Полный текст (1 198 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.
стр. 1086
تباينًا كليًا ودون ما ليس فيه إلا مجرد قيام البنية وسد الرمق مما هو مندرج فيطريقة السلف. وبالله التوفيق.
٣١٢ - مسألة: الأحاديث الواردة فيمن قعد يذكر الله تعالى بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس ثم صلى ركعتين التي منها ما للترمذي عن أنس رفعه: "من صلى الفجر في جماعة ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس ثم صلى ركعتين كانت له كأجر حجة وعمرة تامة تامة تامة" وق ال عقبة: حسن غريب.
وأخرجه الطبراني من حديث أبي أمامة الباهلي مثله، لكن قال: "من صلى صلاة الغداة" وقال: "جلس" وقال: "انقلب بأجر حجة وعمرة" وعنده من حديث أبي أمامة وعتبة بن عبد السلمي بلفظ: "صلاة الصبح ثم لم يثب حتى يسبح سبحة الضحى كان له كأجر حاج ومعتمرتامًا له حجته وعمرته" فأفاد أن الصلاة المذكورة صلاة البح فأخرج النفل الملطق ما كان لسبب آخر.
وكذا لأحمد وأبي داود من حديث معاذ بن أنس الجهني بلفظ: "من قعد في مصلاة حين ينصرف من صلاة الصبح حتى يصلي ركعتين الضحى لا يقول إلا خيرًا غُفرت له خطاياه ولو كانت أكثر من زبد البحر"
стр. 1087
وفي رواية لأبي يعلى: "وجبت له الجنة" وفي أخرى لابن أبي الدنيا من حديث أبي أمامة: "لم تمس جلده النار".
ومثله عند البيهقي من حديث الحسن بن علي. وأفاد بقوله: "لا يقول إلا خيرًا" دخول من أمر بمعروف أو نهى عن منكرٍ. ويلتحق به من أجاب سائلاً عن حكم شرعي مثلاً، ومن شفع شفاعة حسنة ونو ذلك، ويمكن أن يدخل ذلك كله في ذكر الله، وشرطه أن تقتصر على الحاجة من ذلك لما لابد منه بلا مزيد.
وعند أبي يعلى من حديث عائشة بلفظ: "من صلى الفجر فقعد بمقعده فلم يلغ بشيء من أمر الدنيا ويذكر الله حين يصلي الضحى خرج كيوم ولدته أمه" وكذا من الوارد من فعله ﷺ في ذلك ما للطبراني في الأوسط عن ابن عمر قال: كان رسول الله ﷺ إذا صلى الفجر لم يقم منمجلسه حتى تمكنه الصلاة. وعن جابر بن سمرة: "كان النبي ﷺ إذا صلى الفجر تربع في مجلسه حتى تطلع الشمس". أخرجه
стр. 1088
مسلم وأصحاب السنن الثلاثة. وللطبراني في رواية له في المعجم الكبير: "جلس يذكر الله حتى تطلع الشمس" إلى غيرها من الأحاديث في هذا المعنى قولاً وفعلاً لا نطيل بها لحصول الغرض بما ذكر، فهل يحصل هذا الثواب لمن قعد محدثًا أو تخلل زمان بين مقعده ووضوئه؟ وهل يناله من طاف بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس وصلى ركعتي الطواف، وهل إذا كان يطرقه النعاس فقام يتردد في أرجاء المسجد أو غيره من مصلاه يحصل له أم القعود في مصلاه شرط في حصوله؟ وهل من شرط الخشوع وتدبر ما يقول وعدم الكلام أم لا؟
الجواب: قد وقفت لشيخنا ﵀ على جواب فأثبته بنصه
стр. 1089
فقال: أكمل الأحوال أن يستمر قاعدًا ذاكرًا إلى أن يرتفع وقت الكراهة فيصلي ركعتين، فإن تخلل بين ذلك قول غير الذكر ويدخل فيه تلاوة القرآن وفعل ما أو سكوت لم يحصل تمام الموعود، هذا ما يقضتيه ظاهر العبارة ويلتحق بذلك حكمًا اشتراط الخشوع، لأنه أجل ما يشترط في ذلك لأن المراد بالقعود على الهيئة المذكورة عدم التشاغل بشيء من أمور الدنيا. ويلتحق بذلك عدم التشاغل بعبادة أخرى كالطواف، والمقصود من الفراغ من الأقوال والأفعال جزمًا، ليس هو القعود لذاته ولا الذكر بلسانه مجردًا، لكن التوجه التام والإقبال على من يذكره في ذلك الوقت إلى أن تحرم بالصلاة حين يزول وقت الكراهة فيوجد من هذا المطلوب اشتراط الخشوع واستمرار في تلك المدة، لكني أقول: إن هذا يحصل كمال المطلوب في هذه العبادة ولا يلزم منه حرمان من أجل شيء من ذلك بالتشاغل بعبادة أخرى مقصودة أو وسيلة لمقصود، بل يحصل في الأقوال كمن أمر بمعروف مثلاً أو نهى عن منكرٍ مثلاً في تلك الحالة الثواب الجزيل. وفي الأفعال كمن طاف، وكذا من اتفق له حدث فتشاغل بالوضوء، وكذا من اشتغل عن الخشوع بفكر عرض له فلم يسترسل معه، وكذا من غلب النعاس فشأنه مع محافظة ما ذكر أن يستمر في مجلس يعوده، ويمكن بقعدته من الأرض على وضوئه، فإنه إن غلب عليه النوم فنام لا يعدم الثواب الموعود به لكونه لم يحصل منه تعمد لذلك، وعلى هذا فيقال: يشترط في هذا الأخير أن بداية النعاس أن يسعى في إذهابه بما يمكنه ولا يسترسل معه كما ورد في حديث النفس بلفظ: "لا يحدث فيها نفسه" لأنه لا يملك أن لا تحدثه نفسه بل يملك أن لا تحدثها فإنه متى حافظ على أنها إن فتحت له من ذلك بابًا سده لا يكون ممن حدثها، بل من إذا حدثته حدثها فإنها تسترسل في تحديثه فيخرج عن الشرط، فكذا هذا إذا بدره النعاس حافظ على دفعه بما يقدر عليه كما تقدم والله أعلم.
стр. 1090
٣١٣ - سئلت عما يقال: إن الأمة لا تؤلف تحت الأرض ؟
فأجبت: لعل هذا القائل تمسك بما أخرجه الطبراني في الكبير وأبو نعيم في المعرفة وأبو علي بن السكين وابن قتيبة في غريب الحديث والديلمي في مسنده من حديث سليمان بن عطاء القرشي الحراني عم مسلمة بن عبد الله الجهني عن عمه أبي مشجعة بن ربعي عن ابن زمل عن النبي ﷺ أنه قال في حديث طويل: "الدنيا سبعة آلاف سنة بعثت ـ أو قال ـ أنا في آخرها ألفًا" ولكن ابن عطاء هذا منكر الحديث، بل قال ابن حبان: إنه يروي الموضوعات، وكذلك قال: ابن زمل لا أعتمد على إسناد خبره، هذا مع أنه أثبت صحبته، وقال ابن السكن: إسناده ضعيف، وأما الذهبي، فإنه ذكر ابن زمل في الميزان وقال: إنه لا يكاد يعرف ليس بمعتمد. انتهى.
стр. 1091
وأورد ابن الجوزي هذا الحديث في الموضوعات. ونحوه ما أخرجه الديلمي في مسنده من طريق أبي الشيخ ثم من جهة عمرو بن يحيى بن نافع عن العلاء بن زيدل عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "الدنيا كلها سبعة أيام من أيام الآخرة وذلك قوله تعالى: (وإن يومًا عند ربك كألف سنة مما تعدون).
وأورد هناد بن إبراهيم النسفي في جزئه عن أنس بمعناه ولفظه عن النبي ﷺ أنه قال: "من قضى لأخيه المسلم حاجة قضى الله له سبعة آلاف سنة أيام الدنيا صيام نهارك وقيام ليلها" ولا يصح أيضًا. وعند أبي جعفر الطبري في مقدمة تاريخه من طريق ابن عباس موقوفًا: "الدنيا جمعة من جمع الآخرة كل يوم ألف سنة". ومن طريق كعب الأحبار قال: "الدنيا ستة آلاف سنة". ومن طريق وهب بن منبه مثله وزاد: "والذي مضى منها خمسة آلاف وستمائة سنة" ثم زيفهما ورجح ما جاء عن ابن عباس ـ يعني عليهما ـ مع كونه لا يصح أيضًا، لأن في سنده يحيى بن يعقوب أبو طالب القاص قال فيه البخاري: إنه منكر الحديث، وجزم العماد ابن
стр. 1092
كثير بأنه لا يصح إسناده، قال: وكذا كل حديث ورد فيه تحديد بوقت يوم القيامة على التعيين لا يثبت إسناده.
وقال شيخنا: وعلى تقدير صحته ـ يعني حديث ابن عباس ـ فالأخبار الثابتة في الصحيحين تقتضي أن يتكون مدة هذه الأمة نحو الربع أو الخمس من اليوم لما ثبت في حديث ابن عمر: "إنما أجلكم فيما مضى قبلكم كما بين صلاة العصر وغروب الشمس ... الحديث بمعناه"، قال: فإذا ضم هذا إلى قول ابن عباس زاد على الألف زيادة كثيرة. والحق أن ذلك لا يعلم حقيقته إلا الله تعالى.
قلت: ومما روي في التحديد مما لا يصح أيضًا ما أورده الديلمي بلا إسناد عن أنس ﵁ مرفوعًا قال: "الدهر عشرة آلاف سنة" وروى أبو داود في سننه والطبراني في مسند الشاميين والحاكم في
стр. 1093
مستدركه وآخرون من حدث جبير بن نفير عن أبي ثعلبة الخشني ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لن يعجز الله هذه الأمة من نصف يوم".
وروى أبو واقد أيضًا من حديث شريح بن عبيد عن سعد بن أبي وقاص ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إني لأرجو أن لا يعجز الله أمتي أن يؤخرهم نصف يوم" قيل لسعد: وكم نصف يوم؟ قال: خمسمائة سنة. ومن طريق أبي داود أخرج ثانيهما الضياء في المختارة، ورواه الحاكم في مستدركه من حديث أبي بكر بن أبي مريم عن راشد بن سعد عن سعد ولفظه: "لن يعجزني عند ربي أن يؤخر أمتي نصف يوم" قيل: وما نصف يوم؟ قال: "خمسمائة سنة" وقال: إنه صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
٣١٤ - سئلت عن حديث: "رحم الله والدًا أعان ولده على بره ".
فأجبت: أخرجه أبو الشيخ في الثواب من حديث علي وابن عمر
стр. 1094
مرفوعًا بسند ضعيف، وهو [عند] النوقاني من رواية الشعبي مرسلاً، والمعنى أنه لا يحمله على العقوق بسوء أفعاله.
وللبيهقي في الشعب وغيرها بسند ضعيف عن ابن عباس قال: قالوا: يا رسول الله قد علمنا حق الوالد فما حق الولد؟ قال: "أن يحسن اسمه ويحسن أدبه". وعن أبي سعيد وابن عباس قالا: قال رسول الله ﷺ : "من ولد له ولد فليحسن اسمه وأدبه فإذا بلغ فيلزوجه فإن بلغ ولم يزوجه فاصاب إثمًا فإنما إثمه على أبيه".
وللبخاري في الأدب المفرد من حيث محارب بن دثار عن ابن عمر قال: إنما سماهم الله أبرارًا لأنهم بروا الآباء كما أن لوالدك عليك حقًا كذلك لولدك عليك حق. وترجم عليه: بر الأب لولده بل ترجم قبله سواء: أدب الوالد وبره لولده وأرود فيه من جهة الوليد بن نمير بن أوس أنه سمع أباه يقول: كانوا يقولون: الصلاح من الله والأدب من الآباء.
وللبيهقي في الشعب وغيرها بسند ضعيف عند أبي رافع قلت: يا رسو الله أللولد علينا حق كحقنا عليهم؟ قال: "نعم، حق الولد على الوالد
стр. 1095
أن يعلمه الكتابة والسباحة والرمي وأن يروثه طيبًا" وله طرق بينتها في "القول التام في فضل الرمي بالسهام" وقال سفيان الثوري: ينبغي للرجل أن يكره ولده على طلب الحديث فإنه مسئول عنه. وقال: إن هذا الحديث عز، من أراد به الدنيا وجدها ومن أراد به الآخرة وجدها. وقد ذكر العلماء رحمهم الله تعالى أن الولي ينبغي له تأمل حال الصبي وما هو مستعد له.
стр. 1096
٣١٥ - سئلت عن رؤية النبي ﷺ يقظة ؟
فأجبت: لم يصل إلينا ذلك عن أحد من الصحابة ﵃ ولا عن من بعدهم من القرون الماضية ولا أئمة المذاهب الأربعة مع كونهم أجدر الناس بكل مكرمة، وإنما نقل عن بعض الصالحين مما حكوه عن أنفسهم حينما حكاه الشرف البارزي ﵀ في "توثيق عرى الإيمان" وأبو عبد الله بن أبي جمرة في "بهجة النفوس" وعبارة أولهما: أنه سمع عن جماعة من الأولياء في زمانه وقبله أنهم رأوه ﷺ في اليقظة حيًا من وفاته، وعقب ذلك بأبيات لأبي البيان نبا بن محمد بن محفوظ شيخ الطائفة البيانية بدمشق قال فيها:
وتشفع في مسيئتهم لي كفالا ... وتحضر ذكرهم مرات طوالا
وأما الثاني، فإنه قال: وقد ذكر عن السلف والخلف إلى هلم جرا عن جماعة كانوا يصدقون بهذا الحديث، يعني: "من رآني في المنام فسيراني في اليقظة" وسألوه عن أشياء كانوا فيها متشوشين (متخوفين)
стр. 1097
فأخبرهم بتفريجها ونص لهم على الوجوه التي يكون منها فرجها فجاء الأمر كذلك بلا زيادة ونقص ثم قال: والمنكر لهذا لا يخلوا إما أن يكون ممن يصدق بكرامات الأولياء أو لا؟ فإن كان الثاني، فقد سقط البحث عنه، فإنه مكذب ما أثبتته السنة بالدلائل الواضحة، وإن كان الأول، فهذا منها، لأن الأولياء يكشف لهم لخرق العادة عن أشياء ي العالمين العلوي والسفلي عديدة، مع التصديق بذلك. وفي الكلامين مناقشات يطول الأمر بذكرها منها: أن المنقول عنهم إن كان الحاكي عنهم ممن يعلم ثقة لم يبين لثقته ما اتفق لهم فهو محمول المعنى والنقل معًا، كالمحكي عن أبي البيان فإنه نظير ما رويناه عن أبي القاسم الجنيد أنه رأى ﷺ في المنام فقال له: يا رسول الله نجتمع مع إخواننا فنقول القول وتظهر منا الحركات فما تقول في ذلك؟ فقال: ما اجتمعتم إلا وأنا معلم، ولكن ابتدؤوا بالقرآن واختموا به. ولكن القصد أن القول بوقوعها في الدنيا يقظة قد استشكله شيخنا ﵀ جدًا وأنا معه في ذلك مع تصديق كل منا بكرامات الأولياء لاحتمال خطأ الرأي الناشئ عن الظن في كون المرئي هو الذات الشريفة كما اتفق لمن جاء من الأنصار لرسول الله ﷺ لما قدم هو وصاحبه أبو بكر الصديق المدينة في الهجرة ممن لم يكن رآه قبل ذلك حيث ظنوه أبا بكر إلى أن تبين لهم أنه غيره حيث أصابت الشمس رسول الله ﷺ وأظله أبو بكر بردائه ومن ثم
стр. 1098
توقف في التمسك لدعوى حياة الخضر ﵇ يرويه جماعة له كالشيخ عبد القادر، الذي نقل ابن العماد في كتابه: نظم الدرر في هجرة خير البشر مما أستغربه ممن يعتمد أنه أدرك من الجن الذين أسلموا لسماع القرآن منه ﷺ واحدًا، وقيل: إنه يحتاج إلى ثبوت كون المئي عين الخضر صاحب موسى ﵇ سيما مع تغاير صفة المرئي بعينهم، والقول بأن لكل زمان خضر بحيث قيل: إن الخضر مرتبة من وصل إليها سمي الخضر، كالقطب والغوث، فقال أبو الخطاب ابن دحية: كيف يجوز لعاقل أن يلقى شخصًا لا يعرفه فيقول له: أنا فلان فيصدقه. ونحوه قول ابن الجوزي وغيره كالذهبي فإنه لما حكى في ترجمة أبي البيان المشار إليه من تاريخه: إن عبد الله البطائحي رأى الخضر قال: إن صح فهو ظن في أن ذلك الشخص هو الخضر، بل لما قيل للإمام أبي الفتح ابن دقيق العيد حين ذكر عن شيخ له أنه رأى الخضر وحدثه من أعلمه أي الشيخ بأنه الخضر وهل عرفت أنت ذلك؟ سكت. على أن في الاستدلال بها لمرادهم، وكذا في عدم التعرض للرد على المستدلين به من هذه الحيثية تسليم للأئمة ثم وجدت الإمام القرافي أحد الائمة المالكية قرر في قواعده أن رؤيته ﷺ هنا إنما تصح لأحد رجلين إما صحابي أو عالم بصفته قال: وأما غيرهما فلا يحصل الجزم بها يعني ولو وجد في نسه أن المرئي
стр. 1099
هو بل يجوز أن يكون رأي النبي ﷺ تمثاله، ويحتمل أن يكون من عمل الشيطان ولا يفيده قول الذي يراه: أنا رسول الله ﷺ ولا صحة قول من يحضر معه: هذا رسول الله ﷺ لأن الشيطان يكذب لنفسه ويكذب لغيره فلا يحصل الجزم به ويقصد بأن أهل التعبير على خلافه وما شكوا منه إبطال رؤية الإنس فرؤية الملائكة إذا تحقق لا صورة له حتى يتمثل صورة بصورة.
قلت: يمكن أن يقال: إنه يرى شيئًا لا يشبه المخلوقين وقد علم أنه لا يشبه شيئًا من مخلوقاته كما جزما قيل به في قوله: فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون، ولأن القول بوقوعها في الدنيا يقظة يستلزم أن يكون هو لأصحابه، وإمكان بقاء الصحابة إلى يوم القيامة، وهذا الذي استشكل به شيخنا القول به، ويمكن الجواب عنه بما أجبت به من قال بصحبة من اتفق أنه رآه في قبره الشريف أو قبل أن أدرج في أكفانه تكون هذه الحياة أخروية بدليل أن الشهيد مع كونه أيضًا حيًا قطعًا يقسم ميراثه وتنكح نساؤه، وكان شيخنا يرى أن الأمر هنا أوضح من أن يتكلف له برد ويتأيد ما ذهبنا إليه لصرف غير واحد من الأئمة قوله ﷺ : "فسيراني في اليقظة" من حديث "من رآني" عن ظاهره وأنه على التمثيل والتشبيه بدليل قوله في الرواية الأخرى: "فكأنما رآني في اليقظة" ومنه قول الشافعي: إذا رأيت رجلاً من أصحاب الحديث فكأنما رأيت النبي ﷺ ، وفي لفظ: أصحابه، أو يرى في اليقظة تأويلها وتفسيرها بطريق الحقيقة أو التعبير لأنه حق وغيب ألقاه الله الملك أو يراه يوم القيامة بمزيد خصوصية، لا
стр. 1100
مطلق من يراه حينئذ ممن لم يره في المنام أو يخصه بأهل عصره الشريف ممن آمن به قبل أن يراه أو يراه في المرآة التي كانت له إن أمكنه، وممن ذهب إلى الثاني القاضي أبو بكر بن العربي في شرح الترمذي وضعف الثالث حيث أطلق فيه الرؤية في القيامة فقال: وهذا لا معنى له، ولا فائدة في هذا التخصيص يعني فإنه سيراه في القيامة في اليقظة جميع أمته من رآه في النوم ومن لم يره قال: وأما قوله: "فكأنما رآني"، فهو تشبيه ووجهه أنه لو رآه في اليقظة لطابق ما رآه في المنام فيكون الأول حقًا حقيقة، والثاني حقًا تمثيلا ومجازًا قال: وهذا كله إذ رآه على صورته المعروفة فإن رآه على خلاف صفته فهي أمثال، فإن رأى حسن الهيئة، حسن الأقوال حسن الأفعال مقبلاً على الرأي كان خيرًا له، وفيه: وإن رأى خلاف ذلك كان شرًا له، وفيه: لا يلحق النبي ﷺ من ذلك شيء وتفصيل هذا في كتب التعبير، وكذا اختار ابن بطال الثاني ورد الثالث وحكاهما القاضي عياض مضعفًا الثالث أيضًا، ثم وجهه بمزيد الخصوصية كما تقدم، قال: ولا يبعد أن يعاقب الله بعض المذنبين في القيامة بمنع رؤية نبية ﷺ مدة وتبعه أبو عبد الله بن الحاج في المدخل، وحمله على الرابع ابن التين ونقله عن القزار، وكذا أورده المازري احتمالاً فقال: يحتمل أن يريد أهل عصره ممن لم يهاجر إليه ﷺ وأنه إذا رآه في المنام فسيراه في اليقظة ويكون الباري جلت قدرته جعل رؤيته في المنام علمًا على رؤية اليقظة
стр. 1101
أوحي إليه ﷺ بذلك، وعلى الخامس ابن أبي جمرة مستدلاً له بما حكاه ظنًا منه عن ابن عباس أنه رأى النبي ﷺ في النوم فذكر بعد استيقاظه هذا الحديث وبقي متفكرًا فيه ثم دخل على بعض أمهات المؤمنين ـ أظنها ميمونة ـ فأخرجت له جبته ﷺ ومرآته فنظر في المرآة فرأى صورة النبي ﷺ ولم ير صورة نفسه انتهى.
وفي ثبوت هذا نظر، بل قال شيخنا: إن الحمل عليه من أبعد المحامل، قال: ويعكر على حمله على ظاهره أن جمعًا جمًا رأوه في المنام ثم لم يذكر واحد منهم أنه رآه في اليقظة، وخبر الصادق لا يتخلف، وكذا اشتد إنكار القرطبي على من قال: إنه يراه في المنام حقيقة ثم يراه كذلك في اليقظة، وقال الغزالي: ليس معنى "فسيراني في اليقظة" أنه يرى جمسي وبدني، وقال: والآلة تارة تكون حقيقية وتارة تكون خيالية والنفس غير المثال المتخيل، فما رآه من الشكل ليس هو روح المصطفى ولا شخصه بل هو مثال له على التحقيق، وكذا قال في بعض فتاويه: من رأى رسول الله ﷺ يعني منامًا ـ لم ير حقيقة شخصه الموضوع في روضة المدينة وإنما رأى مثالاً لا شخصه، ثم قال: وذلك المثال مثال روحه المقدسة عن الصورة والشكل، بل نقل القاضي أبو بكر بن العربي القول بأن الرؤية في المنام بعين الرأس حقيقية غلوًا وحماقة، ثم حكى ما نسب لبعض المتكلمين وهو القول بكونها مدركة
стр. 1102
بعينين في القلب وأنه ضرب من المجاز نحو ما قاله الأستاذ ـ يعني ابن ورك ـ أو غيره. انتهى. وكذا أقول: إنه لا يمتنع عن خواطر أرباب القلوب القائمين بالمراقبة والتوجه على قدم الخوف حيث لا يسكنون لشيء مما يقع لهم من الكرامات، فضلاً عن التحدث بها لغير ضرورة، مع السعي في التخلص من الكدورات والإعراض عن الدنيا وأهلها جملة، وكون الواحد منهم يود أنه خرج من أهله وماله وأنه يرى النبي ﷺ كالشيخ عبد القادر الكيلاني أن تتمثل صورته الشريفة ﷺ في خاطره ويتصور في عالم سره أنه يكلمه بشرط استقرار ذلك وعدم اضطرابه، فإن تزلزل واضطرب كان له من الشيطان، فليس ذلك خادشًا في علو مناصبهم لعدم عصمة غير الأنبياء فقد قال التاج السبكي في جمع الجوامع تبعًا لغيره أن الإلهام ليس بحجة لعدم الثقة لمن ليس معصومًا بخواطره وحينئذ فمن قال ممن روينا عنه أو غيرهم بأن المرئي هو المثال لا يمتنع حمله على هذا، بل حمل كل من أطلق عليه هو اللائق وقريب منه ما قيل في قوله ﷺ : "رأيت الجنة والنار" مع من يدفع استبعاده هناك أن المراد بالرؤية رؤية العلم، ونحوه ما قيل: هي حكمة العدول عن الغيبة إلى الخطاب في قول
стр. 1103
المصلي: "السلام عليك" على طريق العرفان من أن المصلي لما استفتح باب المذكور بالتحيات أذن له في الدخول في حرم الحي الذي لا يموت فقرت عينه بالمناجاة نبه على أن ذلك بواسطة نبي الرحمن وبركة مبايعته فالتفت فإذا الحبيب حاضر ثم أقبل عليه قائلاً: السلام عليك إلى آخره، بل يحكي عن أبي العباس المرسي أنه قال؛ لو حجب عني رسول الله ﷺ طرفة عين ما عددت نفسي من المسلمين، ويشير لما ذهبنا إليه قول شارح المصابيح: أو يراه في الدنيا حالة الذوق، والانسلاخ عن العوائق الجسمانية كما نقل ذلك عن بعض الصالحين أنه رآه في حالة الذوق والشوق، وحكي عن قيس المجنون أنه قيل له: ندعو لك ليلى؟ فقال: وهل غابت عني ليلى فتدعى؟ قيل: أفتحبها؟ فقال: المحبة ذريعة الوصل وقد وقعت الوصلة، فأنا ليلى وليلى أنا.
وأما ما حكاه التاج بن عطاء الله في كتابه "لطائف المنن" عن بعض أصحابه قال: لما رجع الشيخ أبو الحسن الشاذلي من الحج أتى إلى الشيخ الإمام عز الدين بن عبد السلام قبل أن يأتي منزله فقال له: الرسول ﷺ يسلم عليك، فاستصغر العز نفسه أن يكون أهلاً لذلك. واتفق حضور محي الدين بن سراقة ـ يعني محمد بن محمد بن إبراهيم بن الحسين أحد أتباع ابن عربي، وأبو العلم ياسين أحد أصحاب محيى الدين ابن عربي، فقال أولهما للعز: ليهنكم ما سمعنا، والله إنا لنفرح أن يكون في هذا الزمن من يسلم عليك رسول الله ﷺ ، فقال العز:
стр. 1104
الله يسترنا، فقال أبو الحسن: الله يفضحنا حتى يبين الحق من الباطل، ثم أشار إلى القول، وكان بعيدًا بحيث لم يسمع ما دار بينهم أن يقول، فكان أول ما قال:
صدق المحدث والحديث كما جرى
فقام العز وطاب ويه، وقام الناس لقيامه. انتهى بمعناه.
فهي إن علمت نفسه المتهم الذي حكاها يحتمل أن يكون ما سمعه الشيخ أبو الحسن من السلام نشأ عن منام، ويحتمل أن يكون سمع ذلك من القبر الشريف كما وقع لجماعة كثيرين، وكذا ما حكاه ابن عطاء الله عن أبي العباس المرسي أنه كان مع الشيخ أبي الحسن بالقيروان في ليلة الجمعة سابع عشر رمضان فذهب معه إلى الجامع فلما دخل وأحرم بالصلاة رأى الأولياء يتساقطون عليه كما تتساقط الذباب على العسل، فلما أصبحنا وخرجنا من الجامع قال: ما كانت البارحة إلا ليلة عظيمة، كانت ليلة القدر ورأيت رسول الله ﷺ يقول: يا علي ظهر ثيابك من الدنس تحظ بمدد الله في كل نفس. قلت: يا رسول الله وما ثيابي؟ قال: اعلم أن الله يا على قد خلع عليك خمس خلع: خلعة المحبة، وخلعة المعرفة، وخلعة الإيمان، وخلعة التوحيد، وخلعة الإسلام، من أحب الله هان عليه كل شيء، ومن عرف الله صغر لديه كل شيء، ومن حد الله لم يشرك به شيئًا ومن آمن بالله أمن من كل شيء، ومن أسلم لله قلما يصيبه شيء، وإن عصاه اعتذر إليه، وإن اعتذر إليه قبل عذره، ففهمت حينئذ معنى قوله : (وثيابك فطهر) يحتمل أيضًا لأن يكون منامًا.
ومنه ما حكاه الشهاب السهروردي في الباب الحادي والعشرين من
стр. 1105
عوارفه قال: سمعنا أن الشيخ عبد القادر الكيلاني قال له بعض الصاحلين: لم تزوجت؟ قال: ما تزوجت، قال لي رسول الله ﷺ : تزوج، بل يحتمل أن يكون أشار لقوله ﷺ : "من استطاع منكم الباءة" وأنه استطاع التزوج امتثالاً لقوله. وقول الشيخ أبي عبد الله بن النعمان في كتابه: "مصباح الظلام في المستغيثين بخير الأنام في اليقظة والمنام" أنه كان
стр. 1106
قافلاً مع الحجاج في سنة سبع وستين وستمائة فغلبته عيناه فنام فما انتبه إلا وقد فاته الركب ولم ير أحدًا، فَهَالَه ذلك ولم يدر الطريق ودخل عليه الليل وعاين الهلاك وأيس من الحياة وأنه نادى في الظلام: يا محمداه يا محمداه أنا مستغيث بك، قال: فلم أتم الكلام حتى سمعت قائلاً يقول لي: أبشر، فنظرت فإذا أنا بشخص لم أتبين وجهه وعليه ثوب أبيض في سواد الليل فأخذ بيدي فلما وقعت يدي في يده زال عني ما كنت أجده من التعب والعطش وأنست به أنسًا عظيمًا ثم سار بي ويده في يدي فلم يزل سائرًا ساعة فبينما أنا كذلك إذ سمعت الحجاج والدليل ينادي بالناس وقد أوقدوا لهم نارًا يهتدون بها فنظرت فغذا أنا براحلتي قدامي واقفة فصحت من فرحي بها فلما صحت نزع ذلك الشخص يده من يدي وقال: دونك راحلتك، ثم رفعني فوضعني عليها وتركني وولى وهو يقول: نحن لا نخيب من طلبنا واستغاث بنا فعلمت بذلك أنه النبي ﷺ فرأيت أنواره وهو ذاهب تلوح في ظلام الليل وقد لحقني من الشدة شيء عظيم كيف لم أقبل يديه ورجليه، فليس فيه أنه رآه مع احتمال كونه ملك، أو تأويل قوله: نحن لان نخيب إلى آخره، ولأجل ما طرق هذه الحكايات من الاحتمال فمن نسب من أجلها العز ابن عبد السلام وأبى الحسن الشاذلي وابن عطاء الله القول بالرؤية يقظة لموافقتهم عليها، فقد أخطأ. وقد انتقد الشيخ سراج الدين البلقيني من حكاية ابن عطاء الله وضعف أبا العلم ياسين بأنه أحد اصحاب العارف بالله محيى الدين بن عربي فقال كما قرأته بخطه: أخطأ مصنف هذا الكتاب في وصف ابن عربي بأنه عارف بالله، لأن ابن عربي المذكور من أجهل الجاهلين بالله، لقد جهل جهلاً قبيحًا وضل ضلالاً
стр. 1107
بعيدًا، لم يأت أحد في أنواع الضلالة والكفر بما أتى به وكتبه محشوة بذلك وأخبر عن العلماء الأثبات بذلك وكتبنا ذلك لئلا يغتر به من يقف عليه والنصيحة مطلوبة ثم على ما قررته به يكون معنى فسيراني في اليقظة أي يتصور مشاهدتي وينزل نفسه حاضرًا معي، بحيث لا يخرج عن آدابه وسننه ﷺ بل يسلك منهاجه ويمشي على شريعته وطريقته. ومنه قوله ﷺ في الإحسان: "أن تعبد الله كأنك تراه" ويحمل العموم فيمن رآني على وإليه يشير بعض قول المعتمدين أي من رآني رؤية، معظم لحرمتي، ومشتاق لمشاهدتي وصل إلى رؤية محبوبه وظفر بكل مطلوبه.
إذا علم هذا فقد تتراءى بعض الحور العين في اليقظة لبعض المجاهدين.
روينا في الجزء الثامن من الغيلانيات من حديث عبد الرحمن بن
стр. 1108
يزيد بن معاوية قال: قال لي رجل ونحن نسير في أرض الروم أخبر أبا حازم ـ يعني سلمة ابن دينار ـ التابعي الشهير من شأن صاحبنا الذي رأى في العنب ما رأى ـ فقال الرجل لعبد الرحمن: بل أخبره فقد سمعت منه، فقال عبد الرحمن: نعم مررنا بكرم فقلنا لرجل: خذ هذه السفرة فاملأها من هذا العنب ثم أدركنا في المنزل فلما دخل الرجل الكرم نظر إلى امرأة على سرير من ذهب من الحور العين فغض عنها بصره ثم نظر في ناحية الكرم، فإذا هو بأخرى مثلها، فغض عنها بصره، فقالت له: انظر فقد حل لك النظر فإني والتي رأيت زوجتاك من الحور العين، وأنت تأتينا يومًا في هذا، فرجع إلى اصحابه ولم يأتهم بشيء، فقلنا له: مالك أجننت، فراينا له حالاً غير الحال التي فارقناه عليها من نور وجهه وحسن حاله، فسألناه: ما منعك من ذلك؟ واستعجم علينا حتى أقسمنا عليه فقال: إني لما دخلت الكرم وقص القصة، فما أدري أكان ذلك أسرع أو استنفر الناس العدو فأمرنا به إنسانًا يمسك دابته حتى أسرجنا ثم ركب وركبنا رجاء أن نصيب الشهادة معه فتقدم بين أيدينا، وكان أول الناس استشهد يومئذٍ.
ومن طريق عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال: حدثنا ابن أبي زكريا ـ يعني عبد الله الفقيه الدمشقي ومعنا مكحول أن رجلاً مر بكرم من أرض الروم فقال لغلامه: أعطني مخلاتي حتى آتيكم من هذا العنب، فأخذها ثم دفع فرسه فبينما هو في الكرم إذا هو بامرأة على مثل لم ير مثلها قط فلما رآها صد عنها فقالت: لا تصد عنا فإني زوجتك وامض أمامك فسترى ما هو أفضل مني، فمضى فإذا هو بأخرى فقالت له مثل
стр. 1109
ذلك، وأظنه أبا مخرمة، قال عبد الرحمن بن يزيد: فأخبرني عطاء بن قرة السلولي قال: كنا مع أبي مخرمة السعدي فما عدا أن جاءنا من ذلك العنب فوضعه ودعا بقرطاس ودواة، فكتب وصيته فلما رآه أبو كريب الغساني كتب وصيته ثم قام مقاتل الليثي فكتب وصيته، ثم قام ابن أبيعمار فكتب وصيته ثم قام عوف اللخمي فكتب وصيته ثم لقينا برجان فما بقي أحد من هؤلاء الخمسة إلا قتل، قال: ولم نكتب نحن وصايانا فلم نقتل.
ومن حديث الحسن بن عبد العزيز يعني الجروي يعني أبي علي المصري قال: حدثنا أبو حفص قال: سمعت سعيدًا يقول: لا نعلم أحدًا رأى الحور العين عيانًا إلا في المنام إلا ما كان من أبي مخرمة فإنه دخل كرمًا لبعض حجاته فرأى الحور عيانًا في قبتها على سريرها، فلما رآها صرف وجهه عنها، فقالت: إلى يا ابا مخرمة فإني زوجتك، وهذه زوجة فلان، زوجة فلان، زوجة فلان، فانصرف إلى أصحابه فأخبرهم فكتبوا وصاياهم ولم يكتب أحد وصيته إلا استشهد". وروينا في رابع فوائد تمام بسند ضعيف عن أبي سابط عبد الرحمن عن جابر رفعه: "حدثوا عن بني إسرائيل فإنه كانت فيهم الأعاجيب وأنشأ ﷺ يحدث، قال: خرجت طائفة من بني إسرائيل حتى أتوا مقبرة من مقابرهم فقالوا: لو صلينا ودعونا الله يخرج لنا رجلاً ممن قد مات فنسائله عن الموت ففعلوا، فبينما هم كذلك إذ طلع رل رأسه من قبر من تلك المقابر بين
стр. 1110
عينيه أثر السجود فقال: يا هؤلاء ما أردتم إني لقد مت من مائة عام فما سكنت روعتي من حرارة الموت فادعوا الله أن يردني كما كنت". ونحوه ما رويناه في "كرامات الأولياء" للخلال عن أبي يوسف الغسولي قال: كنت مع إبراهيم بن أدهم فدخل عليَّ يومًا فقال: يا غسولي! لقد رأيت اليوم عجبًا. قلت: وما ذاك يا أبا إسحاق؟ قال: وقفت على قبر من هذه المقابر فانشق لي عن شخص خضيب فقال لي: يا إبراهيم سل فإن الله أحياني من أجلك، قال: ما فعل الله بك؟ قال: لقيت الله بعمل قبيح، فقال لي: غفرت لك بثلاث: لقيتني وأنت تحب من أحب، ولقيتني وليس في صدرك مثقال ذرة من شراب حرام، ولقيتني وأنت خضيب، وأنا أستحيى من الخضيب أن أعذبه بالنار، قال: والتأم القبر على الرجل قال الغسولي: فقلت: يا أبا إسحاق ألا تدفعني على هذا القبر؟ قال: ويحك يا غسولي عامل الله تعالى يريك العجائب.
وأما الملائكة ﵈، فقد ثبت رؤية غير واحد لهم بل كانت تصاح عمران بن حصين ﵁ قبل أن يكتوي.
وقال ابو هبيرة: كنت أصلي على النبي ﷺ وعيناي مطبقتان ـ فرأيت من خلفي كأسًا ملئت بمداد أسود صلاتي على النبي ﷺ في قرطاس وأنا أنظر مواقع الحروف في ذلك القرطاس ففتحت عيني لأنظره ببصري
стр. 1111
فرأيته وقد توارى عني حتى رأيت بياض يديه. وكذا رؤية غير واحد للجان، بل وقرأ الجان على غير واحد من صالحي العلماء. ورؤية إبليس أيضًا، وذلك مما لا نطيل بإيراده، سيما وقد روينا عن الشافعي أنه قال: من زعم من أهل العدالة أنه يرى الجن بطلت شهادته، لأن الله تعالى يقول: "إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم) إلا أن يكون نبيًا. وليس ذكر المسألة من عرضنا هنا.
وأما رؤية نبينا ﷺ لمن شاء الله من الأنبياء ليلة الإسراء فحمله بعض العلماء على رؤية أرواحهم إلا عيسى ﵇ لما ثبت أنه رفع بجسده وكذا قيل به في إدريس ﵇ أيضًا، ومال إليه شيخنا، ولا يعارض ما صح عنه ﷺ قال: "رأيت موسى ليلة أسري بي قائمًا يصلي في قبره" إذ يجوز أن يكون لروحه اتصال بجسده في الأرض فذلك يتمكن في الصلاة وروحه مستقرة في السماء، وجزم أبو الوفاء ابن عقيل بأن أرواحهم مشكلة باشكال أجسادهم، وأما الذين صلوا معه في بيت المقدس فيحتمل الأرواح خاصة، ويحتمل الأرواح بأجسادها، وهل ذلك قبل العروج أو بعده؟ قال شيخنا: الأظهر الأول، ثم صعد منهم إلى السماوات من ذكر أنه ﷺ رآه، والمسألة محتملة للبسط. وقد صنف البيهقي: "حياة الأنبياء في قبورهم". والله المستعان.
стр. 1112
٣١٦ - سئلت عن أصل عمل المولد الشريف ؟
فأجبت: لم ينقل عن أحد من السلف الصالح في القرون الثلاثة الفاضلة، وإنما حدث بعد، ثم ما زال أهل الإسلام في سائر الأقطار والمدن العظام يحتفلون في شهر مولده ﷺ وشرف وكرم يعملون الولائم البديعة المشتملة على الأمور البهجة الرفيعة، ويتصدقون في لياليه بأنواع الصدقات، ويظهرون السرور، ويزيدون في المبرات بل يعتنون بقراءة مولده الكريم وتظهر عليهم من بركات كل فضل عميم بحيث كان مما جرب قاله الإمام شمس الدين ابن الجزري: ومن خواصه أنه أمان تام في ذلك العام ويسوي بعجل حينئذ بما ينبغي ويرام وأكثرهم بذلك عناية أهل مصر والشام، ولسطلان مصر في تلك الليلة من العام أعظم عام، قال: ولقد حضرت في سنة خمس وثمانين وسبعمائة ليلة مولد عند الملك الظاهر برقوق ﵀ بقلعة الجبل فرأيت ما هالني فيه، حرزت ما أنفق في تلك الليلة على القراء والحاضرين من الوعاظ والمنشدين وغيرهم بنحو عشرة آلاف مثقال من الذهب العين ما بين خلع ومطعوم ومشروب ومشموم وشموع وغير ذلك وعددت في ذلك المجلس خمسًا وعشرين جوقة من القراء الصبيان ولم ينزل واحد منهم إلا بنحو عشرين خِلعة من السلطان والأمراء يعني من الخلع الفاخرة البهية ثم لم يزل ملوك مصر خدام الحرمين الشريفين ممن وفقهم الله لهدم كثير من ... ونظروا في أمر رعيتهم كالوالد لولده وأشهروا أنسهم بالعدل وأسعفهم المولى بجنده
стр. 1113
ومدده كالملك السعيد الشهيد الظاهر أبي سعيد جمقمق ويعتنون ويتوجهون طريق سنته بحيث أنه ثبت حرف القراء في أيام تتعين للرفادة على ثلاثين فذكروا بكل جميل وكفوا من المهمات كل عريض طويل وأما ملوك الأندلس والمغرب فلهم فيه ليلة يسير بها الركبان يجمع فيها أئمة العلماء من كل مكان ويعلواب بها بين أهل الكفر به الإيمان وأهله بمكه فيتوجهون إلى المكان المتواتر بين الناس أنه محل مولده وهو في سوق الليل رجاء بلوغ كل منهم بذلك لقصده ويزيد اهتمامهم به على يوم العيد حتى لم يتخلف عنه أحمد من صالح ولا طالح ومقل وسعيد، وكان للملك المظفر صاحب إربل كذلك فيها أتم عناية واهتمامًا بشأنه، جاوز الغاية، اثنى عليه به العلامة أبو شامة أحد شيوخ النووي الفائق في الاستقامة في كتاب الباعث على إنكار البدع والحوادث وقال: مثل هذا الحسن يتقرب إليه ويشكر فاعله ويثنى عليه. زاد ابن الجزري: ولو لم يكن في ذلك إرغام الشيطان وسرور أهل الإيمان، قال: وإذا كان أهل الصليب اتخذوا ليلة مولد نبيهم عيدًا أكبر فأهل الإسلام أولى بالتكريم وأجدر.
قلت: بل خرج شيخنا شيخ مشايخ الإسلام خاتمة الأئمة الأعلام
стр. 1114
فعله على أصل ثابت وهو ما ثبت في الصحيحين من أنه ﷺ دخل المدينة فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء، فسألهم فقالوا: هو يوم أغرق الله فيه فرعون ونجي موسى ﵇، فنحن نصومه شكرًا لله ، فقال ﷺ : "فأنا أحق بموسى ﵇ منكم، فصامه وأمر بصيامه، وقال: إن عشت إلى قابل ... الحديث". قال شيخنا: فيستفاد منه فعله الشكر لله تعالى على ما من به في يوم معين من إسداء نعمة أو دفع نقمة ويعاد ذلك في نظير ذلك اليوم من كل سنة، والشكر لله تعالى يحصل بأنواع العبادة، كالسجود والصيام والتلاوة، وأي نعمة أعظم من النعمة ببروز هذا النبي ﷺ في ذلك اليوم، وعلى هذا ينبغي أن يقتصر فيه على ما يفهم الشكر لله تعالى من نحو ما ذكر، أما ما يتبعه من السماع واللهو وغيرهما فينبغي أن يقال: ما كان من ذلك مباحًا بحيث يعين السرور بذلك اليوم، فلا باس بإلحاق ومهما كان حرامًا أو مكروهًا فيمنع، وكذا ما كان خلاف الأولى.
стр. 1115
قلت: ولما كان الزاهد القدوة المعمر أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن جماعة بالمدينة النبوية كان يعمل طعامًا في المولد النبوي ويطعم الناس ويقول: لو تمكنت عملت بطول الشهر كل يوم مولدًا انتهى.
ولأجل ما انضم إليه من المناكير أطال ابن الحاج في مدخله في تقبيح فعله ومنع الظاهر جقمق ﵀ من فعله بطِنتدا.
قال شيخنا: ثم ينبغي أن يتحرى اليوم بعينه وإن كان ولد ليلاً فليقع الشكر بما يناسب الليل كالإطعام وإن كان ولد نهارًا فبما يناسبه كالصيام، ولابد أن يكون ذلك اليوم من عدد أيام ذلك الشهر بعينه حتى يطابق قصة موسى عليه السالم في يوم عاشوراء ومن لم يلاحظ ذلك لا يبالي بعمل المولد في أي يوم من الشهر بل توسع قوم فنقلوه إلى يوم من السنة وفيه ما فيه.
قلت: كان مولده الشريف على الأصح ليلة الاثنين الثاني عشر من شهر ربيع الأول، وقيل: لليلتين خلتا منه، وقيل: لثمان وقيل: لعشر وقيل غير ذلك وحينئذ فلا بأس بفعل الخير في هذه الأيام والليالي على حسب الاستطاعة بل يحسن في أيام الشهر كلها ولياليه.
стр. 1116
وأما قراءة المولد ينبغي أن يقتصر منه على ما أورده أئمة الحديث في تصانيفهم المختصة به، كالمورد الهني للعراقي، وقد حدثت به في المحل المشار إليه بمكة، وغير المختصة به بل ذكر ضمنًا: كدلائل النبوة للبيهقي، وقد ختم عليَّ بالروضة النبوية لأن أكثر ما بأيدي الوعاظ منه كذب واختلاف، بل لم يزالوا يولودون فيه ما هو أقبح وأسمج مما لا تحل روايته ولا سماعه، بل يجب على من علم بطلانه إنكاره الأمر بترك قراءته على أنه لا ضررة إلى سياق ذكر المولد، بل يكتفي بالتلاوة والإطعام والصدقة، وإنشاد شيء من المدائح النبوية والزهدية المحركة للقلوب إلى فعل الخير والعمل للآخرة والله يهدي من يشاء.
стр. 1117
٣١٧ - مسألة: قول القائل: إن تأخير السيد يعقوب ﵊ الاستغفار لبنيه لوقت السحر التماسًا للاستجابة أيعترض بأن دعوات الأنبياء في كل وقت مستجابة، أو يجاب بأن قوله ﷺ : "لكل نبي دعوة مستجابة" يقتضى تخلف الإجابة، ما تحقيق الأم ر في ذلك؟
الجواب: ليس إرجاء السيد يعقوب ﵇ إياهم لوقت السحر حسبما جاء عن جماعة من الصحابة وغيرهم أو لليلة الجمعة على المرجوح بتخمين في ذلك بل يجوز أن يكون بوحي لامتياز هذا الوقت على غيره وشرف هذه الليلة سيما وهو متضمن للتأديب لهم وما وقع من القائل مسبوق به فقد ذكر بعض الأئمة أن المراد بالإجابة في الدعوى المشار إليها القطع بها وما عداها من دعواتهم فهو على الرجاء فحالهم ﵈ في ذلك بين الخوف والرجاء، وبعضهم إلى أن المراد بأن لكل منهم دعوة مجابة مستجابة في امته إما بإهلاكهم وإما بنجاتهم، وأما الدعوات الخاصة، فمنها ما يستجاب ومنها ما
стр. 1118
لا يستجاب وقد خير ﷺ كما قال القاضي عياض في الشفاء أنه سأل لأمته أشياء من أمور الدين والدنيا أعطي بعضها ومنع بعضها وبالجملة فاللائق عدم الخوض في هذا المقام سيما بحضرة من لا يفهم الكلام وبالله التوفيق.
٣١٨ - مسألة: لا شك أنه ﷺ كان عالمًا ببراءة عائشة ﵂ بحيث قال: "والله ما أعلم على أهلي إلا خيرًا ولقد ذكروا لي رجلاً والله ما علمت عليه إلا خيرًا ولا كان يدخل على أهلي إلا معي " ولكن تأخيره للإعلام بذلك فيما يظهر ليستعلم في تلك المدة من في قلبه مرض من النفاق ونحوه بخضوهم فيه ولتكون الحجة ي وقفة من الرب مع العلم بأنه لا ينطق عن الهوى، ولما هم علي ﵁ مقصد الشارع ﷺ مشي فيما يكون محركًا للمنافقين ليحذر بنياتهم ويعلم التائب والمزلزل حين قال: لم يضيق الله عليك والنساء سواها كثير واسأل الجارية تصدقك بل ضيق عليها بحيث فهمت الصديقة من هذا كله تسليمه وشأنها، وحاشاه من ذلك سيما "مسلما" روي ضبطه فتح اللام
стр. 1119
وذلك يقضتي سلامته من ذلك. نعم روي بلفظ "مسيئًا" وهو مؤيد بكسر اللام بل عند البيهقي في الدلائل أن عائشة سألت مسروقًا عن أمر ذي الثدية أصابه علي ﵁ وذكر القصة، وفيها قولها: لعن الله فلانًا فإنه كتب إلي أنه أصابهم بنيل مصر ثم أرخت عينيها فلما سكنت عبرتها قالت: رحم الله عليًا لقد كان على الحق وما كان بيني وبينه إلا كما يكون بين المرأة وأحمائها.
وروينا في المنامات لابن أبي الدنيا من حديث جرير قال: رأيت النبي ﷺ وعلى وعائشة بين يديه يختصمان فيما كان بينهما. ومن حديث المطلب ابن زياد بإسناد لم نحفظه قال: قال رسول الله ﷺ لعلي وعائشة: "أما إنه سيكون بينكما أمر أما أن الله سيغفر لكما" وأما قول الوليد بن عبد الملك ومروان للزهري: أن عليًا كان ممن قذفها. وفي لفظ: هو الذي تولى كبره منهم، فقد رده عليه الزهري. بل قال شيخنا ﵀ في فتح الباري: وكان بعض من لا خير فيه من الناصبة تقرب لبني أمية بهذه الكذبة فحرفوا قول عائشة إلى غير وجهه لعلمهم بانحرافهم عن علي فظنوا صحته حتى بين الزهري للوليد أن الحق خلاف وأن الذي تولى كبره عبد الله بن أبي، بل رده أيضًا على أخيه هشام بن عبد الملك فجزاه الله خيراً
стр. 1120
على أنه قد قيل في توجيه ما صدر من علي سوى ما أسلفته ابتكارًا مما يرجع لملاحظة جانب النبي ﷺ أيضًا بالجملة فالواجب الكف عن هذا سيما بحضرة كثير من العوام ومن لا يعرف مراتب الصحابة الكرام لما أمرنا من الإمساك عما شجر بينهم، وتأويله يما يندفع به تنقيص لهم والله الهادي.
٣١٩ - سئلت: هل صعد النبي ﷺ جبل أبي قبيس ؟
فأجبت: قد صعد ﷺ على الصفا وهو من جبل أبي قبيس بأسفله وارتقى إلى أعلاه ليس ببعيد بل يرون أن انشقاق القمر كان على أبي قبيس وأن به قبر آدم ﵇ على أحد الأقوال وهو أحد مواطن إجابة الدعاء وأقرب الجبال إلى الكعبة، وأول جبل وقع في الأرض إلى غيرها من الفضائل المرغبة في صعوده، وبالغ بعضهم بفضله على جبل حراء ولكن هذا مردود لكونه ﷺ كان يكثر إتيان حراء ولم يتفق لغيره من الجبال أبي قبيس وغيره ما اتفق له ﷺ في حراء من الإكثار وقد صعده غير واحد من الصحابة، منهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵃. وروى أبو نعيم في «الحلية» في ترجمة أويس القرني أنه صعده فنادى بأعلى صوته: يا أهل الحجيج من أهل اليمن! هل فيكم أويس من مراد؟ وذكر القصة. وروى ابن إسحاق في «المغازي» بإسناد صحيح عن أسماء ابنة أبي بكر ﵂ قالت: لما كان يوم [الفتح] ونزل النبي ﷺ ذا
стр. 1121
طوى قال أبو قحافة والد أبي بكر الصديق ﵄ وهو جدها لابنة له كانت من أصغر ولده: أي بنية! أشرفي على أبي قبيس أي بنية أشرفي على أبي قبيس وكان قد كف بصره فأشرفت به عليه فذكر الحديث بطوله.
ولاختصاصه بالقرب من البيت والمسجد وكون المتوجه كرؤية الهلال لا يمنعه من اشتغاله ومزيد شرفه كان أهل مكه يتراءونه عاليًا، ويقال: إن من خواصه أن من أكل عليه الرأس المشوي يأمن أوجاع الرأس بحيث كان كثير من الناس يفعل هذا ولكنه بطل وعوض عنه بأكل الفول والكراث يوم اسبت وكلاهما بدعة. والله الموفق.
فائدة: الأماكن التي قيل باليقين أو التخمين أن النبي ﷺ صلى بها فيما حول الكعبة خلف المقام مقابل الحجر الأسود على حاشية المطاف من غير سترة بينه وبين الطائفين بحيث يكون مستثنى من النهي عن المرور مقابل باب الكعبة بحيثيكون المقام خلف ظهره الحفرة المنخفضة المرحة بين الركن الشامي والحفرة المشار إليها مقابل الركن الشامي الغربي بحيث يكون باب العمرة خلف ظهره من غير سترة بينه وبين الطائفين أيضًابين الركنين اليمانيين عند الرخامة المكتوبة عليها جانب الركن اليماني عند المستجار الحجر.
فائدة: الأماكن المستجاب فيها الدعاء بمكة وأعمالها وهي نيف وأربعون موضعًا: عند الدخول من باب بني شيبة وهو المسمى باب السلام، وفي جوف الكعبة، وعند الحجر الأسود، بل الأركان الأربعة، وبين الشامي واليماني وهو المستجار، وبين الأسود والمقام، وفي الطواف، والملتزم، وتحت الميزاب، وخلف المقام، وعند زمزم، وعلى
стр. 1122
الصفا وعلى المروة، وفي المسعى بينهما، بل وبباب الصفا وباب النبي ﷺ وهو باب الجنائز، وباب إبراهيم وهو باب الرمادة التي بجانب المسجد الغربي، وعلو جبل أبي قبيس، وفي دار أم المؤمنين خديجة ليلة الجمعة، وفي محل المولد النبوي يوم الإثنين عند الزوال، وفي دار الخيززان عند الحزبين العشائين، وفي المتكي ولعله بأجياد غداة الأحد، وفي حراء، وفي جبل الثور عند الظهر، وبعرفات وتحت السدرة بها وقت الزوال، وفي جمع وهي المزدلفة، وفي منى، ومسجد الخيف، ومسجد النحر ببطن منى، ومسجد الكبش ومسجد البيعة وهو من وراء العقبة التي هي حد منى، ومسجد الشجر التي كانت تحتها بيعة الرضوان بالحديبية، وبغار المرسلات وعند الجمرات الثلاث مما لا ينافيه في الكبرى عدم الوقوف عندها وفي مغارة الفتح وهو الموضع الذي يقال له: صخرة عائشة بمنى ويقال: وهو الجبل الذي يلحقه بحارة الفتح.
стр. 1123
٣٢٠ - مسألة: في الترغيب في الوقوف بعرفة إذا كان يوم جمعة .
ذكر رزين في جامعة في المرفوع أن النبي ﷺ قال: "خير يوم طلعت عليه الشمس يوم عرفة إذا وافق يوم جمعة وهو أفضل من سبعين حجة في غيرها" وهذا شيء انفرد رزين بإيراده، ولم يذكر صحابيه ولا من خرجه والله أعلم.
فإن كان له أصل احتمل أن يراد بالسبعين التحديد أو المبالغة وعلى كل حال فتثبت المزيد بذلك، سيما وقد استدل باتفاق كون يوم عرفه في حجة الوداع يوم الجمعة على مزية الوقوف بعرفة يوم الجمعة على غيره من الأيام وأن الأعمال تشرف بشرف الأزمنة كالأمكنة ويوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع لما ثبت في صحيح مسلم مرفوعًا: "خير يوم طلعت فيه
стр. 1124
الشمس يوم الجمعة" وفي الباب عند زيد بن أرقم رفعه: "خير أيامكم يوم الجمعة" وعن أنس: "أفضل أيامكم يوم الجمعة" وفي لفظ: "من أفضل" وعن أبي لبابة ابن عبد المنذر: "يوم الجمعة سيد الأيام وأعظمها عند الله من يوم الأضحى والفطر" إلى غيرها من الأحاديث، ولأن في الجمعة الساعة المستجاب فيها الدعاء ولا سيما على قول من قال: إنها بعد العصر، وأما ما يقال: أنه يروى في المرفوع: "إذا كان يوم عرفة يوم الجمعة غفر الله لجميع أهل الموقف" فما وقفت عليه، ولكن عموم المغفرة للواقفين مطلقًا ثبت في أحاديث حتى أن شيخنا ضعف لأجل شمولة المظالم قوة الحجاج في عموم المغفرة للحاج، وبالجملة فقد حكى العز ابن جماعة عن والده البدر: أنه لا مرية للجمعة على غيرها من إسقاط الفرض قال: وسأله بعض الطلبة، فقال: قد جاء أن الله يغفر لجميع أهل الموقف مطلقًا فما وجه تخصيص يوم لجمعة؟ أي بما ذكر، فأجابه بأنه يحتمل أن الله تعالى يغفر لجميع أهل الموقف في يوم الجمعة بغير واسطة وفي غير يوم الجمعة يهب قومًا لقوم انتهى.
وتسمية يوم عرفة الحج الأكر كأنه بالنظر ليوم الجمعة فإنه يروى أنه حج المساكين بل يروى أن يوم الحج الأكبر هو يوم حج أبو بكر بالناس،
стр. 1125
ولكن روي أيضًا: "يوم النحر يوم الحج الأكبر" استفيض بين الغوغاء كراهة المكيين كوقفه الجمعة ونظيرهم بها، وهذا ليس بصحيح عنهم، ولكن لما كان الغوغاء من الحجيج يتسارعون إلى زعم رؤية الهلال على الوجه المقتضي كون الموقف الجمعة لكي يثبت القضاة عدول مكة في ذلك تحريمهم في شأنه فنسبوهم بهذا.
следующие страницы →