Полный текст (1 198 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.
стр. 1121
طوى قال أبو قحافة والد أبي بكر الصديق ﵄ وهو جدها لابنة له كانت من أصغر ولده: أي بنية! أشرفي على أبي قبيس أي بنية أشرفي على أبي قبيس وكان قد كف بصره فأشرفت به عليه فذكر الحديث بطوله.
ولاختصاصه بالقرب من البيت والمسجد وكون المتوجه كرؤية الهلال لا يمنعه من اشتغاله ومزيد شرفه كان أهل مكه يتراءونه عاليًا، ويقال: إن من خواصه أن من أكل عليه الرأس المشوي يأمن أوجاع الرأس بحيث كان كثير من الناس يفعل هذا ولكنه بطل وعوض عنه بأكل الفول والكراث يوم اسبت وكلاهما بدعة. والله الموفق.
فائدة: الأماكن التي قيل باليقين أو التخمين أن النبي ﷺ صلى بها فيما حول الكعبة خلف المقام مقابل الحجر الأسود على حاشية المطاف من غير سترة بينه وبين الطائفين بحيث يكون مستثنى من النهي عن المرور مقابل باب الكعبة بحيثيكون المقام خلف ظهره الحفرة المنخفضة المرحة بين الركن الشامي والحفرة المشار إليها مقابل الركن الشامي الغربي بحيث يكون باب العمرة خلف ظهره من غير سترة بينه وبين الطائفين أيضًابين الركنين اليمانيين عند الرخامة المكتوبة عليها جانب الركن اليماني عند المستجار الحجر.
فائدة: الأماكن المستجاب فيها الدعاء بمكة وأعمالها وهي نيف وأربعون موضعًا: عند الدخول من باب بني شيبة وهو المسمى باب السلام، وفي جوف الكعبة، وعند الحجر الأسود، بل الأركان الأربعة، وبين الشامي واليماني وهو المستجار، وبين الأسود والمقام، وفي الطواف، والملتزم، وتحت الميزاب، وخلف المقام، وعند زمزم، وعلى
стр. 1122
الصفا وعلى المروة، وفي المسعى بينهما، بل وبباب الصفا وباب النبي ﷺ وهو باب الجنائز، وباب إبراهيم وهو باب الرمادة التي بجانب المسجد الغربي، وعلو جبل أبي قبيس، وفي دار أم المؤمنين خديجة ليلة الجمعة، وفي محل المولد النبوي يوم الإثنين عند الزوال، وفي دار الخيززان عند الحزبين العشائين، وفي المتكي ولعله بأجياد غداة الأحد، وفي حراء، وفي جبل الثور عند الظهر، وبعرفات وتحت السدرة بها وقت الزوال، وفي جمع وهي المزدلفة، وفي منى، ومسجد الخيف، ومسجد النحر ببطن منى، ومسجد الكبش ومسجد البيعة وهو من وراء العقبة التي هي حد منى، ومسجد الشجر التي كانت تحتها بيعة الرضوان بالحديبية، وبغار المرسلات وعند الجمرات الثلاث مما لا ينافيه في الكبرى عدم الوقوف عندها وفي مغارة الفتح وهو الموضع الذي يقال له: صخرة عائشة بمنى ويقال: وهو الجبل الذي يلحقه بحارة الفتح.
стр. 1123
٣٢٠ - مسألة: في الترغيب في الوقوف بعرفة إذا كان يوم جمعة .
ذكر رزين في جامعة في المرفوع أن النبي ﷺ قال: "خير يوم طلعت عليه الشمس يوم عرفة إذا وافق يوم جمعة وهو أفضل من سبعين حجة في غيرها" وهذا شيء انفرد رزين بإيراده، ولم يذكر صحابيه ولا من خرجه والله أعلم.
فإن كان له أصل احتمل أن يراد بالسبعين التحديد أو المبالغة وعلى كل حال فتثبت المزيد بذلك، سيما وقد استدل باتفاق كون يوم عرفه في حجة الوداع يوم الجمعة على مزية الوقوف بعرفة يوم الجمعة على غيره من الأيام وأن الأعمال تشرف بشرف الأزمنة كالأمكنة ويوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع لما ثبت في صحيح مسلم مرفوعًا: "خير يوم طلعت فيه
стр. 1124
الشمس يوم الجمعة" وفي الباب عند زيد بن أرقم رفعه: "خير أيامكم يوم الجمعة" وعن أنس: "أفضل أيامكم يوم الجمعة" وفي لفظ: "من أفضل" وعن أبي لبابة ابن عبد المنذر: "يوم الجمعة سيد الأيام وأعظمها عند الله من يوم الأضحى والفطر" إلى غيرها من الأحاديث، ولأن في الجمعة الساعة المستجاب فيها الدعاء ولا سيما على قول من قال: إنها بعد العصر، وأما ما يقال: أنه يروى في المرفوع: "إذا كان يوم عرفة يوم الجمعة غفر الله لجميع أهل الموقف" فما وقفت عليه، ولكن عموم المغفرة للواقفين مطلقًا ثبت في أحاديث حتى أن شيخنا ضعف لأجل شمولة المظالم قوة الحجاج في عموم المغفرة للحاج، وبالجملة فقد حكى العز ابن جماعة عن والده البدر: أنه لا مرية للجمعة على غيرها من إسقاط الفرض قال: وسأله بعض الطلبة، فقال: قد جاء أن الله يغفر لجميع أهل الموقف مطلقًا فما وجه تخصيص يوم لجمعة؟ أي بما ذكر، فأجابه بأنه يحتمل أن الله تعالى يغفر لجميع أهل الموقف في يوم الجمعة بغير واسطة وفي غير يوم الجمعة يهب قومًا لقوم انتهى.
وتسمية يوم عرفة الحج الأكر كأنه بالنظر ليوم الجمعة فإنه يروى أنه حج المساكين بل يروى أن يوم الحج الأكبر هو يوم حج أبو بكر بالناس،
стр. 1125
ولكن روي أيضًا: "يوم النحر يوم الحج الأكبر" استفيض بين الغوغاء كراهة المكيين كوقفه الجمعة ونظيرهم بها، وهذا ليس بصحيح عنهم، ولكن لما كان الغوغاء من الحجيج يتسارعون إلى زعم رؤية الهلال على الوجه المقتضي كون الموقف الجمعة لكي يثبت القضاة عدول مكة في ذلك تحريمهم في شأنه فنسبوهم بهذا.
стр. 1126
٣٢١ - سئلت: هل ورد: "تكفل الله لطالب العلم برزقه ؟ ".
فأجبت: هو في العلم للمرهبي ومسند الفردوس للديلمي من حديث زياد بن الحارث الصدائي أن النبي ﷺ قال: "منطلب العلم تكفل الله برزقه" وسنده ضعيف. لكن له شواهد، ففي مسند أبي حنيفة عن عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي أن النبي ﷺ قال: "من تفقه في دين الله كفاه الله همه ورزقه من حيث لا يحتسب" وأورده البخاري في تاريخه ثم ابن عبد البر كلاهما من جهته. وفي جامع العلم لابن عبد البر عن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: "من غدا في طلب العلم صلت عليه الملائكة وبورك له في معيشته ولم ينقص رزقه وكان مباركًا عليه" وكذا قال كعب الأحبار مما عنده أيضًا: ما خرج رجل في طلب علم إلا ضمن الله السماوات والأرض رزقه. ولله الفضل.
стр. 1127
٣٢٢ - سؤال: في صلاة النبي ﷺ خلف أبي بكر وعبد الرحمن بن عوف من رواها وهل صلى خلف غيرهما ؟
والجواب: أن صلاته ﷺ خلف كل منهما ثابتة، فابن عوف بلا خوف، والصديق على الأصح ويلتئم اختلاف الروايات في صلاة أبي بكر بالتعدد بحيث كان في المرة الأولى منها التي يكمل منها ركعة امتنع أن أبا بكر إمامًا وحيثكان في الأخرى التي في مرض موت النبي ﷺ واستمر حتى صلى خلفه الركعة الثانية من صلاة الصبح كما صرح به موسى ن عقبة فكأنه مضى معظم الصلاة، حتى الاستمرار ولما أن لم يمض منها إلا اليسير وكذا وقع لابن عوف حيث صلى النبي ﷺ خلفه الركعة الثانية من الصبح فإنه استمر في صلاته إمامًا لهذا أفاده شيخنا. وهذه نبذة من اختلاف الروايات فروى سيف عن محمد بن إسحاق عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس ﵄ قال: لم يصل النبي ﷺ خلف أحد من أمته صلاة تامة إلا خلف أبي بكر وصلى خلف عبد الرحمن بن عوف ركعة. وعن هلال بن عامر عن رافع بن محمد عن أبيه نحوه انتهى. وصلاته ﷺ خلف أبي بكر ثابتة من حديث موسى بن أبي عائشة عن عبيد الله بن عبد الله بن عائشة، وإليها أشار البيهقي بقوله: وفي هذه الرواية الصحيحة
стр. 1128
أنه ﷺ تقدم في تلك الصلاة، وعلق أبو بكر صلاته بصلاته، قال: وكذلك رواه الأسود بن زيد وابن أختها عروة بن الزبير عنها، وكذلك رواه الأرقم بن شرحبيل عن ابن عباس، ثم ذكر من طريق أسامة بن سوار حدثنا شعبة، عن نعيم بن أبي هند عن أبي وائل عن مسروق عن عائشة قالت: صلى النبي ﷺ في مرضه الذي مات فيه خلف أبي بكر قاعدًا. ومن طريق مسلم بن إبراهيم عن شعبة عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عنها أن النبي ﷺ صلى خلفه. ومن طريق هشيم أخبرنا يونس عن الحسن قال. وأخبرنا حميد عن أنس أنه ﷺ خرج وهو في بردة قد خالف بين طرفيها وأبو بكر يصلي بالناس فجلس إلى جنبه فصلى بصلاته.
ومن طريق ابن أب مريم حدثنا محمد بن جعفر بن أبي كثير أخبرني حميد أنه سمع أنسًا يقول: آخر صلاة صلاها النبي ﷺ في ثواب واحد متحفًا به خلف أبي بكر ثم قال. كذا قاله محمد بن جعفر ورواه سليمان بن بلال عن حميد عن ثابت عن أنس. وكذلك قاله يحيى بن أيوب عن حميد عن ثابت أنه حدثه عن أنس أن رسول الله ﷺ صلى خلف أبي بكر في ثوب واحد برد مخالفًا بين طرفيه ولما أراد أن يقوم قال: ادعو لي أسامة فجاء فأسند ظهره إلى نحره فكانت آخر صلاة صلاها. ورواية حميد عن ثابت عن أنس عند الترمذي وغيره وكذا النسائي
стр. 1129
لكن بدون ثابت وإلى هذا الاختلاف أشار البيهقي ثم قال: وفي هذا دلالة على أن هذه الصلاة التي صلاها خلف أبي بكر كانت الصبح فإنها آخر صلاة صلاها وهي التي دعى أسامة حين فرغ منها فأوصاه في مسيرة، كما ذكره أهل المغازي يعني قال في مغازي موسى بن عقبة وغيره أن الصلاة التي صلى النبي ﷺ بعضها خلف أبي بكر هي الصبح يوم الإثنين وإليه أشار ثم قال: فالذي يدل عليه هذه الروايات مع ما تقدم أنه ﷺ صلى خلفه في تلك الأيام التي كان يصلي فيها بالناس مرة وصلى أبو بكر خلفه مرة وعلى هذا حمله البيهقي بقوله: وقد ذهب موسى بن عقبة في مغازيه إلى أن النبي ﷺ خرج في صلاة الصبح من يوم الإثنين حتى وقف إلى جنب أبي بكر فصلى خلفه ركعة، فلما سلم أبو بكر أتم ﷺ الركعة الآخرة قال: وكذلك هو في مغازي أبي الأسود وعروة، وذلك يوافق ما رويناه عن حميد عن ثابت عن أنس في صلاة النبي ﷺ خلف أبي بكر، ورواية نعيم بن أبي هند وغيره في حديث عائشة ولا ينافي ما رويناه عن الزهري وغيره عن أنس، ويكون الأمر فيه محمولاً على أنه رآهم وهم صفوف خلف أبي بكر في الركعة الأولى من الصبح فقال: ما حكى هو وابن عباس ثم خرج فأدرك معه الركعة الآخرة، أو خرج فصلى ثم قال: ما حكيا فنقلا بعض الخبر إلى آخر مقاله لا ينافيه ما رواه عبيد الله عن عائشة وابن عباس من أن الصلاة التي صلاها أبو بكر خلفه بعد ما افتتحها بالناس هي الظهر من يوم السبت والأحد على التعدد.
стр. 1130
إذا علم هذا قد اثبت مسلم بن إبراهيم عن شعبة في رواية الاسود عن عائشة صلاته ﷺ خلفه ـ وعند ابن المنذر أيضًا ووقع في رواية ابي داود الطيالسي عن شعبة التي علقها البخاري ووصلها البزار بلفظ: كان النبي ﷺ المقدم بين يدي أبي بكر، وهي موافقة لما أورده البخاري وهما متخالفتان ورواه ابن خزيمة من جهة بندار عن الطيالسي فبين الاختلاف ولفظه عن عائشة: من الناس من يقول: كان أبو بكر المقدم بني يدي رسول الله ﷺ ، المقدم في الصف، ومنهم من يقول: كان النبي ﷺ المقدم وظاهرها أن عائشة لم تشاهد ذلك، وكذا وقع الاختلاف في رواية مسروق عليها أيضًا، فرواه ابن حبان في صحيحه من رواية عاصم عن شقيق عنها بلفظ: كان أبو بكر يصلي بصلاته والناس يصلون بصلاة أبي بكر. وأخرجه الترمذي والنسائي وابن خزيمة كما تقدم من رواية
стр. 1131
شعبة عن نعيم بن أبي هند عن شقيق بلفظ: أن النبي ﷺ صلى خلف أبي بكر. ومع هذا الاختلاف فقد تضافرت الروايات عنها بالجزم هما يدل على أن النبي ﷺ كان هو الإمام في تلك الصلاة منها رواية موسى بن أبي عائشة عن عبيد الله بن عبد الله شيخ الزهري عنها ففيها: فجعل أبو بكر يصلي بصلاة النبي ﷺ والناس بصلاة أبي بكر. وهذه رواية زائدة بن قدامة عن موسى وخالفه شعبة أيضًا فرواه عن موسى بلفظ: أن أبا بكر صلى بالناس ورسول الله ﷺ في الصف خلفه. وإليهما أشار البيهقي كما قدمته، ولأجل هذا الاختلاف اختلف العلماء فسلك بعضهم الترجيح فقدم الرواية التي فيها أن ابا بكر كان مأمومًا للجزم بها، ولأن أبا معاوية أحفظ في حديث الأعمش من غيره، ومنهم من عكس ذلك ورجح أنه كان إمامًا، وتمسك بقول أبي بكر: ما كان لابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي رسول الله ﷺ . ومنهم من سلك الجمع فحمل القصة على التعدد كما سلف عن البيهقي وهو المعتمد. وأجاب عن قول أبي بكر ويتأيد باختلاف النقل عن الصحابة عائشة وابن عباس.
هذا ما أمكن الوقوف الآن عليه في صلاته ﷺ خلف أبي بكر.
стр. 1132
وأما صلاته خلف عبد الرحمن، فثابتة في صحيح مسلم من حديث المغيرة بن شعبة وكذا ذكرها خليفة بن خياط من حديث المغيرة أنه ﷺ صلى خلفه في سفرة سافرها ركعة من صلاة الصبح. وأخرها الشافعي في مسنده قال: أخبرنا مسلم وعبد المجيد بن عبد العزيز عن ابن جريج عن ابن شهاب عن عباد بن زياد أن عروة بن المغيرة أخبره أن المغيرة بن شعبة أخبره أنه غزا مع رسول الله ﷺ غزوة تبوك قال المغيرة: فتبرز رسول الله ﷺ قبل الغائط فحملت معه إدواة قبل الفجر فلما رجع رسول الله ﷺ أخذت أهريق على يديه من الإدارة وهو يغسل يديه ثلاث مرات ثم غسل وجهه ثم ذهب يحسر جبته عن ذراعيه فضاق كما جبته فأدخل يده في الجبة حتى أخرج ذراعيه من أسفل الجبة وغسل ذراعيه إلى المرفقين ثم توضأ ومسح على خفيه ثم أقبل قال المغيرة: فأقبلت معه حتى نجد الناس قد قدموا عبد الرحمن بن عوف قد صلى لهم فأدرك النبي ﷺ إحدى الركعتين معه وصلى مع الناس الركعة الأخيرة فلما سلم عبد الرحمن قام رسول الله ﷺ وأتم صلاته فأفزع ذلك المسلمين فأكثروا التسبيح فلما قضى النبي ﷺ صلاته أقبل عليهم ثم قال: "أحسنتم" أو قال: "أصبتم" يغبطهم أنصلوا الصلاة لوقتها.
قال ابن شهاب: وحدثني إسماعيل بن محمد بن سعد ابن أبي وقاص، عن حمزة بن المغيرة نحو حديث عباد. قال المغيرة: فأردت تأخير عبد الرحمن، فقال لي النبي ﷺ : "دعه" ولم تقع صلاته ﷺ خلف غيرهما.
стр. 1133
وقد روى البيهقي من حديث سليمان بن بلال عن أبي عبد العزيز الربذي عن مصعب بن محمد بن شرحبيل عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن عائشة في حديث أنه ﷺ لما نظر لأبي بكر وهو يصلي بالناس قال: "الحمد لله ما من نبي يتوفاه الله حتى يؤمه رجل من أمته" وهو عند الواقدي، حدثني سليمان بن بلال عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن ابن أبي مليكة عن عبيد بن عمير رفعه: "ما هلك حتى يؤمه رجل من أمته ... " وذكر الحديث. وبالله التوفيق.
стр. 1134
٣٢٣ - مسألة: في دعاء ابن عباس الذي حفظه عند فراغه ﷺ من تهجده ؟
أخرجه الترمذي في جامعه من حديث محمد بن عمران بن أبي ليلى عن أبيه عن جده محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن داود بن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه عن جده سمعت النبي ﷺ يقول ليلة حين فرغ من صلاته: "اللهم إني أسالك رحمة من عندك تهدي بها قلبي وتجمع بها أمري وتلم بها شعثي وتصلح بها ديني وحفظ بها غايتي وترفع بها شاهدي وتزكي بها علي وتلهمني بها رشدي، وترد بها ألفي وتعصمني بها من كل سوء، اللهم أعطني إيمانًا صادقًا، ويقينًا ليس بعده كفر، ورحمة أنال بها شرف كرامتك في الدنيا والآخرة، اللهم إني أسألك الفوز عند القضاء ونزل الشهداء وعيش السعداء والنصر على الأعداء، اللهم إني أنزل بك حاجتي وإن قصر رأيي وضعف عملي وافتقرت إلى رحمتك فأسألك يا قاضي الأمور ويا شافي الصدور كما نجير بين البحور أن تجيرني من عذاب السعير ومن دعوة الثبور ومن فتنة القبور، اللهم ما قصر عنه رأيي وضعف عنه عملي ولم تبلغه مسألتي من خير وعدته أحدًا من خلقك أو أنت معطيه أحدًا من عبادك فإني راغب إليك فيه وأسالك برحمتك رب العالمين، اللهم ذا الحبل الشديد والأمر الرشيد، أسألك الأمن يوم الوعيد، والجنة يوم الخلود مع المقربين الشهود الركع السجود، الموفين بالعهود إنك رحيم ودود وأنت تفعل ما تريد اللهم اجعلنا هادين مهتدين غير ضالين ولا مضلين سلمًا لأوليائك وعدوًا لأعدائك نحب بحبك من أحبك ونعادي بعداوتك من خالفك، الله هذا الدعاء وعليك الاستجابة وهذا الجهد
стр. 1135
وعليك التكلان، اللهم اجعل لي نورًا في قبري ونورًا في قلبي ونورًا في سمعي ونورًا في بصري ونورًا في شعري ونورًا في بشري ونورًا في لحمي ونورًا في دمي ونورًا في عظامي، اللهم أعظم لي نورًا وأعطني نورًا واجعل لي نورًا سبحان الذي تعطف العز وقال به، سبحان الذي ليس المجد وتكرم به سبحان الذي لا ينبغي التسبيح إلا له، سبحان ذي الفضل والنعم، سحبان ذي المجد والكرم، سبحان ذي الجلال والإكرام" ومن جهة محمد بن عمران أخرجه أبو نعيم في الحلية وأوله: "بعثني العباس إلى رسول الله ﷺ فأتيته ممسيًا وهو في بيت خالتي ميمونة، قال: فقام رسول الله ﷺ يصلي من الليل فلما صلى الركعتين قبل الفجر قال: "اللهم ... " وذكر بلفظ "شملى" بدل "أمري" زاد: "وبيض بها وجهي" وقال: "ولم تنله مسألتي ولم تبلغه أمنيتي" وقال: "أو خير أنت معطيه" وزاد واوًا قبل "الركع" وقبل "الموفين" وقال: "وإنك" بدل "أنت" وقال "مهدبين" بدل "مهتدين" وقال: "حرباء بدل "عدوا" وقال "نحب بحبك الناس" وقال: "الإجابة بدل "الاستجابة" وزاد قبل: "وهذا الجهد" لفظ: "اللهم" وزاد بعد "التكلان" ولا حول ولا قوة إلا بالله وزاد: "ونورًا من بين يدي ونورًا من خلفي ونورًا عن يميني ونورًا عن شمالي ونورًا من فوقي ونورًا من تحتي" وقال: "زدني" بدل "فأعظم لي" وقال: "لبس" بدل: "تعطف" وزاد: "سبحان ذي العزة والبهاء، سبحان ذي القدرة والكرم، سبحان الذي أحصى كل شيء بعلمه" وقال بعد إيراده: لم يسق هذا الحديث بهذا السياق والدعاء عن علي بن عبد الله إلا ابنه داود تفرد به عنه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى. وأما الترمذي فإنه قال عقبه: إنه غريب لا نعرفه
стр. 1136
من حديث ابن أبي ليلى إلا من هذا الوجه، ولقد أنصف الترمذي حيث وقف عند ما عرف. وفقد رواه الطبراني في الكبير وأبو نعيم في الحلية من حديث عاصم بن علي حدثنا قيس بن الربيع عن ابن أبي ليلى به مثل لفظ الحلية ولكن ليس عنده "ولم تنله مسألتي" وقال: "الاستجابة" كالأول وزاد: "العلي العظيم" وقال: "تعطف" كالأول، وجمع بين زدني نورًا وأعظم لي نورًا.
ورواه ابن خزيمة في صحيحه من حديث آدم بن أبي إياس ومحمد بن نصر المروزي في الوتر له من حديث عفان قالا: حدثنا قيس به. ودعوى أبي نعيم تفرد ابن أبي ليلى به مردودة، فقد رواه البيهقي في الدعوات من جهة أحمد بن خالد الوهبي حدثنا الحسن ـ هو ابن عمارة ـ عن داود به ولفظه عن ابن عباس أنه كان ربما بات عند النبي ﷺ فكان النبي ﷺ إذا فرغ من صلاته جلس فدعا بهذا الدعاء: "اللهم إني أسالك أن تهب لي رحمة .. " وذكره كالأول بزيادة "وتبيض" أيضًا وبدون: "وتصلح بها ديني" وبلفظ: "اللهم إني أسألك إيمانًا" وبلفظ: "ومنازل" بدل: "ونزله" وبزيادة: "ومواقة الأنبياء" وبلفظ: "اللهم إني أسألك وإن قصر عملي وضعف رائي وافتقرت إلى رحمتك فإني أسألك" وبلفظ: "اللهم وما قصر عنه عملي ولم تبلغه مسألتي من خير وعدته أحدًا من عبادك أو خير أنت معطيه أحدًا من خلقك فإني أسألك إياه وأرغب إليك فيه برحمتك يا
стр. 1137
رب العالمين". وبلفظ: "هداة" بدل: "مهديين" وبلفظ: "نحب بحبك الناس" وبلفظ: "اللهم ربي وإلهي هذا الدعاء وعليك الإجابة" وزاد: "بعد التكلان" "ولا حول ولا قوة إلا بالله" وزاد "ونورًا في مخي ونورًا من بين يدي ونورًا من خلفي ونورًا من فوقي ونورًا من تحتي" وبلفظ: "اللهم زدني نورًا" وبلفظ: "لبس" بدل "تعطف"وبلفظ: "ذا المن" بدل "الفضل" وقال: "سبحان ذي الطول والفضل، سبحان ذي القدرة والذكر" وحذف منه ألفاظه. ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى فقيه عالم صدوق لكنه سيء الحفظ مضطرب الححديث ليس بحجة. والحسن بن عمارة أشد ضعفًا منه لاتهامه بالكذب بل قال أحمد في رواية: أحاديثه موضوعة، ويروى عن ابن المديني أنه قال: كان يضع وأشار ابن حبان إلى أنه صاحب حديث الدعاء الطويل بعد الوتر وهو جالس يعني هذا.
قلت: بل الظاهر أن الحديث لابن أبي ليلى وأخذه منه ابن عمارة ودلسه، فقد قال ابن حبان أيضًا: كانت بليته التدليس عن الثقات ما وضع عليهم الضعفاء بأن يسقط الضعفاء ويرويها عن مشائخه الثقات ـ يعني المسمى تدليس التسوية فالتزقت به تلك الموضوعات، ثم وجدت
стр. 1138
للحديث طريقين آخرين فرويناه في فوائد تمام من حديث نصر بن محمد بن سليمان بن أبي ضمرة الحمصي، حدثنا أبي، حدثنا داود به، ولفظه: "أردت أن أعرف صلاة رسول الله ﷺ من الليل فسألت عن ليلته فقيل: لميمونة الهلالية فأتيتها فقلت لها: إني تنحيت عن الشيخ ففرشت [لي] في جانب الحجرة، فلما صلى رسول الله ﷺ بأصحابه العشاء الآخرة دخل منزله فحس حسي فقال: "يا ميمونة من ضيفك؟ " قالت: ابن عمك يا رسول الله ابن عباس قال: فأوى رسول الله ﷺ إلى فراشه، فلما كان في جوف الليل خرج إلى الحرجة فقلب في أفق السماء وجهه ثم قال: "نامت العيون وغارت النجوم والله حي قيوم" ثم رجع إلى فراشه فلما كان في ثلث الليل الأخير خرج إلى الحجرة فقلب في أفق السماء وجهه وقال: "نامت العيون وغارت النجوم والله حي قيوم" ثم عمد إلى قربة في ناحية الحجرة فحل شناقها ثم توضأ فأسبغ وضوءه ثم قام إلى الصلاة وكبر فقام حتى قلت: لن يركع ثم ركع فقلت: لن يرفع صلبه ثم رفع صلبه ثم سجد فقلت: لن يرفع رأسه، ثم جلس فقلت: لن يعود ثم سجد، فقلت: لن يقوم، ثم قام فصلى ثماني ركعات كل ركعة دون التي قبلها يفصل في كل ثنتين بالتسليم وصلى ثلاثًا أوتر بهن بعد الاثنتين، وقام في الواحدة الأولى فلما ركع الركعة الأخيرة فاعتدل قائمًا من ركوعه قنت قال: "اللهم إني أسألك" وذكر بلفظ: "عيبتي" بدل "غايتي" وقال: "أسألك إيمانًا لا يرتد" بدل: "اللهم أعطني إيمانًا صادقًا" وزاد: "من عندك" بعد قوله "ورحمة"وقال: "أسألك الفوز" لم يذكر "اللهم إني" "ومنازل" بدل "نزل" وزاد "ومرافقة الأنبياء إنك سميع الدعاء" بدل: "والنصر على الأعداء" وقال:
стр. 1139
"اللهم إني أسألك يا قاضي" وقال: "اللهم ما قصر عنه علمي ولم تبلغه" وزاد: "الصاحلين" بعد "عبادك" وليس عنده "رحمتك" وقال: "اللهم إني أسألك بوجهك الكريم ذا الحبل الشديد الأمن" وليس الركع السجود وقال: "إنك تفعل ما تريد" وقال: "هداة" بدل: "هادين" و"حربًا" بدل "وعدوًا" وقال: "بحبك الناس" وقال: "الإجابة" وزاد: "ولا حول ولا قوة إلا بالله" وقال: "نورًا في سمعي وبصري ومخي وعظمي وشعري وبشري ومن بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي اللهم أعطني نورًا وزدني نورًا" ثم قال: "سبحان من لبس العز ولاقى به، سبحان الذي تعطف بالمجد وتكرم به" وزاد:"سبحان من أحصى كل شيء بعلمه" وقال: "سبحان ذي الفضل والطول، سبحان ذي المن والنعم، سبحان ذي القدرة والكرم" ثم سجد رسول الله ﷺ فكان فراغه من وتره وقت ركعتي الفجر فركع في منزله ثم خرج فصلى بأصحابه صلاة الصح.
ونصر قال فيه أبو حاتم: أدركته ولم أكتب عنه وهو ضعيف الحديث لا يصدق وقال في أبيه: حدثنا عنه الوحاظي بأحاديث مستقيمة، وذكره ابن حبان في الثقات.
ورواه محمد بن نصر المروزي في قيام رمضان له من حديث.
стр. 1140
سليمان بن بلال عن عيسى بن زيد عن عمر بن أبي حفص عن ابن عباس أنه انصرف ليلة صلى مع رسول الله ﷺ فسمعه يدعو في الوتر فقال: "اللهم إني أسألك رحمة من عندك أنال بها شرف كرامتك في الدنيا والآخرة تهدي قلبي، وتجمع بها أمري وتلم بها شعثي وتعصمني بها من كل سوء اللهم إني أسألك رحمة من عندك أنال بها شرف كرامتك في الدنيا والآخرة اللهم ذا الأمر الرشيد والحبل الشديد أسألك الأمن يوم الوعيد والجنة يوم الخلود مع الخيريين الشهود إنك رحيم ودود فعال لما تريد، اللهم هذا الجهد وعليك الثكلان وهذا الدعاء وعليك الاستجابة، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، اللهم إني أسألك الفوز عند القضاء ومنازل الشهداء وعيش السعداء والنصر على الأعداء إنك سميع الدعاء اللهم اجعلني حربًا لأعدائك، سلمًا لأوليائك أحب بحبك الناس وأعادي بعداوتك من خالفك اللهم اجعل في قلبي نورًا وفي سمعي نورًا وفي بصري نورًا وعن يميني نورًا وعن شمالي نورًا واجعل فوقي نورًا وتحتي نورًا وأعظم لي نورًا سبحان الذي لبس العز وقال به، سبحان الذي لا ينبغي التسبيح إلا له، سبحان الذي تعطف بالمجد وتكرم به، سبحان ذي المن والطول.
стр. 1141
٣٢٤ - سئلت: في تحرير الأفضل من فاطمة وخديجة وعائشة ﵅ وكذا مريم ﵍ ؟
فأجبت: الخلاف في أيتهن أفضل منهن ولكن قال التقي السبكي: الذي ندين الله تعالى به أن فاطمة أفضلهن، ثم خديجة ثم عائشة، قال: والحق أحق أن يتبع انتهى.
وأقوى الأدلة لفاطمة الإجماع المحكمي على أفضليتها قوله ﷺ : "إنها سيدة نساء أهل الجنة، إلا مريم" وقوله ﷺ : "إنها بضعة مني أي قطعة لحم" وإن اشترك أخواتها معها في هذا الوصف فامتيازها عنهن بتنصيصه ﵇ به في حقها، وأن من أغضبها فقد أغضبه، وكونها تجرعت ألم فقد النبي ﷺ دون غيرها من بناته، فإنهن متن في حياته فكن في صحيفته ومات هو ﷺ في حياتها فكان في صحيفتها، واشتركت معهن في ثكل فقد أمهن أم المؤمنين خديجة ﵂.
ولخديجة قوله ﷺ : "إنها خير نسائها" أي هذه الأمة، ويروى في
стр. 1142
آخر ـ حسن السند رافع للإشكال ـ كما عند ابن عبد البر بسنده: "سيدة نساء العالمين مريم ثم فاطمة ثم خديجة" ولكن خدش فيه بمحبة ضمير صيغة ترتيب، وكيف لا تكون خديجة بهذه المرتبة وقد انفردت بخصوصيات جمة منها: تصديقها للنبي ﷺ في أول وهلة، فكانت أول من أجاب إلى الإيمان به ودعا إليه فأعان بالنفس والمال والتوجه التام بحيث لم تسبق مطلقًا لذلك، وكل من آمن بعدها يكون لها مثل أجورهم لما ثبت أن "من سن سنة حسنة فله مثل أجر من يعمل بها" ولا يقدر قدر هذا إلا الله تعالى.
ولعائشة ما اختصت به من الأمور التي ارتفعت بها ومن ذلك: كونها حفظت عن النبي ﷺ شيئًا كثيرًا، وعاشت بعده قريبًا من خمسين سنة بحيث أكثر الناس الأخذ عنها ونقلوا عنها من الأحكام والآداب شيئًا كثيرًا حتى قيل: إن ربع الأحكام الشرعية منقول عنها، بل واستدركت على كثير من الصحابة ﵃ الكثير مما أفرد بالتأليف، وكان
стр. 1143
اختصاصها مما منحت به لمكان أبيها ﵄ فإنه لم يفارق النبي ﷺ في أغلب أحواله، فسرى سره لابنته مع ما كان من مزيد حبه ﷺ .
وبالجملة، فقد قال ابن القيم: إن أريد بالتفضيل كثرة الثواب عند الله فذاك الأمر لا يطلع عليه، فإن عمل القلوب أفضل من عمل الجوارح.
قلت: وكذا قال بكر المزني مما ذكره الغزالي في الإحياء ولم نجد مخرجه في المرفوع: "ما فضلكم أبو بكر بمزيد كذا وكذا ولكن بشيء وقر في قلبه".
ويروى أيضًا: "ما أنا قدمته ولكن الله قدمه".
وإن أريد كثرة العلم فعائشة لا محالة، وإن أريد شرف الأصل ففاطمة لا محالة، وإن أريد شرف السيادة فقد ثبت لها ولخديجة يعني بالنص، ولكن اختار بعضهم القول بالوقف بين خديجة وعائشة وبعضهم فضل خديجة وبعضهم فضل عائشة.
ومن الأقوال الساقطة الفاسدة ما ذهب إليه ابن حزم كما في المحلى من تفضيل نسائه ﷺ على سائر الصحابة لأنهن في درجته في الجنة وهو غني عن الرد عقلاً ونقلاً، ووراء هذا أنه لا يلزم من ثبوت خصوصه بشيء من الفضائل لبعض ثبوت الفضل المطلق، لحديث:
стр. 1144
"أقرؤكم أبي وأفرضكم زيد" ونحو ذلك، ومن هنا يقال: الأحبية لا تتحتم في الأفضلية مطلقًا وإن تضمنت محبة الرسول لمحبة الله وبنحوه في الجملة ـ من غاير بين أخير وأفضل، قوله باب الخيرية غير باب الفضيلة كما أنك تقول: الحر الهاشمي أفضل من العبد الرومي أو الحبشي، وقد يكون العبد الحبشي خيرًا من هاشمي في معنى الطاعة والمنفعة للناس، فإن الخيرية متعد، وباب الفضيلة لازمة وقد يستشكل لمن يسوي بين أصح واثبت وأجود الآتي بصيغة أفعل دون الوصف بجيد، فإنه أنزل عند الجهد من صحيح ثم إن تقديم مريم كما في الرواية المتقدمة أعني في السؤال، وكذا في رواية: "خير نساء العالمين" لا يمتنع عند القائل بثبوتها إن الأنبياء لا يوازيهم غيرهم.
وأما من لم يقل به فيحمله على عالم زمانها أو غير ذلك من المحامل، والكلام في ذلك كله يحتمل البسط في محله.
стр. 1145
٣٢٥ - سئلت: هل ورد في توسيع الأكمام شيء ؟
فأجبت: لم أر فيه حديثًا، ولكن للمحاكم في مستدركه مما صحح إسناده، وابن حبان في صحيحه كلاهما عن ابن عباس ﵄ في قدر كمه ﷺ فلفظ أولهما: "إن النبي ﷺ لبس قميصًا وكان فوق الكعبين وكان كمه إلى الأصابع" ولفظ الآخر: "كان يلبس قميصًا فوق الكعبين مستوى الكمين بأطراف أصابعه".
ولأولهما مما صحح سنده أيضًا، وكذا لأبي نعيم في الحلية من حديث ابن عمر ﵁ [لبس عمر] قميصًا جديدًا ثم دعاني بشفرة فقال عمر: مد كمي يا بني والزق يدك بأطراف أصابعي واقطع ما فضل عنهما، فقطعت من الكمين من جانبيه جميعًا، فصار فم الكم بعضه فوق بعضه، فقلت: يا أبه! لو سويته بالمقص فقال: دعه يا بني هكذا رايت النبي ﷺ يفعل، قال ابن عمر: فما زال القميص على أبي كذلك حتى تقطع وما نزعه حتى رأيت بعض الخيوط تساقط على قدميه. ولابن أبي شيبة في المصنف له من طريق جعفر قال: ابتاع علي ﵁ قميصًا سنبلانيًا بأربعة دراهم ودعا الخياط فمد كم القميص وأمره أن يقطع ما خلف أصابعه.
стр. 1146
ومن طريق أبي عثمان النهدي أن عمر ﵁ دعا بشفرة ليقع كم قميص عتبة بن فرقد من أطراف أصابعه وكان عليه قميص سنبلاني فقال: أنا أكفيكه يا أمير المؤمنين إني أتسحيي أن تقطعه عند الناس فتركه. ومن طريق عبد الله بن أبي الهذيل قال: رأيت عليًا عليه قميص رازي أو راقي إذا أرسله لم يجاوز نصف ساقيه وإذا مده لم يجاوز ظفريه. ومن طريق أبي البحتري قال: رأيت أنس بن مالك وكم قميصه إلى الرسغ. ومن طرق بديل العقيلي قال: كان كم النبي ﷺ إلى الرصغ. بل في الترمذي وغيره عن أسماء ابنة يزيد ﵄ قالت: كان كم رسول الله ﷺ إلى الرصغ. وهو بالسين، وكذا بالصاد المهملتين والغين والمعجمة مفصل ما بين الكتف والساعد. ولابن حيان عن أنس: كان لرسول الله ﷺ قميص قطن قصير الطول قصير الكمين.
قلت: وبهذه الأحاديث ينتقد نفي الحافظ عبد الغني بن سرور المقدسي مما ود بخط الحافظ الزكي المنذري مما وجده بخطه حين سئل عما فضل من الأصابع من الثوب هل صح فيه شيء أم لا؟ فإنه قال:
стр. 1147
لم يصح فيه شيء وإنما صح فيما جاوز الكعبين ولكن يمكن أن يجاب بأن المنفي وروده الوعيد فيه كالكعبين لا مطلق المسألة فهذا كله تحديد طوله، وأما سعته، فقد ترجم البخاري في اللباس من صحيحه من لبس جبة ضيقة الكمين في السفر، وأورد الحديث المتفق عليه عن المغيرة بن شعبة ﵁ أنه وضأ النبي ﷺ وعليه جبة شامية ـ بتشديد الياء التحتانية ويجوز تخفيفها: ضيقة الكمين ـ فلم يستطيع أن يخرج ذراعيه وفي لفظ: يديه منها. وفي لفظ من كميه وفي آخر: "من بدنه" يعني بفتح الموحدة والمهملة بعدها نون أي جبته لضيقها والبدن درع ضيقة الكمين حتى أخرجهما من أسفل الجبة. فكان البخاري ﵀ يشير إلى أن ذلك إنما كان لحال السفر لاحتياج المسافر إلى ذلك وأن السفر يغتفر فيه لبس [غير] المعتاد في الحضر سيما وقد تواردت الأحاديث في وصف ووئه ﷺ وليس في شيء منها أن كمية ضاقا عن إخراج يديه منها، أشار إلى هذا ابن بطال وهو حسن.
وبالجملة فقد استدل به على إباحة التشمير في السفر وليس الثياب الضيقة فيه لكونها أعون على ذلك، ولكن لم نقف على تحديد مقدار السعة والظاهر أنه بمقدار ما يتمكن معه من إخراج يديه فقد كان الإمام أبو داود صاحب السنن كما حكاه صاحبه أبو بكر بن داسة عنه: له مكان واسع وضيق، فقيل له: يرحمك الله ما هذا؟ فقال: الواسع للكتب والآخر
стр. 1148
لا يحتاج إليه انتهى. وأرشد شيخ السنة الذي ألين له الحديث كما ألين لداود ﵇ الحديد: المتقيد بالحاجة مع كون المبالغة في اتساعها عرف أهل الحجاز المتقدى بهم فيه في الجملة الفقهاء لا سيما القضاء بها التقي السبكي لوالده التاج في استعماله رفيع الثياب وطول الأكمام وسعتها والطيلسان وكبر العمامة ونحوها وأنه لا يجاوزها بل يتوقاها حين يكون في بيته وبين عشيرته، مع العلم بأنه كما بلغنا عن الولي ابن العراقي وشاهدناه من شيخنا والشرف المناوي وغيرهم من قضاة العدل لم يكونوا يتابعون لغيرهم ممن لم يبلغ مرتبتهم في العلم والتحري ولأجلهم صرح بعض الأئمة بالتحرز مما يفعله كثير ممن ينسب إلى العلم في تفصيل ثيابهم من طول الكم واتساعه وكثرة الخارق الخارج عن عادة الناس، أودرج ذلك في البدعة بخروجهم به عن حد السمت والوقار ويقعون بسببه في المحذور المنهي عنه، لأن النبي ﷺ نهى عن إضاعة المال قال: ولا يخفى على ذي بصيرة أن كم بعض من ينسب إلى العلم اليوم قد يفصل منه ثوب لغيره على أن الأولين لا انفكاك فيهم فيما ترخصوا فيه عن ارتكاب البدعة ولكن الفرق بين المقامين ظاهر، وإذا ضاق الأمر اتسع والأعمال بالنيات، على أن الرافعي قال في الباب الثاني من القضاء: لا يجب على الأئمة الاكتفاء بما اكتفى به رسول الله ﷺ والخلفاء الراشدون بعده قال: لأن الناس قد تغيروا وبعدوا عن العهد بزمان النبوة الذي كانت النصرة بمكة بإلقاء الرعب والهيبة في القلوب قال: ولو اقتصر الإمام على
стр. 1149
مثل ذلك اليوم لم يطع وتعطلت الأمور فيأخذ لنسه مما يليق به من الخيل والغلمان والدار الواسعة انتهى. وتبعه النووي في الروضة ثم الأصفوني وابن القرئ في مختصريها مصرحين مما يقولها آخرهم بأن الإمام لا يلزمه الاقتصار كالصحابة فبعد العهد بزمن النبوة التي كانت سببًا للنصر بالرعب ويرزق منه كل من كان عمله مصلحة للمسلمين كالأمير والمفتي والمحتسب والمؤذن والإمام ومعلم القرآن والقاسم والمقوم والمترجم وكاتب الصحكوك ونحو ذلك ونحوه قول الحبيشي في كتابه نشرطي التصريف بفضائل حملة العلم الشريف وكذلك العالم والمفتي والقاضي ينبغي أن يتخذ كل واحد منهم ما يليق بحاله وحال أمثاله فيوسعوا الأكمام والقمص ويعظموا العمائم والطيلسان وتحسين المركوب، ويكثروا الخدم بحسب الحال الذي ينبغي من إشادة العلم وتحليله كما روي عن الإمام أي حنيفة ﵀ أنه قال: عظموا عمائمكم ووسعوا أكماكم. قال أبو الليث: وإنما قال ذلك لئلا يستخف بالعلم وأهله، وروي عن مالك ﵀ أنه كان إذا أراد أن يحدث بحديث الرسول ﷺ يتطيب ويلبس ثيابًا جديدًا ويلبس ويتعمم ويضع رداءه على رأسه وتلقى منصة فيخرج ويجلس عليها ولا يزال ينجر بعود حتى يفرغ م حديثه إعزازًا لحديث رسول الله ﷺ . وقال العز ابن عبد السلام ما نصه. الأولى بالإنسان أن يقتدي برسول الله ﷺ في الاقتصاد في اللباس قال: وإفراط توسيع الأكمام واثياب بدعة وسوف وتضييع للمال ولا يجاوز بالثياب الأعقاب فما زاد
стр. 1150
عن الأعقاب ففي النار قال: ولا بأس بلبس شعار العلماء من الدين ليعرفوا بذلك فيسألوا، فإني كنت محرمًا فأنكرت عن جماعة من المحرمين لا يعرفونني ما أخلوا من آداب الطواف فلم يقبلوا فلما لبست ثياب الفقهاء وأنكرت سمعوا وأطاعوا، فإذا لبس شعار الفقهاء لمثل هذا الغرض كان فيه أجر لأنه سبب إلى امتثال أمر الله تعالى والانتهاء عما نهى الله عنه قال: وأما المبالغة في تحسين الخياطة وغير ذلك ممن فعل أهل الدعوية والالتفات إلى الأغراض الخسيسة التي لا تليق بأولي الألقاب وهو كلام نفيس وبالله التوفيق.
стр. 1151
٣٢٦ - مسألة: لم أعلم في تقبيل جدران الكعبة ومسها عن الشارع ﷺ سوى ما ثبت من تقبيل الحجر الأسود . نعم ثبت أنه حين دخل الكعبة أتي ما استقبل من دبرها فوضع وجهه وخده على الكعبة فحمد الله وأثنى عليه واستغفره وفعل عند كل ركن من أركانها ذلك. وأحسن أوقات الطواف الثلث الأخير من الليل، ثم بين المغرب والعشاء، وعقب صلاة الصبح، ثم حين اشتغال الناس بمعاشهم وبيعهم وشرائهم وعند نزول المطر لفضيلة هذه الأوقات، وأعلاها عند خلو البيت من الطائفين لما فيه من إحياء هذه البقعة الشريفة والسنة المنيفة، وانفراده حينئذ بهذه العبادة التي لم يشترك معه فيها غيره، وقل أن يتفق ذلك مع حرص كثير من الأكابر ورؤوس أهل السنة عليه. والله المستعان.
стр. 1152
٣٢٧ - مسألة: في شق صدره ﷺ المندرج في معجزاته ووقع وهو صغير عند مرضعته حليمة، ومرة أخرى وهو ابن عشر سنين، كما لعبد الله ابن أحمد في زوائد المسند عن أبي هريرة وهو عند أبي نعيم في الدلائل في قصة له مع عبد المطلب وأنه ابن عشر أو نحوها .
فالأول: كان لانتزاع العلقة التي قيل له عندها: هذا حظ الشيطان منك.
والثاني: بقرب من التكليف ولتستر به المعجزة.
الثالث: وهو عند المعراج كان لاستعداده للتلقي الحاصل له في تلك الليلة.
والرابع: حسبما رواه الطيالسي والحارث في مسنديهما من حديث عائشة عند مجيء جبريل له بالوحي في غار حراء، وكذا أبو نعيم، والبيهقي في الدلائل، ومناسبته ظاهرة، ومرة خامسة ممن لا يثبت. وذكر أبو بشر الدولابي بسنده أنه ﷺ رأى في المنام أن بطنه أخرج ثم أعيد فذكر ذلك لخديجة ﵂ ... الحديث.
стр. 1153
٣٢٨ - مسألة: في رؤيته ﷺ الأنبياء ليلة الإسراء مع أن أجسادهم مستقرة في قبورهم بالأرض ، فقيل: إن أرواحهم تشكلت بصور أجسادهم، وأنها مستقرة في الأماكن التي لقيهم النبي ﷺ أو أحضرت أجسادهم لملاقاة النبي ﷺ تلك الليلة تشريفًا له وتكريمًا ويؤيد ثانيهما قوله في بعض الروايات: وبعث له آدم فمن دونه من الأنبياء فأمهم. واحتج بعض المتأخرين بحديث: "رأيت موسى ﵇ ليلة أسري بي قائمًا يصلي في قبره". لأنه أسرى به لما مر به. قال شيخنا: وليس بلازم، بل يجوز أن يكون لروحه اتصال بجسده في الأرض فلذلك تمكن من الصلاة وروحه مستقرة في السماء. وعن بعضهم قال: رؤيته إياهم في السماء محمولة على رؤية أرواحهم إلا عيسى لما ثبت أنه رفع بجسده وقد قيل في إدريس أيضًا ذلك. وأما الذين صلوا معه في بيت المقدس، فيحتمل الأرواح خاصة ويحتمل الأجساد بأرواحها ووراء هذا أن في رواية: أنه صلى بالنبيين كلهم ولم ير معهم في السماء إلا من سمي. قال
стр. 1154
عياض: ولا مانع منه وأن يكون صعد منهم من ذكر أنه ﷺ رآه يعني ويكون هؤلاء تقدموا بين يديه تشريفًا له، وقد قال البيهقي في "حياة الأنبياء في قبورهم" له: لا مانع أنه يرى موسى قائمًا يصلي في قبره ثم أسري بموسى وغيره إلى بيت المقدس كما أسرى بنبينا فيراهم فيه ثم يعرج بهم إلى السماوات كما عرج بنبينا فيراهم فيها كما أخبر ﷺ بحلولهم في أوقات بمواضع مختلفات، وكل هذا جائز ثابت في العقل فما ورد به خبر الصادق انتهى.
إذ قلنا: بقدم التعدد أما معه، فلا إشكال على أن بعضهم جمع بينهما مع الاتحاد بأنه لقي موسى في السادسة فأصعد معه إلى السابعة تفصيلاً له على غيره من أجل كلام الله تعالى. وظهرت فائدة ذلك في كلامه مع المصطفى فيما يتعلق بأمر أمته في الصلاة.
وأما تعيين أماكنهم، فاتفق الشيخان من حديث قتادة وثابت كلاهما عن أنس على كون في الأولى آدم وفي الثانية يحيى وعيسى، وفي الثالثة يوسف، وفي الرابعة إدريس وفي الخامسة هارون وفي السادة موسى وفي السابعة إبراهيم، ووافقهما ثالث عن أنس لكن جعل هارون في الرابعة وإدريس في الخامسة، وكذا وافقهم رابع ولكن جعل يوسف
стр. 1155
في الثانية وعيسى ويحيى في الثالثة، ووقع في رواية أخرى مع التصريح من راويها بأنه لم يثبت أسماءهم أن إبراهيم في السادسة، وفي أخرى لم يضبط راويها أيضًا منازلهم أن إدريس في الثالثة وهارون في الرابعة ومن ضبط أولى، وقد قال شيخنا: والأول أثبت، وكذا وصفه بذلك وأكد بأنه كان مسندًا ظهره إلى البيت المعمور. وقال ابن أبي جمرة: الحكمة في كون آدم في الأولى، لأنه أول الأنبياء وأول الآباء وهو أصل، فكان أول في الأول، ولأجل تأنيس البنوة بالأبوة، وعيسى في الثانية، لأنه أقرب الأنبياء عهدًا من محمد، ويليه يوسف، لأن أمة محمد تدخل الجنة على صورته، وإدريس الذي قيل إنه أول من قاتل للدين، فلعل المناسبة فيه للإذن للنبي ﷺ بالمقاتلة ورفعه بالمعراج لقوله: (ورفعناه مكانًا عليا) والرابع من السبع وسط معتدل وهارون لقربه من أخيه موسى، وموسى أرفع منه لفضل كلام الله، وإبراهيم لأنه الأب الآخر فناسب أن يتخذ للنبي ﷺ بلقيه أنس لتوجهه بعده إلى عالم آخر وأيضًا فمنزلة الخليل تقتضي أن تكون أرفع المنازل ومنزلة الحبيب أرفع من منزلته فلذلك ارتفع النبي ﷺ عن منزلة إبراهيم إلى قاب قوسين أو أدنى. انتهى.
واختلف في الحكمة في اختصاص كل منهم بالسماء التي التقاه بها ليظهر تفاضلهم في الدرجات والخوض في هذا تنشأ عنه المفاضلة بين الأنبياء كما فعله ابن المنير، ولكن مجرد الإشارة في هذا المقام كما عند شيخنا أولى من تطويل العبارة والإمعان فيها، سيما وقد ورد النهي عن
стр. 1156
التفضيل بين أنبياء الله مع العلم بأن نبينا ﷺ أفضل خلق الله، وقيل: إنا نهي عنه من يقول برأيه لا من يقوله بدليل، أو من يقوله بحيث يؤدي إلى تنقيص المفضول أو يؤدي إلى الخصومة والتنازع، أو المراد: لا تفضلوا بجميع أنواع الفضائل بحيث لا يترك المفضول فضيلة كالإمام مثلاً إذا قلنا إنه أفضل من المؤذن لا يستلزم نقص فضيلة المؤذن بالنسبة إلى الأذان، وقيل: النهي عن التفضيل إنما هو في حق النبوة نفسها لقوله تعالى: (لا نفرق بين أحد من رسله) ولم ينه عن تفضيل بعض الذوات على بعض لقوله: (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بضع) الآية، وبالجملة فالكلام في هذا المقام يفتقر لعمل كثير ولا يخلو من خطر وزلل.
وقيل: لمناسبة تتعلق بالحكمة في الاقتصار على هؤلاء دون غيرهم من الأنبياء ما أشير به إلى ما سيقع له ﷺ مع قومه من نظير ماوقع لكل منهم.
فأما آدم، فوقع التنبيه بما وقع له من الخروج من الجنة إلى الأرض بما سيقع للنبي ﷺ من الهجرة إلى المدينة، والجامع بينهما ما حصل لكل منهما من المشقة وكراهة فراق ما ألفه من الوطن ثم كان عاقبة كل منهما أن يرجع إلى وطنه الذي أخرج منه وبعيسى ويحيى على ما وقع له أول الهجرة من عداوة اليهود وتماليهم على البغي عليه وإرادتهم وصول السوء إليه وبيوسف على ما وقع له مع إخوته بما وقع له من قريش في نصبهم الحرب وإرادتهمم هلاكه وكانت العاقبة له وقد أشار إلى ذلك بقوله لقريش يوم الفتح: أقول كما قال يوسف: لا تثريب عليكم. وبإدريس على رفع منزلته عند الله تعالى، وبهارون على أن قومه رجعوا إلى محبته بعد أن
стр. 1157
آذوه، وبموسى على ما وقع له من معالجة قومه وقد أشار إلى ذلك بقوله: لقد أوذي موسى أكثر من هذا فصبر، وبإبراهيم في استناده إلى البيت المعمور بما ختم له ﷺ في آخر عمره من إقامة منسك الحج وتعظيم البيت وهذه مناسبات لطيفة أبداها السهيلي فأوردها شيخنا منقحة ملخصة مع زيادة غيره في مناسبة لقاء إبراهيم في السابعة معنى لطيفًا وهو ما اتفق له ﷺ من دخول مكة في السنة السابعة وطوافه بالبيت ولم يتفق له الوصول إليها بعد الهجرة قبل هذه بل قصدها في السنة السادسة فصدوه عن ذلك كما علم من محله وأضرب شيخنا عما زاده ابن المنير لما قدمناه.
وأما السؤال عما كان مفروضًا قبل ليلة الإسراء من الصلوات، فذهب جماعة إلى أنه لم تكن قبلها صلاة مفروضة إلا ما كان الأمر به من صلاة الليل من غير تحديد، وذهب الحربي إلى أن الصلاة كانت مفروضة ركعتين بالغداة وركعتين بالعشي، وذكر الشافعي عن بعض أهل العلم أن صلاة الليل كانت مفروضة ثم نسخت بقوله تعالى: (فاقرءوا ما تيسر منه) فصار الفرض بعض قيام الليل ثم نسخ ذلك بالصلوات الخمس. والله أعلم.
وأما البيت المعمور الوارد أنه يدخل سبعون ألف ملك كل يوم ولا يعود فيه. وفي رواية: إنه مسجد في السماء بحذاء الكعبة لو خرَّ لخرَّ
стр. 1158
عليها. وقال علي ﵁: السقف المرفوع: هو السماء. والبيت المعمور بيت في السماء حيال البيت حرمته في السماء كحرمة هذا في الأرض.
وعن ابن عباس نحوه وزاد: في السماء نهر يُقال له: الحيوان يدخله جبريل كل يوم فينغمس فيه ثم يخرج فينتفض فيخرج منه سبعون ألف قطرة يخلق الله تعالى من كل قطرة ملكًا فهم الذين يصلون فيه ثم لا يعودون إليه، وأوردها شيخنا مبينة معللة في بدء الخلق من فتح الباري قال: وجاء عن الحسن ومحمد بن عباد بن جعفر أنه هو الكعبة. والأول أكثر وأشهر، وأكثر الروايات أنه في السماء السابعة، ويروى أنه في الرابعة وبه جزم في القاموس وقيل: في السادسة وقيل: هو
стр. 1159
تحت العرش، وقيل: إنه بناه آدم لما أهبط إلى الأرض ثم رفع زمن الطوفان قال: وكان هذا شبهة من قال: إنه الكعبة، ويسمى البيت المعمور الضراح والضريح.
٣٢٩ - مسائل في الخضاب وإصلاح اللحية والسراويل:
أما الخطاب: فقد اختلف الصحابة ﵃ في خضابه ﷺ فنفاه جماعة منهم أنس ﵁ هذا مع قول حميد: رأيت شعر رسول الله ﷺ عند أنس مخضوبًا. وأثبته أبو هريرة ﵁ وغيره، وجمعت طائفة بأنه ﷺ كان قد احمر شعره مما يكثر من الطيب
стр. 1160
فكان يظن بذلك مخضوبًا، والأحاديث في الطرفين كثيرة، وكذا في الجمع قال ابن عبد البر: وقد روي أنه كان يخضب وليس بقوي، والصحيح أنه لم يخضب ولم يبلغ من الشيب ما يخضب له انتهى.
والمثبت مقدم على النافي، وبه أجاب الإمام أحمد حين قيل له: إن أنسًا يقول: لم يخضب. والذي ذهب إليه بعض المتأخرين ظاهر معتمد أنه ﷺ لم يبلغ من الشيب ما يقتضيه كما تواردت به الروايات، ومع ذلك فكان أحيانًا بغير ما شاب من شعره بالحناء والكتم وفي لفظ: بالورس والزعفران وتارة يتركه، وعليه تنطبق رواية: وفي عنفقته شعرات بيض. وفي بسط ذلك بأدلته طول.
وأما إصلاح اللحية، فقد روى ابن حبان في صحيحه م حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: إن النبي ﷺ يأخذ من طول لحيته وعرضها. وبه تمسك ابن عمر ﵄ حيث كان يقبض لحيته ويزيل ما زاد. لكن قد ثبت في الصحيحين الأمر بتوفير اللحية ـ يعني
следующие страницы →