← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17865

فقه عمل اليوم والليلة

عبد الله بن مانع الروقي

Полный текст (297 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وعن سعيد بن جبير، قال: يقضيه من الليل القابلة، وظاهر هذا: أنه لا يقضيه إلا ليلا؛ لأن وقته الليل، فلا يفعل بالنهار" (١) ا. هـ. قال أبو محمد: والصحيح أن وقت صلاة الليل والوتر ينتهي بطلوع الفجر كما جاءت الأخبار الصحاح بذلك، وهي أصح مما يخالفها من الأخبار التي فيها مد وقت الوتر حتى صلاة الصبح، بل لا تدانيها في الصحة ولا تكاد، وعلى تقدير صحتها فهي محمولة على القضاء، وهي مسألة أخرى. و الصحيح أن الوتر لا يقضى على صفته بل يقضى شفعا . قال شيخ الإسلام ما نصه: "ومثل أن يشغله نوم أو مرض عن قيام الليل فيصلي بالنهار ثنتي عشرة ركعة، وكان يصلي بالليل إحدى عشرة ركعة، فصلى ثنتي عشرة ركعة شفعا؛ لفوات وقت الوتر" (٢) ا. هـ. وقال ابن القيم في الهدي ما نصه: "ولم يكن ﷺ يدع قيام الليل حضراً ولا سفراً، وكان إذا غلبه نوم أو وجع، صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة.

стр. 247

فسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: في هذا دليل على أن الوتر لا يقضى لفوات محله، فهو كتحية المسجد، وصلاة الكسوف والاستسقاء ونحوها؛ لأن المقصود به أن يكون آخر صلاة الليل وترا، كما أن المغرب آخر صلاة النهار، فإذا انقضى الليل وصليت الصبح، لم يقع الوتر موقعه. هذا معنى كلامه" (١) ا. هـ. وأيضا يقضى في النهار كما جاء في صحيح مسلم من طريق أبي عوانة، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام، عن عائشة، أن رسول الله ﷺ «كان إذا فاتته الصلاة من الليل من وجع، أو غيره، صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة»، وأعاده من طريق شعبة، عن قتادة بلفظ: «كان رسول الله ﷺ إذا عمل عملا أثبته، وكان إذا نام من الليل، أو مرض، صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة «(٢). وظاهر الحديث قضاء الوتر وصلاة الليل، خلافاً لمن خصه بقضاء الصلاة دون الوتر، وتقدم في كلام ابن رجب بحث للمسألة. وأما وقت القضاء: فالظاهر أنه إلى صلاة الظهر، ولذا أخرج مسلم من طريق ابن شهاب، عن السائب بن يزيد، وعبيد الله بن عبد الله، أخبراه عن عبد الرحمن بن عبد

стр. 248

القاري، قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : «من نام عن حزبه، أو عن شيء منه، فقرأه فيما بين صلاة الفجر، وصلاة الظهر، كتب له كأنما قرأه من الليل» عقيب حديث عائشة. وكذا صنع ابن خزيمة في صحيحه، حيث أخرج حديث عمر ﵁ بإسناد مسلم وبوب عليه: "باب ذكر الوقت من النهار الذي يكون المرء فيه مدركا لصلاة الليل إذا فاتت بالليل، فصلاها في ذلك الوقت من النهار" (١). قال أبو محمد: وهذا إذا فسرنا الورد والحزب بالصلاة، وكان غالب حزب القوم وأورادهم من القرآن في صلاتهم، فهو مقيد لإطلاق النهار المذكور في حديث عائشة ﵂.

стр. 249

فصل في مقدار صلاة الليل وأما مقدار صلاة الليل: فإن أريد بالمقدار حد ينتهى إليه لا تجوز الزيادة عليه، فما علمت أحداً من السلف قال به، وهو قول شاذ نحى إليه بعض المتأخرين، وجعل الزيادة على إحدى عشرة ركعة كالقيام إلى ثالثة في الصبح، وهذا قول فاسد مطرح. قال في الفتاوى الكبرى: "ويشبه ذلك من بعض الوجوه تنازع العلماء في مقدار القيام في رمضان، فإنه قد ثبت أن أُبي بن كعب ﵁ كان يقوم بالناس عشرين ركعة في قيام رمضان، ويوتر بثلاث. فرأى كثير من العلماء أن ذلك هو السنة؛ لأنه أقامه بين المهاجرين والأنصار، ولم ينكره منكر. واستحب آخرون: تسعة وثلاثين ركعة؛ بني على أنه عمل أهل المدينة القديم. وقال طائفة: قد ثبت في الصحيح عن عائشة ﵂ «أن النبي ﷺ لم يكن يزيد في رمضان ولا غيره على ثلاث عشرة ركعة».

стр. 250

واضطرب قوم في هذا الأصل؛ لما ظنوه من معارضة الحديث الصحيح لما ثبت من سنة الخلفاء الراشدين، وعمل المسلمين. والصواب أن ذلك جميعه حسن، كما قد نص على ذلك الإمام أحمد ﵁ وأنه لا يتوقت في قيام رمضان عدد، فإن النبي ﷺ لم يوقت فيها عددا، وحينئذ فيكون تكثير الركعات وتقليلها، بحسب طول القيام وقصره. فإن النبي ﷺ كان يطيل القيام بالليل، حتى إنه قد ثبت عنه في الصحيح من حديث حذيفة: «أنه كان يقرأ في الركعة بالبقرة، والنساء، وآل عمران، فكان طول القيام يغني عن تكثير الركعات»، وأُبي بن كعب لما قام بهم - وهم جماعة واحدة - لم يمكن أن يطيل بهم القيام، فكثر الركعات؛ ليكون ذلك عوضاً عن طول القيام، وجعلوا ذلك ضعف عدد ركعاته، فإنه كان يقوم بالليل إحدى عشرة ركعة، أو ثلاث عشرة، ثم بعد ذلك كان الناس بالمدينة ضعفوا عن طول القيام فكثروا الركعات حتى بلغت تسعا وثلاثين" (١). وقال: «وكان النبي ﷺ قيامه بالليل في رمضان وغير رمضان إحدى عشرة ركعة، أو ثلاث عشرة ركعة، لكن كان يصليها طوالاً».

стр. 251

فلما كان ذلك يشق على الناس قام بهم أبي بن كعب في زمن عمر بن الخطاب عشرين ركعة، يوتر بعدها، ويخفف فيها القيام، فكان تضعيف العدد عوضا عن طول القيام. وكان بعض السلف يقوم أربعين ركعة، فيكون قيامها أخف، ويوتر بعدها بثلاث. وكان بعضهم يقوم بست وثلاثين ركعة يوتر بعدها، وقيامهم المعروف عنهم بعد العشاء الآخرة" (١) ا. هـ. قال أبو محمد: ولا شك أن لزوم هديه ﵁ كمّاً وكيفاً هو أفضل الطرق والمسالك، لا من يزعم أنه يلزم هديه فيصلي إحدى عشرة ركعة ينقرها نقرا. قال ابن القيم: "مجموع ورده الراتب بالليل والنهار أربعين ركعة، كان يحافظ عليها دائما سبعة عشر فرضاً، وعشر ركعات، أو ثنتا عشرة سنة راتبةً، وإحدى عشرة، أو ثلاث عشرة ركعة قيامه بالليل، والمجموع أربعون ركعة.

стр. 252

وما زاد على ذلك فعارض غير راتب، كصلاة الفتح ثمان ركعات، وصلاة الضحى إذا قدم من سفر، وصلاته عند من يزوره وتحية المسجد ونحو ذلك. فينبغي للعبد أن يواظب على هذا الورد دائما إلى الممات، فما أسرع الإجابة وأعجل فتح الباب لمن يقرعه كل يوم وليلة أربعين مرة. والله المستعان" (١).

стр. 253

فصل في صفة قيام الليل وأما صفة صلاة الليل: فالأصل فيها ما أخرجه مالك وأحمد والستة من طرق عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: سأل رجل النبي ﷺ وهو على المنبر، ما ترى في صلاة الليل؟ قال: «مثنى مثنى، فإذا خشي الصبح صلى واحدة، فأوترت له ما صلى» (١). وله ألفاظ عندهم .. وقد أخرجه عن ابن عمر ﵄ جماعة من تلاميذه كنافع وسالم وعبد الله بن دينار وغيرهم. ولفظه عند أبي داود من طريق همام، عن قتادة، عن عبد الله بن شقيق، عن ابن عمر ﵄ أن رجلا من أهل البادية، سأل النبي ﷺ عن صلاة الليل، فقال بأصبعيه هكذا: «مثنى مثنى، والوتر ركعة من آخر الليل» (٢) يعنى: جمع بين اللفظ والإشارة للبيان.

стр. 254

وقال ابن عبد البر في الاستذكار ما نصه: "وقوله مثنى مثنى يقتضي التسليم من كل ركعتين، كما جاء مفسراً في هذا الخبر عن ابن عمر ﵄؛ لأنه لا يقال للظهر مثنى مثنى، ولا للعصر مثنى مثنى، وإن كان فيهما جلوس في كل ركعتين، وهذا كله يدل على ضعف مذهب الكوفيين في إجازتهم عشر ركعات، وثمانيا، ومثنى، وأربعا" (١). وقال: "وفي قول النبي ﷺ » صلاة الليل مثنى مثنى «ما يقضي لرواية من روى في هذا الحديث أنه كان يسلم في كل ركعتين (٢). وقال: "وذهب فقهاء الحجاز وبعض أهل العراق إلى أنه كان يسلم في كل ركعتين منها على ظاهر قوله ﷺ » صلاة الليل مثنى مثنى»، فمن ذهب إلى هذا تأوّل في قوله» يصلي أربعا ثم أربعا «أي: حسنهن وطولهن، ورتل القرآن فيهن، وكذلك أيضا فعل في الأربع بعدهن، حسنهن وطولهن، ثم الثلاث بعدهن لم يبلغ فيهن من الطول ذلك المبلغ، لكنه سلم في كل ركعتين من صلاته تلك كلها، فهذا معنى أربعا ثم أربعا ثم ثلاثا عند هؤلاء.

стр. 255

وحجتهم: «صلاة الليل مثنى مثنى «ولا يقال للظهر ولا للعصر مثنى وإن كان فيها جلوس. واختصار اختلافهم في صلاة التطوع بالليل: أن مالكا والشافعي وابن أبي ليلى وأبا يوسف ومحمداً قالوا في صلاة الليل: مثنى مثنى. والحجة لهم: ما قدمنا من تسليم رسول الله ﷺ في صلاته بالليل من كل ركعتين وقوله» صلاة الليل مثنى مثنى»، وذلك يقتضي الجلوس والتسليم في كل ركعتين. وقال أبو حنيفة في صلاة الليل: إن شئت ركعتين، وإن شئت أربعاً، وإن شئت ستاً، وثمانياً، لا تسليم إلا في آخرهن. وقال الثوري والحسن بن حي: صل بالليل ما شئت بعد أن تقعد في كل ركعتين وتسلم في آخرهن. وحجة هؤلاء: ظواهر الأحاديث عن عائشة ﵂. منها: حديثها هذا» أربعاً ثم أربعاً ثم ثلاثاً». ومنها: ما رواه الأسود عن عائشة ﵂ أنها قالت» إن رسول الله ﷺ كان يصلي من الليل تسع ركعات فلما أسن صلى سبع ركعات»، وقال مسروق عنها: «كان رسول الله ﷺ يوتر بتسع فلما أسن أوتر بسبع».

стр. 256

ويحيى بن الجزار عن عائشة ﵂ مثله على اختلاف عن يحيى في ذلك. وروى ابن نمير ووهيب وطائفة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة، يوتر منها بخمس، لا يجلس في شيء من الخمس حتى يجلس في الآخرة منهن « قال أبو عمر: أما حديث هشام بن عروة هذا فقد أنكره مالك، وقال: مذ صار هشام بالعراق أتانا عنه ما لم نعرف منه. وأما سائر الأحاديث فمحتملة للتأويل ويقضي عليها قوله ﷺ : «صلاة الليل مثنى مثنى «مع حديث ابن شهاب عن عروة عن عائشة ﵂» أن رسول الله ﷺ كان يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة يوتر منها بواحدة ويسلم من كل اثنتين». وقد ذكرنا من روى عن ابن شهاب هذا الحديث كما وصفنا من ثقات أصحابه.

стр. 257

قال أبو عمر: في معنى قوله أيضا في حديث هذا الباب» أربعاً ثم أربعاً ثم ثلاثاً «وجه رابع، وهو أنه كان ينام بعد الأربع، ثم ينام بعد الأربع، ثم يقوم فيوتر بثلاث" (١). وقال ما نصه: "وأما قوله: «فصلى ركعتين ثم ركعتين «فمحمول عندنا على أنه كان يجلس في كل ركعتين ويسلم؛ بدليل قوله ﷺ » صلاة الليل مثنى مثنى «وبما ذكرنا في حديث عائشة ﵂ من أنه كان يسلم في كل ركعتين من صلاته بالليل، وقوله فيه بعد» ثنتي عشرة ركعة ثم أوتر «دليل على أن الوتر واحدة منفصلة مما قبلها، وسنبين ذلك فيما بعد إن شاء الله تعالى" (٢) ا. هـ وقال في التمهيد: نحوه (٣). وقال ابن رجب في شرح البخاري ما نصه: "وقد بوب البخاري في أبواب صلاة التطوع على أن "صلاة النهار مثنى مثنى"، ويأتي الكلام فيه في موضعه، إن شاء الله تعالى.

стр. 258

والكلام هنا في صلاة الليل. وهذا الحديث: يدل على أن التطوع بالليل كله مثنى مثنى، سوى ركعة الوتر، فإنها واحدة. وقد عارض هذا حديث عائشة ﵂ الذي خرجه مسلم، خرجه من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أن النبي ﷺ كان يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة، يوتر في ذلك بخمس، لا يجلس في شيء منهن، إلا في آخرهن. وقد تكلم في حديث هشام هذا غير واحد، قال ابن عبر البر: قد أنكر مالك، وقال: مذ صار هشام إلى العراق أتانا عنه ما لم يعرف منه. وقد أعله الأثرم، بأن يقال في حديثه: «كان يوتر بواحدة»، كذا رواه مالك وغيره عن الزهري. ورواه عمرو بن الحارث ويونس، عن الزهري، وفي حديثهما: «يسلم من كل ركعتين، ويوتر بواحدة»، وقد خرجه مسلم من طريقهما أيضا، وكذا رواه ابن أبي ذئب والأوزاعي، عن الزهري. خرج حديثهما أبو داود.

стр. 259

قال الأثرم: وقد روى هذا الحديث عن عائشة ﵂ غير واحد، لم يذكروا في حديثهم ما ذكره هشام عن أبيه، من سرد الخمس، ورواه القاسم، عن عائشة ﵂ في حديثه: «يوتر بواحدة». ولم يوافق هشاما على قوله إلا ابن إسحاق، فرواه عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير، عن عائشة ﵂ بنحو رواية هشام، وخرجه أبو داود من طريقه كذلك. ورواه أيضا سعد بن هشام، عن عائشة، واختلف عليه فيه: فخرجه مسلم من رواية قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام، أنه سال عائشة ﵄ عن وتر النبي ﷺ ، فقالت: «كان يصلي تسع ركعات، لا يجلس إلا في الثامنة، فيذكر الله ويحمده ويدعوه، ثم ينهض ولا يسلم، ثم يقوم فيصلي ركعة، ثم يقعد، فيذكر الله ويحمده ويدعوه، ثم يسلم تسليما يسمعنا، ثم يصلي ركعتين بعدما يسلم وهو قاعد، فتلك إحدى عشرة ركعة، فلما أسن نبي الله ﷺ وأخذه اللحم أوتر بسبع، وصنع في الركعتين مثل صنيعه الأول، فتلك تسع يا بني». وفي رواية له: أن قتادة اخبره سعد بن هشام بهذا، وكان جاراً له. وقد خرجه أبو داود بلفظ آخر، وهو: «أنه ﷺ كان يصلي ثمان ركعات، لا يجلس فيهن إلا عند الثامنة، فيجلس فيذكر الله، ثم يدعو، ثم يسلم تسليما، ثم

стр. 260

يصلي ركعتين وهو جالس بعدما يسلم، ثم يصلي ركعة، فتلك إحدى عشرة ركعة». وفي هذه الرواية: أنه كان يصلي الركعتين جالسا قبل الوتر، ثم يوتر بعدها بواحدة، وهذا يخالف ما في رواية مسلم. ورواه سعد بن هشام، عن عائشة ﵂، واختلف عليه في لفظه: فروي عنه: الوتر بتسع، وروى عنه: بواحدة. ورواه أبان عن قتادة بهذا الإسناد، ولفظه: «كان النبي ﷺ يوتر بثلاث، ولا يقعد إلا في آخرهن». قال الإمام أحمد: فهذه الرواية خطأ. يشير إلى إنها مختصرة من رواية قتادة المبسوطة. وقد روي في هذا المعنى من حديث ابن عباس وأم سلمة، وقد تكلم الأثرم في إسنادهما. وطعن البخاري في حديث أم سلمة بانقطاعه، وذكر أن حديث ابن عمر ﵄ في الوتر بركعة أصح من ذلك، وكذلك الروايات الصحيحة عن ابن عباس ﵄ في وصفه صلاة النبي ﷺ ليلة بات عند خالته ميمونة ﵂ يدل عليه: أنه ﷺ من كل ركعتين وأوتر بواحدة.

стр. 261

فلهذا رجحت طائفة حديث ابن عمر وابن عباس، وقالوا: لا يصلي بالليل إلا مثنى مثنى، ويوتر بواحدة، وهذه طريقة البخاري والأثرم. وقال ابن عبد البر: هو قول أهل الحجاز، وبعض أهل العراق، ثم حكى عن مالك والشافعي وابن أبي ليلى وأبي يوسف ومحمد، أن صلاة الليل مثنى مثنى. قال: وقال أبو حنيفة في صلاة الليل: إن شئت ركعتين، وإن شئت أربعا، وإن شئت ستا وثمانيا، ولا تسلم إلا في آخرهن. وقال الثوري والحسن بن حي: صلاة الليل ما شئت، بعد أن تقعد في كل ركعتين وتسلم في آخرهن. وحكى الترمذي في كتابه أن العمل عند أهل العلم على أن صلاة الليل مثنى مثنى. قال: وهو قول سفيان وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق. وحكاه ابن المنذر وغيره عن ابن عمر وعمار، وعن الحسن وابن سيرين والشعبي والنخعي وسعيد بن جبير وحماد ومالك والأوزاعي. وحكي عن عطاء، أنه قال: في صلاة الليل والنهار: يجزئك التشهد.

стр. 262

وهذا يشبه ما حكاه ابن عبد البر، عن الثوري والحسن بن حي، وهو مبني على أن السلام ليس من الصلاة، وأنه يخرج منها بدونه، كما سبق ذكره، وقد روي عن النخعي نحوه. ومذهب سفيان الذي حكاه أصحابه أنه لا بأس أن يصلي بالليل والنهار أربعا أو ستا أو أكثر من ذلك، لا يفصل بينهن إلا في آخرهن، قال: وإذا صلى بالليل مثنى، فهو أحب إلي. وحمل هؤلاء كلهم قول عائشة: «كان النبي ﷺ يصلي أربعا، ثم أربعا «على أنه كان لا يسلم بينها، وسيأتي حديثها بذلك، إن شاء الله ، وحمله الآخرون على أنه كان يفصل بينها بسلام، وهذا كله في التطوع المطلق في الليل" (١) ا. هـ. وقال ابن بطال في شرح البخاري ما نصه: قوله ﵇: «صلاة الليل مثنى مثنى «يفسر حديث عائشة أنه كان يصلي أربعا ثم ثلاثا، وهي زيادة يجب قبولها، وقوله: «فإذا خشيت الصبح، فأوتر بواحدة توتر لك ما قد صليت»، دليل أن الوتر واحدة؛ لأنه ﵇، قال في الركعة: «إنما هي التي توتر ما قبلها»،

стр. 263

والوتر في لسان العرب هو الواحد، فلذلك قال ﵇: «إن الله وتر»، أي واحد لا شريك له، والحكم يتعلق بأول الاسم كما أن الظاهر من قوله: «مثنى مثنى»، أي: ثنتين مفردتين (١). وقال: ذهب أكثر العلماء إلى أن صلاته بالليل مثنى مثنى، على حديث ابن عمر ﵄، وقالوا: قوله: «مثنى مثنى «يفيد التسليم فى كل ركعتين ليفصل بينها وبين صلاة أربع، وإلا فلا يفيد هذا الكلام؛ لأنه على التقدير تكون صلاة الظهر والعصر والعشاء مثنى مثنى، فلما لم يقل لواحدة منها مثنى مثنى علم أن المثنى يقتضى الفصل بالسلام (٢). وقال: وأما قول عائشة ﵂: «يصلى أربعا فلا تسل عن حسنهن وطولهن، ثم أربعا، ثم ثلاثا»، فقد تقدم في أبواب الوتر أن ذلك مرتب على قوله ﷺ : «صلاة الليل مثنى مثنى «؛ لأنه مفسر وقاض على المجمل، وقد جاء بيان هذا في بعض طرق هذا الحديث، روى ابن أبى ذئب، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ يصلى بالليل إحدى عشرة ركعة بالوتر،

стр. 264

يسلم بين كل ركعتين». وقيل فى قولها: «يصلى أربعا، ثم أربعا»، أنه كان ينام بعد الأربع، ثم يصلى، ثم ينام بعد الأربع، ثم يقوم فيوتر بثلاث، فاحتج من قال ذلك بحديث الليث، عن ابن أبى مليكة، عن يعلى، عن أم سلمة ﵂ أنها وصفت صلاة رسول الله بالليل وقراءته فقالت: «كان يصلى ثم ينام قدر ما صلى، ثم يصلى قدر ما نام، ثم ينام قدر ما صلى، ثم يقوم فيوتر «(١). وقال: واختلف الفقهاء في التطوع بالليل والنهار كيف هو؟ فقالت طائفة: هو مثنى مثنى، هذا قول: ابن أبى ليلى، ومالك، والليث، والشافعى، وأبى ثور، وهو قول: أبى يوسف، ومحمد في صلاة الليل. وقال أبو حنيفة: أما صلاة الليل فإن شئت صليت ركعتين وإن شئت صليت أربعا، وإن شئت صليت ستا، وإن شئت ثمانيا، وكره أن يزيد على ذلك شيئا. قال أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد: أما صلاة النهار فإن شئت صليت بتكبيرة ركعتين، وإن شئت أربعا، وكرهوا أن يزيد على ذلك شيئا، وحجة أبى حنيفة لقوله في صلاة الليل حديث عائشة ﵂ أنها قالت: «كان ﷺ يصلى بالليل

стр. 265

أربعا، فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم أربعا، ثم ثلاثا». فقال لهم أهل المقالة الأولى: ليس فى حديث عائشة ﵂ يصلى أربعا" (١) ا. هـ. وقال في المغني ما نصه: مسألة: قال: (وصلاة التطوع مثنى مثنى) يعني يسلم من كل ركعتين. والتطوع قسمان: تطوع ليل، وتطوع نهار. فأما تطوع الليل: فلا يجوز إلا مثنى مثنى. هذا قول أكثر أهل العلم، وبه قال أبو يوسف، ومحمد. وقال أبو حنيفة: إن شئت ركعتين، وإن شئت أربعا، وإن شئت ستا، وإن شئت ثمانيا. ولنا، قول النبي ﷺ : «صلاة الليل مثنى مثنى» متفق عليه، وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «مفتاح الصلاة الطهور، وبين كل ركعتين تسليمة». رواه الأثرم" (٢) ا. هـ.

стр. 266

قال ابن دقيق العيد في أحكام الأحكام ما نصه: "واعلم أن محط النظر هو الموازنة بين الظاهر من قوله ﷺ : «صلاة الليل مثنى مثنى «في دلالته على الحصر، وبين دلالة هذا الفعل على الجواز. والفعل يتطرق إليه الخصوص، إلا أنه بعيد، لا يصار إليه إلا بدليل. فتبقى دلالة الفعل على الجواز معارضة بدلالة اللفظ على الحصر" (١) ا. هـ. وإنما أطلت النقل في هذه المسألة؛ لكثرة الجهل بها، وتوسع من لا علم عنده فيها، لا سيما من يلي الإمامة. وإذا تقرر ما تقدم، وأن صلاة الليل مثنى مثنى لم يخرج عن هذا إلا الوتر، كما كان يفعل ﵊. والصفات المنقولة عنه ﵊ في الوتر معروفة مضبوطة تقدم في النقول السابقة الإشارة إليها فلا نطيل الكلام بذكرها.

стр. 267

فصل لا ينبغي للعبد أن يدع قيام الليل والوتر ولا ينبغي للعبد أن يدع صلاة الليل والوتر، وهو سنة مؤكدة، وهو آكد من الرواتب، ومن سنة الصبح - على فضلها - عند كثير من العلماء. قال في المغني: "واختلف أصحابنا في الوتر وركعتي الفجر، فقال القاضي: ركعتا الفجر آكد من الوتر؛ لاختصاصهما بعدد لا يزيد ولا ينقص، فأشبها المكتوبة. وقال غيره: الوتر آكد. وهو أصح؛ لأنه مختلف في وجوبه، وفيه من الأخبار ما لم يأت مثله في ركعتي الفجر، لكن ركعتا الفجر تليه في التأكيد، والله أعلم (١) ا. هـ. وفي مسائل صالح بن أحمد لأبيه: "وسألته عن الرجل يترك الوتر متعمداً ما عليه في ذلك، قال أبي: هذا رجل سوء، هو سنة، سنها رسول الله ﷺ وأصحابه" (٢) ا. هـ.

стр. 268

فصل في أن الوتر في آخر الليل أفضل، والتفصيل في ذلك والأفضل فعله في آخر الليل؛ لقول عائشة ﵂: «من كل الليل قد أوتر رسول الله ﷺ ، فانتهى وتره إلى السحر»، متفق عليه. وفي حديث جابر ﵁ - عند مسلم - عن النبي ﷺ قال: «من خاف أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر من أوله، ومن طمع أن يقوم آخر فليوتر آخر الليل، فإن صلاة آخر الليل مشهودة وذلك أفضل». وفي رواية له: «محضورة». وهذا صريح في التفضيل، فإذا كان له تهجد جعل الوتر بعده لأن النبي ﷺ فعل ذلك وقال " اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا " رواه مسلم (١). فأما إن خاف أن لا يقوم آخر الليل استحب أن يوتر من أوله؛ لما ذكرنا من الحديث، ولأن النبي ﷺ أوصى به أبا هريرة وأبا ذر وأبا الدرداء، وكلها أحاديث صحاح.

стр. 269

وقال ابن رجب في شرح البخاري: أخرج الإمام أحمد وابن ماجه من رواية عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لأبي بكر: «أيَّ حِينٍ توتر؟» قال: أول الليل بعد العتمة، قال: «فأنت يا عمر؟» قال: آخر الليل، قال النبي ﷺ : «أما أنت يا أبا بكر فقد أخذت بالوثقى، وأما أنت يا عمر فقد أخذت بالقوة». وخرجه أبو داود من حديث عبد الله بن رباح، عن أبي قتادة الأنصاري ﵁ عن النبي ﷺ نحوه. وإسناده ثقات، إلا أن الصواب عند حذاق الحفاظ: عن ابن رباح، مرسلا. وقد روي هذا الحديث من رواية ابن عمر وعقبة بن عامر وغيرهما، بأسانيد لينة، ورواه الزهري، عن سعيد بن المسيب مرسلا، وهو من أجود المراسيل، كذا رواه الزبيدي وغيره عن الزهري. ورواه بعضهم، عن ابن عيينة، عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة، والصواب إرساله، قاله الدارقطني. ورواه مسعر، عن سعد بن إبراهيم، واختلف عنه: فقيل: عن مسعر، عن سعد، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد الخدري، وقيل: عنه، عن سعد، عن أبي سلمة مرسلا، وقيل: عنه، عن سعد، عن ابن المسيب، عن أم سلمة. والظاهر: أنه غير ثابت.

стр. 270

وخرجه ابن مردويه من هذا الوجه، وفي حديثه: أن النبي ﷺ قال: «أما أنت يا أبا بكر، كما قال القائل: أحرزت نهبي وأبتغي النوافل، وأما أنت يا عمر، فتأخذ - أو تعمل - عمل الأقوياء». ورواه وكيعـ في كتابه - عن معسر، عن ابن المسيب مرسلا، وزاد فيه: أن النبي ﷺ قال لأبي بكر ٣: «أنت مثل الذي قال: أحرزت نهبي وأبتغي النوافل». وهذه الرواية أصح، والله أعلم. وقد رواه الشافعي، عن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن ابن المسيب مرسلا، بهذه الزيادة أيضا" (١) ا. هـ. وأي وقت أوتر من الليل بعد العشاء أجزأه، بغير خلاف.

стр. 271

فصل في قيام داود ﵇ وأخرج صاحبا الصحيح من طريق سفيان، قال: حدثنا عمرو بن دينار، أن عمرو بن أوس، أخبره: أن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أخبره: أن رسول الله ﷺ قال له: «أحب الصلاة إلى الله صلاة داود ﵇، وأحب الصيام إلى الله صيام داود، وكان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه، وينام سدسه، ويصوم يوما، ويفطر يوما» (١). وبوب عليه البخاري: "من نام عند السحر"، ثم أردفه بحديث عائشة ﵂ قالت: «ما ألفاه السحر عندي إلا نائما» تعني النبي ﷺ (٢). قال العيني: قال المهلب كان داود ﵊ يجم نفس بنوم أول الليل، ثم يقوم في الوقت الذي ينادي فيه الرب: هل من سائل فأعطيه سؤله؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ ثم يستدرك من النوم ما يستريح به من نصب القيام في بقية الليل، وإنما صار ذلك أحب إلى الله من أجل الأخذ بالرفق على النفوس التي

стр. 272

يخشى منها السآمة التي هي سبب ترك العبادة، والله يحب أن يديم فضله ويوالي إحسانه" (١). وقال العيني أيضا ما نصه: قوله: «ما ألفاه السحر عندي إلا نائما «يعني: ما أتى عليه السحر عندي إلا وهو نائم، فعلى هذا كانت صلاته بالليل، وفعله فيه إلى السحر، ويقال: هذا النوم هو النوم الذي كان داود، ﵊، ينام، وهو أنه كان ينام أول الليلة، ثم يقوم في الوقت الذي ينادي فيه الله : هل من سائل؟ ثم يستدرك من النوم ما يستريح به من نصب القيام في الليل، وهذا هو النوم عند السحر، على ما بوب له البخاري، وقال ابن التين: قولها: «إلا نائما «أي: مضطجعا على جنبه؛ لأنها قالت في حديث آخر: «فإن كنت يقظانة حدثني وإلا اضطجع حتى يأتيه المنادي للصلاة»، فيحصل بالضجعة الراحة من نصب القيام، ولما يستقبله من طول صلاة الصبح؛ فلهذا كان ينام عند السحر (٢) ا. هـ.

стр. 273

قال أبو محمد: كان داود عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام يقسم الليل أقساما، فينام ثلاثة أسداس من أول الليل، ويقوم السدس الرابع، والخامس، وينام السدس الأخير. فإن قيل: ما وجه الجمع بين حديث عائشة ﵂: «ما ألفاه السحر عندي إلا نائما»، وحديثها: «من كل الليل قد أوتر رسول الله ﷺ حتى انتهى وتره إلى السحر «وكذا حديث جابر ﵁: «أن صلاة آخر الليل مشهودة «؟ والجواب: أن آخر صلاته ووتره ﵊ يقعان في آخر الليل، في أول السحر، ثم بعد ذلك يرتفق باضطجاع، وربما نام يسيراً، بأبي هو وأمي، ولا يصل صلاة الليل بصلاة الصبح. وهذا أحسن ما قيل. والله أعلم.

стр. 274

فصل في دعاء المسافر إذا دخل وقت السحر فإن كان في سفر فأسحر - دخل عليه وقت السحر - سُن له أن يقول ما أخرجه مسلم من طريق سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ كان إذا كان في سفر وأسحر يقول: «سَمِعَ سَامِعٌ بِحَمْدِ اللهِ وَحُسْنِ بَلَائِهِ عَلَيْنَا، رَبَّنَا صَاحِبْنَا وَأَفْضِلْ عَلَيْنَا، عَائِذًا بِاللهِ مِنَ النَّارِ» (١). وعند البيهقي في الدعوات الكبير وغيره بسند صحيح: يقول ذلك ثلاث مرات ويرفع بها صوته (٢) ا. هـ.

стр. 275

فصل في فضل المبادرة إلى الذكر والصلاة والدعاء لمن قام من الليل وينبغي أن يهتبل وقت استيقاظه من الليل بالذكر والصلاة والدعاء، إن تيسر له ذلك. قال البخاري في صحيحه: "باب فضل من تعار من الليل فصلى"، ثم أخرج من طريق: الأوزاعي، قال: حدثني عمير بن هانئ، قال: حدثني جنادة بن أبي أمية، حدثني عبادة بن الصامت ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من تعارّ من الليل، فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، الحمد لله، وسبحان الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: اللهم اغفر لي، أو دعا، استجيب له، فإن توضأ وصلى قبلت صلاته «(١). وقوله: «تعارّ «قال البغوي: أي: استيقظ من النوم، وأصل التعارّ: السهر والتقلب على الفراش، وقيل: إن التعارّ لا يكون إلا مع كلام أو صوت، مأخوذ من عرار الظليم، وهو صوته، والظليم: ذكر النعام.

стр. 276

فائدة: قال في إبراز الأماني من حفظ المعاني: "قال الخطيب البغدادي: أجود أوقات الحفظ الأسحار، ثم نصف النهار، ثم الغداة. وحفظ الليل أنفع من حفظ النهار، ووقت الجوع أنفع من وقت الشبع. وأجود أماكن الحفظ كل موضع بعد عن الملهيات، وليس الحفظ بمحمود بحضرة النبات والخضرة، وقوارع الطرق؛ لأنها تمنع خلو القلب. وينبغي أن يغتنم التحصيل في وقت الفراغ والشباب، وقوة البدن، واستراحة الخاطر، وقلة الشواغل قبل عوارض البطالة وارتفاع المنزلة، فقد روي عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: «تفقهوا قبل أن تسودوا». وقال الشافعي ﵁: «تفقه قبل أن ترأس، فإذا ترأست فلا سبيل لك إلى التفقه». ويكتب كل ما سمعه، ثم يواظب على حلقة الشيخ، ويعتني بكل الدروس، فإن عجز اعتنى بالأهم

стр. 277

وينبغي أن يرشد رفقته وغيرهم إلى مواطن الاشتغال والفائدة، ويذكرهم أهم ما استفاده: على جهة النصيحة والمذاكرة، وبإرشاده يبارك له في علمه، وتتأكد المسائل معه مع جزيل ثواب لله تعالى. ومن فعل ضد ذلك كان بضده، فإذا تكاملت أهليته، واشتهرت فضيلته، اشتغل بالتصنيف، وجد في الجمع والتأليف والله الموفق (١).

стр. 278

فصل في تبييت النية للصائم صوما واجبا فإن أراد أن يصوم يوما، فإن كان واجبا كرمضان وصيام الكفارات والنذور لزمه تبييت النية في ذلك. وإن كان الصوم نفلا استحب ولم يجب. وقد بسطت الكلام على المسألة في شرحي لكتاب الصيام من صحيح البخاري.

стр. 279

فصل لا يحرم صوم شيء من الأيام إلا بدليل واعلم أنه لا يحرم صوم شيء من الأيام إلا بدليل، كصيام العيدين، وأيام التشريق، فإنه يحرم؛ للأخبار في ذلك، ولا يصح الصوم حينئذ. وكذا يحرم إفراد يوم الجمعة بصيام. وأما يوم السبت فالخبر الوارد في النهي عن صومه لا يصح، ولولا خشية التطويل لبسطنا المقام هنا، والمقصود الإشارة.

стр. 280

فصل في وجوب الشكر على من أنعم الله عليه فعاش ليله ويومه فإن طلع عليه الصبح - وهو في عافية - فقد تم يومه، وأنعم الله عليه بالإمهال، فليتق الله وليؤد شكر ذلك. وإلى هنا ينتهي ما أردت التذكير به من الأعمال، ويليه فصل لطيف عن بعض العوارض في اليوم والليلة وشيء من فقهها.

стр. 281

فصل في فقه عوارض اليوم والليلة o فصل في قضاء الحائض للصلاة إذا حاضت بعد دخول وقتها o فصل في حكم صاحب الحدث المستمر، هل يلزمه الوضوء لكل صلاة؟ o فصل فيمن دخل عليه وقت الصلاة وهو مقيم، ثم سافر o فصل فيمن كانت عنده امرأتان فأكثر

стр. 282

فصل في قضاء الحائض للصلاة إذا حاضت بعد دخول وقتها فإن حاضت امرأة بعد دخول الوقت، فيلزمها قضاء تلك الصلاة عند طهرها، واختاره أبو محمد في المغني حيث قال: "ويستقر وجوبها بما وجبت به، فلو أدرك جزءا من أول وقتها ثم جن، أو حاضت المرأة - لزمهما القضاء إذا أمكنهما. وقال الشافعي وإسحاق: «لا يستقر إلا بمضي زمن يمكن فعلها فيه». ولنا: أنها صلاة وجبت عليه، فوجب قضاؤها إذا فاتته، كالتي أمكن أداؤها (١) "ا. هـ. قال أبو محمد: وإنما هي صلاة واحدة تخرج بها من خلاف، وتسبرئ لدينها بفعلها. وإن طهرت في وقت صلاة لم يلزمها سوى فرض الوقت الذي طهرت فيه على أصح الأقوال، خلافا للجمهور، وهو قول الحسن والثوري، وأصحاب

стр. 283

الرأي؛ لأن وقت الأولى خرج في حال عذرها، فلم تجب كما لو لم يدرك من وقت الثانية شيئا (١) ا. هـ. فائدة: قال ابن عبد البر في التمهيد ما نصه: "وكل امرأة عليها فرضا أن تسأل عن حكم حيضتها، وغسلها، وضوئها، وما لا غناء بها عنه من أمر دينها، وهي والرجل فيما يلزمها من فرائضهما سواء " (٢) ا. هـ. قال أبو محمد: وباب الحيض مشكل في كثير من مسائله على العلماء، فكيف بمن دونهم، لكن مع الضبط والتحري لأصوله الجامعة - الأحاديث الصحيحة فيه - يطمئن القلب لأكثر مسائله، كما قال شيخ الإسلام في الاستقامة ما نصه: "بل باب الحيض الذي هو من أشكل الفقه في كتاب الطهارة، وفيه من الفروع والنزاع ما هو معلوم، ومع هذا أكثر الأحكام الشرعية المتعلقة بأفعال النساء في الحيض معلومة، ومن انتصب ليفتي الناس يفتيهم بأحكام معلومة متفق عليها مائة مرة حتى يفتيهم بالظن مرة واحدة" (٣) ا. هـ.

стр. 284

فصل في حكم صاحب الحدث المستمر، هل يلزمه الوضوء لكل صلاة ؟ وصاحب الحدث المستمر هل يلزمه الوضوء لكل صلاة؟ أم لا يلزمه؟ بل متى توضأ فله أن يصلي بوضوئه ما شاء من الصلوات، ما لم يحدث حدثا اختياريا. الجواب: الثاني. وقبل أن نبسط الكلام على الإجابة على هذا السؤال نبين أن أصحاب الأحداث المستمرة لهم ثلاثة أحوال لا رابع لها: الحال الأولى: أن يكون الحدث مستمرا لا ينقطع. الحال الثانية: أن ينقطع الحدث، لكن على وجه لا ينضبط في أوقات انقطاعه. فهذان الحالان هما مادة البحث هنا، وحكمهما واحد، على ماتقدم ترجيحه وسياتي - إن شاء الله - التدليل عليه.

стр. 285

الحال الثالثة: أن ينقطع في أوقات منضبطة معلومة، ويبقى طاهراً تماماً بعد انقطاعه، فصاحب هذا الحال يلزمه الانتظار حتى ينقطع حدثه، ثم الاستنجاء والتطهر، ولا إشكال في ذلك؛ ولأنه يمكنه الصلاة بطهارة صحيحة فأشبه الأصحاء، ما لم يخش خروج الوقت فيتوضأ وإن استمر حدثه. تنبيه: المراد بالحدث المستمر: كالمستحاضة، وهي التي جاء فيها الخبر، وقيس عليها صاحب سلس البول، والودي، واتصال خروج مذي، واستطلاق الريح وغائط، ونحو ذلك .. عافانا الله وكل مسلم ومسلمة. وأصل المسألة ما أخرجه البخاري في صحيحه من طريق: هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش ﵂ إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله إني امرأة أستحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ «لا، إنما ذلك عرق، وليس بحيض، فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي» قال: وقال أبي: «ثم توضئي لكل صلاة، حتى يجيء ذلك الوقت» (١).
следующие страницы →