السلف الأول علموا أن غير هذه الصلاة خير منها صلاة الأوابين إذا رمضت الفصال» (١).
وهو أول وقت القيلولة، وسيأتي التنبيه على ذلك - إن شاء الله تعالى - في محله.
стр. 72
فصل
في تأكيد عمارة وقت الضحى بالذكر؛ لما يكثر فيه من الغفلة
وهذا الوقت - الضحى - تكثر فيه الغفلة، ويكثر فيه الانصراف والتشاغل، فتتأكد عمارته بالذكر وما يقرب إلى الله.
قال ابن رجب في شرح الأربعين ما نصه: "معلوم أن الله فرض على المسلمين أن يذكروه كل يوم وليلة خمس مرات، بإقامة الصلوات الخمس في مواقيتها المؤقتة، وشرع لهم مع هذه الفرائض الخمس أن يذكروه ذكرا يكون لهم نافلة، والنافلة: الزيادة، فيكون ذلك زيادة على الصلوات الخمس، وهي نوعان: أحدهما: ما هو من جنس الصلاة، فشرع لهم أن يصلوا مع الصلوات الخمس قبلها، أو بعدها أو قبلها وبعدها سننا، فتكون زيادة على الفريضة، فإن كان في الفريضة نقص، جبر نقصها بهذه النوافل، وإلا كانت النوافل زيادة على الفرائض.
وأطول ما يتخلل بين مواقيت الصلاة مما ليس فيه صلاة مفروضة ما بين صلاة العشاء وصلاة الفجر، وما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر، فشرع كل واحدة من هاتين الصلاتين صلاة تكون نافلة؛ لئلا يطول وقت الغفلة عن الذكر،
стр. 73
فشرع ما بين صلاة العشاء، وصلاة الفجر صلاة الوتر وقيام الليل، وشرع ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر صلاة الضحى.
وبعض هذه الصلوات آكد من بعض فآكدها الوتر، ولذلك اختلف العلماء في وجوبه، ثم قيام الليل، وكان النبي ﷺ يداوم عليه حضراً وسفراً، ثم صلاة الضحى، وقد اختلف الناس فيها، وفي استحباب المداومة عليها. وفي الترغيب فيها أحاديث صحيحة، وورد الترغيب أيضا في الصلاة عقيب زوال الشمس.
وأما الذكر باللسان، فمشروع في جميع الأوقات، ويتأكد في بعضها، فمما يتأكد فيه الذكر عقيب الصلوات المفروضات، وأن يذكر الله عقيب كل صلاة منها مائة مرة ما بين تسبيح وتحميد وتكبير وتهليل. ويستحب أيضا الذكر بعد الصلاتين اللتين لا تطوع بعدهما، وهما: الفجر والعصر، فيشرع الذكر بعد صلاة الفجر إلى أن تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب الشمس، وهذان الوقتان - أعني وقت الفجر ووقت العصر - هما أفضل أوقات النهار للذكر؛ ولهذا أمر الله تعالى بذكره فيهما في مواضع من القرآن كقوله: ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٢]، وقوله: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٥]، وقوله: ﴿كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ [آل عمران: ٤١]، وقوله: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ١١]، وقوله: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧]، وقوله: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ [غافر: ٥٥]، وقوله: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً
стр. 74
وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠٥]، وقوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه: ١٣٠]، وقوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩].
وأفضل ما فعل في هذين الوقتين من الذكر: صلاة الفجر وصلاة العصر، وهما أفضل الصلوات. وقد قيل في كل منهما: إنها الصلاة الوسطى وهما البردان اللذان من حافظ عليهما دخل الجنة، ويليهما من أوقات الذكر الليل. ولهذا يذكر بعد هذين الوقتين في القرآن تسبيح الليل وصلاته.
والذكر المطلق يدخل فيه الصلاة، وتلاوة القرآن، وتعلمه، وتعليمه، والعلم النافع، كما يدخل فيه التسبيح والتكبير والتهليل، ومن أصحابنا من رجح التلاوة على التسبيح ونحوه بعد الفجر والعصر. وسئل الأوزاعي عن ذلك، فقال: «كان هديهم ذكر الله، فإن قرأ فحسن».
وظاهر هذا أن الذكر في هذا الوقت أفضل من التلاوة، وكذا قال إسحاق في التسبيح عقيب المكتوبات مائة مرة: إنه أفضل من التلاوة حينئذ. والأذكار والأدعية المأثورة عن النبي ﷺ في الصباح والمساء كثيرة جدا ... " (١) الخ كلامه ﵀.
стр. 75
فصل
في السعي في طلب الرزق والمعاش في هذا الوقت
وهذا الوقت وقت للكسب والمعاش وطلب رزق الله، والنهوض بالكد وتحصيل ما يعود على النفس والعيال بالنفع في الدنيا والآخرة.
قال العز بن عبد السلام ما نصه: "واعلم أن مصالح الآخرة لا تتم إلا بمعظم مصالح الدنيا كالمآكل والمشارب والمناكح وكثير من المنافع؛ فلذلك انقسمت الشريعة إلى العبادات المحضة في طلب المصالح الأخروية، وإلى العبادات المتعلقة بمصالح الدنيا والآخرة، وإلى ما يغلب عليه مصالح الدنيا كالزكاة، وإلى ما يغلب عليه مصالح الأخرى كالصلاة، وكذلك انقسمت المعاملات إلى ما يغلب عليه مصالح الدنيا، كالبياعات والإجارات، وإلى ما يغلب عليه مصالح الآخرة كالإجارة بالطاعات على الطاعات، وإلى ما يجتمع فيه المصلحتان ... " (١) ا. هـ.
стр. 76
وروينا في صحيح البخاري من طريق عمرو بن يحيى، عن جده، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ما بعث الله نبيا إلا رعى الغنم»، فقال أصحابه: وأنت؟ فقال: «نعم، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة» (١).
وقال ابن حبان في صحيحه: "ذكر البيان بأن الأنبياء لم تكن تأنف من العمل ضد قول من كره الكسب وحظره"، ثم روى من طريق يونس بن يزيد، عن الزهري، عن أبي سلمة عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: كنا مع رسول الله ﷺ نجتني الكباث، فقال: «عليكم بالأسود، فإنه أطيب «فقلنا: وكنت ترعى الغنم؟ قال: «نعم، وهل من نبي إلا قد رعاها (٢)».
وقال أيضا: "ذكر الخبر المدحض قول من قال من المتصوفة بإبطال الكسب"، ثم روى من طريق حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أبي رافع عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «كان زكريا نجارا» (٣).
стр. 77
وقال البخاري في صحيحه: "باب كسب الرجل وعمله بيده"، ثم روى من طريق معمر، عن همام بن منبه، حدثنا أبو هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ : «أن داود النبي ﵇، كان لا يأكل إلا من عمل يده» (١)، ومن طريق ابن شهاب، عن أبي عبيد، مولى عبد الرحمن بن عوف، أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : «لأن يحتطب أحدكم حزمة على ظهره، خير له من أن يسأل أحدا، فيعطيه أو يمنعه» (٢)، ومن طريق أبي الأسود، عن عروة، قال: قالت عائشة ﵂» كان أصحاب رسول الله ﷺ عمال أنفسهم، وكان يكون لهم أرواح، فقيل لهم: لو اغتسلتم» (٣)، رواه همام، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة به.
فائدة: قال أبو الفضل ابن حجر ما نصه: وقد اختلف العلماء في أفضل المكاسب، قال الماوردي: أصول المكاسب الزراعة والتجارة والصنعة، والأشبه بمذهب الشافعي أن أطيبها التجارة، قال: والأرجح عندي أن أطيبها الزراعة؛ لأنها أقرب إلى التوكل، وتعقبه النووي بحديث المقدام الذي في هذا الباب، وأن
стр. 78
الصواب أن أطيب الكسب ما كان بعمل اليد، قال: فإن كان زراعا فهو أطيب المكاسب؛ لما يشتمل عليه من كونه عمل اليد، ولما فيه من التوكل، ولما فيه من النفع العام للآدمي وللدواب، ولأنه لا بد فيه في العادة أن يوكل منه بغير عوض.
قلت: وفوق ذلك من عمل اليد ما يكتسب من أموال الكفار بالجهاد، وهو مكسب النبي ﷺ وأصحابه، وهو أشرف المكاسب؛ لما فيه من إعلاء كلمة الله تعالى، وخذلان كلمة أعدائه، والنفع الأخروي. قال ومن لم يعمل بيده فالزراعة في حقه أفضل؛ لما ذكرنا.
قلت: وهو مبني على ما بحث فيه من النفع المتعدي ولم ينحصر النفع المتعدي في الزراعة، بل كل ما يعمل باليد فنفعه متعد؛ لما فيه من تهيئة أسباب ما يحتاج الناس إليه.
والحق أن ذلك مختلف المراتب، وقد يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، والعلم عند الله تعالى.
قال ابن المنذر: إنما يفضل عمل اليد سائر المكاسب إذا نصح العامل، كما جاء مصرحا به في حديث أبي هريرة ﵁.
стр. 79
قلت: ومن شرطه أن لا يعتقد أن الرزق من الكسب، بل من الله تعالى بهذه الواسطة، ومن فضل العمل باليد الشغل بالأمر المباح عن البطالة واللهو، وكسر النفس بذلك، والتعفف عن ذلة السؤال والحاجة إلى الغير" (١) ا. هـ.
قال أبو العباس في المجموع: وأما أرجح المكاسب فالتوكل على الله، والثقة بكفايته، وحسن الظن به، وذلك أنه ينبغي للمهتم بأمر الرزق أن يلجأ فيه إلى الله ويدعوه، كما قال سبحانه فيما يأثر عنه نبيه ﷺ : «كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم»، وفيما رواه الترمذي عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى شسع نعله إذا انقطع، فإنه إن لم ييسره لم يتيسر»، وقد قال الله تعالى في كتابه ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٢]، وقال سبحانه ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠]، وهذا - وإن كان في الجمعة - فمعناه قائم في جميع الصلوات؛ ولهذا - والله أعلم - أمر النبي ﷺ الذي يدخل المسجد أن يقول: «اللهم افتح لي أبواب رحمتك»، وإذا خرج أن يقول:
стр. 80
«اللهم إني أسألك من فضلك»، وقد قال الخليل (١) ﷺ ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ [العنكبوت: ١٧]، وهذا أمر، والأمر يقتضي الإيجاب، فالاستعانة بالله واللجوء إليه في أمر الرزق وغيره أصل عظيم، ثم ينبغي له أن يأخذ المال بسخاوة نفس؛ ليبارك له فيه، ولا يأخذه بإشراف وهلع، بل يكون المال عنده بمنزلة الخلاء الذي يحتاج إليه من غير أن يكون له في القلب مكانة، والسعي فيه إذا سعى كإصلاح الخلاء، وفي الحديث المرفوع الذي رواه الترمذي وغيره «من أصبح والدنيا أكبر همه شتت الله عليه شمله وفرق عليه ضيعته، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن أصبح والآخرة أكبر همه جمع الله عليه شمله، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة» وقال بعض السلف: أنت محتاج إلى الدنيا وأنت إلى نصيبك من الآخرة أحوج، فإن بدأت بنصيبك من الآخرة مر على نصيبك من الدنيا فانتظمه انتظاما، قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ الذاريات: [٥٦ - ٥٨]، فأما تعيين مكسب على مكسب من صناعة أو تجارة أو بناية أو حراثة أو غير ذلك فهذا
стр. 81
يختلف باختلاف الناس، ولا أعلم في ذلك شيئا عاما، لكن إذا عنّ للإنسان جهة فليستخر الله تعالى فيها الاستخارة المتلقاة عن معلم الخير ﷺ فإن فيها
من البركة ما لا يحاط به، ثم ما تيسر له فلا يتكلف غيره إلا أن يكون منه كراهة شرعية" (١) ا. هـ.
وقال ابن القيم في الهدي: "فإن قيل: فما أطيب المكاسب وأحلها؟ قيل: هذا فيه ثلاثة أقوال للفقهاء:
أحدها: أنه كسب التجارة.
والثاني: أنه عمل اليد في غير الصنائع الدنيئة، كالحجامة ونحوها.
والثالث: أنه الزراعة، ولكل قول من هذه وجه من الترجيح أثراً ونظراً. والراجح أن أحلها الكسب الذي جعل منه رزق رسول الله ﷺ وهو كسب الغانمين، وما أبيح لهم على لسان الشارع، وهذا الكسب قد جاء في القرآن مدحه أكثر من غيره، وأثني على أهله ما لم يثن على غيرهم؛ ولهذا اختاره الله لخير خلقه، وخاتم أنبيائه ورسله حيث يقول: «بعثت بالسيف بين يدي الساعة، حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذلة والصغار على
стр. 82
من خالف أمري» وهو الرزق المأخوذ بعزة وشرف وقهر لأعداء الله، وجعل أحب شيء إلى الله، فلا يقاومه كسب غيره. والله أعلم" (١).ا. هـ.
قلت: وهذا أصح الأقوال في أفضل المكاسب .. والله المستعان.
وابن حجر أخذه من ابن القيم، أومن شيخه قبل ذلك!.
والمقصود أن أصفياء الله من رسله، وخيرة عباده كانوا يعملون في التجارة أو الصناعة، أو يؤجرون أنفسهم ويصونونها عن التطلع لما في أيدي الخلق، وقد أخرج أبو داود من طريق عاصم بن لقيط بن صبرة، عن أبيه لقيط بن صبرة، قال: كنت وافد بني المنتفق - أو في وفد بني المنتفق - إلى رسول الله ﷺ ، قال: فلما قدمنا على رسول الله ﷺ ، فلم نصادفه في منزله، وصادفنا عائشة أم المؤمنين، قال: فأمرت لنا بخزيرة فصنعت لنا، قال: وأتينا بقناع - ولم يقل قتيبة: القناع، والقناع: الطبق فيه تمر - ثم جاء رسول الله ﷺ فقال: «هل أصبتم شيئا؟ أو أمر لكم بشيء؟» قال: قلنا: نعم، يا رسول الله، قال: فبينا نحن مع رسول الله ﷺ جلوس، إذ دفع الراعي غنمه إلى المراح، ومعه سخلة تيعر، فقال: «ما ولدت يا فلان؟»، قال: بهمة، قال: «فاذبح لنا مكانها شاة»، ثم قال: «لا تحسبن» ولم يقل:
стр. 83
«لا تحسبن أنَّا من أجلك ذبحناها، لنا غنم مائة لا نريد أن تزيد، فإذا ولد الراعي بهمة، ذبحنا مكانها شاة»، قال: قلت: يا رسول الله، إن لي امرأة وإن في لسانها شيئا - يعني البذاء - قال: «فطلقها إذاً»، قال: قلت: يا رسول الله إن لها صحبة، ولي منها ولد، قال: «فمرها» يقول: عظها» فإن يك فيها خير فستفعل، ولا تضرب ظعينتك كضربك أميتك «فقلت: يا رسول الله، أخبرني، عن الوضوء، قال: «أسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما» (١).
فقد كان له كسب واتجار ﵊، وكذلك أصحابه ﵃، فقد أخرج البخاري من طريق حميد، عن أنس ﵁، قال: قدم عبد الرحمن بن عوف المدينة فآخى النبي ﷺ بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري، وكان سعد ذا غنى، فقال لعبد الرحمن: أقاسمك مالي نصفين وأزوجك، قال: بارك الله لك في أهلك ومالك، دلوني على السوق، فما رجع حتى استفضل أقطا وسمنا، فأتى به أهل منزله، فمكثنا يسيرا أو ما شاء الله، فجاء وعليه وضر من صفرة،
فقال له النبي ﷺ : «مهيم»، قال: يا رسول الله تزوجت امرأة من الأنصار،
стр. 84
قال: «ما سقت إليها؟» قال: نواة من ذهب، - أو وزن نواة من ذهب - قال: «أولم ولو بشاة» (١).
وعثمان ﵁ تجارته معلومة مشهورة.
وأخرج مسلم في صحيحه من طريق طلحة بن مصرف، عن خيثمة، قال: كنا جلوسا مع عبد الله بن عمرو ﵄ إذ جاءه قهرمان له فدخل، فقال: أعطيت الرقيق قوتهم؟ قال: لا، قال: فانطلق فأعطهم، قال: قال رسول الله ﷺ : «كفى بالمرء إثما أن يحبس، عمن يملك قوته» (٢).
وروى أحمد في مسنده من طريق موسى بن عُلَيّ، عن أبيه، قال: سمعت عمرو بن العاص ﵁ يقول: بعث إلي رسول الله ﷺ فقال: «خذ عليك ثيابك وسلاحك، ثم ائتني «فأتيته وهو يتوضأ، فصعد فيّ النظر ثم طأطأه، فقال: «إني أريد أن أبعثك على جيش فيسلمك الله ويغنمك، وأزعب لك من المال رغبة صالحة «قال: فقلت: يا رسول الله، ما أسلمت من أجل المال، ولكني أسلمت
стр. 85
رغبة في الإسلام، وأن أكون مع رسول الله ﷺ . فقال: «يا عمرو، نعمّا بالمال الصالح للرجل الصالح (١)».
وبوب عليه ابن حبان بقوله: "ذكر الإباحة للرجل الذي يجمع المال من حله إذا قام بحقوقه فيه".
فائدة: سمعت شيخنا ابن باز نور الله قبره وسئل عن العمل الوظيفي قال: هو من كسب الرجل بيده
стр. 86
فصل
في دعاء النبي ﷺ لأمته أن يبارك لها في بكورها
وقد روى الترمذي في جامعه من طريق يعلى بن عطاء، عن عمارة بن حديد، عن صخر الغامدي قال: قال رسول الله ﷺ : «اللهم بارك لأمتي في بكورها»، قال: «وكان إذا بعث سرية، أو جيشا، بعثهم أول النهار»، وكان صخر رجلا تاجرا، وكان إذا بعث تجارة بعثهم أول النهار، فأثرى وكثر ماله.
وفي الباب عن علي، وابن مسعود، وبريدة، وأنس، وابن عمر، وابن عباس، وجابر، حديث صخر الغامدي حديث حسن، ولا نعرف لصخر الغامدي عن النبي ﷺ غير هذا الحديث، وقد روى سفيان الثوري، عن شعبة، عن يعلى بن عطاء هذا الحديث (١).
стр. 87
فصل
في استحباب زيارة مسجد قباء والصلاة فيه لمن كان بالمدينة
فإن كان من أهل المدينة استحب له أن يزور مسجد قباء، ويصلي فيه ركعتين لا سيما يوم السبت؛ قال البخاري في صحيحه: "باب من أتى مسجد قباء كل سبت"، ثم روى حديث ابن عمر ﵄ قال: «كان النبي ﷺ يأتي مسجد قباء كل سبت، ماشيا وراكبا» وكان عبد الله بن عمر ﵄ يفعله (١).
قال في التمهيد: "في هذا الحديث أنه كان يأتي قباء يصلي في مسجدها، وهو أصح ما روي في ذلك وأوضحه، فعلى هذا يكون إعمال المطي إلى الثلاثة مساجد يعني به الرحلة والكلفة والمؤونة والمشقة؛ لئلا تتعارض الأحاديث" (٢) ا. هـ.
стр. 88
قال ابن بطال: "قال أبو جعفر الداودي: إتيان النبى ﷺ مسجد قباء يدل أن ما قرب من المساجد الفاضلة التي في المصر لا بأس أن يؤتى ماشيا وراكبا، ولا يكون فيه ما نهى أن تعمل المطي" (١) ا. هـ.
فائدة: قال في التمهيد: "واختلف في معنى هذا الحديث، فقيل: كان يأتي قباء زائرا للأنصار، وهم بنو عمرو، وقيل: كان يأتي قباء يتفرج في حيطانها ويستريح عندهم، وقيل: كان يأتي قباء للصلاة في مسجدها تبركاً به لما نزل فيه أنه أسس على التقوى، وقال أبو عمر: ليس على شيء من هذه الأقاويل دليل لا مدفع له، وممكن أن تكون كلها أو بعضها. والله أعلم" (٢) ا. هـ.
قال أبو محمد: لا مانع منها كلها.
وقد أخرج أحمد وغيره من طريق مجمع بن يعقوب الأنصاري، قال: حدثني محمد بن الكرماني، قال: سمعت أبا أمامة بن سهل بن حنيف، يقول: قال
стр. 89
أبي: قال رسول الله ﷺ : «من خرج حتى يأتي هذا المسجد - يعني مسجد قباء - فيصلي فيه كان كعدل عمرة» (١).
وله شاهد أخرجه الترمذي وابن ماجه من طريق أبي الأبرد، مولى بني خطمة، أنه سمع أسيد بن ظهير الأنصاري ﵁، وكان من أصحاب النبي ﷺ يحدث، عن النبي ﷺ قال: «الصلاة في مسجد قباء كعمرة» (٢).
стр. 90
فصل
لا ينبغي ترك ما يصلح النفس ويعدل المزاج من الانتجاع والتنزه مع ملازمة التقوى
ولا ينبغي للعبد ترك ما يصلح نفسه ويعدل مزاجه ويعينه على الخير من الانتجاع في أوقات الربيع والبدو إلى أماكن الخضرة، مع ملازمة التقوى ونفع الخلق وتعليم الجهال، وإن أطعم الجياع وكسى العراة فذاك غاية الإحسان. والله المستعان ..
قال ابن رجب في شرح البخاري ما نصه: " فأما الخروج إلى البادية أحيانا للتنزه ونحوه في أوقات الربيع وما أشبهه: فقد ورد فيه رخصة، ففي سنن أبي داود عن المقدام بن شريح، عن أبيه أنه قال أنه سأل عائشة ﵂ هل كان النبي ﷺ يبدو؟ فقالت: «نعم إلى هذه التلاع، ولقد بدا مرة فأتى بناقة مخرمة «فقال: «اركبيها يا عائشة وارفقي؛ فإن الرفق ما كان في شيء إلا زانه ولا نزع منه إلا شانه»، وخرج مسلم آخر الحديث دون أوله.
وورد النهي عنه، ففي المسند عن عقبة بن عامر ﵁ عن النبي ﷺ قال: «هلاك أمتي في اللبن»، قيل: يا رسول الله! ما اللبن؟ قال: «تحبون اللبن وتدعون الجماعات والجمع وتبدون».
стр. 91
وفي إسناده: ابن لهيعة. وإن صح فيحمل على إطالة المقام بالبادية مدة أيام كثرة اللبن كلها، وهي مدة طويلة، يدعون فيها الجمع والجماعات.
وعن أبي عبد الله الجدلي قال: فضل أهل الأمصار على أهل القرى كفضل الرجال على النساء، وفضل أهل القرى على أهل الكفور كفضل الأحياء على الأموات، وسكان الكفور كسكان القبور، وإن اللبن والعشب ليأكلان إيمان العبد كما تأكل النار الحطب. خرجه حميد بن زنجويه، وروى في إسناده عن مكحول معنى أوله.
ونص أحمد في رواية مهنا على كراهية الخروج إلى البادية لشرب اللبن ونحوه تنزها؛ لما به من ترك الجماعة، إلا أن يخرج لعلة، يعني: إنه إذا خرج تداويا لعلة به جاز، كما أذن النبي ﷺ للعرنيين لما اجتووا المدينة أن يخرجوا إلى البادية ليشربوا من ألبان الإبل وأبوالها.
قال أبو بكر الأثرم: النهي عن التبدي محمول على سكنى البادية والإقامة بها، فأما التبدي ساعة أو يوما ونحوه فجائز. انتهى.
وقد كان السلف كثير منهم يخرج إلى البادية أيام الثمار واللبن. قال الجريري: كان الناس يبدون ها هنا في الثمار - ثمار قصيرة -، وذكر منهم عبد الله بن شقيق وغيره. وكان علقمة يتبدى إلى ظهر النجف.
стр. 92
وقال النخعي: كانت البداوة إلى أرض السواد أحب إليهم من البداوة إلى أرض البادية. يعني أن الخروج إلى القرى أهون من الخروج إلى البوادي.
وكان بعضهم يمتنع من ذلك لشهود الجماعة، فروى أبو نعيم بإسناده، عن أبي حرملة قال: اشتكى سعيد بن المسيب عينه فقيل له: يا أبا محمد! لو خرجت إلى العقيق فنظرت إلى الخضرة ووجدت ريح البرية لنفع ذلك بصرك، فقال سعيد: وكيف أصنع بشهود العتمة والصبح؟
وما ذكره الأثرم من التفريق بين قصر المدة وطولها حسن؛ لكنه حد القليل باليوم ونحوه؛ وفيه نظر.
وفي مراسيل أبي داود من رواية معمر، عن موسى بن شيبة قال: قال رسول الله ﷺ : «من بدا أكثر من شهرين فهي أعرابية».
وروى حميد بن زنجويه بإسناده، عن خلف بن خليفة، عن أبي هاشم قال: بلغني أن من نزل السواد أربعين ليلة كتب عليها الجفا. وعن معاوية بن قرة قال: البداوة شهران فما زاد فهو تعرب" (١) ا. هـ.
стр. 93
فصل
في استحباب السفر بكرة الخميس
وإن أراد سفرا فيستحب له بكرة يوم الخميس؛ لما روى البخاري في صحيحه من طريق الزهري، قال: أخبرني عبد الرحمن بن كعب بن مالك، أن كعب بن مالك ﵁ كان يقول: «لقلما كان رسول الله ﷺ يخرج، إذا خرج في سفر إلا يوم الخميس» (١)، وبوب عليه ابن خزيمة: "باب استحباب الخروج إلى الحج يوم الخميس تبركا بفعل النبي ﷺ ، إذ كان ﷺ قلما يخرج في سفر إلا يوم الخميس".
قال أبو محمد: وهذا عند الاختيار، وأما عند الحاجة فيخرج متى ما اقتضى الأمر الخروج، وقد خرج لحجه ﵊ يوم السبت؛ ولهذا قال ابن القيم: "وخرج من المدينة نهارا بعد الظهر لست بقين من ذي القعدة بعد أن صلى الظهر بها أربعا، وقال: قال ابن حزم: وكان خروجه يوم الخميس.
قلت (ابن القيم): والظاهر أن خروجه كان يوم السبت" (٢) ا. هـ.
стр. 94
فصل
في استحباب قضاء ما فاته من ورد من صلاة أو قراءة قرآن أو ذكر
وإن فاته ورده من صلاة، أو قراءة وذكر استحب له قضاؤه؛ لما روى مسلم من طريق عبد الرحمن بن عبدٍ القاري، قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : «من نام عن حزبه، أو عن شيء منه، فقرأه فيما بين صلاة الفجر، وصلاة الظهر، كتب له كأنما قرأه من الليل» (١).
والحزب: هو ما يجعله الإنسان وظيفة له من صلاة أو قراءة أو غيرهما.
وروى مسلم في صحيحه من طريق قتادة، عن زرارة، عن سعد بن هشام الأنصاري، عن عائشة ﵁ قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا عمل عملا أثبته، وكان إذا نام من الليل، أو مرض، صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة» وفي لفظ له: «وكان إذا غلبه نوم أو وجع عن قيام الليل صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة» (٢).
стр. 95
فصل
في الكلام على النوم في أول النهار
فإن أراد التصبح - وهو النوم أول النهار، ويسمى الصُّبحة بضم الصاد وفتحها - وأن يرتفق بالنوم فلا بأس، والأخبار في ذمها أو أنها تمنع الرزق لا يثبت منها شيء وإنما فيها آثار عن السلف حسب.
ولا ينبغي أن يكون هذا عادة للمرء؛ ففي ذلك فوات مصالح كثيرة في المعاش والمعاد.
وقد أخرج البخاري عن عائشة ﵂ في الحديث الطويل المعروف بحديث أم زرع قول أم زرع عن زوجها أبي زرع وفيه: «فعنده أقول فلا أقبح، وأرقد فأتصبح، وأشرب فأتقنح «وفي آخره قالت عائشة ﵂: قال رسول الله ﷺ : «كنت لك كأبي زرع لأم زرع» .. والخبر متفق عليه ..
قال ابن أبي شيبة: "ما قالوا في التصبح - نومة الضحى - وما جاء فيها".
حدثنا حفص، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: كان الزبير ينهى بنيه عن التصبح، قال: وقال عروة: «إني لأسمع بالرجل يتصبح فأزهد فيه».
стр. 96
ثم قال: حدثنا حفص، عن طلحة بن يحيى، عن عبد الله بن فروخ، عن طلحة بن عبيد الله: «أنه مر بابن له تصبَّح، فذكر أنه فقده، ونهاه عن ذلك.
ثم قال: حدثنا حفص بن غياث، عن الأعمش، عن أبي سفيان، قال: التقى ابن الزبير، وعبيد بن عمير فتذاكرا أشياء، فقال له الآخر: «أما علمت أن الأرض تعج إلى ربها من نومة غلمانها».
وقال أيضا: حدثنا وكيع، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: قال الزبير: «إني لأزهد في الرجل يتصبح» (١).
ثم قال: "من رخص في التصبح"
حدثنا سفيان بن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم، عن عائشة: «أنها كانت تصبح».
حدثنا شبابة، عن شعبة، عن عبيد الله بن عمر، عن عبد الله بن الشماس، قال: «أتيت أم سلمة فوجدتها نائمة «يعني: بعد الصبح.
حدثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد: «أن عائشة كانت إذا طلعت الشمس نامت نومة الضحى» .. وتقدم ذكره.
стр. 97
حدثنا وكيع، عن إسرائيل، عن عبد الأعلى، قال: «أتيت سعيد بن جبير فوجدته نائما نومة الضحى» ..
حدثنا عبد الوارث، قال: حدثنا أيوب، عن ابن سيرين: «أنه كان يتصبح»
(٢٥٤٥٤) حدثنا ابن علية، عن أيوب، عن أبي يزيد المديني، قال: غدا عمر على صهيب فوجده متصبحا، فقعد حتى استيقظ، فقال صهيب: أمير المؤمنين قاعد على مقعدته وصهيب نائم متصبح فقال له عمر: «ما كنت أحب أن تدع نومة ترفق بك» (١).
قال ابن القيم في الزاد ما نصه: "ونوم النهار رديء يورث الأمراض الرطوبية والنوازل، ويفسد اللون، ويورث الطحال، ويرخي العصب، ويكسل، ويضعف الشهوة إلا في الصيف وقت الهاجرة، وأردؤه نوم أول النهار، وأردأ منه النوم آخره بعد العصر، ورأى عبد الله بن عباس ابنا له نائما نومة الصبحة، فقال له: «قم، أتنام في الساعة التي تقسم فيها الأرزاق؟».
وقيل: نوم النهار ثلاثة: خلق، وحرق، وحمق. فالخلق: نومة الهاجرة، وهي خلق رسول الله ﷺ . والحرق: نومة الضحى، تشغل عن أمر الدنيا والآخرة. والحمق: نومة العصر.
стр. 98
قال بعض السلف: من نام بعد العصر فاختلس عقله، فلا يلومن إلا نفسه.
وقال الشاعر:
ألا إن نومات الضحى تورث الفتى ... خبالا ونومات العصير جنون
ونوم الصبحة يمنع الرزق؛ لأن ذلك وقت تطلب فيه الخليقة أرزاقها، وهو وقت قسمة الأرزاق، فنومه حرمان إلا لعارض أو ضرورة، وهو مضر جدا بالبدن لإرخائه البدن، وإفساده للفضلات التي ينبغي تحليلها بالرياضة، فيحدث تكسرا وعيا وضعفا. وإن كان قبل التبرز والحركة والرياضة وإشغال المعدة بشيء فذلك الداء العضال المولد لأنواع من الأدواء" (١).ا. هـ.
стр. 99
فصل
في بعض سنن يوم الجمعة
فإن كان يوم جمعة استحب له الاغتسال، والتطيب، ولبس الجميل من الثياب، والتسوك والتبكير للجمعة .. وكل ذلك متفق عليه، والأخبار فيه متكاثرة.
وقد أخرج أحمد من طريق أبي الأشعث الصنعاني، حدثني أوس بن أوس الثقفي ﵁ سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من غسل يوم الجمعة واغتسل، ثم بكر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام فاستمع ولم يلغ كان له بكل خطوة عمل سنة أجر صيامها وقيامها» (١).
وإسناده صحيح، وهو يتضمن فضلاً عظيماً وثواباً جسيماً، وقد مكثت دهراً وأنا أعجب من هذا الفضل وألتمس هل لهذا الخبر من علة؟ فلم أقف له على تعليل مستقيم، فالحمد لله على وافر عطائه.
стр. 100
فصل
في حكم الاغتسال يوم الجمعة
واختلف في حكم الغسل للجمعة، فقيل: واجب، وقيل: سنة، وقيل: واجب على من له ريح يتأذى به، سنة في غير ذلك. وهو أصح الأقوال، واختاره أبو العباس، قال في الفتاوى الكبرى: "ويجب غسل الجمعة على من له عرق أو ريح يتأذى به غيره وهو بعض من مذهب من يوجبه مطلقا بطريق الأولى (١).
وقال في مجموع الفتاوي ما نصه: وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «حق لله على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام: يغسل رأسه وجسده «وهذا في أحد قولي العلماء هو غسل راتب مسنون للنظافة في كل أسبوع، وإن لم يشهد الجمعة، بحيث يفعله من لا جمعة عليه. وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ » على كل رجل مسلم في كل سبعة أيام غسل يوم وهو يوم الجمعة (٢) «ا. هـ.
стр. 101
فإن دخل المسجد استحب له أن يصلي ما شاء حتى خروج الإمام، ولا وقت للنهي عن الصلاة منتصف النهار يوم الجمعة على الصحيح من أقوال أهل العلم.
قال ابن القيم في الهدي في ذكر خصائص يوم الجمعة ما نصه: "الحادية عشرة: أنه لا يكره فعل الصلاة فيه وقت الزوال عند الشافعي ﵀ ومن وافقه، وهو اختيار شيخنا أبي العباس ابن تيمية، ولم يكن اعتماده على حديث ليث عن مجاهد عن أبي الخليل عن أبي قتادة عن النبي ﷺ «أنه كره الصلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة»، وقال: «إن جهنم تسجر إلا يوم الجمعة» وإنما كان اعتماده على أن من جاء إلى الجمعة يستحب له أن يصلي حتى يخرج الإمام، وفي الحديث الصحيح «لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من طهر، ويدهن من دهنه، أو يمس من طيب بيته، ثم يخرج، فلا يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كتب له، ثم ينصت إذا تكلم الإمام إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى» رواه البخاري، فندبه إلى الصلاة ما كتب له، ولم يمنعه عنها إلا في وقت خروج الإمام، ولهذا قال غير واحد من السلف، منهم عمر بن الخطاب ﷺ وتبعه عليه الإمام أحمد بن حنبل: «خروج الإمام يمنع الصلاة وخطبته تمنع الكلام»، فجعلوا المانع من الصلاة خروج الإمام لا انتصاف النهار.
стр. 102
وأيضا فإن الناس يكونون في المسجد تحت السقوف، ولا يشعرون بوقت الزوال، والرجل يكون متشاغلا بالصلاة لا يدري بوقت الزوال، ولا يمكنه أن يخرج، ويتخطى رقاب الناس، وينظر إلى الشمس ويرجع، ولا يشرع له ذلك.
وحديث أبي قتادة هذا، قال أبو داود: هو مرسل؛ لأن أبا الخليل لم يسمع من أبي قتادة، والمرسل إذا اتصل به عمل، وعضده قياس، أو قول صحابي، أو كان مرسله معروفا باختيار الشيوخ ورغبته عن الرواية عن الضعفاء والمتروكين ونحو ذلك مما يقتضي قوته - عمل به.
وأيضا فقد عضده شواهد أخر منها ما ذكره الشافعي في كتابه فقال: روي عن إسحاق بن عبد الله، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ «نهى عن الصلاة نصف النهار حتى تزول الشمس إلا يوم الجمعة» هكذا رواه ﵀ في كتاب اختلاف الحديث، ورواه في كتاب الجمعة: حدثنا إبراهيم بن محمد، عن إسحاق .. ، ورواه أبو خالد الأحمر عن شيخ من أهل المدينة يقال له: عبد الله بن سعيد المقبري، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ، وقد رواه البيهقي في المعرفة من حديث عطاء بن عجلان عن أبي نضرة، عن أبي سعيد وأبي هريرة ﵄ قالا: «كان النبي ﷺ ينهى عن الصلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة».
стр. 103
ولكن إسناده فيه من لا يحتج به، قاله البيهقي قال: ولكن إذا انضمت هذه الأحاديث إلى حديث أبي قتادة أحدثت بعض القوة.
قال الشافعي: من شأن الناس التهجير إلى الجمعة والصلاة إلى خروج الإمام، قال البيهقي: الذي أشار إليه الشافعي موجود في الأحاديث الصحيحة، وهو أن النبي ﷺ رغب في التبكير إلى الجمعة، وفي الصلاة إلى خروج الإمام من غير استثناء، وذلك يوافق هذه الأحاديث التي أبيحت فيها الصلاة نصف النهار يوم الجمعة، وروينا الرخصة في ذلك عن عطاء وطاووس والحسن ومكحول.
قلت: اختلف الناس في كراهة الصلاة نصف النهار على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه ليس وقت كراهة بحال، وهو مذهب مالك.
الثاني: أنه وقت كراهة في يوم الجمعة وغيرها، وهو مذهب أبي حنيفة، والمشهور من مذهب أحمد.
والثالث: أنه وقت كراهة إلا يوم الجمعة، فليس بوقت كراهة، وهذا مذهب الشافعي (١).ا. هـ.
стр. 104
وقال ابن رجب في شرح البخاري ما نصه: "وقد ذكر مالك في
الموطأ عن الزهري، عن ثعلبة بن أبي مالك القرظي، أنهم كانوا في زمن عمر بن الخطاب ﵁ يصلون حتى يخرج عمر ويجلس على المنبر، فإذا خرج عمر وجلس على المنبر وأذن المؤذنون جلسوا يتحدثون، فإذا اسكت المؤذن وقام عمر سكتوا ولم يتكلم أحد.
وهذا تصريح باستمرارهم في الصلاة إلى ما بعد زوال الشمس، وهو مما يستدل به على الصلاة وقت استواء الشمس وقيامها يوم الجمعة" (١) ا. هـ.
وقال في التمهيد: "وقال أبو يوسف والشافعي وأصحابه: لا بأس بالتطوع نصف النهار يوم الجمعة خاصة، وهي رواية عن الأوزاعي وأهل الشام.
وحجة الشافعي ومن قال بقوله هذا: ما رواه الشافعي عن إبراهيم بن محمد عن إسحق بن عبد الله عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة ﵁» أن رسول الله ﷺ نهى عن الصلاة نصف النهار حتى تزول الشمس إلا يوم الجمعة».
стр. 105
واحتج أيضا بحديث مالك عن ابن شهاب عن ثعلبة بن أبي مالك، وقد تقدم ذكره، قال: وخبر ثعلبة عن عامة أصحاب رسول الله ﷺ في دار الهجرة» أنهم كانوا يصلون نصف النهار يوم الجمعة».
قال أبو عمر: كأنه يقول النهي عن الصلاة عند استواء الشمس صحيح، وخص منه يوم الجمعة بما روي من العمل الذي لا يكون مثله إلا توقيفا، وبالخبر المذكور أيضا، وبقي سائر الأيام موقوفة على النهي.
وإبراهيم بن محمد الذي روى عنه الشافعي هذا الخبر: هو ابن أبي يحيى المدني متروك الحديث، وإسحق بعده في الإسناد - وهو ابن أبي فروة - ضعيف أيضا، فكأنه إنما يقوى عنده هذا الخبر بما روي عن الصحابة في زمن عمر ﵁ من الصلاة نصف النهار يوم الجمعة وبالله التوفيق " (١) ا. هـ.
قال أبو محمد: والأمر في هذا ظاهر بحمد الله.
стр. 106
فصل
في معنى قول ابن عباس «عجلت الرواح حين زاغت الشمس»
وهنا إشكال في هذا الخبر وهو ما خرجه البخاري قال: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله، حدثني إبراهيم بن سعد، عن صالح، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس ﵄ قال: كنت أقرئ رجالاً من المهاجرين، منهم عبد الرحمن بن عوف، فبينما أنا في منزله بمنى، وهو عند عمر بن الخطاب، في آخر حجة حجها، إذ رجع إلي عبد الرحمن فقال: «لو رأيت رجلا أتى أمير المؤمنين اليوم، فقال: يا أمير المؤمنين، هل لك في فلان؟ يقول: لو قد مات عمر لقد بايعت فلانا، فوالله ما كانت بيعة أبي بكر إلا فلتة فتمت»، فغضب عمر، ثم قال: «إني إن شاء الله لقائم العشيةَ في الناس، فمحذرهم هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمورهم». قال عبد الرحمن: فقلت: «يا أمير المؤمنين لا تفعل، فإن الموسم يجمع رعاع الناس وغوغاءهم، فإنهم هم الذين يغلبون على قربك حين تقوم في الناس، وأنا أخشى أن تقوم فتقول مقالة يطيرها عنك كل مطير، وأن لا يعوها، وأن لا يضعوها على مواضعها، فأمهل حتى تقدم المدينة، فإنها دار الهجرة والسنة، فتخلص بأهل الفقه وأشراف الناس، فتقول ما قلت متمكنا، فيعي أهل العلم مقالتك، ويضعونها على مواضعها». فقال عمر: «أما
стр. 107
والله - إن شاء الله - لأقومن بذلك أول مقام أقومه بالمدينة». قال ابن عباس: فقدمنا المدينة في عقب ذي الحجة، «فلما كان يوم الجمعة عجلت الرواح حين زاغت الشمس حتى أجد سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل جالسا إلى ركن المنبر، فجلست حوله تمس ركبتي ركبته ..» (١) الحديث ..
ووجه الإشكال: قول ابن عباس ﵄: عجلت الرواح حين زاغت الشمس.
وقد يقال: هذه اللفظة للأويسي عن صالح عن ابن كيسان، وقد خالف أصحاب الزهري، كمالك ويونس وابن عيينة والليث ومعمر وأبي بكر بن حزم، فبعض ألفاظهم سقط هذا الحرف جملة وفي لفظ مالك كما عند أحمد:
стр. 108
«عجلت الرواح صكة الأعمى»، فقلت لمالك: وما صكة الأعمى؟ قال: إنه لا يبالي أي ساعة خرج، لا يعرف الحر والبرد ونحو هذا .. (١) ا. هـ.
وفي لفظ هشيم عند ابن حبان: «فلما كان يوم الجمعة عجلت الرواح في شدة الحر فوجدت سعيد بن زيد قد سبقني». ا. هـ. فإن قيل في النهاية وغيرها ما نصه: وفيه «أنه نهى عن الصلاة إذا قام قائم الظهيرة صكة عمي» يريد أشد الهاجرة، ولكن الإشكال قائم، فقد قال في النهاية: "يقال: لقيته صكة عمي: أي نصف النهار في شدة الحر، ولا يقال إلا في القيظ؛ لأن الإنسان إذا خرج وقتئذ لم يقدر أن يملأ عينيه من ضوء الشمس" (٢).ا. هـ.
وكذا قال غير واحد من أهل اللغة، فالله أعلم.
والأدلة في التبكير محكمة، وقد يقال: أراد بقوله: «زاغت الشمس» ارتفاعها، لا زوالها.
стр. 109
فصل
في جواز السفر يوم الجمعة ما لم تزل الشمس أو يؤذن الأذان الذي بعده الخطبة
ويوم الجمعة كغيره من الأيام في جواز السفر فيه قبل أن تزول الشمس، أو يؤذن المؤذن الذي يلي أذانه الخطبة في قول أكثر أهل العلم، فإن زالت الشمس أو أذن للصلاة فلا يجوز حينئذ السفر، ويجب عليه حضور الجمعة؛ لتوجه الخطاب إليه في قوله جل وعلا ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩ [الآية .. إلا في صور ..
الأولى: أن يكون مضطرا إلى السفر وتحصل له مشقة إذا ترك السفر.
الثانية: أن يسافر، لكن سيشهد الجمعة في طريقه.
الصورة الثالثة: إذا خاف فوت رفقة، وفي عصرنا كخوف فوت الطائرة التي يسافر عليها.
стр. 110
فصل
لا تجب على المسافر جمعة ولو كان في مصر
ولا يجب على المسافر حضور الجمعة، بل يصليها ظهراً مقصورةً، حتى لو كان في مصر يسمع الأذان.
وقد بسطت الكلام على ذلك في مواضع من كتبي، منها: شرح كتاب الحج من بلوغ المرام. والحمد لله حمد الشاكرين.