← Книги сунны

Книги сунны · id 17835

الموسوعة الحديثية - ديوان الوقف السني

عبد اللطيف الهميم

Полный текст (7 959 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

المبحث الأول لمحة تاريخية عن التدوين في علم الرجال: فلقد اصطفى الله تعالى هذه الأمة، إذ شرفها بأن اختار لها هذا الدين القويم، وجعل أساسها المشيد وركنها الركين "كتابه العزيز"، وهيَّأ هذه الأمة لتضطلع بللك المهمة، ألا وهي حفظ هذا الكتاب الذي تعهد الله ﵎ سلفًا بحفظه، فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾، فرزقها جودة الفهم وقوة الحافظة، ووفور الذهن، فلم يتمكن أحد -بحمد الله- من أن يجرأ فيزيد أو ينقص حرفًا أو حركةً من القرآن الكريم. ولما تعهد الله تعالى بحفظ القرآن الكريم، كان مما احتواه هذا العهد ضمنًا حفظ سنة رسول الله ﷺ ، ومن ذلك حفظ أحاديث المصطفى ﷺ بأسانيدها فكان الإسناد أحد الخصائص التى اختص الله تعالى بها أمة صفيِّه ﷺ . ولقد أدرك الصدر الأول أهمية ذلك، فروى الإمام مسلم (١) وغيره عن محمد بن سيرين أنه قال: ((إنَّ هذا العلم دين، فانظروا عمن تاخذون دينكم)) وروى أيضًا (٢) عنه أنه قال: "لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة، قالوا: سمّوا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم)). _________ (١) مقدمة صحيح مسلم (١/ ١٤ طبعة عبد الباقى). (٢) المصدر نفسه (١/ ١٥).

стр. 72

ومن ثم افتقر الأمر إلى معرفة ضبط الراوي وصدقه، فكانت الحاجة ماسة إلى استكمال هذا الأمر، فكان نشوء ((علم الجرح والتعديل)) أو ((علم الرجال)). وعلى الرغم من أن هذا العلم لم يكن فجائي الظهور، إلا أنه لا مناص من القول بأنه كان مبكر الظهور جدًا، وبنجلي ذلك مما نقلناه سلفًا عن ابن سيرين، ولقد كان المسلمون مطمئنين إلى أن الله تعالى يهيئ لهذا الأمر من يقوم به ويتحمل أعباء هذه المهمة الجسيمة، فلقد أسند ابن عدي في مقدمة الكامل (١)، وابن الجوزي في مقدمة الموضوعات (٢) أنه قيل لعبد الله بن المبارك: هذه الأحاديث المصنوعة؟ فقال: تعيش لها الجهابذة، ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٣). ولم يخلُ عصر من العصور من إمام يقوم بواجب هذه الصنعة، إلا أن المنهج -وكما يعرفه المختصون- اختلاف من المتقدمين إلى المتأخرين. فبعد أنْ كان عند المتقدمين قائمًا على الاجتهاد والأصالة والسبر والاستقراء، أصبح عند المتأخرين قائمًا على الترتيب والجمع والتصنيف، ومن خلال التطور الزمني للتصنيف في علم الجرح والتعديل، كان "الكمال في أسماء الرجال" للحافظ عبد الغني المقدسي أحد حلقات تطوره، والذى نال من الاهتمام ما لا ينكره متعقل، ومن ثم تكاثرت فروعه، فكان أحد تلك الفروع كتاب: "تقريب التهذيب" لحافظ عصره بلا مدافع، وإمام وقته بلا منازع أبو الفضل شهاب الدين أحمد بن علي بن حجر العسقلاني -رحمه الله تعالى-. _________ (١) (١/ ١٩٢). (٢) (١/ ٤٦). (٣) الحِجر:٩.

стр. 73

ولقد برزت في هذا الكتاب -كما في غيره من كتبه- شخصية الحافظ الناقد الخبير البصير بمواضع الكلام، ومراتب الرواة، وعلل أحاديثهم، فكان خير تعبير عن علم جمٍّ وافر، وذوق ناقد ماهر، فلقي من القبول ما لم يكد يلقه كتاب آخر في موضوعه، ولم يجرأ أحد من الناس على رد أحكام الحافظ -بل: غاية ما كان استدراكات لا يخلو عمل بشري من العوز لها- منذ تأليفه في النصف الأول من القرن التاسع الهجري حتى وقت قريب. ثم ليس أمر الكلام في الرواة شيئًا يسيرًا أو هينًا، لذا اشترطت في المجرح والمعدل: العدالة، والدين المتين، والورع، لذا قال الإمام السبكي- ﵀ وهو يتحدث عن صنوف العلماء: ((ومنهم المؤرخون وهم على شفا جرفٍ هارٍ، لأنم يتسلطون على أعراض الناس، وربما نقلوا مجرد ما يبلغم من صادقٍ أو كاذبٍ، فلا بد أن يكون المؤرخ عالمًا عادلًا، عارفًا بحال من يترجمه ليس بينه وبينه من الصداقة ما قد يحمل على التعصب ولا من العداوة ما قد يحمله على الغض منه)) (١). اهتم العلماء منذ وقت مبكر بتأليف الكتب التي تتكلم عن الرواة، وتحكم عليهم، وتبين مراتبهم من التوثيق والتضعيف وغير ذلك، وفائدة هذا: التوصل إلى معرفة صحة الحديث من سُقْمِه؛ لذا زخرت المكتبة الإسلامية بلجم الغفير من الكتب منذ نهاية عصر التدوين حتى يوم العاد هذا، وكانت من الكثرة بحيث أصبحت عملية عدها مستعصية على العادِّ ويكاد يكون أمرًا غير ممكن، إلا أن هناك بعضًا من المصنفات نالت حضوة لدى الباحثين وقيمة عليا عند المحققين منها: تاريخ يحيى بن معين (برواياته المختلفة) _________ (١) معيد النعم ومبيد النقم، ص (٧٤)، وانظر: أربع رسائل في علوم الحديث تحقيق الشيخ عبد الفتاح أبي غدة ص (٧١).

стр. 74

وكتب السؤالات التي وجهت للإمام أحمد، وتواريخ البخاري، ومصنفات ابن أبي حاتم، وثقات ابن حبان وابن شاهين، ومؤلفات الدارقطني وغيرها الكثير الكثير. ولما كان كلام أئمة الجرح والتعديل متناثرًا في كتبهم تلفُهُ طويات صفحاتها كان أمر جمع أقوال النقاد في كل راوٍ على حدة حلمًا ساور الكثير من المصنفين إلى أن جاء الحافظ الكبير عبد الغني ابن عبد الواحد الجماعيلي المقدسي الحنبلي (٥٤٤ - ٦٠٠ هـ) فصنف سفره العظيم: "الكمال في أسماء الرجال" فكان بحق كتابًا نافعًا ماتعًا، ويكفيك للدلالة على علو كعب هذا الكتاب إقدام المزي على تهذيبه. وقد تناول الحافظ عبد الغني في كتابه هذا رجال الكتب الستة من خلال بيان أسمائهم وما قيل فيها من اختلاف وبيان شيوخهم وتلامذتهم، وما قيل في كلٍ منهم من جرح وتعديل، وما عرف من وفيات أكثرهم. ومع حرصه الشديد على الشمول والاستقصاء، فقد فاته بعض الرواة الذين لم يقص عليهم، فشاب -وما شأن- كتابه شيء من النقص، كان بحاجة إلى إكمال. فقيض الله تعالى لهذا العمل العظيم رجله بحق الإمام الحافظ أبا الحجاج المزي (٦٥٤ - ٧٤٢ هـ) فعمل على تهذيب كتاب الكمال طلبًا لاختصاره وأضاف تراجم كثير من الرواة الذين فات الحافظ عبد الغني ذكرهم طلبًا للاستيفاء، وحذف منه وأضاف له، وسمّاه: تهذيب الكمال في أسماء الرجال" فكان بحق كمالًا للكمال، ومكملًا لفوائد اقتضاها الحال. ومن الناس من يظن أن عمل الحافظ المزي إنما هو اختصار للكمال، وهو خطأ لطالما سمعناه من كثير من المشايخ، والذي يظهر أن التهذيب هنا بمعنى: التصحيح والاستدراك.

стр. 75

ولقد تجمع من جهد هذين الحافظين عمل فذ كان الذروة في بابه، إلا أن الكتاب طال جدًا، وصعبت على الناس مراجعته، مع بعد الزمان وتقاصر الهمم، الأمر الذي حدا بكثير من العلماء إلى اختصاره طلبًا للتيسير ودفعًا للمشقة المتوقعة، فكان أحد هؤلاء الحافظ ابن حجر، حيث اختصره في كتابه "تهذيب التهذيب" فكان كتابًا عظيمًا نافعًا. ويتلخص تهذيب الحافظ ابن حجر فيما يأتي: ١ - لم يحذف من رجال "تهذيب الكمال" أحدًا، وإنما زاد فيهم من هو على شرطه. ٢ - أعاد التراجم التي حدفها المزي من أصل "الكمال" وكان الحافظ عبد الغنى قد ذكرها بناءً على أن بعض الستة أخرج لم، وكان المزي قد حذفهم بسبب عدم وقوفه على روايتهم في شيء من الكتب الستة. ٣ - حذف من الترجمة الأحاديث التي خرجها المزي من مروياته العالية الموافقات والابدال، وغير ذلك من أنواع العلو. ٤ - لم يستوعب شيوخ وتلاميذ المترجم بل اقتصر على المشهورين منهم وحذف الباقين. ٥ - لم يلتزم نهج المزي في ترتيب شيوخ صاحب الترجمة والرواة عنه على حروف المعجم، بل قدم المشهورين على غيرهم. ٦ - حذف من الترجمة أغلب الأخبار التي لا تدل على توثيق ولا تخريج. ٧ - حذف كثيرًا من الاختلافات المذكورة في وفاة المترجم. ٨ - ميز ما أضافه إلى الترجمة بـ (قلت) (١) ثم يسوق قوله. _________ (١) وقد أشار الحافظ نفسه في مقدمة تهذيبه (١/ ٢ - ٥ و ٨) إلى هذه الأمور.

стр. 76

ومن فوائد هذا الكتاب العظيم أنه جمع ما استدرك على المزي فوضعه في محاله وقد ذكر الحافظ استفادته من زوائد الذهبي في "تذهيب تهذيب الكمال" ثم قال: (وقد انتفعت في هذا الكتاب المختصر بالكتاب الذى جمعه الإمام العلامة علاء الدين مغلطاى على تهذيب الكمال مع عدم تقليدى له في شيء مما ينقله وإنما استعنت به في العاجل، وكشفت الأصول التي عزا النقل إليها في الآجل فما وافق أثبته، وما باين أهملته، فلو لم يكن في هذا الكتاب المختصر إلا الجمع بين هذين الكتابين الكبيرين في حجم لطيف لكان معنى مقصودًا هذا مع الزيادات التي لم تقع لهما، والعلم مواهب، والله الموفق) (١). ولما كان الكتاب يمتاز بهذه الزيادات النافعة الماتعة، أصبح على نفاسته مَدْرَسَ الناس ومرجعهم، ينهلون منه العلم والمعرفة في تفحص أحوال الرجال التي إليها المرجع في معرفة صحيح الحديث من ضعيفه، ثم أراد الحافظ ابن حجر أن يقرب فوائد هذا الكتاب إلى الناس فاختصر تهذيب التهذيب في كتابه "تقريب التهذيب" راعى فيه الفائدة والاختصار بحيث تكون الترجمة تشمل اسم الرجل واسم أبيه وجده، ونسبه، ونسبته، وكنيته، ولقبه، مع ضبط المشكل بالحروف، ثم الحكم على كل راوٍ من المترجمين بحكم وجيز، ثم التعريف بعصر كل راو حيث قسَّمهم على طبقات، جعلها اثنتي عشرة طبقة ثم ذكر الرموز لكل راو والتي تنبئ عن مكان وجود أحاديث المترجم في الكتب (٢). وقد بين الحافظ نفسه سبب اختصاره للتهذيب بالتقريب فقال: ((فإني لما فرغت من تهذيب "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" الذي جمعت فيه مقصود التهذيب لحافظ عصره أبي الحجاج المزي، من تمييز أحوال الرواة _________ (١) تهذيب التهذيب: ١/ ٨ - ٩. (٢) التحرير: ١/ ١٣ - ١٤.

стр. 77

المذكورين فيه وضَمَمْتُ إليه مقصود إكماله، للعلامة علاء الدين مغلطاي، مقتصرًا منه على ما اعتبرته، وصحَّحته من مظانه من بيان أحوالهم أيضًا وزدت عليهما في كثير من التراجم ما يُتَعَجَّبُ من كثرته لديهما، ويستغرب خفاؤه عليهما، وقع الكتاب المذكور من طلبة الفن موقعًا حسنًا، عند المميز البصير، إلا أنه طال إلى أن جاوز ثلث الأصل والثلث كثير، فالتمس مني بعض الأخوان أن أجرد له الأسماء خاصة، فلم أوثر ذلك لقلة جدواه على طالبي هذا الفن، ثم رأيت أن أجيبه إلى مسألته، وأسعفه بطلبته على وجه يحصل مقصوده بالإفادة ويتضمن الحسنى التي أشار إليها وزيادة، وهي: أنني أحكم على كل شخص منهم بحكم يشمل أصح ما قيل فيه، وأعدل ما وصف به، بألخص عبارة وأخلص إشارة بحيث لا تزيد كل ترجمة على سطر واحد غالبًا يجمع اسم الرجل واسم أبيه وجده، ومنتهى أشهر نسبته ونسبه، وكنيته، ولقبه، مع ضبط ما يشكل من ذلك بالحروف، ثم صفته التي يختص بها من جرح أو تعديل ثم التعريف بعصر كل راوٍ منهم، بحيث يكون قائمًا مقام ما حذفته من ذكر شيوخه والرواة عنه، إلا من لا يؤمن لبسه)) (١). وهذا ملخص جيد عن المنهج الذي سار عليه الحافظ ابن حجر في كتابه "التقريب". ثم ان كتاب تقريب التهذيب هو خلاصة جهود الحافظ ابن حجر في علم الجرح والتعديل، وآخر اجتهاداته، وقد فرغ من تأليفه عام (٨٢٧ هـ) فظلَّ يحرر فيه، وينقح فيه، ويضيف إليه وينقص حتى عام (٨٥٠ هـ) أي قبيل وفاته بعامين، قال الشيخ الفاضل محمد عوامة: ((إذا كان الحافظ- ﵀ قد أنهى شرحه "فتح الباري" عام (٨٤٢ هـ)، فإنه ظلَّ يشتغل _________ (١) التقريب: ١/ ٢٣ - ٢٤، طبعة مصطفى.

стр. 78

ويصقل كتابه "التقريب" ويعمل يده فيه إلى عام (٨٥٠ هـ)، كما هو واضح من تواريخ الإلحاقات، والإضافات على النسخة التي بين يدي، وقد أرخ عشرين إلحاقًا منها مؤرخة سنة (٨٤٨ هـ)، وإحالة واحدة مؤرخة سنة (٨٥٠ هـ)، ثم قال: ((فلا مجال لاحتمال زيادة إطلاع الحافظ على زيادة في الجرح والتعديل، أهمل خلاصتها فلم يلحقها في "التقريب" خلال هذه السنوات الطويلة من عام (٨٢٧ - ٨٥٠ هـ) وعلى احتمال إطلاعه على أشياء جديدة، فإنها ألوال لا تغيِّر من أحكامه)) (١). _________ (١) مقدمته للتقريب: ٣٦.

стр. 79

المبحث الثاني مفهوم الطبقات: سبق أن قلنا أن الحافظ ابن حجر عرَّفَ بعصر كل راوٍ، إذ قسم الرواة على طبقات، قال الحافظ ابن حجر ﵀ في المقدمة: ((بحيث لا تزيد كل ترجمة على سطر واحد غالبًا، يجمع اسم الرجل، ثم التعريف بعصر كل راوٍ منم، بحيث يكون قائمًا مقام ما حذفته من ذكر شيوخه والرواة عنه، إلا من لا يؤمن لبسه. وباعتبار ما ذكرت انحصر لي طبقاتهم في اثنتي عشرة طبقة وأما الطبقات: فالأولى: الصحابة، والثانية: طبقة كبار التابعين، والثالثة: الطبقة الوسطى من التابعين، والرابعة: طبقة تليها، جل روايتهم عن كبار التابعين، والخامسة: الطبقة الصغرى منهم، والسادسة: طبقة عاصروا الخامسة؛ لكن لم يثبت لم لقاء أحد من الصحابة، والسابعة: كبار أتباع التابعين، والثامنة: الطبقة الوسطى منهم، والتاسعة: الطبقة الصغرى من أتباع التابعين، والعاشرة: كبار الآخذين عن تبع الأتباع ممن لم يلقَ التابعين، والحادي عشرة: الطبقة الوسطى من ذلك، والثانية عشرة: صغار الآخذين عن تبع الأتباع كالترمذي، وألحقت بها باقي شيوخ الأئمة الستة الذين تأخرت وفاتهم قليلًا. وذكرت وفاة من عرفت سنة وفاته منهم، فإن كان من الأولى والثانية: فهم قبل المائة، وان كان من الثالثة إلى آخر الثامنة: فهم بعد المائة، وإن كان من التاسعة إلى آخر الطبقات: فهم بعد المائتين، ومن ندر عن ذلك بيّنته)).

стр. 80

وخلاصة ذلك (١): ١ - بيَّن الباعث له على هذا الاصطلاح الخاص بكتابه هذا -وهو الطبقات- أنه أراد استدراك ما حدفه من تسمية شيوخ المترجم والرواة عنه، فإنه بهذا التحديد الزمني يقرِّب للباحث أن هذا المترجم هو مراده لا غيره. وهو استدراك جيد بديع؛ ولكنه نبَّه إلى أن تحديد الطبقة يفيد غلبًا -لا دائمًا- فاستدرك وقال لبيان الأغلبية: ((إلا من لا يؤمن لبسه)). ٢ - ثم بيَّن أنه: - جعل الصحابة طبقة واحدة على اختلاف طبقاتهم. - وجعل للتابعين خمس طبقات: كبرى، ووسطى، وملحقة بها، وصغرى، وملحقة بها. - وجعل لأتباع التابعين ثلاث طبقات: كبرى، ووسطى، وصغرى. - ولأتباعهم ثلاث طبقات أخرى: كبرى، ووسطى، وصغرى، وألحق بالصغرى نفرًا قليلًا من شيوخ بعض الأئمة، كبعض شيوخ النسائي فلقلة عددهم لم يفردهم بطبقة خاصة بهم. ٣ - ثم بين مصطلحه في الوفيات: فمن كانت وفاته خلال القرن الأول قال عنه: من الثانية، ولا ينسب أحدًا إلى الأولى، فإن أهلها من الصحابة وهو يستغني بوصفهم بالصحبة عن تحديد طبقتهم وقوله عنهم: من الأولى. _________ (١) من هنا إلى آخر الكلام عن الطبقات بحروفه من تعليقات الشيخ محمد عوامة في دراساته للتقريب: (٤٢ - ٤٤)، وقد سماه: الجانب الرابع: بيان مراده من الطبقة.

стр. 81

ومن كانت وفاته في المائة الثانية: وصفه بما يليق به: من الثالثة، من الرابعة ... من الثامنة، ولا يزيد. ومن كانت وفاته بعد المائتين: فهو من التاسعة فما بعدها إلى الثانية عشرة. ثم قال: ((ومن ندر عن ذلك بينته)) وهو شامل: - لمن تأخرت وفاته عن المائة قليلًا أو المائتين، وهو ملحق بمن دونها. - مثال ذلك: أبو الطفيل عامر بن واثلة، آخر الصحابة وفاة، وكانت وفاته سنة (١١٠ هـ)، أي جاوز المائة، ورسم ما مضى يقضي أن يكون من الثالثة، مع أنه صحابي من أهل الطبقة الأولى. - ولمن تقدمت وفاته على المائة والمائتين، وهو ملحق بمن بعدها. مثال ذلك: عروة بن الزبير: ((من الثالثة، مات سنة أربع وتسعين على الصحيح))، فكونه ((من الثالثة)) يقتضي أنه توفي بعد المائة وإلا خالف الاصطلاح فاقتضى البيان والاستثناء؛ لذلك قال: ((ومن ندر عن ذلك بينته)). وهنا لا بد من بيان معنى الطبقة عند ابن حجر في كتابه "تقريب التهذيب" إذ أن مصطلحه كان مثار انتقاده ممن غفل عنه. تقدم أنه جعل للمائة الأولى طبقتين: الأولى والثانية، وللمائة الثانية ست طبقات: من الثالثة إلى أخر الثامنة، وللمائة الثالثة أربع طبقات: من التاسعة إلى آخر الثانية عشرة. فيكون قد توسع في القدر الزمنى لرجال المائة الأولى، وتوسط في المائة الثالثة وضيَّق المسافة الزمنية لكل طبقة من أهل المائة الثانية. فهو في كتاب واحد لم يمشِ على وتيرة واحدة، وهذا لا يؤثر على منهجه، إذ أنه اصطلح وبيَّن ما اصطَلَحَ عليه، ولا مشاحة في الاصطلاح.

стр. 82

إنما ينبغي للناظر في كتابه أن يحفظ مصطلحاته ويفهم مراده، ويوفق بين ما رسمه وبين تطبيقه له. فالمائة الثانية: قسمها على ست طبقات، فيكون للطبقة الواحدة تقريبًا نحو (١٧ سنة)، أى: من يقول عنه: من الثالثة، فوفاته في حدود سنة (١٢٠ هـ)، ومن الرابعة: بين (١٣٥ - ١٤٠)، وهكذا. ومن قال عنه: من الثامنة، فوفاته أواخر القرن الثاني. ومن كانت وفاته في الربع الأول من القرن الثالث: كان من التاسعة، ومن توفي في الربع الثاني منه، فهو من العاشرة، ومن توفي خلال الربع الثالث منه: عدَّه من الحادية عشرة، والمتوفى أواخر القرن: كان من الثانية عشرة. لكن ليست هذه التحديدات حدودًا منطقية لا يجوز الخروج عنها، إنما هي مرتبطة بأمر آخر مهم، هو المقياس الدقيق الذي لا يجوز تجاوزه بحال، وهو: الشيوخ الذين أدركهم وأخذ عنهم، ثم بعد ذلك قد يطول عمر هذا الراوي فتكون وفاته في عصر الطبقة التي بعده، لتأخرها، وقد يقصر عمره، فيتوفى في عصر الطبقة التي قبله. فلا يصح النظر في تاريخ الوفاة والطبقة التى حددها له، فإن اختل التناسب بينهما خطَّأنا المصنف، لا إنما الطبقة -عنده- ملاحظ فيها ثلاثة أمور: أهمها الشيوخ الذين أخذ عنهم، ثم ولادته، ثم وفاته. وإنما أخرت معرفة الولادة عن معرفة الشيوخ؛ لأنه قد تتقدم ولادته؛ ولكنه يتأخر في الطلب والسماع -وإن كان بينهما تلازم في غالب الأحيان-. فإن تأخر في السماع: فاته فلان وفلان من المتقدمين، وأخذ عن فلان وفلان من المتأخرين، ويشاركه حينئذ من تأخرت ولادته عنه، في السماع من هؤلاء المتأخرين.

стр. 83

والأمثلة توضح منهجه: أحمد بن عبد الله بن ميمون ابن أبي الحواري، قال عنه: ((من العاشرة مات سنة ست وأربعين)). وأحمد بن عبد الرحمن بن وهب المصري، ابن أخي عبد الله بن وهب، قال عنه: ((من الحادية عشرة مات سنة أربع وستين)) أي: كلاهما بعد المائتين. وهذان مثالان منطبقان على الطبقة وتاريخ الوفاة، ولا إشكال فيهما)) (١). _________ (١) ما سبق فى بيان الطبقة كلام الشيخ الفاضل محمد عوامة.

стр. 84

المبحث الثالث دلالة العلامات والرقوم في كتب الرجال (١): قال ابن حجر ﵀ في مقدمة كتابه: ((وقد اكتفيت بالرقم -أي: الرمز- على أول اسم كل راوٍ، إشارة إلى من أخرج حديثه من الأئمة. فالبخاري: في صحيحه: خ، فإن كان حديثه عنده معلقًا: خت. وللبخاري في الأدب المفرد: بخ، وفي خلق أفعال العباد: عخ، وفي جزء القراءة خلص الإمام: ر، وفي رفع اليدين: ي. ولمسلم: م (٢). ولأبي داود: د، وفي المراسيل: مد، وفي فضائل الأنصار: صد، وفي الناسخ: خد، وفي القدر: قد، وفي التفرد: ف، وفي المسائل: ل، وفي مسند مالك: كد. وللترمذي: ت، وفي الشمائل له: تم. وللنسائي: س، وفي مسند علي له: عس، وفي مسند ملك: كن. ولابن ماجة: ق، وفي التفسير له: فق. _________ (١) وما ذكر هنا نقلناه بحروفه من تعليقات الشيخ الفاضل محمد عوامة في دراساته لتقريب التهذيب: ٤٨. (٢) من هذا يظهر أن الحافظ ابن حجر يسوي بين صحيح مسلم وبين مقدمته -إلا في مواطن قليلة ميز بينهما-، فلم يجعل رقمًا خاصًا للمقدمة كما صنع المزى (مق).

стр. 85

فإن كان حديث الرجل في أحد الأصول الستة أكتفي برقمه ولو أخرج له في غيرها، وإذا اجتمعت فالرقم: ع، وأما علامة (٤) فهي لهم سوى الشيخين. ومن ليست له عندهم رواية مرقوم عليه: تمييز، إشارة إلى أنه ذكر ليتميز عن غيره، ومن ليست عليه علامة نبه عليه وترجم قبل أو بعد)). فهذه واحد وعشرون كتابًا وتزيد الرموز عليها أربعة: خت، لمعلقات البخارى، وللستة: ع، وللسنن الأربعة: ٤، و (تمييز) لمن ليست له رواية في الكتب المذكورة. ١ - وقد أضاف المصنف في ثنايا الكتاب ثلالة رموز، وهي: مق، ص، سي (مق): لمقدمة مسلم في صحيحه، (ص): لخصائص سيدنا علي ﵁، (سي): لعمل اليوم والليلة وكلاهما للنسائي. فيكون مجموع الرموز ثمانية وعشرين رمزًا، لثلاثة وعشرين كتابًا)) (١). _________ (١) انتهى كلام الشيخ محمد عوامة.

стр. 86

المبحث الرابع المقبول: المقبول لغةً: ضد المردود، وهو المأخوذ المرضى (١). وهو بنفس المعنى في اصطلاح المحدثين، قال الحافظ ابن حجر: ((المقبول: وهو ما يجب العمل به عند الجمهور)) (٢). هذا فيما يخص الحديث: نعني متنه، أما لفظة: ((المقبول)) من حيث إطلاقها كحكم على أحد رجال السند، فتختلف تبعًا لاختلاف مناهج الأئمة النقاد في جرح الرواة وتعديلهم، واختلاف اصطلاحاتهم بخصوص هذا. إلا أن الذي يهمنا من هذا معناها عند الحافظ ابن حجر، وهو أمر ميسور لنا إذ أن الحافظ بيّن مراده فقال: ((السادسة: مَن ليس له من الحديث إلا القليل ولم يثبت فيه ما يترك حديثه من أجله، وإليه الإشارة بلفظ: مقبول، حيث يتابع، وإلا فلين الحديث)) (٣). من هذا يتضح أن الحافظ ابن حجر يضع ثلاثة شروط للمقبول عنده وهي: ١ - قلة الحديث. ٢ - عدم ثبوت ما يترك حديث الراوي من أجله. ٣ - المتابعة. _________ (١) لسان العرب (١١/ ٥٤٠) مادة (قبل). (٢) نزهة النظر (ص ٧١) مع نكت علي الحلبي. (٣) تقريب التهذيب (١/ ٢٤ طبعة مصطفى).

стр. 87

فالأصل في المقبول عند الحافظ أنه ضعيف، إذ ((لين الحديث)) من ألفاظ التجريح (١)، فإذا توبع الراوي رفعته المتابعة إلى مرتبة القبول، فالمتابعة شرط لارتقاء الراوى من الضعف إلى القبول عند الحافظ ابن حجر، و ((المقبولية)) أول درجات سلّم القبول بمعناه الأعم. ولكن ينبغي لنا أن لا نَغْفل عن أن الحافظ ابن حجر يضع أصلًا آخر للمقبول عنده، وهو كونه ((قليل الحديث))، وهنا سؤال يطرح نفسه: لماذا قلة الحديث؟ نقول: إنَّ الراوي إذا كان قليل الحديث كان من السهل عليه ضبط حديثه وإتقان حفظه، إلا أنه لم يكن ذا شهرة تجعله محط رحال المحدثين، فيشتهر بينهم وتنطلق ألسنتهم بمدحه والبهاء عليه، أو ذمه والحط منه، لذا بقي هذا الراوي دائرًا في فلك خاص به، فليس هو بالحافظ المشهور فيرتقي إلى مصافهم وليس بالضعيف المعروف فينزل إلى سننهم، ولما كان هو خاليًا عن كل حكم من النقاد، وكان حديثه قليلًا ليس فيه ما يدل على خطئه، وتوبع على أحاديثه القليلة، خرج عن حيز الضعيف، وصار إلى مرتبة القبول، فإذا اختل شرط من هذه الشروط عدنا إلى الأصل فيه وهو الضعف. ولذا كان من منهجه ﵀ أن الراوي إذا كان بهذه الصورة، إلا أنه قد وجد جرح لأحد النقاد فيه قُدِّمَ الجرح؛ لأنه صار بمثابة مرجح لأحد الطرفين (٢). والشيء الملاحظ على هؤلاء الرواة المقبولين عند الحافظ ابن حجر، أن كثيرًا منهم وصف بالجهالة، وهذه فائدة عزيزة يجب التنبه لها، إذ الغالب على هؤلاء -كما سبق- عدم الشهرة، لذا فإن كل راوٍ منهم لم يكن له نصيب _________ (١) أنظر: شرح التبصرة والتذكرة (١٢/ ٢). فقد جعلها من المرتبة الخامسة. (٢) أنظر: لسان الميزان (١/ ١٥، ١٦)، ونزهة النظر (ص ١٩٣).

стр. 88

وافر من التلامذة الذين حدثوا عنه، وكثير منهم لم يكن له إلا راوٍ واحد، فوصف أحد من الأئمة لأحد هؤلاء الرواة ب (الجهالة) لا يقدح في اشتراطنا: عدم ثبوت ما يترك حديثه لأجله. وهذا المنحى من الحافظ قائم على أساس تصحيحه لاختيار أبي الحسن القطان في أن من زكاه أحد من أئمة الجرح والتعديل مع رواية واحد عنه قُبلَ وإلا فلا (١). خلافًا للقاعدة المشهورة عند جمهور المحدثين في اشتراط راويين لرفع الجهالة (٢) فإذا انتفى التعديل عدنا بالراوي إلى الأصل فيه وهو جهالته، وقد نص الحافظ على هذا، فقال في مقدمة التقريب: ((التاسعة: مَن لم يروِ عنه غير واحد ولم يوثق، وإليه الإشارة بلفظ: مجهول)) (٣)، فتعديل واحد من النقاد لهؤلاء "الوحدان" -كما هو معروف في اصطلاح أهل الحديث- قائم عند الحافظ مقام الراوي الثاني، المشترط عند الجمهور في رفع الجهالة. فإذا علمنا هذا وجب علينا أن نجعل اصطلاح الحافظ نصب أعيننا إذا ما رمنا تعقبه، وكذلك الحال مع كل إمام له اصطلاح على أمر خاص به، ولا يصح بحال من الأحوال محاكمته إلى غيرها، وان كانت قواعد مشهورة قال بها الجمهور، وإلا كان هذا من باب المشاحة في الاصطلاح، وهي مسألة غير مقبولة عند الجميع. _________ (١) أنظر: بيان الوهم والإيهام (٤/ ١٣٩ و ٢٨٥)، تدريب الراوي (١/ ٣١٧) وشرح ألفية العراقي في الحديث للسيوطي (ص ٢٤٥). (٢) أنظر: الكفاية (ص ١٥٠). (٣) تقريب التهذيب (١/ ٢٥).

стр. 89

المبحث الخامس المستور المستور لغة: الخفي، ومنه: سَتَرَ الشيءَ يَسْتُرُهُ سِتْرًا: أخفاه (١). وفي الاصطلاح: فقد شاب تعريف المستور شيء من الاضطراب (٢)، إلا أن الراجح في تعريفه: أنه الذي علمت عدالته في الظاهر، وجهلت في الباطن (٣). وغير خاف عنك أن هذا التعريف ليس على صناعة الحدود، بل هو بالرسم أشبه، ومن أجل ضبطه بضابط يجعله أكثر وضوحًا، اختار الحافظ ابن حجر تعريفًا آخر له، فقال: ((إن روى عنه اثنان فصاعدًا ولم يوثق فهو مجهول الحال، وهو المستور)) (٤)، وردد هذا في مقدمة تقريبه فقال: ((من روى عنه أكثر من واحد ولم يوثق، وإليه الإشارة بلفظ: مستور، أو مجهول الحال)) (٥) وبهذا يظهر أن أركان الراوي المستور عند الحافظ اثنان: _________ (١) لسان العرب (٤/ ٣٤٣) مادة (ستر). (٢) توضيح الأفكار (١/ ١٨٢). (٣) علوم الحديث (ص ١٠١)، وانظر: النفح الشذي (١/ ٢٧٨، ٢٧٩). علمًا أن الحافظ العراقي نازعه في جواز تسميته بالمستور، ورده السيوطي. ينظر: شرح التبصرة والتذكرة (١/ ٣٢٨، ٣٢٩)، وشرح ألفية العراقي للسيوطي (ص ٢٤٦). (٤) نزهة النظر (ص ١٣٥). (٥) تقريب التهذيب (١/ ٢٥).

стр. 90

١ - أن يكون له من الرواة اثنان فأكثر. ٢ - أن لا يوجد فيه توثيق من أحد. فاشتراط الحافظ الراويين فأكثر جريًا منه على قاعدة الجمهور في أن ما يرفع جهالة العين رواية راويين فأكثر (١)، وعدم وجود التوثيق يقدح في النفس عند تفرد المستور، ومذهب الحافظ في رواية المستور عدم الحكم فيها بحكم كلي بالرد أو القبول، بل هي موقوفة إلى استبانة حاله (٢). فإذا اعتضدت روايته بما يصح الاعتضاد به ترقت إلى الحسن لغيره، وإن عدمت المتابعة ردت، لكن ليس لوجود ما يقتضي الرد، بل لعدم وجود ما يقتضي القبول. لقد برزت لدى الحافظ ابن حجر في كتابه "تقريب التهذيب" الشخصية النقدية الشمولية، فكان لا يفرط في قول ناقد أي ناقد كان، ولا يترك حالة وُصِف بها الراوي دون تشخيص، وأن حصلت من الراوي مرة واحدة وشخصها ناقد واحد، كالخطأ والوهم والتدليس والإغراب والتفرد والغلط وغيرها، مشيرًا إلى وجود لتلك الحالة في حديث الراوي، ومنبهًا إلى ضرورة تفتيش حديثه، وإقران الحافظ تلك الألفاظ بأحكامه تنفع الباحث أيما نفع، إذ تنبهه إلى تلك الأوهام أو الأخطاء الحاصلة في حديث الراوي من أجل أن يتقيها وينتفع بذلك عند المخالفة والمعارضة، إذ أَنه لو ترك الحكم على إطلاقه، لاغتر به كثير من أهل الصنعة فكيف بعوام الناس؟؟ إلا أنه راعى في تعبيره عن ذلك كثرة الوقوع وقلتها، فتارة يستعمل الفعل المضارع الذي يدل على الاستمرارية، وهو يعني كثرة وقوع ذلك من _________ (١) الكفاية (ص ١٥٠). (٢) نزهة النظر (ص ١٣٦)، و (ص ٥٢ من طبعة العتر).

стр. 91

الراوي كان يقول: يهم، أو يغرب، أو يخطئ، ... الخ، وتارة يستعمل لفظة ((كثير)) وهي أبلغ من استعمال الفعل المضارع في إثبات الكثرة، كأن يقول: كثير الخطأ، أو كثير الوهم، أو غيرها، ويستعمل لفظة ((ربما)) دلالة على قلة وقوع ذلك من الراوى. وبهذا يتضح أن نهج الحافظ نهج سديد صائب، أملته عليه ضرورة العمل وهي الاختصار، فلم يكن المقام في كتابه هذا يتسع لبيان مواطن الوهم والخطأ وغيرها، فكان يكتفي بالإشارة إلى ذلك عملًا بالقاعدة القائلة: ((ما لا يدرك كله لا يترك جلّه)).

стр. 92

الفصل الثالث [*]: التعريف بأمور مهمة في المصطلح: تمهيد المبحث الأول: تعريف الإسناد لغة واصطلاحًا المطلب الأول: لغة المطلب الثانى: اصطلاحًا المطلب الثالث: بيان أهمية الإسناد المبحث الثانى: الرواية والدراية في علم الحديث المبحث الثالث: الحديث الحسن المبحث الرابع: التدليس [**] المطلب الأول: تدليس الإسناد المطلب الثانى: تدليس الشيوخ المطلب الثالث: تدليس التسوية المطلب الرابع: تدليس العطف المطلب الخامس: تدليس السكوت المطلب السادس: تدليس القطع المطلب السابع: تدليس صيغ الأداء المطلب الثامن: حكم التدليس وحكم من عرف به المطلب التاسع: حكم الحديث المدلس _________ [*] قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: بالمطبوع «الرابع» [**] قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: الفصل سبعة مباحث

стр. 93

بسم الله الرحمن الرحيم تمهيد: فإن الحديث النبوي الشريف المصدر الثاني للتشريع الإسلامي، بعضه يستقل بالتشريع، وكثيرٌ منه شارح لكتاب الله تعالى مُبين لما جاء فيه. قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤]. وقد أدرك المسلمون -منذ الصدر الأول، وحتى يوم الناس هذا- أهمية الحديث النبوي الشريف فحفظوا الأحاديث في الصدور، ودونوها في الدواوين، ونقَّروا عنها أشد التنقير والبحث كي لا ينضاف إليها ما ليس منها، فأنجبت هذه الأمة حُفّاظًا عارفين وجهابذة ناقدين، فكانوا بحق ينفون عن السنة تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، فظهرت المصنفات والجوامع والسنن والمسانيد والأجزاء والمشيخات وغيرها في صور عدة وضروب كثيرة، حرصًا واحتفاظًا واعتزازًا بسنة الحبيب المصطفى ﷺ وكان لابد من ظهور مؤلفات تُبين مصطلحات المحدثين في كتبهم ودروسهم، تكشف عما يريدون من إطلاقاتهم وأقوالم. فظهر عددٌ من المؤلفات في القرون التِي تلت عصر الرواية ومما لا شك فيه أنَّ من أحسنها تصنيفًا وأعمها نفعًا كتاب الحافظ أبي عَمْرو عثمان بن عَبْد الرّحْمَان الشهرزوري المشهور بـ: ابْنُ الصَّلاح (٥٧٧ - ٥٦٤٣) المسمى: "مَعْرِفَة أنواع علم الْحَدِيْث" (١) الَّذِي لا يُحصى عدُّ من شرحه واختصره ونظمه ونكَّت علَيْهِ. _________ (١) هكذا سماه بِهِ مؤلفه في ديباجة كتابه: ٧٨ بتحقيقنا، وهكذا أطلق عليه القرطبي فى تفسيره ٤/ ٣١٠٩، طبعة الشعب.

стр. 94

ورغم تضافر الكتب الكثيرة والعديدة فِي مصطلح الحديث؛ بقي قصورٌ فِي الكتب المدونة فِي مصطلح الحديث؛ لأن التدوين بمصطلح الحديث جاء متأخرًا عَنْ تدوين الحديث النَبَوى الشريف؛ إذ انَّ تدوين الحديث ازدهر فِي القرن الثالث الهجري، أما مصطلح الحديث فقد بذرت بذرته الأولى بعد منتصف القرن الرابع الهجري ولما كَانَ علم المصطلح متأخرًا عَنْ التدوين فلا شك أنَّ تدوين المصطلح بني علَى استقراء كلام المتقدمين. وهذا الاستقراء بعضه تام وبعضه كَانَ غير ذَلِكَ مما أدى إِلَى قصورٍ ملحوظٍ فِي بعضِ قضايا المصطلح المهمة، مما يجعل الخبير الناقد حينما يوازن بين عمل المتقدمين وما هو مدون فِي كتب المصطلح يجد بونًا كبيرًا واختلافًا غير يسير عما هو مدون فِي كتب المصطلح، وبين ما هو حقيقة فِي نفس الأمر لدى أصحاب القرون الأولى أصحاب البصيرة الواسعة، الذين هم عمدة هذا الفن، وركنه الركين. من هذا المنطلق ناقشت أهم المسائل الحديثية التي تتعلق بـ "مصطلح الحديث" التي كانت محط خلاف بين المتقدمين والمتأخرين وبينت ما خفي ببعض الأمثلة التوضيحية حتى تكتمل الفائدة ويعم النفع.

стр. 95

المبحث الأول تعريف الإسناد لغةً واصطلاحًا: المطلب الأول: تعريف السند والإسناد لغة: السند في اللغة: يطلق علَى عدة معانٍ، أشهرها: ما قابلك من الجبل، وعلا عن السفح، والمُعتمَدُ: وَهُوَ كلُّ ما يُسنَدُ إِلَيْهِ ويُعتَمَدُ علَيْه من حائطٍ وغيره، يقال: فإن سَنَدٌ أي: مُعتَمَدٌ (١). قَالَ بدر الدين بن جَمَاعَة (٢): ((وَهُوَ مأخوذ، إمّا من السند وَهُوَ ما ارتفع وعلا عن سفح الجبل؛ لأن المُسْنِدَ يرفعه إِلَى قائله، أوْ من قولهم: فإن سندٌ أي: معتمدٌ، فسُمِّي الإخبار عن طريق الْمتْن سندًا لاعتماد الحُفّاظِ في صحة الْحَدِيْث وضعفه علَيْهِ)) (٣). قَالَ الزركشي: ((هُوَ مأخوذ من السند، وَهُوَ ما ارتفع وعلا من سفح الجبل؛ لأن المسند يرفعه إلى قائله، ويجوز أن يَكُوْن مأخوذًا من قولهم: فُلان سندٌ أي: معتمدٌ، فسُمِّيَ الإخبار عن طريق الْمَتْن سندًا لاعتماد النقاد في _________ (١) الصحاح ٢/ ٤٨٩، ومقاييس اللغة ٣/ ١١٥، والأفعال ٢/ ١١٧، واللسان ٣/ ٢٢٠، والتاج ٨/ ٢١٥ مادة (سند). (٢) هُوَ قاضى القضاة بدر الدين أبو عَبْد الله، فحَمّد بن إبراهيم بن سعد الله بن جَمَاعَهَ الكناني الحموي الشافِعِيّ، ولد سنة (٦٣٩ هـ (، من مصنفاته: "المنهل الروي" وغيره، توفي سنة (٧٣٣ هـ (. ذيل العبر: ١٧٨، نكت الهميان: ٢٣٥، الدرر الكامنة ٣/ ٢٨٠ - ٢٨١. (٣) المنهل الروي: ٢٩ - ٣٥، وانظر: الخلاصة: ٣٠، ونكت الزركشي ١/ ٤٠٥، والبحر الَّذِيْ زخر ١/ ٢٩٢.

стр. 96

الصحة والضعف علَيْهِ. وفي "أدب الرِّوَايَة" للحفيد (١): ((أسندت الْحَدِيْث أسنده وعزوته أعزوه، وأعزيه، والأصل في الحرف راجع إلى المسند وَهُوَ الدهر فيكون معنى إسناد الْحَديْث: اتصاله في الرِّوَايَة اتصال أزمنة الدهر بعضها ببعض)) (٢). والإسناد مصدر للفعل الثلاثي المزيد: أسند، من قولهم: أسندت الْحَدِيْث إلى فُلان أسنده إسنادًا إذا رفعته (٣). قَالَ الجوهري (٤): ((والإسناد في الْحَدِيْث رَفْعُهُ إلى قائله)) (٥). المطلب الثاني: تعريف السند اصطلاحًا: السند: هُوَ الإخبار عن طريق الْمَتْن (٦). _________ (١) هُوَ حفيد القاضي أبي بكر مُحَمَّد بن عَبْد الله بن جعفر كَمَا في المقنع ١/ ١١٠، وهذه الشخصية مجهولة إِذْ لَمْ أستطع العثور علَيْهَا في كتب التراجم. والنقل عن هَذَا الكتاب موجود أيْضًا في محاسن الاصطلاح: ١١٩. (٢) نكت الزركشى ١/ ٤٠٥. (٣) انظر: الصحاح ٢/ ٤٨٩، ومقاييس اللغة ٣/ ١٠٥، و الأفعال ٢/ ١١٧، ولسان العرب ٣/ ٢٢٠، وتاج العروس ٨/ ٢١٥ مادة (سند). (٤) إمام اللغة، أبو نصر إسماعيل بن حماد التركي الأترارى، مصنف كتاب" الصحاح" أكثر الترحال، ثُمَّ سكن نيسابور، ومات بِهَا مترديًا من سطح داره سنة (٣٩٣ هـ). سير أعلام النبلاء ١٧/ ٨٠، وتاريخ الأِسْلام: ٢٨١ - ٢٨٣ وفيات (٣٩٣ هـ)، ومرآة الجنان ٢/ ٣٣٥. (٥) الصحاح ٢/ ٤٨٩. (٦) انظر: المنهل الروي: ٢٩، والخلاصة: ٣٠.

стр. 97

قَالَ السيوطي: ((والحد المذكور للسند ذكره ابن الحاجب (١) في مختصره (٢)، قَالَ القاضي تاج الدين السبكي (٣) في شرحه: ((وعندي لَوْ قَالَ: طريق الْمَتْن، كَانَ أولى)) (٤). وأما الإسناد: فهو حكاية طريق الْمَتْن (٥). والذي يبدو أن السند والإسناد معناهما واحد، لأنهما متقاربان في معنى الاعتماد عليهما (٦). وقَالَ بدر الدين بن جَمَاعَة: ((الْمُحَدِّثُوْنَ يستعملون السند والإسناد لشيء واحدٍ)) (٧). _________ (١) العلامة جمال الدين أبو عمرو عثمان بن عمر بن أبي بكر بن يونس الدّوَني ثُمّ المصري، الفقيه المالكى، النحوى الأصولي، صاحب التصانيف المنقحة، توفي سنة (٦٤٦ هـ). تاريخ الاِسْلامَ: ٣١٩ وفيات (٦٤٦ هـ (، ووفيات الأعيان ٣/ ٢٤٨ و ٢٥٠، وشذرات الذهب ٥/ ٢٣٤. (٢) انظر: منتهى الوصول والأمل: ٦٥. (٣) عَبْد الوهاب بن علي بن عَبْد الكافي السبكي الشَّافِعِىّ، أبو نصر، قاضي القضاة، المؤرخ الباحث، من تصانيفه: "جمع الجو امع " و "طبقات الشافعية الكبرى"، ولد سنة (٧٢٧ هـ)، وتوفي سنة (٧٧١ هـ). الدرر الكامنة ٢/ ٤٢٥، وشذرات الذهب ٦/ ٢٢١، والأعلام ٤/ ١٨٤. (٤) البحر الَّذِيْ زخر ١/ ٢٩٣. (٥) انظر: نُزهة النظر: ٥٣. (٦) انظر: الخلاصة: ٣٠. (٧) المنهل الروي: ٣٠.

стр. 98

لَكِن الإسناد أعم من السند؛ فالإسناد يطلق علَى سلسلة الرُّوَاة الموصلة إلى الْمَتْن فيكون بذَلكَ مرادفًا للسند، ويكون بمعنى عزو الْحَديْث إلى قائله فهو أعم (١). والخلاصة: المراد بالسند أَوْ الإسناد هنا: هُوَ سلسلة الروُّاة الَّذِيْنَ نقلوا الْحَدِيْث واحدًا عن الآخر، حَتى يبلغوا بِهِ إلى قائله. المطلب الثالث: أهمية الإسناد إنّ الله ﷺ شرّف هَذِهِ الأمة بشرف الإسناد، وَمَنَّ علَيْهَا بسلسلة الإسناد واتصاله، فهو خصيصة فاضلة لهذه الأمة وليس لغيرها من الأمم السابقة، وقَدْ أسند الْخَطِيْب في كتاب "شرف أصحاب الْحَدِيْث" (٢) إلى مُحَمَّد بن حاتم بن المظفر قَالَ: ((إنّ الله كْرَمَ هَذِهِ الأمة وشرّفها وفضلها بالإسناد، وليس لأحد من الأمم كلها، قديمهم وحديثهم إسناذ، وإنما هِيَ صحف في أيديهم وقَدْ خلطوا بكتبهم أخبارهم، وليس عندهم تمييز بَيْنَ ما نزل من التوراة والإنجيل مِمَّا جاءهم بِهِ أنبياؤهم، وتمييز بَيْنَ ما ألحقوه بكتبهم من الأخبار الّتِيْ أخذوا عن غَيْر الثقات. وهذه الأمة إنما تنُصّ الْحَدِيْث من الثقة المعروف في زمانه المشهور بالصدق والأمانة عن ملكه حَتَّى تتناهى أخبارهم، ثُمّ يبحثون أشد البحث حَتّى يعرفوا الأحفظ فالأحفظ، والأضبط فالأضبط والأطول مجالسةً لِمَنْ فوقه ممن كَانَ أقل مجلسةً. ثُمَّ يكتبون الْحَدِيْث من عشرين وجهًا وأكثر حَتَّى يهذبوه من الغلط والزلل ويضبطوا حروفه ويعدوه عدًا. فهذا من أعظم نعم الله تَعَالَى علَى هَذِهِ الأمة)). _________ (١) انظر: تيسير مصطلح الْحَدِيْث: ١٦. (٢) شرف أصحاب الْحَدِيْث: ٤٠ (٧٦).

стр. 99

وقالَ أبو علي الجياني (١): ((خصّ الله تَعَالَى هَذِهِ الأمة بثلاثة أشياء لَمْ يعطها مَنْ قَبلَهَا مِنَ الأمم: الإسناد، والأنساب، والإعراب)) (٢). وقَالَ الْحَاكِم النيسابوري: ((فلولا الإسناد وطلب هَذِهِ الطائفة لَهُ، وكثرة مواظبتهم علَى حفظه لدرس منار الإِسْلام، ولتمكن أهل الإلحاد والبدع فِيْهِ بوضع الأحاديث، وقلب الأسانيد، فإنَّ الأخبار إذا تعرت عن وجود الأسانيد فِيْهَا كانت مبترًا، كَمَا حَدَّثنَا أبو العباس مُحَمَّد بن يعقوب (٣)، قَالَ: حَدَّثَنا العباس بن مُحَمّد الدوري (٤)، قَالَ: حَدَّثَنَا أبو بكر بن أبي الأسود، قَالَ: حَدَّثَنَا _________ (١) أبو على الحسين بن مُحَمَّد بن أحمد الجياني، ولد سنة (٤٢٧ هـ)، كَانَ إمامًا في الحَدِيْث، وبصيرًا بالعربية والشعر والأنساب، لَهُ كتب مفيدة مِنْهَا: "تقييد المهمل"، توفي سنة (٤٩٨ هـ). انظر: وفيات الأعيان ٢/ ١٩٥، وتذكرة الحفاظ، للذهبي ٤/ ١٢٣٣ و ١٢٣٤، ومرآة الجنان ٣/ ٣٦ - ٣٧. (٢) قواعد التحديث: ٢٠١. (٣) مُحَمَّد بن يعقوب بن يوسف الأصم، أبو العباس الأموي، حّدث بكتاب الأم للشافعى عن الربيع، وَكَانَ ثقهَ كَثِيْر الرحلة والرواية، مَعَ ضبط الأصول، توفي سنة (٣٤٦ هـ). انظر: الأنساب ١/ ١٨٧ - ١٨٩، وسير أعلام النبلاء ١٥/ ٤٥٢، وشذرات الذهب ٢/ ٤٧٣. (٤) الإمام الحافظ أبو الفضل، عَبّاس بن مُحَمَّد بن حاتم بن واقد الدوري ثُمَّ البغدادي، مولى بنى هاشم، أحد الأثبات المصنفين، ولد سنة (١٨٥ هـ)، رَوَى عن الإمام أحمد توفي سُنَّةُ (٢٧١ هـ). تهذيب الكمال ٤/ ٧٥ (٣١٢٩)، وسير أعلام النبلاء ١٢/ ٥٢٢، والتقريب (٣١٨٩).

стр. 100

إبراهيم أبو إسحاق الطالقاني (١)، قَالَ: حَدَّثنا بقية، قَالَ حَدَّثَنَا عتبة بن أبي حكيم (٢)، أنه كَانَ عِنْدَ إسحاق ابن أبي فروة، وعنده الزهري، قَالَ: فجعل ابن أبي فروة يقول: قَالَ رَسُول الله ﷺ ، فَقَالَ لَهُ الزهري: قاتلك الله يا ابن أبي فروة، ما أجرأك علَى الله، ألا (٣) تسند حديثك؟ تُحَدِّثُنا بأحاديث ليس لها خُطُم (٤)، ولا أَزِمَّة (٥))) (٦). _________ (١) إبراهيم بن إسحاق بن عيسى البناني، مولاهم، أبو إسحاق الطالقاني، نزيل مرو، قدم بغداد وحدّث بِهَا، صنف كتاب "الرؤيا"وكتاب" الغرس" وغيرهما، توفي بمرو سنة (٢١٥ هـ). تاريخ بغداد ٦/ ٢٤، وتهذيب الكمال ١/ ٩٩ (١٤١)، وتاريخ الإِسلام: ٥١ - ٥٢ وفيات (٢١٥ هـ). (٢) عتبة بن أبي حكيم الهمداني ثُمَّ الشعباني، أبو العباس الشامي الأردني الطبراني: صدوق يخطئ كثيرًا، مات بصور سنة (١٤٧ هـ). تهذيب الكمال ٥/ ٩٣ و ٩٤ (٤٣٦٠)، والتقريب (٤٤٢٧)، وتهذيب التهذيب ٧/ ٩٤ و ٩٥. (٣) وقع في المطبوع: ((لا))، تحريف والتصحيح من نسختنا الخطية المصورة عن الأصل المحفوظة في مكتبة أوقاف بغداد. (٤) خطم: من الدابة مقدمة أنفها، والخطم: جمع خطام وَهُوَ الحبل الَّذِيْ يقاد بِهِ البعير. لسان العرب ١٢/ ١٨٦، وتاج العروس ٨/ ٢٨١ الطبعة القديمة مادة (خطم). (٥) زمّ الشيء يزمه زمًا فانزم: شده، والزمام ما زم بِهِ، والجمع أزمة، وزممت البعير خطمته. لسان العرب ١٢/ ٢٧٢، وتاج العروس ٨/ ٣٢٨ الطبعة القديمة مادة (زمم). (٦) مَعْرِفَة علوم الْحَدِيْث: ٦. وهَذِهِ القصة في أدب الإملاء للسمعاني: ٥.

стр. 101

هكذا أدرك الْمُحَدِّثُّوْنَ - منذ الصدر الأول - ما للإسناد من أهمية بالغة في الصناعة الحديثية؛ إِذْ هُوَ دعامتها الأساسية ومرتكزها في أبحاث العدالة والضبط. وكذلك أدرك الْمُحَدِّثُّوْنَ أنه لا يمكن نقد الْمَتْن نقدًا صحيحًا إلا من طريق البحث في الإسناد، ومعرفة حلقات الإسناد والرواة النقلة، فلا صحة لمتن إلا بثبوت إسناده. وأعظم مثال عَلَى اهتمام المسلمين بالإسناد هُوَ ما ورثوه لنا من التراث الضخم الكبير الهائل، وما سخروا للإسناد من ثروة علمية في كتب الرجال. والبحث في الإسناد مهم جدًّا في علم الْحَدِيْث، من أجل التوصل إلى مَعْرِفَة الْحَدِيْث الصَّحِيْح من غَيْر الصَّحِيْح، إِذْ إنّه كلما تزداد الحاجة يشتد نظام المراقبة، فعندما انتشر الْحَدِيْث بَعْدَ وفاة النَّبِيّ ﷺ اشتد الاهتمام بنظام الإسناد، وعندما بدأ السهو والنسياق يظهران كثر الالتجاء إلى مقارنة الروايات، حَتَّى أصبح هَذَا المنهج مألوفًا معروفًا عِنْدَ الْمُحَدِّثيْنَ؛ إذْ إنه لا يمكن الوصول إلى النص السليم القويم إلا عن طريق البحث في الإسناد، والنظر والموازنة والمقارنة فِيْمَا بَيْنَ الروايات والطرق. من هنا ندرك سر اهتمام الْمُحَدِّثِيْنَ به، إذ جالوا في الآفاق ينقّرون أَوْ يبحثون في إسناد، أَوْ يقعون علَى علة أَو متابعة أَوْ مخالفة، وكتاب "الرحلة في طلب الْحَدِيْث" (١) للخطيب البغدادي خير شاهد علَى ذَلِكَ. _________ (١) هُوَ كتاب فريد في بابه، جمع فِيْهِ الخَطِيْب أخبارًا نادرة من أخبار العلماء في رحلاتهم من أجل الْحَدِيث الواحد، وما أشبه ذَلِكَ. وقدْ صدر الكتاب بأحاديث وآثار تدلل علَى ذَلِكَ وترغب فِيْهِ، وَقَدْ طبع الكتاب في بيروت بطبعته الأولى عام ١٩٧٥ في دار الكتب العلمية بتحقيق: د. نور الدين عتر.

стр. 102

وتداول الإسناد وانتشاره معجزة من المعجزات النبوية (١) الَّتِي أشار إِلَيْهَا المصطفى ﷺ في قوله: "تَسْمَعُون ويُسْمَع منكم ويُسْمَع مِمَّنْ يَسْمَع منكم" (٢). ثُمَّ إنَّ للإسناد أهمية كبيرة عِنْدَ المسلمين وأثرًا بارزًا؛ وذلك لما للأحاديث النبوية من أهمية بالغة، إذ إنَّ الْحَدِيْث النبوى الشريف ثاني أدلة أحكام الشرع، ولولا الإسناد واهتمام الْمُحَدِّثِيْنَ بِهِ لضاعت علينا سنة نبينا ﷺ ولاخلتط بِهَا ما ليس مِنْهَا، ولما استطعنا التمييز بَيْنَ صحيحها من سقيمها؛ إذن فغاية دراسة الإسناد والاهتمام بِهِ هِيَ مَعْرِفَة صحة الْحَدِيْث أو ضعفه، فمدار قبول الْحَدِيْث غالبًا علَى إسناده، قَالَ القاضي عياض: "اعلم أولًا أنّ _________ (١) بغية الملتمس: ٢٣. (٢) أخرجه أحمد ١/ ٣٥١، وأبو داود (٣٦٥٩)، وابن حبان (٩٢)، والرامهرمزي في "المحدث الفاصل": ٢٠٧ (٩٢)، والحاكم في "المستدرك" ١/ ٩٥، وفي = مَعرِفَة = علوم الْحَدِيْث: ٢٧ و ٦٠، والبيهقى في "السنن" ١٠/ ٢٥٠ وفي "الدلائل" ٦/ ٥٣٩، والخطيب في "شرف أصحاب الحَدِيْث" (٧٠)، وابن عَبد البر في "جامع بَيَان العلم" ١/ ٥٥ و ٢/ ١٥٢، والقاضى عياض في "الإلماع": ١٠. من طرق عن الأعمش، عن عَبْد الله بن عَبْد الله، عن سعيد بن جبير، عن ابن عَبَّاسٍ، بِهِ مرفوعًا. وصححه الحَاكِم، ولَمْ يتعقبه الذهبي، وقَالَ العلائي في "بغية الملتمس": ٢٤: "هَذَا حَدِيْث حسن من حَدِيْث الأعمش". وأخرجه البزار (١٤٦)، والرامهرمزي في "المحدّث الفاصل" (٩١)، والطبراني في "الكبير" (١٣٢١)، والخطيب في "شرف أصحاب الْحَدِيْث" (٦٩)، من حَدِيْث ثابت بن قيس بلفظ: "تسمعون ويُسمع منكم ويسمع من الَّذِيْنَ يسمعون منكم ثُمَّ يأتي من بَعْدَ ذَلِكَ قوم سمان يحبون السِّمَن، يشهدون قَبلَ أن يُسألوا".

стр. 103

مدار الْحَديْث علَى الإسناد فِيْهِ تتبين صحته ويظهر اتصاله" (١). وقالَ ابن الأثير (٢). "اعلم أنّ الإسناد في الْحَديْث هُوَ الأصل، وعليه الاعتماد، وبه تعرف صحته وسقمه" (٣). وهذا المعنى مقتبس من عبارات المتقدمين. قَالَ سفيان الثوري: "الإسناد سلاح المؤمن، إذا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ سلاح فبأي شيء يقاتل؟ " (٤). وهذا أمير المؤمنين في الْحَديْث شعبة بن الحجاج (٥) يقول: "إنما يعلم صحة الْحَدِيْث بصحة الإسناد" (٦). _________ (١) الإلماع: ١٩٤. (٢) المبارك بن مُحَمَّد بن عَبْد الكريم الشيباني، العلامة مجد الدين أبو السعادات بن الأثير الجزري، ثُمَّ الموصلي، من مصنفاته: "جامع الأصول" و"النهاية"، ولد سنة (٥٤٤ هـ)، وتوفي سنة (٦٠٦ هـ). وفيات الأعيان ٤/ ١٤١، وتاريخ الإسْلام: ٢٢٥ - ٢٢٦ وفيات (٦٠٦ هـ)، سير أعلام النبلاء ٢١/ ٤٨٨. (٣) جامع الأصول ١/ ٩ - ١٠. (٤) أسنده إِلَيْهِ الْخَطِيْب البغدادي في "شرف أصحاب الْحَدِيْث": ٤٢ (٨١). (٥) هُوَ شعبة بن الحجاج بن الورد العتكي، مولاهم، أبو بسطام الواسطي، ثُمَّ البصرى: ثقة حافظ متقن، كَانَ الثوري يقول: هُوَ أمير المؤمنين في الْحَدِيث، وَهوَ أول من فتش بالعراق عن الرجال، وذب عن السنة، وَكَانَ عابدًا، مات سنة (١٦٠ هـ). تهذيب الأسماء واللغات ١/ ٢٤٤ - ٢٤٦، وسير أعلام النبلاء ٧/ ٢٢ و ٢٢٧، و التقريب (٢٧٩٠). (٦) التمهيد ١/ ٥٧.

стр. 104

وقَالَ عَبْد الله بن المبارك: "الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء" (١). وعلى هَذَا فالإسناد لابد مِنْهُ من أجل أن لا ينضاف إلى النَّبِيّ ﷺ ما ليس من قوله. وهنا جعل الْمُحَدِّثُوْنَ الإسناد أصلًا لقبول الْحَدِيْث؛ فلا يقبل الْحَدِيْث إذا لَمْ يَكُنْ لَهُ إسناد نظيف، أوله أسانيد يتحصل من مجموعها الاطمئنان إلى أنّ هَذَا الْحَدِيْث قَدْ صدر عمن ينسب إِلَيْهِ؛ فهو أعظم وسيلة استعملها الْمُحَدِّثُونَ من لدن الصَّحَابَة ﵃ إلى عهد التدوين كي ينفوا الخبث عن حَدِيْث النَّبِيّ ﷺ ، ويبعدوا عَنْهُ ما ليس مِنْهُ. وقَدْ اهتم الْمُحَدِّثُوْنَ - كَمَا اهتموا بالإسناد - بجمع أسانيد الْحَدِيْث الواحد، لما لِذَلِكَ من أهمية كبيرة في ميزان النقد الحديثي؛ فجمع الطرق كفيل ببيان الخطأ، إذا صدر من بعض الرُّوَاة، وبذلك يتميز الإسناد الجيد من الرديء، قَالَ علي بن المديني: "الباب إذا لَمْ تجمع طرقه لَمْ يتبين خطؤه" (٢). ثُمَّ إنّ لجمع الطرق فائدة أخرى؛ فيستفاد تفسير النصوص لبعضها، إِذْ إنَّ بعض الرُّوَاة قَدْ يحدث علَى المعنى، أو يروي جزءًا من الْحَدِيْث، وتأتي البقية في سند آخر؛ لذا قَالَ الإمام أحمد بن حَنْبل: "الْحَديْث إذا لَمْ تجمع طرقه لَمْ تفهمه، والحديث يفسر بعضه بعضًا" (٣). _________ (١) مقدمة صَحِيْح مُسْلِم ١/ ١٢، وطبعة فؤاد عَبْد الباقي ١/ ١٥، وشرف أصحاب الْحَدِيْث: ٤١ (٧٨)، والإلماع: ١٩٤. (٢) الجامع لأخلاق الرَّاوِي وآداب السامع ٢/ ٢١٢ (١٦٤١)، ومعرفة أنواع علم الْحَدِيْث: ٨٢، وطبعتنا: ١٨٨، وشرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٢٧، وطبعتنا ١/ ٢٧٥، وتدريب الرَّاوِي ١/ ٢٥٣، وتوجيه النظر ٢/ ٦٠١. (٣) الجامع لأخلاق الرَّاوِي ٢/ ٢١٢ (١٦٤٠).

стр. 105

وَقَالَ الحافظ أبو زرعة العراقي (١): "الْحَدِيْث إذا جمعت طرقه تبين المراد مِنْهُ، وليس لنا أن نتمسك برواية ونترك بقية الروايات" (٢). ويعرف - أيْضًا - بجمع الطرق: الْحَدِيْث الغريب متنًا وإسنادًا، وَهُوَ الَّذِيْ تفرد بِهِ الصّحَابِيّ أوْ تفرد بِهِ راوٍ دون الصّحَابِيّ، ومن ثَمّ يعرف هل المتفرد عدل أو مجروح، فتكرار الأسانيد لَمْ يَكُنْ عبثًا وإنما لَهُ مقاصد وغايات يعلمها المشتغلون بهذه الصنعة. قَالَ الإمام مُسلِم في ديباجة كتابه "الجامع الصَّحِيْح": "وإنا نعمد إلى جملة ما أسند من الأخبار عن رَسُول الله ﷺ فنقسمها علَى ثلاثة أقسام وثلاث طبقات من الناس علَى غَيْر تكرار، إلا أن يأتي موضع لا أستغني فِيْهِ عن ترداد حَدِيْث فِيْهِ زيادة معنى أَوْ إسناد يقع إلى جنب إسناد لعلة تكون هناك؛ لأن المعنى الزائد في الْحَدِيْث المحتاج إِلَيْهِ يقوم مقام حَدِيْث تام، فلابد من إعادة الْحَدِيْث الَّذِيْ فِيْهِ ما وصفنا من الزيادة، أو أن يفصل ذَلِكَ المعنى من جملة الْحَدِيْث علَى اختصاره إذا أمكن، ولكن تفصيله ربما عسر من جملته فإعادته بهيأته إذا ضاق ذَلِكَ أسلم" (٣) _________ (١) هُوَ الإمام العلامة الحافظ ولي الدين أبو زرعة أحمد بن عَبْد الرحيم بن الحسين العراقي الأصل المصري الشَّافِعِيّ، ولد سنة (٧٦٢ هـ)، وبكر بِهِ والده بالسماع فأدرك العوالي، وانتفع بأبيه جدًّا، ودرّس في حياته، توفي سنة (٨٢٦ هـ)، من تصانيفه: "الإطراف بأوهام الأطراف" و "تكملة طرح التثريب" و"تحفة التحصيل في ذكر المراسيل" وغيرها. انظر: طبقات الشافعية، لابن قاضي شهبة ٤/ ٨٠، ولحظ الألحاظ: ٢٨٤، والضوء اللامع ١/ ٣٣٦، وحسن المحاضرة ١/ ٣٦٣، ومقدمتنا لكتاب شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٤. (٢) طرح التثريب ٧/ ١٨١. (٣) صَحِيْح مُسلِم ١/ ٣، و ١/ ٤ - ٥ طبعة مُحَمَّد فؤاد.

стр. 106

المبحث الثاني الرواية والدراية في علم الحديث: قد درس علماء المسلمين السنة النبوية في علمين رئيسيين هما: أ: علم الحديث رواية (١): وهو علم يقوم على النقل الدقيق لكل ما أضيف إلى النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير أو صفة. ب: علم الحديث دراية: وهو عبارة عن مجموعة من المباحث والمسائل التى يعرف بها الراوي والمروي من حيث القبول أو الرد. وبهذين العلمين استطاع العلماء تدوين السنة النبوية، وحفظهما، والحكم على المرويات فيها من حيث القبول أو الرد، ثم فرعوا مباحث أخرى في دراسة السنة مثل: علم الأسانيد، وعلم العلل، وعلم ناسخ الحديث ومنسوخه. كما قاموا بدراسة رواة الأحاديث في فروع أخرى مثل: علم الرجال، الذي يدرس الرواة من حيث بلادهم، وتاريخ ولادتهم، ووفياتهم، وشيوخهم، وتلاميذهم، ورحلتهم العلمية، وتاريخ سماعهم، ومن رووا عنه، ومن روى عنهم، وضبط أسمائهم وبيان المشتبه منها وغير ذلك مما يعين على معرفة الراوي، ومن تلك العلوم المتعلقة بالرواة: علم الجرح والتعديل وهو علم يتناول حال الرواة من حيث العدالة والتزكية، أو القدح والتجريح، بحيث يتبين من تقبل روايته ممن لا تقبل روايته. وهذه العلوم جميعا تعتبر من خصائص الإسلام حيث اهتم بحصر من قاموا بنقل السنة النبوية والسيرة النبوية وعلوم الشريعة، وبيان أحوالهم منذ حياة الرسول ﷺ ، بل ومن العجائب أنه حتى اليوم يوجد أناس يحفظون بعض _________ (١) انظر: تدريب الراوي للسيوطي ١/ ٤٠.

стр. 107

كتب السنة بسند متصل إلى مؤلفيها مثل صحيح البخاري، وصحيح مسلم، وموطأ الإمام مالك وغيرها. شروط وضوابط رواية الحديث: انطلاقًا من العلوم التي وضعها العلماء المسلمون لدراسة السنة، فقد استقرأوا ولم تكن هذه الشروط التي يجب توفرها في الراوي شروط طارئة، بل كانت مستقرة عند المحدثين منذ بدأوا نقل السنة وروايتها في زمن الصحابة ومن بعدهم ومما يدل على رسوخ هذه الشروط أن الإمام الشافعي - وهو من العلماء المتقدمين - قد جمعها في قوله: "ولا تقوم الحجة بخبر الخاصة - أي خبر الآحاد وهو ما لم يبلغ حد التواتر - حتى يجمع أمورًا منها: أن يكون حدث به ثقة في دينه، معروفًا بالصدق في حديثه، عاقلًا لما يحدث به، عالمًا لما يحيل معاني الحديث من اللفظ وأن يكون ممن يؤدي الحديث بحروفه كما سمع، لا يحدث به عن المعنى، لأنه إذا به على المعنى وهو غير عالم بما يُحيل معناه حافظًا إن حدث به من حفظه، حافظًا لكتابه إن حدث من كتابه" (١) لم يدر لعله يُحيلُ الحلال إلى الحرام وإذا أداه بحروفه فلم يبق وجه يُخاف فيه إحالته الحديث. إلا أن هذه المباحث لا تكفي لأن يعد الشافعي أول من تكلم في مصطلح الحديث؛ بل إن الرامهرمزي هوَ أول من تكلم بذلك. إن من أهم ما اتصف به عرب الصحراء في الجزيرة العربية، قوة الذاكرة، فقد اشتهر العرب بقوة الحفظ (٢)، لذا كانت الذاكرة هي الوسيلة الأولى في حفظ نصوص الشرع مع الاستيثاق بالكتابة. وقد أشار الله تعالى _________ (١) الرسالة: (١٠٠٠) و (١٠٠١) بتحقيقنا. (٢) السنة للسباعي: ٧٢.

стр. 108

إلى هاتين الوسيلتين لحفظ الوحي المنزل على محمد ﷺ ، فقد سمى ذَلِكَ (الكتاب)، قالَ الله تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ (١)، للدلالة على أنه سوف يكتب في السطور، كما سماه (قرآنًا) للتدليل على أنه سوف يحفظ في الصدور، تعبدًا بتلاوته، وتقربًا لله تعالى بحفظه، قد الله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ (٢) ومصداق ذلك الكثرة الكاثرة من الذين يحفظون القرآن الكريم كاملًا، بل إنه ما من مسلم إلا ويحفظ شيئًا من القرآن الكريم. وكذلك الحال بالنسبة للسنة النبوية، فقد سلك الصحابة - رضوان الله عليهم - الوسيلتين لحفظهما، وحثهم على ذلك الرسول ﷺ حيث قال: انضر الله امرء سمع مقالتي فوعاها وأداها كما سمعها، فرب مبلّغ أوعى من سامع، ورب حامل علم إلى من هو أعلم منه" (٣) فأشار ﷺ بذلك إلى أهمية حفظ الصدور، أما الكتابة، فقد ثبتت عن الكثير من الصحابة حيث إن النبي ﷺ اتخذ كتبة للوحي، إضافة إلى أن الكثير من الصحابة كانوا يكتبون لأنفسهم، فقد ثبت أن عبد الله عمرو ﵁ كان يكتب عن النبي ﷺ حديثه، فقال له بعض الصحابة: لا تكتب كل شيء تسمعه من رسول الله ﷺ فإنه بشر يفرح ويغضب، فربما كتبت عنه ما ليس بوحي، فأخبر عبد الله بن عمرو ﵁ _________ (١) البقرة: ١ (٢) العنكبوت: ٤٩ (٣) أخرجه الحميدي (٨٨)، وأحمد ١/ ٤٣٦، وابن ماجه (٢٣٢)، والترمذي (٢٦٥٧)، وأبو يعلى (٥١٢٦) و (٥٢٩٦)، والشاشى (٢٧٥) و (٢٧٦)، وابن حبان (٦٦) و (٦٨) و (٦٩).

стр. 109

رسول الله ﷺ ذلك فقال ﷺ " اكتب، فوالذي نفسي بيده لا يخرج منه إلا حق" (١). بناء على ما سبق فإن كتابة السنة النبوية كانت مشهورة ومعروفة منذ عهده ﷺ ، فقد كان لكثير من الصحابة صحائف خاصة كتبوا فيها ما سمعوه من حديث رسول الله ﷺ فقد كان لعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأبي بن كعب وعبادة بن الصامت وغيرهم ﵁ كان جميعهم لهم صحف كتبوا فيها عددًا كبيرًا من الأحاديث، حتى إن الصحابي الجليل واثلة بن الأسقع ﵁ المتوفى سنة (٨٣ هـ) كان يملى حديث رسول الله ﷺ من صحيفته على طلابه، وقد روت كتب السنة الأحاديث الواردة في صحف هؤلاء الصحابة ﵃. إلا أن مرحلة التدوين الرسمي للسنة النبوية بدأت في عصر عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى، حيث كتب إلى ولاته في الأمصار (٢): "انظروا حديث رسول الله ﷺ فاكتبوه، فإني خفت دروس العلم وذهاب أهله". فقد كتب إلى إمام أهل الحديث محمد بن شهاب الزهري، المتوفي سنة (١٤٢ هـ) يأمره بجمع السنة، فقد قال الزهري: "أمرنا عمر بن عبد العزبز بجمع السنة فكتبناها دفترًا دفترا، فبعث إلى كل أرض له عليها سلطان دفترا" (٣) بعد ذلك انطلق العلماء في تأليف وتصنيف الكتب الجامعة لأحاديث الرسول ﷺ ، فكان أول من صنف في الحديث أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز المتوفى سنة (١٥٠ هـ) ثم معمر بن راشد المتوفى سنة _________ (١) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٦٤١٩)، وأحمد ٢/ ١٦٢، أبو داود (٣٦٤٦)، والخطيب في تقييد العلم: ٨٠، والمزي في تهذيب الكمال ٧/ ٤٧٥. (٢) أخرجه البخاري ١/ ٣٦، والخطيب في تقييد العلم: ١٠٥. (٣) جامع بيان العلم وفضله: ١/ ٧٦.

стр. 110

(١٥٣ هـ) باليمن وغيرهم، وكانت كتب هؤلاء تجمع الحديث مع فتاوى التابعين (١) إلا أن أول من صنف في الحديث خاصة هو. الربيع بن صبيح المتوفى سنة (١٦٠ هـ)، ثم استمر التصنيف بعده حتى عهود المصنفين الكبار كالإمام مالك بن أنس (٩٣ - ١٧٩ هـ) الذي صنف (الموطأ). والإمام أحمد بن حنبل (١٦٤ - ٢٤١ هـ) الذي صنف (المسند)، والإمام البخاري (١٩٤ - ٢٥٦ هـ) الذي صنف (صحيح البخاري)، والإمام مسلم (٢٠٤ - ٢٦١ هـ) الذي صنف (صحيح مسلم)، وغيرهم من أئمة السنة، وبذلك جمعت السنة في هذه المدونات. وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم، ينقلون خبر الرسول ﷺ ويعظمونه، ويستشعرون مسؤولية روايته، ويهابون قول النبي ﷺ : "من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" (٢) مع أن النبي ﷺ قد زكاهم بقوله: "خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" (٣). وكذلك كان الحال بالنسبة لكبار التابعين، فقد كانت العدالة هي السمة البارزة فيهم، فلم يكونوا يتشددون في قبول حديث الرسول ﷺ بعضهم عن بعض إلا ما روي من تثبت بعضم تحوطًا. _________ (١) انظر: الحديث النبوي: ٤٣، والإمام الزهري وأثره في السنة: ٢٩٣، وتدوين السنة النبوية: ٨٧. (٢) أخرجه أحمد ٣/ ١١٦ و ١٦٦، والدارمي (٢٤٢)، والبخاري ١/ ٣٨ (١٠٧)، وأبو داود (٣٦٥١). (٣) أخرجه الطيلسي (٢٩٩)، وأحمد ١/ ٣٧٨ و ٤١٧ و ٤٣٤، وابن ماجه (٢٣٦٢)، والترمذى (٣٨٥٩)، وابن أبي عاصم (١٤٦٦) و (١٤٦٧)، والنسائى في الكبرى (٦٠٣١).
следующие страницы →