إذَا كَانَت الزيادة تغير إعراب الباقي كانا متعارضين فتردُّ الزيادة، وَهُوَ مَا ذهب إِليهِ الأكثرون كَمَا حكاه الهندي (١)، وقَالَ الرازي: "الرواي الواحد إذَا رَوَى الزيادة مرة وَلَمْ يروها غيْر تِلْكَ المرة، فإن أسندهما إلى مجلسين قبلت الزيادة، سَوَاء غيرت إعراب الباقي أو لَمْ تغير، وإن أسندهما إلى مجلس واحد، فالزيادة إن كَانَتْ مغيرة للإعراب تعارضت روايتاه كَمَا تعارضتا من راويين وإن لَمْ تغير الإعراب فإما أن تَكُون روايته للزيادة مرات أقل من مرات الإمساك أو بالعكس، أو يتساويان: فإن كَانَتْ مرات الزيادة أقل من مرات.
الإمساك: لَمْ تقبل الزيادة؛ لأن حمل الأقل علَى السهو أولى من حمل الأكثر علَيْهِ، اللهم إِلَّا أن يَقُول الرَّاوِي: إني سهوت تِلْكَ المرات وتذكرت في هذِهِ المرة. فهنا يرجح المرجوح علَى الراجح لأجل هَذَا التصريح، وان كَانَتْ مرات الزيادة أكثر: قبلت لا محالة، وأما أن يتساويا قبلت الزيادة لما بيّنا: أن هَذَا السهو أولى من ذَلِكَ. واللهُ أعلَمُ" (٢). وقبلها الْقَاضِي عَبْد الجبار (٣)
_________
(١) انظر: البحر المحيط ٤/ ٣٣٣.
(٢) المحصول في علم أصول الفقه، للرازي ٢/ ١/ ٦٧٩ - ٦٨١.
(٣) هُوَ الْقَاضِى عَبْد الجبار بن أحمد بن عَبْد الجبار بن خليل الأسد اباذي، أبو الحسن الهمذاني، شيخ المعتزلة صاحب التصانيف مِنْهَا "دلائل النبوة" و"تَنْزيه القرآن عن المطاعن"، توفي سنة (٤١٥ هـ).
الأنساب ١/ ١٤١، وسير أعلام النبلاء ١٧/ ٢٤٤ - ٢٤٥، وشذرات الذهب ٣/ ٢٠٢ - ٢٠٣.
стр. 212
إذَا أثرت في المَعْنَى دُوْنَ اللفظ ولَمْ يقبلها إذَا أثرت في إعراب اللفظ. (١)
إنها لا تقبل إِلَّا إذَا أفادت حكمًا شرعيًا فإذا لَمْ تفد حكمًا شرعيًا لَمْ تعتبر حكاه الْقَاضِي عَبْد الوهاب وحكاه ابن القشيري (٢)، فَقَالَ: "وقيلَ: إنما تقبل إذَا اقتضت فائدةً جديدةً" (٣).
إنها تقبل إذَا رجعت إلى لفظ لا يتضمن حكمًا زائدًا كَمَا حكاه ابن القشيري أو كَانَتْ في اللفظ دُوْنَ المَعْنَى كَمَا حكاه الْقَاضِي أبو بكر (٤).
الوقف؛ لأن في كُلّ واحد من الاحتمالات بعدًا والأصل وإن كَانَ عدم الصدور، لَكِنْ الأصل أيضًا صدق الرَّاوِي، وَإِذَا تعارضا وجب التوقف، حكاه الهندي (٥).
إذَا كَانَ راوي الزيادة ثقة وَلَمْ يشتهر بنقل الزيادة ولكن كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ علَى طريق الشذوذ قبلت كرواية مَالِك "من المُسلِمِيْنَ" (٦) في صدقة الفطر، وإن اشتهر بكثرة الزيادات مَعَ اتحاد المجلس وَلَمْ يَكُنْ هناك امتياز بسماع فاختلفوا
_________
(١) انظر: البحر المحيط ٤/ ٣٣٣.
(٢) هُوَ الإِمَام أبو نصر عبد الرحيم بن عَبْد الكريم بن هوازن القشيري النيسابوري، توفي سنة (٥١٤ هـ).
المنتظم ٩/ ٢٢٠ - ٢٢١، وسير أعلام النبلاء ١٩/ ٤٢٤ - ٤٢٦، ومرآة الجنان ٣/ ١٦٠.
(٣) البحر المحيط ٤/ ٣٣٣.
(٤) البحر المحيط ٤/ ٣٣٣.
(٥) انظر: البحر المحيط ٤/ ٣٣٢.
(٦) سيأتي إن شاء الله تفصيل الكلام عَنْهَا.
стр. 213
فِيهِ، فمذهب الأصوليين قبول زيادته، ومذهب المُحَدِّثيْنَ ردها للتهمة، قَالَهُ أبُو الحَسَن الأبياري (١).
قَالَ الْقَاضِي عَبْد الوهاب المالكي: "إذَا انفرد بَعْض رواة الحَدِيْث بزيادة وخالفهم بقية الرواة، فعن مَالِك وأبي فرج من أصحابنا تقبل إن كَانَ ثِقة ضابطًا (٢)، وقيلَ: إنَّهَا تقبل إذَا كَانَ راويها حافظًا عالمًا بالأخبار، فإذا لَمْ يَكُنْ يلحق من لَمْ يَرْوِ الزيادة بالحفظ لَمْ تقبل وهو قَولْ ابن خزيمة (٣). واشترط الْخَطِيْب (٤): أن يَكُون راوى الزيادة حافظًا متقنًا، وقالَ الصَّيْرَفِيّ: "إن كُلّ من لَوْ أنفرد بحديث يقبل، فإن زيادته مقبولة وإن خالص الحفاظ" (٥).
قَالَ ابن حبان: "وأما زيادة الألفاظ في الروايات فإنا لا نقبل شيئًا مِنْها إِلَّا عمّن كَانَ الغالب علَيْهِ الفقه حكى يعلم أَنَّهُ كَانَ يَرْوِي الشيء ويعلمه حتَّى لا يشك فِيهِ أنّهُ أزاله عن سننه أو غيرّه عن معناه أم لا؛ لأن أصحاب الحَدِيْث الغالب علَيْهم حفظ الأسامي والأسانيد دُوْنَ المتون، والفُقَهَاء الغالب علَيْهِمْ حفظ المتون وأحكامها وأداؤها بالمعنى دُوْنَ حفظ الأسانيد وأسماء المُحَدثِيْنَ، فإذا رفع محدّث خبرًا وَكَانَ الغالب علَيْهِ الفقه لَمْ أقبل رفعه إِلَّا من كِتَابه؛ لأَنَّهُ لا يعلم المُسْنَد من المُرْسل وَلَا المَوقوْف من المُنْقَطِع وإنما همته إحكام المَتْن فَقَطْ، وَكَذَلِكَ لا أقبل عن صاحب حَدِيث حافظ متقن أتى بزيادة لفظة في الخبر؛ لأن الغلب علَيْهِ إحكام الإسناد وحفظ الأسامي والإغضاء عن المتون
_________
(١) انظر: البحر المحيط ٤/ ٣٣٤.
(٢) كَمَا في نظم الفرائد: ٣٧٤ للعلائي.
(٣) انظر: البحر المحيط ٤/ ٣٣٤.
(٤) انظر: الكفاية (٥٩٧ ت، ٤٢٥ هـ).
(٥) انظر: البحر المحيط ٤/ ٣٣٤.
стр. 214
ومَا فِيْهَا من الألفاظ إِلَّا من كتابه، هَذَا هُوَ الاحتياط في قبول الزيادات في الألفاظ" (١).
وَقَدْ ذهب الزّرْكَشِيّ (٢) إلى أن الزيادة تقبل بشروط وَهِيَ:
أن لا تَكُون منافية لأصل الخبر.
أن لا تَكُون عظيمة الوقع بحيث لا يذهب علَى الحاضربن علمها ونقلها وأما مَا يجل خطره فبخلافه.
أن لا يكذبه الناقلون في نقل الزيادة.
أن لا يُخَالِف الأحفظ والأكثر عددًا فإن خالص فظاهر كلام الشَّافِعيّ ﵀ في "الأم" (٣) إنَّهَا مردودة فَقَالَ: "إنما يدل علَى غلط المحدّث أن يُخَالِف غيره مِمَّنْ هُوَ أحفظ مِنْهُ أو أكثر مِنْهُ" (٤).
وَقَدْ عقّب العلائي علَى كلام الشَّافِعيّ هَذَا بقوله: "فأشار الشّافِعيّ رَحْمةُ اللهِ علَيْهِ بِذَلِكَ إلى أن هذِهِ الزيادة الّتِي زادها مَالِك ﵀ في الحَدِيْث لَمْ يُخَالِف فِيْهَا من هُوَ أحفظ مِنْهُ وَلَا أكثر عددًا فَلَا يَكُون غلطًا، وَفِي ذَلكَ إشارة ظاهرة إلى أن الزيادة متى تضمنت مخالفة الأحفظ والأكثر عددًا أَنَّهَا تَكُون مردودة، وَلَمْ يفرق بَيْنَ بلوغهم إلى حد يمتنع علَيْهِمْ الغفلة والذهول وبين غيره، بَل اعتبر مطلق الأكثرية الزيادة في الحفظ" (٥).
_________
(١) انظر: الإحسان ١/ ٦٤ وط الرسالة ١/ ١٥٩.
(٢) البحر المحيط ٤/ ٣٣٤.
(٣) انظر: الأم ٧/ ١٩٨.
(٤) ونقله عَنْه الزرْكَشِيّ في البحر المحيط ٤/ ٣٣٤ - ٣٣٥، والعلائي في نظم الفرائد: ٣٨٤.
(٥) نظم الفرائد: ٣٨٤.
стр. 215
أما أئمة الحَدِيْث كيحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمان بن مهدي وعلي بن المديني وأحمد بن حَنْبَل، ويحيى بن معين، والبُخَارِيّ، والتِّرْمِذِي، والنَّسَائِيّ، وأبي حاتم، وأبي زرعة الرازيين، والدَّارقُطْنِيّ، وغيرهم كُلّ هَؤُلَاء يقْتَضِي تصرفهم من الزيادة قبولًا وردًا الترجيح بالنسبة إلى مَا يقوى عِنْدَ الواحد مِنْهُمْ في كُلّ حَدِيث، وَلَا يحكمون في المسألة بحكم كلي يعم جَمِيْع الأحاديث (١).
من هَذَا العرض يتبين أن كثيرًا من الفُقَهَاء و الأصوليين وفريقًا من المُحَدِّثِيْنَ قَدْ أطلقوا القَوْل بقبول زيادة الثِّقَة وجنحوا لِذلِكَ في كَثِيْر من الأحيان، والمرجوع إليه في مِثْل هذِهِ الأمور المُحَدِّثُوْنَ لا غيرهم، فَقَدْ كَانَ المُحَدثُوْنَ يحكمون علَى كُلّ رِوَايَة بما يناسبها، وهم المعوّل علَيْهِمْ في مَعْرِفَة أحكام زيادة الثِّقَة، فيجب الرجوع إليهم وحدهم لكونها من ضمن تخصصاتهم النقدية، وليست هِيَ من تخصصات غيرهم.
ونظر المُحَدِّثِيْنَ يخلف في الحكم علَى الأحاديث؛ إِذْ إن زيادة الثِّقَة عندهم مِنْهَا ما هُوَ مقبول، ومنها مَا هُوَ مردود تبعًا للقرائن المحيطة بِهَا، والقرائن هِيَ الَّتِى تجعل الحكم مخلفًا من حَدِيْث لآخر فمن القرائن مَا يدل علَى أن الزيادة تَكُون أحيانًا مدرجة في الحَدِيْث، أو أَنَّهَا من قَوْل أحد رُوَاة الإسناد أو من حَدِيث آخر، قَالَ الحَافِظ ابن حجر: "مَا تفرد بَعْض الرُّوَاة بزيادة فِيهِ دُوْنَ من هُوَ كثر عددًا أو اضبط مِمّنْ لَمْ يذكرها، فهذا يؤثر التعليل بِهِ، إِلَّا إن كَانَتْ الزيادة منافية بِحَيْثُ يتعذر الجمع. أما إن كَانَتِ الزيادة لا منافاة فِيْهَا بِحَيْثُ تَكُون كالحديث المستقل فَلَا، اللَّهُمَّ إِلَّا إن وضح بالدلائل القوية أن تِلْكَ
_________
(١) نظم الفرائد: ٣٧٦ - ٣٧٧، والبحر المحيط ٤/ ٣٣٦.
стр. 216
الزيادة مدرجة في المَتْن من كلام بَعْض رواته، فما كَانَ من هَذَا القسْم فَهُوَ مؤثر" (١).
وربما تَكُون الزيادة غَيْر صَحِيْحَة لأمر آخر رُبَّمَا لا يفصح عَنْهُ المحدّث كَمَا لا يستطيع أن يفصح الجوهرى عن زيف الزائف (٢).
وربما قبل المُحَدِّثُوْنَ الزيادة الواقعة في بَعْض المتون أو الأسانيد لقرائن تخص ذَلِكَ ومرجحات خَاصَّة، وَهِيَ كثيرة، قَالَ العلائي: "ووجوه الترجيح كثيرة لا تنحصر، وَلَا ضابط لَهَا بالنسبة إلى جَمِيْع الأحاديث، بَلْ كُلّ حَدِيث يقوم بِهِ ترجيح خاص. وإنما ينهض بِذَلِكَ الممارس الفطن الَّذِي أكثر من الطرق والروايات؛ ولهذا لَمْ يحكم المتقدمون في هَذَا المقام بحكم كلي يشمل القاعدة، بَلْ يختلف نظرهم بحسب مَا يقوم عندهم في كُلّ حَدِيث بمفرده" (٣).
وَقَدْ توهم من ظن أنَّ النقاد موقفهم واحدٌ في كُلّ الزيادات؛ إِذْ إن النقاد إذَا كانوا قَدْ نصوا في بَعْض المناسبات علَى قبول زيادة الثِّقَة أو الأوثق، بحيث يخيل إلى القارئ المتعجل أن موقفهم في ذَلِكَ هُوَ القبول المطلق، فَهُوَ تخيل غَيْر صَحِيْح، إِذْ إن عمل النقاد النقدي المتمثل في رد الزيادة مرة وقبولها أخرى بغض النظر عن حال الرَّاوِي الثِّقَة أو الأوثق يَكُون ذَلِكَ كافيًا للتفسير بأن ذَلِكَ لَيْسَ حكمًا مطردًا مِنْهُمْ، وإنما قبلوا في حال الرَّاوِي المكة الَّذِي زاد في الحَدِيْث زيادة بَعْدَ تأكدهم من سلامته من جَمِيْع الملابسات الدالة عَلَى
_________
(١) هدي الساري: ٣٤٧.
(٢) انظر مَا جرى لأبي حاتم الرَّازِيّ في الجرح والتعديل ١/ ٣٤٩ - ٣٥١.
(٣) نقله عَنْهُ الحافظ ابن حجر في النكت ٢/ ٧١٢.
стр. 217
احتمال الخطأ والوهم أو النسيان، ويؤكد هَذَا المَعْنَى الحَاكِم النيسابوري قائلًا: "الحجة فِيهِ عندنا الحفظ والفهم والمَعْرِفَة لا غَيْر" (١).
لَكِن الخطيب البغدادي - فِيْمَا أعلم - هُوَ أول المُحَدِّثِيْنَ في النقل عن الْجُمْهُور بقبول زيادة الثِّقَة ورجح ذَلِكَ فَقَالَ: "والَّذِي نختاره من هذِهِ الأقوال: أن الزيادة الواردة مقبولة علَى كُلّ حال معمول بِهَا إذَا كَانَ راويها عدلًا ومتقنًا ضابطًا" (٢).
وَقَدْ ناقشه ابن رجب الحنبلي فِيْمَا استدل بِهِ فَقَالَ: "وذكر في الكفاية حكاية عن البُخَارِيّ: أَنَّهُ سُئل عن حَدِيث أبي إسحاق (٣) في النكاح بلا ولي (٤)
_________
(١) مَعْرِفَة علوم الحَدِيْث: ١١٣.
(٢) الكفاية: ٥٩٧.
(٣) هُوَ عَمْرو بن عبيد، ويقال: عَمرو بن عَبْد الله بن علِيّ، ويقال: عَمْرو بن عبد الله بن أبي شعيرة الهمداني، أبو إسحاق السبيعي الكوفى: ثقة، مكثر، عابد، اختلط بأخرة، توفي سنة (١٢٩ هـ)، وَقِيْلَ: (١٢٦ هـ)، وَقِيْلَ غَيْر ذَلِكَ. تهذيب الكمال ٥/ ٤٣١ (٤٩٨٩)، والكاشف ٢/ ٨٢ (٤١٨٥)، والتقريب (٥٠٦٥).
(٤) هُوَ حَدِيث أبي إسحاق السَّبِيْعِيِّ عن أبي بُردة عن أبيه أنّ رَسُول الله ﷺ قَالَ: "لا نكاح إِلَّا بولي". وهذا الحديث اختلف في وصله وإرساله، والراجح وصله - كما يأتي -:
أولًا: تفرّد بإرساله شعبة وسفيان الثوري، واختلف عليهما فيه: فقد رواه عن شعبة موصولًا:
النعمان بن عبد السلام، عند الحاكم في المستدرك ٢/ ١٦٩، عنه، وعن سفيان الثوري مقرونين، والبيهقي في الكبرى ٧/ ١٠٩، ويزيد بن زريع، عند البزار في مسنده ٢/ ٩٤، والدارقطنى في سننه ٣/ ٢٢٠، والبيهقيّ في =
стр. 218
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________
= الكبرى ٧/ ١٠٩، ومالك بن سليمان، عند الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد ٢/ ٢١٤، عنه وعن إسرائيل، وكذلك رواه عن شعبة موصولًا: محمد بن موسى الحرشى، ومحمد بن حصين كما ذكر الدارقطني في العلل ٧/ ٢٠٦، فهؤلاء خمستهم (النعمان بن عبد السلام، ويزيد بن زريع، ومالك بن سليمان، ومحمد بن موسى، ومحمد بن حصين) رووه عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة عن أبي موسى، مرفوعًا.
ورواه عن شعبة مرسلًا:
يزيد بن زريع، عند البزار في مسنده ٢/ ٩٤، ووهب بن جرير، عند الطحاوى في شرح معاني الآثار ٣/ ٩، ومحمد بن جعفر - غندر -، عند الخطيب البغدادي في الكفاية: (٥٨٠ ت، ٤١١ هـ)، ومحمد بن المنهال، والحسين المروزي - كما ذكر الدارقطني في العلل ٧/ ٢٠٨.
فهؤلاء الخمسة: (يزيد بن زريع، ووهب بن جرير، ومحمد بن جعفر، ومحمد بن المنهال، والحسين المروزي) رووه عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، مرسلًا.
أما سفيان الثورى فقد اختلف عليه أيضًا: فرواه عنه موصولًا: النعمان بن عبد السلام، عند الحاكم في المستدرك ٢/ ١٦٩ - ١٧٠، وبشر بن منصور، عند البزار في مسنده ٢/ ٩٤، وابن الجارود في المنتقى (٧٠٤)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٣/ ٩، وجعفر بن عون، عند البزار ٢/ ٩٤، ومؤمل بن إسماعيل، عند الروياني في مسنده ١/ ٣٠٣ والبيهقي في السنن الكبرى ٧/ ١٠٩، وخالد بن عمرو الأموي، عند الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد ٦/ ٢٧٩. =
стр. 219
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________
= فهؤلاء خمستهم (النعمان بن عبد السلام، وبشر بن منصور، وجعفر بن عون، ومؤمل بن إسماعيل، وخالد بن عمرو) رووه عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبي موسى الأشعري، موصولًا.
ورواه عنه مرسلًا:
عبد الرحمان بن مهدي، عند البزار في مسنده ٢/ ٩٤، وأبو عامر العقدي عند الطحاوي في شرح معاني الآثار ٣/ ٩، والحسين بن حفص، عند الخطيب البغدادي في الكفاية: (٥٧٩ ت، ٤١١ هـ)، والفضل بن دكين، ووكيع بن الجراح كما ذكر الدارقطني في العلل ٧/ ٢٠٨.
فهذان الإمامان: شعبة وسفيان قد اختلف عليهما فيه كما ترى، وربّما طرق الذين رووه عن سفيان وشعبة موصولًا، لا تصحّ إليهم، وكلام الترمذي يؤيده، فقد قال الإمام الترمذي: "وقد ذكر بعض أصحاب سفيان، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبي موسى. ولا يصحّ". (جامع الترمذي عقيب حديث: ١١٠٣).
ثانيًا: سفيان الثورى وشعبة - وان كانا اثنين - إِلَّا أنّ اجتماعهما في هذا الحديث كواحد؛ لأنّ سماعهما هَذَا الْحَدِيْث كَانَ في مجلس واحد عرضًا، فَقَدْ قَالَ التِّرْمِذِيّ: "ومما يدلّ عَلَى ذَلِكَ ما حَدَّثَنَا مَحْمُوْد بن غيلان، قال: حَدَّثَنَا أبو داود، قال: أنبأنا شعبة، قال: سمعت سفيان الثوري يسأل أبا إسحاق: أسمعت أبا بردة يقول: قال رسول الله ﷺ : لا نكاح إِلَّا بولي؟ فقال: نعم". (جامع الترمذي عقيب حديث: ١١٠٢).
ثالثًا: إن الذين رووه عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبي موسى موصولًا، أكثر عددًا، وهم: =
стр. 220
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________
= ١ - إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق، عند أحمد في المسند ٤/ ٣٩٤، ٤١٣، والدارمي في سننه (٢١٨٨)، وأبي داود في سننه (٢٠٨٥)، والترمذى في جامعه (١١٠١)، وابن حبّان في صحيحه (٤٠٧١)، والدارقطنى في سننه ٣/ ٢١٨ - ٢١٩، والبيهقيّ في السنن الكبرى ٧/ ١٠٧، والخطيب البغدادى في الكفاية (ص ٥٧٨).
٢ - يونس بن أبي إسحاق، عند الترمذي في جامعه (١١٠١)، والبيهقي ٧/ ١٠٩، والخطيب البغدادي في الكفاية (ص ٥٧٨ ت، ٤٠٩ هـ)، وكذلك أخرجه أبو داود في سننه (٢٠٨٥) من طريق أبي عبيدة الحداد، عن يونس وإسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبى موسى، ثم قال أبو داود عقبه: "هو يونس عن أبي بردة، وإسرائيل عن أبي إسحاق، عن أبي بردة".
وسيأتي الكلام عن رواية أبي داود هذه.
٣ - شريك بن عبد الله النخعي، عند الدارمي في سننه (٢١٨٩)، والترمذي في جامعه (١١٠١)، وابن حبان (٤٠٦٦) و (٤٠٧٨)، والبيهقيّ في الكبرى ٧/ ١٠٨.
٤ - أبو عوانة - الوضاح بن عَبْد الله اليشكري -، رواه من طريقه الطيالسي في مسنده (٥٢٣)، والترمذى في جامعه (١١٠١)، وابن ماجة في سننه (١٨٨١)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٣/ ٩، والحاكم في المستدرك ٢/ ١٧١.
٥ - زهير بن معاوية الجعفي، عند ابن الجارود في المنتقى (٧٠٣)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٣/ ٩، وابن حبان في صحيحه (٤٠٦٥)، والحاكم ٢/ ١٧١، والبيهقي في السنن الكبرى ٧/ ١٠٨.
٦ - قيس بن الربيع، عند الحاكم في المستدرك ٢/ ١٧٠، والبيهقيّ في السنن الكبرى ٧/ ١٠٨، والخطيب البغدادي في الكفاية (٥٧٨ ت، ٤٠٩ هـ). =
стр. 221
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________
= رابعًا: كان سماع هؤلاء من أبي إسحاق في مجالس متعددة، قال الترمذي في جامعه ٣/ ٤٠٩ عقب (١١٠٢): "ورواية هؤلاء الذين رووا عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النَّبِيّ ﷺ : "لا نكاح إِلَّا بولي" عندى أصحّ؛ لأنّ سماعم من أبى إسحاق في أوقات مختلفة". وينظر: العلل الكبير: ١٥٦.
خامسًا: كانت طريقة تحمل سفيان الثوري وشعبة للحديث عرضًا على أبي إسحاق في حين أنَّ الباقين تحملوه سماعًا من لفظ أبي إسحاق، ولاشكّ في ترجيح ما تُحمل سماعًا على ما تحمل عرضًا عند جمهور المحدثين. انظر: فتح الباقي ١/ ٣٥٩ بتحقيقنا.
سادسًا: إن من الذين رووه متصلًا:
إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق، وهو أثبت الناس وأتقنهم لحديث جدّه، ولم يختلف عليه فيه، أما سفيان وشعبة وإن كان إليهما المنتهى في الحفظ والإتقان، فطريقة تحملهما للحديث قد عرفتها، أضف إليها أنّه قد اختلف عليهما فيه. قال عبد الرحمان بن مهدي: "إسرائيل يحفظ حديث أبي إسحاق كَمَا يحفظ سورة الحمد"، رواه عنه الدارقطني في سننه ٣/ ٢٢٠، والحاكم في المستدرك ٢/ ١٧٠. وقال صالح جزرة: "إسرائيل أتقن في أبي إسحاق خاصّة"، سنن الدارقطنى ٣/ ٢٢٠. وقال عبد الرحمان بن مهدي: "ما فاتنى من حديث الثوري عن أبي إسحاق الذي فاتني، إِلَّا لما اتكل به على إسرائيل لأنَّه كان يأتي به أتم". جامع الترمذي عقب (١١٠٢)، وسنن الدارقطنى ٣/ ٢٢٠. وقال محمد بن مخلد: قيل لعبد الرحمان - يعني ابن مهدي -: إنَّ شعبة وسفيان يوقفانه على أبي بردة، فقال: إسرائيل عن أبي إسحاق أحب إليَّ من سفيان وشعبة"، سنن الدارقطنى ٣/ ٢٢٠. وقال =
стр. 222
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________
= الإمام الترمذي: "إسرائيل هو ثقة ثبت في أبي إسحاق". جامع الترمذي عقيب (١١٠٢).
سابعًا: في هذا الإسناد علّة أخرى هي عنعنة أبي إسحاق السبيعي فهو مدلس.
(جامع التحصيل: ١٠٨، وطبقات المدلسين: ٤٢، وأسماء المدلسين: ١٠٣). ولكن تابعه عليه جماعة فزالت تلك العلّة، قد الحاكم في المستدرك ٢/ ١٧١:"وقد وصله عن أبي بردة جماعة غير أبي إسحاق".
وممن تابعه: ابنه يونس، عن أبي بردة، أخرجه أحمد في المسند ٤/ ٤١٣، ٤١٨ وقد سبق أنّ أبا داود أخرجه عن أبي عبيدة الحداد، عن يونس وإسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبي موسى، قال أبو داود في سننه ٢/ ٢٢٩ عقب (٢٠٨٥): "هو يونس عن أبي بردة، وإسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي بردة". يعني أنَّ يونسَ يرويه بإسقاط أبي إسحاق، وإسرائيل يذكره، فجمع أبي عبيدة لهما على إسناد واحد خطأ.
ورواية أبي عبيدة علّقها الترمذي في جامعه عقب (١١٠٢) على نحو ما ذكره أبو داود.
أقول: يونس معروف بالسماع والرواية عن أبيه أبي إسحاق وعن أبي بردة، فيكون قد سمعه منهما كليهما، فكان يرويه مرة هكذا ومرة هكذا. ينظر: العلل الكبير للترمذي (١٥٦)، وصحيح ابن حبّان. الإحسان ٦/ ١٥٤ عقب (٤٠٧١)، قال الحاكم في المستدرك ٢/ ١٧١ - ١٧٢: "ولست أعلم بين أئمة هذا العلم خلافًا على عدالة يونس بن أبي إسحاق، عن أبي بردة".
ثم إنه جاء من حديث عدة من الصحابة قال الحاكم في المستدرك ٢/ ١٧٢: "قد صحت الروايات فيه عن أزواج النَّبِيّ ﷺ عائشة وأم سلمة وزينب بنت =
стр. 223
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________
= جحش" ثم قال: "وفي الباب عن على بن أبى طالب، وعبد الله بن عباس، ومعاذ بن جبل، وعبد الله بن عمر ... ".
والحديث صحّحه البخارى كما رواه عنه الخطيب فيما سبق، وروى الحاكم أيضًا تصحيحه عن علي بن المديني، ومحمد بن يحيى الذهلي. المستدرك ٢/ ١٧٠.
أقول: مما سبق تبين أنَّ رواية من وصل الحديث أصحّ وأرجح من رواية من أرسله، وأما زعم من زعم أنَّ الإمام العلم الجهبذ البخاري صحّحه لأنّه زيادة ثقة، فهو كلام بعيد مجانبٌ لمنهج هذا الإمام وغيره من أئمة الحديث القائم على أساس اعتبار المرجحات والقرائن في قبول الزيادة وردها. والقول بقبولها مطلقًا هو رأي ضعيف ظهر عند المتأخّرين، قال به الخطيب وشهره، ولهذا قال الحافظ ابن حجر: "ومن تأمل ما ذكرته عرف أنّ الذين صحّحوا وصله لم يستندوا في ذلك إلى كونه زيادة ثقة فقط، بل للقرائن المذكورة المقتضية لترجيح رواية إسرائيل - الذي وصله - على غيره". فتح الباري ٩/ ٢٢٩ (طبعة الكتب العلمية). فالذي ينظر في صنيع الأئمة السابعين والمختصين في هذا الشأن يراهم لا يقبلونها مطلقًا ولا يردونها مطلقًا بل مرجع ذلك إلى القرائن والترجيع: فتقبل تارة، وترد أخرى، ويتوقف فيها أحيانًا، قال الحافظ ابن حجر: "والمنقول عن أئمة الحديث المتقدّمين - كعبد الرحمان بن مهدي، ويحيى القطان، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، والبخاري، وأبي زرعة، وأبي حاتم، والنسائي، والدارقطنى، وغيرهم - اعتبار الترجيح فيما يتعلق بالزيادة وغيرها، ولا يعرف عن أحد منهم قبول إطلاق الزيادة". نزهة النظر: ٩٦. =
стр. 224
- قَالَ: الزيادة من الثقة مقبولة وإسرائيل (١) ثِقَة، وهذه الحكاية - إن صحت - فإن مراده الزيادة في هَذَا الحَدِيْث، وإلا فمن تأمل كِتَاب "تأريخ البُخَارِيّ" (٢) تبين لَهُ قطعًا أنَّهُ لَمْ يَكُنْ يرى أن زيادة كُلّ ثِقَة في الإسناد مقبولة، وهكذا الدَّارَقُطْنِيّ يذكر في بَعْض المواضع: "أن الزيادة من الثِّقة مقبولة"، ثُمَّ يرد في أكثر (٣) المواضع زياداتٍ كثيرةٍ من الثِّقات، وبرجح الإرسال علَى
_________
= والحكم على الزيادة بحسب القرائن هو الرأي المختار المتوسط الذي هو بين القبول والرد، فيكون حكم الزيادة حسب القرائن المحيطة بها، حسب ما يبدو للناقد العارف بعلل الحديث وأسانيده وأحوال الرواة بعد النظر في ذلك، أما الجزم بوجه من الوجوه من غير نظر إلى عمل النقاد فذلك فيه مجازفة. (وانظر في ذلك بحثًا نافعًا في أثر علل الحديث: ٢٥٤ - ٢٦٣، وفيه كلام نفيس لعلّامة العراق ومحقق العصر الدكتور هاشم جميل - حفظه الله -).
(١) هُوَ إسرائيل بن يونس بن أبى إسحاق السبيعى الهمداني، أبو يوسف الكوفي: ثقة، تُكلم فِيْهِ بلا حجة، توفي سنة (١٦٠ هـ)، وَقِيْلَ: (١٦١ هـ)، وقيل: (١٦٢ هـ).
تهذيب الكمال ١/ ٢٠٧ (٣٩٥)، والكاشف ١/ ٢٤١ (٣٣٦)، والتقريب (٤٠١).
(٢) انظر علَى سبيل المثال التاريخ الكبير ٢/ ١٢٥ و ١٤٠ و ١٧٨ و ١٧٩ و ٢١٢.
(٣) انظر علَى سبيل المثال كِتَاب السُّنَن للدَّارقُطْنِيّ ١/ ٩٧ و ١١٧ و ١٢٧ و ١٤٨ و ١٥٢ و ١٦٣ و ١٦٩ و ١٨٠ و ١٨١.
стр. 225
الإسناد (١)، فدل علَى أن مرادهم زيادة الثِّقَة في مِثْل تِلْكَ المواضع الخاصة، وَهِيَ إذَا كَانَ الثِّقة مبرزًا في الحفظ" (٢) وهذا الكلام تحقيق جدٌ لصنيع جهابذة المُحَدِّثِيْنَ في الحكم علَى زيادة الثِّقَة؛ إِذْ أن الَّذِي ينظر في صنيع الأئمة السابقين والمختصين في هَذَا الشأن يراهم لا يقبلونها مطلقًا وَلَا يردونها مطلقًا، بَلْ مرجع ذَلِكَ عندهم إِلَى القرائن والترجيح: فتقبل تارة وترد أخرى، ويتوقف فِيْها أحيانًا؛ قَالَ الحافظ ابن حجر: "والمنقول عن أئمة الحَدِيْث المتقدمين - كعبد الرحمان بن مهدي، ويحيى القطان، وأحمد بن حَنْبَل، ويَحْيَى بن معين، وعَلِيّ بن المديني، والبُخَارِيّ، وأَبِي زرعة، وأَبِي حاتم، والنَّسَائِيّ، والدَّارقُطْنِيّ وغيرهم - اعتبار الترجيح فِيْمَا يتعلق بالزيادة وغيرها، وَلَا يعرف عن أحد مِنْهُمْ إطلاق قبول الزيادة" (٣).
وهذا هُوَ الصَّوَاب وَهُوَ الرأي المختار المتوسط الَّذِي هُوَ بَيْنَ القبول والرد، فيكون حكم الزيادة حسب القرائن المحيطة بِهَا حسب مَا يبدو للناقد العارف بعلل الحَدِيْث وأسانيده وأحوال الرواة بَعْدَ النظر في ذَلِكَ أما الجزم بوجه من الوجوه من غَيْر نظر إلى عمل النقاد فذلك فِيهِ مجازفة كبيرة، قَالَ الزيلعي: "من الناس من يقبل الزيادة مطلقًا، ومنهم من لا يقبلها، والصَّحِيح التفصيل، وَهُوَ أَنَّهَا تقبل في مَوْضِع دُوْنَ موضع، فتقبل إذَا كَانَ الرَّاوِي الَّذِي رواها ثِقَة حافظًا ثبتًا والّذِي لَمْ يذكرها مِثْلَهُ أو دونه في الثِّقَة، وتقبل في
_________
(١) انظر علَى سبيل المثال: التاريخ الكبير للبخاري ٢/ ١٢٥، والعلل لابن أبي حاتم ٢/ ٣١٧ (٢٤٦٥)، وسنن الدَّارَقُطْنِيّ ١/ ١٥٢، والسنن الكبرى للبَيْهَقِيِّ ١/ ٥٢، والأحاديثه المختارة ٢/ ٨٦ (٤٦٣).
(٢) شرح علل التِّرْمِذِى ٢/ ٦٣٨.
(٣) نزهة النظر: ٩٦.
стр. 226
مَوْضِع آخر لقرائن تخصها، ومن حكم في ذَلكَ حكمًا عامًا فَقَدْ غلط، بَلْ كُلّ زيادة لَهَا حكم يخصها" (١).
المطلب الرابع نماذج من زيادة الثِّقَة
النموذج الأول:
مَثَّل ابن الصَّلاح لزيادة الثِّقَة بمثالين
الأول: - قَالَ ابن الصَّلاح -: "مثاله مَا رَواهُ مَالِك، عن نافع، عن ابن عمر: أن رَسُوْل الله ﷺ فرض زكاة الفطر من رمضان علَى كُلِّ حرٍ أو عَبْد، ذكر أو أنثى من المسلمين فذكر أبو عيسى الترمذي أن مالكًا تفرد من بَيْنَ الثِّقَات بزيادة قوله: "من المُسلِمِيْنَ" (٢) وروى عبيد الله بن عُمَر، وأيوب، وغيرهما هَذَا الحَدِيْث، عن نافع، عن ابن عُمَر دُوْنَ هذِهِ الزيادة" (٣).
_________
(١) نصب الراية ١/ ٣٣٦.
(٢) الجامع الكبير ٢/ ٥٤ عقب (٦٧٦).
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ٧٨، و ١٧٨ طبعتنا، وانظر: كِتَاب العلل للترمذي المطبوع مَعَ الجامع الكبير ٦/ ٢٥٣.
قلتُ: هكذا قال ابن الصلاح مقلّدًا في هذا الإمام الترمذي، وفيه نظر، إذ اعترض عليه الإمام النووي فقال في إرشاد طلاب الحقائق ١/ ٢٣٠ - ٢٣١: "لا يصح التمثيل بحديث مالك؛ لأنَّهُ لَيْسَ منفردًا، بَلْ وافقه في هَذِهِ الزيادة عن نافع: عُمَر بن نافع، والضحاك بن عُثْمَان الأول في صَحِيْح البُخَارِي، والثاني في صَحِيْح فسلِم"، وبنحوه قالَ في التقريب والتيسير: ٧٢ و ١١٨ طبعتنا، وكذا تعقبه ابن جَمَاعَة في المنهل الروي: ٥٨ وابن كَثِيْر في اختصار علوم الحَدِيْث ١/ ١٩٢، وابن الملقن في المقنع ١/ ٢٠٦، والعراقي في التقييد والإيضاح: ١١٢، وَفِي شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢١٥، و ١/ ٢٦٥ طبعتنا، =
стр. 227
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________
= والصنعانى في توضيح الأفكار ٢/ ٢٢، ولعلّ أقدم مَن تكلَّم في هَذِهِ المسألة وبيّن عدم انفراد الإمام مالك بهذه الزيادة، الإمام أبو جعفر الطحاوى في شرح المشكل ٩/ ٤٣ - ٤٤ عقب (٣٤٢٣) فَقَالَ: "فقال قائل: أفتابع مالكًا على هذا الحرف، يعني: من المسلمين، أحد ممن رواه عن نافع؟
فكان جوابنا لَهُ في ذَلِكَ بتوفيق الله وعونه: أنَّهُ قَدْ تابعه علَى ذَلِكَ عبيد الله بن عمر، وعمر بن نافع، ويونس بن يزيد". ثم ساق متَابعاتهم، وسنوردها لاحقًا:
وقد بيّن الحافظ العراقي في التقييد: ١١١ - ١١٢ أنَّ كلام الترمذي لا يفهم مِنْهُ تفرد ملك، بل هو من تصرف ابن الصلاح في كلامه، فقال: "كلام الترمذي هذا ذكره في العلل التي في آخر الجامع، ولم يصرح بتفرد مالك بها مطلقًا، فقال: "ورُبَّ حديث إنما يستغرب لزيادة تكون في الحديث، وإنما يصح إذا كانت الزيادة ممن يعتمد على حفظه مثل ما روى مالك بن أنس ... " فذكر الحديث، ثم قد: وزاد مالك في هذا الحديث "من المسلمين"، وروى أيوب وعبيد الله بن عمر وغير واحد من الأئمة هذا الحديث، عن نافع، عن ابن عمر، ولم يذكروا فيه: "من المسلمين". وقد روى بعضهم عن نافع مثل رواية مالك ممن لا يعتمد على حفظه. انتهى كلام الترمذى. فلم يذكر التفرد مطلقًا وإنما قيده بتفرد الحافظ كمالك ثم صرّح بأنه رواه غيره عن نافع ممن لم يعتمد على حفظه، فأسقط المصنف آخر كلامه وعلى كل تقدير فلم ينفرد مالك بهذه الزيادة، بل تابعه عليها جماعة من الثقات".
وقد وجدنا له تسع متابعات هي:
١ - عبيد الله بن عمر: وقد اختلف عليه فيه، وعامّة أصحابه لا يذكرون هذه الزيادة في حديثه، ومنهم: =
стр. 228
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________
= يحيى بن سعيد القطان: عند أحمد ٢/ ٥٥، والبخاري ٢/ ١٦٢ (١٥١٢)، وأبي داود (١٦١٣)، وابن خزيمة (٢٤٠٣)، والبيهقي ٤/ ١٦٠، وابن عبد البر ١٤/ ٣١٦.
محمد بن عبيد الطنافسي: عند أحمد ٢/ ١٠٢، وابن زنجويه في الأموال (٢٣٥٧)، والبيهقي في الكبرى ٤/ ١٥٩ و ١٦٠، وابن عبد البر في التمهيد ١٤/ ٣١٧.
عيسى بن يونس: عند النسائي ٥/ ٤٩، وفي الكبرى (٢٢٨٤)، وابن عبد البر ١٤/ ٣١٦.
عبد الله بن نمير: عند مسلم ٣/ ٦٨ (٩٨٤) ١٣).
أبان بن يزيد العطار: عند أبي داود (١٦١٣).
بشر بن المفضل: عند أبي داود (١٦١٣)، وابن عبد البر ١٤/ ٣١٦.
حماد بن أسامة: عند ابن أبي شيبة (١٠٣٥٥)، ومسلم ٣/ ٦٨ (٩٨)(١٣).
عبد الأعلى بن عبد الأعلى: عند ابن خزيمة (٢٤٠٣).
المعتمر بن سليمان: عند ابن خزيمة (٢٤٠٣).
سفيان الثورى: عند الدارمى (١٦٦٩)، وابن خزيمة (٢٤٠٩)، والطحاوى في شرح المعاني ٢/ ٤٤، وأبي نعيم في الحلية ٧/ ١٣٦، والبيهقيّ ٤/ ١٦٠.
ورواه سعيد بن عبد الرحمان الجمحى، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، به. وذكر الزيادة. أخرجه: أحمد ٢/ ٦٦، والطحاوي في شرح المشكل (٣٤٢٤) و (٣٤٢٥)، والدارقطني ٢/ ١٤٥، والحاكم ١/ ٤١٠، والبيهقي ٤/ ١٦٦، وابن عبد البر ١٤/ ٣١٨.
وقال أبو داود عقب (١٦٢١) "رواه سعيد الجمحى، عن عبيد الله، عن نافع، قال فيه: "من المسلمين"، والمشهور عن عبيد الله ليس فيه: "من المسلمين". وكال ابن عبد البر: "وأما عبيد الله بن عمر فلم يقل فيه: "من المسلمين" عنه أحد - فيما علمت - غير سعيد بن عبد الرحمان الجمحي". =
стр. 229
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________
= أقول: سعيد ليست حاله ممن يحتمل له مثل هذا التفرد لا سيّما مع شدة المخالفة، فقد قال الإمام أحمد: "الجمحي روى حديثين عن عبيد الله بن عمر، حديث منهما في صدقة الفطر. وقال: أُنكر على الجمحي هذين الحديثين". مسائل صالح لأبيه الإمام أحمد ٢/ ٤٥٨. وقال ابن عدي: "له أحاديث غرائب حسان، وأرجو أنها مستقيمة، وإنما يَهِمُ عندي في الشيء بعد الشيء: يرفع موقوفًا ويوصل مرسلًا، لا عن تعمد". الكامل ٤/ ٤٥٦.
قال الدكتور بشار في تعليقه على الموطأ ١/ ٣٨٢، وعلى جامع الترمذي ٢/ ٥٤: "في هذا نظر فقد تابع سعيدًا سفيان الثوري في روايته هذه عن عبيد الله".
كذا قال متوهمًا!! وأنت خبير بأن تسعة من أصحاب عبيد الله بن عمر رووه عنه بلا ذكر لهذه الزيادة البتة، في حين أنه - وهو: سفيان الثوري - رواه أيضًا من غير هذه الزيادة، ومن ادَّعى أنه رواه عن عبيد الله بهذه الزيادة فقد حمَّل روايته ما لا تحتمله، وإليك البيان:
روى الدارمي هذا الحديث عن الفريابي عن الثوري، ورواه البقية من طريق قبيصة عن الثوري، كلاهما الفريابي وقبيصة لم يذكرا فيه هذه الزيادة عن الثوري.
ولكن الرواية التى يدعي الدكتور متابعة سفيان فيها لسعيد الجمحي، أخرجها عبد الرزاق (٥٧٦٣)، ومن طريقه الدارقطنى ٢/ ١٣٩، عن الثوري وابن أبي ليلى مقرونين، عن عبيد الله.
فأنت ترى أن عبد الرزاق خالف الفريابي وقبيصة في روايته عن الثوري لهذا، لكن روى الدارقطنى ٢/ ١٣٩ من طريق ابن زنجويه، عن عبد الرزاق، عن سفيان، عن عبيد الله، به، غير مقرون بابن أبي ليلى وفيه هذه الزيادة.
والراجح رواية الفريابي وقبيصة؛ لأن العدد أولى أن يسلّم له بالصواب؛ ولأن عبد الرزاق ضُعِّفَ بالاختلاط، ومن الراجح أن سماع ابن زنجويه كان بعده، فلعلَّ بعض الرواة حمل رواية الثوري على رواية ابن أبي ليلى، ومن هنا =
стр. 230
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________
= قال ابن حجر: "يحتمل أن يكون بعض رواته حمل لفظ ابن أبي ليلى على لفظ عبيد الله". فتح الباري ٣/ ٣٧٠.
ومن هذا يظهر أن هذه الزيادة في حديث سفيان الثوري عن عبيد الله غير محفوظة، والصحيح أنه روى الحديث كسائر أصحاب عبيد الله بن عمر من غير زيادة.
٢ - كثير بن فرقد: عند الدارقطني ٢/ ١٤٠، والحاكم ١/ ٤١٠، والبيهقي ٤/ ١٦٢، وابن عبد البر ١٤/ ٣١٩.
٣ - عبد الله بن عمر: عند عبد الرزاق (٥٧٦٥)، وأحمد ٢/ ١١٤، والدارقطني ٢/ ١٤٠. وكذا ابن الجارود في المنتقى (٣٥٦)؛ لَكِنْ وقع فِيْهِ تحريف، فوقع فِيْهِ "عبيد الله" مصغرًا. وجاء عَلَى الصواب في غوث المكدود.
٤ - ابن أبي ليلى: عند الدارقطني ٢/ ١٣٩. ورواه عبد الرزاق (٥٧٦٣) سكنه وعن الثوري مقرونين. ورواه الطحاوي في شرح المعاني ٢/ ٤٤ من طريق يحيى بن عيسى الفاخوري، عن ابن أبي ليلى، وليس فيه الزيادة.
٥ - يونس بن يزيد: عند الطحاوي في شرح المشكل (٣٤٢٧)، وفي شرح المعاني ٢/ ٤٤، وابن عبد البر ١٤/ ٣١٩.
٦ - المعلى بن إسماعيل: عند ابن حبان (٣٢٩٣)، والدارقطنى ٢/ ١٤٠.
٧ - عمر بن نافع: عند البخارى ٢/ ١٦١ (١٥٠٣)، وأبي داود (١٦١٢)، والنسائي ٥/ ٨٤، والطحاوي في شرح المشكل (٣٤٢٦)، وابن حبان (٣٣٠٣)، والدارقطنى ٢/ ١٣٩، و البيهقيّ ٤/ ١٦٢، والبغوي (١٥٩٤).
٨ - أيوب بن أبي تميمة السختياني: عند ابن حبان (٢٤١١)، والطحاوي في شرح المشكل (٣٤٢٧).
٩ - الضحاك بن عثمان: عند مسلم ٣/ ٦٩ (٩٨٤)(١٦). =
стр. 231
ورغم أن لفظة: "من المُسلِمِيْنَ" لا تندرج تَحْتَ مَوْضُوْع زيادة الثِّقَة، وإنما ذكرناها لأن ابن الصَّلاح مَثّل بِهَا.
المثال الثَّانِي: - قَالَ ابن الصَّلاح -: "ومن أمثلة ذَلِكَ: حَدِيث: "جعلت لَنَا الأرض مسجدًا، وجعلت ترتبتها لَنَا طهورًا" (١) فهذه الزيادة
_________
= قال الدارقطني في السنن ٢/ ١٣٩: "وكذلك رواه سعيد بن عبد الرحمان الجمحي، عن عبيد الله بن عمر، وقال فيه: "من المسلمين". وكذلك رواه مالك بن أنس والضحاك بن عثمان، وعمر بن نافع، والمعلى بن إسماعيل، وعبد الله بن عمر العمري، وكثير بن فرقد، ويونس بن يزيد، وروى ابن شوذب، عن أيوب، عن نافع كذلك".
وبهذا تبين أن الإمام مالكًا لم ينفرد بهذه الزيادة، وإن لم يكن مَنْ تابعه يبلغ مرتبة في الحفظ والإتقان، إِلَّا أن دعوى التفرد لا تصح في كل حال. وقد قد الإمام أحمد: "كنت أتهيب حديث مالك "من المسلمين" يعني: حتى وجدته من حديث العمريين، قيل له: أمحفوظ هو عندك "من المسلمين"؟ قال: "نعم". شرح علل الترمذي ٢/ ٦٣٢. والله أعلم.
(١) أخرجه: الطَيَالِسِيّ (٤١٨)، وابن أبي شَيْبَة (١٦٦٢) و (٣١٦٤٠)، وأحْمَد ٥/ ٣٨٣، وَمُسلِم ٢/ ٦٣ (٥٢٢)(٤)، والنَّسَائِيّ في الكبرى (٨٠٢٢)، وابن خزيمة (٢٦٤)، وأبو عوانة ١/ ٣٠٣، والطحاوي في شرح المشكل (١٠٢٤)(٤٤٩٠)، وابن حبان (١٦٩٤)(٦٤٠٩)، وط الرسلة (١٦٩٧)(٦٤٠٠)، والآجري في الشريعة (٤٩٩)، والدَّارَقُطْنِي ١/ ١٧٥ - ١٧٦ و ١٧٦، واللالكائي في أصول الاعتقاد (١٤٤٤)(١٤٤٥)، والبَيْهَقِيّ ١/ ٢١٣ و ٢٢٣ و ٢٣٠.
стр. 232
تفرد بِهَا أبو مَالِك: سعد بن طارق الأشجعي (١)، وسائر الروايات لفظها: "وجعلت لَنَا الأرض مسجدًا وطهورًا" (٢) فهذا وما أشبهه يُشبهُ القِسْم الأول
_________
(١) هُوَ سعد بن طارق، أبو مالك الأشجعى الكوفي: ثقة، توفي في حدود سنة (١٤٠ هـ).
الثقات ٤/ ٢٩٤، وتهذيب الكمال ٣/ ١٢١ (٢١٩٥)، والتقريب (٢٢٤٠).
(٢) فَهُوَ مروي من حَدِيث عدة من الصَّحَابَة مِنْهُمْ:
١ - جابر بن عَبْد الله، عِنْدَ:
ابن أبِي شَيْبَة (٧٧٤٩)، (٣١٦٣٣)، وأَحْمَد ٣/ ٣٠٤، والدارمي (١٣٩٦)، والبُخَارِيّ ١/ ٩١ (٣٣٥) و ١/ ١١٩ (٤٣٨)، وَمُسْلِم ٢/ ٦٣ (٥٢١)(٣)، والنَّسَائِيّ ١/ ٢٠٩ و ٢/ ٥٦ وَفِي الكبرى، لَهُ (٨١٥)، وأبى نُعَيْم في المستخرج (١١٥٠)، والبَيْهَقِيّ ٢/ ٤٣٣ وَفِي الدلائل، لَهُ ٥/ ٤٧٢ - ٤٧٣. من طريق سيار أبي الحكم، عن يزيد الفقير، عن جابر.
٢ - عَبْد الله بن عَبَّاس، عِنْدَ:
ابن أَبِي شَيْبَة (٧٧٥٠) و (٣١٦٣٤)، وأحمد ١/ ٢٥٠ و ٣٠١، وعَبْد بن حميد (٦٤٣)، والطبراني في الكبير (١١٠٤٧)(١١٠٨٥)، والبَيْهَقِيّ ٢/ ٤٣٣ وَفِي الدلائل، لَهُ ٥/ ٤٧٣ - ٤٧٤.
٣ - أبو موسى الأشعري، عِنْدَ:
ابن أبي شَيْبَة (٣١٦٣٦)، وأحمد ٤/ ٤١٦.
٤ - أَبُو ذر الغفارى، عِنْدَ:
ابن أبي شَيْبَة (٣١٦٤١)، وأحمد ٥/ ١٤٥ و ١٤٧، والدارمي (٢٤٧٠)، وأبي دَاوُد (٤٨٩)، والبَيْهَقِيّ في دلائل النبوة ٥/ ٤٧٣.
٥ - أبو هُرَيْرَة، عِندَ: =
стр. 233
من حَيْثُ إن مَا رَواهُ الجماعة عام وما رَواهُ المنفرد بالزيادة مخصوص، وَفِي ذَلِكَ مغايرة في الصفة ونوع من المخالفة يختلف بِهَا الحكم، ويشبه أيضًا القِسْم الثَّانِي من حَيْثُ إنه لا منافاة بَيْنَهُمَا" (١). وهذا من الحافظ ابن الصَّلاح نظر دقيق وعميق إذَ لَيْسَ في الحَدِيْث زيادة ذكرها راوٍ لَمْ يذكرها بقية الرواة عن نَفْس المدار واتحاد المخرج. إذ إن أبا مَالِك قَدْ تفرد بجملة الحَدِيْث عن ربعي، وتفرد ربعي (٢) عن حذيفة بِهِ، إِلَّا أن في هَذَا الحَدِيْث زيادة علَى مَا ذكر في أحاديث أخر عن صحابة آخرين وللحافظ ابن حجر تعقيب علَى صنيع ابن الصَّلاح فَقَدْ قَالَ: "هَذَا التمثيل لَيْسَ بمستقيم أيضًا؛ لأن أبا مَالِك قَدْ تفرد بجملة الحَدِيْث عن ربعي بن حراش ﵁ كَمَا تفرد برواية جملته ربعي عن حذيفة ﵁، فإن أراد أن لفظة (تربتها) زائدة في هَذَا الحَدِيْث علَى باقي
_________
= أحمد ٢/ ٤١١، ومُسْلِم ٢/ ٦٤ (٥٢٣)(٥)، والتِّرْمِذِي (١٥٥٣)، وابن ماجة (٥٦٧).
والطحاوى في شرح المشكل (١٠٢٣)(١٠٢٥)(٤٤٨٧)(٤٤٨٨)، وأبي نُعَيْم في المستخرج (١١٥٣)، والبَيْهَقِيّ ٢/ ٤٣٣، ٩/ ٥ وفى الدلائل، لَهُ ٥/ ٤٧٢، والبَغَوِيّ (٣٦١٧).
٦ - ابن عُمَر، عِندَ:
البزار في كشف الأستار (٣١١)، والطبراني في الكبير (١٣٥٢٢)، وغيرهم.
وانظر: شرح السيوطي: ١٨٨ - ١٨٩، وأثر علل الحَدِيْث ٢٦٤ - ٢٦٥.
(١) معرفة أنواع علم الحديث: ٧٨ - ٧٩، ١٨٢ - ١٨٣ طبعتنا.
(٢) هُوَ ربعي بن حراش، أبو مريم العبسى، الكوفى: ثقة عابد مخضرم، يروي عن الصَّحَابَة، توفى سنة (١٠٠ هـ). أسد الغابة ٢/ ١٦٢، وتجريد أسماء الصَّحَابَة ١/ ١٧٦ (١٨٢٤)، والتقريب (١٨٧٩).
стр. 234
الأحاديث في الجملة، فإنه يرد علَيْهِ: أنّهَا في حَدِيث علِيّ ﵁ أيضًا وإن أراد: أن أبا مَالِك تفرد بِهَا، وأن رفقته عن ربعي ﵁ لَمْ يذكروها كَمَا هُوَ ظاهر كلامه، فليس بصحيح" (١).
المبحث السابع [*]: النكارة:
إذا خولف الثقة في حَدِيْث من الأحاديث فهنا مسألة يأخذها النقاد بنظر الاعتبار فيوازنون ويقارنون بَيْنَ المختلفين فإذا خولف الثِّقَة من قِبَلِ ثقة آخر فيحكم حينئذٍ لرواية من الروايات بحكم يليق بِهَا وكذا تأخذ المقابلة الحكم بالضد أما إذا خولف الثقة برواية ضعيف من الضعفاء، فلا يضر حينئذ الاختلاف لرواية الثقة؛ إذ إن رِوَايَة الثقات لا تعل برواية الضعفاء (٢)؛ فرواية الثقة معروفة ورواية الضعيف منكرة فعلى هَذَا المنكر من الْحَدِيْث هُوَ: المنفرد المخالف لما رَوَاهُ الثقات (٣) قَالَ الإمام مُسلِم: "وعلامة المنكر في
_________
(١) النكت عَلَى كِتَاب ابن الصلاح ٢/ ٧٠٠ - ٧٠١.
(٢) انظر: فتح الباري ٣/ ٢١٣.
(٣) هكذا عرفه ابن الصَّلَاحِ في مَعْرِفَة أنواع علم الْحَدِيْث: ١٧٠، وَهُوَ ما اشتهر وانتشر عِنْدَ المتأخرين من الْمُحَدِّثِيْنَ، فهو عِنْدَ المتأخرين: ما رَوَاة الضعيف مخالفًا للثقات، لَكِنْ ينبغي التنبيه عَلى أن المتقدمين من الْمُحَدِّثِيْنَ لَمْ يتقيدوا بِذَلِكَ، وإنما عندهم كُلّ حَدِيْث لَمْ يعرف عن مصدره ثقة كَانَ راويه أم ضعيفًا، خالف غيره أم تفرد، إذن فالمنكر في لغة المتقدمين أعم مِنْه عِنْدَ المتأخرين، وَهُوَ أقرب إلى معناه اللغوي، فإن المنكر لغة: نكر الأمر نكيرًا وأنكره إنكارًا ونكرًا، معناه: جهله. وجاء إطلاقه عَلَى هَذَا المعنى في مواضع من القرآن =
[*] قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: بالمطبوع «الخامس»
стр. 235
حَدِيْث المحدّث إذا ما عرضت روايته للحديث علَى رِوَايَة غيره من أهل الحفظ والرضا خالفت روايته روايتهم أو لَمْ تكد توافقها" (١).
وعليه فإن رِوَايَة الضعيف شبه لا شيء أمام رِوَايَة الثقات الأثبات ولا تعل الرِّوَايَة الصحيحة بالرواية الضعيفة، وقَدْ وجدنا خلال البحث والسبر أن بعض العلماء قَدْ عملوا بأحاديث بعض الضعفاء وَهِيَ مخالفة لرواية الثقات، ومثل هَذَا يحمل علَى حسن ظنهم برواية الضعيف وعلى عدم اطلاعهم علَى رِوَايَة الثقات.
_________
= الكريم، كقوله تَعَالَى: ﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [يوسف: ٥٨]، وقوله تَعَالَى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ [النحل: ٨٣] وعلى هَذَا فإن المتأخرين خالفوا المتقدمين في مصطلح المنكر بتضييق ما وسعوا فِيْهِ.
وانظر في المنكر: الإرشاد ١/ ٢١٩، والتقريب: ٦٩، والاقتراح: ١٩٨، والمنهل الروى: ٥١، والخلاصة: ٧٠، والموقظة: ٤٢، واختصار علوم الْحَدِيْث: ٥٨، والمقنع ١/ ١٧٩، وشرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٥١ طبعتنا، ونزهة النظر: ٩٨، والمختصر: ١٢٥، وفتح المغيث ١/ ١٩٠، وألفية السيوطي: ٣٩، وشرح السيوطي عَلَى ألفية العراقي: ١٧٩، وفتح الباقي ١/ ٢٣٧ بتحقيقنا، وتوضيح الأفكار ٢/ ٣، وظفر الأماني: ٣٥٦، وقواعد التحديث: ١٣١، والحديث المعلول قواعد وضوابط: ٦٦ - ٧٧.
(١) صَحِيْح مُسْلِم ١/ ٥.
فائدة: كتاب الحافظ أبي أحمد بن عدي المسمى بـ: "الكامل في ضعفاء الرجال" أصل في مَعْرِفَة المنكرات من الأحاديث. نكت الزركشي ٢/ ١٥٦ - ١٥٧.
стр. 236
مثال ذَلِكَ:
ما رَوَاهُ أبو سعيد يحيى بن سليمان الجعفي (١)، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن وهب (٢)، قَالَ: أخبرني يحيى بن أيوب (٣)، عن يحيى بن سعيد، عن جعفر بن عمرو بن أمية الضمري (٤)، عن أبيه (٥): "أن الصعب بن جَثامة أهدى للنبي ﷺ
_________
(١) هُوَ يَحْيَى بن سليمان بن يَحْيَى الجُعفي، أبو سعيد الكوفي، نزيل مصر: صدوق يخطئ، توفي سنة (٢٣٧ هـ). تهذيب الكمال ٨/ ٤٩ (٧٤٣٧)، والكاشف ٢/ ٣٦٧ (٦١٨١)، والتقريب (٧٥٦٤).
(٢) هُوَ عَبْد الله بن وهب بن مُسْلِم القرشى، مولاهم، أبو مُحَمَّد المصري: ثقة، حافظ، عابد، توفي سنة (١٩٧ هـ). الثقات ٨/ ٣٤٦، وتهذيب الكمال ٤/ ٣١٧ (٣٦٣٣)، والتقريب (٣٦٩٤).
(٣) هُوَ يَحْيَى بن أيوب الغافقى، أبو العباس المصري: صدوق رُبَّمَا أخطأ، توفي سنة (١٦٨ ج). التاريخ الكبير ٨/ ٢٦٠، وتهذيب الكمال ٨/ ١٧ - ١٨ (٧٣٨٧)، والتقريب (٧٥١١).
(٤) هُوَ جعفر بن عَمْرو بن أمية الضمرى المدني، أخو عَبْد الملك بن مروان من الرضاعة: ثقة، توفي سنة (٩٥ هـ)، وَقِيلَ: (٩٦ هـ).
التاريخ الكبير ٢/ ١٩٣، وتهذيب الكمال ١/ ٤٦٨ (٩٢٩)، والتقريب (٩٤٦).
(٥) هُوَ الصَّحَابِيّ الجليل عَمْرو بن أمية بن خويلد، أبو أمية الضمري، توفي في خلافة معاوية. أسد الغابة ٤/ ٨٦، وتجريد أسماء الصَّحَابَة ١/ ٤٠٠ (٤٣٢٤)، والإصابة ٢/ ٥٢٤.
стр. 237
عجز حمار وحش، وَهُوَ بالجُحْفَة (١) فأكل مِنْه وأكل القوم" (٢).
فهذا الْحَدِيْث مخالف لرواية الثقكات، وفيه راويان فيهما مقال:
الأول: يحيى بن أيوب الغافقي:
فهو وإن حسّن الرأي فيْه جَمَاعَة من الْمُحَدِّثِيْنَ فَقَدْ تَكلمَ فِيْه آخرون، فَقَدْ ضعّفه أبو زرعة (٣)، والعَقيَلي (٤)، وقالَ أحمد: كَانَ سئ الحَفظ (٥)، وقالَ أبو حاتم: "محله الصدق يكتب حديثه ولا يحتج بِهِ" (٦)، وقالَ النسائي: "ليس
_________
(١) وَهِيَ قرية كبيرة، ذات منبر، تقَع علَى طريق مكة، وَكَانَ اسمها مَهْيَعة، وسميت بالجحفة؛ لأن السيل جَحَفها، وبينها وبين غدير خم ميلان. انظر: مراصد الاطلاع ١/ ٣١٥.
(٢) رَوَاه البيهقيّ في السنن الكبرى ٥/ ١٩٣، وقَالَ: "هَذَا إسناد صَحِيْح، فإن كَانَ محفوظًا فكأنه رد الحى وقبل اللحم" وقَدْ تعقبه ابن التركمانى فَقَال: "هَذَا في سنده يحيى بن سليمان الجعفي، عن ابن وهب، أخبرني يحيى بن أيوب هوَ الغافقي المصري، ويحيى بن سليمان ذكره الذهبي في "الميزان"، و "الكاشف" عن النسائي أن ليس بثقة، وقالَ ابن حبان: ربما أغرب، والغافقى قَالَ النسائي: ليس بذاك القوي، وقالَ أبو حاتم: لا يحتج بهِ، وقَالَ أحمد: كَانَ سيء الحفظ يخطئ خطأ كثيرًا، وكذبه مالك في حديثين، فعلى هَذَا لا يشتغل بلَاويل هَذَا الْحَدِيْث لأجل سنده ولمخالفته للحديث الصَّحِيْح". الجوهر النقى ٥/ ١٩٣ - ١٩٤، وانظر: الميزان ٤/ ٣٨٢، والكاشف (٦١٨١)، والثقات لابن حبان ٩/ ٢٦٣، والجرح والتعديل ٩/ ١٥٤.
(٣) سؤالات البرذعي: ٤٣٣.
(٤) الضعفاء الكبير ٤/ ٣٩١.
(٥) الجرح والتعديل ٩/ ١٢٢، وتهذيب الكمال ٨/ ١٧.
(٦) الجرح والتعديل ٩/ ١٢٨.
стр. 238
بذاك القوي" (١)، وَقَالَ ابن سعد: "منكر الْحَدِيْث" (٢)، وَقَالَ الذهبي: "حديثه فِيْهِ مناكير" (٣)، وقالَ ابن القطان: "هُوَ ممن قَدْ علمت حاله، وأنه لا يحتج بِهِ لسوء حفظه" (٤)، وقالَ: "يحيى بن أيوب يضع" (٥)، وقالَ الدَّارقطْنِيّ: "في بعض حديثه اضطراب" (٦)، وقَدْ ضعفه ابن حزم (٧).
الثاني: يحيى بن سليمان الجعفي:
قَالَ عَنْهُ أبو حاتم: "شيخ" (٨)، وقالَ النسائي: "ليس بثقة" (٩).
وذكره ابن حبان في "الثقات" وقَالَ: "ربما أغرب" (١٠).
ومع تفرد هذين الراويين بهذا الْحَدِيْث فَقَدْ خالفا الثقات في روايته قَالَ ابن القيم عن هَذِهِ الرِّوَايَة: "غلط بلا شك، فإن الواقعة واحدة، وقد اتفق الرُّوَاة أنه لَمْ يأكل مِنْهُ، إِلَّا هَذِهِ الرِّوَايَة الشاذة المنكرة" (١١).
والرواية المعروفة الصَّحِيْحة هِيَ ما وردت برواية الجم الغفير عن ابن شهاب الزُّهري، عن عبيد الله بن عَبْد الله بن عتبة بن مسعود، عن عَبْد الله بن
_________
(١) ضعفائه (٦٢٦).
(٢) طبقات ابن سعد ٧/ ٥١٦.
(٣) تذكرة الحفاظ ١/ ٢٢٧ - ٢٢٨.
(٤) بيان الوهم والإيهام ٤/ ٦٩ عقب (١٥٠٤).
(٥) بيان الوهم والإيهام ٣/ ٤٩٥ عقب (١٢٦٩).
(٦) الميزان ٤/ ٣٦٢.
(٧) المحلى ١/ ٨٨ و ٦/ ٧٢ و ٧/ ٣٧.
(٨) الجرح والتعديل ٩/ ١٥٤.
(٩) تهذيب الكمال ٨/ ٤٩.
(١٠) الثقات ٩/ ٢٦٣، وانظر: تهذيب الكمال ٨/ ٤٩.
(١١) زاد المعاد ٢/ ١٦٤.
стр. 239
عَبَّاسٍ، عن الصعب بن جثامة الليثي، أنه أهدى لرسول الله ﷺ حمارًا وحشيًا وَهُوَ بالأبواء (١)، أو بودان (٢)، فرده عليه، فلما رأى ما في وجهه قَالَ: "إنا لَمْ نرده عليك إِلَّا أنا حرم" (٣).
_________
(١) بالفتح، ثُمَّ السكون، وفتع الواو وألف ممدودة: قرية من أعمال الفرع من المدينة، بينها وبين الجحفة مِمَّا يلى المدينة ثلاثة وعشرون ميلًا. مراصد الاطلاع ١/ ١٩.
(٢) قرية جامعة بَيْنَ مكة والمدينة في نواحي الفرع، بينها وبين الأبواء ثمانية أميال. انظر: معجم البلدان ٥/ ٣٦٥، ومراصد الاطلاع ٣/ ١٤٢٩.
(٣) هَذِهِ الرِّوَايَة أخرجها: مالك في الموطأ (٤٤١) برواية مَحُمَّد بن الحسن الشيبانى، و (٥٣) برواية عَبد الرحمان بن القاسم، و (٥٧١) برواية سويد بن سعيد، و (١١٤٦) برواية أبي مصعب الزُّهري، و (١٠١٥) (برواية الليثى)، والشافعى في المسند (٩٠٦) بتحقيقنا، والطيالسي (١٢٢٩)، وعبد الرزاق (٨٣٢٢)، والحميدي (٧٨٣)، وابن أبي شيبة (١٤٤٦٨) و (١٤٤٦٩) و (١٤٤٧١)، وأحمد ١/ ٢٨٠ و ٢٩٠ و ٣٣٨ و ٣٤١ و ٣٤٥ و ٣٦٢ و ٤/ ٣٧ و ٣٨، والدارمي (١٨٣٥) و (١٨٣٧)، والبخاري ٣/ ١٦ (١٨٢٥) و ٣/ ٢٠٣ (٢٥٧٣) و ٣/ ٢٠٨ (٢٥٩٦)، ومسلم ٤/ ١٣ (١١٩٣)(٥٠) و (٥١) و (٥٢) و ٤/ ١٤ (١١٩٤)(٥٣) و (٥٤)، وابن ماجة (٣٠٩٠)، والترمذي (٨٤٩)، وعبد الله بن أحمد في زياداته علَى مسند أبيه ٤/ ٧١ و ٧٢ و ٧٣، والنسائي ٥/ ١٨٣ و ١٨٤ و ١٨٥ وفي الكبرى، له (٣٨٠١) و (٣٨٠٢) و (٣٨٠٥) و (٣٨٠٦)، وابن الجارود (٤٣٦)، وابن خزيمة (٢٦٣٧)، والطحاوي في شرح المعاني ٢/ ١٧٠، وابن حبان (٣٩٧٠) و (٣٩٧٢) و (٣٩٧٣)، وطبعة الرسالة (٣٩٧٦) و (٣٩٦٩) و (٣٩٧٠)، والطبراني في الكبير (٧٤٣٠)، =
стр. 240
الفصل الرابع فوائد مهمة (١):
١ - معرفة الخطأ في حديث الضعيف يحتاج إلى دقة وجهد كبير كما هو الحال في معرفة الخطأ في حديث الثقة.
٢ - التفرد بحد ذاته ليس علة، وإنما يكون أحيانًا سببًا من أسباب العلة ويلقي الضوء على العلة، ويبين ما يكمن في أعماق الرواية من خطأ ووهم.
_________
= والبيهقيّ ٥/ ١٩٢ - ١٩٣، وانظر: الأم ٨/ ٥٤٤، والتمهيد ٩/ ٥٤، وتنقيح التحقيق ٢/ ٤٤٥ - ٤٤٦، ونصب الراية ٣/ ١٣٩.
(١) استفدنا هذه القواعد من كتب المصطلح التي نعمل حققناها وهي:
أ - معرفة علوم الحديث للحاكم.
ب - معرفة أنواع علم الحديث لابن الصلاح.
ج - التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير للنووي.
د - شرح التبصرة والتذكرة للعراقي.
هـ - التقييد والإيضاح للعراقي.
و - فتح المغيث للسخاوى.
ز - تدريب الراوي للسيوطي.
ح - فتح الباقي لزكريا الأنصاري.
ط - فتح القادر المغيث.
كما استفدنا من تعليمات المُحْدَثين أمثال التهانوي، والمعلمي، والشيخ عبد الفتاح أبي غدة، والشيخ محمد عوامة.
стр. 241
٣ - المجروحون جرحًا شديدًا - كالفساق والمتهمين والمتروكين - لا تنفعهم المتابعات؛ إذ أن تفردهم يؤيد التهمة عند الباحث الناقد الفهم.
٤ - الحديث الضعيف إذا لقاه العلماء بالقبول فهو مقبول يعمل به ولا يسمى صحيحًا.
٥ - قد تُعَلّ بعض الأحاديث بالمعارضة إذا لم يمكن الجمع ولا التوفيق.
٦ - من كثرت أحاديثه واتسعت روايته، وازداد عدد شيوخه فلا يضر تفرده إِلَّا إذا كانت أفراده منكرة.
٧ - فرق بين قولهم: "يروي مناكير" وبين قول: "في حديثه نكارة". ففي الأولى أن هذا الراوي يروي المناكير، وربما العهدة ليست عليه إنما من شيوخه، وهي تفيد أنه لا يتوقى في الرواية، أما قول: "في حديثه نكارة" فهي كثيرًا ما تقال لمن وقعت النكارة منه.
٨ - قول ابن معين في الراوى: "ليس بشيء" تكون أحيانًا بمعنى قلة الحديث.
٩ - أشد ما يجرح به الراوي كذبه في الحديث النبوي، ثم تهمته بذلك، وفي درجتها كذبه في غير الحديث النبوي، وكذلك الكذب في الجرح والتعديل لما يترتب عليه من الفساد الوخيم.
١٠ - بين قول النسائي: "ليس بقويٍّ"، وقوله: "ليس بالقوى" فرق فكلمة: ليس بقوي تنفي القوة مطلقًا وإن لم تثبت الضعف مطلقًا وكلمة: "ليس بالقوي" إنما تنفى الدرجة الكاملة من القوة.
١١ - أبو حاتم الرازي يطلق جملة: "يكتب حديثه ولا يحتج به" فيمن عنده صدوق ليس بحافظ يحدث بما لا يتقن حفظه فيغلط ويضطرب،
стр. 242
ومعنى كلامه: يكتب حديثه في المتابعات والشواهد، ولا يحتج به إذا انفرد.
١٢ - قول ابن معين في الراوي: "لم يكن من أهل الحديث" معناها: أنه لم يكن بالحافظ للطرق والعلل، وأما الصدق والضبط فغير مدفوعين عنه.
١٣ - كون أصحاب الكتب الستة لم يخرجوا للرجل ليس بدليل على وهنه عندهم، ولا سيما من كان سنه قريبًا من سنهم، وكان مقلًا فإنهم كغيرهم من أهل الحديث يحبون أن يعلوا بالإسناد.
١٤ - وقول ابن حبان في الثقات: "ربما أخطا"، أو "يخطئ"، أو "يخالف" أو "يغرب" لا ينافي التوثيق، وإنما يظهر أثر ذلك إذا خالف من هو أثبت منه.
١٥ - ليس من شرط الثقة أن يتابع بكل ما رواه.
١٦ - الجرح غير المفسر مقبول إِلَّا أن يعارضه توثيق أثبت منه.
١٧ - جرح الرواة ليس من الغيبة؛ بل هو من النصيحة.
١٨ - يشترط في الجارح والمعدِّل: العلم والتقوى والورع والصدق والتجنب عن التعصب ومعرفة أسباب الجرح والتزكية، ومن لم يكن كذلك لا يقبل منه الجرح ولا التزكية.
١٩ - اعتماد الراوى العدل على كتابه دون حفظه لا يعاب عليه، بل ربما يكون أفضل لقلة خطئه.
٢٠ - الخطأ في حديث من اعتمد على حفظه أكثر منه في حديث من اعتمد على كتابه.
٢١ - الثقة هو من يجمع العدالة والضبط.
стр. 243
٢٢ - صدوق، ولا بأس به، وليس به بأس، مرتبة واحدة، وهي تفيد أن الراوي حسن الحديث.
٢٣ - قولهم في الراوي: "صالح" بلا إضافة تختلف عن قولهم: "صالح الحديث"، فالأولى تفيد صلاحه في دينه، والثانية صلاحه في حديثه.
٢٤ - قولهم: "متروك"، و "متروك الحديث" بمعنى واحد.
٢٥ - فرق بين قولهم: "تركوه"، وقولهم: "تركه فإن" فإن لفظ: "تركوه" يدل على سقوط الراوي وأنه لا يكتب حديثه، بخلاف لفظ: "تركه فإن" فإنه قد يكون جرحًا وقد لا يكون.
٢٦ - إذا قال البخاري في الراوي: "سكتوا عنه" فهو يريد الجرح.
٢٧ - إذا قال البخاري: "فيه نظر" فهو يريد الجرح في الأعم الغالب.
٢٨ - قولم: "تعرف وتنكر" المشهور فيها أنها بتاء الخطاب، وتقال أيضًا: "يُعرف وينكر" بياء الغيبة مبنيًا للمجهول، ومعناها: أن هذا الراوي يأتي مرة بالأحاديث المعروفة، ومرة بالأحاديث المنكرة؛ فأحاديث من هذا حاله تحتاج إلى سَبْر وعَرْض على أحاديث الثقات المعروفين.
٢٩ - قول أبي حاتم في الراوي: "شيخ" ليس بجرح ولا توثيق، وهو عنوان تليين لا تمتين.
٣٠ - قولهم في الراوي: "ليس بذاك" قد يراد بها فتور في الحفظ.
٣١ - قول: "إلى الصدق ما هو" بمعنى أنه ليس ببعيد عن الصدق.
٣٢ - قول في الراوي: "إلى الضعف ما هو "يعنى أنه ليس ببعيد عن الضعف.
стр. 244
٣٣ - قولهم في الراوي: "ضابط" أو "حافظ" يدل على التوثيق إذا قيل فيمن هو عدل، فإن لم يكن عدلًا فلا يفيد التوثيق.
٣٤ - وقوع الأوهام اليسيرة من الراوي لا تخرجه عن كونه ثقة.
٣٥ - قولهم في الراوي: "لا يتابع على حديثه" لا يعد جرحًا إِلَّا إذا كثرت منه المناكير ومخالفة الثقات.
٣٦ - قولهم في الراوي: "قريب الإسناد"معناه: قريب من الصواب والصحة، وقد يعنون به قرب الطبقة والعلو.
٣٧ - قول البخاري في الراوى: "منكر الحديث" معناه عنده لا تحل الرواية عنه. ويطلقها غيره أحيانًا في الثقة الذي ينفرد بأحاديث، ويطلقها بعضهم في الضعيف الذي يخالف الثقات.
٣٨ - إن نفي صحة الحديث لا يلزم منه ضعف رواته أو اتهامهم بالوضع.
٣٩ - أكثر المحدثين إذا قالوا في الراوي: "مجهول"، يريدون به غالبًا جهالة العين، وأبو حاتم يريد به جهالة الوصف والحال.
٤٠ - التوثيق الضمني - وهو تصحيح أو تحسين حديث الرجل - مقبول عند بعض أهل العلم.
٤١ - يعرف ضبط الراوي بموافقته لأحاديث الثقات الأثبات.
٤٢ - نتيجة الاعتبار: معرفة صحة حديث الرجل، لا الحكم عليه أنه ثقة.
٤٣ - الثبت: هو المتثبت في أموره.
٤٤ - المتقن: هو من زاد ضبطه على ضبط الثقة.
٤٥ - قول: "موثق"معناه أنه ملحق بـ "الثقة" إلحاقًا، أو مختلف في توثيقه.
٤٦ - "مقارب الحديث"، بفتح الراء معناه أن غيره يقاربه، وبالكسر هو يقارب حديث غيره، وهما على معنى التعديل سواء بفتح الراء أو
стр. 245
كسرها، وهي عند الإمام البخاري والترمذي من ألفاظ تحسين حديث الرجل.
٤٧ - قول الذهبي: "لا يعرف" يريد جهالة العين أحيانًا، ويريد جهالة العدالة أحيانًا، والقرائن هي التي ترشح المراد.
٤٨ - اصطلاح الرازيين أبي حاتم وابنه، وأبي زرعة في "المجهول": يقصد بها مجهول الحال، وقد يريدون جهالة العين، وقد يطلق أبو حاتم: "مجهول" في بعض أعراب الصحابة.
٤٩ - يقدم قول الجارح والمعدل لرجل من بلده على من كان من غير بلده.
٥٠ - قولهم في راوٍ: "كان يخطئ" لا يقال إِلَّا فيمن له أحاديث، لا حديث واحد.
٥١ - عادة ابن حبان في المختلف في صحبته أن يذكره في قسم الصحابة وقسم التابعين.
٥٢ - قد يقدح ابن حبان في متن حديث بناءً على الفهم والفقه، ويأتي غيره فيزيل إشكاله.
٥٣ - ابن حبان يتناقص فيذكر الراوي أحيانًا في الثقات، ثم يذكره في المجروحين.
٥٤ - ابن خراش رافضيٌّ لا يقبل قوله إذا خالص أو انفرد.
٥٥ - ابن معين يطلق أحيانًا: "لا أعرفه" على من كان قليل الحديث جدًّا.
٥٦ - قول البخاري في الراوي: "لا يحتجون بحديثه" بمثابة قوله: "سكتوا عنه".
٥٧ - إذا روى البخاري لرجل مقرونًا بغيره فلا يلزم أن يكون فيه ضعف.
٥٨ - إكثار البخاري عن رجل وهو شيخه المباشر: توثيق له ودليل على اعتماده.
стр. 246
٥٩ - إذا كتب الذهبي في الميزان علامة: "صح" بجانب ترجمة فمعناه المعتمد توثيقه.
٦٠ - الثقة لا يضره عدم المتابعة.
٦١ - ربما قالوا: ليس بثقة للضعيف أو المتروك.
٦٢ - الشهرة لا تنفع الراوي، فإن الضعيف قد يشتهر.
٦٣ - قبول التلقين قادح تسقط الثقة به.
٦٤ - الصالحون غير العلماء يغلب على حديثهم الوهم والغلط.
٦٥ - بلدي الرجل أعلم به.
٦٦ - ليس كل ضعيف يصلح للاعتبار.
٦٧ - لا يلزم من احتجاج إمام بحديث تصحيحه له.
٦٨ - توثيق الرجال وتضعيف أمر اجتهادي.
٦٩ - ليس كل ضعف في الحديث يزول بمجيئه من وجوه، بل يتفاوت.
٧٠ - لا يلزم من قولهم: "ليس في الباب شيء أصح من هذا" صحة الحديث.
٧١ - الحديث الضعيف الإسناد يعبر عنه: بـ "ضعيف بهذا الإسناد" لا ضعيف فقط.
٧٢ - يوصف الحديث المقبول بلفظ: الجيد، والقوى، والصالح، والمعروف والمحفوظ، والمجود، والثابت.
٧٣ - الإرسال والتدليس ليس بجرح، وهو غير حرام.
٧٤ - كلام الأقران في بعضم لا يعبأ به إذا كان بغير حجة.
٧٥ - جرح الراوي بكونه أخطأ لا يضعفه ما لم يفحش خطؤه.
٧٦ - كل طبقة من النقاد لا تخلو من متشدد ومتوسط.
стр. 247
٧٧ - قولهم في الراوي: "ليس بذاك القوي" لين هين.
٧٨ - غشيان السلطان للحاجة ليس بجارح.
٧٩ - معرفة تصاريف كلام العرب شرط لعالم الجرح والتعديل.
٨٠ - يغتفر في المتابعات والشواهد ما لا يغتفر في الأصول.
٨١ - قولهم: "ليس هو كأقوى ما يكون" تضعيف نسبي.
٨٢ - لا يسمع قول مبتدع في مبتدع كناصبي في شيعي.
٨٣ - اضطراب الرواة عن الشيخ لا يؤثر في الشيخ.
٨٤ - إذا كان الجارح ضعيفًا فلا يقبل جرحه للثقة.
٨٥ - فرق بين قول: تركه فلان، وقول: لم يرو عنه.
٨٦ - لا يلزم من كون الراوي ضعيفًا ضعفه في جميع رواياته.
٨٧ - ابن حبان متعنت في الجرح.
٨٨ - رواية الإمام البخاري عن المختلط هي قبل اختلاطه، وبعد اختلاطه ينتقى من حديثه ما صح منه.
٨٩ - لا يقبل الجرح إِلَّا بعد التثبت خشية الاشتباه في المجروحين.
٩٠ - حفظ الراوي للحديث ليس بشرط لصحة حديثه.
٩١ - ولاية الحسبة ليست بأمر جارح.
٩٢ - الجرح الناشئ عن عداوة دنيوية لا يعتد به.
٩٣ - قوة الحفظ وقلة الغلط أمر نسبي بين حافظ وحافظ.
٩٤ - يكون بعض الرواة متقنًا في شيخ، وضعيفًا في غيره.
٩٥ - جرح الراوي بأنه من أهل الرأي ليس بجرح.
٩٦ - لا يجرح الثقة بشهره السيف على الحاكم.
٩٧ - إذا قرنوا لفظة: "ثقة" بلفظة: "صدوق"، فهي تفيد إنزاله، فثقة لعدالته ودينه، وصدوق لخفة في ضبطه.
стр. 248
٩٩ - إقران المشيئة للفظ التعديل منزل لهُ عن مرتبته.
١٠٠ - قول: "ثقة صدوق" أعلى من "صدوق" فقط وأدنى من "ثقة" فقط.
١٠١ - قولهم: "ثقة لا بأس به" أعلى من: "لا بأس به" فقط وأدنى من "ثقة" فقط.
١٠٢ - قول: "ثقة يغرب" أشد من قولهم: "ثقة له أفراد"، لما يستفاد من معنى الاستغراب.
١٠٣ - إن الإمام البخاري لا يُقْدم على إقران راوٍ بآخر في صحيحه إِلَّا لنكتةٍ مثل: الدلالة على اتحاد لفظ الراويين، أو بيان أن للشيخ أكثر من راوٍ أو الإشارة إلى متابعة، أو غير ذلك.
١٠٤ - الدلالة المعنوية للصدق تخلص ما بين المتقدمين والمتأخرين، فعلى حين كان ذا دلالة راجعة إلى العدالة فقط في مفهوم المتقدمين، ولا تشمل الحفظ بحال من الأحوال؛ لذا كان أبو حاتم الرازي كثيرًا ما يقول: ضعيف الحديث، أو: مضطرب الحديث ومحله عندي الصدق.
فقد أصبح ذا دلالة تكاد تختص بالضبط عند المتأخرين، ولذا جعلوا لفظة صدوق من بين ألفاظ التعديل.
١٠٥ - الاختلاف في اسم الراوي أو نسبته أو كنيته لا يدل بحال من الأحوال على جهالة ذلك الراوى، وقد نص الخطيب وغيره على ذلك (١).
_________
(١) الكفاية: ٣٧٥ الطبعة الهندية و ٥٣٣ الطبعة التيجانية. وانظر الإرشاد للنووى (١/ ٢٩٩)، والتقريب (ص ٩٤)، والتدريب (١/ ٣٢١).
стр. 249
الموسوعة الحديثية
المسند المحيط المعلل
الدكتور
عبد اللطيف الهميم
المجلد الثاني
مسند آبي اللحم - أُبيّ بن كعب
стр. 250
مسند آبي اللحم ﵁
هو أبي اللحم ﵁ قيل: اسمه عبد الله بن عبد الملك بن عبد الله، وقيل: اسمه عبد الله بن عبد الله، وقيل: اسمه دخلت بن مالك، وقيل: اسمه الحويرث بن عبد الله بن دخلت بن مالك بن عبد الله بن حارثة بن غفار بن مالك الغفاري، كان شريفًا شاعرًا من قدماء الصحابة. وسمي آبي اللحم لأنه يأبى أن يأكل اللحم، وقيل: شهد خيبر، وقتل يوم خيبر، وقيل شهد حنينا، وقل يوم حنينًا (١).
١ - عن آبي اللحم ﵁ "أنه رأى رسولَ الله ﷺ عندَ أحجارِ الزيتِ يستسقي وهو مقنع بكفيهِ يدعو".
إسناده صحيح.
- أخرجه أحمد ٥/ ٢٢٣ (٢١٩٤٣)، والترمذي (٥٥٧)، قالا: حَدَّثَنَا قتيبة. والنسائي في "المجتبى" ٣/ ١٥٨. وفي "الكبرى"، له (١٨٢٠) قال: أخبرنا قتيبة. والطبراني في "المعجم الكبير" ٧/ ١٦٥ (٦٧١٤) قال: حَدَّثَنَا المطلب بن شعيب، قال: حَدَّثَنَا عبد الله بن صالح. وأبو نعيم في "معرفة الصحابة" (١٠٩٩)، قال: حَدَّثَنَا إبراهيم بن عبد الله، قال: حَدَّثَنَا محمد بن إسحاق، قال: حَدَّثَنَا قتيبة، وابن أبي عيسى المدني في "اللطائف" ٥/ ٣٠ (٤٣٤)، قد: أخبرنا أبو علي الحسن بن أحمد بن الحسن الحداد، قال: حَدَّثَنَا أبو نعيم أحمد بن عبد الله الحافظ، قال: حَدَّثَنَا عبد الله بن جعفر بن أحمد، قال: حَدَّثَنَا إسماعيل بن عبد الله بن مسعود، قال: حَدَّثَنَا عبد الله بن