، الطبعة الأولى ١٩٨٨، مكتبة الرشد، الرياض.
المقنع: لابن الملقن، (٨٠٤ هـ)، طبعته الأولى ١٩٩٢، دار فواز للنشر السعودية.
محاسن الاصطلاح: للبلقيني، (ت ٨٠٥ هـ).
стр. 129
التقييد والإيضاح: للعراقي، (ت ٨٠٦ هـ)، وقد قمنا بتحقيقه وما زال منضدًا على الحاسوب.
شرح التبصرة والتذكرة: للعراقي، (ت ٨٠٦ هـ)، بتحقيقنا، طبع بدار الكتب العلمية بيروت ٢٠٠٢ م.
النكت على كتاب ابن الصلاح: لابن حجر، (٨٥٢ هـ)، طبعة دار الراية ١٩٨٨ م.
نخبة الفكر: لابن حجر، (ت ٨٥٢ هـ).
فتح المغيث: للسخاوي، (ت ٩١١ هـ)، طبع المكتبة السلفية، السعودية ١٩٦٨ م.
البحر الذي زخر: للسيوطي، (ت ٩١١ هـ)، مكتبة الغرباء الأثرية.
ألفية السيوطي: للسيوطي، (ت ٩١١ هـ)، دار المعرفة.
تدريب الراوي: للسيوطي، (ت ٩١١ هـ)، دار الكتب العلمية.
فتح الباقي: لزكريا الأنصارى، (ت ٩٢٦ هـ)، بتحقيقنا، وقد طبع بدار الكتب العلمية، بيروت ٢٠٠٢ م.
ظفر الأماني: لللكنوي، (ت ١٣٠٤ هـ)، طبع دار القلم، دبي ١٩٩٥ م.
стр. 130
المبحث الثالث
الحديث الحسن:
تعريف الحسن وبيان معناه اللغوي والاصطلاحى
الحسن لغة:
قال الليث: الحسن نعت لما حسن، تقول: حسن الشيء حسنًا، وقال الله ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ (١)، وقريء: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ (٢).
قال الفيروز آبادي في "القاموس"، في مادة (حَسُنَ). الحسن بالضم: الجمال ج محاسن على غير قياس وحسن ككرم، ونصر، فهو حاسن، وحسن، وحسين، كأمير، وغراب، ورمان ج حُسَّان وحُسَّانون.
إطلاق المحدثين (الحسن) بالمعنى اللغوي:
وقد أطلق كثير من المحدثين لفظ (الحسن) واختلفت مقاصدهم في إطلاقه.
فتارة يطلقونه ويريدون به الغريب المستنكر ومن ذلك قول الخطيب البغدادى، وقد نقل بإسناده إلى إبراهيم النخعي أنه قال: "كانوا يكرهون إذا اجتمعوا أن يخرج الرجل أحسن حديثه، أو أحسن ما عنده"، قال أبو بكر: "عني إبراهيم بالأحسن: الغريب لأن الغريب؛ غير المألوف يستحسن أكثر
_________
(١) البقرة: ٨٣.
(٢) قوله: "حسنًا" قرأه حمزة والكسائي بفتح السين والحاء، جعلاه صفة لمصدر محذوف وقرأه الباقون بضم الحاء وإسكان السين على أنها لغة في الحسن. الكشف عن وجوه القراءات السبع ١/ ٢٥٠.
стр. 131
من المشهور المعروف، وأصحاب الحديث يعبرون عن المناكير بهذه العبارة".
ولهذا قال شعبة بن الحجاج ثم ساق إسناده إلى أمية بن خالد، "قال: قيل لشعبة مالك لا تروي عن عبد الملك بن أبي سليمان، وهو حسن الحديث؟. فقال: من حسنها فررت" (١).
ويظهر جليًا من النص الأخير أن السائل أراد بالحسن الغريب الصحيح، وأن شعبة أراد به الغريب المستنكر.
ذلك أن عبد الملك بن أبي سليمان واق قال فيه الحافظ: "صدوق له أوهام" (٢).
فالسائل أطلق الحسن على الغريب الصحيح إطلاقًا لغويًا حسب اعتقاده في عبد الملك وشعبة أطلق الحسن بمعنى الغريب المستنكر حسب تخوفه من أوهام عبد الملك إذ أنه وهم بأحاديث (٣).
_________
(١) الجامع لأخلاق الراوي وأداب السامع (٢/ ١٠٠ - ١٠١).
والجرح والتعديل (١/ ١٤٦) وإسناده إلى شعبة جيد.
(٢) التقريب: (٤١٨٤).
(٣) ومن ذلك أنه وهم بحديث الشفعة، وبحديث آخر هو ما رواه الطحاوي (شرح المعاني/٢٣)، والدارقطنى (سننه ١/ ٦٤) من طريق عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي، عن عطاء، عن أبي هريرة - في الإناء يلغ فيه الكلب أو الهر - قال: "يغسل ثلاث مرات".
أقول: إن رواية عبد الملك بن أبي سليمان هذه تفرد بها، وقد نص النقاد على أنه أخطأ بها، وقد خالفه الثقات بذلك؛ فقد روى الدارقطني ١/ ٦٦ من طريق حماد بن يزيد، عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة - في =
стр. 132
ونقل الرامهرمزي بإسناده إلى عبد الله بن داود أن سفيان الثوري كان إذا كان الحديث حسنا لم يكد يحدث به (١).
وبإسناده إلى ثابت البناني أنه قال: "لولا أن تصنعوا بي ما صنع بالحسن لحدثتكم بأحاديث مؤنقة" (٢) (أي حسانا معجبة) كما في "تهذيب اللغة" (٣).
_________
= الكلب يلغ في الإناء - قال: "يراق ويغسل سبع مرات". قال الدارقطني: "صحيح موقوف".
وهذه الرواية هي الصحيحة، وتؤيد المرفوع هو ما صح عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات". أخرجه عبد الرزاق (٣٣٠)، والحميدي (٩٦٨)، وأحمد ٢/ ٢٦٥، والبخاري ١/ ٥٤ (١٧٢)، ومسلم ١/ ١٦١ (٢٧٩)، وأبو داود ١/ ١٩ (٧١) و (٣٧)، وابن ماجه ١/ ٣٠ (٣٦٣)، والترمذي ١/ ١٥١ (٩١)، والنسائى ١/ ٧٧، وابن خزيمة (٩٦).
وكل هذا يدل على خطأ عبد الملك لمخالفته الحديث المرفوع ولمخالفته ما صح من طريق حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة كما تقدم؛ وأن هذا من أصح الأسانيد (الباعث الحثيث: ٢٤). وانظر في تخطئة عبد الملك فتح الباري ١/ ٢٧٧، وشرح الدارقطني ١/ ٦٦، وتحفة الأحوذى ١/ ٣٠٢.
(١) المحدث الفاصل (ص ٥٦٣ - ٥٦٤). والحسن هنا الغريب المستنكر.
(٢) المحدث الفاصل: ٥٦٤.
(٣) (٩/ ٣٢٣).
стр. 133
وقال ابن عدي: "يزيد بن عطاء مع لينه هو حسن الحديث وعنده غرائب، ومع لينه يكتب حديثه" (١).
وقال الحافظ العراقي ﵀: "قلت: قد أطلقوا على الحديث الضعيف بأنه حسن، وأرادوا حسن اللفظ لا المعنى الاصطلاحي، فروى ابن عبد البر في كتاب "بيان آداب العلم، حديث معاذ بن جبل مرفوعا" تعلموا العلم فإن تعلمه لله خشية".
قال ابن عبد البر: "وهو حديث حسنٌ جدًّا، ولكن ليس له إسناد قوي".
قال العراقي: "فأرادَ بالحسن: حسن اللفظ قطعا، فإنه من رواية موسى بن محمد البلقاوي، عن عبد الرحيم بن زيد العمي، والبلقاوي هذا كذاب كذبه أبو زرعة وأبو حاتم ونسبه ابن حبان والعقيلي إلى وضع الحديث والظاهر أن هذا الحديث مما صنعت يداه، وعبد الرحيم بن زيد العمي متروك الحديث أيضًا" (٢).
وتارة يطلقونه على الصحيح كما ثبت ذلك عن الإمام الشافعي والإمام أحمد والعجلي وأبي حاتم ويعقوب بن شيبة والبخاري على أن أبا حاتم ويعقوب بن شيبة والبخاري اختلف إطلاقهم (٣).
فتارة يطلقونه على الصحيح، وتارة على رواية المجهول والضعيف، وستأتي الأدلة على ذلك إن شاء الله.
وقد عقد القاضي الحسن بن عبد الرحمان الرامهرمزى المتوفى سنة
_________
(١) الكامل: (٧/ ٢٧٢٨).
(٢) التقييد والإيضاح، ص ٦٠، وانظر: جامع بيان العلم: (١/ ٦٥).
(٣) النكت على كتاب ابن الصلاح ١/ ٤٢٤ - ٤٢٦.
стр. 134
٣٦٠ هـ في كتابه "المحدث الفاصل" (١) بابا خاصا لما يطلق عليه "الغريب والحسن"، وساق فيه آثارًا تدل على كراهية أهل الحديث لما يسمى بالغريب والحسن ويظهر أن معناهما واحد عندهم.
قال ﵀: "باب من كره أن يروي أحسن ما عنده" وساق فيه آثارًا المشار إليها.
وساق الخطيب البغدادي بابا لما أشرنا إليه في "الجامع" (٢) بعنوان: استحباب رواية المشاهير والصدوف عن الغرائب والمناكير.
وقال ابن الصلاح ﵀ في معرفة أنواع علم الحديث (٣):
"الثامن: في قول الترمذي وغيره: "هذا حديث حسن صحيح (٤) إشكال، لأن الحسن قاصر عن الصحيح كما سبق إيضاحه ففي الجمع بينهما في حديث واحد جمع بين ذلك القصور وإثباته؟ وجوابه: أن ذلك راجع إلى الإسناد فإذا روي الحديث الواحد بإسنادين أحدهما إسناد حسن والآخر إسناد صحيح استقام أن يقال فيه: إنه حديث حسن صحيح، أى أنه حسن بالنسبة إلى إسناد صحيح بالنسبة إلى إسناد آخر على أنه غير مستنكر أن يكون بعض من قد ذلك أراد بالحسن معناه اللغوي وهو ما تميل إليه النفس، ولا يأباه القلب، دون المعنى الاصطلاحي، الذي نحن بصدده فاعلم ذلك والله أعلم".
_________
(١) ص: (٥٦١ - ٥٦٥).
(٢) (٢/ ١٠٠ - ١٠١).
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ١١٠ بتحقيقنا.
(٤) للعلماء في هذه المسألة أجوبة واعتراضات ومناقشات. انظر: الاقتراح: ١٧٤، ونكت الزركشي ١/ ٣٦٨، ومحاسن الاصطلاح: ١١٤، والتقييد والإيضاح: ٥٨، ونكت ابن حجر ١/ ٤٧٥، والبحر الذي زخر ٣/ ١٢٠٩.
стр. 135
وهو بمعنى قول الخطيب: "لأن الغريب غير المألوف يستحسن أكثر من المشهور المعروف" وقال الحافظ ابن حجر معقبًا على قول شيخه العراقي، وقد وجد التعبير بالحسن في كلام شيوخ الطبقة التي قبل الترمذي كالشافعي، قال الحافظ: "أقول: قد وجد التعبير بالحسن في كلام من هو أقدم من الشافعي".
قال إبراهيم النخعي: "كانوا إذا اجتمعوا كرهوا أن يخرج الرجل حسان حديثه".
وقيل لشعبة: "كيف تركت أحاديث العرزمي وهي حسان؟ ".
قال: "من حسنها فررت".
ووجد "هذا من أحسن الأحاديث إسنادا". في كلام علي بن المديني، وأبي زرعة الرازي، وأبي حاتم، ويعقوب بن شيبة، وجماعة، لكن منهم من يريد بإطلاق ذلك المعنى الاصطلاحي ومنهم من لا يريده.
فأما ما وجد في ذلك في عبارة الشافعي ومن قبله بل وفي عبارة أحمد بن حنبل، فلم يتبين لي منهم إرادة المعنى الاصطلاحي، بل ظاهر عبارتهم خلاص ذلك" (١).
ثم ضرب مثلين فيهما إطلاق الشافعي لفظ الحسن على الصحيح ومثالا لإطلاق أحمد الحسن على الصحيح.
ومثالا لإطلاق أبي حاتم الحسن مع احتماله المعنى اللغوى والإصلاحي.
وذكر أن علي بن المديني أكثر من وصف الأحاديث بالصحة والحسن في "مسنده"، "وعلله" وأن ظاهر عبارته قصد المعنى الاصطلاحي وذكر مثالين عن البخاري وحملهما على المعنى الاصطلاحى.
_________
(١) النكت لابن حجر على ابن الصلاح: (١/ ٤٢٤).
стр. 136
والشاهد من كلام الحافظ قوله: "فأما ما وجد من ذلك في عبارة الشافعي ومن قبله بل وفي عبارة أحمد بن حنبل فلم يتبين لي منهم إرادة المعنى الاصطلاحي، بل ظاهر عبارتهم خلاص ذلك".
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "والأحاديث التي تروى في هذا الباب - وهو السؤال بنفس المخلوقين - هي من الأحاديث الضعيفة الواهية، بل الموضوعة.
ولا يوجد في أئمة الإسلام من احتج بها ولا أعتمد عليها مثل الحديث الذي يروى، عن عبد الملك بن هارون بن عنترة، عن أبيه، عن جده: أن أبا بكر الصديق أتى النبي ﷺ ، فقال: إني أتعلم القرآن، ويتفلت منى، فقال له رسول الله ﷺ : "قل: اللهم إني أسألك بمحمد نبيك، وإبراهيم خليلك، وبموسى نجيك، وعيسى روحك وكلمتك ... الحديث" ذكره رزين العبدري في "جامعه"، ونقله ابن الأثير في "جامع الأصول" (١) ولم يعزه لا هذا ولا هذا إلى كتاب من كتب المسلمين لكن قد رواه من صنف في "عمل اليوم والليلة" كابن السني، وأبي نعيم وفي مثل هذه الكتب أحاديث كثيرة موضوعة لا يجوز الإعتماد عليها في الشريعة باتفاق العلماء، ورواه أبو موسى المديني من حديث زيد بن الحباب، عن عبد الملك بن هارون بن عنترة، وقد: هذا حديث حسن مع أنه ليس بالمتصل ...
قال أبو موسى: "وعبد الملك ليس بذاك".
قال شيخ الإسلام: "قلت: عبد الملك بن هارون بن عنترة من
_________
(١) جامع الأصول ٤/ ٣٠٢.
стр. 137
المعروفين بالكذب، قاله يحيى بن معين (١)، وقال السعدي: دجال كذاب. وقال أبو حاتم: يضع الحديث (٢) " (٣).
إن إطلاق أبي موسى المديني الحسن هنا إطلاق لغوي القصد منه الاستنكار والاستغراب. ولا مجال للقول بأنه يقصد به المعنى الاصطلاحي لاسيما وقد جرح عبد الملك بن هارون.
أما تعريف الحسن اصطلاحا (٤): فلم يعرفه القدامى من أئمة الحديث أي من قبل الإمام الترمذي، لأنهم كانوا لشدة إحتفائهم وإعتنائهم بالحديث وقوة
_________
(١) تاريخ يحيى بن معين رواية الدوري (بتحقيق أحمد محمد نور) (٣/ ٣٤٩).
(٢) التوسل والوسيلة (ص: ٨٨ - ٨٩)، نشر: دار الكتب العلمية، بيروت.
(٣) هكذا نقله شيخ الإسلام وعبارة "يضع الحديث" لم أقف عليها من كلام أبي حاتم الرازي وإنما قال: "متروك الحديث ذاهب الحديث" الجرح والتعديل ٥/ ٣٧٤، وربما أراد شيخ الإسلام قول ابن حبان في كتابه المجروحين (٢/ ١١٥): يضع الحديث.
(٤) انظر في الحسن: إرشاد طلاب الحقائق (١/ ١٣٧ - ١٥٢)، والتقريب: (٤٢ - ٤٩)، والاقتراح: (١٦٢)، والمنهل الروي: (٣٥)، والخلاصة: (٣٨)، والموقظة: (٢٦)، واختصار علوم الحديث: (٣٧)، والتذكرة: (١٤)، ومحاسن الاصطلاح: (١٠٣)، والتقييد والإيضاح: (٤٣)، ونزهة النظر: (٩١)، والنكت على ابن الصلاح (١/ ٣٨٥)، والمختصر: (٧٣)، وفتح المغيث (١/ ٦١)، وألفية السيوطي: (١٥ - ١٩) , وتوضيح الأفكار (١/ ١٥٤)، وظفر الأماني: (١٧٤)، وقواعد التحديث: (١٠٥).
والحديث الحسن: وسطٌ بين الصحيح والضعيف، قال ابن القطّان في "بيان الوهم والإيهام" (١١١٨): "الحسن معناه الذي له حال بين حالي الصحيح والضعيف وبنحوه قال عقيب (١١٧٣). وقال عقيب (١٤٣٢): "ونعني =
стр. 138
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________
= بالحسن: ما له من الحديثا منْزلة بين منْزلتى الصحيح والضعيف، ويكون الحديث حسنًا هكذا؛ إما بان يكون أحد رواته مختلفًا فيه، وثقّه قوم وضعّفه آخرون، ولا يكون ما ضعّف به جرحًا مفسرًا، فإنّه إن كان مفسرًا قدّم على توثيق من وثّقه، فصار به الحديث ضعيفًا"؛ ولما كان كذلك عَسُر على أهل العلم تعريفه.
قال الحافظ ابن كثير: "وذلك لأنّه أمر نسبيٌّ، شيء ينقدح عند الحافظ، ربّما تقصر عبارته عنه" (اختصار علوم الحديث: ٣٧).
وقال ابن دقيق العيد: "وفي تحرير معناه اضطرابٌ". (الاقتراح: ١٦٢). وذلك لأنّه من أدق علوم الحديث وأصعبها؛ لأنّ مداره على من اختُلف فيه، وَمَن وهم في بعض ما يروي. فلا يتمكن كل ناقدٍ من التوفيق بين أقوال المتقدّمين أو ترجيح قولٍ على قولٍ إلا من رزقه الله علمًا واسعًا بأحوال وقواعد هذا الفن ومعرفةٍ قوية بعلم الجرح والتعديل، وأمعن في النظر في كتب العلل، ومارس النقد والتخريج والتعليل عمرًا طويلًا، ومارس كتب الجهابذة النقاد حتى اختلط بلحمه ودمه، وعرف المتشددين والمتساهلين من المتكلمين في الرجال، ومن هم وسطٌ في ذلك؛ كي لا يقع فيما لا تحمد عقباه؛ ولذلك قد الحافظ الذهبى: "ثم لا تطمع بأن للحسن قاعدةً تندرج كل الأحاديث الحسان فيها؛ فأنا على إياسٍ من ذلك، فكم من حديث تردد فيه الحفاظ هل هو حسنٌ أو ضعيفٌ أو صحيحٌ؟ ". (الموقظة: ٢٨).
وللحافظ ابن حجر محاولة جيدة في وضعه تحت قاعدة كليةٍ فقد قال في النخبة: "وخبر الآحاد بنقل عدلٍ تامّ الضبط، متصل السند غير معللٍ ولا شاذ: هو الصحيح لذاته ... فإن خفّ الضبط، فالحسن لذاته". (النخبة ٢٩، ٣٤). =
стр. 139
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________
= وهى محاولةٌ جيدةٌ. وقد مشى أهل المصطلح على هذا من بعده. وحدّوا الحسن لذاته: بأنه ما اتصل سنده بنقل عدلٍ خف ضبطه من غير شذوذٍ ولا علةٍ". وشرط الحسن لذاته نفس شرط الصحيح، إلا أنّ راوي الصحيح تامّ الضبط، وراوى الحسن لذاته خفيف الضبط. وسمّي حسنًا لذاته؛ لأنّ حسنه ناشئ عن توافر شروط خاصّة فيه، لا نتيجة شيء خارج عنه.
وقد تبين لنا: أنَّ راوي الحسن لذاته هو الراوي الوسط الذي روى جملة من الأحاديث، فأخطأ في بعض ما روى، وتوبع على أكثر ما رواه؛ فراوي الحسن: الأصل في روايته المتابعة والمخالفة وهو الذى يطلق عليهِ الصدوق، لأنّ الصدوق هو الذي يهم بعض الشئ فنزل من رتبة الثقة إلى رتبة الصدوق. فما أخطأ فيه وخولف فيه فهو من ضعيف حديثه، وما توبع عليه ووافقه من هو بمرتبته أو أعلى فهو من صحيح حديثه أما التى لم نجد لها متابعة ولا شاهدًا فهي التي تسمّى بـ (الحسان)؛ لأنّا لا ندري أأخطأ فيها أم حفظها لعدم وجود المتابع والمخالف؟
وقد احتفظنا بهذه الأحاديث التي لم نجد لها متابعًا ولا مخالفًا وسمّيناها حسانًا؛ لحسن ظننا بالرواة؛ ولأنّ الأصل في رواية الراوي عدم الخطأ، والخطأ طارئ؛ ولأنّ الصدوق هو الذى أكثر ما يرويه مما يتابع عليه، فجعلنا ما تفرد به من ضمن ما لم يخطأ فيه تجوزًا؛ لأن ذَلِكَ هوَ غالب حديثه، ولاحتياجنا إليه في الفقه، وبمعنى هذا قول الخطّابي: "وهو الذي يقبله أكثر العلماء ويستعمله عامة الفقهاء"، ولا بأس أن نحد ذَلِكَ بنسبة مئوية فكأنّ راوي الحسن من روى - مثلًا لا حصرًا - مائتي حديث، فأخطأ في عشرين حديثًا وتوبع في ثمانين. فالعشرون التي أخطأ فيها من ضعيف حديثه، والثمانون التى توبع عليها من صحيح حديثه، أما المائة الأخرى وهي التي لم نجد لها متابعًا ولا مخالفًا فهي =
стр. 140
معرفتهم لصحيحه من سقيمه، وشاذه من منكره، ومضطربه، وغير ذلك من أنواع علوم الحديث في غنية عن التعاريف التي اهتم بها المتأخرون مع
_________
= من قبيل (الحسن)، ومن حاله كهذا: عاصم بن أبي النجود، فقد روى جملة كثيرة من الأحاديث فأخطأ في بعض وتوبع على الأكثر فما وجدنا لهُ به متابعًا فهو صحيح، وما وجدنا لهُ به مخالفًا أوثق منه عددًا أو حفظًا فهوَ من ضعيف حديثه، وما لم نجد لهُ متابعًا ولا مخالفًا فهوَ (حسن)، خلا روايته عن أبي وائل، وزر بن حبيش، وانظر: كتابنا كشف الإيهام الترجمة (٣٢٨)، وممن حاله كحال عاصم: "عبيدة بن حميد الكوفي، وسليمان بن عتبة، وأيوب بن هانئ وداود بن بكر بن أبي الفرات، ومحمد بن عمرو بن علقمة، والحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذباب، ويونس بن أبي إسحاق، وسماك بن حرب"، وهذا الرأى وإن كان بنحو ما انتهى أبيه الحافظ ابن حجر العسقلاني إلا أننا لم نجد من فصّله هكذا، وهو جدير بالقبول والتداول بين أهل العلم، وقد يتساءل إنسانٌ بأن من قيل فيهم: صدوق أو حسن الحديث قد اختلف المتقدمون في الحكم عليهم تجريحًا وتعديلًا، وجواب ذلك: أنّ الأئمة النقاد قد اطّلعوا على ما أخطأ فيه الراوي وما توبع عليه فكان المُجَرِّح رأى أن ما خولف فيه الراوي هو الغالب من حديثه، والمُعَدِّل كذلك رأى أن ما توبع عليه هو غالب حديثه فحكم كلٌّ بما رأه غالبًا، غير أنا نعلم أنَّ فيهم متشددين يغمز الراوي بالجرح وإن كان خطؤه قليلًا، ومنهم متساهلين لا يبلي بكثرة الخطأ، وعند ذلك يؤخذ بقول المتوسطين المعتدلين.
ولذا نجد الحافظ ابن عدي في الكامل، والإمام الذهبي في الميزان يسوقان أحيانًا ما أنكر على الراوي الوسط ثم يحكمان بحسن رواياته الأخرى، والله أعلم.
стр. 141
الفوارق الكبيرة بين المتقدمين والمتأخرين، كما أنهم لم يعرفوا بقية المصطلحات.
وقد جرى على منوال المتقدمين من بلغتنا مؤلفاتهم في علوم الحديث مثل القاضي الحسن بن عبد الرحمن الرامهرمزي (٢٦٠ - ٣٦٠ هـ)، في كتابه "المحدث الفاصل".
والحاكم أبي عبد الله النيسابوري (٣٢١ - ٤٠٥ هـ).
والحافظ أبي بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي (٣٩٢ - ٤٦٣ هـ) في كتابه: "الكفاية".
فلم يعرفوا الحديث الحسن.
والمشهور أن أول من عرف الحديث الحسن.
هو الإمام الترمذي ﵀ وتعريفه ينطبق على الحسن لغيره.
قال ﵀: "وما ذكرنا في هذا الكتاب: حديث حسن فإنما أردنا به حسن إسناده عندنا، كل حديث يروى لا يكون في إسناده من يتهم بالكذب، ولا يكون الحديث شاذا، ويروى من غير وجه" (١).
ولم ينسب هذا التعربف إلى أهل الحديث، ولم يتجاوز به كتابه "الجامع" إلى مؤلفات غيره من أئمة الحديث.
وعرفه الإمام أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم الخطابي (٣١٩ - ٣٨٨ هـ) فقال: "ثم اعلموا أن الحديث عند أهله على ثلاثة أقسام:
حديث صحيح، وحديث حسن، وحديث سقيم.
فالصحيح عندهم ما اتصل سنده وعدلت نقلته.
_________
(١) جامع الترمذي (٥/ ٧٥٨)، كتاب العلل الصغير.
стр. 142
والحسن ما عرفه مخرجه (١) واشتهر (٢) رجاله، وعليه مدار أكثر الحديث، وهو الذي يقبله أكثر العلماء، ويستعمله عامة الفقهاء" (٣).
وثارت حول هذا التعريف للحسن اعتراضات كثيرة من علماء الحديث وفنونه.
وعرفه الحافظ أبو الفرج عبد الرحمان بن على بن الجوزي (٥١٠ - ٥٩٧ هـ)، بأنه: "الحديث الذي فيه ضعف قريب محتمل ويصلح للعمل" (٤).
قال ابن الصلاح بعد أن ساق هذه التعاريف: "قلت: كل هذا مستبهم لا يشفي الغليل وليس فيما ذكره الترمذي، والخطابي ما يفصل الحسن من الصحيح، وقد أمعنت النظر في ذلك والبحث جامعا بين أطراف كلامهم ملاحظا مواقع استعمالهم فتنقح لي واتضح أن الحديث الحسن قسما (٥):
أ - أحدهما: الحديث الذي لا يخلو رجال إسناده من مستور لم تتحقق أهليته غير أنه ليس مغفلا كثير الخطأ فيما يرويه ولا هو متهم بالكذب في الحديث، أي لم يظهر منه تعمد الكذب في الحديث ولا سبب آخر مفسق،
_________
(١) مخرجه: بفتح الميم والراء، بمعنى محل خروجه، وهو رجله الراوون له؛ لأنه خرج منهم (قواعد التحديث: ٢١٩) قال البقاعى "أي رجاله الذين يدور عليهم، فكل واحد من رجال السند مخرج خرج منه الحديث" النكت الوفية ٥٩ / ب.
(٢) انظر في ضبط هذه الجزئية المقنع ١/ ٨٣، والتقييد:٤٣.
(٣) معالم السنن مع مختصر المنذري وتهذيب ابن القيم لأبي داود: (١/ ١١)، وهذا التعريف نقله الإمام المزي في تهذيب الكمال ١/ ٧١.
(٤) الموضوعات (١/ ٣٥).
(٥) اعترض على ابن الصلاح في تقسيمه هذا باعتراضات، أوردها الزركشي مع أجوبة عنها فانظر نكته ١/ ٣١٣ - ٣١٧.
стр. 143
ويكون متن الحديث مع ذلك قد عرف بأن روى مثله أو نحوه من وجه آخر أو أكثر حتى اعتضد بمتابعة من تابع راويه على مثله أو بما له من شاهد وهو ورود حديث آخر بنحوه فيخرج بذلك عن أن يكون شاذا ومنكرا وكلام الترمذي على هذا القسم يتنزل.
ب - القسم الثاني: أن يكون راويه من المشهورين بالصدق والأمانة غير أنه لم يبلغ درجة رجال الصحيح لكونه يقصر عنهم في الحفظ والإتقان، وهو مع ذلك يرتفع عن حال من يعد ما ينفرد به من حديثه منكرا، ويعتبر في كل هذا مع سلامة الحديث من أن يكون شاذا ومنكرا سلامته من أن يكون معللا، وعلى القسم الثاني يتنزل كلام الخطابي، فهذا الذي ذكرناه جامع لما تفرق في كلام من بلغنا كلامه في ذلك" (١).
ولم تشف هذه التعريفات كلها القاضي بدر الدين محمد بن إبراهيم بن جماعة (٦٣٩ - ٧٣٣).
قال بعد أن ذكرها مع تعريف ابن الصلاح: "قلت: وفي كل هذه التعريفات نظر:
أما الأول: والثاني: فلأن الصحيح أو أكثره كذلك أيضًا، فيدخل الصحيح في حد الحسن، ويرد على الأول الفرد من الحسن فإنه لم يرو من وجه آخر، ويرد على الثاني: ضعيف عرف مخرجه واشتهر رجاله بالضعف.
وأما الثالث: فيتوقف على معرفة الضعف القريب المحتمل وهو أمر مجهول، وأيضا فيه دور؛ لأنه عرفه بصلاحيته للعمل به، وذلك يتوقف على معرفة كونه حسنا.
_________
(١) معرفة أنواع علم الحديث: ١٠١ وانظر تعليقنا عليه.
стр. 144
وأما الأول من القسمين، فيرد عليه الضعيف والمنقطع والمرسل الذي في رجاله مستور وروى ملكه أو نحوه من وجه آخر.
ويرد على الثاني وهو أقربها المتصل الذي اشتهر راويه بما ذكر فإنه كذلك وليس بحسن في الاصطلاح".
ثم عرف الحسن بقوله: "قلت: ولو قيل: الحسن كل حديث خالٍ عن العلل وفي سنده المتصل مستور له به شاهد أو مشهور قاصر عن درجة الإتقان لكان أجمع لما حددوه وقريبا مما حاولوه .. (١).
وأخصر منه: ما اتصل سنده وانتفت علله في سنده مستور، وله شاهد، أو مشهور غير متقن" (٢).
وقال الطيبي (٣) بعد أن ذكر التعريفات السابقة واعتراضات ابن جماعة عليها وتعريفه للحسن، أقول: "أعلم أن هذا المقام صعب مرتقاه وعقبة كؤودة من استعلى ذروتها، ثم انحدر منها وقف على أكثر اصطلاحات هذا الفن وعثر على جل أنواعه بإذن الله تعالى ولا يمكن الوقوف على الحق إلا بتحرير كلام يفصل بين الصحيح والسقيم والمعوج والمستقيم، فنحن نشرح الحدود على طريق يندفع عنها النظر"، ثم شرح الحدود وناقشها بنفس طويل.
ثم جاء بتعريف جديد فقال: "فلو قيل: هو مسند من قرب من درجة الثقة أو مرسل ثقة وروى كلاهما من غير وجه وسلم عن شذوذ وعلة لكان أجمع وأبعد من التعقيد".
_________
(١) قال محقق المنهل: حيث النقط ألفاظ انمحت في أصل الكتاب وزالت تماما.
(٢) المنهل الروي ص: (٥٣ - ٥٤).
(٣) الخلاصة: ٣٨ - ٤٣.
стр. 145
وهيهات هيهات من أن يسلم فما مسافة هذا القرب؟ والذي يحتاج إلى أن يأتي من وجه آخر هو الحسن لغيره، فكيف يكون أجمع وقد خرج منه الحسن لذاته أهم نوعي الحسنلا.
وألقى أبو الفتح تقي الدين محمد بن علي بن وهب القشيري المعروف بابن دقيق العبد (٦٢٥ - ٧٠٢ هـ)، نظرة فاحصة على هذه التعريفات الثلاثة (١) في كتابه "الاقتراح" (٢) فقال: "اللفظ الثاني الحسن"، وفي تحقيق معناه اضطراب فذكر تعريف الخطابي، ثم قال: وهذه عبارة ليس فيها كبير تلخيص، ولا هي - أيضًا - على صناعة الحدود والتعريفات.
فإن الصحيح - أيضًا - قد عرف مخرجه وأشتهر رجاله فيدخل الصحيح في حد الحسن ثم مضى في عرض وجهات نظره وأخذه ورده فناقش تعريف الترمذي وعرج على تعريف ابن الجوزي فنافشه وذكر تعريف ابن الصلاح، ثم قال: وهذا كلام فيه مباحثات ومناقشات على بعض الأفاظ، ثم أبدى وجهة نظره بما لا يتسع له المقام ولا يشفي الغليل في الوقت نفسه.
وقال أبو الفتح محمد بن محمد بن محمد بن سيد الناس اليعمري (٧٣٤ هـ)، متعقبا تعريفات الترمذي والخطابي وابن الجوزي.
وأما كلام الترمذي فقد اعترض عليه الإمام أبو عبد الله بن المواق بأنه لم يميز الصحيح من الحسن، فإنه ما من حديث صحيح إلا وشرطه: ألا يكون شاذا وألا يكون في رجاله متهم بالكذب وقد اعترض غيره بغير هذا الاعتراض.
_________
(١) أي تعريف الترمذي والخطابي وابن الجوزي.
(٢) (٧ - ١١).
следующие страницы →