← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17865

فقه عمل اليوم والليلة

عبد الله بن مانع الروقي

Полный текст (297 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

فصل لا يصح حديث المداومة على أربع قبل الظهر وأربع بعدها وأما حديث أم حبيبة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «من صلى قبل الظهر أربعاً، وبعدها أربعاً حرمه الله على النار «فغير محفوظ، قد أعله النسائي في سننه (١)، وأطال الدارقطني في ذكر طرقه كما في علله (٢)، وأشار إلى أن طريق شعبة ومن تابعه هو الصحيح. ا. هـ. قلت: فالقدر المحفوظ في حديث أم حبيبة ﵂ في التطوع هو ما أخرجه مسلم في صحيحه: قال: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن النعمان بن سالم، عن عمرو بن أوس، عن عنبسة بن أبي سفيان، عن أم حبيبة، زوج النبي ﷺ أنها قالت: سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: «ما من عبد مسلم يصلي لله كل يوم ثنتي عشرة ركعة تطوعاً، غير فريضة، إلا بنى الله له بيتاً في الجنة، أو إلا بُني له بيتٌ في الجنة»

стр. 142

قالت أم حبيبة: فما برحت أصليهن بعد وقال عمرو: ما برحت أصليهن بعد، وقال النعمان: مثل ذلك (١).

стр. 143

فصل في الانشغال في هذا الوقت بما يعود عليه بالنفع في أخراه ويشتغل في هذا الوقت بما يناسب الحال، ويقرب إلى خير المحالّ عند الله، من الطاعات والقرب. روى في الحلية من طريق نافع: «أن ابن عمر كان يُحيي بين الظهر إلى العصر» (١). وفي سير الذهبي: عون بن حكيم، قال: حججت مع الأوزاعي، فلما أتى المدينة، وأتى المسجد، بلغ مالكاً مقدمُه، فأتاه، فسلّم عليه، فلما صليا الظهر، تذاكرا أبواب العلم، فلم يذكرا باباً، إلا ذهب عليه الأوزاعي فيه، ثم صلوا العصر (٢) ا. هـ. وكان وكيع بن الجراح الجهبذ يعلم الناس من القرآن ما يؤدون به فرضهم في هذا الوقت، ففي ترجمته في السير: سفيان بن وكيع، قال: كان أبي يجلس

стр. 144

لأصحاب الحديث من بكرة إلى ارتفاع النهار، ثم ينصرف، فيقيل، ثم يصلي الظهر، ويقصد الطريق إلى المشرعة التي يصعد منها أصحاب الروايا، فيريحون نواضحهم، فيعلمهم من القرآن ما يؤدون به الفرض إلى حدود العصر، ثم يرجع إلى مسجده، فيصلي العصر، ثم يجلس يدرس القرآن، ويذكر الله إلى آخر النهار (١) ا. هـ. وفي ترجمة هناد بن السري ما نصه: وقال أحمد بن سلمة النيسابوري الحافظ: كان هناد ﵀ كثير البكاء، فرَغ يوماً من القراءة لنا، فتوضأ، وجاء إلى المسجد، فصلى إلى الزوال، وأنا معه في المسجد، ثم رجع إلى منزله، فتوضأ، وجاء فصلى بنا الظهر، ثم قام على رجليه يصلي إلى العصر، يرفع صوته بالقرآن، ويبكي كثيراً، ثم إنه صلى بنا العصر، وأخذ يقرأ في المصحف، حتى صلى المغرب (٢).ا. هـ. وفي ترجمة الحافظ عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي: كان لا يضيع شيئا من زمانه بلا فائدة، فإنه كان يصلي الفجر، ويلقن القرآن، وربما أقرأ شيئاً من الحديث تلقيناً، ثم يقوم فيتوضأ، ويصلي ثلاث مائة ركعة بالفاتحة والمعوذتين إلى

стр. 145

قبل الظهر، وينام نومة، ثم يصلي الظهر، ويشتغل إما بالتسميع، أو بالنسخ إلى المغرب، فإن كان صائما، أفطر، وإلا صلى من المغرب إلى العشاء، ويصلي العشاء، وينام إلى نصف الليل أو بعده، ثم قام كأن إنسانا يوقظه، فيصلي لحظة ثم يتوضأ ويصلي إلى قرب الفجر، ربما توضأ سبع مرات أو ثمانيا في الليل، وقال: ما تطيب لي الصلاة إلا ما دامت أعضائي رطبة، ثم ينام نومة يسيرة إلى الفجر، وهذا دأبه (١).ا. هـ .. وقال في الإحياء: "كان ذلك سنة السلف، كان الداخل يدخل المسجد بين الظهر والعصر فيسمع للمصلين دويا كدوي النحل من التلاوة، فإن كان بيته أسلمَ لدينه وأجمعَ لهمِّه فالبيت أفضل في حقه" (٢).ا. هـ. والنقول عن السلف في هذا الباب كثيرة والمقصود الإشارة والتنبيه. فائدة: قال في المحلى ما نصه: "مسألة: قال علي: وقت الظهر أطول من وقت العصر أبداً في كل زمان ومكان؛ لأن الشمس تأخذ في الزوال في أول الساعة

стр. 146

السابعة، ويأخذ ظل القائم في الزيادة على مثل القائم - عد طرح ظل الزوال - في صدر الساعة العاشرة، أما في خمسها الأول إلى ثلثها الأول: لا يتجاوز ذلك أصلاً في كل زمان ومكان؟ ووقت صلاة الصبح مساو لوقت صلاة المغرب أبداً في كل زمان ومكان؛ لأن الذي من طلوع الفجر الثاني إلى أول طلوع الشمس، كالذي من آخر غروب الشمس إلى غروب الشفق - الذي هو الحمرة أبداً - في كل وقت ومكان؛ يتسع في الصيف، ويضيق في الشتاء؛ لكبر القوس وصغره. ووقت هاتين الصلاتين أبداً: هو أقل من وقت الظهر ووقت العصر؛ لأن وقت الظهر هو ربع النهار وزيادة؛ فهو أبدا ثلاث ساعات، وشيء من الساعات المختلفة ووقت العصر ربع النهار غير شيء فهو أبدا ثلاث ساعات، غير شيء من الساعات المختلفة. ولا يبلغ ذلك وقت المغرب ولا وقت الصبح، وأكثر ما يكون وقت كل صلاة منهما ساعتين، وقد يكون ساعة واحدة وربع ساعة من الساعات المختلفة؛ وهي التي يكون منها في أطول يوم من السنة، وأقصر يوم من السنة: اثنتا عشرة، فهي تختلف لذلك في طولها وقصرها؛ وفي الهيئة أيضا كذلك، ولا فرق؟

стр. 147

وأوسعها كلها وقت العتمة؛ لأنه أزيد من ثلث الليل، أو ثلث الليل ومقدار تكبيرة في كل زمان ومكان -، وبالله تعالى التوفيق (١).ا. هـ. مسألة: أخرج البخاري ومسلم كلاهما من طريق عبد الله بن وهب، أخبرني عمرو - وهو ابن الحارث - عن بكير عن كريب، مولى ابن عباس، أن عبد الله بن عباس، وعبد الرحمن بن أزهر، والمسور بن مخرمة، أرسلوه إلى عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ ، فقالوا: اقرأ ﵍ منا جميعا، وسَلْها عن الركعتين بعد العصر، وقل: إنا أخبرنا أنك تصلينهما، وقد بلغنا أن رسول الله ﷺ نهى عنهما، قال ابن عباس ﵄: وكنت أضرب مع عمر بن الخطاب ﵁ الناس عليها، قال كريب: فدخلت عليها وبلغتها ما أرسلوني به، فقالت: سل أم سلمة، فخرجت إليهم فأخبرتهم بقولها، فردوني إلى أم سلمة بمثل ما أرسلوني به إلى عائشة، فقالت أم سلمة ﵂: سمعت رسول الله ﷺ ينهى عنهما، ثم رأيته يصليهما، أما حين صلاهما فإنه صلى العصر، ثم دخل وعندي نسوة من بني حرام من الأنصار فصلاهما، فأرسلت إليه الجارية، فقلت: قومي بجنبه فقولي له تقول

стр. 148

أم سلمة: يا رسول الله إني أسمعك تنهى عن هاتين الركعتين، وأراك تصليهما، فإن أشار بيده فاستأخري عنه، قال: ففعلت الجارية، فأشار بيده فاستأخرت عنه، فلما انصرف، قال: «يا بنت أبي أمية سألت عن الركعتين بعد العصر، إنه أتاني ناس من عبد القيس بالإسلام من قومهم، فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر، فهما هاتان» (١). وهاتان الركعتين داوم عليهما النبي ﷺ ، وهما من خصائصه، وإن كان أصل ابتدائهما قضاءً. وقد أخرج مسلم من طريق محمد - وهو ابن أبي حرملة - قال: أخبرني أبو سلمة، أنه سأل عائشة ﵂ عن السجدتين اللتين كان رسول الله ﷺ يصليهما بعد العصر، فقالت: «كان يصليهما قبل العصر، ثم إنه شغل عنهما، أو نسيهما فصلاهما بعد العصر، ثم أثبتهما، وكان إذا صلى صلاة أثبتها» قال يحيى بن أيوب: قال إسماعيل: تعني داوم عليها (٢).

стр. 149

وخرج البخاري من طريق هشام، قال: أخبرني أبي، قالت عائشة ﵂: ابنَ أختي «ما ترك النبي ﷺ السجدتين بعد العصر عندي قط» (١). وإنما ذكرت هذه المسألة في حصة الظهر بناء على أصل الركعتين، والنبي ﷺ اختص بالمداومة وأصل القضاء، لا كما قال بعضهم باختصاصه بالأول، ولذا لم أذكر بعد صلاة العصر الخلاف في التنفل في هذه المسألة؛ ترجيحا لمطلق المنع، وإنما أشرت إلى مسألة أخرى، وسيأتي ذكرها، إن شاء الله.

стр. 150

رابعا: من مصير ظل الشيء مثله بعد فيء الزوال إلى غروب الشمس o فصل في وقت العصر وما يسن قبلها من التنفل o فصل لا يصح حديث تطوع النبي ﷺ بالنهار ست عشرة ركعة o فتوى شيخ الإسلام ابن تيمية في وجود راتبة للعصر. o فصل في النهي عن التنفل بعد صلاة العصر o فصل ينبغي الاشتغال بأذكار المساء بعد العصر o صلاة العصر هي المذكورة في قوله تعالى تحبسونهما من بعد الصلاة. o فصل فصل في فضل الثلث الأخير من الأزمنة o فصل في وقت صلاة العصر، وبيان الوقت الذي لا يجوز تأخيرها إليه o فصل لا يجوز له تأخير العصر بعد الاصفرار بلا عذر o فصل في فضل الساعة الأخيرة من يوم الجمعة o فصل لا بأس في النوم بعد العصر من غير تفويت لواجب شرعي o لا يصح النهي عن النوم في هذا الوقت

стр. 151

فصل في وقت العصر وما يسن قبلها من التنفل فإذا صار ظل كل شيء مثله بعد فيء الزوال فقد خرج وقت الظهر، ودخل وقت العصر، وليس بين الوقتين برزخ أو تداخل. ويسن بين صلاة العصر أن يصلي ركعتين لعموم قوله ﷺ : «بين كل أذانين صلاة «متفق عليه من حديث عبد الله بن مغفل ﵁. قال البخاري في صحيحه: "باب: بين كل أذانين صلاة لمن شاء"، ثم روى من طريق عبد الله بن بريدة، عن عبد الله بن مغفل ﵁، قال: قال النبي ﷺ : «بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين صلاة»، ثم قال في الثالثة: «لمن شاء» (١). والمراد بالأذانين: الأذان والإقامة، قال ابن رجب في شرح البخاري ما نصه: "وأما الظهر، فإنه يستحب التطوع قبلها بركعتين أو أربع ركعات، وهي من الرواتب عند الأكثرين.

стр. 152

وقد روي في الصلاة عقب زوال الشمس أحاديث، في أسانيد أكثرها مقال، وبكل حال؛ فما بين الأذانين للظهر هو وقت صلاة، فمن شاء استقل ومن شاء استكثر. وأما بين الأذانين لصلاة العصر، فهذا الحديث يدل على أنه يشرع بينهما صلاة، وقد ورد في الأربع قبل العصر أحاديث متعددة، وفي الركعتين أيضا، واختلفوا: هل يلتحق بالسنن الرواتب؟ والجمهور على أنها لا تلتحق بها (١) ا. هـ. قال أبو محمد: وهاتان الركعتان بين الأذان والإقامة في العصر سنة مطلقة؛ للخبر، ليست سنة راتبة، ولم يصح في التطوع في هذا الوقت شيء من الأخبار، لا من قوله، ولا من فعله ﵊. فأما حديث ابن عمر «رحم الله امرأ صلى قبل العصر أربعا» (٢) فلا يصح، وكل شواهده ضعيفة.

стр. 153

قال الترمذي: هذا حديث غريب حسن. قال ابن أبي حاتم في العلل ما نصه: "وسمعت أبي يقول: سألت أبا الوليد الطيالسي عن حديث محمد بن مسلم بن المثنى، عن أبيه، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: «رحم الله من صلى قبل العصر أربعا» فقال: دع ذي! فقلت: إن أبا داود قد رواه، فقال أبو الوليد: كان ابن عمر يقول: «حفظت عن النبي ﷺ عشر ركعات في اليوم والليلة ...»، فلو كان هذا لعده، قال أبي: يعني: كان يقول: حفظت اثني عشر ركعة" (١)

стр. 154

ا. هـ. قلت: ففيه علل: ١) قول أبي زرعة في محمد بن إبراهيم بن مسلم بن مهران بن المثنى - وقد ينسب لجده ولجد أبيه ولجد جده: "واهي الحديث، وروى عنه الطيالسي أحاديث منكرة"، قلت: وهذا منها. ٢) وإعلال أبي حاتم لمتنه. فالخبر لا يصح. والله أعلم.

стр. 155

فصل لا يصح حديث تطوع النبي ﷺ بالنهار ست عشرة ركعة وأما ما رواه أحمد - قال: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، وإسرائيل، وأبي، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، قال: سألنا علياً ﵁، عن تطوع النبي ﷺ بالنهار، فقال: «إنكم لا تطيقونه»، قال: قلنا: أخبرنا به نأخذ منه ما أطقنا، قال: «كان النبي ﷺ إذا صلى الفجر أمهل، حتى إذا كانت الشمس من هاهنا - يعني من قبل المشرق - مقدارها من صلاة العصر من هاهنا من قبل المغرب، قام فصلى ركعتين، ثم يمهل حتى إذا كانت الشمس من هاهنا - يعني من قبل المشرق - مقدارها من صلاة الظهر من هاهنا - يعني من قبل المغرب - قام فصلى أربعاً، وأربعاً قبل الظهر إذا زالت الشمس، وركعتين بعدها، وأربعاً قبل العصر، يفصل بين كل ركعتين بالتسليم على الملائكة المقربين، والنبيين ومن تبعهم من المؤمنين، والمسلمين «قال: قال علي: «تلك ست عشرة ركعة، تطوع النبي ﷺ بالنهار، وقل

стр. 156

من يداوم عليها (١) «- فحديث غير محفوظ، بل هو أشد وهناً من حديث ابن عمر السابق. وقال في الهدي: وأما الأربع قبل العصر، فلم يصح عنه ﵇ في فعلها شيء إلا حديث عاصم بن ضمرة عن علي، الحديث الطويل، أنه ﷺ «كان يصلي في النهار ست عشرة ركعة، يصلي إذا كانت الشمس من هاهنا كهيئتها من هاهنا لصلاة الظهر أربع ركعات، وكان يصلي قبل الظهر أربع ركعات، وبعد الظهر ركعتين، وقبل العصر أربع ركعات».

стр. 157

وفي لفظ: «كان إذا زالت الشمس من هاهنا كهيئتها من هاهنا عند العصر، صلى ركعتين، وإذا كانت الشمس من هاهنا كهيئتها من هاهنا عند الظهر، صلى أربعا، ويصلي قبل الظهر أربعا وبعدها ركعتين، وقبل العصر أربعا، ويفصل بين كل ركعتين بالتسليم على الملائكة المقربين ومن تبعهم من المؤمنين والمسلمين» وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية ينكر هذا الحديث ويدفعه جداً، ويقول: إنه موضوع. ويذكر عن أبي إسحاق الجوزجاني إنكاره (١).ا. هـ. وقال شيخ الإسلام في الفتاوي (إجابة على سؤال) ما نصه: وسئل: هل للعصر سنة راتبة أم لا؟ أفتونا مأجورين؟. فأجاب: الحمد لله، الذي ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ : «أنه كان يصلي مع المكتوبات عشر ركعات، أو اثنتي عشرة ركعة: ركعتين قبل الظهر، أو أربعا، وبعدها ركعتين، وبعد المغرب ركعتين، وبعد العشاء ركعتين، وقبل الفجر ركعتين»، وكذلك ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ قال: «من صلى في يوم وليلة ثنتي عشرة ركعة تطوعاً غير فريضة بنى الله له بيتا في الجنة»، ورويت في السنن: «أربعا

стр. 158

قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل الفجر»، وليس في الصحيح سوى هذه الأحاديث الثلاثة حديث ابن عمر وعائشة وأم حبيبة. وأما قبل العصر فلم يقل أحد أن النبي ﷺ كان يصلي قبل العصر إلا وفيه ضعف، بل خطأ، كحديث يروى عن علي أنه كان يصلي نحو ستة عشر ركعة منها قبل العصر وهو مطعون فيه فإن الذين اعتنوا بنقل تطوعاته، كعائشة وابن عمر ﵃ بينوا ما كان يصلّيه، وكذلك الصلاة قبل المغرب وقبل العشاء لم يكن يصليها، لكن كان أصحابه يصلون قبل المغرب بين الأذان والإقامة وهو يراهم فلا ينكر ذلك عليهم، وثبت عنه في الصحيح أنه قال: «بين كل أذانين صلاة بين كل أذانين صلاة «ثم قال في الثالثة: «لمن شاء «؛ كراهية أن يتخذها الناس سنة، فهذا يبين أن الصلاة قبل العصر والمغرب والعشاء حسنة، وليست بسنة، فمن أحب أن يصلي قبل العصر كما يصلي قبل المغرب والعشاء على هذا الوجه فحسن، وأما أن يعتقد أن ذلك سنة راتبة، كان يصليها النبي ﷺ كما يصلي قبل الظهر وبعدها وبعد المغرب فهذا خطأ. والصلاة مع المكتوبة ثلاث درجات:

стр. 159

إحداها: سنة الفجر والوتر: فهاتان أَمَرَ بهما النبي ﷺ ، ولم يأمر بغيرهما، وهما سنة باتفاق الأئمة، وكان النبي ﷺ يصليهما في السفر والحضر، ولم يجعل مالك سنة راتبة غيرهما. والثانية: ما كان يصليه مع المكتوبة في الحضر: وهو عشر ركعات، وثلاث عشرة ركعة، وقد أثبت أبو حنيفة والشافعي وأحمد مع المكتوبات سنة مقدرة بخلاف مالك. والثالثة: التطوع الجائز في هذا الوقت من غير أن يجعل سنة؛ لكون النبي ﷺ لم يداوم عليه ولا قدر فيه عدداً: والصلاة قبل العصر والمغرب والعشاء من هذا الباب، وقريبا من ذلك صلاة الضحى، والله أعلم" (١).ا. هـ. وقال الجُوزَجَاني (٢) في أحوال الرجال: في ترجمة عاصم: "روى عنه أبو إسحاق حديثاً في تطوع النبي ﷺ ست عشرة ركعة: «أنه كان يمهل حتى إذا ارتفعت الشمس من قبل المشرق كهيئتها من قبل المغرب عند العصر قام فصلى ركعتين، ثم يمهل حتى إذا ارتفعت الشمس وكانت من قبل المشرق كهيئتها من

стр. 160

قبل المغرب عند الظهر قام فصلى أربع ركعات، ثم يمهل حتى إذا زالت الشمس صلى أربع ركعات قبل الظهر، ثم يصلي بعد الظهر ركعتين، ثم يصلي قبل العصر أربع ركعات، فهذه ست عشرة ركعة». فيا لعباد الله أما كان ينبغي لأحد من أصحاب النبي ﷺ وأزواجه يحكي هذه الركعات إذ هم معه في دهرهم!! والحكاية عن عائشة ﵂ في الاثنتي عشرة ركعة من السنة، وابن عمر ﵄ عشر ركعات، والعامة من الأمة أو من شاء الله قد عرفوا ركعات السنة الاثنتي عشرة، منها بالليل ومنها بالنهار. فإن قال قائل: كم من حديث لم يروه إلا واحد؟! قيل: صدقت، كان النبي ﷺ يجلس فيتكلم بالكلمة من الحكمة، لعله لا يعود لها آخر دهره، فيحفظها عنه رجل، وهذه ركعات - كما قال عاصم كان يداوم عليها - فلا يشتبهان، ثم خالف رواية الأمة واتفاقها حين روى أن في خمس وعشرين من الإبل خمسا من الغنم" (١) ا. هـ.

стр. 161

وقال ابن عدي في الكامل في ترجمة عاصم بن ضمرة ما نصه: "وعاصم ابن ضمرة لم أذكر له حديثاً؛ لكثرة ما يروي عن علي مما تفرد به، ومما لا يتابعه الثقات عليه، والذي يرويه عن عاصم قوم ثقات، البلية من عاصم، ليس ممن يروي عنه. ا. هـ. وفي الباب أخبار كلها لا تصح، وليس في الباب هنا أصح وأصرح من» بين كل أذانين صلاة»، وتقدم. تنبيه: روى الطبراني في الكبير والأوسط من طريق: حماد بن سلمة، عن عاصم ابن بهدلة، عن زر بن حبيش، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ قال: «تحترقون تحترقون، فإذا صليتم الفجر غسلتها، ثم تحترقون تحترقون، فإذا صليتم الظهر غسلتها، ثم تحترقون تحترقون، فإذا صليتم العصر غسلتها، ثم تحترقون تحترقون، فإذا صليتم المغرب غسلتها، ثم تحترقون تحترقون، فإذا صليتم العشاء غسلتها، ثم تنامون فلا يكتب عليكم شيء حتى تستيقظون» (١)، رفعه علي بن عثمان اللاحقي، ورواه جماعة عن حماد بن سلمة موقوفا.

стр. 162

ورواه في الكبير، قال: حدثنا عمر بن حفص السدوسي، ثنا عاصم، ثنا المسعودي، عن القاسم، عن لقيط بن قبيصة، قال: قال عبد الله بن مسعود ﵁: «تحترقون، حتى إذا صلوا الفجر غسلت، ثم تحترقون حتى إذا صلوا الظهر غسلت، تحترقون حتى إذا صلوا العصر غسلت ..» حتى عد الصلوات كلها هكذا (١). والصحيح وقفه على ابن مسعود؛ ولذا قال في مجمع الزوائد: "رواه الطبراني في الثلاثة، إلا أنه موقوف في الكبير، ورجال الموقوف رجال الصحيح، ورجال المرفوع فيهم عاصم بن بهدلة، وحديثه حسن" (٢). ولذا قال المنذري في الترغيب والترهيب: "ورواه في الكبير موقوفا عليه، وهو أشبه" (٣).ا. هـ.

стр. 163

فصل في أن صلاة العصر هي الصلاة الوسطى، على الصحيح وصلاة العصر هي الصلاة الوسطى بلا مراء؛ لما أخرج البخاري ومسلم من طريق هشام، عن محمد، عن عَبيدة، عن علي ﵁، قال: لما كان يوم الأحزاب قال رسول الله ﷺ : «ملأ الله بيوتهم وقبورهم ناراً، شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس» (١). وهذا نص صريح قاطع للنزاع، وحكاية الخلاف بعد ذلك ما هي إلا تسويد للورق، وتضييع للدهر، والله المستعان.

стр. 164

فصل في النهي عن التنفل بعد صلاة العصر وما بعد صلاة العصر فوقت نهي، والنهي معلق بفعل الصلاة، لا بدخول وقت صلاة العصر - كما هو أحد الأقوال في الصبح - وتقدم الكلام عليه. والأحاديث في النهي عن الصلاة بعد العصر مستفيضة، وهو القول الراجح لأدلة كثيرة، وقد جاءت أخبار تدل على جواز التنفل بعد العصر والشمس نقية، وفي بعضها مرتفعة، وهي لا تقاوم في الصحة أحاديثَ النهي، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى هي تدل على الإباحة بالمفهوم، وقد عورضت بمنطوق الأخبار الصحيحة، والمنطوق مقدم على المفهوم. وقد جاء الخبر بالإباحة في حديث علي الذي أخرجه جمع من طريق هلال بن يساف عن وهب بن الأجدع عن علي بن أبي طالب عن النبي ﷺ قال: «لا تصلوا بعد العصر إلا أن تصلوا والشمس مرتفعة» (١).

стр. 165

فصل ينبغي الاشتغال بأذكار المساء بعد العصر ويسن أن يشتغل بالأذكار المسائية في هذا الوقت، فهو أول وقت المساء، ويشتغل بما يصلح قلبه من ذكر وقراءة، وهذا الوقت وقت فاضل عظيم، وهو الأصيل، وهو ختام النهار. قال الواحدي في تفسيره ما نصه: ﴿فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ١٠٦] "قال عامة المفسرين: من بعد صلاة العصر، وأهل الأديان يعظمون ذلك الوقت، ويتجنبون فيه الأكاذيب والحلف الكاذب" (١) ا. هـ. وقال السمعاني ما نصه: "أكثر العلماء على أنه أراد به: صلاة العصر، وقال الحسن: بعد صلاة الظهر، والأول أصح. وإنما خص به صلاة العصر؛ لأن وقت العصر معظم محترم عند جميع أهل الأديان" (٢) ا. هـ.

стр. 166

وقال الإمام الطبري ﵀: "وأولى القولين بالصواب عندنا، قول من قال: تحبسونهما من بعد صلاة العصر، وهي الصلاة التي كان رسول الله ﷺ يتخيرها لاستحلاف من أراد تغليظ اليمين عليه، هذا مع ما عند أهل الكفر بالله من تعظيم ذلك الوقت؛ لقربه من غروب الشمس" (١).ا. هـ. وقال القاسمي في محاسن التأويل في كلام له على الصلاة الوسطى وفضلها ما نصه: "هذا وقد أيّد علماء الأثر ما ذهبوا إليه من أنها صلاة العصر بأنها خصت بمزيد التأكيد والأمر بالمحافظة عليها، والتغليظ لمن ضيعها، فقد قال أبو المليح: كنا مع بريدة في غزوة، فقال في يوم ذي غيم: بكروا بصلاة العصر فإن النبي ﷺ قال: «من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله» أخرجه البخاري، وقوله: بكروا بصلاة العصر، أي قدموها في أول وقتها. وروى الشيخان عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: «الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله» أي: نقص وسلب أهله وماله فبقي فردا، فاقدهما. والمعنى: ليكن حذره من فوت صلاة العصر كحذره من ذهاب أهله وماله.

стр. 167

وقد ساق الحافظ عبد المؤمن الدمياطي في كتابه (كشف المغطى في تبيين الصلاة الوسطى) ما امتازت به صلاة العصر من الخصائص والفضائل، قال عليه الرحمة: فمنها: أن رسول الله ﷺ غلظ المصيبة في فواتها بذهاب الأهل والمال في الحديث المتقدم. ومنها: حبوط عمل تاركها المضيع لها في الحديث السالف أيضا. ومنها: أنها كانت أحب إليهم من أنفسهم وآبائهم وأبنائهم وأهليهم وأموالهم! ومنها: قوله ﷺ : «من حافظ عليها كان له أجرها مرتين»، رواه مسلم. ومنها: أن» انتظارها بعد الجمعة كعمرة «رواه أبو يعلى. وروى الحاكم: «كمن أتى بحجة وعمرة». ومنها: قوله ﷺ : «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم «... إلى أن قال: «ورجل أقام سلعة بعد العصر فحلف بالله أنه أخذها بكذا وكذا، فجاء رجل فصدقه فاشتراها» متفق عليه. ثم قال: قلت

стр. 168

وقد عظم الله الأيمان التي يحلف بها العباد فيما شجر بينهم بعدها فقال: تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ﴾ [المائدة: ١٠٦] قال عامة المفسرين: بعد صلاة العصر، ولذلك غلظ العلماء اللعان وسائر الأيمان المغلظة بوقت صلاة العصر؛ لشرفه ومزيته. ومنها: أن سليمان ﵇ أتلف مالاً عظيماً من الخيل لما شغله عرضها عن صلاة العصر إلى أن غابت الشمس، فمدحه الله تعالى بذلك، وأثنى عليه بقوله تعالى: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٣٠) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ﴾ [ص: ٣٠ - ٣١] الآيات. ومنها: أن الساعة التي في يوم الجمعة قد قيل: إنها بعد العصر. ومنها أن وقتها وقت ارتفاع الأعمال. ومنها: الحديث المرفوع: «إن الله تعالى يوحي إلى الملكين: لا تكتبا على عبدي الصائم بعد العصر سيئة». ومنها: ما جاء في قوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: ١ - ٢]، قال مقاتل: "العصر هي الصلاة الوسطى أقسم بها"، حكاه ابن عطية. ومنها: ما روي في الحديث، أن الملائكة تصف كل يوم بعد العصر بكتبها في السماء الدنيا فينادى الملك: ألق تلك الصحيفة، فيقول: وعزتك ما كتبت إلا ما

стр. 169

عمل، فيقول الله : «لم يرد به وجهي»، وينادى الملك الآخر: اكتب لفلان كذا وكذا، فيقول الملك: وعزتك إنه لم يعمل ذلك، فيقول الله : «إنه نواه». ومنها: أن وقتها وقت اشتغال الناس بتجاراتهم ومعايشهم في الغالب. وقد أفرد الكلام على تفسير هذه الآية بمؤلفات. وذكر العلامة الفاسي - شارح القاموس، فيما نقله عنه الزبيدي - أن الأقوال فيها أنافت على الأربعين. فرضي الله عن العلماء المجتهدين وأرضاهم. سنح لي وقوي بعد تمعن - في أواخر رمضان سنة ١٣٢٣ - احتمال قوله تعالى: ﴿وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨ [بعد قوله ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ [البقرة: ٢٣٨ [لأن يكون إرشاداً وأمراً بالمحافظة على أداء الصلاة أداءً متوسطاً، لا طويلاً مملاً ولا قصيراً مخلاً، أي: والصلاة المتوسطة بين الطول والقصر. ويؤيده الأحاديث المروية عنه ﷺ في ذلك، قولاً وفعلاً، ثم مر بي في القاموس - في ٢٣ ربيع الأول سنة ١٣٢٤ - حكاية هذا قولاً، حيث ساق في مادة (وس ط) الأقوال في الآية، ومنها قوله: "أو المتوسطة بين الطول والقصر".

стр. 170

قال شارحه الزبيدي: "وهذا القول رده أبو حيان في (البحر) "، ثم سنح لي احتمال وجه آخر: وهو أن يكون قوله ﴿وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨ [أريد به توصيف الصلاة المأمور بالمحافظة عليها بأنها فضلى، أي: ذات فضل عظيم عند الله، فالوسطى بمعنى الفضلى من قولهم للأفضل: الأوسط، وتوسيط (الواو) بين الصفة والموصوف مما حققه الزمخشري، واستدل له بكثير من الآيات، وفي سوق الصفة بهذا الأسلوب، من الاعتناء بالموصوف ما لا يخفى، وأسلوب القرآن أسلوب خاص انفرد به في باب البلاغة، لم ينفتح من أبواب عجائبه إلا قطرة من بحر" (١).ا. هـ. والمقصود تفخيم هذا الوقت وجلالته وفضله وتغليظ الكذب والفجور فيه . ولذا قال البخاري في صحيحه: "باب اليمين بعد العصر"، ثم روى من طريق الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاثة لا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: رجل على فضل ماء بطريق، يمنع منه ابن السبيل، ورجل بايع رجلا لا يبايعه إلا للدنيا، فإن أعطاه ما

стр. 171

يريد وفى له وإلا لم يف له، ورجل ساوم رجلا بسلعة بعد العصر، فحلف بالله لقد أعطى بها كذا وكذا فأخذها» (١). قال في فيض القدير ما نصه: "خص العصر؛ لكونه وقت نزول الملائكة لرفع أعمال النهار، وإذا حلف كاذباً في ذلك الوقت ختم عمل نهاره بعمل سيء فكان جديراً بالإبعاد والطرد عن رب العباد" (٢).ا. هـ. وقال في دليل الفالحين: "وتخصيص العصر بالذكر؛ لما ذكر، وقيل خص لعظيم الإثم فيهن، وإن حرمت اليمين الفاجرة كل وقت، إلا أن الله سبحانه عظم شأن هذا الوقت؛ لاجتماع الملائكة، ووقت ختام الأعمال، والأمور بخواتيمها، فغلظت فيه العقوبة؛ لئلا يقدم عليها فيه تجرؤاً، فإن من تجرأ عليها فيه أعادها في غيره، وكان السلف يحلفون بعد العصر تغليظا لليمين" (٣) ا. هـ.

стр. 172

وقال السندي على ابن ماجة ما نصه: «بعد العصر «للمبالغة في الذم؛ لأنه وقت يتوب فيه المقصر تمام النهار ويستعمل فيه الموفق الذكر ونحوه فالمعصية في مثله أقبح (١) ا. هـ. وقال في شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري: "وخص وقت بعد العصر؛ لفضله، ولأنه آخر النهار الذي أثنى الله على المسبحين فيه؛ لقرب نهاية النهار وختم عمله، وقرب الليل الذي فيه النوم المذكر بالمصير إلى الله - تعالى -، وهو وقت أصوات الداعين لله والمسبحين" (٢).ا. هـ. وقال في الإحياء: قال الحسن: كانوا أشد تعظيما للعشي منهم لأول النهار، وقال بعض السلف: كانوا يجعلون أول النهار للدنيا وآخره للآخرة (٣).

стр. 173

فصل فضل الثلث الأخير من النهار ومن الليل ومن رمضان ومن حكمة الله جل وعلا أن جعل الثلث الأخير من الأزمنة أفضلها، فثلث الليل الآخر أفضله، وهو وقت التنزل الإلهي، وثلث النهار الأخير أفضله، وقد تقدم، وثلث رمضان الأخير أفضله، وهو عشره الأخيرة التي فيها ليلة القدر، وثلث السنة الأخير أفضلها، وهو يفتتح بشهر رمضان، ويتبعه شهر شوال من أشهر الحج، ثم شهران فاضلان من الأشهر الحرم، ومن أشهر الحج: هما شهر ذي القعدة وشهر ذي الحجة، ولذا قال ﷺ في شهر رمضان وشهر ذي الحجة: «شهرا عيد لا ينقصان»، وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة. ولهذا قال ابن رجب في لطائف المعارف: "وأيضا فكل زمان فاضل من ليل أو نهار فإن آخره أفضل من أوله، كيوم عرفة، ويوم الجمعة؛ وكذلك الليل والنهار عموما آخره أفضل من أوله، ولذلك كانت الصلاة الوسطى صلاة العصر، كما دلت الأحاديث الصحيحة عليه، وآثار السلف الكثيرة تدل عليه، وكذلك عشر ذي الحجة والمحرم، آخرهما أفضل من أولهما" (١).ا. هـ.

стр. 174

فصل في وقت صلاة العصر، وبيان الوقت الذي لا يجوز تأخيرها إليه والعصر يمتد وقتها إلى غروب الشمس فهذا وقتها في الجملة، ولكن لا يحل له أن يؤخرها إلى وقت الاصفرار وقد أخرج مسلم من طريق قتادة، عن أبي أيوب، عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن نبي الله ﷺ ، قال: «إذا صليتم الفجر فإنه وقت إلى أن يطلع قرن الشمس الأول، ثم إذا صليتم الظهر فإنه وقت إلى أن يحضر العصر، فإذا صليتم العصر فإنه وقت إلى أن تصفر الشمس ...» (١). وقد اختلف في آخر وقت الاختيار: هل هو أن يصير الظل مثلين؟ أو الاصفرار؟ قال في المغني ما نصه: "مسألة: قال: وإذا صار ظل كل شيء مثليه خرج وقت الاختيار. اختلفت الرواية عن أحمد ﵁ في آخر وقت الاختيار، فروي: حين يصير ظل كل شيء مثليه. وهو قول مالك، والثوري، والشافعي؛ لقوله في حديث

стр. 175

ابن عباس وجابر ﵃: «الوقت ما بين هذين»، وروي عن أحمد ﵀ أن آخره ما لم تصفر الشمس. وهي أصح عنه، حكاه عنه جماعة، منهم الأثرم، قال: سمعته يسأل عن آخر وقت العصر؟ فقال: هو تغير الشمس. قيل: ولا تقول بالمثل والمثلين؟ قال: لا، هذا عندي أكثر، وهذا قول أبي ثور، وأبي يوسف، ومحمد، ونحوه عن الأوزاعي لحديث عبد الله بن عمرو ﵄ أن النبي ﷺ قال: «وقت العصر ما لم تصفر الشمس» رواه مسلم. وفي حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ «وإن آخر وقتها حين تصفر الشمس» وفي حديث بريدة ﵁ «أن النبي ﷺ صلى العصر في اليوم الثاني والشمس بيضاء نقية لم تخالطها صفرة». قال ابن عبد البر: أجمع العلماء على أن من صلى العصر والشمس بيضاء نقية، فقد صلاها في وقتها. وفي هذا دليل على أن مراعاة المثلين عندهم استحباب، ولعلهما متقاربان يوجد أحدهما قريبا من الآخر" (١).ا. هـ ...

стр. 176

قال أبو محمد: وهذا هو الصحيح لوجوه: ١) أن أحاديث الاصفرار أكثر، ومتأخرة أيضا عن أحاديث المثلين فإنها متقدمة. ٢) ولأن في أحاديث الاصفرار سعة في الوقت. ٣) وأيضا أحاديث الاصفرار قولية. ولهذا قال أبو العباس في المجموع: "أما العصر فهذا يقول: تصلى إلى المثلين، وهذا يقول: لا تصلى إلا بعد المثلين، والصحيح: أنها تصلى من حين يصير ظل كل شيء مثله إلى اصفرار الشمس، فوقتها أوسع، كما قاله هؤلاء وهؤلاء، وعلى هذا تدل الأحاديث الصحيحة المدنية" (١) ا. هـ.

стр. 177

فصل لا يجوز له تأخير العصر بعد الاصفرار بلا عذر وليس له أن يؤخر العصر بعد هذا الوقت بلا عذر. قال في المغني: "ولا يجوز تأخير العصر عن وقت الاختيار لغير عذر؛ لما تقدم من الأخبار، وروى مسلم وأبو داود بإسنادهما، عن أنس بن مالك ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «تلك صلاة المنافقين، تلك صلاة المنافقين، تلك صلاة المنافقين، يجلس أحدهم، حتى إذا اصفرت الشمس، فكانت بين قرني شيطان، أو على قرني شيطان، قام، فنقر أربعا، لا يذكر الله فيها إلا قليلا»، ولو أبيح تأخيرها لما ذمه عليه، وجعله علامة النفاق" (١) ا. هـ. والاصفرار هو: تغير الشمس، وقال بعض المالكية: كما في الثمر الداني: "والذي وصف عن مالك ﵀ في تحديد آخر الوقت المختار للعصر من رواية ابن القاسم أن الوقت فيها ما لم تصفر الشمس، أي: في الأرض والجدر، أي: لا في عين الشمس، إذ لا تزال نقية حتى تغرب" (٢) ا. هـ.

стр. 178

وقال في اللباب في شرح الكتاب ما نصه: "وقال الفضلي: ما دام الإنسان يقدر على النظر إلى قرص الشمس فالشمس في طلوعها، فلا تباح فيه الصلاة، فإذا عجز عن النظر تباح. اهـ. (ولا عند قيامها في الظهيرة) إلى أن تزول (ولا عند) قرب (غروبها) بحيث تصفر وتضعف حتى تقدر العين على مقابلتها إلى أن تغرب" (١) ا. هـ وقال في المرقاة: "وأما حديث مواقيت الصلاة - وفيه» العصر ما لم تصفر «- فمعناه اصفراراً تاماً كاملاً" (٢) ا. هـ. قال أبو محمد: فمجمل الأخبار ذكر الاصفرار، وفي بعضها الاحمرار، وفي تفسير العلماء: تغيرها وضعف ضوئها، وإنما كان ذلك بسبب دنوها من الأرض وحيلولة الغبار والأرياح والأكدار بين الناظر والشمس، وعلى هذا فوقت الاصفرار آخر وقت العصر ولا يكون ذلك إلا بعد ذهاب أكثر وقت العصر.

стр. 179

فصل في فضل الساعة الأخيرة من يوم الجمعة فإن كان اليوم جمعة، فآخر ساعة منه وقت يرجى فيه استجابة الدعاء، ففي الموطأ: وحدثني عن مالك، عن يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: خرجت إلى الطور فلقيت كعب الأحبار فجلست معه، فحدثني عن التوراة، وحدثته عن رسول الله ﷺ ، فكان فيما حدثته، أن قلت: قال رسول الله ﷺ : «خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أهبط من الجنة، وفيه تيب عليه، وفيه مات، وفيه تقوم الساعة، وما من دابة إلا وهي مصيخة يوم الجمعة، من حين تصبح حتى تطلع الشمس شفقا من الساعة، إلا الجن والإنس، وفيه ساعة لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي، يسأل الله شيئا، إلا أعطاه إياه» قال كعب ذلك في كل سنة يوم، فقلت: بل في كل جمعة، فقرأ كعب التوراة فقال: صدق رسول الله ﷺ . قال أبو هريرة ﵁: فلقيت بصرة بن أبي بصرة الغفاري فقال: من أين أقبلت؟ فقلت: من الطور فقال: لو أدركتك قبل أن تخرج إليه، ما خرجت، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد: إلى المسجد الحرام، وإلى مسجدي هذا، وإلى مسجد إيلياء أو بيت المقدس «يشك.

стр. 180

قال أبو هريرة ﵁: ثم لقيت عبد الله بن سلام ﵁، فحدثته بمجلسي مع كعب الأحبار، وما حدثته به في يوم الجمعة، فقلت: قال كعب: ذلك في كل سنة يوم، قال: قال عبد الله بن سلام ﵁: كذب كعب. فقلت: ثم قرأ كعب التوراة، فقال: بل هي في كل جمعة، فقال عبد الله بن سلام ﵁: صدق كعب، ثم قال عبد الله بن سلام ﵁: قد علمت أية ساعة هي، قال أبو هريرة ﵁: فقلت له أخبرني بها ولا تضِنّ علي، فقال عبد الله بن سلام ﵁: هي آخر ساعة في يوم الجمعة. قال أبو هريرة ﵁: فقلت وكيف تكون آخر ساعة في يوم الجمعة؟ وقد قال رسول الله ﷺ : «لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي» وتلك الساعة ساعة لا يصلى فيها، فقال عبد الله بن سلام ﵁ ألم يقل رسول الله ﷺ : «من جلس مجلسا ينتظر الصلاة فهو في صلاة حتى يصلي»؟ قال أبو هريرة ﵁ فقلت: بلى، قال: فهو ذلك (١) ا. هـ. وأصل ساعة الاستجابة يوم الجمعة ثابت في الصحيحين، فقد أخرجه صاحبا الصحيح، كلاهما من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ ذكر يوم الجمعة، فقال: «فيه ساعة، لا يوافقها عبد مسلم، وهو قائم يصلي، يسأل الله تعالى شيئا، إلا أعطاه إياه» وأشار بيده يقللها.
следующие страницы →