قال أبو محمد: وهذا هو الصحيح لوجوه:
١) أن أحاديث الاصفرار أكثر، ومتأخرة أيضا عن أحاديث المثلين فإنها متقدمة.
٢) ولأن في أحاديث الاصفرار سعة في الوقت.
٣) وأيضا أحاديث الاصفرار قولية.
ولهذا قال أبو العباس في المجموع: "أما العصر فهذا يقول: تصلى إلى المثلين، وهذا يقول: لا تصلى إلا بعد المثلين، والصحيح: أنها تصلى من حين يصير ظل كل شيء مثله إلى اصفرار الشمس، فوقتها أوسع، كما قاله هؤلاء وهؤلاء، وعلى هذا تدل الأحاديث الصحيحة المدنية" (١) ا. هـ.
стр. 177
فصل
لا يجوز له تأخير العصر بعد الاصفرار بلا عذر
وليس له أن يؤخر العصر بعد هذا الوقت بلا عذر. قال في المغني: "ولا يجوز تأخير العصر عن وقت الاختيار لغير عذر؛ لما تقدم من الأخبار، وروى مسلم وأبو داود بإسنادهما، عن أنس بن مالك ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «تلك صلاة المنافقين، تلك صلاة المنافقين، تلك صلاة المنافقين، يجلس أحدهم، حتى إذا اصفرت الشمس، فكانت بين قرني شيطان، أو على قرني شيطان، قام، فنقر أربعا، لا يذكر الله فيها إلا قليلا»، ولو أبيح تأخيرها لما ذمه عليه، وجعله علامة النفاق" (١) ا. هـ.
والاصفرار هو: تغير الشمس، وقال بعض المالكية: كما في الثمر الداني: "والذي وصف عن مالك ﵀ في تحديد آخر الوقت المختار للعصر من رواية ابن القاسم أن الوقت فيها ما لم تصفر الشمس، أي: في الأرض والجدر، أي: لا في عين الشمس، إذ لا تزال نقية حتى تغرب" (٢) ا. هـ.
стр. 178
وقال في اللباب في شرح الكتاب ما نصه: "وقال الفضلي: ما دام الإنسان يقدر على النظر إلى قرص الشمس فالشمس في طلوعها، فلا تباح فيه الصلاة، فإذا عجز عن النظر تباح. اهـ. (ولا عند قيامها في الظهيرة) إلى أن تزول (ولا عند) قرب (غروبها) بحيث تصفر وتضعف حتى تقدر العين على مقابلتها إلى أن تغرب" (١) ا. هـ
وقال في المرقاة: "وأما حديث مواقيت الصلاة - وفيه» العصر ما لم
تصفر «- فمعناه اصفراراً تاماً كاملاً" (٢) ا. هـ.
قال أبو محمد: فمجمل الأخبار ذكر الاصفرار، وفي بعضها الاحمرار، وفي تفسير العلماء: تغيرها وضعف ضوئها، وإنما كان ذلك بسبب دنوها من الأرض وحيلولة الغبار والأرياح والأكدار بين الناظر والشمس، وعلى هذا فوقت الاصفرار آخر وقت العصر ولا يكون ذلك إلا بعد ذهاب أكثر وقت العصر.
стр. 179
فصل
في فضل الساعة الأخيرة من يوم الجمعة
فإن كان اليوم جمعة، فآخر ساعة منه وقت يرجى فيه استجابة الدعاء، ففي الموطأ: وحدثني عن مالك، عن يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: خرجت إلى الطور فلقيت كعب الأحبار فجلست معه، فحدثني عن التوراة، وحدثته عن رسول الله ﷺ ، فكان فيما حدثته، أن قلت: قال رسول الله ﷺ : «خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أهبط من الجنة، وفيه تيب عليه، وفيه مات، وفيه تقوم الساعة، وما من دابة إلا وهي مصيخة يوم الجمعة، من حين تصبح حتى تطلع الشمس شفقا من الساعة، إلا الجن والإنس، وفيه ساعة لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي، يسأل الله شيئا، إلا أعطاه إياه» قال كعب ذلك في كل سنة يوم، فقلت: بل في كل جمعة، فقرأ كعب التوراة فقال: صدق رسول الله ﷺ .
قال أبو هريرة ﵁: فلقيت بصرة بن أبي بصرة الغفاري فقال: من أين أقبلت؟ فقلت: من الطور فقال: لو أدركتك قبل أن تخرج إليه، ما خرجت، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد: إلى المسجد الحرام، وإلى مسجدي هذا، وإلى مسجد إيلياء أو بيت المقدس «يشك.
стр. 180
قال أبو هريرة ﵁: ثم لقيت عبد الله بن سلام ﵁، فحدثته بمجلسي مع كعب الأحبار، وما حدثته به في يوم الجمعة، فقلت: قال كعب: ذلك في كل سنة يوم، قال: قال عبد الله بن سلام ﵁: كذب كعب. فقلت: ثم قرأ كعب التوراة، فقال: بل هي في كل جمعة، فقال عبد الله بن سلام ﵁: صدق كعب، ثم قال عبد الله بن سلام ﵁: قد علمت أية ساعة هي، قال أبو هريرة ﵁: فقلت له أخبرني بها ولا تضِنّ علي، فقال عبد الله بن سلام ﵁: هي آخر ساعة في يوم الجمعة.
قال أبو هريرة ﵁: فقلت وكيف تكون آخر ساعة في يوم الجمعة؟ وقد
قال رسول الله ﷺ : «لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي» وتلك الساعة
ساعة لا يصلى فيها، فقال عبد الله بن سلام ﵁ ألم يقل رسول الله ﷺ : «من
جلس مجلسا ينتظر الصلاة فهو في صلاة حتى يصلي»؟ قال أبو هريرة ﵁ فقلت: بلى، قال: فهو ذلك (١) ا. هـ.
وأصل ساعة الاستجابة يوم الجمعة ثابت في الصحيحين، فقد أخرجه صاحبا الصحيح، كلاهما من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ ذكر يوم الجمعة، فقال: «فيه ساعة، لا يوافقها عبد مسلم، وهو قائم يصلي، يسأل الله تعالى شيئا، إلا أعطاه إياه» وأشار بيده يقللها.
стр. 181
زاد مسلم من وجه آخر من طريق محمد بن زياد - وهو الجمحي - عن أبي هريرة ﵁ وفيه قال: «وهي ساعة خفيفة» (١).ا. هـ.
فأصل الساعة ثابت، والخلاف في التحديد، وقد قدمت طرفا من أدلة من قال هي آخر ساعة، ومنهم من قال: هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تقضى الصلاة، واحتج بما رواه مسلم من طريق: مخرمة، عن أبيه، عن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال لي عبد الله بن عمر ﵄: أسمعت أباك يحدث عن رسول الله ﷺ في شأن ساعة الجمعة؟ قال: قلت: نعم، سمعته يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «هي ما بين أن يجلس الإمام إلى تقضى الصلاة (٢)».
قال أبو الفضل في الفتح، بعد أن حكى أكثر من أربعين قولا في تحديدها، قال ما نصه: "ولا شك أن أرجح الأقوال المذكورة حديث أبي موسى وحديث عبد الله بن سلام ﵄ كما تقدم.
قال المحب الطبري: أصح الأحاديث فيها حديث أبي موسى ﵁، وأشهر الأقوال فيها قول عبد الله بن سلام ا. هـ
стр. 182
وما عداهما إما موافق لهما، أو لأحدهما، أو ضعيف الإسناد، أو موقوف استند قائله إلى اجتهاد دون توقيف، ولا يعارضهما حديث أبي سعيد ﵁ في كونه ﷺ أُنسِيها بعد أن علمها؛ لاحتمال أن يكونا سمعا ذلك منه قبل أن أُنسِيَ، أشار إلى ذلك البيهقي وغيره.
وقد اختلف السلف في أيهما أرجح، فروى البيهقي من طريق أبي الفضل أحمد بن سلمة النيسابوري أن مسلما قال: حديث أبي موسى ﵁ أجود شيء في هذا الباب وأصحه، وبذلك قال البيهقي وابن العربي وجماعة.
وقال القرطبي: هو نص في موضع الخلاف، فلا يلتفت إلى غيره.
وقال النووي: هو الصحيح، بل الصواب، وجزم في الروضة بأنه الصواب، ورجحه أيضا بكونه مرفوعاً صريحاً، وفي أحد الصحيحين.
وذهب آخرون إلى ترجيح قول عبد الله بن سلام ﵁، فحكى الترمذي عن أحمد أنه قال: أكثر الأحاديث على ذلك.
وقال ابن عبد البر: إنه أثبت شيء في هذا الباب.
وروى سعيد بن منصور بإسناد صحيح إلى أبي سلمة بن عبد الرحمن أن ناساً من الصحابة اجتمعوا فتذاكروا ساعة الجمعة، ثم افترقوا، فلم يختلفوا أنها آخر ساعة من يوم الجمعة.
стр. 183
ورجحه كثير من الأئمة أيضا كأحمد وإسحاق، ومن المالكية الطرطوشي، وحكى العلائي أن شيخه بن الزملكاني - شيخ الشافعية في وقته - كان يختاره ويحكيه عن نص الشافعي.
وأجابوا عن كونه ليس في أحد الصحيحين بأن الترجيح بما في الصحيحين أو أحدهما إنما هو حيث لا يكون مما انتقده الحفاظ، كحديث أبي موسى هذا، فإنه أعل بالانقطاع، والاضطراب.
أما الانقطاع: فلأن مخرمة بن بكير لم يسمع من أبيه، قاله أحمد عن حماد بن خالد عن مخرمة نفسه، وكذا قال سعيد بن أبي مريم عن موسى بن سلمة عن مخرمة، وزاد: إنما هي كتب كانت عندنا، وقال علي بن المديني: لم أسمع أحداً من أهل المدينة يقول عن مخرمة: إنه قال في شيء من حديثه: سمعت أبي.
ولا يقال مسلم يكتفي في المعنعن بإمكان اللقاء مع المعاصرة - وهو كذلك هنا -؛ لأنا نقول: وجود التصريح عن مخرمة بأنه لم يسمع من أبيه كاف في دعوى الانقطاع.
وأما الاضطراب: فقد رواه أبو إسحاق، وواصل الأحدب، ومعاوية بن قرة وغيرهم .. عن أبي بردة من قوله. وهؤلاء من أهل الكوفة. وأبو بردة كوفي. فهم أعلم بحديثه من بُكير المدني، وهم عدد، وهو واحد، وأيضا فلو كان عند أبي بردة
стр. 184
مرفوعاً لم يفت فيه برأيه بخلاف المرفوع؛ ولهذا جزم الدارقطني بأن الموقوف هو الصواب.
وسلك صاحب الهدي مسلكاً آخر فاختار أن ساعة الإجابة منحصرة في أحد الوقتين المذكورين، وأن أحدهما لا يعارض الآخر؛ لاحتمال أن يكون ﷺ دل على أحدهما في وقت، وعلى الآخر في وقت آخر، وهذا كقول بن عبد البر الذي ينبغي الاجتهاد في الدعاء في الوقتين المذكورين، وسبق إلى نحو ذلك الإمام أحمد، وهو أولى في طريق الجمع.
وقال بن المنيّر في الحاشية: إذا علم أن فائدة الإبهام لهذه الساعة ولليلة القدر بعث الداعي على الإكثار من الصلاة والدعاء، ولو بُيِّن لاتّكل الناس على ذلك، وتركوا ما عداها فالعجب بعد ذلك ممن يجتهد في طلب تحديدها" (١) ا. هـ.
стр. 185
فصل
لا بأس في النوم بعد العصر من غير تفويت لواجب شرعي
فإن احتاج إلى النوم والارتفاق بالراحة في هذا الوقت، فلا بأس، لا سيما لأهل الجهد واليقظة في أول النهار، لا سيما إن فاتهم نوم القائلة، وهو لأهل الكسب في عصرنا متعسر لطبيعة الأعمال الوظيفية.
ولا يصح نهي عن النوم في مثل هذا الوقت، وبكل حال لا لوم في النوم لمن لم يفته شئ من الواجبات الشرعية من حق الخالق وحق المخلوق، ولكن شتان بين نوم الأكياس، ونوم البطالين.
وكان أكثر نوم شيخنا العلامة ابن باز ﵀ في النهار إنما هو بعد العصر؛ لقيامه بأعمال كثيرة، وأعباء ثقال شتى تنوء بها العصبة من الأقوياء.
وقد رأيت من قوته على التدريس، والإفتاء، وقضاء حوائج الناس، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مع التأليف والمراجعة والردود على المخالفين، والاجتماعات العلمية مع القضاة ورجال الحسبة، واستقبال الضيوف، وإجابة الدعوة من أعيان الناس وعامتهم، وإلقاء المحاضرات ... وغير ذلك مما يصعب حصره، وهذا كله مع التقدم في السن، والضعف في البدن - ما أقطع به أن الله قد
стр. 186
أكرمه بأعظم كرامة، ووفقه أعظم توفيق، وهو لزوم السنة والعمل بها، وهذا والله ثمرة الصدق، وعاقبة الإخلاص، نحسبه كذلك.
قال أبو العباس ﵀ في فتاويه: "وإنما غاية الكرامة لزوم الاستقامة، فلم يكرم الله عبداً بمثل أن يعينه على ما يحبه ويرضاه، ويزيده مما يقربه إليه، ويرفع به درجته" (١) ا. هـ.
стр. 187
خامسا: من غروب الشمس إلى مغيب الشفق
o فصل في بعض المسائل التي تتعلق بغروب الشمس.
o فصل في استحباب صلاة ركعتين قبل صلاة المغرب.
o فصل في وقت صلاة المغرب وما يصلى بعده من النوافل.
o فصل في كراهة النوم قبل صلاة العشاء.
o فصل في خروج وقت المغرب بغياب الشفق.
стр. 188
فصل
في بعض المسائل التي تتعلق بغروب الشمس
فإن غابت الشمس وتكامل نزول قرصها:
حلّ وقت صلاة المغرب.
وأفطر الصائم.
وسن تعجيل الفطر.
فإن ولد للسعيد ولد قبل غروب الشمس - ولو بلحظة - فيحسب عليه هذا اليوم، وما بعد الغروب يوم آخر، وحينئذ تكون العقيقة في اليوم الذي قبل يوم الولادة من الأسبوع القادم.
وهذا ضابطه، وأحسن ما قيل في حساب الأيام في هذه المسألة، وإنما ذكرتها؛ لتعلقها بالوقت وأهميتها، فافهم.
стр. 189
فصل
في استحباب صلاة ركعتين قبل صلاة المغرب
ويسن بين يدي صلاة المغرب أن يصلي ركعتين.
قال الحافظ: "ومجموع الأدلة يرشد إلى تخفيفهما، كما في ركعتي
الفجر" (١) ا. هـ. كذا قال.
قال البخاري في صحيحه: "باب الصلاة قبل المغرب"، ثم قال: حدثنا أبو معمر، حدثنا عبد الوارث، عن الحسين، عن عبد الله بن بريدة، قال: حدثني عبد الله المزني ﵁ عن النبي ﷺ قال: «صلوا قبل صلاة المغرب»، قال في الثالثة: «لمن شاء» كراهية أن يتخذها الناس سنة (٢).
стр. 190
وأخرج البخاري من طريق شعبة، قال: سمعت عمرو بن عامر الأنصاري، عن أنس بن مالك ﵁ قال: «كان المؤذن إذا أذن قام ناس من أصحاب النبي ﷺ يبتدرون السواري، حتى يخرج النبي ﷺ وهم كذلك، يصلون الركعتين قبل المغرب، ولم يكن بين الأذان والإقامة شيء»، قال عثمان بن جبلة، وأبو داود عن شعبة: «لم يكن بينهما إلا قليل» (١) ا. هـ.
قال في طرح التثريب ما نصه: فائدة استحباب ركعتين بعد أذان المغرب وقبل الصلاة (الخامسة عشر) وفيه أيضا استحباب ركعتين بعد أذان المغرب وقبل الصلاة أيضا، وهو أحد الوجهين لأصحاب الشافعي وصححه النووي.
وقد ثبت في البخاري من حديث عبد الله بن مغفل ﵁ أن النبي ﷺ قال: «صلوا قبل المغرب» قال في الثالثة «لمن شاء»، وله من حديث عقبة بن عامر ﵁ «كنا نفعله على عهد رسول الله ﷺ » وله في حديث أنس ﵁ «رأيت كبار أصحاب رسول الله ﷺ يبتدرون السواري عند المغرب».
وقال مسلم: «فإذا أذن المؤذن لصلاة المغرب ابتدروا السواري، فركعوا ركعتين، حتى إن الرجل الغريب ليدخل المسجد فيحسب أن الصلاة قد صليت
стр. 191
من كثرة من يصليهما» وفي رواية له «كنا نصلي على عهد رسول الله ﷺ ركعتين بعد غروب الشمس قبل المغرب «فقيل له: أكان رسول الله ﷺ صلاها؟ قال: «كان يرانا نصليها، فلم يأمرنا، ولم ينهنا» (١).
قال في المرعاة ما نصه: "قال السندي في حاشية النسائي: وهذا الحديث وأمثاله يدل على جواز الركعتين قبل صلاة المغرب بل ندبهما.
قلت: أراد بأمثاله ما روي في ذلك من الأحاديث الصحيحة الصريحة.
منها حديث عبد الله بن مغفل ﵁ الذي ذكرنا لفظه، وهو حديث صحيح أخرجه الشيخان.
ومنها حديث أنس بن مالك ﵁ - أخرجه أيضا الشيخان - قال: «كان المؤذن إذا أذن قام ناس من أصحاب النبي ﷺ يبتدرون السواري حتى يخرج النبي ﷺ وهم كذلك، يصلون الركعتين قبل المغرب». زاد مسلم: «حتى إن الرجل الغريب ليدخل المسجد فيحسب أن الصلاة صليت، من كثرة من يصليها».
стр. 192
ومنها حديث عقبة بن عامر ﵁ أخرجه البخاري عن مرثد بن عبد الله اليزني، قال: أتيت عقبة بن عامر الجهني ﵁ فقلت: ألا أعجبك من أبي تميم يركع ركعتين قبل صلاة المغرب، فقال: «إنا كنا نفعله على عهد النبي ﷺ »، قلت: فما يمنعك الآن؟ قال: الشغل.
وسيأتي هذه الأحاديث في باب السنن وفضائلها.
ومنها حديث عبد الله بن مغفل ﵁ أيضا: «أن رسول الله ﷺ صلى قبل المغرب ركعتين»، أخرجه ابن حبان في صحيحه، وأخرجه محمد بن نصر في قيام الليل بلفظ: أن رسول الله ﷺ صلى قبل المغرب ركعتين، ثم قال: «صلوا قبل المغرب ركعتين»، ثم قال عند الثالثة: «لمن شاء»، خاف أن يحسبها الناس سنة.
قال العلامة أحمد بن علي المقريزي في مختصر قيام الليل: هذا إسناده صحيح على شرط مسلم، وقد صح في ابن حبان حديث: أن النبي ﷺ صلى ركعتين قبل المغرب. انتهى.
وقد روى محمد بن نصر عن جماعة من الصحابة والتابعين: أنهم كانوا يصلون الركعتين.
стр. 193
فهذه الأحاديث الصحيحة الصريحة وآثار الصحابة والتابعين تدل على استحباب الركعتين بعد أذان المغرب وقبل صلاته، وهو الحق. وترد على الحنفية والمالكية ومن وافقهم" (١) ا. هـ.
قال أبو محمد: ثبتت السنة القولية والتقريرية في هاتين الركعتين، أما السنة الفعلية منه ﵊ فلم تثبت، وقد أخرجها ابن حبان في صحيحه مصححاً لخبرها، وهو خبر شاذ غير محفوظ.
قال ابن حبان في صحيحه: أخبرنا محمد بن إسحاق بن خزيمة، حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث، حدثنا أبي، حدثني أبي، حدثنا حسين المعلم، عن عبد الله بن بريدة، أن عبد الله المزني ﵁ حدثه: «أن رسول الله ﷺ صلى قبل المغرب ركعتين «ثم قال: «صلوا قبل المغرب ركعتين»، ثم قال عند الثالثة: «لمن شاء «خاف أن يحسبها الناس سنة (٢) ا. هـ.
стр. 194
وزيادة» أن رسول الله ﷺ صلى قبل المغرب ركعتين «لا تثبت (١).
ولذا قال شيخ الإسلام ما نصه: وقد صح أن أصحاب النبي ﷺ كانوا يصلون بين أذان المغرب وإقامتها ركعتين والنبي ﷺ يراهم فلا ينهاهم ولم يكن يفعل ذلك، فمثل هذه الصلوات حسنة ليست سنة فإن النبي ﷺ كره أن تتخذ سنة. ولم يكن النبي ﷺ يصلي قبل العصر وقبل المغرب وقبل العشاء، فلا تتخذ سنة، ولا يكره أن يصلى فيها، بخلاف ما فعله ورغب فيه، فإن ذلك أوكد من هذا (٢) ا. هـ.
وقال أيضا في الفتاوى الكبرى ما نصه: "والصلاة مع المكتوبة ثلاث درجات:
إحداها: سنة الفجر والوتر: فهاتان أَمَرَ بهما النبي ﷺ ، ولم يأمر بغيرهما، وهما سنة باتفاق الأئمة، وكان النبي ﷺ يصليهما في السفر والحضر، ولم يجعل مالك سنة راتبة غيرهما.
والثانية: ما كان يصليه مع المكتوبة في الحضر: وهو عشر ركعات، وثلاث عشرة ركعة، وقد أثبت أبو حنيفة والشافعي وأحمد مع المكتوبات سنة مقدرة بخلاف مالك.
والثالثة: التطوع الجائز في هذا الوقت من غير أن يجعل سنة؛ لكون النبي ﷺ لم يداوم عليه ولا قدر فيه عدداً: والصلاة قبل العصر والمغرب والعشاء من هذا الباب، وقريبا من ذلك صلاة الضحى، والله أعلم" (٣).ا. هـ.
стр. 195
فصل
في وقت صلاة المغرب وما يصلى بعده من النوافل
ثم يصلي صلاة المغرب، ووقتها ليس بالضيق، بل اتسع لقراءة سورة الأعراف وغيرها، كما ثبتت السنة بذلك.
وذكر هذا ابن حزم في المحلى رداً على من زعم أن للمغرب وقتاً واحداً (١).
قال البخاري في صحيحه: "باب القراءة في المغرب"، ثم قال" حدثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن عروة بن الزبير، عن مروان بن الحكم، قال: قال لي زيد بن ثابت ﵁: ما لك تقرأ في المغرب بقصار، «وقد سمعت النبي ﷺ يقرأ بطولى الطوليين» (٢).
وعند أبي داود من طريق عبد الرزاق، عن ابن جريج، حدثني ابن أبي مليكة، عن عروة بن الزبير، عن مروان بن الحكم، قال: قال لي زيد بن ثابت ﵁: ما لك تقرأ في المغرب بقصار المفصل» وقد رأيت رسول الله ﷺ يقرأ في المغرب
стр. 196
بطولى الطوليين»، قال: قلت: ما طولى الطوليين؟ قال: الأعراف والأخرى الأنعام، قال: وسألت أنا ابن أبي مليكة، فقال لي: من قبل نفسه: المائدة والأعراف (١).
وأما الصلاة بعدها: فركعتان هما من السنن الراتبة، ولم يصح في الأخبار المرفوعة تحديد ما يقرأ فيهما.
وقال أحمد في مسنده: حدثنا ابن أبي عدي، عن محمد بن إسحاق، حدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد ﵁ قال: أتى رسولُ الله ﷺ بني عبد الأشهل فصلى بهم المغرب فلما سلم قال: «اركعوا هاتين الركعتين في بيوتكم»، قال أبو عبد الرحمن: قلت لأبي: إن رجلاً قال: من صلى ركعتين بعد المغرب في المسجد لم تجزه إلا أن يصليهما في بيته؛ لأن النبي ﷺ قال: «هذه من صلوات
стр. 197
البيوت «قال: من قال هذا؟ قلت: محمد بن عبد الرحمن قال: ما أحسن ما قال: أو ما أحسن ما انتزع (١) ا. هـ.
وروى البخاري في صحيحه من طريق: عبيد الله، قال: أخبرنا نافع، عن ابن عمر ﵄ قال: «صليت مع النبي ﷺ سجدتين قبل الظهر، وسجدتين بعد الظهر، وسجدتين بعد المغرب، وسجدتين بعد العشاء، وسجدتين بعد الجمعة، فأما المغرب والعشاء ففي بيته» (٢).
وما روي من الثناء على من صلى ست ركعات بعد المغرب فلا يصح.
ولولا خشية الإطالة لذكرنا الأخبار في ذلك، وشرطي الاقتصاد في البيان، والله المستعان.
стр. 198
فصل
في كراهة النوم قبل صلاة العشاء
ويكره النوم قبل العشاء والحديث بعدها، وسيأتي مزيد بيان لذلك، والمقصود هنا، أن النوم قد تفوت معه صلاة العشاء.
وقد أخرج البخاري ومسلم من طريق: شعبة، أخبرني سيار بن سلامة، قال: سمعت أبي، يسأل أبا برزة ﵁ عن صلاة رسول الله ﷺ ، قال: قلت: آنت سمعته؟ قال: فقال: كأنما أسمعك الساعة، قال: سمعت أبي يسأله عن صلاة رسول الله ﷺ ، فقال: «كان لا يبالي بعض تأخيرها - قال: يعني العشاء - إلى نصف الليل، ولا يحب النوم قبلها، ولا الحديث بعدها»، قال شعبة: ثم لقيته بعد فسألته، فقال: «وكان يصلي الظهر حين تزول الشمس، والعصر يذهب الرجل إلى أقصى المدينة والشمس حية»، قال: والمغرب لا أدري أي حين ذكر، قال: ثم لقيته بعد فسألته، فقال: «وكان يصلي الصبح فينصرف الرجل فينظر إلى وجه جليسه الذي يعرف فيعرفه»، قال: «وكان يقرأ فيها بالستين إلى المائة» (١) ا. هـ.
стр. 199
وقد اختلف الناس في النوم قبل العشاء.
قال ابن رجب في شرح البخاري ما نصه: "قد أخذ بظاهر هذا الحديث طائفة من العلماء، وكرهوا النوم قبل العشاء بكل حال. قال ابن المبارك: أكثر الأحاديث على ذلك، ورويت الكراهة عن عمر، وابن عمر وابن عباس، وأبي هريرة، وعن مجاهد، وطاوس، وسعيد بن جبير، وسعيد بن المسيب، وعطاء، والنخعي، وهو قول أصحاب الشافعي، وحكي عن مالك وأبي حنيفة والشافعي، حكاه ابن عبد البر. وذكره ابن أبي موسى من أصحابنا مذهباً لنا، وهو قول الثوري.
وروي عن ابن عمر كراهة النوم قبل العشاء، وإن وكل به من يوقظه من رواية الفقير وغيره عنه.
وعن مجاهد: لأن أصلي صلاة العشاء قبل أن يغيب الشفق وحدي أحب إلي من أن أنام ثم أدركها مع الإمام. كذا رواه عبد الكريم البصري، عنه، وروى عنه - أيضا - أن النبي ﷺ قال: «لا نامت عين رجل نام قبل أن يصلي العشاء»، وعبد الكريم هذا، ضعيف.
وروى عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلي الطائفي، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: «ما نام رسول الله ﷺ قبل العشاء الآخرة، ولا سمر بعدها «خرجه ابن ماجه. وعبد الله هذا، قال ابن معين:
стр. 200
صويلح. وقال البخاري: مقارب الحديث. وقال الدارقطني: يعتبر به. وقال النسائي: ليس بالقوي.
وروى يحيى بن سليم، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵁ قالت: «ما رأيت رسول الله ﷺ نائما قبل العشاء ولا متحدثا بعدها».ذكره الأثرم، وضعفه من أجل يحيى بن سليم، وقال: لم يروه غيره. كذا قاله.
وخرجه ابن حبان في صحيحه من طريق جعفر بن سليمان، عن هشام، وخرجه البزار من طريق محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير - وهو متروك - عن ابن أبي مليكة، عن عروة، عن عائشة ﵂ وزاد فيه، في أوله: عن النبي ﷺ ، قال: «من نام قبل العشاء فلا أنام الله عينه». وهذا لا يثبت مرفوعا، وإنما روي عن عمر من قوله.
وروى ابن وهب في مسنده، قال: أخبرني مخرمة بن بكير، عن أبيه، أن عائشة زوج النبي ﷺ ، قالت: سئل رسول الله ﷺ عن الإنسان يرقد عن العشاء قبل أن يصلي؟ قال: «لا نامت عينه «ثلاث مرات. وخرجه بقي بن مخلد من طريقه. وهو منقطع بين بكير بن الأشج وعائشة. وخرجه بقي من وجه آخر ضعيف، عن عائشة، مرفوعا - بمعناه" (١) ا. هـ.
стр. 201
فصل
في خروج وقت المغرب بغياب الشفق
فإن غاب الشفق فقد خرج وقت صلاة المغرب.
فقد أخرج مسلم في صحيحه من طريق همام، حدثنا قتادة، عن أبي أيوب، عن عبد الله بن عمرو ﵁ أن رسول الله ﷺ ، قال: «... ووقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق .....» (١).
قال ابن رجب في فتح الباري: "وممن ذهب إلى أن وقت المغرب يمتد إلى مغيب الشفق: الحسن بن حي والثوري وأبو حنيفة ومالك في الموطأ، والشافعي في قول له، رجحه طائفة من أصحابه، وأحمد وإسحاق وأبو ثور، وروي عن ابن عباس ﵄ وغيره.
وخرج مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النبي ﷺ قال: «إذا صليتم المغرب، فإنه وقت إلى أن يسقط الشفق».
стр. 202
وفي رواية له أيضا: «وقت المغرب ما لم يسقط ثور الشفق».
وفي رواية له أيضا: «وقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق».
وقد اختلف في رفعه ووقفه.
وخرج مسلم أيضا من حديث بريدة ﵁ أن سائلا سأل النبي ﷺ عن مواقيت الصلاة، فذكر الحديث بطوله .. وفيه: أنه صلى في اليوم الأول المغرب حين وجبت الشمس، وفي اليوم الثاني صلى قبل أن يقع الشفق، وقال: «ما بين ما رأيت وقت».
وخرج الإمام أحمد والترمذي من حديث محمد بن فضيل، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : «إن للصلاة أولاً وآخِرا»، فذكر الحديث .. ، وفيه: «وإن أول وقت المغرب حين تغرب الشمس، وإن آخر وقتها حين يغيب الأفق».
وله علة، وهي أن جماعة رووه عن الأعمش، عن مجاهد، قال: كان يقال ذلك.
وهذا هو الصحيح عند ابن معين والبخاري والترمذي وأبي حاتم والبزار والعقيلي والدارقطني وغيرهم.
وذهب طائفة إلى أن للمغرب وقتاً واحداً حين تغرب الشمس، ويتوضأ ويصلي ثلاث ركعات، وهو قول ابن المبارك، ومالك في المشهور عنه، والأوزاعي، والشافعي في ظاهر مذهبه.
стр. 203
واستدلوا: بأن جبريل صلى بالنبي ﷺ المغرب في اليومين في وقت واحد، وصلى به سائر الصلوات في وقتين.
وزعم الأثرم أن هذه الأحاديث أثبت، وبها يعمل.
ومن قال: يمتد وقتها، قال: قد صح حديث بريدة، وكان ذلك من فعل النبي ﷺ بالمدينة، فهو متأخر عن أحاديث صلاة جبريل.
وفي حديث عبد الله بن عمرو: أن النبي ﷺ بين ذلك بقوله، وهو أبلغ من بيانه بفعله.
ويعضده: عموم قوله ﷺ في حديث أبي قتادة ﵁: «إنما التفريط في اليقظة، أن يؤخر صلاة حتى يدخل وقت الأخرى»، خرج من عموم ذلك الصبح بالنصوص والإجماع، بقي ما عداها داخلا في العموم.
ولأن النبي ﷺ أمر من حضره العشاء بتقديمه على الصلاة، ولولا اتساع وقت المغرب لكان تقديم العشاء تفويتا للمغرب عن وقتها للأكل، وهو غير جائز.
ولأن الجمع بين المغرب والعشاء جائز في وقت المغرب؛ للعذر بالاتفاق من القائلين: بأن وقتها واحد، ولا يمكن الجمع بينهما في وقت المغرب إلا مع امتداد وقتها واتساعه لوقوع الصلاتين.
стр. 204
ولعل البخاري إنما صدر الباب بقول عطاء: يجمع المريض بين المغرب والعشاء - لهذا المعنى الذي أشرنا إليه. والله أعلم.
ومتى غاب الشفق، فات وقت المغرب بإجماع من سمينا ذكره.
وروي عن عطاء وطاوس: لا يفوت حتى يفوت العشاء بطلوع الفجر، وحكي رواية عن مالك أيضا، والأحاديث المذكورة ترد ذلك.
واختلفوا في الشفق الذي يفوت وقت المغرب بمغيبه: هل هو الحمرة؟ أو البياض؟ على قولين.
ومذهب الثوري ومالك والشافعي: أنه الحمرة.
ومذهب أبي حنيفة والمزني: أنه البياض. واختلف قول أحمد وأصحابه في ذلك، وسنذكره فيما بعد، إن شاء الله تعالى" (١).
وقال: "وقد اختلف العلماء في الشفق الذي يدخل به وقت العشاء: هل هو البياض؟ أو الحمرة؟
فقال طائفة: هو الحمرة، وهو قول ابن عمر، وأبي هريرة، وابن عباس، وروي عن عمر وعلي وعبادة بن الصامت وشداد بن أوس، وقول كثير من
стр. 205
التابعين، ومذهب الثوري والأوزاعي والحسن بن حي ومالك والشافعي وإسحاق وأبي يوسف ومحمد وأبي ثور.
ورواه عتيق بن يعقوب، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ مرفوعا.
خرجه الدارقطني وغيره، ورفعه وهم.
وقال البيهقي في كتاب المعرفة: لا يصح فيه عن النبي ﷺ شيء.
وفي صحيح ابن خزيمةفي حديث عبد الله بن عمرو المرفوع: «ووقت المغرب إلى أن تذهب حمرة الشفق».
وقد أعلت هذه اللفظة بتفرد محمد بن يزيد الواسطي بها عن سائر أصحاب شعبة.
وقال طائفة: الشفق البياض الباقي بعد الحمرة.
وروي عن عمر بن عبد العزيز، وقو قول أبي حنيفة، وزفر، والمزني، وروي أيضا عن الثوري والأوزاعي.
وأما الإمام أحمد فالمشهور عند القاضي أبي يعلي ومن بعده من أصحابه أن مذهبه أن الشفق الحمرة حضرا وسفرا، وقد نص أحمد في رواية الأثرم فيمن صلى العشاء في الحضر قبل مغيب البياض: يجزئه، ولكن أحب إلي أن لا يصلي في الحضر حتى يغيب البياض، ونقل عنه جمهور أصحابه: أن الشفق في الحضر البياض، وفي السفر الحمرة وهو الذي ذكره الخرقي في كتابه، قال: لأن في الحضر
стр. 206
قد تنزل الحمرة فيواريها الجدران، فيظن أنها قد غابت، فإذا غاب البياض فقد تيقن، وحمل القاضي ومن بعده هذا على مجرد الاحتياط والاستحباب دون الوجوب.
ومن الأصحاب من حكى رواية أخرى عن أحمد: أن الشفق البياض في السفر والحضر، ولا يكاد يثبت عنه.
وقال ابن أبي موسى: لم يختلف قول أحمد: أن الشفق الحمرة في السفر، واختلف قوله في الحضر على روايتين.
ونقل ابن منصور في (مسائله)، قال: قلت لأحمد: ما الشفق؟ قال: في الحضر البياض، وفي السفر أرجو أن يكون الحمرة؛ لأن في السفر يجمع بين الصلاتين جد به السير أو لم يجد، فإذا جمع بينهما فلا يبالي متى صلاها" (١) ا. هـ.
وقال في المغني نصه: "فمتى ذهبت الحمرة وغابت، دخل وقت العشاء، وإن كان في مكان يستتر عنه الأفق بالجدران والجبال استظهر حتى يغيب البياض، ليستدل بغيبته على مغيب الحمرة، فيعتبر غيبة البياض؛ لدلالته على مغيب الحمرة لا لنفسه" (٢) ا. هـ.
стр. 207
والمقصود أن الشفق هو الحمرة في أصح الأقوال وبغيابه يخرج وقت المغرب ويدخل وقت العشاء، وهو كما ترى وقت واسع والمشروع البدار بصلاة المغرب في أول وقتها.
ولهذا قال ابن عبد البر في التمهيد ما نصه: "وقد أجمع المسلمون على تفضيل تعجيل المغرب، من قال: إن وقتها ممدود إلى مغيب الشفق، ومن قال: إنه ليس لها إلا وقت واحد، كلهم يرى تعجيلها أفضل" (١).
стр. 208
سادسا: من مغيب الشفق إلى طلوع الفجر
o فصل في دخول وقت العشاء بمغيب الشفق
o فصل في أن تأخير العشاء أفضل حيث لا مشقة على الناس فيه
o فصل في راتبة العشاء، وأنه لا تشرع معها نوافل أسبوعية أو حولية
o فصل في دخول وقت قيام الليل والوتر بعد أداء صلاة العشاء
o فصل في كراهة التحدث بعد العشاء إلا ما كان في خير
o فصل ينبغي تعلم آداب النوم وسننه من الأذكار والهيئات
o فصل في بداية ونهاية وقت صلاة الليل
o فصل في مقدار صلاة الليل.
o فصل في في صفة قيام الليل
o فصل الوتر آكد من الرواتب، ومن سنة الفجر، على الأصح.
o فصل الوتر في آخر الليل أفضل، والتفصيل في ذلك
o فصل في قيام داود ﵇
o الحكمة من النوم في السحر بعد أن يوتر فيه.
o فصل في دعاء المسافر إذا دخل وقت السحر
o فصل في تبييت النية للصائم صوما واجبا
o فصل لا يحرم صوم شيء من الأيام إلا بدليل
o فصل في وجوب الشكر على من أنعم الله عليه فعاش ليله ويومه
стр. 209
فصل
في دخول وقت العشاء بمغيب الشفق
وامتداده إلى نصف الليل على الصحيح
ويدخل وقت العشاء - كما تقدم - بغياب الشفق الأحمر، ويمتد - في أصح الأقوال - إلى نصف الليل، هذا هو الذي دلت عليه الأدلة الصحيحة الصريحة، وليس مع من قال بامتداده إلى طلوع الفجر - ولو للضرورة - دليل يصلح للتمسك به، فضلا عن رجحانه.
وتقدم حديث عبد الله بن عمرو ﵁ وفيه: «فإذا صليتم المغرب، فإنه وقت إلى أن يسقط الشفق، فإذا صليتم العشاء فإنه وقت إلى نصف الليل»
قال ابن رجب: "في آخر وقت العشاء الآخرة، وفيه أقوال:
أحدها: ربع الليل: حكاه ابن المنذر عن النخعي، ونقله ابن منصور، عن إسحاق.
والقول الثاني: إلى ثلث الليل: روي ذلك عن عمر، وأبي هريرة وعمر ابن عبد العزيز، وهو المشهور عن مالك، وأحد قولي الشافعي، بل هو أشهرهما، ورواية عن أحمد، وقول أبي ثور وغيره.
стр. 210
والقول الثالث: إلى نصف الليل: وروي عن عمر بن الخطاب أيضا، وهو قول الثوري والحسن بن حي وابن المبارك وأبي حنفية، والشافعي في قوله الآخر، وأحمد في الرواية الأخرى، وإسحاق، وحكي عن أبي ثور - أيضا.
وتبويب البخاري هاهنا يدل عليه.
وحمل ابن سريج من أصحاب الشافعي قوليه في هذا المسألة على أنه أراد أن أول ابتدائها ثلث الليل، وآخر انتهائها نصفه، وبذلك جمع بين الأحاديث الواردة في ذلك، ولم يوافق على ما قاله في هذا.
والقول الرابع: ينتهي وقت العشاء إلى طلوع الفجر: رواه ليث، عن طاوس، عن ابن عباس، وعن أبي هريرة، قال: إفراط صلاة العشاء طلوع الفجر، وهو قول داود، ورواه ابن وهب، عن مالك، إلا أن أصحابه حملوه على حال أهل الأعذار؛ فإن قول من قال: آخر وقتها ثلث الليل أو نصفه، إنما أراد وقت الاختيار، وقالوا: يبقى وقت الضرورة ممتدا إلى طلوع الفجر، فلو استيقظ نائم، أو أفاق مغمى عليه، أو طهرت حائض، أو بلغ صبي، أو أسلم كافر بعد نصف الليل لزمهم صلاة العشاء، وفي لزوم صلاة المغرب لهم قولان مشهوران للعلماء.
وقد روي عن عبد الرحمن بن عوف ﵁ أن المرأة إذا طهرت قبل طلوع الفجر صلت المغرب والعشاء، وعن ابن عباس ﵄ أيضا، وحكي مثله عن الفقهاء السبعة، وهو قول أحمد.
стр. 211
وقال الحسن وقتادة وحماد والثوري وأبو حنيفة ومالك: يلزمهم العشاء دون المغرب.
وللشافعي قولان، أصحهما: لزوم الصلاتين.
واختلفوا في تأخير العشاء اختيارا إلى بعد نصف الليل: فكرهه الأكثرون، منهم: مالك وأبو حنيفة.
ولأصحابنا وجهان في كراهته وتحريمه.
وقال عامة أصحاب الشافعي: هو وقت جواز.
واستدل من لم يحرمه بما في صحيح مسلم من حديث ابن جريج: أخبرني المغيرة بن حكيم، عن أم كلثوم بنت أبي بكر، أنها أخبرته، عن عائشة ﵁ قالت: أعتم رسول الله ﷺ ذات ليلة حتى ذهب عامة الليل، ونام أهل المسجد، ثم خرج فصلى، فقال: «إنه لوقتها، لولا أن أشق على أمتي».
وهذا إن كان محفوظا دل على استحباب التأخير إلى النصف الثاني، ولا قائل بذلك، ولا يعرف له شاهد.
وإنما يتعلق بهذا من يقول: يمتد وقت العشاء المختار إلى طلوع الفجر، كما روي عن ابن عباس ﵄، وهو قول داود وغيره، إلا أنهم لا يقولون باستحباب التأخير إلى النصف الثاني، هذا مما لا يعرف به قائل، والأحاديث كلها تدل على
стр. 212
خلاف ذلك، مثل أحاديث صلاة جبريل بالنبي ﷺ عند مغيب الشفق في اليوم الأول، وفي الثاني إلى ثلث الليل، وقوله: «الوقت ما بين هذين».
ومثل حديث بريدة ﵁ الذي فيه أن سائلا سأل النبي ﷺ عن وقت العشاء، فأمره أن يشهد معه الصلاة، فصلى بهم في أول مرة العشاء لما غاب الشفق، وفي الثانية إلى ثلث الليل، وقال: «ما بين هذين وقت». وقد خرجه مسلم، وخرج نحوه من حديث أبي موسى.
وخرج أيضا من حديث عبد الله بن عمرو ﵁ أن النبي ﷺ قال: «وقت العشاء إلى نصف الليل».
وهذا كله يدل على أن ما بعد ذلك ليس بوقت، والمراد: أنه ليس بوقت اختيار، بل وقت ضرورة.
وذهب الاصطخري من أصحاب الشافعي إلى أن الوقت بالكلية يخرج بنصف الليل أو ثلثه ويبقى قضاء.
وقد قال الشافعي: إذا ذهب ثلث الليل لا أراها إلا فائتة.
وحمله عامة أصحابه على فوات وقت الاختيار خاصة. والله أعلم" (١) ا. هـ.
стр. 213
وقال في الشرح الممتع ما نصه: "والدليل على أن آخر وقتها إلى طلوع الفجر قوله ﷺ : «ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من أخر الصلاة حتى يدخل وقت الصلاة الأخرى». قالوا: فهذا دليل على أن أوقات الصلاة متصلة، وإذا كان كذلك فآخر وقت العشاء الآخرة وقت طلوع الفجر
ولكن هذا ليس فيه دليل؛ لأن قوله: «إنما التفريط على من أخر الصلاة حتى يدخل وقت الصلاة الأخرى»، يعني: فيما وقتاهما متصل، ولهذا لا يدخل فيه صلاة الفجر مع صلاة الظهر بالإجماع، فإن صلاة الفجر لا يمتد وقتها إلى صلاة الظهر بالإجماع. وإذا لم يكن في هذا الحديث دليل؛ فالواجب الرجوع إلى الأدلة الأخرى، والأدلة الأخرى ليس فيها دليل يدل على أن وقت العشاء يمتد إلى طلوع الفجر، بل حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وحديث جبريل، يدلان على أن وقت العشاء ينتهي عند منتصف الليل.
وهذا الذي دلت عليه السنة، هو الذي دل عليه ظاهر القرآن؛ لأن الله قال في القرآن: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]، أي: من دلوك الشمس، لكن أتى باللام للدلالة على أن دخول الوقت علة في الوجوب، أي: سبب، ولهذا قال الفقهاء: الوقت سبب لوجوب الصلاة، وشرط لصحتها. والدليل على أن اللام بمعنى (من): الغاية (إلى)، والغاية يكون لها ابتداء، كأنه قال: من دلوك الشمس إلى غسق الليل، لكن أتى
стр. 214
باللام إشارة إلى أن دخول الوقت علة الوجوب، ويكون غسق الليل عند منتصفه؛ لأن أشد ما يكون الليل ظلمة في النصف، حينما تكون الشمس منتصفة في الأفق من الجانب الآخر من الأرض. إذاً من نصف النهار الذي هو زوالها إلى نصف الليل جعله الله وقتا واحدا؛ لأن أوقات الفرائض فيه متواصلة، الظهر، يليه العصر، يليه المغرب، يليه العشاء، إذا ما بعد الغاية خارج، ولهذا فصل فقال: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ ففصّل وجعل الفجر مستقلا، فدل هذا على أن الصلوات الخمس أربع منها متتالية، وواحدة منفصلة.
فالصواب إذا: أن وقت العشاء إلى نصف الليل" (١) ا. هـ.
وإذا تقرر هذا أصبح ما بعد نصف الليل بالنسبة للعشاء كما بعد طلوع الشمس بالنسبة للفجر ولا فرق .. في خروج وقت الصلاة ..
تكميل: ونصف الليل بالساعات يعلم بحساب ما بين وقت الغروب ووقت دخول صلاة الصبح، فيجمع ويقسم على اثنين.
مثاله: إن كانت الشمس تغيب الساعة (٦:٤٠) دقيقة -كما في الصيف مثلا- ويطلع الفجر الساعة (٣:٤٠)، فعدد ساعات الليل: تسع ساعات، ونصفها أربع ساعات ونصف. إذن نصف الليل: الساعة (١١:١٠)، فافهم يا مسلم!
стр. 215
فصل
في أن تأخير العشاء أفضل حيث لا مشقة فيه
وتأخيرها أفضل حيث لا مشقة على الناس.
قال في المغني: "فصل استحباب تأخير العشاء، فصل: وأما صلاة العشاء فيستحب تأخيرها إلى آخر وقتها إن لم يشق، وهو اختيار أكثر أهل العلم، من أصحاب النبي ﷺ والتابعين. قاله الترمذي، وحكي عن الشافعي أن الأفضل تقديمها، لقول النبي ﷺ : «الوقت الأول رضوان الله، والوقت الآخر عفو الله» وروى القاسم بن غنام، عن بعض أمهاته، عن أم فروة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أحب الأعمال إلى الله الصلاة لأول وقتها». ولأن النبي ﷺ لم يكن يؤخرها، وإنما أخرها ليلة واحدة، ولا يفعل إلا الأفضل.
ولنا قول أبي برزة ﵁ أن النبي ﷺ كان يستحب أن يؤخر من العشاء التي يدعونها العتمة وقول النبي ﷺ «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل أو نصفه» وهو حديث حسن صحيح، وأحاديثهم ضعيفة.
أما خبر» الوقت الأول رضوان الله «فيرويه عبد الله بن عمر العمري، وهو ضعيف، وحديث أم فروة رواته مجاهيل، قال أحمد ﵀: لا أعلم شيئا ثبت في أوقات الصلاة: أولها كذا، وأوسطها كذا، وآخرها كذا يعني مغفرة ورضوانا، وقال: ليس ذا ثابتا.