Полный текст (1 198 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
عليه وعلى غيره عن الصلاح أبي عبد الله محمد بن أحمد بن إبراهيم بن أبي عمر إجازة، قال هو وابن القيم: أخبرنا الفخر أبو الحسن علي بن أحمد بن عبد الواحد الحنبلي، قال الصلاح: حضورًا في الرابعة، وال ابن القيم: سماعًا، قال هو وزينب وشامية: أخبرنا أبو حفص عمر بن محمد بن معمر بن طبرزد، أخبرنا أبو غالب أحمد بن الحسن بن البنا، أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي الجوهري بانتقاء طاهر النيسابوري في السابع من أماليه، أخبرنا أبو عبد الله بن محمد بن زيد بن علي بن جعفر بن مروان الكوفي قراءة عليه بغداد وأنا حاضر أسمع، قال: قال العباس بن يوسف: أنشدني أحمد بن موسى بن الحكم: ترى الناس ... فذكرهما.
стр. 352
٩٥ - الحمد لله سئلت عن حديث: "تناكحوا تناسلوا أباهي بكم يوم القيامة ".
فقلت: ورد من حديث جماعة من الصحابة رضوان الله عليهم، منهم: أنس، وعبد الله بن عمرو، وسهل بن حنيف، ومعاوية بن حيدة، ومعقل بن يسار، وأبو موسى الاشعري، وأبو هريرة، وابن عمر، وابن مسعود، ورجل من الشام، وعائشة، ومن مرسل مكحول.
أما حديث أنس، فأخرجه الإمام أحمد في مسنده وسعيد بن منصور في سننه والطبرني في معجمه الأوسط والنوقاني في معاشرة الأهلين له، وسمويه في فوائده والسراج في مسنده، وعنه ابن حبان في صحيحه والضياء في المختارة والحاكم وعند البيهقي في سننه من حديث حفص بن عمر ابن أخي انس عن أنس رضي اله عنه قال: كان رسول الله ﷺ يأمر بالباءة وينهي عن التبتل نهيًا شديدًا ويقول: "تزوجوا
стр. 353
الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة".
أخرجه أبو نعيم في الحلية من طريق إبراهيم التيمي عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ يكره التبتل وينهانا عنه نهيًا شديدًا ويقول: "تزوجوا الودود الولود من النساء فإنى مكاثر النبيين يوم القيامة".
ورواه أبو القاسم الأصبهاني في "ترغيبه" من حديث أبان بن أبي عياش عن أنس بنحوه.
وهو عند تمام في "فوائده" من طريق أبان عن أنس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "تزوجوا الودود الولود من النساء فإني مكاثر النبيين يوم القيامة، وإياكم والعواقر، فإن مثل ذلك كمثل رجل قعد على رأس بئر يسقي أرضًا سبخة فلا أرضه تنبت ولا عناه يذهب".
وأما حديث عبد الله، فأخرجه الإمام أحمد أيضًا من طريق أبي عبد الرحمن الحبلي عنه أن رسول الله ﷺ قال: "أنكحوا أمهات الأولاد أباهي بهم يوم القيامة".
وأما حديث سهل، فرواه الطبراني في الأوسط من حديث
стр. 354
محمد بن كعب القرظي عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "تزوجوا فإني مكاثر بكم الأمم وإن السقط ليرى محنطيًا بباب الجنة يقال له: ادخل، يقول: حتى يدخل أبواي".
وأما حديث معاوية، فرواه ابن حبان في الضعفاء له، وكذا العقيلي، وتمام في فوائده والطبراني في كتاب العشرة له، كلهم من حديث علي بن الربيع عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده ـ هو معاوية ـ قال: قال رسول الله ﷺ : "سوداء ولود خير من حسناء لا تلد إني مكاثر بكم الأمم، حتى السقط يظل محنبطيًا على باب الجنة فيقال له: ادخل الجنة فيقول: أنا وابواي، فيقال له: ادخل الجنة فيقول: أنا وأبواي، فيقال له: ادخل الجنة فيقول: أنا واواي فيقال له: ادخل الجنة وأبواك".
стр. 355
وأما حديث معقل، فرواه أبو داود والنسائي والبيهقي في سننهم والحاكم في مستدركه وهو شيخ البيهقي فيه، وقال: صحيح الإسناد، وأبو نعيم في "الحلية" له كلهم من طريق معاوية بن قرة عنه قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني أصبت امرأة ذات حسب وجمال وإنها لا تلد أفأتزوجها؟ قال: "لا" ثم أتاه الثانية فنهاه، ثم أتاه الثالثة فقال: "تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم".
وأما حديث أبي موسى، فأخرجه أبو يعلي الموصلي في مسنده من حديث عاصم بن بهدلة عمن حدثه عن أبي موسى أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: إن امرأة قد أعجبتني لا تلد أفأتزوجها؟ قال: "لا" فأعرض عنها ثم تبعتها نفسه فأتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! أعجبتني هذه المرأة أعجبني ذلها ونحرها أفأتزوجها؟ قال: "لا" امرأة سوداء ولود أحب إليّ منها، أما شعرت أني مكاثر بكم يوم القيامة فيجيء ذراري المسلمين آخذين بحقوق آبائهم فيقال له: ادخلو الجنة حتى أرى اسقط محبنطيًا متقاعسًا فيقال له: ادخل الجنة فيقول: يا رب وابواي؟ فيقول الله : "ادخل
стр. 356
أنت وأبواك الجنة".
وأما حديث أبي هريرة، فرواه ابن ماجة في سننه من طريق طلحة يعني ابن عمرو المكي عن عطاء ـ هو ابن ابي رباح ـ عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلمك "انكحوا فإني مكاثر بكم".
وأما حديث ابن عمر، فأخرجه أبو بكر بن مردويه في تفسيره بلفظ: "تناكحوا تكثروا فإني اباهي بكم الأمم يوم القيامة".
وذكره البيهقي في المعرفة عن الشافعي أنه بلغه، فذكره وزاد فيه: "حتى بالسقط".
وأما حديث ابن مسعود، فهو عند أبي يعلي من حديث زر بن حبيش عنه قال: رسول الله ﷺ : "ذروا الحسناء العقيم وعليكم بالسوداء الولود فإني مكاثر بكم حتى السقط يظل محبنطيًا بباب الجنة، فيقال له: ادخل الجنة فيقول: حتى يدخل والدي معي".
стр. 357
وأما حديث الرجل، فرواه ابن الأخضر وابن خسروا وغيرهما من حديث الإمام أبي حنيفة عن عبد الملك بن عمير عنه أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال له: يا رسول الله! أتزوج فلانة؟ فنهاه عنها، ثم أتى الثانية فقال: يا رسول الله! أتزوج فلانة؟ فنهاه عنها؟ فلما أتاه الثالثة قال رسول الله ﷺ : "سوداء ولود أحب إليّ من عاقر حسناء"، ثم قال: "أما علمت أني مكاثر، حتى إن السقط ليبقى محبنطيًا على الباب الجنة فيقال له ادخل: فيقول: لا حتى يدخل أبواي فيشفع لهما فيدخلان الجنة".
وأخرجه أبو عمر النوقاني في كتاب "معاشرة الأهلين" له من طريق عبد الرازق عن معمر عن عبد الملك بن عمير وعاصم بن بهدلة أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! ابنة عم لي ذات ميسم ومال وهي عاقر أفأتزوجها؟ فنهاه عنها مرتين أو ثلاثًا ثم قال: "لامرأة سوداء ولود أحب إليّ منها، أما علمت أني مكاثر، وإن أطفال المسلمين يقال لهم يوم القيامة: ادخلوا الجنة فيتعلقون بأحقاء آبائهم وأمهاتهم فيقولون: يا ربنا! آباؤنا وأمهاتنا فيقال لهم: ادخلو الجنة أنتم وأباؤكم وأمهاتكم" قال: "ثم يجيء السقط، فيقال له: ادخل اجلنة قال: فيظل محبنطيًا أي متقاعسًا فيقال: يا رب أبي وأمي، قال حتى يلحق به أبواه".
وأما حديث عائشة، فرواه ابن ماجه في سننه من طريق عيسى بن ميمون عن القاسم عنها قالت: قال يا رسول الله ﷺ : "النكاح من سنتي،
стр. 358
فمن لم يعمل بسنتي فليس مني، وتزوجوا فإني مكاثر بكم الأمم، ومن كان ذا طول فلينكح ومن لم يجد فعليه بالصيام، فإنه له وجاء".
وأما مرسل مكحول، فأخرجه سعيد بن منصور في سننه ولفظه: قال: قال رسول الله ﷺ : "عليكم بالحرائر الشباب، فإنهن أطيب أفواهًا وأعز أخلاقًا، وأفتح أرحامًا، ألم تعلموا أني مكاثر بكم".
هذا ما تيسر الوقوف عليه الآن، وصلى الله على سيدنا محمد وسلم تسليمًا كثيرا.
стр. 359
٩٦ - [مسألة] الحمد لله: روى الدارقطني والبيهقي في سننيهما عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "لا اعكتاف إلا بصيام" وسنده ضعيف، وأشار البيهقي وغيره إلى أن رفعه وهم .
وعند أبي داود في سننه من حديثها أنها قالت: "السنة على المعتكف أن لا يعود مريضًا ولا يشهد جنازة ولا يمس امرأة ولا يباشرها ولا يخرج لحاجة إلا لما لابد منه، ولا اعتكاف إلا بصوم".
وقال: إن روايه تفرد بقوله السنة.
قلت: بل رواه البيهقي من حديث غيره وفيه: "والسنة فيمن اعتكف أن يصوم" لكن الراجح وقف آخره كذلك رواه البيهقي أيضًا عنها أنها قالت: لا اعتكاف إلا بصوم، وفي لفظ عنده أيضًا وعند أبي بكر بن أبي شيبة في مصنفه عنها: "من اعتكف فعليه الصيام".
стр. 360
ووافقها على ذلك جماعة من الصحابة، فعند سعيد بن منصور في سننه عن ابن عباس وابن عمر وعائشة ﵃ أنهم قالوا: لا اعتكاف إلا بصوم، وقول ابن عباس جاء من عدة أوجه بألفاظ متقاربة.
منها: ما أخرجه البيهقي في السنن عن أبي فاخته سعيد بن علاقة سمعت ابن عباس يقول: "يصوم المجاور، والمجاور المعتكف".
ومن طريق عطاء عن ابن عباس وابن عمر أنهما قالا: "المعتكف يصوم" وخطأ ابن عيينة من رواه بلفظ: لا اعتكاف إلا بصوم. وكذا قال عمرو بن دينار حيث قيل له: كيف قول ابن عباس على المجاور الصوم؟: ليس كذا قاله ابن عباس. إنما قال: "المجاور يصوم" لكن في السنن لسعيد بن منصور، والمصنف لابن أبي شيبة من طريق عمرو، عن أبي فاختة عن ابن عباس قال: "المعتكف عليه الصوم" وفي السنن فقط من وجه آخر عن عمرو عن أبي فاختة قال: قال ابن عباس: لا جوار إلا بصيام، ومن طريق مجاهد قال: أنا صاحب هذه الخيمة يعني ابن عباس قال: "إذا أفطر المعتكف أعاد الاعتكاف" وفي المصنف فقط من جهة مقسم عن ابن عباس قال: "لا اعتكاف إلا بصوم" وفيهما معًا من طريق طاوس عن ابن عباس قال: "الصوم عليه واجب".
وأخرج ابن أبي شيبة من طريق جعفر عن أبيه عن علي رضي الله
стр. 361
عنه قال: "لا اعتكاف إلا بصوم" وجاء عمن بعدهم القول بذلك، فروى سعيد بن منصور من طريق هشام بن عروة عن أبيه كان يقول: "لا اعتكاف إلا في مسجد جماعة، والمعتكف عليه الصوم، ولا يكون المعتكف إلا بصوم".
وهو عند ابن أبي شيبة باختصار: "لا اعتكاف إلا بصوم" ومن طريق مغيرة الضبي عن إبراهيم النخعي أنه لم يكن يرى الاعتكاف إلا بصوم.
ومن طريق يحيى بن أبي كثير عن عكرمة قال: "على المعتكف الصوم وإن لم يفرضه على نفسه" ومن طريق جابر الجعفي عن عامر الشعبي قال: "لا اعتكاف إلا بصوم" وعند سعيد بن منصور من طريق ليث عن طاؤس أن امرأة جعلت عليها أن تعتكف سنة فماتت قبل أن تفعل فسأله بنون لها أربعة فأمرهم طاوس أن يعتكف عنها كل رجل منهم ثلاثة أشهر ويصوم.
وفي الباب ما أخرجه أبو داود والنسائي والبيهقي في سننهم
стр. 362
وابن أبي عاصم في الصيام له، وغيرهم بألفاظ متقاربة من حديث ابن عمر أن عمر قال للنبي ﷺ يوم الجعرانة: أي رسول الله ﷺ ! إن عليّ يومًا أعتكفه؟ فقال النبي ﷺ : "اذهب فاعتكفه وصمه".
ثم أسند البيهقي عن الدارقطني قال: تفرد به ابن بديل عن عمرو بن دينار وهو ضعيف الحديث. قال الدارقطني: وسمعت أبا بكر النيسابوري يقول: هذا حديث منكر، لأن الثقات من أصحاب عمرو لم يذكروه، منهم: ابن جريج وابن عيينة والحمادان وغيرهم. وابن بديل ضعيف الحديث. انتهى.
ثم أسند البيهقي من طريق الوليد بن مسلم عن سعيد بن بشير عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن عمر نذر أن يعتكف في الشرك، وليصومن، فسأل النبي ﷺ بعد إسلامه فأمره أن يفي بنذره. وقال: ذكر نذر الصوم مع الاعتكاف. غريب تفرد به سعيد عن عبيد الله انتهى.
стр. 363
والحديث في الصحيحين وغيرهما بدون الأمر بالصوم. وجاء ما يخالف هذا، فروى العدني والحاكم من طريقه والبيهقي عن الحاكم. والدارقطني في سننه ومن طرقه الديلمي عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: "ليس على المعتكف صيام إلا أن يجعله على نفسه".
وقال الحاكم: إنه صحيح على شرط مسلم.
قلت: بل جزم جماعة بأن رفعه وهم، والصواب إنه موقوف.
وكذا أخرجه سعيد بن منصور والحميدي عن الدراوردي عن أبي سهيل بن مالك اللذان وقع الحديث من جهتهما قال ابو سهيل: اجتمعت أنا وابن شهاب الزهري عند عمر بن عبد العزيز، وكان على امرأة من أهلي اعتكاف ثلاث في المسجد الحرام فسألت عمر بن عبد العزيز فقال: "ليس عليها صوم إلا أن تجعله على نفسها". وقال الزهري: لا اعتكاف إلا بصوم، فقال له عمر بن عبد العزيز براي من رسول الله ﷺ ؟ قال: لا،
стр. 364
قال: فمن أبي بكر؟ قال: لا، قال: فمن عمر؟ قال: لا، قال: فمن عثمان؟ قال: لا، قال أبو سهيل: فانصرفت فوجدت طاوسًا وعطاء فسألتهما عن ذلك فقال طاؤس: كان ابن عباس لا يرى على المعتكف صيامًا إلا أن يجعله على نسه.
وقال عطاء: "ذلك رايي" وهكذا علقه البيهقي عن الحميدي، وقال عقبه: هذا هو الصحيح موقوف، ورفعه وهم، قال: وكذلك رواه عمرو بن زرارة عن عبد العزيز ـ يعني الدراوردي ـ موقوفًا.
ثم أسنده بلفظ: "كان ابن عباس لا يرى على المعتكف صومًا، وقال عطاء: "ذلك رأي". انتهى.
ووافق ابن عباس على قوله جماعة من الصحابة وغيرهم، فعند سعيد بن منصور في سننه وابن أبي شيبة في مصنفه من طريق ليث عن الحكم أن عليًا وابن مسعود قالا: "المعتكف ليس عليه صوم إلا أن يشترط ذلك على نفسه".
وفي لفظ لابن ابي شيبة: "ليس عليه صوم، إلا أن يفرضه هو على نسه"، ولسعيد وحده من طريق الحكم عن مقسم أن عليًا وابن مسعود قالا: "إن شاء اعتكف وصام وإن شاء لم يصم". ولابن أبي شيبة وحده من طريق أبي معشر عن إراهيم النخعي قال: ليس عليه صوم إلا أن يكون أوجب ذلك على نفسه. ومن طريق قتادة عن الحسن
стр. 365
البصري مثل قول إبراهيم.
فهذا ما وقفت عليه الآن، وبالجملة فكل ما رفع في هذا الباب إلى النبي ﷺ ، لا يصح إثباتًا ولا نفيًا، وما عداه، فمنه ما هو صحيح، ومنه ما في سنده مقال. وقد قال شيخي شيخ الإسلام ابن حجر ﵀ ما نصه: وباشتراطالصوم قال ابن عمر وابن عباس أخرجه عبد الرازق عنهما بإسناد صحيح، وعن عائشة نحوه. وبه قال مالك والأوزاعي والحنفية، واختلف عن أحمد وإسحاق. واحتج عياض بأنه ﷺ لم يعتكف إلا بصوم. وفيه نظر يعني لقوله في حديث الأخبية، ثم اعتكف العشر الأول من شوال، فإن الإسماعيلي قال: فيه دليل على جواز الاعتكاف بغير صوم، لأن أول شوال هو يوم الفطر وصومه حرام.
واحتج بعض المالكية بأن الله تعالى ذكر الاعتكاف أثر الصوم، قال: (ثم أتموا الصيام إلى الليل ولا تباشرهون وأنتم عاكفون).
وتعقب بأنه ليس فيه ما يدل على تلازمهما، وإلا لكان لا صوم إلا باعتكا، ولا قائل به. والله الموفق.
стр. 366
٩٧ - الحمد لله: أملي الديمي على البحيري ومن خطه نقلت ما نصه: حضر الإمام أبو محمد سليمان بن مهران الأعمش الكوفي مجلس الحسن بن عمارة كوفي، فسئل الأعمش عن الحسن بن عمارة تكلم فيه، فلما أن رجع إلى البيت بعث وراء الأعماش وأحسن إليه، وقال له: أريد أن تبدل ذلك الكلام بحسن، ففعل، فقيل للأعمش في ذلك فقال: حدثني إبراهيم عن علقمة عن عبد الله أن النبي ﷺ قال: "جبلت القلوب على حب من أحسن إليها"، هذا سنده صحيح انتهى، زاد البحيري من عنده: والذي لم يقل: إنه حديث ما اطلع على حديث المصطفى، يكفيه أنه مخاف وافتى بغير علم.
واتفق دخولي جامع الأزهر فسئلت عن الحديث والقصة. فقلت: الحديث والحكاية باطلان فبادر من أعلمني بما تقدم.
فكتبت ما نصه: الحمد لله الهادي للحق، هذا الحديث لا يصح عن رسول الله ﷺ بل ولا عن ابن مسعود بل ولا عن الأعمش كما صرح به بعض الحفاظ، ولا ينافيه قول ابن عدي في الكامل: إن المحفوظ وقفه، لإيراده إياه كذلك بسند فيه من اتهم بالكذب ورمى بالوضع، ومعاذ الله أن يصدر مثل هذا من الأعمش الزاهد، الناسك، التارك للدنيا الذي وصفه القائل بقوله: ما رأيت الأغنياء والسلاطين عند أحد أحقر منهم عنده مع فقره وحاجته.
وقال ابن معين فيما حكاه الحاكم: أجود الأسانيد: الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله، فقيل له: الأعمش مثل الزهري؟ فقال:
стр. 367
برئت من الأعمش أن يكون مثل الزهري، الزهري يرى العرض والإجازة ويعمل لبني أمية، والأعمش فقير صبور مجانب للسلطان، ورع عالم بالقرآن. انتهى. على أن في الحكاية والسند المكتوبين بالنسبة للمروي لنا على بطلانه عدة أوهام، لم أتشاغل بردها وأسال اله السلامة من الوقوع في مثل هذا، أو ما قاربه خطأ وإملاء.
روي أبو نعيم في الحلية والخلعي في غير الفوائد وابو محمدبن حيان ومن طريقهم يوسف بن خليل الحافظ في النوادر له وابن حبان في "روضة العقلاء" والخطيب في "تاريخ بغداد" ومن طريقه المزي في "تهذيب الكمال"كلهم من طريق محمد بن عبدي بن عتبة الكندي عن بكار بن أسود العيذي عن إسماعيل بن أبان الخياط قال: بلغ الحسن بن عمارة أن الأعماش وقع فيه فبعث إليه بكسوة فمدحه الأعماش فقيل لأعمش: ذممته ثم مدحته، فقال: إن خيثمة حدثني عن عبدالله بن مسعود قال: "جبلت القلوب على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها". وهكذا رواه ابن عدي في كامله ومن طريقه البيهقي في الحادي والستين
стр. 368
من شعب الإيمان وابن الجوزي في العلل والمتناهية لكن مرفوعًا، وقال ابن عدي عقبه: لم أكتبه مرفوعًا إلا من هذا الوجه وهو معروف عن الأعمش موقوفًا ثم ساقه.
وكذا البيهقي في الشعب من طريقه من طريق أحمد بن محمد بن عمر بن يونس حدثنا عبد الرازق حدثنا معمر قال: لما ولي الحسن بن عمارة مظالم الكوفة ـ بلغ الأعمش فقال: ظالم ولي مظالمنا، فبلغ الحسن فبعث إليه بأثواب ونفقة، فقال الأعمش: مثل هذا ولي علينا يرحم صغيرنا ويعود على فقيرنا ويوقر كبيرنا، فقال رجل: يا أبا محمد! ما هذا قولك فيه أمس؟ فقال: حدثني خيثمة عن ابن مسعود قال: "جبلت القلوب على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها".
وقال البيهقي عقبه: هذا هو المحفوظ موقوف، وقال أبو نعيم: غريب من حديث الأعمش عن خيثمة لم نكبته إلا من هذا الوجه.
قلت: ومدارها ـ أعني الرواية المرفوعة ـ على ابن أبان وقد كذبه
стр. 369
ابن معين وعثمان بن أبي شيبة وأبو داود، وقال الجوزجاني: ظهر منه على الكذب.
ونحوه قول الخطيب واتهمه ابن معين وابن حبان بالوضع، وقال ابن المديني: كتب عنه وتركته، وضعفه جدًا، وكذا قال أحمد: كتبت عنه، حدث بأحاديث موضوعة فتركناه، وقال البخاري: متروك، تركه أحمد والناس.
قلت: وكذا قال مسلم والنسائي والعقيلي والدارقطني والساجي والبزار: متروك الحديث، وقال زراعة وأبو حاتم: ترك حديثه، وقال النسائي: ليس بثقة، وقال العجلي: ضعيف، أدركته ولم أكتب عنه.
وقال أبو أحمد الحاكم: ذاهب الحديث، وقال الأزدي: كوفي زايغ، والحديث باطل والحكاية التي ذكرها عن الأعمش مع الحسن بن عمارة باطل وبكار الراوي عنه، أيضًا وهاه الأزدي وضعفه ابن الجوزي. انتهى.
стр. 370
أما المرفوعة، فراويها عن عبد الرازق، كذبه أبو حاتم، وابن صاعد، وسلمة بن شبيب. وقال الدارقطني: ضعيف، ومرة: متروك، وقال الخطيب: كان غير ثقة، وقال ابن حبان: لا يحتج به انتهى.
ووجدت للحديث طريقًا أخرى إلى الأعمش، فروينا في جزء طلحة بن الصقر ومن طريقه يوسف بن خليل في النوادر: حدثنا صدقة بن هبيرة، حدثنا طريف بن عبيد الله، حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، حدثنا أبي سمعت المشيخة يقولون: ولي الحسن بن عمارة مظالم الكوفة فدخلوا إلى الأعمش فقالوا: يا أبا محمد الحسن بن العمارة ولي المظالم قال: الظالم وابن الظالم ولي المظالم، فبلغ الحسن فوجه إليه بكيس فيه ألف، ومنديل ثياب، فدخلوا بعد ذلك إلى الأعمش فقالوا: يا أبا محمد الحسن بن عمارة ولي المظالم قال: الصالح وابن الصالح ولي المصالح، فقالوا: بالأمس تقول: الظالم واليوم الصالح؟ قال: حدثنا خيثمة عن عبد الله قال: قال النبي ﷺ : "جبلت القلوب على حب من أحسن إليها" وإن الحسن بن عمارة قد أحسن إلينا وبر ووصل. وطريف ضعفه الدارقطني. والراوي عنه، ما عرفته وكذا المشيخة.
стр. 371
وقد جاء عن الأعمش بسند آخر غير الماضي، فروى ابن مردويه، ومن طريقه يوسف بن خليل في النوادر، قال: ذكر داهر بن محمد بن عبدة، حدثنا أحمد بن محمد بن أبي نصر المؤدب، حدثنا وهب بن داود، حدثنا عبيد الله بن موسى قال؛ كنا عند الأعمش فجاء أبو بكر بن عياش وجماعة من الفقهاء فقالوا له: قد بعث أمير المؤمنين إلى الأمير مالاً يقسم على فقهاء الكوفة، فقم حتى تأخذ قسطك قال: فقام وعليه فرو يلبسه في الشتاء، فإذا جاء الصيف قلَّبه، فقال له بعضهم: لو غيرت ثوبك فزبره، وقال: أنا لا أغير ثوبي، وأنا أدخل على سيدي في كل يوم وليلة خمس مرات، أغير لهذا الأمير؟ فدخلوا على الأمير ودخل معهم فسلموا ووقفوا وسلم وجلس فقال الأمير: من ذا؟ قالوا: سليمان بن مهران الأعمش، فقال: نِعم نِعم، فأمر لهم بألف، وأمر له بألف من ماله، فخرجوا وخرج معهم وهو يجزيه فقالوا: يا أبا محمد أنت الأمس تمزقه وتقول، وتقول، قال: نعم، سمعت يحيى بن وثاب يحدثنا عن علقمة، والأسود عن عبد الله بن مسعود سمعت رسول الله ﷺ يقول: «جبلت القلوب على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها، وقد أحسن».
ووهب، قال الخطيب، لم يكن بثقة والراوي عنه ما عرفته وكذا الواسطة بين ابن مردويه وداهر.
стр. 372
وقد روى البيهقي في الشعب من حديث قتادة عن أنس رفعه: "كان يأمر بالهداية صلة بين الناس".
ومن حديث موسى بن وردان عن أنس: تهادوا تحابوا" ومن حديث عائذ بن شريح عن أنس رفعه: "يا معشر الملأ! تهادوا فإن الهدية تذهب بالسخيمة ... الحديث".
стр. 373
٩٨ - سئلت: عما أورده جماعة من متأخري الفقهاء أنه ﷺ قال: "التكبير جزم والسلام جزم" هل له أصل أم لا ؟
والجواب: أنه لا أصل له مرفوعًا، وعمدة هؤلاء المتأخرين على الرافعي في ذلك فإنه أورده كذلك، وذكر غير واحد ممن خرج كتابه أنه لا أصل له بهذا اللفظ، وإنما هو قول إبراهيم النخعي، حكاه الترمذي في جماعه عنه عقب حديث أبي هريرة الآتي فقال ما نصه: وروي عن إبراهيم النخعي أنه قال: التكبير جزم والتسليم جزم.
والجملة الثانية روى بمعناها أبو داود والترمذي وابن خزيمة والحاكم في صحيحيهما من رواية قرة بن عبد الرحمن عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: "حذف السلام سنة".
رفعه أبو داود وابن خزيمة والحاكم مع حكايتهما الوقف أيضًا، ووقفه الترمذي وقال: إنه حسن صحيح.
وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، ونقل أبو داود عن الفريابي قال: نهاني أحمد بن حنبل عن رفعه. وعن عيسى بن يونس الرملي قال: نهاني ابن المبارك عن رفعه، والمعنى: أنهما نهيا أن يُعزى هذا القول إلى النبي ﷺ وإلا فقول الصحابي: "السنة كذا" له حكم المرفوع على الصحيح
стр. 374
عند أهل الحديث والفقه والأصول، على أن البيهقي قال: كأن وقفه تقصير من بعض الرواة، وصحح الدارقطني في "العلل" في حديث الفريابي وقفه.
وأما أبو الحسن ابن القطان، فقال: إنه لا يصح مرفوعًا ولا موقوفًا، قرة، لميخرج له مسمل محتجًا به، بل مقرونًا بغيره ثم حكى قول أحمد: إنه منكر الحديث جدًا، وأن البخاري قال: كل من قلت فيه: منكر الحديث فلا تحل الرواية عنه، وعلى هذا فلا يحمل قوله: منكر الحديث، على إرادة حديث خاص رواه ذاك الراوي، وإن أطلقه المحدثون كثيرًا لا سيما هنا، فقد قال ابو زرعة الرازي في قرة هذا: الأحاديث التي يرويها مناكير، ولذا ضعفه أحمد وابن معين في رواية، وقال أبو حاتم والنسائي: ليس بالقوي، ومع هذاكله فقد ذكره ابن حبان في الثقات. وقال ابن معين في رواية أخرى: إنه ليس به بأس، وكذا قال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به، واختلف في لفظه ومعناه فقال الهروي في الغربيين: عوام الناس يضمون الراء من الله أكبر.
وقال أبو العباس المبرد: الله أكبر الله أكبر، ويحتج بأن الأذان سمع موقوفًا غير معرب في مقاطعه، وكذا قال ابن الأثير في
стр. 375
النهاية، معناه: أن التكبير والسلام لا يمدان ولا يعرب التكبير، بل يسكن آخره، وتبعه المحب الطبري، وهو مقتضى كلام الرافعي في الاستدلال به على أن التكبير جزم لا يمد، وعليه مشى الزركشي حيث قال: معنى قوله "جزم" أي يجزم الراء من التكبير، وإن كان أصله الرفع بالخبرية، ويمكن الاستشهاد له بما أخرجه الطيالسي في مسنده من طريق ابن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه قال: "صليت خلف النبي ﷺ فكان لا يتم التكبير" لكن قد خالفهم شيخي ﵀ فقال: وفيما قالوه نظر، لأن استعمال لفظ الجزم في مقابل الإعراب اصطلاح حادث لأهل العربية فكيف تحمل عليه الألفاظ النبوية يعني على تقدير الثبوت، وجزم بأن المراد بحذف السلام وجزم التكبير الإسراع به، وقد أسند الحاكم عن أبي عبد الله البوشنجي أنه سئل عن حذف السلام، فقال: لا يمد. وكذا أسنده الترمذي في جامعه عن ابن المبارك أنه قال: لا يمده مدًا.
قال الترمذي: وهو الذي استحبه أهل العلم، وقال الغزالي في الإحياء: ويحذف السلام ولا يمده مدًا، فهو السنة.
وكذا قال جماعة من العلماء أنه يستحب أن يدرج لفظ السلام ولا
стр. 376
يمده مدًا، وأنه ليس برفع الصوت، فرفع الصوت غير المد، وقيل: معناه: إسراع الإمام به لئلا يسبقه المأموم.
وعن بعض المالكية: هو أن لا يكون فيه قوله: ورحمة الله، فهذا ما علمته الآن في معناه.
وأما لفظه، فجزم: بالجيم والزاي المعجمتين، ولكن قيَّده بعضهم بالحاء المهملة والذال المعجمة، ومعناه: سريع فالحذم: السرعة، ومنه قول عمر: "إذا أذنت فترسل وإذا أقمت فاحذم" أي أسرع، حكاه ابن سيد الناس وكذا السروجي المحدث من الحنفية وقال: والحذم في اللسان السرعة، ومنه قيل للأرنب حذمة. والله الموفق.
стр. 377
٩٩ - وسئلت عما اشتهر: "ما خلا جسد من حسد، والعداوة في الأهل، والحسد في الجيران ".
فقلت: لم أقف على أصل بهذا اللفظ، نعم أخرج أبو موسى المديني في "نزهة الحفاظ" له معناه من طريق خلف بن موسى العمي عن أبيه عن قتادة عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "كل بني آدم حسود، وبعض أفضل في الحسد من بعض ولا يضر حاسدًا حسده ما لم يتكلم باللسان أو يعمل باليد" وسنده ضعيف. وروينا من طريق بشر بن الحارث أنه قال: العداوة في القرابة والحسد في الجيران والمنفعة في الإخوان.
١٠٠ - وسئلت: عما اشتهر أنه من أراد أن يكون حمل زوجته ذكرًا فليضع يده على بطنها وليقل: إن كان هذا الحمل ذكرًا سميته محمدًا فإنه يكون .
فقلت: لا أصل له، نعم روينا في جزء أبي شعيب عبد الله بن الحسن الحراني عن عطاء الخراساني قال: "ما سمي مولود في بطن أمه محمدًا إلا أذكر".
стр. 378
وفي ترجمة محمد بن سلام بن مسكين البغدادي من تاريخ ابن النجار قال: حدثنا وهب بن وهب حدثنا جعفر بن محمد حدثنا محمد بن علي حدثنا علي بن الحسين حدثنا الحسين بن علي حدثنا علي بن ابي طالب قال: "من كان له حمل فنوى أن يسميه محمدًا حوله الله ذكرًا وإن كان أنثى" قال وهب: فنويت سبعة كلهم سميتهم محمدًا، وروى الدينوري في الجزء الرابع عشر من المجالسة من طريق أبي الزناد قال: كنت مئناثًا، فقلت ذلك لبعض إخواني فقال لي: إذا جامعت فاستغفر، فولد لي بضعة عشر ذكرًا.
ومثله ما رويناه في "تذكرة الغافل وأنس العاقل" لأبي الغنائم النرسي من حديث محمد بن زياد قال: قدمت المدينة، فرأيت موسى بن جعفر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب جالسًا في الروضة الشريفة في مسجد النبي ﷺ والناس يسالونه فتذكرت شيئًا أسأله عنه، فلم أذكر، وكنت مئناثًا فذكرت ذاك له فقال: إذا أردت أن تجامع فاستغفر الله، ففعلت فولد لي بضعة عشر ذكرًا.
قال أبو الأسود ـ راوي ذلك ـ عن محمد بن زياد: فأنا رايت منهم جماعة. والله الموفق.
стр. 379
١٠١ - وسئلت عن ما يكتب لمن يتعسر عليه الولادة .
فقلت: روى الدينوري في الجزء الرابع عشر من مجالسته من طريق عكرمة عن ابن عباس قال: مر عيسى بن مريم ﷺ ببقرة قد اعترض ولدها في بطنها فقالت: يا كلمة الله أدع الله أن يخلصني، فقال ﷺ : "يا خالق النفس من النفس ويا مخرج النفس من النفس خلصها"، فألقت ما في بطنها قال: فإذا عسر على المرأة ولدها فليكتب لها هذا.
ومن طريق محمد بن الحكم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: إذا عسر على المرأة ولدها فليكتب لها: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين (كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون).
ورواه البيهقي في الدعوات مترجمًا عليه "ما يقول: إذا عسر على المرأة ولدها" من طريق الحكم بن عتيبة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال في المرأة يعسر عليها ولدها قال: يكتب في قرطاس ثم يسقى: بسم الله الذي لا إله إلا هو الحليم الكريم، سبحان الله وتعالى رب العرش العظيم، (الحمد لله رب العالمين) كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون) (كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها).
وقال عقبه: هذا موقوف على ابن عباس.
стр. 380
قلت: وقد رواه ابن السني في عمل اليوم والليلة له من طريق الحكم عن سعيد عن ابن عباس رفعه: "إذا عسر على المرأة ولدها أخذه إناء نظيف فيكتب فيه (كأنهم يوم يرون ما يوعدون) الآية و (كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها) و (لقد كان في قصصهم عبرة لألوي الألباب) إلى آخر الآية، وتسقى المرأة منه وينضح على بطنها وفرجها.
وروينا في جزء"تمثال النعل" لابن عساكر أن مثال النعل الشريف إذا أمسكته الحامل بيمينها وقد اشتد عليها الطلق تيسر أمرها بحول الله وقوته.
وفي ترجمة التاج محمد بن هبة الله البرمكي الحموي من "بقات الشافعية الكبرى" لابن السبكي أنه قرأ بخطه من نظمه:
اثنان من بعدهما تسعة ... وسبعة من قبلها أربع
وخمسة ثم ثلاث ومن ... بعد ثلاث ستة تتبع
ثم ثمانٍ قبلها واحد ... فرتب الأعداد إذا تجمع
وقال: إنه يكتب على خرقتين لم يصبهما ماء وتضعهما المطلقة تحت قدميها تضع بإذن الله ، وهذه صورتها.
٢ ٩ ٤
٧ ٥ ٣
٦ ١ ٨
[فائدة: في انشقاق القمر ووقت دفنه ﷺ ]:
ص. وذاك مرتين بالإجماع ... والنص والتواتر لها السماع
стр. 381
ش. اعلم أنه قد استشكل هذا من أجل أن ظاهره يقتضي أن الانشقاق وقع مرتين ولم يوجد التصريح بذلك عن أحد من السلف رحمة الله عليهم حتى قال شيخي ﵀ في فتح الباري له: لا أعرف من جزم من علماء الحديث بتعدد الانشقاق في زمنه ﷺ [ولم يتعرض] لذلك أحد من شراح الصحيحين، وقد تكلم ابن القيم على هذه الرواية ـ يعني التي بلفظ مرتين كما قدمتها ـ فقال: المرات يراد بها الأفعال تارة، والأعيان أخرى، والأول أكثر: ومن الثاني انشق القمر مرتين، وقد خفي على بعض الناس فادعى أن انشقاق القمر مرتين، وهذا مما يعلم أهل الحديث والسير أنه غلط فإنه لم يقع إلا مرة واحدة. انتهى.
وقال الداودي: يحتمل أن يكون إحدى الروايتين يعني فرقتين ومرتين وهما للتضاد، وأما العماد ابن كثير، فقال في الرواية التي فيها مرتين: نظر، ولعل قائلها اراد فرقتين.
قلت: وعبارة الناظم كما قال تلميذه شيخي رحمهما الله: تحتمل هذا التأويل، فإنه جمع بين قوله فرقتين وبين قول مرتين، فيمكن أن يتعلق قوله بالإجماع، باصل الانشقاق لا بالتعدد مع أن في نقل الإجماع في نفس الانشقاق ما سيأتي بيانه. انتهى.
ونحوه ما قرأته بخط القاضي جلال الدين البلقيني ﵀ حيث قال: إن عاد الإجماع إلى أصل الانشقاق فهو ظاهر، وأما عوده إلى التعدد
стр. 382
فغير ظاهر، فإن ذلك لم يقع إلا في رواية مسلم يعني دون البخاري وهي محتملة للتأويل فلا إجماع حينئذ.
إذا علم هذا فلم يعرج الشارح على الاحتمال الثاني أصلاً، وهو صنيع جيد وعبارته: وهذا بالإجماع لا نزاع فيه لأنه ثبت بالقرآن والنص في الأحاديث الصحيحة. انتهى.
وكأنه لما لم ير للاحتمال الثاني سلفًا وكانت جلالة الناظم في العلم لا سيما فنون الأثر مقررة نزهه عن قوله هذا والله الموفق.
ص. وذلك في ليلة الأربعاء ... أو قبلها بليلة ليلاء
وقيل يوم الموت بالتعجيل ... صححه الحاكم في الإكليل
ش: اشار فيهما إلى الخلاف في وقت دفنه ﷺ واقتصر على هذه الأقوال الثلاثة وقد أوردها الحاكم في "الإكليل" وزاد رابعًا ولفظه: اختلفوا في وقت دفنه ﷺ على ثلاثة أوجه فقالوا: عند الزوال يوم الثلاثاء وقالوا: ليلة الثلاثاء وقالوا: ليلة الأربعاء، وأصحها وأثبتها أنه توفي حين زاغت الشمس يوم الاثنين ودفن في تلك الساعة. انتهى.
فأولها: هو الذي لم يتعرض له الناظم، وقد أسنده البيهقي في الدلائل جهة عكرمة عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ موضوعًا على سريره من حين زاغت الشمس من يوم الإثنين إلى أن زاعت الشمس يوم الثلاثاء يصلي الناس عليه وسريره على شفير قبره، فلما أرادوا أن يقبروه نحوا السرير من قبل رجليه فأدخل من هناك وزاغت الشمسمالت، وذلك إذا فاء الفيء، وهذا القول هو الذي صدر به ابن عبد البر كلامه
стр. 383
حيث قال: ودفن ﷺ يوم الثلاثاء حين زاغت الشمس وقيل: بل ليلة الأربعاء فاقتضى ترجيحه، ويقرب منه ما رواه البيهقي عن الأوزاعي قال: توفي ﷺ يوم الإثنين في ربيع الأول قبل أن ينتصف النهار ودفن يوم الثلاثاء.
وعن ابن جريج فيما أخرجه أحمد وكذا البيهقي أيضًا قال: أخبرت أن النبي ﷺ مات في الضحى يوم الإثنين ودفن الغد في الضحى.
ثم إن ما بدأ به الناظم هو في خبر عند ابن إسحاق والبيهقي من طريقه بسنده عن عائشة ﵂ قالت: ما علمنا بدفن رسول الله ﷺ حتى سمعنا صوت المساحي من جوف الليل ليلة الأربعاء.
وكذا رواه الإمام أحمد من وجه آخر عن عائشة قالت: توفي رسول الله ﷺ يوم الإثنين ودفن ليلة الأربعاء، وعند البيهقي من مرسل أبيجعفر أنه ﷺ توفي يوم الإثنين فلبث ذلك اليوم وتلك الليلة ويوم الثلاثاء إلى آخر النهار.
وكذا ذكر ابن سعد عن عكرمة قال: توفي رسول الله يوم الإثنين فحبس بقية يومه وليلته ومن الغد حتى دفن من الليل.
وهذا القول هو المشهور الذي نص عليه غير واحد من الأئمة سلفًا
стр. 384
وخلفًا منهم: سليمان بن طرخان التيمي وجعفر بن محمد الصادق، وابن إسحاق، وموسى بن عقبة، وغيرهم، وصححه من المتأخرين ابن كثير، والقول الثاني من النظم رواه سيف عن هشام عن أبيه قال: توفي رسولالله ﷺ يوم الغثنين وغسل يوم الإثنين ودفن ليلة الثلاثاء.
وفي المسألة قول خامس، فأسند ابن سعد أيضًا عن عباس بن سهل عن أبيه عن جده قال: توفي النبي ﷺ يوم الإثنين فمكث يوم الإثنين والثلاثاء حتى دفن يوم الأربعاء.
وهكذا هو عند البيهقي من طريق معتمر بن سليمان عن أبيه قال: لما فرغوا من غسله ﷺ وبكفته وضعوه حيث توفي فصلى الناس عليه يوم الإثنين، وتوفي يوم الثلاثاء ودفن يوم الأربعاء.
وساسد وهو غريب. رواه البيهقي من مرسل مكحول وفيه: ثم توفي فمكث ثلاثة أيام لا يدفن، يدخل عليه الناس أرسالاً أرسالاً يصلون عليه، تدخل العصبة تصلي وتسلم لا يصفون ولا يصلي بين يديهم مصلى حتى فرغ من يريد لك ثم دفن.
فإن قيل: ما الحكمة في تأخير الدفن؟ قيل: إنما أخر للاشتغال بأمر البيعة ليكون لهم إمام يرجعون إلى قوله لئلا يؤدي إلى النزاع. واختلاف الكلمة وهو أهم الأمور والله المستعان.
стр. 385
١٠٢ - [مسألة] الحمد لله أملى القاضي الحنفي المحب ابن الشحنة، أصلح الله أحواله، على جماعته. حديث عبد الله بن سلام في قدوم النبي ﷺ المدينة، أورده عن البرهان الحلبي، عن الصلاح ابن عمر عن الفخر البخاري. عن ابن طبرزد، عن ابن حصين، عن ابن غيلان عن معاذ، عن يحيى، عن عوف، عن زرارة، عن عبد الله بن سلام، وقال: إنه من العشاريات لشيخه.
قلت: وهذا فيه سقط في موضعين من كل موضع راو، الأول: شيخ ابن غيلان وهو أبو بكر محمد بن عبد الله بن إبراهيم الشافعي، والثاني: شيخ معاذ، وهو مسدد فأما أولهما، فإنه صاحب الفوائد المشهورة التي انتقاها الحافظ أبو الحسن الدارقطني من حديثه وعرفت بالغيلانيات لانفراد ابن غيلان راويها عنه بها، وهذا الحديث هو آخر حديث فيها وشيخه في هذا الحديث هو معاذ بن المثنى بن معاذ العنبري راوي مسند مسدد عنه وقد سمع منه أبو بكر الشافعي جميع المسند المذكور، وخرج له الدارقطني الحديث المذكور منه، وشيخ مسدد فيه هو يحيى بن سعيد الذي روى الإمام أحمد الحديث في المسند عنه.
وأخرجه الحاكم والترمذي وغيرهما من طريقه، ولم ينفرد به
стр. 386
يحيى عن عوف بن أبي جميلة الأعرابي، فقد رواه أبو اسامة حماد بن أسامة عند ابن ماجه وأبي نعيم فيما رواه الضياء من طريقه، وخالد بن الحارث عند البيهقي في الشعب وسعيد بن عامر كما رواه الدارمي وعبد بن حميد في مسنديهما عنه، وسليمان بن حيان أبو خالد الأحمر فيما أشار إليه أبو نعيم في المعرفة، وعبد الله بن المبارك كما أخرجه العسكري في الصحابة من طريقه، وعبد الله بن يزيد المقرئ كما هو في الجزء الأول من حديث الهاشمي وعبد ربه بن نافع أبو شهاب الحناط فيما أشار إليه أبو نعيم في المعرفة، وعبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي كما هو عند الترمذي وابن ماجه وعبد الوهاب بن عطاء كما هو عند الحاكم في المستدرك وعثمان [بن الهيثم المؤذن] كما أخرجه البيهقي في الدلائل ومحمد بن جعفر غندر كما هو عند
стр. 387
أحمد والترمذي ابن ماجه ومحمد بن عبد الرحمن الطفاوي كما هو في سابع المحامليات الأصبهانية، ومحمد بن أبي عيد عند الترمذي وابن ماجه ومروان بن معاوية الفزاري كما هو في مسند أبي يعلي الموصلي، ومعاذ بن عوذ الله القرشي كما هو في المعجم الكبير للطبراني ومعرفة الصحابة لأبي نعيم والسنن الكبرى للبيهقي ودلائل النبوة له وهوذة بنخليفة كما هو عند الحاكم والحارث بن أبي أسامة، والطبراني في الكبير والضياء في المختارة وآخرون كلهم عن عوف.
стр. 388
كما أن زرارة لم يتفرد به عن عبد الله بن سلام، بل رواه سعيد بن المسيب وأبو العالية فيما أشار إليه أبو نعيم في "إطعام الطعام" كلاهما عن عبد الله.
وبهذا يتبين أن قول شيخنا في تخريج الأذكار في المجلس الخامس والثلاثين بعد الستمائة من تخريجه: مدار الحديث على عوف، فقول الشيخ ـ يعني النووي ـ بالأسانيد الجيدة يوهم أن للحديث طرقًا إلى الصحابي وليس كذلك، فيه توقف.
وقد صحح الحديث الترمذي والحاكم، وقال شيخنا: في تصحيح الترمذي له نظر فإن زرارة وإن كان ثقة لا يعرف له سماع من عبد الله بن سلام فلعله أطلق الصحة لما للمتن من الشواهد.
وأما تصحيح الحاكم، فلعله تبع الترمذي.
ومن شواهد المتن ما أخرجه البخاري في الأدب المفرد من
стр. 389
حديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا: "اعبدوا الرحمن وأفشوا السلام وأطعموا الطعام تدخلوا الجنان" وسنده جيد، ورواه الترمذي، وصححه، وكذا صححه ابن حبان ووراء هذا كله أنني ما أعلم الحديث في مسموع البرهان على الصلاح. والله الموفق.
стр. 390
١٠٣ - مسألة: روى الترمذي في جامعه في "باب ما جاء في التجار وتسمية النبي ﷺ إياهم" من حديث ابن خثيم عن إسماعيل بن عبيد ويقال: عبيد الله بن رفاعة عن أبيه عن جده أنه خرج مع النبي ﷺ إلى المصلى فرأى الناس يتبايعون فقال: "ي ا معشر التجار! " فاستجابوا لرسول الله ﷺ ، ورفعوا أعناقهم وأبصارهم إليه، فقال: "إن التجار يبعثون يوم القيامة فجارًا إلا من اتقى الله وبر وصدق".
وقال عقبه: هذا حديث حسن صحيح، وكذا أخرجه ابن ماجه في التوقي في التجارة من سننه من حديث إسماعيل، ولفظه: خرجنا مع رسول الله ﷺ فإذا الناس يتبايعون بكرة فناداهم: "يا معشر التجار" فلما رفعوا أبصارهم، ومدوا أعناقهم قال: "إن التجار" وذكره. ورواه الحاكم في صحيحه المستدرك على الصحيحين من حديث إسماعيل أيضًا ولفظه: أنه خرج مع رسول الله ﷺ إلى المصلى بالمدينة، فوجد الناس يتبايعون فقال: "يا معشر التجار" فاستجابوا له ورفعوا أبصارهم وأعناقهم إلى رسول الله ﷺ فقال: "إن التجار يبعثون يوم القيامة إلا من اتقى وبر وصدق".
وقال الحاكم عقبه: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وكذا أخرجه ابن حبان في صحيحه من حديث إسماعيل، وأخرجه الدارمي في مسنده
следующие страницы →