← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17865

فقه عمل اليوم والليلة

عبد الله بن مانع الروقي

Полный текст (297 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وقال الحسن وقتادة وحماد والثوري وأبو حنيفة ومالك: يلزمهم العشاء دون المغرب. وللشافعي قولان، أصحهما: لزوم الصلاتين. واختلفوا في تأخير العشاء اختيارا إلى بعد نصف الليل: فكرهه الأكثرون، منهم: مالك وأبو حنيفة. ولأصحابنا وجهان في كراهته وتحريمه. وقال عامة أصحاب الشافعي: هو وقت جواز. واستدل من لم يحرمه بما في صحيح مسلم من حديث ابن جريج: أخبرني المغيرة بن حكيم، عن أم كلثوم بنت أبي بكر، أنها أخبرته، عن عائشة ﵁ قالت: أعتم رسول الله ﷺ ذات ليلة حتى ذهب عامة الليل، ونام أهل المسجد، ثم خرج فصلى، فقال: «إنه لوقتها، لولا أن أشق على أمتي». وهذا إن كان محفوظا دل على استحباب التأخير إلى النصف الثاني، ولا قائل بذلك، ولا يعرف له شاهد. وإنما يتعلق بهذا من يقول: يمتد وقت العشاء المختار إلى طلوع الفجر، كما روي عن ابن عباس ﵄، وهو قول داود وغيره، إلا أنهم لا يقولون باستحباب التأخير إلى النصف الثاني، هذا مما لا يعرف به قائل، والأحاديث كلها تدل على

стр. 212

خلاف ذلك، مثل أحاديث صلاة جبريل بالنبي ﷺ عند مغيب الشفق في اليوم الأول، وفي الثاني إلى ثلث الليل، وقوله: «الوقت ما بين هذين». ومثل حديث بريدة ﵁ الذي فيه أن سائلا سأل النبي ﷺ عن وقت العشاء، فأمره أن يشهد معه الصلاة، فصلى بهم في أول مرة العشاء لما غاب الشفق، وفي الثانية إلى ثلث الليل، وقال: «ما بين هذين وقت». وقد خرجه مسلم، وخرج نحوه من حديث أبي موسى. وخرج أيضا من حديث عبد الله بن عمرو ﵁ أن النبي ﷺ قال: «وقت العشاء إلى نصف الليل». وهذا كله يدل على أن ما بعد ذلك ليس بوقت، والمراد: أنه ليس بوقت اختيار، بل وقت ضرورة. وذهب الاصطخري من أصحاب الشافعي إلى أن الوقت بالكلية يخرج بنصف الليل أو ثلثه ويبقى قضاء. وقد قال الشافعي: إذا ذهب ثلث الليل لا أراها إلا فائتة. وحمله عامة أصحابه على فوات وقت الاختيار خاصة. والله أعلم" (١) ا. هـ.

стр. 213

وقال في الشرح الممتع ما نصه: "والدليل على أن آخر وقتها إلى طلوع الفجر قوله ﷺ : «ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من أخر الصلاة حتى يدخل وقت الصلاة الأخرى». قالوا: فهذا دليل على أن أوقات الصلاة متصلة، وإذا كان كذلك فآخر وقت العشاء الآخرة وقت طلوع الفجر ولكن هذا ليس فيه دليل؛ لأن قوله: «إنما التفريط على من أخر الصلاة حتى يدخل وقت الصلاة الأخرى»، يعني: فيما وقتاهما متصل، ولهذا لا يدخل فيه صلاة الفجر مع صلاة الظهر بالإجماع، فإن صلاة الفجر لا يمتد وقتها إلى صلاة الظهر بالإجماع. وإذا لم يكن في هذا الحديث دليل؛ فالواجب الرجوع إلى الأدلة الأخرى، والأدلة الأخرى ليس فيها دليل يدل على أن وقت العشاء يمتد إلى طلوع الفجر، بل حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وحديث جبريل، يدلان على أن وقت العشاء ينتهي عند منتصف الليل. وهذا الذي دلت عليه السنة، هو الذي دل عليه ظاهر القرآن؛ لأن الله قال في القرآن: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]، أي: من دلوك الشمس، لكن أتى باللام للدلالة على أن دخول الوقت علة في الوجوب، أي: سبب، ولهذا قال الفقهاء: الوقت سبب لوجوب الصلاة، وشرط لصحتها. والدليل على أن اللام بمعنى (من): الغاية (إلى)، والغاية يكون لها ابتداء، كأنه قال: من دلوك الشمس إلى غسق الليل، لكن أتى

стр. 214

باللام إشارة إلى أن دخول الوقت علة الوجوب، ويكون غسق الليل عند منتصفه؛ لأن أشد ما يكون الليل ظلمة في النصف، حينما تكون الشمس منتصفة في الأفق من الجانب الآخر من الأرض. إذاً من نصف النهار الذي هو زوالها إلى نصف الليل جعله الله وقتا واحدا؛ لأن أوقات الفرائض فيه متواصلة، الظهر، يليه العصر، يليه المغرب، يليه العشاء، إذا ما بعد الغاية خارج، ولهذا فصل فقال: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ ففصّل وجعل الفجر مستقلا، فدل هذا على أن الصلوات الخمس أربع منها متتالية، وواحدة منفصلة. فالصواب إذا: أن وقت العشاء إلى نصف الليل" (١) ا. هـ. وإذا تقرر هذا أصبح ما بعد نصف الليل بالنسبة للعشاء كما بعد طلوع الشمس بالنسبة للفجر ولا فرق .. في خروج وقت الصلاة .. تكميل: ونصف الليل بالساعات يعلم بحساب ما بين وقت الغروب ووقت دخول صلاة الصبح، فيجمع ويقسم على اثنين. مثاله: إن كانت الشمس تغيب الساعة (٦:٤٠) دقيقة -كما في الصيف مثلا- ويطلع الفجر الساعة (٣:٤٠)، فعدد ساعات الليل: تسع ساعات، ونصفها أربع ساعات ونصف. إذن نصف الليل: الساعة (١١:١٠)، فافهم يا مسلم!

стр. 215

فصل في أن تأخير العشاء أفضل حيث لا مشقة فيه وتأخيرها أفضل حيث لا مشقة على الناس. قال في المغني: "فصل استحباب تأخير العشاء، فصل: وأما صلاة العشاء فيستحب تأخيرها إلى آخر وقتها إن لم يشق، وهو اختيار أكثر أهل العلم، من أصحاب النبي ﷺ والتابعين. قاله الترمذي، وحكي عن الشافعي أن الأفضل تقديمها، لقول النبي ﷺ : «الوقت الأول رضوان الله، والوقت الآخر عفو الله» وروى القاسم بن غنام، عن بعض أمهاته، عن أم فروة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أحب الأعمال إلى الله الصلاة لأول وقتها». ولأن النبي ﷺ لم يكن يؤخرها، وإنما أخرها ليلة واحدة، ولا يفعل إلا الأفضل. ولنا قول أبي برزة ﵁ أن النبي ﷺ كان يستحب أن يؤخر من العشاء التي يدعونها العتمة وقول النبي ﷺ «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل أو نصفه» وهو حديث حسن صحيح، وأحاديثهم ضعيفة. أما خبر» الوقت الأول رضوان الله «فيرويه عبد الله بن عمر العمري، وهو ضعيف، وحديث أم فروة رواته مجاهيل، قال أحمد ﵀: لا أعلم شيئا ثبت في أوقات الصلاة: أولها كذا، وأوسطها كذا، وآخرها كذا يعني مغفرة ورضوانا، وقال: ليس ذا ثابتا.

стр. 216

ولو ثبت فالأخذ بأحاديثنا الخاصة أولى من الأخذ بالعموم، مع صحة أخبارنا، وضعف أخبارهم. فصل: وإنما يستحب تأخيرها للمنفرد والجماعة راضين بالتأخير؛ فأما مع المشقة على المأمومين أو بعضهم فلا يستحب، بل يكره. نص عليه أحمد ﵀، قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: كم قدر تأخير العشاء؟ فقال ما قد بعد أن لا يشق على المأمومين. وقد ترك رسول الله ﷺ تأخير العشاء، والأمر بتأخيرها، كراهية المشقة على أمته، وقال النبي ﷺ «من شق على أمتي شق الله عليه» وإنما نقل التأخير عنه مرة أو مرتين، ولعله كان لشغل، أو إتيان آخر الوقت، وأما في سائر أوقاته فإنه كان يصليها، على ما رواه جابر ﵁ أحيانا، وأحيانا إذا رآهم قد اجتمعوا عجل، وإذا رآهم قد أبطئوا أخر. وعلى ما رواه النعمان بن بشير، أنه كان يصلي العشاء لسقوط القمر لثالثة. فيستحب للإمام الاقتداء بالنبي ﷺ في إحدى هاتين الحالتين، ولا يؤخرها تأخيرا يشق على المأمومين؛ فإن النبي ﷺ كان يأمر بالتخفيف، رفقا بالمأمومين، وقال: «إني لأدخل في الصلاة، وأنا أريد إطالتها، فأسمع بكاء الصبي، فأخففها كراهية أن أشق على أمه» متفق عليه" (١) ا. هـ.

стр. 217

فصل في راتبة العشاء، وأنه لا تشرع معها نوافل أسبوعية أو حولية ويسن أن يصلي بعد العشاء ركعتين، وهما من الرواتب، وقد أخرج الشيخان البخاري ومسلم من طريق عبيد الله عن نافع، عن ابن عمر ﵄ قال: «صليت مع النبي ﷺ سجدتين قبل الظهر، وسجدتين بعد الظهر، وسجدتين بعد المغرب، وسجدتين بعد العشاء، وسجدتين بعد الجمعة، فأما المغرب والعشاء ففي بيته» (١). وسجدتين: أي ركعتين. وراتبة العشاء هي آخر السنن الراتبة اليومية، وليس بين أيام الأسبوع فرق سوى يوم الجمعة وتقدم. وقال شيخ الإسلام في الفتاوى الكبرى: "ما يذكره بعض المصنفين في الرقائق والفضائل في الصلوات الأسبوعية، والحولية: كصلاة يوم الأحد، والاثنين، والثلاثاء، والأربعاء، والخميس، والجمعة، والسبت، المذكورة في كتاب أبي طالب، وأبي حامد، وعبد القادر، وغيرهم.

стр. 218

وكصلاة الألفية: التي في أول رجب، ونصف شعبان. والصلاة الاثني عشرية: التي في أول ليلة جمعة من رجب. والصلاة التي في ليلة سبع وعشرين من رجب. وصلوات أخر تذكر في الأشهر الثلاثة. وصلاة ليلتي العيدين. وصلاة يوم عاشوراء. وأمثال ذلك من الصلوات المروية عن النبي ﷺ مع اتفاق أهل المعرفة بحديثه أن ذلك كذب عليه، ولكن بلغ ذلك أقواما من أهل العلم والدين، فظنوه صحيحاً، فعملوا به، وهم مأجورون على حسن قصدهم واجتهادهم، لا على مخالفة السنة، وأما من تبينت له السنة فظن أن غيرها خير منها فهو ضال مبتدع، بل كافر" (١) ا. هـ.

стр. 219

فصل في دخول وقت قيام الليل والوتر بعد أداء صلاة العشاء ويدخل وقت صلاة الليل والوتر بعد أداء صلاة العشاء. وعلم من هذا أن لو جمع بين المغرب والعشاء جمع تقديم فله أن يوتر - على الراجح -؛ لأن الوتر يدخل بفعل العشاء، لا بدخول وقتها الخاص. ويراد بالوتر آخر الصلاة - وهو ضد الشفع - ويراد به جملة ما صلى من الليل وإن كان شفعاً إذا ختمه بوتر. ولذا قال الغزالي في الإحياء ما نصه: "لأن شرط الوتر أن يكون في نفسه وتراً، وأن يكون موتراً لغيره مما سبق قبله" (١) ا. هـ. وقال ابن رجب في شرح البخاري: "إذ الواحدة الأصل في الإيتار، وبها يصير ما قبلها وتراً" (٢) ا. هـ.

стр. 220

وقال أيضا: وقول النبي ﷺ في حديث ابن عمر ﵄: «صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى «يدل على أن هذه الركعة الواحدة جعلت مجموع ما صلى قبلها وتراً، فيكون الوتر هو مجموع صلاة الليل الذي يختم بوتر" (١) ا. هـ. والأحاديث جاءت ألفاظها بهذا وبهذا.

стр. 221

فصل في كراهة التحدث بعد العشاء إلا ما كان في خير ويكره بعد صلاة العشاء التحدث في غير حاجة أو السمر في غير مصلحة. قال النووي في شرح مسلم على شرح حديث أبي برزة الأسلمي ﵁ في النهي عن الحديث بعد العشاء قال ما نصه: "وسبب كراهة الحديث بعدها أنه: يؤدي إلى السهر، ويخاف منه: غلبة النوم عن قيام الليل، أو الذكر فيه، أو عن صلاة الصبح في وقتها الجائز، أو في وقتها المختار، أو الأفضل. ولأن السهر في الليل سبب للكسل في النهار عما يتوجه من حقوق الدين والطاعات ومصالح الدنيا. قال العلماء: والمكروه من الحديث بعد العشاء هو ما كان في الأمور التي لا مصلحة فيها، أما ما فيه مصلحة وخير فلا كراهة فيه، وذلك: كمدارسة العلم. وحكايات الصالحين. ومحادثة الضيف، والعروس؛ للتأنيس. ومحادثة الرجل أهله، وأولاده؛ للملاطفة، والحاجة. ومحادثة المسافرين، بحفظ متاعهم، أو أنفسهم. والحديث في الإصلاح بين الناس، والشفاعة إليهم في خير.

стр. 222

والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. والإرشاد إلى مصلحة ونحو ذلك ... فكل هذا لا كراهة فيه. وقد جاءت أحاديث صحيحة ببعضه، والباقي في معناه، وقد تقدم كثير منها في هذه الأبواب، والباقي مشهور. ثم كراهة الحديث بعد العشاء المراد بها بعد صلاة العشاء لا بعد دخول وقتها. واتفق العلماء على كراهة الحديث بعدها إلا ما كان في خير، كما ذكرناه" (١) ا. هـ. وقال البخاري في صحيحه: "باب السمر مع الأهل والضيف"، وأخرج من طريق معتمر بن سليمان، قال: حدثنا أبي، حدثنا أبو عثمان، عن عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄ أن أصحاب الصفة، كانوا أناساً فقراء وأن النبي ﷺ قال: «من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث، وإن أربع فخامس، أو سادس» وأن أبا بكر ﵁ جاء بثلاثة، فانطلق النبي ﷺ بعشرة، قال: فهو أنا وأبي وأمي - فلا أدري قال: وامرأتي وخادم - بيننا وبين بيت أبي بكر، وإن أبا بكر ﵁ تعشى عند

стр. 223

النبي ﷺ ، ثم لبث حيث صليت العشاء، ثم رجع، فلبث حتى تعشى النبي ﷺ ، فجاء بعد ما مضى من الليل ما شاء الله، قالت له امرأته: وما حبسك عن أضيافك - أو قالت: ضيفك - قال: أوما عشيتيهم؟ قالت: أبوا حتى تجيء، قد عرضوا فأبوا، قال: فذهبت أنا فاختبأت، فقال يا غنثر فجدع وسب، وقال: كلوا لا هنيئاً، فقال: والله لا أطعمه أبداً، وايم الله، ما كنا نأخذ من لقمة إلا ربا من أسفلها أكثر منها - قال: يعني حتى شبعوا - وصارت أكثر مما كانت قبل ذلك، فنظر إليها أبو بكر ﵁ فإذا هي كما هي أو أكثر منها، فقال لامرأته: يا أخت بني فراس ما هذا؟ قالت: لا وقرة عيني، لهي الآن أكثر منها قبل ذلك بثلاث مرات، فأكل منها أبو بكر ﵁ وقال: إنما كان ذلك من الشيطان - يعني يمينه - ثم أكل منها لقمة، ثم حملها إلى النبي ﷺ فأصبحت عنده، وكان بيننا وبين قوم عقد، فمضى الأجل، ففرقنا اثنا عشر رجلا، مع كل رجل منهم أناس، الله أعلم كم مع كل رجل، فأكلوا منها أجمعون، أو كما قال .. (١). قال ابن رجب في شرح البخاري على هذا الحديث ما نصه: "ومقصود البخاري من هذا الحديث: جواز السمر عند الأهل والضيف؛ فإن أبا بكر ﵁

стр. 224

سمر عند أهله وضيفه لما رجع من عند النبي ﷺ ، بعد أن ذهب من الليل ما ذهب منه. والظاهر أيضا أنه سمر عند النبي ﷺ . وفي السمر عند الأهل: حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ صلى العشاء، ثم دخل بيته، فتحدث مع أهله ساعة. وقد خرجه البخاري في موضع آخر. وقد روي عن عائشة ﵂ أنها رأت قوما يسمرون، فقالت: انصرفوا إلى أهليكم، فإن لهم فيكم نصيبا. وهذا يدل على أنها استحبت السمر عند الأهل؛ لما فيه من المؤانسة لهم، وهو من حسن العشرة. وقد روي عن النبي ﷺ أنه كان يسمر مع بعض الوفود الذين يفدون عليه المدينة، وهو من نوع السمر مع الضيف. فخرج أبو داود وابن ماجه من رواية عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلي الطائفي، عن عثمان بن عبد الله بن أوس، عن جده أوس بن حذيفة ﵁ قال: كنت في وفد ثقيف، فكان النبي ﷺ يأتينا كل ليلة بعد العشاء، فيحدثنا قائما على رجليه، حتى يتراوح بين رجليه، وأكثر ما يحدثنا ما لقي من قومه من قريش .. وذكر الحديث.

стр. 225

وسئل أبو حاتم عن هذا الحديث، فقال: حديث أبي برزة أصح منه، يعني: حديثه: كان يكره الحديث بعدها. وروي الرخصة في السمر للمصلي والمسافر خاصة، خرجه الإمام أحمد من رواية خيثمة، عن رجل من قومه من قريش، عن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : «لا سمر بعد الصلاة» يعني: العشاء الآخرة «إلا لمصل أو مسافر». قال ابن المديني: في إسناده انقطاع؛ لأن الرجل الذي لم يسمه خيثمة لا أدري هو من أصحاب عبد الله، أو لا؟ وقد روى خيثمة عن غير واحد من أصحاب عبد الله، منهم: سويد بن غفلة، وأرجو أن يكون هذا الرجل منهم. وقال الأثرم: هو حديث غير قوي؛ لأن في إسناده رجلا لم يسم. وقد أخذ به الإمام أحمد، فكره السمر في حديث الدنيا، ورخص فيه للمسافر. وروي من وجه آخر بزيادة، من رواية ابن وهب، عن معاوية، عن أبي عبد الله الأنصاري، عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «لا سمر إلا لثلاثة: مصل، أو مسافر، أو عروس». خرجه سمويه الأصبهاني الحافظ: نا عبد الله بن الزبير: نا ابن وهب .. فذكره، وخرجه بقي بن مخلد في مسنده: ثنا ابن مقلاص: ثنا ابن وهب: أخبرني معاوية، عن أبي حمزة، عن عائشة زوج النبي ﷺ ، قالت: «ما رأيت رسول الله ﷺ نائما قبل العشاء، ولا لاغيا بعدها، أما ذاكرا فيغنم، أو نائما فيسلم».

стр. 226

قال معاوية: وحدثني أبو عبد الله الأنصاري، عن زوج النبي ﷺ قالت: السمر لثلاثة: لعروس، أو لمسافر، أو لمتهجد بالليل. وهذا موقوف على عائشة. وأبو عبد الله وأبو حمزة، مجهولان. وروى الحسين بن إسحاق التستري، عن أحمد، أنه سئل عن السمر بعد العشاء الآخر؟ قل: لا، إلا لمسافر أو مصل، فأما الفقه فأرجو أن لا يكون به بأس. ونقل عبد الله بن أحمد، عن أبيه، أنه سئل عن الحديث الذي نهى رسول الله ﷺ عن النوم قبل العشاء، والحديث بعدها، والرجل يقعد مع عياله بعدما يصلي يتحدث ثم ينام: هل يحرج؟ قال: ينبغي أن يجتنب الحديث والسمر بعدها. وهذا يدل على كراهة السمر مع الأهل أيضا. وقال سفيان الثوري: كان يقال: لا سمر بعد العشاء، إلا لمصل، أو مسافر. قال: ولا بأس أن يكتب الشيء، أو يعمل بعد العشاء. وهذا يدل على أن سهر الإنسان في عمل يعمله وحده، من غير مسامرة لغيره، أنه لا كراهة فيه، بخلاف المسامرة والمحادثة. والله أعلم" (١) ا. هـ

стр. 227

وقال في نيل الأوطار ما نصه: "قال الترمذي: وقد اختلف أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين ومن بعدهم في السمر بعد العشاء. فكره قوم منهم السمر بعد صلاة العشاء. ورخص بعضهم، إذا كان في معنى العلم، وما لا بد منه من الحوائج، وأكثر الحديث على الرخصة. وهذا الحديث (١) يدل على عدم كراهة السمر بعد العشاء، إذا كان لحاجة دينية عامة أو خاصة، وحديث أبي برزة وابن مسعود ﵄ وغيرهما على الكراهة. وطريقة الجمع بينهما بأن توجه أحاديث المنع إلى الكلام المباح الذي ليس فيه فائدة تعود على صاحبه، وأحاديث الجواز إلى ما فيه فائدة تعود على المتكلم، أو يقال: دليل كراهة الكلام والسمر بعد العشاء عام مخصص بدليل جواز الكلام والسمر بعدها في الأمور العائدة إلى مصالح المسلمين" (٢) ا. هـ.

стр. 228

وقال الشيخ محمد العثيمين في لقاء الباب المفتوح ما نصه: من الغلط أن الإنسان يبقى ساهراً في الليل بتهجد أو بمراجعة علم، ثم ينام عن صلاة الفجر، هذا غلط عظيم، وأما ما استدلوا به أن الرسول ﷺ فاتته صلاة الفجر فهذا كان في سفر، وكانوا قد نزلوا في آخر الليل وقالوا: من يرقب لنا الفجر، فاعتمد بلال ﵁ على ذلك، ولكنه نام وأخذه الذي أخذه، وهذا ليس كالإنسان الذي يجعل هذا عادة، يعني: قد نعذر إنساناً في ليلة من الليالي سهر بعمل أو بغير عمل، أو أرق وما نام، ثم نام حتى طلعت الشمس، فهذا يعذر، لكن كونه يتخذ هذه عادة فليس بمعذور ولا يحل له (١) ا. هـ ورأيت كلاما لشيخ الإسلام في مجموع الفتاوي لا يخلو من فائدة في الباب ونصه: "ومن عظم مطلق السهر والجوع وأمر بهما مطلقا فهو مخطئ، بل المحمود السهر الشرعي والجوع الشرعي، فالسهر الشرعي - كما تقدم - من صلاة أو ذكر أو قراءة أو كتابة علم أو نظر فيه أو درسه أو غير ذلك؛ من العبادات. والأفضل يتنوع بتنوع الناس، فبعض العلماء يقول: كتابة الحديث أفضل من صلاة النافلة، وبعض الشيوخ يقول: ركعتان أصليهما بالليل حيث لا يراني

стр. 229

أحد أفضل من كتابة مائة حديث، وآخر من الأئمة يقول: بل الأفضل فعل هذا وهذا. والأفضل يتنوع بتنوع أحوال الناس، فمن الأعمال ما يكون جنسه أفضل، ثم يكون تارة مرجوحاً أو منهياً عنه، كالصلاة؛ فإنها أفضل من قراءة القرآن، وقراءة القرآن أفضل من الذكر، والذكر أفضل من الدعاء، ثم الصلاة في أوقات النهي - كما بعد الفجر والعصر ووقت الخطبة - منهي عنها، والاشتغال حينئذ إما بقراءة أو ذكر أو دعاء أو استماع أفضل من ذلك، وكذلك قراءة القرآن أفضل من الذكر، ثم الذكر في الركوع والسجود هو المشروع، دون قراءة القرآن، وكذلك الدعاء في آخر الصلاة هو المشروع دون القراءة والذكر. وقد يكون الشخص يصلح دينه على العمل المفضول دون الأفضل، فيكون أفضل في حقه، كما أن الحج في حق النساء أفضل من الجهاد. ومن الناس من تكون القراءة أنفع له من الصلاة، ومنهم من يكون الذكر أنفع له من القراءة، ومنهم من يكون اجتهاده في الدعاء لكمال ضرورته أفضل له من ذكر هو فيه غافل. والشخص الواحد يكون تارة هذا أفضل له، وتارة هذا أفضل له. ومعرفة حال كل شخص، وبيان الأفضل له لا يمكن ذكره في كتاب، بل لا بد من هداية يهدي الله بها عبده إلى ما هو أصلح، وما صدق الله عبد إلا صنع له.

стр. 230

وفي الصحيح: أن النبي ﷺ كان إذا قام من الليل يقول: «اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم» (١) ا. هـ فائدة: ذكر مالك، أنه بلغه أن عائشة زوج النبي ﷺ كانت ترسل إلى بعض أهلها، بعد العتمة فتقول: «ألا تريحون الكتاب»، وأخرجه ابن حبان في صحيحه موصولا: قال أخبرنا الحسن بن سفيان، قال: حدثنا حميد بن مسعدة، قال: حدثنا جعفر بن سليمان، قال: حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، قال: سمعتني عائشة ﵂ وأنا أتكلم بعد العشاء الآخرة، فقالت: «يا عُرَيُّ (٢) ألا تريح كاتبك، فإن رسول الله ﷺ لم يكن ينام قبلها ولا يتحدث بعدها» (٣).

стр. 231

قال الزرقاني في شرح الموطأ: "قال أبو عبد الملك: أرادت بذلك - والله أعلم - أصحاب الشمال؛ لأنها كارهة لأعمال ابن آدم السيئة، فإذا تركها، فقد أراحها من كراهتها، وأما الملائكة الذين عن اليمين، فهم يسرون بعمل ابن آدم الصالح، فلا تعود الإراحة عليهم" (١) ا. هـ. قال أبو محمد: وهذا الخبر عندي لا يصح بل هو بلاغ لمالك، ومالك أثبت من ملء الأرض من جعفر بن سليمان، بل جعفر متكلم فيه، ولا يصح هذا الحديث من حديث هشام بن عروة فأين أصحاب هشام الجلة الحفاظ؟! ثم وقفت على ما أخرجه عبد الرزاق، عن جعفر بن سليمان، عن رجل، من أهل مكة، عن عروة بن الزبير قال: كنت أتحدث بعد العشاء الآخرة فنادتني عائشة: ألا تريح كاتبيك يا عرية؟ إن رسول الله ﷺ كان «لا ينام قبلها، ولا يتحدث بعدها» (٢) فصح ما قال مالك. وظاهر رواية عبد الرزاق براءة جعفر من العهدة إن كان محفوظا.

стр. 232

فصل ينبغي تعلم آداب النوم وسننه من الأذكار والهيئات وعلى العبد أن يتعلم آداب النوم وسننه، من الأذكار والهيئات، ولولا خشية الإطالة لبسطت ذلك.

стр. 233

فصل في بداية ونهاية وقت صلاة الليل قال أبو محمد: وأما صلاة الليل ووقتها وما يشرع فيها وأنواعها والوتر يطول ولكني ألخصه كالتالي: أما وقتها فيبدأ من الفراغ من صلاة العشاء وسنتها. وأما نهايته فقد اختلف فيه، قال ابن رجب في شرح البخاري على آخر وقت الوتر وحكمه إذا فات ما نصه: "وأما آخر وقته: فذهب الأكثرون إلى أنه يخرج وقته بذهاب الليل، فإذا طلع الفجر صار فعله قضاء، وما دام الليل باقيا، فإن وقته باق. ولا نعلم في ذلك خلافا، إلا ما ذكره القاضي أبو يعلى من أصحابنا في كتابه شرح المذهب، أنه إذا أخره حتى خرج وقت العشاء المختار - وهو نصف الليل، أو ثلثه - صار قضاء. وهذا قول ساقط جدا؛ لأن صلاة العشاء لا تصير قضاء بتأخيرها حتى يخرج وقتها المختار، وإن قيل: إن تأخيرها إليه عمداً لا يجوز - كما سبق ذكره في المواقيت - فكيف يصير تأخير الوتر إلى ذلك الوقت قضاء؟ وأما إذا خرج الليل بطلوع الفجر، فإنه يذهب وقت أدائه عند جمهور العلماء، ويصير قضاء حينئذ، وهو قول الشافعي وأحمد - في المشهور عنهما -،

стр. 234

وقول أبي حنيفة والثوري. وروي عن عمر وابن عمر وأبي موسى وأبي الدرداء وسعيد بن جبير وعطاء والنخعي، حتى قال النخعي: لأن يدركني الفجر وأنا أتسحر أحب إلي من أن يدركني وأنا أوتر. ويدل عليه: حديث: «فإذا خشيت الصبح فأوتر بواحدة»، وسيأتي حديث: «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا». وخرج مسلم من طرق، عن عبد الله بن شقيق، عن ابن عمر ﵄ أن رجلاً سأل النبي ﷺ : كيف صلاة الليل؟ قال: «مثنى مثنى، فإذا خشيت الصبح فصل ركعة، واجعل آخر صلاتك وترا»، وخرجه من طريق ابن أبي زائدة، عن عاصم الأحوال، عن عبد الله بن شقيق، عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ ، قال: «بادروا الصبح بالوتر»، وهذا لعله رواه بالمعنى من الحديث الذي قبله. وخرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي من حديث ابن أبي زائدة، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ ، قال: «بادروا الصبح بالوتر». وصححه الترمذي، وقد ذكر الدارقطني وغيره: أن ابن أبي زائدة تفرد بهذا الحديث بالإسنادين.

стр. 235

وذكر الأثرم: أنه ذكر لأبي عبد الله - يعني: أحمد بن حنبل - حديث ابن أبي زائدة هذا من الوجهين، فقال: في الإسناد الأول: عاصم، لم يرو عن عبد الله بن شقيق شيئا، ولم يروه إلا ابن أبي زائدة، وما أدري، فذكر له الإسناد الثاني، فقال أحمد: هذا أراه اختصره من حديث: «صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خفت الصبح فأوتر بواحدة»، وهو بمعناه. قال: فقلت له: روى هذين أحد غيره؟ قال: لا. قلت: والظاهر أنه اختصر حديث عبد الله بن شقيق، عن ابن عمر أيضا، كما اختصر حديث عبيد الله، عن نافع، عنه. والله أعلم. وخرج مسلم أيضا من حديث ابن جريج: أخبرني نافع، أن ابن عمر ﵄ كان يقول: «من صلى بالليل فليجعل صلاته وترا قبل الصبح، كذلك كان رسول الله ﷺ يأمرهم».خرجه، عن هارون بن عبد الله: نا حجاج بن محمد، قال: قال ابن جريج .. فذكره. وخرجه الترمذي عن محمود بن غيلان، عن عبد الرزاق: أنا ابن جريج، عن سليمان بن موسى، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ ، قال: «إذا طلع الفجر فقد ذهب كل صلاة الليل والوتر، فأوتروا قبل طلوع الفجر». وقال: تفرد به سليمان بن موسى على هذا اللفظ.

стр. 236

وذكر المروذي عن أحمد، أنه قال: لم يسمعه ابن جريج من سليمان بن موسى، إنما قال: قال سليمان. قيل له: إن عبد الرزاق قد قال: عن ابن جريج: أنا سليمان؟ فأنكره، وقال: نحن كتبنا من كتب عبد الرزاق، ولم يكن بها، وهؤلاء كتبوا عنه بأخرة. وخرجه الحاكم من طريق محمد بن الفرج الأزرق: نا حجاج بن محمد، قال: قال ابن جريج: حدثني سليمان بن موسى: نا نافع، أن ابن عمر ﵄ كان يقول: من صلى من الليل فليجعل آخر صلاته وترا؛ فإن رسول الله ﷺ أمر بذلك، فإذا كان الفجر فقد ذهب كل صلاة الليل؛ فإن رسول الله ﷺ قال: «أوتروا قبل الفجر». وقال: إسناد صحيح. وهذه الرواية أشبه من رواية الترمذي؛ فإن فيها أن ذهاب كل صلاة الليل بطلوع الفجر، إنما هو من قول ابن عمر، واستدل له بأمر النبي ﷺ بالوتر قبل الفجر. ورواية ابن جريج التي صرح فيها بسماعه من نافع - كما خرجه مسلم - ليس فيها شيء مما تفرد به سليمان بن موسى، وسليمان مختلف في توثيقه.

стр. 237

وخرج مسلم أيضا من رواية يحيى بن أبي كثير: أخبرني أبو نضرة، أن أبا سعيد ﵁ أخبرهم، أنهم سألوا النبي ﷺ عن الوتر، فقال: «أوتروا قبل الصبح». وخرجه الإمام أحمد، ولفظه: قال: «الوتر بليل». وخرجه ابن خزيمة والحاكم، من حديث قتادة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من أدرك الصبح ولم يوتر فلا وتر له». وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم. وذهب طائفة إلى أن الوتر لا يفوت وقته حتى يصلي الصبح: فروي عن علي وابن مسعود، وقال: الوتر ما بين الصلاتين. يريدان: صلاة العشاء وصلاة الفجر. وعن عائشة ﵂ معنى ذلك. وممن روي عنه، أنه أوتر بعد طلوع الفجر: عبادة بن الصامت وأبو الدرداء وحذيفة وابن عمر وابن مسعود وابن عباس وعائشة وفضالة بن عبيد وغيرهم. وقال أيوب وحميد الطويل: أكثر وترنا لبعد طلوع الفجر، وهو قول القاسم بن محمد وغيره.

стр. 238

وذكر ابن عبد البر: أنه لا يعرف لهؤلاء الصحابة مخالف في قولهم، قال: ويحتمل أن يكونوا قالوه فيمن نسيه أو نام عنه، دون من تعمده. وممن ذهب إلى هذا: مالك والشافعي في القديم، وأحمد في رواية عنه، وإسحاق. وقد ذكرنا - فيما تقدم - حديث أبي بصرة ﵁ عن النبي ﷺ ، أنه قال: «صلوها ما بين العشاء إلى طلوع الفجر». وخرج الطبراني بإسناد ضعيف، عن عقبة بن عامر وعمرو بن العاص كلاهما، عن النبي ﷺ ، أنه قال في صلاة الوتر: «هي لكم ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الشمس». وقد حكى يحيى بن آدم، عن قوم، أن الوتر لا يفوت وقته حتى تطلع الشمس، وظاهر هذا: أنه يوتر بعد صلاة الصبح، ما لم تطلع الشمس، وتكون أداء. وفي المسند، عن علي ﵁: «أن النبي ﷺ كان يوتر عند الآذان»، وقد سبق ذكره في الصلاة إذا أقيمت الصلاة.

стр. 239

وفيه أيضا - بإسناد فيه جهالة - عن علي ﵁ قال: «أمرنا رسول الله ﷺ أن نوتر هذه الساعة»، ثم أمر المؤذن أن يؤذن أو يقيم. وخرج الطبراني من حديث أبي ذر ﵁ قال: «أمرني رسول الله ﷺ بالوتر بعد الفجر». وفي إسناده اختلاف، وروي مرسلا، والمرسل أصح عند أبي حاتم وأبي زرعة الرزايين. وروى ابن جريج: أخبرني زياد بن سعد، أن أبا نهيك أخبره، أن أبا الدرداء ﵁ خطب، فقال: من أدركه الصبح فلا وتر له، فقالت عائشة ﵂: «كان النبي ﷺ يدركه الصبح فيوتر». خرجه الطبراني، وخرجه الإمام أحمد، ولفظه: «كان يدركه بصبح فيوتر». وأبو نهيك، ليس بالمشهور، ولا يدرى: هل سمع من عائشة، أم لا؟، وقد روي عن أبي الدرداء خلاف هذا. وخرج الحاكم من رواية أبي قلابة، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء ﵁ قال: «ربما رأيت النبي ﷺ يوتر، وقد قام الناس لصلاة الصبح». وقال: صحيح الإسناد.

стр. 240

وخرج أيضا من رواية محمد بن فليح، عن أبيه، عن هلال بن علي، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : «إذا أصبح أحدكم ولم يوتر فليوتر». وقال: صحيح على شرطهما، والبخاري يخرج بهذا الإسناد كثيرا. وروى زهير بن معاوية، عن خالد بن أبي كريمة، عن معاوية بن قرة، عن الأغر المزني، أن رجلا قال: يا رسول الله، أصبحت ولم أوتر؟ فقال: «إنما الوتر بليل «ثلاث مرات أو أربعة، ثم قال: «قم فأوتر». وخرجه البزار مختصرا، ولفظه: «من أدركه الصبح ولم يوتر فلا وتر له». ورواه وكيع - في كتابه - عن خالد بن أبي كريمة، عن معاوية بن قرة مرسلا، وهو أشبه، وروى وكيع، عن الفضل بن دلهم، عن الحسن، عن النبي ﷺ مثله، إلا أنه قال: «عن الوتر حتى أصبحت». وفي المعنى أيضا عن أبي سعيد الخدري ﵁ مرفوعا من وجهين، لا يصح واحد منهما. وروى أيوب بن سويد، عن عتبة بن أبي حكيم، عن طلحة بن نافع، عن ابن عباس ﵄» أنه بات عند النبي ﷺ ليلة، فصلى النبي ﷺ ، فجعل يسلم من كل ركعتين، فلما انفجر الفجر قام فأوتر بركعة، ثم ركع ركعتي الفجر، ثم

стр. 241

اضطجع». خرجها الطبراني وابن خزيمة في صحيحه، وحمله: إنما أوتر بعد طلوع الفجر الأول. ثم خرج من رواية عباد بن منصور، عن عكرمة بن خالد، عن ابن عباس ﵄» أنه بات ليلة عند النبي ﷺ فذكر الحديث، وفيه [فذكر] فصلى النبي ﷺ ما كان عليه من الليل، مثنى مثنى، ركعتين ركعتين، فلما طلع الفجر الأول، قام فصلى تسع ركعات، يسلم في كل ركعتين، وأوتر بواحدة، وهي التاسعة، ثم أمسك حتى إذا أضاء الفجر جدا قام فركع ركعتي الفجر، ثم نام». قلت: وكلا الحديثين إسناد ضعيف. والله أعلم. وعلى تقدير صحة هذه الأحاديث، أو شيء منها، فقد تحمل على أن الوتر يقضى بعد ذهاب وقته، وهو الليل، لا على أن ما بعد الفجر وقت له. والمشهور عن أحمد: أن الوتر يقضى بعد طلوع الفجر، ما لم يصل الفجر، وإن كان لا يتطوع عنده في هذا الوقت بما لا سبب له. وفيما له سبب عنه فيه خلاف، فأما الوتر فإنه يقضى في هذا الوقت. ومن الأصحاب من يقول: لا خلاف عنه في ذلك، منهم: ابن أبي موسى وغيره. وحكي للشافعي قول كذلك: أنه يقضي الوتر ما لم يصل الفجر.

стр. 242

وقال أبو بكر - من أصحابنا -: يقضي ما لم تطلع الشمس. وهذا القول يرجع إلى أن الوتر يقضيه من نام عنه أو نسيه. وقد اختلف العلماء في قضاء الوتر إذا فات: فقالت طائفة: لا يقضى، وهو قول أبي حنيفة ومالك، ورواية عن أحمد وإسحاق، وأحد قولي الشافعي، وحكاه أحمد عن أكثر العلماء. ويروى عن النخعي، أنه لا يقضى بعد صلاة الفجر، وعن الشعبي. وقالت طائفة: يقضى، وهو قول الثوري والليث بن سعد، والمشهور عن الشافعي، ورواية عن أحمد. والصحيح عند أصحاب الشافعي: أن الخلاف في قضاء الوتر والسنن الرواتب سواء، ومنهم من قال: يقضي ما يستقل بنفسه كالوتر، دون ما هو تبع كالسنن الرواتب. والمنصوص عن أحمد وإسحاق: أنه يقضي السنن الرواتب دون الوتر، إذا صلى الفجر ولم يوتر، ونص عليه في رواية غير واحد من أصحابه.

стр. 243

واستدل من قال: لا يقضي الوتر بأن النبي ﷺ » كان إذا نام أو شغله مرض أو غيره عن قيام الليل صلى بالنهار ثنتي عشرة ركعة».خرجه مسلم من حديث عائشة. فدل على أنه كان يقضي التهجد دون الوتر. ويجاب عن هذا: بأنه يحتمل أنه كان إذا كان له عذر يوتر قبل أن ينام، فلم يكن يفوته الوتر حينئذ، هذا في حال المرض ونحوه ظاهر، وأما في حال غلبة النوم فيه نظر. وخرج النسائي حديث عائشة ﵂ ولفظه: «كان إذا لم يصل من الليل منعه من ذلك نوم غلبه عنه أو وجع، صلى من النهار ثلاث عشرة ركعة». فإن كانت هذه الرواية محفوظة دلت على أنه كان يقضي الوتر. واستثنى إسحاق أن يكون نام عن الوتر وصلاة الفجر حتى طلعت الشمس، فقال: يقضي الوتر، ثم يصلي سنة الفجر، ثم يصلي المفروضة. وقد ورد في هذا حديث، ذكرناه في قضاء الصلوات، وخرجه النسائي من حديث محمد بن المنتشر، عن أبيه، أنه كان في منزل عمرو بن شرحبيل، فأقيمت الصلاة، فجعلوا ينتظرونه، فجاء فقال: إني كنت أوتر. وقال: سئل عبد الله: هل

стр. 244

بعد الأذان وتر؟ قال: نعم، وبعد الإقامة، وحدث عن النبي ﷺ ، أنه نام عن الصلاة حتى طلعت الشمس، ثم صلى. فإن كان مراده: أنه نام عن الوتر فذاك، وإن كان مراده: أنه نام عن الفريضة ثم قضاها، فيكون مراده إلحاق القضاء الوتر بالقياس. وكذا روي عن ابن عمر، أنه قاس قضاء الوتر على قضاء الفرض. وأخذه بعضهم من عموم قوله ﷺ : «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها». خرجه مسلم. وقد سبق في موضعه، فيدخل في عمومه الوتر. وجاء في حديث التصريح به، من رواية عبد الرحمن بن زيد بن اسلم، عن أبيه، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من نام عن الوتر أو نسيه فليصله إذا ذكره». خرجه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه، وخرجه الترمذي أيضا من رواية عبد الله بن زيد بن أسلم، عن أبيه ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من نام عن وتره فيصله إذا أصبح».وقال: هذا أصح، وذكر: أن عبد الله بن زيد ثقة، وأخاه عبد الرحمن ضعيف. ولكن خرجه أبو داود والحاكم من حديث أبي غسان محمد بن مطرف، عن زيد بن أسلم، عن عطاء، عن أبي سعيد ﵁ مرفوعا، وقال الحاكم: صحيح على

стр. 245

شرطهما، وخرجه الدارقطني من وجه آخر، عن زيد، كذلك. لكنه إسناد ضعيف. ورده بعضهم بأن أبا سعيد ﵁ روى عن النبي ﷺ » أوتروا قبل أن تصبحوا»، وهذا يخالفه وليس كذلك؛ فإن الأمر بالإيتار قبل الصبح أمر بالمبادرة إلى أدائه في وقته، فإذا فات وخرج وقته، ففي هذا أمر بقضائه، فلا تنافي بينهما. وفي تقييد الأمر بالقضاء لمن نام أو نسيه يدل على أن العامد بخلاف ذلك، وهذا متوجه؛ فإن العامد قد رغب عن هذه السنة، وفوتها في وقتها عمدا، فلا سبيل له بعد ذلك إلى استدراكها، بخلاف النائم والناسي. وممن روي عنه الأمر بقضاء الوتر من النهار: علي وابن عمر وعطاء وطاوس ومجاهد والحسن والشعبي وحماد، وهو قول الشافعي، في صحيح عنه، وأحمد، في رواية، والأوزاعي، إلا أنه قال: يقضيه نهارا وبالليل ما لم يدخل وقت الوتر بصلاة العشاء الآخرة، ولا يقضيه بعد ذلك؛ لئلا يجتمع وتران في ليلة.

стр. 246

وعن سعيد بن جبير، قال: يقضيه من الليل القابلة، وظاهر هذا: أنه لا يقضيه إلا ليلا؛ لأن وقته الليل، فلا يفعل بالنهار" (١) ا. هـ. قال أبو محمد: والصحيح أن وقت صلاة الليل والوتر ينتهي بطلوع الفجر كما جاءت الأخبار الصحاح بذلك، وهي أصح مما يخالفها من الأخبار التي فيها مد وقت الوتر حتى صلاة الصبح، بل لا تدانيها في الصحة ولا تكاد، وعلى تقدير صحتها فهي محمولة على القضاء، وهي مسألة أخرى. و الصحيح أن الوتر لا يقضى على صفته بل يقضى شفعا . قال شيخ الإسلام ما نصه: "ومثل أن يشغله نوم أو مرض عن قيام الليل فيصلي بالنهار ثنتي عشرة ركعة، وكان يصلي بالليل إحدى عشرة ركعة، فصلى ثنتي عشرة ركعة شفعا؛ لفوات وقت الوتر" (٢) ا. هـ. وقال ابن القيم في الهدي ما نصه: "ولم يكن ﷺ يدع قيام الليل حضراً ولا سفراً، وكان إذا غلبه نوم أو وجع، صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة.

стр. 247

فسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: في هذا دليل على أن الوتر لا يقضى لفوات محله، فهو كتحية المسجد، وصلاة الكسوف والاستسقاء ونحوها؛ لأن المقصود به أن يكون آخر صلاة الليل وترا، كما أن المغرب آخر صلاة النهار، فإذا انقضى الليل وصليت الصبح، لم يقع الوتر موقعه. هذا معنى كلامه" (١) ا. هـ. وأيضا يقضى في النهار كما جاء في صحيح مسلم من طريق أبي عوانة، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام، عن عائشة، أن رسول الله ﷺ «كان إذا فاتته الصلاة من الليل من وجع، أو غيره، صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة»، وأعاده من طريق شعبة، عن قتادة بلفظ: «كان رسول الله ﷺ إذا عمل عملا أثبته، وكان إذا نام من الليل، أو مرض، صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة «(٢). وظاهر الحديث قضاء الوتر وصلاة الليل، خلافاً لمن خصه بقضاء الصلاة دون الوتر، وتقدم في كلام ابن رجب بحث للمسألة. وأما وقت القضاء: فالظاهر أنه إلى صلاة الظهر، ولذا أخرج مسلم من طريق ابن شهاب، عن السائب بن يزيد، وعبيد الله بن عبد الله، أخبراه عن عبد الرحمن بن عبد

стр. 248

القاري، قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : «من نام عن حزبه، أو عن شيء منه، فقرأه فيما بين صلاة الفجر، وصلاة الظهر، كتب له كأنما قرأه من الليل» عقيب حديث عائشة. وكذا صنع ابن خزيمة في صحيحه، حيث أخرج حديث عمر ﵁ بإسناد مسلم وبوب عليه: "باب ذكر الوقت من النهار الذي يكون المرء فيه مدركا لصلاة الليل إذا فاتت بالليل، فصلاها في ذلك الوقت من النهار" (١). قال أبو محمد: وهذا إذا فسرنا الورد والحزب بالصلاة، وكان غالب حزب القوم وأورادهم من القرآن في صلاتهم، فهو مقيد لإطلاق النهار المذكور في حديث عائشة ﵂.

стр. 249

فصل في مقدار صلاة الليل وأما مقدار صلاة الليل: فإن أريد بالمقدار حد ينتهى إليه لا تجوز الزيادة عليه، فما علمت أحداً من السلف قال به، وهو قول شاذ نحى إليه بعض المتأخرين، وجعل الزيادة على إحدى عشرة ركعة كالقيام إلى ثالثة في الصبح، وهذا قول فاسد مطرح. قال في الفتاوى الكبرى: "ويشبه ذلك من بعض الوجوه تنازع العلماء في مقدار القيام في رمضان، فإنه قد ثبت أن أُبي بن كعب ﵁ كان يقوم بالناس عشرين ركعة في قيام رمضان، ويوتر بثلاث. فرأى كثير من العلماء أن ذلك هو السنة؛ لأنه أقامه بين المهاجرين والأنصار، ولم ينكره منكر. واستحب آخرون: تسعة وثلاثين ركعة؛ بني على أنه عمل أهل المدينة القديم. وقال طائفة: قد ثبت في الصحيح عن عائشة ﵂ «أن النبي ﷺ لم يكن يزيد في رمضان ولا غيره على ثلاث عشرة ركعة».

стр. 250

واضطرب قوم في هذا الأصل؛ لما ظنوه من معارضة الحديث الصحيح لما ثبت من سنة الخلفاء الراشدين، وعمل المسلمين. والصواب أن ذلك جميعه حسن، كما قد نص على ذلك الإمام أحمد ﵁ وأنه لا يتوقت في قيام رمضان عدد، فإن النبي ﷺ لم يوقت فيها عددا، وحينئذ فيكون تكثير الركعات وتقليلها، بحسب طول القيام وقصره. فإن النبي ﷺ كان يطيل القيام بالليل، حتى إنه قد ثبت عنه في الصحيح من حديث حذيفة: «أنه كان يقرأ في الركعة بالبقرة، والنساء، وآل عمران، فكان طول القيام يغني عن تكثير الركعات»، وأُبي بن كعب لما قام بهم - وهم جماعة واحدة - لم يمكن أن يطيل بهم القيام، فكثر الركعات؛ ليكون ذلك عوضاً عن طول القيام، وجعلوا ذلك ضعف عدد ركعاته، فإنه كان يقوم بالليل إحدى عشرة ركعة، أو ثلاث عشرة، ثم بعد ذلك كان الناس بالمدينة ضعفوا عن طول القيام فكثروا الركعات حتى بلغت تسعا وثلاثين" (١). وقال: «وكان النبي ﷺ قيامه بالليل في رمضان وغير رمضان إحدى عشرة ركعة، أو ثلاث عشرة ركعة، لكن كان يصليها طوالاً».
следующие страницы →