← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17865

فقه عمل اليوم والليلة

عبد الله بن مانع الروقي

Полный текст (297 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

فصل في معنى قول ابن عباس «عجلت الرواح حين زاغت الشمس» وهنا إشكال في هذا الخبر وهو ما خرجه البخاري قال: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله، حدثني إبراهيم بن سعد، عن صالح، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس ﵄ قال: كنت أقرئ رجالاً من المهاجرين، منهم عبد الرحمن بن عوف، فبينما أنا في منزله بمنى، وهو عند عمر بن الخطاب، في آخر حجة حجها، إذ رجع إلي عبد الرحمن فقال: «لو رأيت رجلا أتى أمير المؤمنين اليوم، فقال: يا أمير المؤمنين، هل لك في فلان؟ يقول: لو قد مات عمر لقد بايعت فلانا، فوالله ما كانت بيعة أبي بكر إلا فلتة فتمت»، فغضب عمر، ثم قال: «إني إن شاء الله لقائم العشيةَ في الناس، فمحذرهم هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمورهم». قال عبد الرحمن: فقلت: «يا أمير المؤمنين لا تفعل، فإن الموسم يجمع رعاع الناس وغوغاءهم، فإنهم هم الذين يغلبون على قربك حين تقوم في الناس، وأنا أخشى أن تقوم فتقول مقالة يطيرها عنك كل مطير، وأن لا يعوها، وأن لا يضعوها على مواضعها، فأمهل حتى تقدم المدينة، فإنها دار الهجرة والسنة، فتخلص بأهل الفقه وأشراف الناس، فتقول ما قلت متمكنا، فيعي أهل العلم مقالتك، ويضعونها على مواضعها». فقال عمر: «أما

стр. 107

والله - إن شاء الله - لأقومن بذلك أول مقام أقومه بالمدينة». قال ابن عباس: فقدمنا المدينة في عقب ذي الحجة، «فلما كان يوم الجمعة عجلت الرواح حين زاغت الشمس حتى أجد سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل جالسا إلى ركن المنبر، فجلست حوله تمس ركبتي ركبته ..» (١) الحديث .. ووجه الإشكال: قول ابن عباس ﵄: عجلت الرواح حين زاغت الشمس. وقد يقال: هذه اللفظة للأويسي عن صالح عن ابن كيسان، وقد خالف أصحاب الزهري، كمالك ويونس وابن عيينة والليث ومعمر وأبي بكر بن حزم، فبعض ألفاظهم سقط هذا الحرف جملة وفي لفظ مالك كما عند أحمد:

стр. 108

«عجلت الرواح صكة الأعمى»، فقلت لمالك: وما صكة الأعمى؟ قال: إنه لا يبالي أي ساعة خرج، لا يعرف الحر والبرد ونحو هذا .. (١) ا. هـ. وفي لفظ هشيم عند ابن حبان: «فلما كان يوم الجمعة عجلت الرواح في شدة الحر فوجدت سعيد بن زيد قد سبقني». ا. هـ. فإن قيل في النهاية وغيرها ما نصه: وفيه «أنه نهى عن الصلاة إذا قام قائم الظهيرة صكة عمي» يريد أشد الهاجرة، ولكن الإشكال قائم، فقد قال في النهاية: "يقال: لقيته صكة عمي: أي نصف النهار في شدة الحر، ولا يقال إلا في القيظ؛ لأن الإنسان إذا خرج وقتئذ لم يقدر أن يملأ عينيه من ضوء الشمس" (٢).ا. هـ. وكذا قال غير واحد من أهل اللغة، فالله أعلم. والأدلة في التبكير محكمة، وقد يقال: أراد بقوله: «زاغت الشمس» ارتفاعها، لا زوالها.

стр. 109

فصل في جواز السفر يوم الجمعة ما لم تزل الشمس أو يؤذن الأذان الذي بعده الخطبة ويوم الجمعة كغيره من الأيام في جواز السفر فيه قبل أن تزول الشمس، أو يؤذن المؤذن الذي يلي أذانه الخطبة في قول أكثر أهل العلم، فإن زالت الشمس أو أذن للصلاة فلا يجوز حينئذ السفر، ويجب عليه حضور الجمعة؛ لتوجه الخطاب إليه في قوله جل وعلا ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩ [الآية .. إلا في صور .. الأولى: أن يكون مضطرا إلى السفر وتحصل له مشقة إذا ترك السفر. الثانية: أن يسافر، لكن سيشهد الجمعة في طريقه. الصورة الثالثة: إذا خاف فوت رفقة، وفي عصرنا كخوف فوت الطائرة التي يسافر عليها.

стр. 110

فصل لا تجب على المسافر جمعة ولو كان في مصر ولا يجب على المسافر حضور الجمعة، بل يصليها ظهراً مقصورةً، حتى لو كان في مصر يسمع الأذان. وقد بسطت الكلام على ذلك في مواضع من كتبي، منها: شرح كتاب الحج من بلوغ المرام. والحمد لله حمد الشاكرين.

стр. 111

فصل في عدد ساعات النهار والليل والأصل في ذلك واليوم اثنتا عشرة ساعة، وكذلك الليلة، لا يزيد عددها في النهار عن هذا ولا ينقص، وكذا ساعات الليل، فيكون المجموع أربعا وعشرين ساعة، وهذه الساعات قريبة من ساعاتنا في المقدار، تزيد عليها أو تنقص عنها باختلاف الدهر صيفا وشتاء، فساعات النهار المذكورة في الشتاء أقصر من ساعاتنا الوقتية؛ لقصر النهار، وساعات الليل أطول، وفي الصيف بالعكس. وتقسيم اليوم والليلة إلى هذه الساعات من القديم المعمول به عند أهل الفلك، وتسمى ساعات تعديلية. والأصل في ذلك: حديث ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن الجلاح، مولى عبد العزيز، أن أبا سلمة بن عبد الرحمن حدثه، عن جابر بن عبد الله ﵂ عن رسول الله ﷺ قال: «يوم الجمعة اثنتا عشرة ساعة، لا يوجد فيها عبد مسلم يسأل الله شيئا إلا آتاه إياه، فالتمسوها آخر ساعة بعد العصر» (١).

стр. 112

والغالب على العرب قياس الأزمنة بغير الساعات، قال في فتح الباري في شرح حديث زيد بن ثابت ﵁ في مكثه بين السحور والدخول في الصلاة: "قال المهلب وغيره: فيه تقدير الأوقات بأعمال البدن، وكانت العرب تقدر الأوقات بالأعمال، كقولهم: قدر حلب شاة، وقدر نحر جزور، فعدل زيد بن ثابت ﵁ عن ذلك إلى التقدير بالقراءة؛ إشارة إلى أن ذلك الوقت كان وقت العبادة بالتلاوة، ولو كانوا يقدرون بغير العمل لقال - مثلا - قدر درجة أو ثلث خمس ساعة، وقال بن أبي جمرة: فيه إشارة إلى أن أوقاتهم كانت مستغرقة بالعبادة " (١) ا. هـ.

стр. 113

فصل في وقت القيلولة وكانت قائلة القوم - وهي استراحتهم، سواء كان معها نوم أم لا، وقعودهم عن الانتتشار والكسب - منتصف النهار، وهذا ينتظم قبل الزوال وبعده، وكانوا يقيلون قبل صلاة الظهر ويبردون بها، عدا يوم الجمعة؛ فلأجل تبكيرهم لها كانوا يقيلون بعدها، فتكون قائلتهم وغداؤهم بعد الجمعة عوضا عما فاتهم في وقته من أجل بكورهم. وقد روينا في صحيح البخاري من طريق أبي حازم، عن سهل بن سعد ﵁ قال: «إنْ كنا لنفرح بيوم الجمعة، كانت لنا عجوز تأخذ أصول السلق، فتجعله في قدر لها، فتجعل فيه حبات من شعير، إذا صلينا زرناها فقربته إلينا، وكنا نفرح بيوم الجمعة من أجل ذلك، وما كنا نتغدى، ولا نقيل إلا بعد الجمعة، والله ما فيه شحم ولا ودك» (١). وهذا يدل على أن الجمعة لا إبراد فيه، ولا تؤخر، كما دلت السنة على ذلك.

стр. 114

وفي أول وقت هذه القيلولة قبل أن تزول الشمس - وهي ممتدة إلى ما بعد الزوال - لا يفزع إلى الصلاة مع الركون إلى الراحة إلا أوّاب، وهو آخر وقت الضحى، وأشده حرا، وفيه حصول الرمضاء؛ لذا تقدم حديث» صلاة الأوابين حين ترمض الفصال». قال في فيض القدير: «صلاة الأوّابين «بالتشديد، أي الرجاعين إلى الله بالتوبة والإخلاص في الطاعة وترك متابعة الهوى» حين تَرمَض «بفتح التاء والميم، وفي رواية لمسلم» إذا رمضت «» الفصال «أي حين تصيبها الرمضاء فتحرق أخفافها؛ لشدة الحر، فإن الضحى إذا ارتفع في الصيف يشتد حر الرمضاء فتحرق أخفاف الفصال؛ لمماستها، وإنما أضاف الصلاة في هذا الوقت إلى الأوابين؛ لأن النفس تركن فيه إلى الدعة والاستراحة، فصرفها إلى الطاعة والاشتغال فيه بالصلاة رجوع من مراد النفس إلى مرضاة الرب. ذكره القاضي. وقال ابن الأثير: المراد صلاة الضحى عند الارتفاع واشتداد الحر واستدل به على فضل تأخير الضحى إلى شدة الحر" (١).ا. هـ

стр. 115

وقال السيوطي في شرح سنن ابن ماجه ما نصه: "إذا ارتفعت الشمس من جانب المشرق مقدار ارتفاعها وقت العصر صلى الضحى، وهذه هي الضحوة الصغرى، وهو وقت الإشراق، وهذا الوقت هو أوسط وقت الإشراق وأعلاها، وأما دخول وقته فبعد طلوع الشمس وارتفاعها مقدار رمح أو رمحين حين تصير الشمس بازغة ويزول وقت الكراهة، وكان ﷺ يصلي هذه الصلاة غالباً ركعتين، وقد أمر بالأربع أيضا، وفي الحديث القدسي: «يا ابن ادم اركع لي أربع ركعات أول النهار أكفك آخره»، وأما الصلاة الثانية فهي الضحوة الكبرى فكان يصليها أحيانا ويتركها أحيانا، ووقتها في الحديث الآخر: «حين ترمض الفصال»، وهذه الساعة حين تبقى الساعة النجومية من الزوال غالبا، وهذا المقدار أدنى ركعات الضحى" (١) ا. هـ.

стр. 116

فصل في وقت النهي عن النافلة منتصف النهار قبل الزوال فإن حضرت ساعة قيام الشمس في كبد السماء فوقت نهي عن صلاة النافلة، وهو الوقت الثالث عند البسط، والثاني عند الإجمال، وهو وقت يسير. وفي حديث عمرو بن عبسة - وقد تقدم -» ... ثم صل فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى يستقل الظل بالرمح، ثم أقصر عن الصلاة، فإن حينئذ تسجر جهنم، فإذا أقبل الفيء فصل»، وفي حديث عقبة - وقد تقدم -» .. حين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس ..». قال في المرقاة: «وحين يقوم قائم الظهيرة «: وهي شدة الحر نصفَ النهار. في شرح السنة: قيام الشمس: وقت الزوال، مِن (قام) إذا وقف، نقله الطيبي، وقيل: حين تستوي الشمس وتصل إلى خط نصف النهار، مِن (قام) إذا اعتدل. قال ابن الملك: وقت الظهر تكون الشمس واقفة عن السير، وتثبت في كبد السماء لحظة ثم تسير، وقيل: يظن أنها واقفة، قلت: هذا هو المعتمد.

стр. 117

قال الطيبي: الشمس إذا بلغت وسط السماء أبطأت حركة الظل إلى أن تزول، فيتخيل للناظر المتأمل أنها وقفت وهي سائرة، قلت: قال تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [النمل: ٨٨]، والله أعلم بالصواب. قال النووي: معناه: حين لا يبقى للقائم في الظهيرة ظل في المشرق والمغرب. قال ابن حجر: الظهيرة: هي نصف النهار، وقائمها إما الظل، وقيامه وقوفه؛ من (قامت به دابته): وقفت، والمراد بوقوفه بطء حركته الناشئ عن بطء حركة الشمس حينئذ، باعتبار ما يظهر للناظر ببادئ الرأي، وإلا فهي سائرة على حالها، وإما للقائم فيها لأنه حينئذ لا يميل له ظل إلى جهة المشرق، ولا إلى جهة المغرب، وذلك كله كناية عن وقت استواء الشمس في وسط السماء، «حتى تميل الشمس» أي: من المشرق إلى المغرب، وتزول عن وسط السماء إلى الجانب الغربي، وميلها هذا: هو الزوال.

стр. 118

قال ابن حجر: ووقت الاستواء المذكور وإن كان وقتا ضيقا لا يسع صلاة إلا أنه يسع التحريمة، فيحرم تعمد التحريم فيه" (١) ا. هـ. وقال أبو الفضل في فتح الباري: ومحصل ما ورد من الأخبار في تعيين الأوقات التي تكره فيها الصلاة أنها خمسة: عند طلوع الشمس، وعند غروبها وبعد صلاة الصبح، وبعد صلاة العصر، وعند الاستواء، وترجع بالتحقيق إلى ثلاثة من بعد صلاة الصبح إلى أن ترتفع الشمس، فيدخل فيه الصلاة عند طلوع الشمس، وكذا من صلاة العصر إلى أن تغرب الشمس. ولا يعكر على ذلك أن من لم يصل الصبح مثلاً حتى بزغت الشمس يكره له التنفل؛ حينئذ لأن الكلام إنما هو جار على الغالب المعتاد، وأما هذه الصورة النادرة فليست مقصودة وفي الجملة عدها أربعة أجود وبقي خامس وهو الصلاة وقت استواء الشمس، وكأنه لم يصح عند المؤلف - قلت: يعني البخاري - على شرطه فترجم على نفيه. وفيه أربعة أحاديث:

стр. 119

حديث عقبة بن عامر ﵁: وهو عند مسلم، ولفظه: «وحين يقوم قائم الظهيرة حتى ترتفع». وحديث عمرو بن عبسة ﵁: وهو عند مسلم أيضا، ولفظه: «حتى يستقل الظل بالرمح، فإذا أقبل الفيء فصلّ»، وفي لفظ لأبي داود: «حتى يعدل الرمح ظله». وحديث أبي هريرة ﵁: وهو عند بن ماجه، والبيهقي، ولفظه: «حتى تستوي الشمس على رأسك كالرمح، فإذا زالت فصلّ». وحديث الصنابحي ﵁: وهو في الموطأ، ولفظه: «ثم إذا استوت قارنها، فإذا زالت فارقها ..»، وفي آخره «... ونهى رسول الله ﷺ عن الصلاة في تلك الساعات» وهو حديث مرسل مع قوة رجاله. وفي الباب أحاديث أخر ضعيفة " (١) ا. هـ.

стр. 120

وأما مقدار هذا الوقت: فقد قال في الدرر السنية ما نصه: "سئل الشيخ عبد الله أبا بطين: عن قدر وقت النهي عند قيام الشمس ... إلخ؟ فأجاب: وقت النهي عند قيام الشمس يعرف بتناهي الظل في النقص، فإذا وقف عن النقص قبل أن يأخذ في الزيادة فهذا حين قيامها، وهو وقت قصير جدا، وفي كلام بعضهم: أنه ما يمكن فيه قراءة الفاتحة" (١).ا. هـ. قلت: ساعة الزوال هي ساعة تحول وهي تشبه ساعة الغروب، وهي بداية سقوط القرن الأدنى للشمس، ثم الأعلى، فما بينهما هي ساعة تحول كاملة متحققة، وهذا نحو دقيقتين أو ثلاث ولا يزيد عن ذلك. والأصل في كلمة ساعة: اليسير من الزمن، قال في النهاية: "والساعة في الأصل تطلق بمعنيين: أحدهما: أن تكون عبارة عن جزء من أربعة وعشرين جزءا هي مجموع اليوم والليلة. والثاني: أن تكون عبارة عن جزء قليل من النهار أو الليل. يقال جلست عندك ساعة من النهار: أي وقتاً قليلاً منه، ثم استعير لاسم يوم القيامة.

стр. 121

قال الزجاج: معنى الساعة في كل القرآن: الوقت الذي تقوم فيه القيامة، يريد أنها ساعة خفيفة يحدث فيها أمر عظيم، فلقلة الوقت الذي تقوم فيه سماها ساعة. والله أعلم" (١).ا. هـ.

стр. 122

ثالثا: من بعد الزوال ودخول وقت الظهر إلى مصير ظل الشيء مثله o فصل في أول وقت الظهر وما جاء في فضله o فصل لا يصح حديث جابر بن عبد الله في استجابة الدعاء يوم الأربعاء بين الصلاتين o فصل في أداء الظهر في أول وقتها ما لم كن حر فيبرد بها o فصل في حد الإبراد o فصل إذا شرع الإبراد للظهر شرع تأخير الأذان معه o فصل راتبة الظهر القبلية أربع ركعات بسلامين o لا يصح حديث مرفوع في سرد النافلة في النهار أربعا من غير تسليم o فصل راتبة الظهر القبلية أربع ركعات بسلامين o فصل لا يصح حديث المداومة على أربع قبل الظهر وأربع بعدها o فصل في الانشغال في هذا الوقت بما يعود عليه بالنفع في أخراه o مسألة في قضاء النبي ﷺ راتبة الظهر البعدية بعد العصر، وأن ذلك من خصائصه

стр. 123

فصل في أول وقت الظهر وما جاء في فضله وحينئذ يدخل وقت فرض الظهر بالنص والإجماع، وهو وقت فاضل شريف وقد أخرج أحمد في مسنده غيره من طرق عن حماد بن سلمة، عن أبي عمران الجوني، قال بهز: قال أخبرنا أبو عمران الجوني، عن علقمة بن عبد الله المزني، عن معقل بن يسار: أن عمر استعمل النعمان بن مقرن ﵂ ..»، فذكر الحديث، قال - يعني النعمان -: ولكني «شهدت رسول الله ﷺ فكان إذا لم يقاتل أول النهار أخر القتال حتى تزول الشمس، وتهب الرياح، وينزل النصر» (١). وأخرج البخاري من طريق موسى بن عقبة، عن سالم أبي النضر، مولى عمر بن عبيد الله - وكان كاتبا له - قال: كتب إليه عبد الله بن أبي أوفى ﵄، فقرأته: إن رسول الله ﷺ في بعض أيامه التي لقي فيها، انتظر حتى مالت الشمس، ثم قام في الناس خطيباً قال: «أيها الناس، لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا

стр. 124

لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف»، ثم قال: «اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم» (١). قال أبو الفضل في شرح البخاري: "فيظهر أن فائدة التأخير؛ لكون أوقات الصلاة مظنة إجابة الدعاء، وهبوب الريح قد وقع النصر به في الأحزاب فصار مظنة لذلك والله أعلم" (٢) ا. هـ. وعند العيني ما نصه: "وروى أحمد في مسنده من حديث عبد الله بن أبي أوفى ﵁، قال: «كان النبي ﷺ يحب أن ينهض إلى عدوه عند زوال الشمس». وروى الطبراني من حديث عتبة بن غزوان السلمي ﵁، قال: كنا نشهد مع رسول الله، ﷺ ، القتال فإذا زالت الشمس قال لنا: «احملوا «فحملنا. وروى أيضا من حديث ابن عباس ﵄: «أن رسول الله، ﷺ كان إذا لم يلق العدو أول النهار أخر حتى تهب الرياح، ويكون عند مواقيت الصلاة» (٣).ا. هـ.

стр. 125

قلت: ويشهد لحديث ابن عباس ما وقع في البخاري تحت باب: "الجزية والموادعة مع أهل الحرب"، وفيه: فقال النعمان ﵁: ربما أشهدك الله مثلها مع النبي ﷺ ، فلم يندمك، ولم يخزك، ولكني شهدت القتال مع رسول الله ﷺ » كان إذا لم يقاتل في أول النهار، انتظر حتى تهب الأرواح، وتحضر الصلوات (١)». وأخرج الترمذي من طريق عبد الكريم الجزري، عن مجاهد، عن عبد الله بن السائب ﵁، أن رسول الله ﷺ كان يصلي أربعا بعد أن تزول الشمس قبل الظهر، وقال: «إنها ساعة تفتح فيها أبواب السماء، وأحب أن يصعد لي فيها عمل صالح». وفي الباب عن علي، وأبي أيوب: حديث عبد الله بن السائب حديث حسن غريب (٢). وأخرج أحمد من طريق الأعمش، عن المسيب بن رافع، عن علي بن الصلت، عن أبي أيوب الأنصاري ﵁: أنه كان يصلي أربع ركعات قبل الظهر، فقيل له: إنك تديم هذه الصلاة فقال: إني رأيت رسول الله ﷺ يفعله فسألته،

стр. 126

فقال: «إنها ساعة تفتح فيها أبواب السماء، فأحببت أن يرتفع لي فيها عمل صالح (١)». وهي أخبار حسان تقرر ما تقدم من أفضلية الوقت وقبول العمل. فائدة: سمعت شيخنا ابن باز ﵀ يعلق على تشابه الشرح بين ابن حجر والعيني بقوله: كانت بينهما مصاهرة.

стр. 127

فصل لا يصح حديث جابر بن عبد الله في استجابة الدعاء يوم الأربعاء بين الصلاتين وهنا تنبيه على حديث أخرجه أحمد: حدثنا أبو عامر، حدثنا كثير - يعني ابن زيد - حدثني عبد الله بن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، حدثني جابر - يعني ابن عبد الله - ﵄» أن النبي ﷺ دعا في مسجد الفتح ثلاثا: يوم الاثنين، ويوم الثلاثاء، ويوم الأربعاء، فاستجيب له يوم الأربعاء بين الصلاتين، فعرف البشر في وجهه»، قال جابر: «فلم ينزل بي أمر مهم غليظ، إلا توخيت تلك الساعة، فأدعو فيها فأعرف الإجابة (١)». إسناده ضعيف، كثير بن زيد فيه لين،، وقد تفرد بهذا الخبر وعبد الله بن عبد الرحمن بن كعب، فيه جهالة (٢).

стр. 128

فالخبر ضعيف، ولو صح فالمؤثر في الإجابة هو تكرار الدعاء، فهو المعهود في الآثار والمعروف في الأخبار. فإن قيل: يدفع هذا كلام جابر ﵁: فالجواب من وجهين: أولهما: ضعف الخبر، فإنه يتضمن ضعف كل أجزاء الخبر، المرفوع منها والموقوف. والثاني: لو صح الخبر: هذا من ظن هذا الصحابي الجليل، والأصل في دعاء المؤمن الاستجابة - وعدم الاستجابة على خلاف الأصل - فضلاً من الله وكرماً، هذا في آحاد المؤمنين، فكيف بالصفوة منهم من أصحاب النبي ﵊؟

стр. 129

فصل في أداء الظهر في أول وقتها ما لم يكن حر فيبرد بها والأولى البدار بأداء الفرض في أول الوقت، بعد الفراغ من راتبتها القبلية - وهي أربع ركعات بسلامين - ما لم يكن ثَم حر، فيستحب الإبراد حينئذ، وهكذا جميع الصلوات الخمس، يستحب أداؤها في أول الوقت، سوى الظهر حال الإبراد كما تقدم، والعشاء ما لم يشق على الناس، وسيأتي إن شاء الله ذكره في مكانه بحول الله وعونه، الأصل في ذلك ما دلت عليه الأخبار، وهو فعل النبي عليه الصلاة السلام الراتب. وقد أخرج البخاري من طريق عوف، عن سيار بن سلامة، قال: دخلت أنا وأبي على أبي برزة الأسلمي ﵁، فقال له أبي: كيف كان رسول الله ﷺ يصلي المكتوبة؟ فقال: «كان يصلي الهجير، التي تدعونها الأولى، حين تدحض الشمس» (١).

стр. 130

وأخرج مسلم من طريق شعبة، عن سماك، عن جابر بن سمرة ﵁، قال: «كان النبي ﷺ يصلي الظهر إذا دحضت الشمس» (١) أي زالت. وعند البخاري من طريق عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان التيمي، عن أنس بن مالك ﵁: «أن النبي ﷺ كان يصلي الجمعة حين تميل الشمس» (٢). وأما استحباب الإبراد: فهو عام في الحضر والسفر، في الظهر خاصة. وليس في الجمعة إبراد: فإن النبي ﷺ كان يصليها عقب الزوال. قال في منهاج السنة ما نصه: "وأما يوم الجمعة فالصلاة عقب الزوال أفضل، ولا يستحب الإبراد بالجمعة؛ لما فيه من المشقة على الناس" (٣) ا. هـ. وقال في شرح العمدة: "وأما الجمعة فالسنة أن تصلى في أول وقتها في جميع الأزمنة؛ لأن النبي ﷺ كان يصليها في أول الوقت شتاء وصيفا، ولم يؤخرها هو ولا أحد من أصحابه، بل ربما كانوا يصلونها قبل الزوال؛ وذاك لأن الناس يجتمعون لها، إذ السنة التبكير إليها، ففي تأخيرها إضرار بهم" (٤).ا. هـ.

стр. 131

ولذا قال البخاري في صحيحه: "باب الإبراد بالظهر في شدة الحر"، ثم روى من طريق صالح بن كيسان، حدثنا الأعرج عبد الرحمن، وغيره، عن أبي هريرة ﵁، ونافعٌ مولى عبد الله بن عمر، عن عبد الله بن عمر ﵄: أنهما حدثاه عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم» (١). ثم قال: "باب الإبراد بالظهر في السفر" وأخرج من طريق زيد بن وهب، عن أبي ذر الغفاري ﵁، قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر، فأراد المؤذن أن يؤذن للظهر، فقال النبي ﷺ : «أبرد» ثم أراد أن يؤذن، فقال له: «أبرد» حتى رأينا فيء التلول، فقال النبي ﷺ : «إن شدة الحر من فيح جهنم، فإذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة» (٢). والخبر الأول أخرجه الستة. وفيه من الفوائد: أن الشارع يراعي المزية الراجعة إلى صلب العبادة وذاتها على المزية الراجعة إلى زمان العبادة أو حتى مكانها - ما داما باقيين - وهي قاعدة شريفة لها صور عديدة.

стр. 132

فائدة: قال ابن رجب في شرح البخاري: "وهذا يدل على أن شدة الحر عقيب الزوال من أثر تسجرها، فكما تمنع الصلاة وقت الزوال، فإنه يستحب تأخرها بعد الزوال حتى يبرد حرها ويزول شدة وهجها؛ فإنه إثر وقت غضب، والمصلي يناجي ربه، فينبغي أن يتحرى بصلاته أوقات الرضا والرحمة، ويجتنب أوقات السخط والعذاب، وعلى هذا فلا فرق بين المصلي وحده وفي جماعة أيضا، و الأمر بالإبراد أمر ندب واستحباب، لا أمر حتم وإيجاب ، هذا مما لا خلاف فيه بين العلماء" (١).ا. هـ. . قال الشيخ البسام في تيسير العلام ما نصه: فائدة: قال شيخنا عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي عند كلام له على هذا الحديث: "ولا منافاة بين هذا وبين الأسباب المحسوسة، فإنها كلها من أسباب الحر والبرد كما في الكسوف وغيره. فينبغي للإنسان أن يثبت الأسباب الغيبية التي ذكرها الشارع، ويؤمن بها ويثبت الأسباب المشاهدة المحسوسة، فمن كذب أحدهما، فقد أخطأ" (٢).ا. هـ.

стр. 133

فصل في حد الإبراد فإن قيل فما حد الإبراد؟ فالجواب عنه: أن يقال: أحسن ما في الباب ما أخرجه أبو داود من طريق أبي مالك الأشجعي سعد بن طارق، عن كثير بن مدرك، عن الأسود، أن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «كانت قدر صلاة رسول الله ﷺ في الصيف ثلاثة أقدام إلى خمسة أقدام، وفي الشتاء خمسة أقدام إلى سبعة أقدام» (١). وهذا في المدينة النبوية - حرسها الله - يقتضي أن صلاة الظهر تقع في آخر الربع الثالث من وقت الظهر إلى أول الرابع. وهذا يلتقي تماما مع ما ذكره النووي في المجموع: "إن قامة الإنسان ستة أقدام ونصف بقدم نفسه " (٢) ا. هـ.

стр. 134

فلو قدر أن أذان صلاة الظهر الساعة الثانية عشرة تماما وخروجه الثالثة، فيكون وقت الإبراد في الثانية والربع قبلها بقليل، وهو آخر الربع الثالث، وبعد ذلك بقليل وهو أول الربع الرابع، فربع الوقت: ساعة إلا ربع بساعاتنا. وقال أبو العباس في شرح العمدة ما نصه: "وينبغي أن يقصد في الإبراد بحيث يكون بين الفراغ منها وبين آخر الوقت فصل؛ لأن المقصود من الإبراد يحصل بذلك؛ ولهذا فإن في حديث أبي ذر ﵁» حتى رأينا فيء التلول». وقال عبد الله بن مسعود ﵁: «كانت صلاة رسول الله ﷺ في الصيف ثلاثة أقدام إلى خمسة أقدام «رواه أبو داود، ولأن الإبراد الشديد يخاف معه أن يفعل بعض الصلاة بعد خروج الوقت. والله أعلم" (١) .. ا. هـ. قلت: وهو متحقق فيما قررت بحمد الله.

стр. 135

فصل إذا شرع الإبراد للظهر شرع تأخير الأذان معه وإذا شرع الإبراد بالصلاة شرع تأخير الأذان معه، وهذا مبني على أصل شرعية الأذان، هل هو للإعلام بدخول الوقت؟ أو للاجتماع لأداء الصلاة؟ والصحيح الثاني، ودل عليه حديث أبي ذر المتقدم. قال الحافظ في الفتح ما نصه: "فإن قيل الإبراد للصلاة فكيف أمر المؤذن به للأذان؟ فالجواب: أن ذلك مبني على أن الأذان هل هو للوقت أو للصلاة؟ وفيه خلاف مشهور، والأمر المذكور يقوي القول بأنه للصلاة" (١) .. ا. هـ. وقال في الشرح الممتع: "لأن الأذان لا يتقيد بأول الوقت؛ ولهذا إذا شرع الإبراد في صلاة الظهر شرع تأخير الأذان أيضا" (٢).ا. هـ

стр. 136

فصل راتبة الظهر القبلية أربع ركعات بسلامين وراتبة الظهر القبلية كما تقدم أربع ركعات بسلامين، وقد أخرج البخاري من طريق إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن أبيه، عن عائشة ﵂: «أن النبي ﷺ كان لا يدع أربعا قبل الظهر، وركعتين قبل الغداة» (١). وأخرج مسلم من طريق عبد الله بن شقيق، قال: سألت عائشة ﵂ عن صلاة رسول الله ﷺ ، عن تطوعه؟ فقالت: «كان يصلي في بيتي قبل الظهر أربعا، ثم يخرج فيصلي بالناس، ثم يدخل فيصلي ركعتين ..» (٢) الحديث .. وكل الأحاديث التي فيها السرد في النافلة نهارا فلا يصح منها شيء، وإنما صح عن ابن عمر ﵄ سرده أربعا. قال عبد الرزاق في مصنفه: أخبرنا عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر ﵄: «أنه كان يصلي بالليل مثنى مثنى، وبالنهار أربعا ثم يسلم» (٣).

стр. 137

وقال: أخبرنا معمر، عن أيوب، عن نافع. والثوريُّ، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ مثله .. (١). والصحيح أن صلاة الليل والنهار مثنى مثنى، سوى الوتر من صلاة الليل، كما سيأتي بيانه، إن شاء الله. وخبر علي البارقي عن ابن عمر ﵄ يرفعه» صلاة الليل والنهار مثنى مثنى «تفرد به علي عن سائر أصحاب ابن عمر، قيل: عددهم خمسة عشر نفسا، وهو خبر شاذ بهذه الزيادة، على أن البخاري صححه فيما رواه عنه البيهقي بسند صحيح. قال البيهقي في سننه: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأ أبو محمد إسماعيل بن علي الحطبي ببغداد، قرأت عليه فأقر به، ثنا حسين بن فهم، ثنا يحيى بن معين، ثنا غندر، عن شعبة، عن يعلى بن عطاء الأزدي، عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «صلاة الليل والنهار مثنى مثنى»، وكذلك رواه معاذ بن معاذ، عن شعبة، وكذلك رواه عبد الملك بن حسين، عن يعلى بن عطاء أنبأ أبو بكر الفارسي، أنبأ إبراهيم بن عبد الله الأصبهاني ثنا محمد بن سليمان بن فارس قال: سئل أبو عبد الله يعني البخاري عن حديث يعلى: أصحيح هو؟ فقال: نعم" (٢).ا. هـ.

стр. 138

فصل في قضاء راتبة الظهر القبلية فإن فاتت الأربع التي قبل الظهر استحب له قضاؤها بعد الظهر، وهل إباحة القضاء موقوفة على العذر أم لا؟ قولان. قال في الشرح الممتع: "عموم قوله ﷺ : «من نام عن صلاة، أو نسيها، فليصلها إذا ذكرها» وهذا يعم الفريضة والنافلة، وهذا إذا تركها لعذر؛ كالنسيان والنوم، والانشغال بما هو أهم. أما إذا تركها عمداً حتى فات وقتها فإنه لا يقضيها، ولو قضاها لم تصح منه راتبة؛ وذلك لأن الرواتب عبادات مؤقتة، والعبادات المؤقتة إذا تعمد الإنسان إخراجها عن وقتها لم تقبل منه. ودليل ذلك: قوله ﷺ : «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد»، والعبادة المؤقتة إذا أخرتها عن وقتها عمداً فقد عملت عملاً ليس عليه أمر الله ورسوله؛ لأن أمر الله ورسوله أن تصليها في هذا الوقت، فلا تكون مقبولة، وأيضا: فكما أنها لا تصح قبل الوقت فلا تصح كذلك بعده؛ لعدم وجود الفرق الصحيح بين

стр. 139

أن تفعلها قبل دخول وقتها أو بعد خروج وقتها، إذا كان لغير عذر. إذاً قوله: "من فاته شيء منها سن له قضاؤه" يقيد بما إذا فاته لعذر" (١) ا. هـ. قال أبو محمد: وهذا متجه في فوات وقت الفريضة، وأما فيما نحن بخصوصه فلا بأس إذا فاتت قبل الصلاة أن يقضيها بعدها، وقد يقال إن للراتبة القبلية هنا وقتين: وقت اختيار (قبل أداء الفريضة)، ووقت كراهة تزول بالعذر (بعد الفريضة) وقبل خروج الوقت. وقد أخرج ابن ماجه من طريق قيس بن الربيع، عن شعبة، عن خالد الحذاء، عن عبد الله بن شقيق، عن عائشة ﵂، قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا فاتته الأربع قبل الظهر، صلاها بعد الركعتين بعد الظهر» (٢). قال أبو عبد الله: لم يحدث به إلا قيس عن شعبة. وأخرجه الترمذي من وجه آخر من طريق عبد الله بن المبارك، عن خالد الحذاء، عن عبد الله بن شقيق، عن عائشة ﵂، «أن النبي ﷺ كان إذا لم يصل أربعا قبل الظهر صلاهن بعدها»، وقال: "هذا حديث حسن غريب، إنما نعرفه

стр. 140

من حديث ابن المبارك من هذا الوجه، ورواه قيس بن الربيع، عن شعبة، عن خالد الحذاء نحو هذا، ولا نعلم أحداً رواه عن شعبة غير قيس بن الربيع، وقد روي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن النبي ﷺ نحو هذا" (١) ا. هـ. قال أبو محمد: وفي خبر قيس زيادة، وهي اختصاص الراتبة البعدية بدبر الصلاة وهو سديد، وقيْسٌ على ما فيه من كلام إلا إنه يقبل في مثل هذا، وحتى لا تفوت البعدية حينئذ فيجمع بين فائتتين. قال في نيل الأوطار في كلامه على الحديثين ما نصه: "والحديثان يدلان على مشروعية المحافظة على السنن التي قبل الفرائض، وعلى امتداد وقتها إلى آخر وقت الفريضة؛ وذلك لأنها لو كانت أوقاتها تخرج بفعل الفرائض لكان فعلها بعدها قضاء، وكانت مقدمة على فعل سنة الظهر. وقد ثبت في حديث الباب أنها تفعل بعد ركعتي الظهر. ذكر معنى ذلك العراقي، قال: "وهو الصحيح عند الشافعية". وقال: "وقد يعكس هذا فيقال: لو كان وقت الأداء باقيا لقدمت على ركعتي الظهر"، وذكر أن الأوّل أوْلى" (٢) ا. هـ.

стр. 141

فصل لا يصح حديث المداومة على أربع قبل الظهر وأربع بعدها وأما حديث أم حبيبة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «من صلى قبل الظهر أربعاً، وبعدها أربعاً حرمه الله على النار «فغير محفوظ، قد أعله النسائي في سننه (١)، وأطال الدارقطني في ذكر طرقه كما في علله (٢)، وأشار إلى أن طريق شعبة ومن تابعه هو الصحيح. ا. هـ. قلت: فالقدر المحفوظ في حديث أم حبيبة ﵂ في التطوع هو ما أخرجه مسلم في صحيحه: قال: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن النعمان بن سالم، عن عمرو بن أوس، عن عنبسة بن أبي سفيان، عن أم حبيبة، زوج النبي ﷺ أنها قالت: سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: «ما من عبد مسلم يصلي لله كل يوم ثنتي عشرة ركعة تطوعاً، غير فريضة، إلا بنى الله له بيتاً في الجنة، أو إلا بُني له بيتٌ في الجنة»

стр. 142

قالت أم حبيبة: فما برحت أصليهن بعد وقال عمرو: ما برحت أصليهن بعد، وقال النعمان: مثل ذلك (١).

стр. 143

فصل في الانشغال في هذا الوقت بما يعود عليه بالنفع في أخراه ويشتغل في هذا الوقت بما يناسب الحال، ويقرب إلى خير المحالّ عند الله، من الطاعات والقرب. روى في الحلية من طريق نافع: «أن ابن عمر كان يُحيي بين الظهر إلى العصر» (١). وفي سير الذهبي: عون بن حكيم، قال: حججت مع الأوزاعي، فلما أتى المدينة، وأتى المسجد، بلغ مالكاً مقدمُه، فأتاه، فسلّم عليه، فلما صليا الظهر، تذاكرا أبواب العلم، فلم يذكرا باباً، إلا ذهب عليه الأوزاعي فيه، ثم صلوا العصر (٢) ا. هـ. وكان وكيع بن الجراح الجهبذ يعلم الناس من القرآن ما يؤدون به فرضهم في هذا الوقت، ففي ترجمته في السير: سفيان بن وكيع، قال: كان أبي يجلس

стр. 144

لأصحاب الحديث من بكرة إلى ارتفاع النهار، ثم ينصرف، فيقيل، ثم يصلي الظهر، ويقصد الطريق إلى المشرعة التي يصعد منها أصحاب الروايا، فيريحون نواضحهم، فيعلمهم من القرآن ما يؤدون به الفرض إلى حدود العصر، ثم يرجع إلى مسجده، فيصلي العصر، ثم يجلس يدرس القرآن، ويذكر الله إلى آخر النهار (١) ا. هـ. وفي ترجمة هناد بن السري ما نصه: وقال أحمد بن سلمة النيسابوري الحافظ: كان هناد ﵀ كثير البكاء، فرَغ يوماً من القراءة لنا، فتوضأ، وجاء إلى المسجد، فصلى إلى الزوال، وأنا معه في المسجد، ثم رجع إلى منزله، فتوضأ، وجاء فصلى بنا الظهر، ثم قام على رجليه يصلي إلى العصر، يرفع صوته بالقرآن، ويبكي كثيراً، ثم إنه صلى بنا العصر، وأخذ يقرأ في المصحف، حتى صلى المغرب (٢).ا. هـ. وفي ترجمة الحافظ عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي: كان لا يضيع شيئا من زمانه بلا فائدة، فإنه كان يصلي الفجر، ويلقن القرآن، وربما أقرأ شيئاً من الحديث تلقيناً، ثم يقوم فيتوضأ، ويصلي ثلاث مائة ركعة بالفاتحة والمعوذتين إلى

стр. 145

قبل الظهر، وينام نومة، ثم يصلي الظهر، ويشتغل إما بالتسميع، أو بالنسخ إلى المغرب، فإن كان صائما، أفطر، وإلا صلى من المغرب إلى العشاء، ويصلي العشاء، وينام إلى نصف الليل أو بعده، ثم قام كأن إنسانا يوقظه، فيصلي لحظة ثم يتوضأ ويصلي إلى قرب الفجر، ربما توضأ سبع مرات أو ثمانيا في الليل، وقال: ما تطيب لي الصلاة إلا ما دامت أعضائي رطبة، ثم ينام نومة يسيرة إلى الفجر، وهذا دأبه (١).ا. هـ .. وقال في الإحياء: "كان ذلك سنة السلف، كان الداخل يدخل المسجد بين الظهر والعصر فيسمع للمصلين دويا كدوي النحل من التلاوة، فإن كان بيته أسلمَ لدينه وأجمعَ لهمِّه فالبيت أفضل في حقه" (٢).ا. هـ. والنقول عن السلف في هذا الباب كثيرة والمقصود الإشارة والتنبيه. فائدة: قال في المحلى ما نصه: "مسألة: قال علي: وقت الظهر أطول من وقت العصر أبداً في كل زمان ومكان؛ لأن الشمس تأخذ في الزوال في أول الساعة
следующие страницы →