Полный текст (7 959 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
الفوارق الكبيرة بين المتقدمين والمتأخرين، كما أنهم لم يعرفوا بقية المصطلحات.
وقد جرى على منوال المتقدمين من بلغتنا مؤلفاتهم في علوم الحديث مثل القاضي الحسن بن عبد الرحمن الرامهرمزي (٢٦٠ - ٣٦٠ هـ)، في كتابه "المحدث الفاصل".
والحاكم أبي عبد الله النيسابوري (٣٢١ - ٤٠٥ هـ).
والحافظ أبي بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي (٣٩٢ - ٤٦٣ هـ) في كتابه: "الكفاية".
فلم يعرفوا الحديث الحسن.
والمشهور أن أول من عرف الحديث الحسن.
هو الإمام الترمذي ﵀ وتعريفه ينطبق على الحسن لغيره.
قال ﵀: "وما ذكرنا في هذا الكتاب: حديث حسن فإنما أردنا به حسن إسناده عندنا، كل حديث يروى لا يكون في إسناده من يتهم بالكذب، ولا يكون الحديث شاذا، ويروى من غير وجه" (١).
ولم ينسب هذا التعربف إلى أهل الحديث، ولم يتجاوز به كتابه "الجامع" إلى مؤلفات غيره من أئمة الحديث.
وعرفه الإمام أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم الخطابي (٣١٩ - ٣٨٨ هـ) فقال: "ثم اعلموا أن الحديث عند أهله على ثلاثة أقسام:
حديث صحيح، وحديث حسن، وحديث سقيم.
فالصحيح عندهم ما اتصل سنده وعدلت نقلته.
_________
(١) جامع الترمذي (٥/ ٧٥٨)، كتاب العلل الصغير.
стр. 142
والحسن ما عرفه مخرجه (١) واشتهر (٢) رجاله، وعليه مدار أكثر الحديث، وهو الذي يقبله أكثر العلماء، ويستعمله عامة الفقهاء" (٣).
وثارت حول هذا التعريف للحسن اعتراضات كثيرة من علماء الحديث وفنونه.
وعرفه الحافظ أبو الفرج عبد الرحمان بن على بن الجوزي (٥١٠ - ٥٩٧ هـ)، بأنه: "الحديث الذي فيه ضعف قريب محتمل ويصلح للعمل" (٤).
قال ابن الصلاح بعد أن ساق هذه التعاريف: "قلت: كل هذا مستبهم لا يشفي الغليل وليس فيما ذكره الترمذي، والخطابي ما يفصل الحسن من الصحيح، وقد أمعنت النظر في ذلك والبحث جامعا بين أطراف كلامهم ملاحظا مواقع استعمالهم فتنقح لي واتضح أن الحديث الحسن قسما (٥):
أ - أحدهما: الحديث الذي لا يخلو رجال إسناده من مستور لم تتحقق أهليته غير أنه ليس مغفلا كثير الخطأ فيما يرويه ولا هو متهم بالكذب في الحديث، أي لم يظهر منه تعمد الكذب في الحديث ولا سبب آخر مفسق،
_________
(١) مخرجه: بفتح الميم والراء، بمعنى محل خروجه، وهو رجله الراوون له؛ لأنه خرج منهم (قواعد التحديث: ٢١٩) قال البقاعى "أي رجاله الذين يدور عليهم، فكل واحد من رجال السند مخرج خرج منه الحديث" النكت الوفية ٥٩ / ب.
(٢) انظر في ضبط هذه الجزئية المقنع ١/ ٨٣، والتقييد:٤٣.
(٣) معالم السنن مع مختصر المنذري وتهذيب ابن القيم لأبي داود: (١/ ١١)، وهذا التعريف نقله الإمام المزي في تهذيب الكمال ١/ ٧١.
(٤) الموضوعات (١/ ٣٥).
(٥) اعترض على ابن الصلاح في تقسيمه هذا باعتراضات، أوردها الزركشي مع أجوبة عنها فانظر نكته ١/ ٣١٣ - ٣١٧.
стр. 143
ويكون متن الحديث مع ذلك قد عرف بأن روى مثله أو نحوه من وجه آخر أو أكثر حتى اعتضد بمتابعة من تابع راويه على مثله أو بما له من شاهد وهو ورود حديث آخر بنحوه فيخرج بذلك عن أن يكون شاذا ومنكرا وكلام الترمذي على هذا القسم يتنزل.
ب - القسم الثاني: أن يكون راويه من المشهورين بالصدق والأمانة غير أنه لم يبلغ درجة رجال الصحيح لكونه يقصر عنهم في الحفظ والإتقان، وهو مع ذلك يرتفع عن حال من يعد ما ينفرد به من حديثه منكرا، ويعتبر في كل هذا مع سلامة الحديث من أن يكون شاذا ومنكرا سلامته من أن يكون معللا، وعلى القسم الثاني يتنزل كلام الخطابي، فهذا الذي ذكرناه جامع لما تفرق في كلام من بلغنا كلامه في ذلك" (١).
ولم تشف هذه التعريفات كلها القاضي بدر الدين محمد بن إبراهيم بن جماعة (٦٣٩ - ٧٣٣).
قال بعد أن ذكرها مع تعريف ابن الصلاح: "قلت: وفي كل هذه التعريفات نظر:
أما الأول: والثاني: فلأن الصحيح أو أكثره كذلك أيضًا، فيدخل الصحيح في حد الحسن، ويرد على الأول الفرد من الحسن فإنه لم يرو من وجه آخر، ويرد على الثاني: ضعيف عرف مخرجه واشتهر رجاله بالضعف.
وأما الثالث: فيتوقف على معرفة الضعف القريب المحتمل وهو أمر مجهول، وأيضا فيه دور؛ لأنه عرفه بصلاحيته للعمل به، وذلك يتوقف على معرفة كونه حسنا.
_________
(١) معرفة أنواع علم الحديث: ١٠١ وانظر تعليقنا عليه.
стр. 144
وأما الأول من القسمين، فيرد عليه الضعيف والمنقطع والمرسل الذي في رجاله مستور وروى ملكه أو نحوه من وجه آخر.
ويرد على الثاني وهو أقربها المتصل الذي اشتهر راويه بما ذكر فإنه كذلك وليس بحسن في الاصطلاح".
ثم عرف الحسن بقوله: "قلت: ولو قيل: الحسن كل حديث خالٍ عن العلل وفي سنده المتصل مستور له به شاهد أو مشهور قاصر عن درجة الإتقان لكان أجمع لما حددوه وقريبا مما حاولوه .. (١).
وأخصر منه: ما اتصل سنده وانتفت علله في سنده مستور، وله شاهد، أو مشهور غير متقن" (٢).
وقال الطيبي (٣) بعد أن ذكر التعريفات السابقة واعتراضات ابن جماعة عليها وتعريفه للحسن، أقول: "أعلم أن هذا المقام صعب مرتقاه وعقبة كؤودة من استعلى ذروتها، ثم انحدر منها وقف على أكثر اصطلاحات هذا الفن وعثر على جل أنواعه بإذن الله تعالى ولا يمكن الوقوف على الحق إلا بتحرير كلام يفصل بين الصحيح والسقيم والمعوج والمستقيم، فنحن نشرح الحدود على طريق يندفع عنها النظر"، ثم شرح الحدود وناقشها بنفس طويل.
ثم جاء بتعريف جديد فقال: "فلو قيل: هو مسند من قرب من درجة الثقة أو مرسل ثقة وروى كلاهما من غير وجه وسلم عن شذوذ وعلة لكان أجمع وأبعد من التعقيد".
_________
(١) قال محقق المنهل: حيث النقط ألفاظ انمحت في أصل الكتاب وزالت تماما.
(٢) المنهل الروي ص: (٥٣ - ٥٤).
(٣) الخلاصة: ٣٨ - ٤٣.
стр. 145
وهيهات هيهات من أن يسلم فما مسافة هذا القرب؟ والذي يحتاج إلى أن يأتي من وجه آخر هو الحسن لغيره، فكيف يكون أجمع وقد خرج منه الحسن لذاته أهم نوعي الحسنلا.
وألقى أبو الفتح تقي الدين محمد بن علي بن وهب القشيري المعروف بابن دقيق العبد (٦٢٥ - ٧٠٢ هـ)، نظرة فاحصة على هذه التعريفات الثلاثة (١) في كتابه "الاقتراح" (٢) فقال: "اللفظ الثاني الحسن"، وفي تحقيق معناه اضطراب فذكر تعريف الخطابي، ثم قال: وهذه عبارة ليس فيها كبير تلخيص، ولا هي - أيضًا - على صناعة الحدود والتعريفات.
فإن الصحيح - أيضًا - قد عرف مخرجه وأشتهر رجاله فيدخل الصحيح في حد الحسن ثم مضى في عرض وجهات نظره وأخذه ورده فناقش تعريف الترمذي وعرج على تعريف ابن الجوزي فنافشه وذكر تعريف ابن الصلاح، ثم قال: وهذا كلام فيه مباحثات ومناقشات على بعض الأفاظ، ثم أبدى وجهة نظره بما لا يتسع له المقام ولا يشفي الغليل في الوقت نفسه.
وقال أبو الفتح محمد بن محمد بن محمد بن سيد الناس اليعمري (٧٣٤ هـ)، متعقبا تعريفات الترمذي والخطابي وابن الجوزي.
وأما كلام الترمذي فقد اعترض عليه الإمام أبو عبد الله بن المواق بأنه لم يميز الصحيح من الحسن، فإنه ما من حديث صحيح إلا وشرطه: ألا يكون شاذا وألا يكون في رجاله متهم بالكذب وقد اعترض غيره بغير هذا الاعتراض.
_________
(١) أي تعريف الترمذي والخطابي وابن الجوزي.
(٢) (٧ - ١١).
стр. 146
وكذلك قول الخطابي: ما عرف مخرجه إلى آخره يدخل تحته أيضًا: قسما الصحيح والحسن.
وأما الذى قال فيه ضعف يسير محتمل، فلم يبين مقدار الضعف ما هو؟ ولا أتى بما تبلغ درجته أن يعرض عليه فيه، وبالجملة فأجود هذه التعاريف للحسن ما قاله الترمذي وعليه من الاعتراض ما رأيت، وهو أبو عذرة هذا المنزع ولم يسبقه أحد إلى هذا المراد بالحسن، ولم يعد من بعده مراده (١)، واستمر في الشرح والبيان لما أشار إليه ﵀.
وقال الحافظ شمس الدين محمد بن أحمد الذهبي (٦٧٣ - ٧٤٨ هـ): "الحسن: وفي تحرير معناه اضطراب"، وساق تعريفات الخطابي والترمذي وأبو الصلاح وأورد عليها اعتراضات ومؤاخذات، ثم قال: "وقد قلت لك إن الحسن ما قصر سنده قليلا عن رتبة الصحيح وسيظهر لك بأمثلة، ثم لا تطمع بأن للحسن قاعدة تندرج كل الأحاديث الحسان فيها فأنا على إياس من ذلك، فكم من حديث تردد فيه الحفاظ هل هو حسن أو ضعيف أو صحيح؟.
بل الحافظ الواحد يتغير اجتهاده في الحديث الواحد فيومًا يصفه بالصحة ويومًا يصفه بالحسن ولربما استضعفه.
وهذا حق، فإن الحديث الحسن يستضعفه الحافظ عن أن يرقيه إلى رتبة الصحيح، فبهذا الاعتبار فيه ضعف ما، إذ الحسن لا ينفك عن ضعف ما، ولو انفك لصح باتفاق" (٢).
_________
(١) النفح الشذي: (١/ ٢٦٨ - ٢٧٨).
(٢) الموقظة ص (٢٦ - ٢٩).
стр. 147
وأورد الحافظ ابن حجر مناقشة للعلائي والتبريزي لابن دقيق العيد ودافع عنه خلال كلامه ثم قال: "وقد رأيت لبعض المتأخرين في الحسن كلاما يقتضي أنه: الحديث الذى في رواته مقال لكن لم يظهر فيه مقتضى الرد فيحكم على حديثه بالضعف، ولا يسلم من غوائل الطعن فيحكم لحديثه بالصحة".
وقال ابن دحية: "الحديث الحسن هو ما دون الصحيح مما فيه ضعف قريب محتمل، عن راو لا ينتهي إلى درجة العدالة ولا ينحط إلى درجة الفسق، ثم ناقشه الحافظ ثم أورد تعريف ابن جماعة السابق وناقشه من وجوه" (١).
وقال السخاوي: "ولذلك مع اختص غيرها من تعاريفه قيل: أنه لا يطمع في تمييزه، ولكن الحق أن من خاض بحار هذا الفن سهل ذلك عليه كما قاله شيخنا، ولذا عرف الحسن لذاته، فقال: هو الحديث المتصل الإسناد برواة معروفين بالصدق في ضبطهم قصور عن ضبط رواة الصحيح ولا يكون معلولا ولا شاذا".
ومحصله أنه هو والصحيح سواء إلا في تفاوت الضبط، ثم شرح هذا التعريف، ثم قد: "وأما مطلق الحسن فهو الذي اتصل سنده بالصدق الضابط المتقن غير تامهما أو بالضعيف بما عدا الكذب إذا اعتضد مع خلوهما عن الشذوذ والعلة" (٢).
والمتأمل يرى أن هذين التعريفين قد سارا في مضمار تلك التعاريف المضطربة.
_________
(١) النكت لابن حجر على ابن الصلاح (١/ ٤٠٤ - ٤٠٨).
(٢) فتح المغيث ص: (٦٦ - ٦٧) تحقيق الأعظمى.
стр. 148
فتعريف الحافظ غير جامع إذ اقتصر فيه على تعريف الحسن لذاته.
وتعريف السخاوي غير مانع إذ يدخل فيه أنواع من الضعيف الشديد الضعف الذي لا ينجبر.
وهو ما قيل فيه ساقط وهالك وذاهب ومتروك وفيه نظر وسكتوا عنه ولا يعتبر به وليس بالثقة ورد حديثه، أو حديثه مردود وضعيف جدا، وواه بمرة، وقد طرحوا حديثه وارم به، مطرح، ليس بشيء لا يساوي شيئا، وهو من أعلم الناس بهذا وقد تكلم على هذه الألفاظ وشرحها وبين أنها من النوع الذى لا يعتبر به.
وخلاصة المطاف: أن قضية الحديث الحسن من القضايا المهمة والصعبة التي بقيت طائفة بين المتقدمين والمتأخرين أي: بين مصطلح ما قبل التدوين ومصطلح ما بعد التدوين؛ وأن هذا المصطلح كان موجودًا عند المتقدمين أصحاب القرون الثلاثة الأولى؛ إلا أنه كان يستخدم قليلًا؛ وهذا يدلنا على أنه كان معروفًا موجودًا عند المحدثين.
والحسن بنوعيه (الحسن لذاته والحسن لغيره)، مقبول عند المحدثين ومستخدم عندهم وهو فوق الضعيف ودون الصحيح.
стр. 149
المبحث الرابع: التدليس:
المطلب الأول: تدليس الإسناد
وَهُوَ أن يروي الرَّاوِي عمن لقيه ما لَمْ يسمعه مِنْهُ بصيغة محتملة (١).
والمراد من الصيغة المحتملة: أن لا يصرح بالسماع أوْ الإخبار مثل: حَدَّثَنَا، وأخبرنا (٢) وأنبأنا، وسمعت، وقالَ لنا، وإنما يجيء بلفظ يحتمل الاتصال وعدمه، مثل: إن، وعن، وقَالَ، وحدّث، وروى، وذكر، لذا لَمْ يقبل الْمُحَدِّثُّوْنَ حَدِيْث المدلس ما لَمْ يصرِّح بالسماع (٣).
_________
(١) انظر: مَعْرِفَة علوم الْحَدِيْث: ١٠٣، وجامع الأصول: ١٦٧، ومعرفة أنواع علم الحَدِيْث: ٦٦ طبعة نور الدين و ١٥٧ طبعتنا، وإرشاد طلاب الحقائق ١/ ٢٠٥، وجامع التحصيل: ٩٧، وشرح ألفية العراقى: ٣٣ للسيوطي، وتوضيح الأفكار ١/ ٣٤٧، وظفر الأماني: ٣٧٤.
(٢) ثُمَّ شاع تخصيص "أخبرنا" في العصور المتأخرة بالإجازة. انظر: مَعْرِفَة أنواع علم الْحَدِيث: ٦٦ طبعة نور الدين، و ١٥٩ طبعتنا.
(٣) انظر: مَعْرِفَة أنواع علم الْحَدِيْث: ٦٧ طبعة نور الدين و ١٥٩ طبعتنا، وإرشاد طلاب الحقائق ١/ ٢١٠، والتقريب: ٦٥، والمقنع ١/ ١٥٧، وشرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٨٤ الطبعة العلمية، و ١/ ٢٣٢ طبعتنا، والعواصم والقواصم ٣/ ٦٠، وطبقات المدلسين: ١٦.
стр. 150
المطلب الثاني: تدليس الشيوخ
وَهُوَ أن يأتي باسم شيخه أوْ كنيته علَى خلاص المشهور بِهِ تعمية لأمره وتوعيرًا للوقوف علَى حاله (١). وهذا النوع حكمه أخف من السابق، وفي هَذَا النوع تضييع للمروي عَنْهُ وللمروي وتوعير لطريق مَعْرِفَة حالهما، ثُمَّ إن الحال في كراهيته يختلف بحسب الغرض الحامل علَيْهِ، إذْ إن من يدلس هَذَا التدليس قَدْ يحمله كون شيخه الَّذِي غيّر سمته غَيْر ثقة، أو أصغر من الرَّاوِي عَنْهُ، أو متأخر الوفاة قَدْ شاركه في السَّمَاع مِنْهُ جَمَاعَة دونه، أو كونه كثير الرِّوَايَة عَنْهُ فلا يحب تكرار شخص علَى صورة واحدة (٢).
المطلب الثالث: تدليس التسوية (٣):
وَهُوَ أن يروي عَنْ شيخه، ثُمّ يسقط ضعيفًا بَيْنَ ثقتين قَدْ سَمِعَ أحدهما
_________
(١) مَعْرِفَة أنواع علم الْحَدِيْث: ٦٦ طبعة نور الدين و ١٥٨ طبعتنا، وانظر في هَذَا النَّوْع من التدليس: الكفاية: (٥٢٠ ت، ٣٦٥ هـ)، وجامع الأصول ١/ ١٧٠، والإرشاد ١/ ٢٠٧، والتقريب: ٦٣ - ٦٤، والاقتراح: ٢١١ - ٢١٢، والمنهل الروي: ٧٣، وجامع التحصيل: ١٠٠، واختصار علوم الْحَدِيث: ٥٥، والمقنع ١/ ١٥٥، وشرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٨٧ الطبعة العلمية و ١/ ٢٤٠ طبعتنا، وشرح ألفية العراقي للسيوطي: ٣٧، وتوضيح الأفكار ١/ ٣٥٠، وظفر الأماني: ٣٨٠.
(٢) الإرشاد، للنووي ١/ ٢١٢.
(٣) وقَدْ سماه القدماء تجويدًا. فتع المغيث ١/ ١٩٩، وتدريب الرَّاوِي ١/ ٢٢٦، وشرح ألفية السيوطى: ٣٦. وسماه صاحب ظفر الأماني: ٣٧٧ بـ: "التحسين".
стр. 151
من الآخر أو لقيه، ويريه بصيغة محتملة بَيْنَ الثقتين (١).
وممن اشتهر بهذا النوع: الوليد بن مُسلِم (٢)، وبقية بن الوليد (٣)، وهذا النوع من التدليس يشترط فِيْهِ التحديث والإخبار من المدلس إلى آخره (٤).
المطلب الرابع: تدليس العطف:
وَهُوَ مثل أن يقول الرَّاوِي: حَدَّثَنَا فُلَان وفلَان، وَهُوَ لَمْ يَسْمَع من الثاني (٥).
_________
(١) الكفاية (٥١٩ ت، ٣٦٤ هـ)، والإرشاد، للنووي ١/ ٢٠٦، والمقنع ١/ ١٦٣، وشرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٩٠ الطبعة العلمية و ١/ ٢٤٢ طبعتنا، وتعريف أهل التقديس: ١٦، وفتح المغيث ١/ ٢١٣، وشرح ألفية السيوطى: ٣٦، وظفر الأماني: ٣٧٧.
(٢) الوليد بن مُسلِم القرشي مولاهم، أبو العباس الدمشقى: ثقة لكنه كثير التدليس والتسوية، مولى بنى أمية، ولد سنة (١١٩ هـ)، وتوفي سنة (١٩٥ هـ).
انظر: طبقات ابن سعد ٧/ ٤٧٠ - ٤٧١، وسير أعلام النبلاء ١/ ٢١٩ - ٢٢٠، والتقريب (٧٤٥٦).
(٣) بقية بن الوليد بن صائد بن كعب الكلاعي الحمصي، أبو يحمد: صدوق كثير التدليس عَنْ الضعفاء، ولد سنة (١١٠ هـ)، وتوفي سنة (١٩٧ هـ).
انظر: الجرح والتعديل ٢/ ٤٣٤ - ٦٤٣٠ وسير أعلام النبلاء ٨/ ٥١٨ و ٥١٩، والتقريب (٧٣٤). وانظر الكلام عَنْ تدليس هذين الراويين: الموقظة: ٤٦.
(٤) النكت علَى كتاب ابن الصَّلاح ١/ ٢٩٣.
(٥) تعريف أهل التقديس: ١٦، وفتح المغيث ٢/ ٢٠١، وألفية السيوطي: ٣٣، وتدريب الرَّاوِي ١/ ٢٢٦، وظفر الأماني: ٣٧٩، والباعث الحثيث: ٥٥ - ٥٦.
стр. 152
المطلب الخامس: تدليس السكوت:
وَهُوَ كأن يقول الرَّاوِي: حَدَّثَنَا أوْ سَمِعْتُ، ثُمَّ يسكت برهة، ثُمَّ يقول: هشام بن عروة (١) أو الأعمش (٢) موهمًا أنه سَمِعَ منهما، وليس كذلك (٣).
المطلب السادس: تدليس القطع:
وَهُوَ أن يحذف الصيغة ويقتصر علَى قوله مثلًا: الزهرى عَنْ أنس (٤).
المطلب السابع: تدليس صيغ الأداء:
وَهُوَ ما يقع من الْمُحَدِّثِيْنَ من التعبير بالتحديث أَوْ الإخبار عَنْ الإجازة موهمًا للسماع، ولمَمْ يَكُنْ تحمله لِذَلِكَ المروي عَنْ طريق السَّمَاع (٥).
وهذه الأنواع السبعة ليست كلها مشتهرة إنما المشتهر مِنْهَا والشائع الأول والثاني وعند الإطلاق يراد الأول، وهذا القسم هُوَ الَّذِيْ لَهُ دورٌ في الاختلافات الحديثية متونًا وأسانيد، إِذْ قَدْ يكشف خص البحث بَعْدَ التنقير
_________
(١) هشام بن عروة بن الزبير بن العوام الأسدي، يكنى أبا المنذر: ثقة فقيه ربما دلس، توفي سنة (١٤٦ هـ). انظر: طبقات خليفة: ٢٦٧، وتهذيب الكمال ٧/ ٤٠٩ - ٤١١ (٧١٨٠)، والتقريب (٧٣٠٢).
(٢) سليمان بن مهران الأسدي الكاهلي، أبو مُحَمَّد الكوفي الأعمش: ثقة حافظ لكنه يدلس، قَالَ الذهبي: ما نقموا علَيْهِ إلا التدليس، ولد سنة (٦١ هـ)، وتوفي سنة (١٤٧ هـ) أوْ (١٤٨ هـ).
انظر: تهذيب الكمال ٣/ ٣٠٠ - ٣٠٣ (٢٥٥٥)، وميزان الاعتدال ٢/ ٢٢٤، والتقريب (٢٦١٥).
(٣) الباعث الحثيث: ٥٥ - ٥٦.
(٤) تعريف أهل التقديس: ١٦، وفتح المغيث ١/ ٢٠١ - ٢٠٢، وظفر الأماني ٣٧٩.
(٥) الباعث الحثيث: ٥٥ - ٥٦.
стр. 153
والتفتيش عَنْ سقوط رجل من الإسناد وربما كَانَ هَذَا الساقط ضعيفًا أَوْ في حفظه شيء، أو لَمْ يضبط حديثه هَذَا.
ومن الأمثلة علَى ذَلِكَ ما رَوَاهُ ابن حبان (١) من طريق ابن جريج (٢)، عَنْ نافع (٣)، عَنْ ابن عمر، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "لا تَبُلْ قائمًا" (٤).
وهذا الإسناد رجاله ثقات إلا أنَّ ابن جريج مدلس (٥) وقدْ عنعن هنا ولَمْ يصرح بسماعه من نافع، وَهُوَ قَدْ سَمِعَ من نافع أحاديث كثيرة، فهُوَ معروف بالرواية عَنْهُ، وروايته عَنْهُ في الكتب الستة (٦)، ولكن النقاد ببصيرتهم الناقدة ونظرهم الثاقب كشفوا أنّ في هَذَا السند واسطة بَيْنَ ابن جريج ونافع، وأن ابن
_________
(١) مُحَمَّد بن حبان بن أحمد البستي، أبُو حاتم التميمي بن حبان، ولد سنة بضع وسبعين ومئتين وله مصنفات شهيرة مِنْهَا: "الثقات" و"الصَّحِيْح"، توفي سنة (٣٥٤ هـ). انظر: الأنساب ١/ ٣٦٣، وسير أعلام النبلاء ١٦/ ٩٢ - ١٠٤، وشذرات الذهب ٣/ ١٦.
(٢) عَبْد الملك بن عَبْد العزيز بن جريج، أبو خالد القرشى الأموي المكي صاحب التصانيف: ثقة فقيه فاضل وَكَانَ يدلس ويرسل، توفي سنة (١٥٠ هـ) أو بعدها. انظر: تاريخ بغداد ١٠/ ٤٠٠، وسير أعلام النبلاء ٦/ ٣٢٥، والتقريب (٤١٩٣).
(٣) هُوَ أَبُو عَبْد الله نافع المدني، مولى ابن عمر القرشي العدوي، ثقة ثبت فقيه، توفي سنة (١١٧ هـ). انظر: تهذيب الكمال ٧/ ٣١٣، وسير أعلام النبلاء ٥/ ٩٥، والتقريب (٧٠٨٦).
(٤) صَحِيْح ابن حبان (١٤٢٠)، وطبعة الرسالة (١٤٢٣).
(٥) طبقات المدلسين: ٤١، ونقل فِيهِ عَنْ الدَّارقُطْنِيّ: "شر التدليس تدليس ابن جريج؛ فإنه قبيح التدليس، لا يدلس إلا فِيْمَا سمعه من مجروح".
(٦) تهذيب الكمال ٤/ ٥٦٠.
стр. 154
جريج لَمْ يسمعه من نافع مباشرة، بَلْ سمعه من عَبْد الكريم بن أبي المخارق الضعيف (١)، وقَدْ صرّح ابن جريج في بعض طرق الْحَدِيْث بهذا الساقط، فبان تدليسه؛ فَقَدْ رَوَى عَبْد الرزاق (٢)، ومِنْ طريقه ابن ماجه (٣)، وأبو عوانة (٤)، وابن عدى (٥)، وتمام الرازي (٦)،
_________
(١) قالَ عَبْد الله بن أحمد بن حَنبل: سألت أبي عَن عَبْد الكريم أبي أمية، فَقَالَ: بصريٌّ نزل مكة، وَكَانَ معلمًا، وَهُوَ ابن أبي المخارق، وَكَانَ ابن عيينة يستضعفه قلت لَهُ: ضعيف؟، قَالَ: نعم، وقَالَ عباس الدوري، عَنْ يحيى بن معين: حَدَّثَنَا هشام بن يوسف، عَنْ معمر، قَالَ: قَالَ أيوب: لا تأخذوا عَنْ عَبْد الكريم أبي أمية، فإنه ليس بثقة. انظر: تهذيب الكمال ٤/ ٥٤٣.
(٢) مصنفه (١٥٩٢٤).
(٣) هُوَ مُحَمَّد بن يزيد الزبعي، مولاهم أبو عَبْد الله القزويني الحافظ، من مصنفاته: "السنن" و "التاريخ" و "التفسير"، ولد سنة (٢٠٩ هـ)، وتوفي سنة (٢٧٣ هـ) وقِيْلَ سنة (٢٧٥ هـ).
تهذيب الكمال ٦/ ٥٦٨ (٦٣٠٢)، وسير أعلام النبلاء ١٣/ ٢٧٧، وشذرات الذهب ٢/ ١٦٤. والحديث في سننه (٣٠٨).
(٤) في مسنده ٤/ ٢٥.
(٥) هُوَ عَبْد الله بن عدي بن عَبْد الله الجرجاني، أبو أحمد الحافظ، صاحب كتاب "الكامل في الضعفاء"، ولد سنة (٢٧٧ هـ)، وتوفي سنة (٣٦٥ هـ).
سير أعلام النبلاء ١٦/ ١٥٤، وتاريخ الإسلام: ٣٣٩ - ٣٤١ وفيات (٣٦٥ هـ)، والرسالة المستطرفة: ١٤٥. والحديث في: الكامل ٧/ ٤٠.
(٦) هُوَ الإمَام تمام بن مُحَمَّد بن عَبْد الله البجلي، أبو القاسم الرازي، صاحب كتاب "الفوائد"، ولد سنة (٣٣٠ هـ)، وتوفي سنة (٤١٤ هـ). انظر: سير أعلام النبلاء ١٧/ ٢٨٩ - ٢٩٢، وتذكرة الحفاظ ١٢/ ١٠٥٦ و ١٠٥٨،=
стр. 155
والحاكم (١)، والبيهقي (٢)، عَنْ ابن جريج، عَنْ عَبْد الكريم بن أبي المخارق، عَنْ نافع، بِهِ.
ومن بدائه علم الْحَدِيْث أن حَديث الثقة ليس كله صحيحًا (٣)، كَمَا أنّ حَدِيْث الضعيف ليس كله ضعيفًا (٤)، ومعرفة كلا النوعين من أحاديث الفريقين ليس بالأمر اليسير إنما يطلع علَى ذَلِكَ الأئمة النقاد الغواصون في أعماق ما يكمن في الروايات من صحة أو خطأ، لذا فتّش العلماء في حَدِيْث
_________
= شذرات الذهب ٣/ ٢٠٠. والحديث في: الروض البسام بترتيب وتخريج فوائد تمام ١/ ٢٠٣ (١٤٨).
(١) هُوَ مُحَمَّد بن عَبْد الله بن مُحَمَّد النيسابوري أبو عَبْد الله، ولد سنة (٣٢١ هـ)، وله تصانيف مِنْهَا: "المستدرك علَى الصحيحين "و "مَعْرِفَة علوم الْحَدِيْث"، توفي سنة (٤٠٥ هـ).
انظر: تاريخ بغداد ٥/ ٤٧٣، وسير أعلام النبلاء ١٧/ ١٦٢ - ١٧٧، وشذرات الذهب ٣/ ١٧٦. والحديث في: المستدرك ١/ ١٥٨.
(٢) هُوَ أحمد بن الحسين بن علي الخراساني، أبُو بكر، ولد سنة (٣٨٤ هـ)، وله عدة تصانيف مِنْهَا: "السنن الكبرى" و "شعب الإيمان"، توفى سنة (٤٥٨ هـ).
انظر: سير أعلام النبلاء ١٨/ ١٦٣ - ١٧٠، والعبر ٣/ ٢٤٢، وشذرات الذهب ٣/ ٣٠٤ - ٣٠٥.
والحديث في السنن الكبرى ١/ ١٠٢.
(٣) لذا نجد في حَدِيْث الثقات الشذوذ والعلة، وكثير من مباحث هَذِهِ الرسالة شاهدة علَى ذَلِكَ.
(٤) لذا نجد كثيرًا من الأحاديث يتابعون علَيْهَا من طريق الثقات.
стр. 156
ابن أبي المخارق هل توبع علَيْهِ، أم أخطأ فِيْهِ؟ وخالص الثقات الأثبات أم انفرد؟ فنجدهُمْ قَدْ صرّحوا بخطأ ابن أبي المخارق لمخالفته الثقات الأثبات في ذَلِكَ، قَالَ البوصيرى (١) في مصباح الزجاجة - بَعْدَ أن ضعّف حَدِيْث ابن أبي المخارق -: "عارضه خبر عبيد الله بن عمر العمري (٢) الثقة المأمون المجمع علَى ثقته، ولا يُغتر بتصحيح ابن حِبّان هَذَا الخبر من طريق هشام بن يوسف (٣)، عَن ابن جريج عَنْ نافع، عَنْ ابن عمر. فإنه قَالَ بعده: أخاف أن يَكُوْن ابن جريج لَمْ يسمعه من نافع، وقَدْ صحّ ظنُّه، فإنّ ابن جريج إمّا سمعه من ابن أبي المخارق كَمَا ثبت في رِوَايَة ابن ماجه هَذه، والحاكم في المستدرك واعتذر عَنْ تخريجه أنه إنّما أخرجه في المتابعات" (٤).
_________
(١) هُوَ أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل البوصيري الشافِعِيّ، لَهُ كتاب "زوائد ابن ماجه علَى الكتب الخمسة" وغيره، ولد سنة (٧٦٢ هـ)، سكن القاهرة ولازم العراقي علَى كبر فسمع مِنْه الكثير، ولازم ابن حجر فكتب عنه "لسان الميزان" وغيره، توفي سنة (٨٤٠ هـ). طبقات الحفاظ: ٥٥١، وشذرات الذهب ٧/ ٢٣٣، والأعلام ٤/ ١٠١.
(٢) هُوَ عبيد الله بن عمر بن حفص القرشى العدوي العمري، أبو عثمان المدني ينتهي نسبه إِلَى عمر بن الخطاب، ثقة ثبت، توفى سنة بضع وأربعين ومئة.
انظر: الثقات ٧/ ١٤٩، وتهذيب الكمال ٥/ ٥٤ ترجمة (٤٢٥٧)، والتقريب (٤٣٢٤).
(٣) هُوَ هشام بن يوسف الصنعاني، أبو عَبْد الرحمان الأبناوي، قاضي صنعاء: ثقة، توفي سنة (١٩٧ هـ).
انظر: التاريخ الكبير ٨/ ١٩٤، وتهذيب الكمال ٧/ ٤١٧ ترجمة (٧١٨٧)، والتقريب (٧٣٠٩).
(٤) مصباح الزجاجة ١/ ٤٥ ووقع تصحيف في هَذَا النص من المطبوع.
стр. 157
وقالَ الترمذي: "إنما رفع هَذَا الْحَدِيْث عَبْد الكريم بن أبي المخارق، وَهُوَ ضعيف عِنْدَ أهل الْحَدِيْث، ضعّفه أيوب السختياني (١) وتكلم فِيْهِ، وروى عبيد الله، عَن نافع عَنْ ابن عمر قَالَ: قَالَ عمر ﵁: ما بلتُ قائمًا منذُ أسلَمْتُ، وهذا أصح من حَدِيْث عَبْد الكريم" (٢).
أقول: رِوَايَة عبيد الله الموقوفة أخرجها ابن أبي شيبة (٣)، والبزار (٤) في مسنده (٥) من طربق عبيد الله بن عمر، عَنْ نافع، عَنْ ابن عمر، عَنْ عمر موقوفًا، وَهُوَ الصواب.
_________
(١) هُوَ الإمام أيوب السختياني، أبو بكر بن أبي تميمة كيسان العنَزي: ثقة ثبت حجة، ولد سنة (٦٨ هـ)، وتوفي سنة (١٣١ هـ). انظر: طبقات ابن سعد ٧/ ٢٤٦، والأنساب ٣/ ٢٥٥، وسير أعلام النبلاء ٦/ ١٥.
(٢) الجامع الكبير للترمذي ١/ ٦١ - ٦٢ عقيب (١٢).
(٣) هُوَ عَبْد الله بن مُحَمَّد بن إبراهيم العبسي مولاهم، أبو بكر بن أبي شيبة الكوفي: ثقة حافظ صاحب التصانيف مِنْهَا: "المصنف" و "المسند"، توفي سنة (٢٣٥ هـ). انظر: تهذيب الكمال ٤/ ٢٦٤ - ٢٦٦ (٣٥١٤)، وسير أعلام النبلاء ١١/ ١٢٢ - ١٢٧، والتقريب (٣٥٧٥). والرواية في مصنفه (١٣٢٤).
(٤) هُوَ الإِمَام الحَافِظ أحمد بن عمرو بن عَبْد الخالق، البصري البزار، قَالَ الدارقطني: ثقة، يخطئ ويتكل علَى حفظه، ولد سنة نيف عشرة ومئتين، لَه مصنفات منها: "المسند"، توفي سنة (٢٩٢ هـ).
تاريخ بغداد ٤/ ٣٣٤ - ٣٣٥، سير أعلام النبلاء ١٣/ ٥٥٤ - ٥٥٧، وشذرات الذهب ٢/ ٢٠٩.
(٥) وَهُوَ المسمى بالبحر الزخار (١٤٩)، والحديث أيضًا في كشف الأستار (٢٤٤).
стр. 158
ومما يدل علَى عدم صحة حَدِيْث ابن أبي المخارق أن الحافظ ابن حجر قَالَ: "ولَمْ يثبت عَنْ النّبِيّ ﷺ في النهي عَنْه شيء" (١).
بَعْدَ هَذَا العرض السريع بان لنا واتضح أن التدليس سبب من أسباب الاختلاف لدى الْمُحَدِّثِينَ؛ إِذْ إنه قَدْ يسفر عَنْ سقوط رجلٍ من الإسناد فيخالف الرَّاوِي غيره من الرُّوَاة.
المطلب الثامن حكم التدليس، وحكم من عرف بِهِ:
مضى بنا في الفصل التمهيدي في تعريف التدليس لغة أنّ مجموع معانيه تؤول إلى إخفاء العيب، وليس من معانيه الكذب، ومع ذَلِكَ فَقَدْ اختلف العلماء في حكمه وحكم أهله.
فَقَدْ ورد عن بعضم ومنهم - شعبة - التشديد فِيْهِ، فروي عَنْهُ أنه قَالَ: "التدليس أخو الكذب" (٢)، وقالَ أيْضًا: "لأن أزني أحب إليّ من أن أدلس" (٣).
ومنهم من سهّل أمره وتسامح فِيْهِ كثيرًا، قَالَ أبو بكر البزار: "التدليس ليس بكذب، وإنما هُوَ تحسين لظاهر الإسناد" (٤).
_________
(١) فتح الباري ١/ ٣٣٠.
(٢) رَوَاهُ ابن عدي في الكامل ١/ ١٠٧، والبيهقي في مناقب الشَّافِعِيّ ٢/ ٣٥، والخطيب في الكفاية (٥٠٨ ت، ٣٥٥ هـ).
(٣) رَوَاهُ ابن أبي حاتم في تقدمة الجرح والتعديل ١/ ١٧٣، وابن عدي في الكامل ١/ ١٠٧، والخطيب في الكفاية (٥٠٨ ت، ٣٥٦ هـ).
(٤) نكت الزركشي ٢/ ٨١.
стр. 159
وَالصَّحِيْح الّذِي عليه الجمهور أنه ليس بكذب يصح به القدح في عدالة الرَّاوِي حتَّى نرد جميع حديثه، وإنما هُوَ ضَرْبٌ من الإيهام، وعلى هَذَا نصّ الشَّافِعِيّ ﵀ فَقَالَ: "ومن عرفناه دلّس مرة فَقَدْ أبان لنا عورته في روايته، وليست تِلْكَ العورة بالكذب فنرد بِهَا حديثه، ولا النصيحة في الصدق، فنقبل مِنْهُ ما قبلنا من أهل النصيحة في الصدق" (١).
ويمكن حمل التشدد الوارد عن شعبة علَى "المبالغة في الزجر عَنْهُ والتنفير" (٢).
وإذا تقرر هَذَا، فما حكم حَدِيْث من عرف بِهِ؟ للعلماء فِيْهِ أربعة مذاهب:
الأول: لا تقبل رِوَايَة المدلس، سواء صرح بالسماع أم لا، حكاه ابن الصَّلاح عن فريق من أهل الْحَدِيْث والفقه (٣)، وهذا مبني علَى القَول بأنّ التدليس نفسه جرح تسقط بِهِ عدالة من عُرِف بِهِ (٤). وهذا الَّذيْ استظهره علَى أصول مذهب الإمام مالك القاضي عَبْد الوهاب في الملخص (٥).
الثاني: قبول رِوَايَة المدلس مطلقًا، وَهُوَ فرع لمذهب من قَبِلَ المرسل ونقله الْخَطِيْب البغدادي عن جمهور من قَبِلَ المراسيل (٦)، وحكاه الزركشي
_________
(١) الرسالة: ٣٧٩ الفقرة (١٠٣٣ و ١٠٣٤).
(٢) مَعرفَة أنواع علم الْحَدِيْث: ٦٧، وطبعتنا ١٥٩.
(٣) المصدر نفسه. وسبقه بالنقل الْخَطِيْب في كفايته (٥١٥ ت، ٣٦١ هـ).
(٤) شرح السيوطي علَى ألفية العراقي: ١٧٤.
(٥) نكت الزركشي ٢/ ٨٧.
(٦) الكفاية (٥١٥ ت، ٣٦١ هـ).
стр. 160
عن بعض شارحي أصول البزدوي من الحنفية (١). وبنوا هَذَا علَى ما بنوا علَيْهِ قبول المرسل؛ من أنّ إضراب الثقة عن ذكر الرَّاوِي تعديل لَهُ، فإن من مقتضيات ثقته التصريح باسم من روى عَنْهُ إذا كَانَ غَيْر ثقة (٢).
الثالث: إذا كَانَ الغالب علَى تدليسه أن يَكُوْن عن الثقات فهو مقبول كيفما كانت صيغة التحديث، وإن كَانَ عن غَيْر الثقة هُوَ الغالب رد حديثه حَتى يصرح بالسماع، حكاه الْخَطيْب عن بعض أهل العلم (٣)، ونقله الزركشي عن أبي الفتح الأزدي (٤).
الرابع: التفصيل بَيْنَ أن يروي بصيغة مبينة للسماع، فيقبل حديثه، وبين أن يروي بصيغة محتملة للسماع وغيره فلا يقبل، وهذا الَّذِيْ علَيْه جمهور أَهْل الْحَديْث وغيرهم (٥) وصححه جمع، مِنْهم: الْخَطِيْب البغدادي (٦) وابن الصَّلاح (٧) وغيرهما.
_________
(١) نكت الزركشي ٢/ ٨٧ - ٨٨، وانظر: تدريب الراوي ١/ ٢٢٩.
(٢) انظر: الكفاية (٥١٥ ت، ٣٦١ هـ).
(٣) الكفاية (٥١٥ ت، ٣٦١ هـ).
(٤) نكت الزركشى ٢/ ٨٩.
(٥) جامع التحصيل: ٩٨.
(٦) الكفاية (٥١٥ ت، ٣٦١ هـ).
(٧) مَعْرِفَة أنواع علم الْحَدِيْث: ١٦٧، وطبعتنا: ١٥٩.
стр. 161
المطلب التاسع حكم الْحَدِيْث المدلس:
لما كَانَ في حَدِيْث المدلس شبهة وجود انقطاع بَيْنَ المدلس ومن عنعن عَنْهُ، بحيث قَدْ يَكُون الساقط شخصًا أو أكثر، وقَدْ يَكُوْن ثقة أوْ ضعيفًا. فلما توافرت هَذِهِ الشبهة اقتضى ذَلِكَ الحكم بضعفه (١).
المبحث الخامس [*] التفرد:
التفرد في اللغة: مأخوذ من الفعل الثلاثي المزيد بحرفين (تَفَرّدَ). يقال:
فَرَدَ بالأمر والر أي: انفرد، وفرد الرجل: كان وحده منفردًا لا ثاني معه. وفَرَّدَ برأيه: استبد. قد أشار ابن الفارس (٢) إلى أن جميع تراكيب واشتقاقات هذا الأصل تدل على الوحدة. إذ قال: "الفاء والراء والدال أصل صحيح يدل على وحدة، من ذلك: الفرد وهو الوتر، والفارد والفرد: الثور المنفرد؟ " (٣).
_________
(١) انظر: المنهل الروي: ٧٢، الشذا الفياح ١/ ١٧٧، ونزهة النظر: ١١٣، ومنهج النقد في علوم الْحَدِيْث: ٣٨٣.
(٢) الإمام العلامة اللغوي المحدث أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا القزويني، المعروف بالرازي، المالكي من مؤلفاته: المجمل والحجر ومعجم مقاييس اللغة، توفي سنة ٣٩٥ هـ)، وقيل: (٣٩٠ هـ). انظر: سير أعلام النبلاء ١٧/ ١٠٣، والبداية والنهاية ١١/ ٢٨٧، والأعلام ١/ ١٩٣.
(٣) مقاييس اللغة ٤/ ٥٠٠. وانظر: لسان العرب ٣/ ٣٣١، وتاج العروس ٨/ ٤٨٢، والمعجم الوسيط ٢/ ٦٧٩، ومتن اللغة ٤/ ٣٧٩.
[*] قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: بالمطبوع «الرابع»
стр. 162
التفرد في الاصطلاح: عرّفه أبو حفص الميانشي (١) الفرد بأنه: ما انفرد بروايته بعض الثقات عن شيخه، دون سائر الرُّوَاة عن ذَلِكَ الشيخ (٢).
ويظهر من هَذَا التعريف بعض القصور في دخول بعض أفراد المُعَرّف في حقيقة التعريف، إِذْ قَصَرَه علَى انفراد الثقة فَقَطْ عن شيخه (٣).
وعرّف الدكتور حمزة المليباري التفرد وبيّن كيفية حصوله، فَقَالَ: "يراد بالتفرد: أن يروي شخص من الرُّوَاة حديثًا دون أن يشاركه الآخرون" (٤).
وهذا التعريف الأخير أعم من التعريف الأول، فإنه شامل لتفرد الثقة وغيره، وعليه تدل تصرفات نقاد الْمُحَدِّثِيْنَ وجهابذة الناقلين، ولقد كثر في
_________
(١) هُوَ أبو حفص عمر بن عَبْد المجيد القرشي الميانشي، له كراس في علم الْحَدِيْث أسماه: "ما لا يسع المحدّث جهله"، توفي بمكة سنة (٥٨١ هـ). انظر: العبر ٤/ ٢٤٥، والأعلام ٥/ ٥٣.
وقَدْ وقع في بعض مصادر ترجمته (الميانشي)، نسبة إلى (مَيّانِش) قرية من قرى المهدية. انظر: معجم البلدان ٥/ ٢٣٩، والعبر ٤/ ٢٤٥، ونكت الزركشى ١/ ١٩٠، وتاج العروس ١٧/ ٣٩٢.
وفي بعضها (الميانجي) وَهِيَ نسبة إلى (ميانج) موضع بالشام، أو إلى (ميانه) بلد بأذربيجان. انظر: الأنساب ٥/ ٣٢٠، واللباب ٣/ ٢٧٨، ومعجم البلدان ٥/ ٢٤٠، ومراصد الاطلاع ٣/ ١٣٤١. وكذا نسبه الحافظ ابن حجر في النُّزهة: ٤٩، وتابعه شرّاح النزهة عَلى ذَلِكَ. انظر مثلا: شرح ملا علي القاري: ١١.
(٢) ما لا يسع المحدّث جهله: ٢٩.
(٣) وأجاب عَنْهُ بعضهم بأن رِوَايَة غَيْر الثقة كلا رِوَايَة. التدريب ١/ ٢٤٩.
(٤) الموازنة بَين منهج المتقدمين والمتأخرين: ١٥.
стр. 163
تعبيراتهم: حَديْث غريب، أو تفرّد بِهِ فُلَان، أو هَذَا حَدِيْث لا يعرف إلا من هَذَا الوجه، أو لا نعلمه يروى عن فُلَان إلّا من حَديْث فُلَان، ونحوها من التعبيرات (١).
ولربما كَانَ الحامل للميانشي علَى تخصيص التعريف بالثقات دون غيرهم، أن رِوَايَة الضعيف لا اعتداد بِهَا عِنْدَ عدم المتابع والعاضد. ولكن من الناحية التنظيرية نجد الْمُحَدِّثِيْنَ عِنْدَ تشخيصهم لحالة التفرد لا يفرقون بَيْنَ كون المتفرد ثقة أو ضعيفًا، فيقولون مثلًا: تفرد به الزهري، كَمَا يقولون: تفرد بِهِ ابن أبي أويس (٢).
وبهذا المعنى يظهر الترابط الواضح بَيْنَ المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي، إِذْ إنهما يدوران في حلقة التفرد عما يماثله.
والتفرد ليس بعلة في كُلّ أحواله، ولكنه كاشف عن العلة مرشد إلى وجودها، وفي هَذَا يقول الحافظ ابن رجب الحنبلي: "وأما أكثر الحفاظ المتقدمين فإنهم يقولون في الْحَدِيْث إذا تفرد بِهِ واحد - وإن لَمْ يروِ الثقات خلافه -: إنه لا يتابع علَيْهِ. ويجعلون ذَلِكَ علة فِيْهِ، اللهم إلّا أن يَكُوْن ممن كثر حفظه واشتهرت عدالته وحديثه كالزهري ونحوه، وربما يستنكرون بعض
_________
(١) انظر علَى سبيل المثال: الجامع الكبير، للترمذي عقب (١٤٧٣) و (١٤٨٠ م) و (١٤٩٣) و (١٤٩٥) و (٢٠٢٢).
(٢) هُوَ إسماعيل بن عَبْد الله بن أويس بن مالك الأصبحي، أبُو عَبْد الله بن أبي أويس المدني: صدوق، أخطأ في أحاديث من حفظه، توفي سنة (٢٢٦ هـ) وقِيلَ: (٢٢٧ هـ). انظر تهذيب الكمال ١/ ٢٣٩ و ٢٤٠ (٤٥٢)، وسير أعلام النبلاء ١٠/ ٣٩١ و ٣٩٥، والكاشف ١/ ٢٤٧ (٣٨٨).
стр. 164
تفردات الثقات الكبار أيْضًا ولهم في كُلّ حَديْث نقد خاص، وليس عندهم لذلكَ ضابط يضبطه" (١).
ومعنى قوله: "ويجعلون ذَلِكَ علة"، أن ذَلِكَ مخصوص بتفرد من لا يحتمل تفرده، بقرينة قوله: "إلا أن يَكُوْن ممن كثر حفظه ... "، فتفرده هُوَ خطؤه، إِذْ هُوَ مظنة عدم الضبط ودخول الأوهام، فانفراده دال علَى وجود خلل ما في حديثه، كَمَا أن الحمّى دالة علَى وجود مرض ما، وَقَدْ وجدنا غَيْر واحد من النقاد صرح بأن تفرد فُلَان لا يضر، فَقَدْ قَالَ الإمام مُسلِم: "هَذَا الحرف لا يرويه غيْر الزهري، قَالَ: وللزهرى نحو من تسعين حديثًا يرويها عن النَّبِيّ ﷺ لا يشاركه فِيْهَا أحد بأسانيد جياد" (٢).
وقالَ الحافظ ابن حجر: "وكم من ثقة تفرد بما لَمْ يشاركه فيْه ثقة آخر، وإذا كَانَ الثقة حافظًا لَمْ يضره الانفراد" (٣).
وقالَ الزيلعي (٤): "وانفراد الثقة بالحديث لا يضره" (٥).
وتأسيسًا علَى ما أصّلناه من قَبْل من أن تفرد الرَّاوِى لا يضر في كُلّ حال، ولكنه ينبه الناقد علَى أمر ما، قَالَ المعلمي اليماني: "وكثرة الغرائب إنما تضر الرَّاوِي في أحد حالين:
_________
(١) شرح علل الترمذي ٢/ ٤٠٦.
(٢) الجامع الصَّحِيْح ٥/ ٨٢ عقب (١٦٤٧).
(٣) فتح الباري ٥/ ١١.
(٤) الفقيه علم الْحَدِيْث أبو مُحَمَّد عَبْد الله بن يوسف بن محَمّد الزيلعي، من مؤلفاته: "نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية" و "تخريج أحاديث الكشاف"، توفي سنة (٧٦٢ هـ). الدرر الكامنة ٢/ ٣١٠، والأعلام ٤/ ١٤٧.
(٥) نصب الراية ٣/ ٧٤.
стр. 165
الأولى: أن تكون مع غرابتها منكرة عن شيوخ ثقات بأسانيد جيدة.
الئانية: أن يَكُوْن مع كثرة غرائبه غَيْر معروف بكثرة الطلب" (١).
وتمتع هَذَا الجانب من النقد الحديثي باهتمام النقاد، فنراهم يديمون تتبع هَذه الحالة وتقريرها، وأفردوا من أجل ذَلِكَ المصنفات، منْهَا: كتاب "التفرد" (٢) للإمام أبي داود، و "الغرائب والأفراد" (٣) للدارقطني، و"المفاريد" (٤) لأبي يعلى، واهتم الإمام الطبراني في معجميه الأوسط والصغير بذكر الأفراد، وكذا فعل البزار في مسنده، والعقيلي (٥) في ضعفائه. وَهُوَ ليس بالعلم الهيّن، فهو "يحتاج لاتساع الباع في الحفظ، وكثيرًا ما يدعي الحافظ التفرد بحسب علمه، ويطلّع غيره علَى المتابع" (٦).
وفي كُلّ الأحوال فإن التفرد بحد ذاته لا يصلح ضابطًا لرد الروايات، حَتّى في حالة تفرد الضعيف لا يحكم علَى جميع ما تفرد بِهِ بالرد المطلق، بلْ إن النقاد يستخرجون من أفراده ما يعلمون بالقرائن والمرجحات عدم خطئه
_________
(١) التنكيل ١/ ١٠٤.
(٢) هُوَ مفقود وَكَانَ موجودًا في القرن الثامن، والمزي ينقل مِنْهُ كثيرًا في تحفة الأشراف انظر عَلى سبيل المثال ٤/ ٦٣٠ (٦٢٤٩)، والرسالة المستطرفة: ١١٤.
(٣) وقدْ طبع ترتيبه للمقدسي في دار الكتب العلمية ببيروت عام ١٩٩٨ م.
(٤) طبع بتحقيق عَبْد الله بن يوسف جديع في دار الأقصى، الكويت، الطبعة الأولى ١٩٨٥ م.
(٥) هُوَ الحافظ الناقد أبو جعفر مُحَمَّد بن عمرو بن موسى بن حماد العقيلى الحجازي صاحب كتاب "الضعفاء الكبير"، توفى سنة (٣٢٢ هـ). سير أعلام النبلاء ١/ ٢٣٦٥ و ٢٣٨، والعبر ٢/ ٢٠٠، وتذكرة الحفاظ ٣/ ٨٣٣ - ٨٣٤.
(٦) نكت الزركشي ٢/ ١٩٨.
стр. 166
فِيْهِ، وَهُوَ ما نسميه بعملية الانتقاء، قَالَ سفيان الثوري: "اتقوا الكلبي (١)، فقيل لَهُ: إنك تروي عَنْهُ، قَالَ: إني أعلم صدقه من كذبه" (٢).
ومثلما أن تفرد الضعيف لا يرد مطلقًا، فكذلك تفرد الثقة - وكما سبق في كلام ابن رجب - لا يقبل علَى الإطلاق، وإنما القبول والرد موقوت علَى القرائن والمرجحات، قَالَ الإمام أحمد: "إذا سَمِعْتَ أصحاب الْحَدِيْث يقولون: هَذَا حَدِيْث غربب أَوْ فائدة. فاعلم أنه خطأ أو دخل حَدِيْث في حَدِيْث أَوْ خطأ من المُحدِّث أوْ حَدِيْث ليس لَهُ إسناد، وإن كَانَ قَدْ رَوَى شعبة وسفيان، فإذا سمعتهم يقولون: هَذَا لا شيء، فاعلم أنه حَدِيْث صَحِيْح" (٣).
وقالَ أبو داود: "والأحاديث الَّتِي وضعتها في كتاب "السنن" أكثرها مشاهير، وَهُوَ عِنْدَ كُلّ من كتب شَيْئًا من الْحَدِيْث، إلا أن تمييزها لا يقدر علَيْهِ كُلّ الناس، والفخر بِهَا: بأنها مشاهير، فإنه لا يحتج بحديث غريب، ولَوْ كَانَ من رِوَايَة مالك ويحيى بن سعيد والثقات من أئمة العلم" (٤).
_________
(١) هُوَ أبو النضر مُحَمَّد بن السائب بن بشر الكلبي، متهم بالكذب، ورمي بالرفض، توفي سنة (١٤٦ هـ).
كتاب المجروحين ٢/ ٢٦٢، وسير أعلام النبلاء ٦/ ٢٤٨ - ٢٤٩، والتقريب (٥٩٠١).
(٢) الكامل ٧/ ٢٧٤، وميزان الاعتدال ٣/ ٥٥٧.
(٣) الكفاية (١٤٢ هـ، ٢٢٥ ت). والمراد من الجملة الأخيرة، أن الْحَدِيْث لا شيء يستحق أن ينظر فِيْهِ، لكونه صحيحًا ثابتًا.
(٤) رسالة أبى داود إلى أهل مكة (مع بذل المجهود) ١/ ٣٦.
стр. 167
ونحن نجد أمثلة تطبيقية متعددة في ممارسة النقاد، مِنْهَا قَوْل الحافظ ابن حجر في حَدِيْث صلاة التسبيح: "وإن كَانَ سند ابن عَبَّاسٍ يقرب من شرط الحسن إلا أنه شاذ لشدة الفردية وعدم المتابع والشاهد من وجه معتبر" (١).
ويمكننا أن نقسم التفرد - حسب موقعه في السند - إلى قسمين:
الأول: تفرد في الطبقات المتقدمة:
كطبقة الصَّحَابَة، وطبقة كبار التَّابِعِيْنَ، وهذا التفرد مقبول إذا كَانَ راويه ثقة - وهذا الاحتراز فِيْمَا يخص طبقة التَّابِعِيْنَ -، فهو أمر وارد جدًّا لأسباب متعددة يمكن حصرها في عدم توفر فرص متعددة تمكّن الْمُحَدِّثِيْنَ من التلاقي وتبادل المرويات، وذلك لصعوبة التنقل في البلدان، لا سيما في هذين العصرين.
فوقوعه فيهما لا يولد عِنْدَ الناقد استفهامًا عن كيفيته، ولاسيما أن تداخل الأحاديث فِيْمَا بينها شيء لا يكاد يذكر، نظرًا لقلة الأسانيد زياد على قصرها، هَذَا فِيمَا إذا لَمْ يخالف الثابت المشهور، أو من هُوَ أولى منْهُ حفظًا أوْ عددًا.
وإن كَانَ المتفرد ضعيفًا أوْ مجهولًا - فيْمَا يخص التَّابعيْنَ - فحكمه بيّن وَهُوَ الرد (٢).
الثاني: التفرد في الطبقات المتأخرة.
فبعد أن نشط الناس لطلب العلم وأَداموا الرحلة فِيْهِ والتبحر في فنونه، ظهرت مناهج متعددة في الطلب والموقف مِنْهُ، فكانت الغرس الأول للمدارس الحديثية الَّتِيْ نشأت فِيْمَا بَعْد، فكان لها جهدها العظيم في لَمِّ شتات المرويات
_________
(١) التلخيص الحبير ٢/ ٧، والطبعة العلمية ٢/ ١٨ - ١٩. وانظر في صلاة التسبيح: جامع الترمذي ١/ ٤٩١ - ٤٩٤ (٤٨١) و (٤٨٢).
(٢) إلا أن توجد قرائن أخرى ترفع الْحَدِيث من حيز الرد إلى حيز القبول.
стр. 168
وجمعها، والحرص علَى تلقيها من مصادرها الأصيلة، فوفرت لَهُم الرحلات المتعددة فرصة لقاء المشايخ والرواة وتبادل المرويات، فإذا انفرد من هَذِهِ الطبقات أحد بشيء ما فإن ذَلِكَ أمر يوقع الريبة عِنْدَ الناقد، لا سيما إذا تفرد عمن يجمع حديثه أوْ يكثر أصحابه، كالزهري ومالك وشعبة وسفيان وغيرهم (١).
ثم إنّ العلماء قسموا الأفراد من حَيْثُ التقييد وعدمه إلى قسمين:
الأول: الفرد المطلق: وَهُوَ ما ينفرد بِهِ الرَّاوِي عن أحد الرُّوَاة (٢).
الثاني: الفرد النسبي: وَهُوَ ما كَانَ التفرد فِيْهِ نسبيًا إلى جهة ما (٣) فيقيد بوصف يحدد هَذِهِ الجهة.
وما قِيلَ من أن لَهُ أقسامًا أخر، فإنها راجعة في حقيقتها إلى هذين القسمين.
أما الحكم علَى الأفراد باعتبار حال الرَّاوِي المتفرد فَقَطْ من غَيْر اعتبار للقرائن والمرجحات، فهو خق منهج الأئمة النقاد المتقدمين، إذن فليس هناك حكم مطرد بقبول تفرد الثقة، أو رد تفرد الضعيف، بَلْ تتفاوت أحكامهما، ويتم تحديدها وفهمها علَى ضوء المنهج النقدي النَّزيه؛ وذلك لأن الثقة يختلف ضبطه باختلاف الأحوال والأماكن والشيوخ لخلل يحدث في كيفية التلقي للأحاديث أَوْ لعدم توفر الوسائل الَّتِي تمكنه من ضبط ما سَمعه من بعض
_________
(١) انظر: الموقظة: ٧٧، والموازنة بَين منهج المتقدمين والمتأخرين: ٢٤.
(٢) انظر: مَعْرِفَة أنواع علم الْحَدِيْث: ٨٠ وطبعتنا: ١٨٤، وشرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢١٧ وطبعتنا ١/ ٢٨٦، ونُزهة النظر: ٧٨.
(٣) انظر: مَعْرِفَة أنواع علم الحديث: ٨٠ وطبعتنا: ١٨٤، والتقريب والتيسير: ٧٣ وطبعتنا: ١١٩ - ١٢٠، وفتح المغيث ١/ ٢٣٩، وظفر الأمانى: ٢٤٤.
стр. 169
شيوخه، أو لحدوث ضياع في بعض ما كتبه عن بعض شيوخه حَتّى ولوْ كَانَ من أثبت أصحابهم وألزمهم، ولذا ينكر النقاد من أحاديث الثقات - حَتَّى ولوْ كانوا أئمة - ما ليس بالقليل.
ومن أمثلة التفرد ما يأتي:
النموذج الأول:
حَدِيْث العلاء بن عَبْد الرحمان (١)، عن أبيه (٢)، عن أبي هُرَيْرَة، أن رَسُول الله ﷺ قَالَ: "إذا انتصف شعبان فلا تصوموا".
أخرجه عَبْد الرزاق (٣)، وابن أبي شيبة (٤)، وأحمد (٥)، والدارمي (٦) ...................................................... ، وأبو
_________
(١) هو أبو شبل العلاء بن عَبْد الرحمان بن يعقوب الحرقي المدني: صدوق ربما وهم، توفى سنة (١٣٨ هـ). الثقات ٥/ ٢٤٧، وتهذيب الكمال ٥/ ٥٢٦ - ٥٢٧ (٥١٦٦)، والتقريب (٥٢٤٧).
(٢) هُوَ عَبْد الرحمان بن يعقوب الجهني المدني، مولى الحرقة: ثقة من الثالثة.
الثقات ٥/ ١٠٨ - ١٠٩، وتهذيب الكمال ٤/ ٤٩٢ (٣٩٨٥)، والتقريب (٤٠٤٦).
(٣) في مصنفه (٧٣٢٥).
(٤) في مسنده (٩٠٢٦).
(٥) في مسنده ٢/ ٤٤٢.
(٦) الحافظ الإمام، أحد الأعلام، أبو مُحَمَّد عَبْد الله بن عَبْد الرحمان بن الفضل بن بهرام التميمي ثُمَّ الدارمي السمرقندي، ولد سنة (١٨١ هـ)، وتوفي سنة (٢٥٥ هـ). الثقات ٤/ ٣٦٨، تهذيب الكمال ٤/ ١٨٩ (٣٣٧١)، وسير أعلام النبلاء ١٢/ ٢٢٤.
والحديث في سننه (١٧٤٧) و (١٧٤٨).
стр. 170
داود (١)، وابن ماجه (٢)، والترمذي (٣)، والنسائي (٤)، والطحاوي (٥)، وابن حبان (٦)، والطبراني (٧)، والبيهقي (٨)، والخطيب (٩)، جميعهم من هَذه الطريق.
قَالَ أبو داود: "لَمْ يجئ بِهِ غَيْر العلاء، عن أبيه" (١٠).
وقالَ النسائي: "لا نعلم أحدًا رَوَى هَذَا الْحَديْث غَيْر العلاء بن عَبْد الرحمان" (١١).
وقَالَ الترمذي: "لا نعرفه إلا من هَذَا الوجه علَى هَذَا اللفظ" (١٢).
وأورده الحافظ أبو الفضل بن طاهر المقدسي (١٣) في
_________
(١) في سننه (٢٣٣٧).
(٢) في سننه (١٦٥١).
(٣) في جامعه (٧٣٨).
(٤) في الكبرى (٢٩١١).
(٥) في شرح معاني الآثار ٢/ ٨٢.
(٦) في صحيحه (٣٥٩٠) و (٣٥٩٢)، وفي طبعة الرسالة (٣٥٨٩) و (٣٥٩).
(٧) في الأوسط (٦٨٥٩)، وفى طبعة دار الكتب العلمية (٦٨٦٣).
(٨) في الكبرى ٤/ ٢٠٩.
(٩) في تاريخ بغداد ٨/ ٤٨.
(١٠) سنن أبي داود ١/ ٣٠٢ عقب (٢٣٣٧).
(١١) السنن الكبرى ٢/ ١٧٢ عقب (٢٩١١).
(١٢) الجامع الكبير ٧/ ١٠٢ عقب (٧٣٨).
(١٣) الإمام الحافظ الجوال الرحال أبو الفضل مُحَمَّد بن طاهر بن علي بن أحمد المقدسي، من مصنفاته: "أطرف الأفراد"، توفى سنة (٥٠٧ هـ).
تاريخ الإسلام: ١٦٩ وفيات (٥٠٧ هـ)، وسير أعلام النبلاء ١٩/ ٣٦١ و ٣٦٤، والعبر ٤/ ١٤.
стр. 171
أطراف الغرائب والأفراد (١).
وقدْ أنكره الحفاظ من حَدِيْث العلاء بن عَبْد الرحمان:
فَقَالَ أبو داود: "كَانَ عَبْد الرحمان - يعني: ابن مهدى (٢) - لا يحدّث بِهِ. قلت لأحمد: لِمَ؟ قَالَ: لأنَّهُ كَانَ عنده أن النَّبِيّ ﷺ كَانَ يصل شعبان برمضان، وقدَ: عن النَّبِيّ ﷺ خلافه" (٣).
وقَالَ الإمام أحمد: "العلاء ثقة لا ينكر من حديثه إلا هَذَا" (٤).
وقَالَ في رِوَايَة الْمَرُّوذِيِّ (٥): "سألت ابن مهدي عَنْهُ فَلَمْ يحدثني بِهِ، وَكَانَ يتوقاه، ثُمّ قَالَ أبُو عَبْد الله: هَذَا خلاق الأحاديث الَّتِيْ رويت عن النَّبِيّ ﷺ " (٦).
واستنكره ابن معين أَيْضًا (٧).
_________
(١) ٥/ ٢١٨ (٥٢٠٩).
(٢) هُوَ الإمام الحافظ الناقد المجود أبو سعيد عَبْد الرحمان بن مهدي العنبري، وقِيْلَ: الأزدي، مولاهم البصري اللؤلؤي، ولد سنة (١٣٥ هـ)، وتوفي (١٩٨ هـ).
طبقات ابن سعد ٧/ ٢٩٧، والعبر ١/ ٣٢٦، وسير أعلام النبلاء ٩/ ١٩٢.
(٣) سنن أبي داود ٢/ ٣٠١ عقب (٢٣٣٧).
(٤) نصب الراية ٢/ ٤٤١.
(٥) الإمام القدوة أبو بكر أحمد بن مُحَمَّد بن الحجاج المروذي، صاحب الإمام أحمد بن حَنْبَل، ولد في حدود المئتين، وتوفي (٢٧٥ هـ).
طبقات الحنابلة ١/ ٥٧، وسير أعلام النبلاء ١٣/ ١٧٣، والعبر ٢/ ٦٠.
(٦) علل الْحَدِيث ومعرفة الرجال: ١١٧ - ١١٨ (تحقيق السامرائي).
(٧) سبل السلام ٢/ ٦٤٢، ونيل الأوطار ٤/ ٢٦٠، والفتح الرباني ١٠/ ٢٠٧.
وصححه الترمذي وابن حبان وابن حزم وابن عساكر وأبو عوانة والدينوري.=
стр. 172
وزعم السخاوي (١) أن العلاء لَمْ يتفرد بِهِ وأنّ لَهُ متابعًا في روايته عن أبيه، فَقَدْ رَوَى الطبراني (٢) الْحَدِيْث قائلًا: "حَدَّثَنَا أحمد بن مُحَمَّد بن نافع، قَالَ: أخْبَرَنَا عبيد الله بن عَبْد الله المنكدري، حَدَّثَنِي أبي، عن أبيه، عن جده، عن عَبْد الرحمان بن يعقوب الحرقي، عن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "إذا انتصف شعبان فافطروا".
قَالَ الطبراني عقبه: "لَمْ يروِ هَذَا الْحَدِيْث عن مُحَمَّد بن المنكدر إلا ابنه المنكدر، تفرد بِهِ ابنه: عَبْد الله".
والحق أن هَذَا الْحَدِيْث لا يصلح للاستشهاد، فضلًا عن أن يشد عضد رِوَايَة العلاء؛ إذ هُوَ مسلسل بالضعفاء والمجاهيل: بدءًا من شيخ الطبراني وَهُوَ: أحمد بن مُحَمَّد بن نافع، لَمْ أقف لَهُ علَى ترجمة، إلا ما أورده الذهبي في ميزان الاعتدال (٣) وقالَ: "لا أدري مَنْ ذا؟ ذكره ابن الجوزي مرة وقالَ: اتهموه، كَذَا قَالَ لَمْ يزد" (٤).
_________
= انظر: الجامع الكبير (٧٣٨) وصحيح ابن حبان (٣٥٩٠) و (٣٥٩٢)، والمقاصد الحسنة: ٣٥، والفتح الرباني ١٠/ ٢٠٥، ولكِنْ أقول: إن تصحيح هَؤُلاءِ لا يقف عمدة في وجه استنكار ثلاثة من أساطين التعليل والنقد: ابن مهدي، وابن مَعِيْن، وابن حنبل.
(١) المقاصد الحسنة: ٥٧.
(٢) في الأوسط (١٩٥٧) في طبعة دار الكتب العلمية (١٩٣٦)، وعزاه السخاوي في مقاصده: ٣٥ إلى البيهقي في الخلافيات.
(٣) ١/ ١٤٦ (٥٦٩).
(٤) ونحوه في المغنى في الضعفاء ١/ ٥٧ (٤٤٨). وانظر: لسان الميزان ١/ ٢٨٥.
стр. 173
وعبد الله بن المنكدر - المتفرد بهذا الْحَديْث -، قَالَ فيْه العقيلي: "عن أبيه، ولا يتابع علَيْهِ" (١).
وقَالَ الذهبي: "فيْه جهالة، وأتى بخبر منكر" (٢). وقَالَ مرة: "لا يعرف" (٣).
والمنكدر بن مُحَمَّد - الَّذيْ لَمْ يرو هَذَا الْحَدِيْث عن أبيه غيره - قَالَ فِيْهِ أبو حاتم: "كَانَ رجلًا صالحًا لا يقيم الْحَدِيْث وَكَانَ كثير الخطأ، لَمْ يَكُنْ بالحافظ لحديث أبيه" (٤). وقالَ النسائي: "ضعيف"، وقَالَ مرة: "ليس بالقوي" وبنحوه قَالَ أبو زرعة (٥). وقَالَ ابن حبان: "قطعته العبادة عن مراعاة الحفظ والتعاهد في الإتقان، فكان يأتي بالشئ الَّذيْ لا أصل لَهُ عن أبيه توهمًا" (٦). وقالَ الذهبي: "فِيْهِ لين" (٧).
وبهذا تبين أن الشاهد غَيْر صالح للاعتبار، فهو جزمًا من أوهام المنكدر بن مُحَمَّد. ويبقى الْحَدِيْث من أفراد العلاء بن عَبْد الرحمان، عن أبيه.
قَالَ ابن رجب: "واختلف العلماء في صحة هَذَا الْحَدِيث ثُمَّ العمل بِهِ، أما تصحيحه فصححه غَيْر واحد، مِنْهُمْ: الترمذي، وابن حبان، والحاكم، وابن عَبْد البر. وتكلم فِيْهِ من هُوَ أكبر من هؤلاء وأعلم. وقالوا: هُوَ حَدِيْث
_________
(١) الضعفاء الكبير ٢/ ٣٠٣ (٨٨٠).
(٢) ميزان الاعتدال ٢/ ٥٠٨.
(٣) ديوان الضعفاء والمتروكين ٢/ ٦٩.
(٤) الجرح والتعديل ٨/ ٤٠٦.
(٥) ميزان الاعتدال ٤/ ١٩١.
(٦) المجروحين ٣/ ٢٣ - ٢٤.
(٧) الكاشف ٢/ ٢٩٨ (٥٦٥١).
стр. 174
منكر، مِنْهم: عَبْد الرحمان ابن مهدي، وأحمد، وأبو زرعة الرازي، والأثرم، ورده الإمام أحمد بحديث: "لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين"، فإن مفهومه جواز التقدم بأكثر من يومين" (١).
النموذج الثاني:
حَدِيْث قتيبة بن سعيد، عن الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب (٢)، عن أبي الطفيل عامر بن واثلة (٣)، عن معاذ بن جبل (٤): "أن النَّبِيّ ﷺ كَانَ في غزوة تبوك إذا ارتحل قَبلَ زيغ الشمس أخّر الظهر إلى أن يجمعها إلى العصر فيصليهما جميعًا، وإذا ارتحل بَعْدَ زيغ الشمس عجّل العصر إلى الظهر، وصلى الظهر والعصر جميعًا ثُمَّ سار. وَكَانَ إذا ارتحل قَبلَ المغرب أخّر المغرب حَتَّى يصليها مع العشاء، وإذا ارتحل بَعْدَ المغرب عجّل العشاء فصلاها مع المغرب".
_________
(١) لطائف المعارف: ١٤٢.
(٢) أبو رجاء يزيد بن أبي حبيب الأزدي، مولاهم المصري: ثقة فقيه، وَكَانَ يرسل، ولد بَعْدَ سنة (٥٠ هـ)، وتوفي سنة (١٢٨ هـ).
تهذيب الكمال ٨/ ١١٨ (٧٥٧٠)، وسير أعلام النبلاء ٦/ ٣١، والتقريب (٧٧٠١).
(٣) هُوَ الصَّحَابِي أبو الطفيل عامر بن واثلة الليثي، وَهُوَ آخر من مات من الصَّحَابَة، توفي سنة (١١٠ هـ).
معجم الصَّحَابَة ١١/ ٣٨٨٦، وتجريد أسماء الصَّحَابَة ١/ ٢٨٩ (٣٠٥٦)، والعبر ١/ ١١٨.
(٤) الصَّحَابيّ الجليل معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس الأنصاري الخزرجي، أسلم وَهُوَ ابن ثماني عشرة سنة، توفي سنة (١٨ هـ).
معجم الصَّحَابَة ١٣/ ٤٥٩٦، وأسد الغابة ٤/ ٣٧٦، والإصابة ٣/ ٤٢٦ - ٤٢٧.
стр. 175
رَوَاهُ أحمد (١)، وأبو داود (٢)، والترمذي (٣)، وابن حبان (٤)، والدارقطني (٥)، والحاكم (٦)، والبيهقي (٧)، والخطيب البغدادي (٨)، والذهبي (٩)، كلهم من طريق قتيبة هَذِهِ.
أقول: هَذَا الْحَدِيث تفرد بِهِ قتيبة، عن الليث، ونص الحفاظ علَى ذَلكَ قَالَ أبو داود: "لَمْ يروِ هَذَا الْحَدِيْث إلا قتيبة وحده" (١٠).
_________
(١) في مسنده ٥/ ٢٤١.
(٢) في سننه (١٢٢٠).
(٣) في الجامع (٥٥٣) و (٥٥٤).
(٤) في صحيحه (١٤٥٥) و (١٥٩٠) وفي ط. دار الرسالة (١٤٥٨) و (١٥٩٣).
(٥) الإمام الحافظ أبو الحسن على بن عمر بن أحمد بن مهدي البغدادى الدَّارقطْنِيِّ، من مؤلفاته كتاب "السنن" و "العلل الواردة في الأحاديث النبوية" وغيرهما، ولد في سنة (٣٠٦ هـ)، وتوفي سنة (٣٨٥ هـ).
سير أعلام النبلاء ١٦/ ٤٤٩ و ٤٥٧، وتاريخ الإسْلام: ١٠١ وفيات (٣٨٥ هـ)، والأعلام ٤/ ٣١٤. والحديث في سننه ١/ ٣٩٢ و ٣٩٣.
(٦) في مَعْرِفَة علوم الْحَدِيْث: ١١٩ و ١٢٠.
(٧) في الكبرى ٣/ ١٦٣.
(٨) في تاريخ بغداد ١٢/ ٤٦٦.
(٩) الحافظ المؤرخ العحمة المحقق أبو عَبْد الله مُحَمَّد بن أحمد بن عثمان شمس الدين الذهبي من مؤلفاته: "تاريخ الإسْلام" و"سير أعلام النبلاء" و"تذكرة الحفاظ"، ولد سنة (٦٧٣ هـ)، وتوفي سنة (٧٤٨ هـ). مرآة الجنان ٤/ ٢٣١، وشذرات الذهب ٦/ ١٥٣، والأعلام ٥/ ٣٢٦. والحديث في سير أعلام النبلاء ١١/ ٢١.
(١٠) سنن أبي داود ٢/ ٨ عقب (١٢٢٠).
стр. 176
وقالَ الترمذي: "حَدِيْث معاذ حَدِيْث حسن غريب، تفرّد بِهِ قتيبة، لا نعرف أحدًا رَوَاهُ عن الليث غيره. وحديث الليث عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطفيل، عن معاذ: حَدِيْث غريب" (١).
وقالَ البيهقي: "تفرد بِهِ قتيبة بن سعيد، عن ليث، عن يزيد" (٢).
وقَالَ الْخَطِيْب: "لَمْ يروِ حَدِيْث يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطفيل، عن الليث: غَيْر قتيبة" (٣).
وأورده الحافظ ابن طاهر المقدسي في: "أطراف الغرائب والأفراد" (٤).
وقَالَ الذهبي: "ما رَوَاهُ أحد عن الليث سوى قتيبة" (٥).
وّقَدْ أنكر هَذَا الْحَدِيْث علَى قتيبة سندًا ومتنًا:
أما في السند: فالرواية المحفوظة هِيَ رِوَايَة أبي الزبير، عن أبي الطفيل، عن معاذ. قَالَ أبو سعيد بن يونس (٦): "لم يحدث بِهِ إلا قتيبة،
_________
(١) الجامع الكبير ١/ ٥٥٦ عقب (٥٥٤).
(٢) السنن الكبرى ٣/ ١٦٣.
(٣) تاريخ بغداد ١٢/ ٤٦٧.
(٤) ٤/ ٢٩٩ (٤٣٠٥). لكنه لَمْ يحكم بتفرد قتيبة بِهِ.
(٥) سير أعلام النبلاء ١١/ ٢٢.
(٦) الإمام الحافظ المتقن أبو سعيد عَبد الرحمن بن أحمد بن الإمام يونس بن عَبْد الأعلى الصدفي المصرى، صاحب كتاب "تاريخ علماء مصر"، ولد سنة (٢٨١ هـ)، وتوفي سنة (٣٤٧ هـ).
الأنساب ٣/ ٥٣٨، وسير أعلام النبلاء ١/ ٥٧٨٥، وتاريخ الإسْلام: ٣٨١ وفيات (٣٤٧ هـ).
стр. 177
ويقال: إنه غلط، وإن موضع يزيد بن أبي حبيب: أبو الزبير (١) " (٢).
وقالَ البيهقي: "وإنما أنكروا من هَذَا رِوَايَة يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطفيل، فأما رِوَايَة أبي الزبير عن أبي الطفيل فهي محفوظة صحيحة" (٣).
وَقَدْ وقفت علَى ثمانية أنفس رووه عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل، عن معاذ وهم:
مالك بن أنس (٤): ومن طريقه الشافعِيّ (٥)، وعبد الرزاق (٦)، وأحمد (٧)، والدارمي (٨)، ومسلم (٩)، وأبو داود (١٠)، و النسائي (١١)، وابن خزيمة (١٢)،
_________
(١) هو أبو الزبير مُحَمَّد بن مُسْلِم بن تدرس القرشى الأسدي المكي: صدوق، إلا أنَّه يدلّس، توفي سنة (١٢٨ هـ). تهذيب الكمال ٦/ ٥٠٣ (٦١٩٣)، وسير أعلام النبلاء ٥/ ٣٨٠ و ٣٨٦، والتقريب (٦٢٩١).
(٢) نقله الذهبى في السير ١١/ ٢٣.
(٣) السنن الكبرى ٣/ ١٦٣.
(٤) في موطئه (٣٨٣) رِوَايَة الليثى.
(٥) في مسنده (٣٦١) و (٣٦٥) بتحقيقنا.
(٦) في مصنفه (٤٣٩٩).
(٧) في مسنده ٥/ ٢٣٧.
(٨) في سننه (١٥٢٣).
(٩) في صحيحه ٧/ ٦٠ (٧٠٦) (١٠).
(١٠) في سننه (١٢٠٦).
(١١) في المجتبى ١/ ٢٨٥، وفي الكبرى (١٥٦٣).
(١٢) في صحيحه (٩٦٨) و (١٧٠٤).
стр. 178
والطحاوي (١)، والشاشي (٢)، وابن حبان (٣)، والطبراني (٤)، والبيهقي (٥). قرة (٦) بن خالد (٧): عنْدَ أبي داود الطيالسي (٨)، وأحمد (٩)، ومسلم (١٠)، والبزار (١١)، وابن خزَيمة (١٢)، والطحاوي (١٣)، والشاشي (١٤)، وابن حبان (١٥)، والطبراني (١٦).
_________
(١) في شرح معاني الآثار ١/ ١٦٠.
(٢) في مسنده (١٣٣٩).
(٣) في صحيحه (١٥٩٢) وفي طبعة الرسالة (١٥٩٥).
(٤) في الكبير ٢٠/ ٤٩ (١٠٢).
(٥) في السنن الكبرى ٣/ ١٦٢، وفي دلائل النبوة ٥/ ٢٣٦.
(٦) تصحف في المطبوع من مسند أبي داود الطيالسي إلى (مرة).
(٧) أبو خالد، ويقال: أبو مُحَمَّد قرة بن خالد السدوسى البصري: ثقة ضابط، توفي سنة (١٥٤ هـ). الأنساب ٣/ ٢٥٩، وسير أعلام النبلاء ٧/ ٩٥ و ٩٦، وتاريخ الإسْلام: ٥٧٦ وفيات (١٥٤ هـ).
(٨) في مسنده (٥٦٩).
(٩) في مسنده ٥/ ٢٢٨.
(١٠) في صحيحه ٢/ ١٥٢ (٧٠٦) (٥٣).
(١١) في البحر الزخار (٢٦٣٧).
(١٢) في صحيحه (٩٦٦).
(١٣) في شرح المعاني ١/ ١٦٠.
(١٤) في مسنده (١٣٣٨).
(١٥) في صحيحه (١٥٨٨).
(١٦) في الكبير ٢٠/ ٥١ (١٠٨).
стр. 179
عمرو بن الحارث (١): عِنْدَ الطبراني (٢).
هشام بن سعد (٣): عنْدَ الإمام أحمد (٤)، وعبد بن حميد (٥)، والبزار (٦)، والشاشي (٧)، والطبراني (٨).
سفيان بن سعيد الثوري: ومن طريقه أخرجه عَبْد الرزاق (٩)، وابن أبي
_________
(١) العلامة الحافظ الثبت أبو أمية عمرو بن الحارث بن يعقوب الأنصاري المصري، عالم الديار المصرية ومفتيها، ولد سنة (٩١ هـ)، وقِيْلَ: (٩٢ هـ)، وقِيْلَ: (٩٣ هـ)، وتوفي سنة (١٤٧ هـ).
تهذيب الكمال ٥/ ٣٩٩ و ٤٠١ (٤٩٣٠)، وسير أعلام النبلاء ٦/ ٣٤٩، والأعلام ٥/ ٧٦.
(٢) في الكبير ٢٠/ ٥٠ (١٠٤).
(٣) هُوَ أَبُو عباد هشام بن سعد المدني القرشى، مولى آل أبي لهب، ويقال مولى بني مخزوم: صدوق، لَهُ أوهام، ورمي بالتشيع، توفى سنة (١٦٠ هـ). تهذيب الكمال ٧/ ٤٠٢ و ٤٠٣ (٧١٧٢)، وسير أعلام النبلاء ٧/ ٣٤٤، والتقريب (٧٢٩٤).
(٤) في مسنده ٥/ ٢٣٣.
(٥) الإمام الحافظ الحجة الجوال أبو مُحَمَّد عَبْد بن حميد بن نصر، من مصنفاته: "المسند الكبير" و "التفسير"، توفي سنة (٢٤٩ هـ). تهذيب الكمال ٥/ ٢٢ (٤١٩٨)، وسير أعلام النبلاء ١/ ٢٣٥٢ و ٢٣٦، وتاريخ الإسْلَام: ٣٤١ وفيات (٢٤٩ هـ). والحديث في المنتخب من مسنده (١٢٢).
(٦) في البحر الزخار (٢٦٣٩).
(٧) في مسنده (١٣٤٠).
(٨) في الكبير ٢٠/ ١٠٣.
(٩) في مصنفه (٤٣٩٨).
стр. 180
شيبة (١)، وأحمد (٢)، وابن ماجه (٣)، والطبراني (٤)، وأبو نعيم (٥).
أبو خيثمة (٦) زهير بن معاوية: عِنْدَ مُسلِم (٧)، والطبراني (٨).
أشعث بن سوار (٩): وروايته عِنْدَ الطبراني (١٠).
زيد بن أبي أنيسة (١١): كَمَا أخرجها الطبراني (١٢).
_________
(١) في مصنفه (٨٢٢٩).
(٢) في مسنده ٥/ ٢٣٠ و ٢٣٦.
(٣) في سننه (١٠٧٠).
(٤) في الكبير ٢٠/ ١٠١.
(٥) في الحلية ٧/ ٨٨.
(٦) الحافظ الإمام المجود أبو خيثمة زهير بن معاوية الجعفي الكوفي، ولد سنة (٩٥ هـ)، وتوفى سنة (١٦٤ هـ).
الأنساب ٢/ ٩٥ وتهذيب الكمال ٣/ ٣٨ (٢٠٠٤)، وسير أعلام النبلاء ٨/ ١٨١ و ١٨٤.
(٧) في صحيحه ٢/ ١٥٢ (٧٠٦) (٥٢).
(٨) في الكبير ٢٠/ ٥٠ (١٠٥).
(٩) أشعث بن سوار الكندي، النجار الكوفى، ويقال لَه: صاحب التوابيت ويقال: الأثرم: ضعيف، توفي سنة (١٣٦ هـ).
الأنساب ١/ ٤٦٣، والتقريب (٥٢٤)، وشذرات الذهب ١/ ١٩٣.
(١٠) في الكبير ٢٠/ ٥٠ (١٠٦).
(١١) الإمام الحافظ الثبت أبو أسامة زيد بن أبي أنيسة الجزري، الرهاوي، الغنوي، وقَال أبو سعد: كَانَ ثقة، فقيهًا، راويةً للعلم، توفي سنة (١٢٥ هـ)، وقِيْلَ: (١٢٤ هـ). الثقات ٦/ ٣١٥، وسير أعلام النبلاء ٦/ ٨٨ و ٨٩، وتاريخ الإسلام: ١٠٨ وفيات (١٢٥ هـ).
(١٢) في الكبير ٢٠/ ٥٠ - ٥١ (١٠٧).
следующие страницы →