Полный текст (1 198 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
الذي بيده الملك؟ قال: ليس جابر حدثنيه، حدثني صفوان ـ أو ابن صفوان ـ شك أبو خيثمة ـ عن النبي ﷺ . قال الترمذي وكأن زهيرًا أنكر أن يكون هذا الحديث عن أبي الزبير عن جابر. انتهى.
وقد قال الدارقطني: إن قول زهير هذا أشبه بالصواب من قول ليث ومن تابعه، وكذا صوب إثباته الواسطة بين الثوري وأبي الزبير بالنسبة لحديث الثوري.
وحينئذٍ فالحديث مرسل، لأن صفوان هو ابن عبد الله بن صفوان بن أمية تابعي. وللحديث شاهد أخرجه أبويعلي من طريق حماد بن زيد عن أبي لبابة ـ هو مروان الوراق ـ عن عائشة ﵂ قال: كان رسول الله ﷺ يقرأ كل ليلة: تنزيل السجدة، لكن الحديث عند النسائي والترمذي كلاهما من هذا الوجه بلفظ: كان لا ينام حتى يقرأ الزمر وبني إسرائيل.
ووقع عند أبي الشيخ في حديث جابر من الزيادة: "فضلهما على
стр. 457
كل سورة بستين درجة"، ولم يأت بها غيره لكن قد روى الدارمي في مسنده من طريق مسدد في مسنده عن معتمر. ورواه الترمذي في جامعه من طريق فضيل عن ليث عن طاوس قال: تفضلان على كل سورة في القرآن بسبعين حسنة. وهكذا هو مجرد في أصلي ومرجع التثنية لما في الحديث قبله وهو الم وتبارك، فالله أعلم.
ومما ورد في فضائل هاتين السورتين، ما أخرجه ابن الضريس في فضائل القرآن من طريق عبد الله بن ضمرة عن كعب ـ هو الأحبار ـ أنه قال: من قرأ في ليلة الم تنزيل السجدة وتبارك الذي بيده الملك، كتبت له سبعون حسنة، ومحيت عنه سبعون خطيئة ورفعت له سبعون درجة وهو عند الدارمي في مسنده من هذا الوجه لكن بدون تقييد. ولفظه: من قرأ تنزيل السجدة، وتبارك، كتبت له سبعون حسنة، وحط عنه سبعون سيئة ورفع له بها سبعون درجة، ورواه إسماعيل بن عياش فيما أخرجه ابن الضريس في الفضائل من حديثه عن إسماعيل بن رافع عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة رفعه بلفظ: "من قرأ: (الم تنزيل) و (تبارك الذي بيده الملك) في يوم وليلة فكأنما وافق ليلة القدر".
وهذا معضل مع ضعف سنده أيضًا.
وأخرجه الواحدي من طريق هارون بن كثير عن زيد بن أسلم عن أبيه عن أبي أمامة عن أبي بن كعب ﵁ قال: قال رسول الله
стр. 458
صلى الله عليه وسلم: "من قرأ سورة (تنزيل السجدة) و (تبارك الذي بيده الملك) فكأنما أحيا ليلة القدر".
وكذا رواه الثعلبي وابن مردويه وغيرهما، وهو في الحديث الطويل الموضوع، مما أخرجه العقيلي وغيره من طريق زيد بن جدعان وعطاء بن ابي ميمونة كلاهما عن زر بن حبيش عن أبي. ورواه الثعلبي من رواية أبي عصمة عن زيد العمي عن أبي نضرة عن ابن عباس عن أبي. وأبو عصمة منكر الحديث وقد وضع حديثًا على عكرمة عن ابن عباس في فضائل القرآن سورة سورة.
وعند ابن مردويه من طريق نافع عن ابن عمر ﵄، وفيه داود بن معاذ، وهو ساقط.
وعند أبي الشيخ من طريق طاوس أنه قال: من قرأ سورة (الم تنزيل السجدة) و (تبارك الذي بيده الملك) فكأنما قرأهما في ليلة القدر. قال هشام: فمر عطاء فسالناه فقال: نعم قد بلغني ذلك وما تركتها منذ سمعت هذا الحديث، وكذا جاء عن طاوس أنه لم يكن يدعهما.
стр. 459
فروى ابن الضريس في الفضائل من طريق يحيى بن أبي كثير قال: كان طاوس لا ينام حتى يقرأ هاتين السورتين (تنزيل) و (تبارك). وكان يقول: إن كل آية منهما تشفع ستين آية يعني تعدل ستين آية.
ومن فضائلهما ما رواه ابن الضريس أيضًا عن طريق عاصم بن بهدلة عن المسيب بن رافع أن النبي ﷺ قال: " (الم تنزيل) تجيء لها جناحان يوم القيامة، تظل صاحبها وتقول: لا سبيل عليه لا سبيل عليه". وهذا مرسل، وللدارمي في مسنده من طريق عبدة عن خالد بن معدان أنه قال: اقرؤا المنجية وهي: (الم تنزيل) فإنه بلغني أن رجلاً كان يقرؤها، ما يقرأ شيئًا غيرها وكان كثير الخطايا فنشرت بجناحها عليه، وقالت: رب اغفر له فإنه كان يكثر قراءتي فشفعها الرب فيه وقال: اكتبوا له بكل خطيئة حسنة وارفعوا له درجة".
ومن طريق ابي خالد عامر بن جشيت وبحير بن سعد أن خالد بن معدان قال: إن (الم تنزيل) تجادل عن صاحبها في القبر تقول: اللهم إن كنت من كتابك فشفعني فيه. وإن لم أكن من كتابك فانحني عنه وإنها تكون كالطير تجعل جناحها عليه فتشفع له فتمنعه من عذاب القبر، وفي تبارك مثله. فكان خالد لا يبيت حتى يقرأ بهما.
وروى الديلمي في مسنده من طريق الطبراني من جهة سوار بن
стр. 460
مصعب عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب ﵄ رفعه: "من قرأ (الم تنزيل السجدة) و (تبارك الذي بيده الملك) قبل النوم، نجا من عذاب القبر ووقي الفتانين". وسنده ضعيف.
وعند أبي الشيخ من طريق ثابت البناني ورجل آخر أنهما دخلا على مطرف بن عبد الله بن الشخير وهو مغشي عليه فسطعت منه أنوار ثلاثة: نور من رأسه ونور من وسطه ونور من رجليه فأهالنا ذلك فأفاق فقلنا: كيف تجدك يا أبا عبد الله؟ قال: صالحًا فقلنا: لقد رأينا شيئًا هالنا قال: وما هو؟ قلنا: أنوار ثلاث سطعت منك قال: وقد رأيتم ذلك؟ قلنا: نعم، قال: ذلك (الم تنزيل السجدة) وهي تسع وعشرون آية سطع أولها من رأسي وأوسطها من وسطي وآخرها من قدمي وقد صعدت تشفع لي وهذه تبارك تحرسني قال: فقبض ﵀.
وعند الديلمي في منسده من طريق الليث عن إسماعيل بن رافع عن أبي فروة الأشجعي رفعه: "من قرأ (الم تنزيل) لم يدخل الشيطان بيته ثلاثة أيام وقد أورده صاحب الكشا وقال شيخنا في تخريجه تبعًا لأصله لم أجده.
وعند أبي الشيخ في الثواب من حديث عائشة مروعًا: "من قرأ في ليلة (الم تنزيل السجدة) و (يس) و (اقتربت الساعة) و (تبارك) كن له حرزًا من الشيطان وبركه، ورفعه الله في الدرجات يوم القيامة".
وجاء في تبارك بخصوصها غير ما ذكر، والله الموفق.
стр. 461
١١٦ - الحمد لله وسألني: الفقيه فخر الدين عثمان المقسي نفع الله به عن القرافة وما فيها من كلام .
فكتبت ما نصه: الكلام على ذلك، من أوجه، الأول: في السبب في تسميتها بذلك وهو لأن قبيلة من المعافر تسمى كذلك، نزلت بموضعها وكانت محلة فسمى الموضع باسمها.
وقد انتسب إليها من العلماء والمحدثين جماعة، منهم: أبو دجانة أحمد بن إبراهيم بن الحكم بن صالح يروي عن حرملة وغيره، مات في سنة تسع وتسعين ومائة، والشهاب أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن المالكي صاحب "التنقيح" وغيره، وأبو شعيرة علقمة بن عاصم المعافري، وابو الحسين علي بن صالح الوزير شيخ لابن ماكولا، وأحد أئمة المالكية في عصرنا الشمس محمد بن أحمد بن عمر بن شرف، ومحمود بن محمد، وأبو الفضل الجوهري، ومن لا ينحصر. وتشتبه هذه النسبة بالقوافي مثلها لكن بواو بدل الراء، وهو عريف القوفي شاعر مشهور، ومثل الأول ولكن بقاف مضمومة بدل الفاء وقبلها موحدة شخص بلخي ذكره الماليني.
وذكر الأمير في ترجمة القرافي العراقي والعرافي، والله أعلم.
الثاني: في اشتهار كونها مقبرة للمصريين حتى قال ابن الأثير وغيره: القرافة مقبرة مصر. فروي ابن عبد الحكم في فتوح
стр. 462
مصر من طريق ابن لهيعة أن المقوقس قال لعمرو ﵁: إنا نجد في كتابنا أنه ما بين هذا الجبل يعني المقطم وحيث نزلتم نبتت فيه شجرة الجنة، فكتب بقوله إلى عمر بن الخطاب ﵁ قال: صدق، فاجعلها مقبرة للمسلمين.
ومن طريق الليث ﵀ قال: سأل المقوقس عمرو بن العاص أن يبيعه المقطم بسبعين ألف دينار فعجب عمرو من ذلك وقال: اكتب في ذلك إلى أمير المؤمنين، فكتب بذلك إلى عمر فكتب إليه عمر: سله لم أعطاك به ما أعطاك وهي لا تزدرع ولا يستنبط بها ماء ولا ينتفع بها فسأله فقال: إنا لنجد صفتها في الكتب، إن فيها غراس الجنة، فكتب بذلك إلى عمر فكتب إليه عمر: إنا لا نعمل غراس الجنة إلا المؤمنين فأقبر فيها من مات قبلك من المسلمين، ولا تبعه بشيء وكان أول من دفن فيها رجل من المعافر يقال له: عامر فقيل: عمرت، فقال المقوقس لعمرو كما رواه ابن عبد الحكم أيضًا من طريق ابن وهب عن عمارة بن عيسى-: ما عاهدتنا على ذلك فقطع لهم الحد الذي بين المقبرة وبينهم، وقال غير عمارة: فقبر فيها من عرف من أصحاب رسول الله ﷺ .
وروي من طريق ابن لهيعة عن من حدثه تسمية خمسة نفر دفنوا بها وهم: عمرو بن العاص وعبد الله بن حذافة السهمي، وعبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي، وأبو بصرة الغفاري وعقبة بن عامر الجهني، زاد غيره: ومسلمة بن مخلد الأنصاري. انتهى.
стр. 463
وفي لفظ عند الكندي في فضائل مصر: أن عمرًا كان يسيح في سفح الجبل المقطم ومعه المقوقس فقال له عمرو: ما بال جبلكم هذا أقرع ليس عليه نبات كجبال الشام فلو شققنا فس سفحه نهرًا وغرسناه نهرًا؟ فقال المقوقس: وجدنا في الكتب أنه كان أكثر الجبال أشجارًا ونباتًا وفاكهة وكان ينزله المقطم بن مصر بن بيصر بن حام بن نوح علهي السلام فلما كانت الليلة التي كلم الله فيها موسى ﵇ أوحى الله إلى الجبال أني مكلم نبيًا من أنبيائي على جبل بيت منكم فشمت الجبال كلها وتشامخت إلا جبل بيت المقدس فإنه هبط وتصاغر، فأوحى الله إليه ـ وهو أعلم به ـ لم تفعل هذا؟ فقال: إعظامًا وإجلالاً لك يا رب فأمر الله الجبال أن يجئه كل جبل بما فيه من النبات فجاد له المقطم بكل ما عليه من النبات حتى بقي كما ترى، فأوحى الله إليه: إني معوضك على فعلك بشجر الجنة أو غراس الجنة، فكتب عمرو بذلك إلى عمر بن الخطاب فكتب إليه عمر: إني لا أعلم غراس الجنة إلا المؤمنين، فاجعله لهم مقبرة، فغضب المقوقس من ذلك وقال لعمرو: ما على هذا صالحتني، فلقطع له قطيعًا نحو الحبش يدفن فيه النصارى.
قال: وروي أن موسى ﵇ سجد فسجدت معه كل شجرة من المقطم إلى طرا. وروي أنه مكتوب في التوراة وادي سفحة مقدس يريد وادي موسى ﵇ بالمقطم، عند مقطع الحجارة وأن موسى ﵇ كان يناجي ربه بذلك الوادي.
وروى أسد بن موسى قال: شهدت جنازة مع ابن لهيعة فجلسنا حوله فرفع راسه إلى الجبل فقال: إن عيسى بن مريم ﵇ مر بسفح
стр. 464
هذا الجبل وعليه جبة صوف وقد شط وسطه بشريط وأمه إلى جانب فالتفت إليها وقال: يا أمه! هذه مقبرة أم محمد ﷺ .
وروى ابن لهيعة عن عباس بن عباس أن كعب الأحبار سال رجلاً يريد مصر فلقال له: أهد لي تربة من سفح مقطمها فأتاه منه بجراب فلما حضرت كعبًا الوفاة أمر به فجعل في لحده تحت جنبه.
قلت: والمقطم كما قال ابن لهيعة: هو ما بين القصير إلى مقطع الحجارة وما بعد ذلك فمن اليحموم جبلاً آخر.
وروي كما أورده ابن عبد الحكم عن أبي قبيل المعافري: أن رجلاً سال كعب الأحبار عن جبل مصر فقال: إنه لمقدس ما بني القصير إلى اليحموم. قال ابن لهيعة: وليس هذا بقصير موسى النبي ﷺ ولكنه موسى الساحر.
وروى ابن عبد الحكم من طريق المفضل بن فضالة عن أبيه قال: دخلنا على كعب الأحبار فقال لنا: ممن أنتم؟ قلنا: من أهل مصر، فقال: ما تقولون في القصير؟ قال: قلنا: قصير موسى، فقال: ليس هو بقصير موسى ولكنه قصير عزيز مصر كان إذا جرى النيل ترفع فيه وعلى ذلك إنه لمقدس من الجبل إلى البحر قال: ويقال: إنهكان موقدًا يوقد فيه لفرعون إذا هو ركب من "منف" إلى عين شمس، وكان على المقطم موقد آخر،
стр. 465
فلما رأوا النار علموا ركوبه له ما يريد، وكذلك إذا ركب منصرفًا من عين شمس، انتهى. و"منف" قيل: إنها كانت دار الملك بمصر في قديم الدهر في غربي النيل على مسافة اثنى عشر ميلاً من الفسطاط.
الثالث: اختلف نظر الأئمة في ذلك هل هو وقف أو إرصاد، ومال إلى الثاني الشيخ شهاب الدين الأنصاري وهو أبو شامة فيما أظن قال: لأن التحبيس كما هو ظاهر الحال لا يستبد به أمير الجيوش بل لابد من إعلام الإمام وإذنه كما فعل في الإسكندرية فإنها فتحت عنوة فطلب الغانمون قسمتها بينهم فشاور عمرو عمر ﵄ ووقفها وما هي مشتملة، فاستنزل الغانمين عنها وجعلها وقفًا على المسلمين. وهكذا أرض السواد وما جرى مجراها مما يراد تحبيسه قال: ولم ينقل في هذه الواقعة إنه استشار عمر ولا أن عمر حبسها، فيكون من باب الإرصاد لدفن الموتى لمصالح رآها عمرو، وإذا كان كذلك فكل إرصاد بالاجتهاد يجوز لمن بعده من الأئمة تعبيره في المستقبل دون ما مضى لمصلحة مماثلة أو مقارنة بخلاف ما إذا كانت المصلحة المنتقل إليها دونها، هذا بالنسبة إلى الجواز، وأما لو فعل الإمام فعلاً فالوجه تنفيذه ولو خلا عن المصلحة، وكان الأول مشتملاً عليها.
وما ادعاه من عدم استشارة عمر في هذه الكائنة ممنوع بما تقدم، ولكن قد تمسك الشهاب أيضًا لما مال إليه بأن الوقف لا يثبت عند الشافعي وغيره بأخبار الآحاد قال: ويشهد لذلك استشكال مذهب الشافعي في الحكم في خراج السواد بأنع مر وقفها بأنه لابد من مشاهدة العاقد وسماع
стр. 466
كلامه، وإذا لم يكن كذلك لا تسوغ الشهادة بأن فلانًا حبس أو وقف، نعم، يشهد فيه بالاستفاضة قال: ولو لم يعتمد الإرصاد لكان خرقًا لإجماع السلف، لأنهم شاهدوا هذه القرافة الكبرى والصغرى من الزمان المتقدم، وما بني فيها من الترب والدور والمدافن ولم ينكر ذلك أحد من علماء الأعصار لا بقول ولا بفعل بل بنوا قبة الإمام الأعظم الشافعي ﵁ ورحمه، وسائر المزارات، وفي كل هذا دلالة على أنهم رأوا ذلك إرصادًا ولم يروه وقفًا وحبسًا على هذه الجهة المعينة وإلا كان يجب هدم كل بناء ولا يعذر ويمنع المرور للتفرج والاستراحة لأنها مستحقة لمنفعة معينة فلا يجوز في غيرها، قال: والمسألة محتملة جدًا.
وجزم بالثاني أعني كونها وقفًا لا إرصادًا ابن بنت الجميزي والظهير الترمنتي فأفتى كل منهما بهدم ما بني فيها فحكم ابو عبد الله اب نالحاج من المالكية في مدخله عن من يثق به أن الملك الظاهر بيبرس صاحب الظاهرية كان قد عزم على هدم كل ما القرافة من بناء ووافقة الوزير على ذلك في الظاهر وصار يفند واحتال عليه بأن قال له: إن فيها مواضع للأمراء وأخاف من وقوع فتنة بسبب ذلك، واراي أنتستفتي العلماء ليكون ذلك مانعًا لتشويشهم وغيرهم، فاستحسن ذلك وأمر فاستفتي الظهير التزمنتي وابن بنت الجميز ونظراؤهما فاتفقوا على أنه يجب على ولي الأمر هدم ذلككله وإلزام أصحاب البناء بنقل ترابه إلى الكيمان، ولميختلف في ذلك أحد منهم، ولم يلبث أن سافر الظاهر إلى الشام فمات هناك، قال ابن الحاج: فهذا إجماع هؤلاء المتأخرين فكيف يجوز البناء فيها، بل كل من فعل فقد خالفهم.
стр. 467
قلت: وحكى ابن الرفعة عن شيخه الظهير عن ابن بنت الجميزي قال: جاهدت مع الملك الصالح في هدم ما أحدث بقرافة مصر من البناء فقال: أمر فعله والدي ـ يعني الملك الكامل ـ فإنه الذي عمر قبة الإمام الأعظم الشافعي ﵀ لا أزيله، قال: ودخل الظهير إلى صورة مسجد بناه بعض الناس بقرافة مصر الصغرى فجلس فيه قبل أني صلي له تحية، فقال له بانيه: هلا صليت التحية، فقال: إنه غير مسجد لأن المسجد هو الأرض، والأرض مسبلة لدفن المسلمين أو كما قال. حكاه البدر الزركشي قال: وهذا أمر قد عمت به البلوى، وطمت، ولقد تضاعف البناء حتى انتقل للمباهاة والتنزه بعد أن كان للاعتبار وسلطت المراحيض على أموات المسلمين من الأشراف والأولياء وغيرهم لا حول ولا قوة إلا بالله.
قلت: وظاهر كلام شيخنا ﵀ التوقف في ثبوت الدليل، ونص قوله جوابًا لسائل سال: قد اشتهر في السفح ما نقل عن عمر ﵁ أنه جعلها مرصدة لدفن المسلمين ولا يلزم من ذلك امتداد السبيل لما لا يطلق عليه اسم السفح بل إذا ثبت ذلك كان ما عدا السفح حكمه حكم الموات، انتهى بحروفه وهو كلام جيد.
وسبقه الولي العراقي ﵀ فقال جوابًا لمن سأله عن التراب المتخذة بباب النصر كتربة الصوفية وما يحاذيها: هل يجوز لغير من أنشأها أو من أذن له في إنشائها أن يقبر بها ميتًا بغير إذنه أو بغير إذن من هو قائم مقامه كالناظر مثلاً أو لا؟ وإذا لم يجز ذلك فتعرض شخص لموضع منها واساء على القائم بمصالحه بحيث ربما يؤدي لتعطيله فماذا يجب عليه؟ وهل أراضي هذه الترب من الأموات الذي يملك بالإحياء أم لا؟ ما نصه: هذا موت يملك بالإحياء كغيره من الموات ولم يزل الناس على ذلك، يبنون في تلك الموات فيصير الموضع ملكًا للباني فيه، وترفع الأوقاف فيه
стр. 468
إلى القضاة فيحكمون بصحفتها أو موجبها، وما يتخيل من وقف عمر ﵁ لذلك، لم يثبت، ولو ثبت فلا يتحق أن تلك المواضع من جملة الوقف، فلا يجوز لأحد الدفن فيما أحيي من ذلك إلا إن كان مملوكًا أو موقوفًا على الدفن فيه مطلقًا، أو على دفن من طائفة مخصوصة وذلك المدفون منهم. أما الموقوف على جهة غير الدفن أو على دفن طائفة مخصوصة فلا يجوز لغير الموقوف على دفنهم أن يدفنوا فيه فإن فعل فيه ذلك فقد دفن في أرض مغصوبة، فينبش ويخرج منها كالدفن في سائر الأراضي المغصوبة ويزجر المخالف لذلك ويمنع منه، والله أعلم.
الرابع سئل: شيخنا ﵀ أيضًا: هل يجوز لليهود المرور بها ـ يعني القرافة ـ أو لا؟ ويكون مانعهم مصيبًا؟
فقال ما نصه: أما المرور في الطريق الجواد المشتركة، فلا يمنع منه، وأما المرور بين قبور المسلمين، فيمنع منه اليهود والنصارى لما فيه من الامتهان وقد ورد النهي عن المشي بين القبور بالنعال وذلك في حق المسلم فما الظن بالكفار على الصورة المذكورة؟ فالذي يمنعهم من ذلك مصيب والحالة هذه.
قلت: ولذلك أغلظ فقيه المذهب الشرف المناوي ﵀ على من رآه من نوابه يماشي يهوديًا هناك، وسارع بعض من لا يعلم إلى إنكاره جريًا على العادة في تحريفهم الحسنات، والأعمال بالنيات، والله الموفق.
стр. 469
١١٧ - الحمد لله سئلت عن عامي يروي الحديث النبوي في الجنينة ونحوها من الأماكن المعروفة بما لا يليق ؟
فأجبت: الأدب أن لا يروي حديث النبي ﷺ إلا على طهارة متمكنًا في الجلوس مع الوقار والهيبة إجلالاً لرسول الله ﷺ هذا إذا كان أهلا، فأما من لم يكن أهلاً لإيراد الحديث كأكثر العوام خصوصًا من يجعل إيراده وسيلة لمقاصده الفاسدة وأموره التي لا يليق ويكون مع هذا كله في غير الأمكنة الشريفة بالألفاظ المحرفة، فهؤلاء يرفع أمرهم إلى الحكام من أهل العلم ويفعل معهم ما يستحقونه من الزجر وشبهه.
وربما يتضح له بقرائن الأحوال والمشاهدة ما يكون صاحبه يستوجب أكثر من ذلك، وقد صرح بعض العلماء بأنه يحرم على المرء أن يجزم بنسبة شيء إلى النبي ﷺ إلا أن أخذه عن إمام معتمد من أئمة الحديث صونًا للحديث النبوي عن أن يدخل فيه ما ليس منه، والله الموفق.
١١٨ - الحمد لله وسئلت: عن بوله ﷺ قائمًا:
فأجبت بما نصه: نعم قد ثبت في صحيحي البخاري ومسلم
стр. 470
من حديث حذيفة بن اليمان ﵄ قال: "أتى النبي ﷺ سباطة قوم فبال قائمًا" واختلف في السبب في ذلك فروى عن إمامنا الشافعي ﵀ أن العرب كان تستشفي لوجع الصلب بالبول قائما قال: فيرى أنه كان به ﷺ وجع الصلب إذ ذاك، وروي نحوه عن الإمام أحمد وقيل: إن الوجع كانبركبته لما روي في حديث. ضعفه البيهقي والدارقطني من حديث أبي هريرة قال: إنما بال رسول الله ﷺ قائمًا لجرح كان بمأبضه، والمأبض بهمزة ساكنة بعد الميم ثم باء موحدة هو باطن الركبة، فكأنه لم يتمكن لأجله من القعود ولو صح لكان قاطعًا للنزاع.
وقيل: إنه لم يجد مكانًا للقعود فاضطر إلى القيام لكون الطرف الذي يليه من اسباطة كان عاليًا مرتفعًا فأمن أن يرتد إليه شيء من بوله، قاله ابن حبان وذكر المازري والقاضي عياض وجهًا رابعًا وهو أنه بال
стр. 471
قائمًا لكونها حالة يؤمن فيها خروج الحدث من السبيل الآخر بخلاف القعود، ومنه قول عمر ﵁: "البول قائمًا أحصن للدبر" قال النووي ﵀: "ويجوز وجه خامس وهو: أنه ﷺ فعله بيانًا للجواز في هذه المرة. وقال المنذري: أو لعله كان فيها نجاسات رطبة وهي رخوة فخشي أن يتطاير عليه كذا قال، ولعل القائم أجدر بهذه الخشية. وقيل: لأن السباطة رخوة يتحللها البول فلا يرتد إلى البائل شيء من بوله.
стр. 472
١١٩ - [مسألة في التعمير] الحمد لله: وقع الكلام فيما يتداوله التجار ونحوهم من الإخبار بوجود معمر جاز سنة أربعمائة سنة أو نحوها .
فأنكرت ذلك محتجًا بأن أئمة الحديث وحفاظه المرجوع إليهم أورددوا جمعًا من أهل هذا القبيل على سبيل الإنكار وصرح بعضهم بأنه لا يفرح بما يكون من ذلك من له عقل، ونحوه قول شيخنا ﵀: كل ذلك يعني المروي من طريقهم مما لا أعتقد عليه ولا أفرح بعلوه ولا أذكره إلا استطرادًا إذا احتجت إليه للتعريف بحال بعض الرواة، وذكر في اللسان منهم جماعة وكشف حالهم وكذا بين في القسم الرابع من الإصابة الموضوع لمن ذكر فيهم غلطًا أو على سبيل الوهم من ذكر فيهم منهم.
وقال في المشتبه ما نصه: واشتهر بين العوام وغيرهم ممن ليس الحديث صناعته أن في الصحابة رجلاً يقال له المعمر، عاش دهرًا طويلا بدعوة النبي ﷺ ، وهو مفترى له وجود له في الخارج.
وذكر الذهبي في الميزان منهم عدة.
ويشهد لذلك قول أبي عبد لله الشقاق من الشافعية بعد حكاية التقدير في مدة المفقود بمائة وعشرين سنة، الذي حدد به بعض الحكماء العمر الطبيعي عن رواية اللؤلؤي والجوزجاني عن أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله ما نصه: وهو فاسد.
قلت: وكثيرًا ما كنت أسمع شيخنا يطعن فيمن يدعى التعمير أو يدعى له ولا يلزم من كل ذلك استحالة وقوع هذه المدة أو دونها أو أكثر منها عقلاً فإن العقل لا يستحيله، ولكن إنما النزاع في ثبوته بالسند
стр. 473
الصحيح كما اقتضاه صنيع شيخي ﵀ فإنه عقب حكاية أكثر الأقوال في تعمير سلمان الفارس ﵁ أزيد من مائتين وخمسين سنة.
وقول الذهبي الحافظ: ظهر لي أنه مازاد على الثمانين قال ما نصه: لم يذكر الذهبي مستنده في ذلك. قال: وأظنه أخذه من شهود سلمان الفتوح بعد النبي ﷺ وتزوجه امرأة من كندة وغير ذلك مما يدل على بقاء بعض النشاط قال: لكن إن ثبت ما ذكروه يكون ذلك من خوارق العادات في حقه وما المانع من ذلك! انتهى.
وقد سمع الحافظ الجمال المراكشي ورفيقه شيخنا النور الأبي اليماني رحمهما الله بالإجازة العامة من شخص اسكندري زاد سنه على مائة وعشرين سنة كانت مخايل الصدق عليه ظاهرة باعتبار اشتهار صدقه، ونقل أهل الإسكندرية عن من تقدمهم الاعتراف له بقدم السن وطلوع الشعر الاسود بلحيته ونبات أسنان جدد وغير ذلك.
وامتنع الحافظ التقى الفاسي من اعتماد قول شخص كان في بلد الخليل ﵇ يقال له: إبراهيم بن حجي يزعم بعد العشرين وثمانمائة أن مولده سنة خمس وعشرين وسبعمائة وقال: إنه امتحنه في ذلك فعرف أنه تجاوز الحد في مولده وإنه يمكن أن يكون في حدود
стр. 474
الأربعين أو قبلها، انتهى.
وكانت وفاته في مستهل ربيع الأول سنة اثنتين وثلاثين وثمانمائة.
وكذا أنكر أهل النقد على الشهاب بن الناصح المقدسي ما نسب إليه من الرواية عن شخص يقال له: الحمال عبد الله العجمي، قيل: إنه ولد في سنة ست وأربعين وخمسمائة، وأنه مات في سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة عن الشيخ عبد القادر الكيلاني، واغتر بذلك جماعة من المتصوفة في أجائزهم، ولم يوافق عليه من يعتمد، وبلغني عن شيخ من أئمة الفرائض والقراءات كان يقال له الشهاب الشارمساحي ادعي التعمير، وأنه زاد سنه على مائة وسبعين وهرع إليه خلق حتى بعض من ينسب إلى الحديث فسمعوا منه وشاع أمره حتى سمعته بالبلاد الشامية في رحلتي إليها فتطلبت أوراق إجازاته فتحرر لي منها أنه نحو الثمانين فإنه عرض محافيظه على ابن المقلن ومن في طبقته كما بينته في غير هذا المحل.
ثم وجدت الصلاح الصفدي في تذكرته تكلم في تقوية وجود رتن الهندي وأنكر على من ينكر وجوده كشيخه الذهبي، وعول في ذلك على مجرد التجويز العقلي لكن قد تعقبه شيخي بنحو ما قدمته فقال: وليس النزاع فيا لمكان العقلي إنما النزاع في تجويز ذلك من قبل الشرع.
وسبق شيخنا إلى ذلك البرهان ابن جماعة فكتب بخطه في حاشية ما
стр. 475
نصه، تجويز الصفدي الوقوع لا يستلزم الوقوع إذ ليس كل جائز بواقع. انتهى.
ويساعد إنكار هذا من حيث النقل دعوى القاضي شمس الدين ابن خلكان في ترجمته الحافظ أبي طاهر السلفي من تاريخه أنه ما علم أن أحدًا منذ ثلاثمائة سنة إلى الآن بلغ المائة فضلاً عن أنه زاد عليها سوى القاضي أبي الطيب طاهر بن عبد الله الطبري فإنه عاش مائة سنة وسنتين، لكن دعوى العمر متعقبة فالذين جازوا المائة جمع أفردهم الذهبي بتأليف رتبه على السنين وزاد عليه شيخنا لكن رتبه على الحروف، واشار الذهبي إلى أن بعض الناس أنكر أن يكون أحد من هذه الأمة يتعدى المائة محتجًا بحديث ابن عمر ﵄ رفعه "أرأيتكم ليلتكم هذه، فإنه ليس من نفس منفوسة يأتي عليها مائة سنة" وهو متفق عليه قال
стр. 476
الذهبي: وهو حق فما أتى على أحد ممن كان حيًا وقت مقالته بعد ذلك مائة سنة، وكان آخرهم موتًا أبو الطفيل عامر بن وائلة الليثي وهو آخر من رأى النبي ﷺ موتًا فقال المخالف: فإذا كان النبي ﷺ أخبر أن بعد المائة لا تبقى عين تطرف، فكذلك يكون القرى الذي يليه، قال الذهبي: وهذا لا ينهض فإن الرسول ﷺ لم يقله ولا هو داخل في عموم نصه وقد جزمنا بوجود من جاوز المائة بعد ذلك من أمته. انتهى.
وممن أنكر أنه يعيش مائة سنة أبو أمامة ابن النقاش متمسكًا بما ورد في بعض طرق الحديث المشار إليه بلفظ: "لا يأتي مائة سنة وعلى الأرض عين تطرف" وتعقبه الزين العراقي وقال: إنه استدلال عجيب لأنه تمسك بالإطلاق وأعرض عن المعنى الذي ورد فيه والمطلق محمول
стр. 477
على المقيد. انتهى.
وكل هذا لا ينافي الحديث الذي حسنه الترمذي وصححه الحاكم من حديث أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال ﷺ : "أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين وأقلهم من يجوز ذلك". إذ كل من ثبتت زيادته على ذلك يكون من القليل، بل روى أبو حفص بن شاهين من طريق حماد بن عمرو النصيبي ـ وهو متروك ـ عن السري بن خالد عن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين عن أبيه عن جده عن علي بن أبي طالب ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن العبد المؤمن إذا أتى عليه أربعون سنة أمنه الله من البلايا الثلاث: الجنون، والجذام، والبرص، فإذا أتت عليه خمسون سنة وهو الدهر خفف الله عليه الحساب، فإذا أتت عليه ستون سنة وهو في إقبال، وبعد الستين في إدبار رزقه الله الإنابة إليه فيما يحب، وإذا أتت عليه سبعون سنة أحبه أهل السموات، وصالحوا أهل الأرض، وإذا أتت عليه ثمانون سنة كتبت له حسناته ومحيت عنه سيئاته، فإذا أتت عليه تسعون سنة غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فإذا أتت عليه مائة سنة كتب الله اسمه أسير الله في أرضه وكان حبيس الله، وحق على الله أن لا يعذب حبيسه".
ولهذا الحديث طرق لكن ليس في شيء منها: "فإذا بلغ مائة" إلا في هذه الطريق، وكذا في طريق أخرى عند ابن شاهين أيضًا من حديث عبد الحميد بن عدي الجهني عن ثابت بن عدي الحمصي عن أبيه عن أنس
стр. 478
بن مالك ﵁ فذكر نحوه، لكن قال في آخره: "فإذا بلغ مائة سنة استحيي الله منه أن يعذبه".
إذا عرف هذا فمن جاز المائة في الجاهلية كثير جدًا، ثم تقاصرت الأعمار فكان من جازها من الصحابة وغيرهم من المخضرمين قليلاً بالنسبة لمن جازها من قبلهم، واقتصر على الاعتناء بأخبار المعمرين من أهل الجاهلية، وصدر الإسلام غير واحد.
قال الذهبي: ومن بديع حكمته أنه طول في أعمار الأولين فطول آمالهم حتى عمروا المدائن وخددوا الأنهار، وقصر أعمار المتأخرين فقصر آمالهم لكنهم عوضهم عن ذلك بقلة بقائهم تحت التراب بالنسبة إلى الأوائل.
ومن لطائف صنعته أنه لما طول أعمار الصدر الأول قواهم وأحكم بنيتهم ومتعهم بحواسهم يعني بخلاف كثير من المتأخرين (إن في ذلك لذكرى لأولى الألباب).
قائدة بل نادرة: كان العلامة المحب محمد بن العلامة الثقة الشهير صاحب التصانيف السائرة شهاب الدين أحمد بن محمد بن عماد المقدسي عرف بابن الهائم آية من آيات الله في سرعة الحفظ وجودة القريحة حتى تجرمه شيخنا ﵀ في تاريخه بأنه أذكى من رآه من البشر قال: ومولده في سنة ثمانين أو إحدى وثمانين.
قلت: وجزم بالأول في القسم الأخير من معجمه وهو الصواب،
стр. 479
وقال في كل من تاريخه ومعجمه: أنه حفظ القرآن وهو صغير جدًا ثم نقل في معجمه عن خط البرهانالمحدث بحلب أنه رآه في سنة خمس وثمانين أو في التي بعدها مع أبيه بمدرسة البلقيني وهو يريد أن يعرض العمدة وقد حفظ القرآن قال ـ يعني البرهان ـ: وأخبرني بعض الفضلاء أنه عرض العمدة إذ ذاك على البلقيني وكان منذ عمره سبع سنين يسأل عن الآية، فيجيب بما قبلها وما قبل قبلها وهلم جرا لشدة حفظه. انتهى.
وما تردد فيه البرهان من وقت العرض قد جزم بالأول منهما شيخه حافظًا الوقت الزين العراقي بل حقق أنه كان ابن خمس سنين، وعبارته كما نقلته من خطه بعد أن ذكر خطبة لكتابه "العرض": وكان من مواهب الله الجسمية، وعجائب مخلوقاته العظيمة، الولد النجيب وسماه ثم قال: فرزقه الله ذكاءً ونباهة وحفظًا وفهمًا، وجعله مقدامًا على عساكر العلوم، وشهمًا فحفظ كتاب الله العزيز حاظًا متينًا وقد استكمل من العمر خمسًا سنينًا، وحفظ أيضًا في هذا السن كتاب العمدة في الأحكام، وجملة صالحة من الكافية الشافية لابن مالك وهو في هذا السن، تذكر له آية من الكتاب العزيز ويسال عما قبلها فيجيب بجواب صحيح وجيز، وقد جربته في ذلك أنا وغيري في مرات عديدة، والمرجو من الله أن يرزقه فوق ذلك ويزيده، وقد عرض علي مواضع متفرقة من العمدة للحفاظ عبد الغني المقدسي عرضًا حسنًا متقنًا أجاد حفظها، وسرد لفظها، اقرأ الله به عين أبيه، وبارك له وللمسلمين فيه. وكان عرضه لذلك في يوم الثلاثاء، الثالث والعشرين من شهر رجب الفرد سنة خمس وثمانين وسبعمائة بجامع القلعة، وأجزت له ثم ذكر سنده بالعمدة. وقنلت كل ذلك من خطه بلا
стр. 480
واسطة، ومما ترجم به شيخنا المحب المذكور سوى وصفه له بما تقدم قوله إنه حفظ الكثير من لامختصرات واشتغل بالفقه والعربية والقراءات والحيدث ومهر في الجميع في أسرع مدة. وحبب إليه طلب الحديث فسمع الكثير وتخرج في أسرع مدة ورحل إلى دمشق فسمع من ابن الذهبي وغيره ثم صنف وخرج لنفسه ولغيره، رافقني في سماع الحديث كثيرًا وسمعت بقراءته المنهاج على شيخنا برهان الدين وكتب لي تقريظًا على بعض تخاريجي مع الدين والتواضع والبشاشة ولطف الذات وحسن الخلق والصيانة وكانت وفاته في رمضان سنة ثمان وتسعين وأصيب به أبوه واسف عليه كثيرًا عوضه الله الجنة.
قلت: وذكر النووي ﵀ في "تهذيب الأسماء واللغات" ما نصه: روينا عن سعدان بن نصر قال: قال سفيان بن عيينة: قرأت القرآن وأنا ابن أربع سنين وكتبت الحديث وأنا ابن سبع سنين. انتهى.
وروى الخطيب أنه سمع القاضي أبا محمد عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن اللبان الأصبهاني يقول: حفظت القرآن ولي خمس سنين، وذكر حكاية أوردها العراقي في سماع الصغير من شرح الألفية.
وحكى لي الشيخ عز الدين السنباطي أن الشيخ شمس الدين ابن المصري توفي له ولد في سنة سبع وعشرين كان حفظ القرآن وهو ابن ست، ورام الصلاة به على العادة في تلك السنة، فحصل له صرع في ليلة ومات ففجع به أبوه ولم ينفك عن ملازمة قبره حتى سافر لبيت المقدس على مشيخة الباسطية، وكان قد عمل له خطبة افتتحها بقوله: الحمد لله الذي أهلني لحفظ كتابه في السادسة من عمري، وأشار الصغير المشار إليه
стр. 481
على أبيه أن يجعل بدل السادسة السابعة خوفًا من العين، فكان ذلك أيضًا من ذكائه.
وقد روينا أن الإمام أبا حنيفة ﵀ أستأذن على جعفر بن محمد فبينا هو جالس في دهليزه ينتظر الإذن إذ خرج عليه صبي خماسي من الدار، قال أبو حنيفة: فأردت أن أسبر عقله، فقلت: أين يضع الغريب الغائط من بلدكم يا غلام؟ قال: فالتفت إليَّ مسرعًا فقال: توق شطوط الأنهار ومساقط الثمار، وأفنية المساجد، وقوارع الطرق، وتوار خلف جدار وأشل ثيابك، وسم بسم الله وضعه أين شئت، قال أبو حنيفة ﵀ فقلت: له: من أنت؟ فقال: أنا موسى بن جعفر. والله الموفق.
стр. 482
١٢٠ - سئلت: عن حديث في [صحيح] ابن حبان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لو أن الله يؤاخذني وعيسى بذنوبنا لعذبنا ولا يظلمنا شيئًا" قال: واشار بالسبابة والتي تليها. ولا شك في عصمة الأنبياء، فما معنى ذلك ؟
فأجبت بما نصه: أما الحديث، فهو في موضعين من صحيح ابن حبان ولظفه في أحدهما: "لو يؤاخذني الله وابن مريم بما جنت هاتان ـ يعني الإبهام والتي تليها ـ لعذبنا ثم لم يظلمنا شيئًا".
ولفظه في الآخر: "لو أن الله يؤاخذني وعيسى بذنوبنا لعذبنا ولا يظلمنا شيئًا" قال: واشار بالسبابة والتي تليها.
وأخرجه بنحو اللفظ الأول أبونعيم في الحلية ورجاله ثقات، مخرج لهم في الصحيحين وهو وإن كان مداره على حسين بن علي
стр. 483
الجعفي كما جزم به أبو نعيم وقال: إنه غريب، فهو من الأفراد الصحيحة، ولذا صححه ابن حبان وهو من رواية حسين المذكور عن فضيل بن عياض عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة.
قلت: ودعوى ابي نعيم أنه غريب ليست بجيدة، فقد رواه البيهقي في أوائل فصل ما في الأوجاع والأمراض والمصيبات من الكفارات من الشعب. من طريق محمد بن سهل بن عكسر عن الفريابي عن الثوري عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة ولظفه: قال رسول الله ﷺ : "لو يؤاخذني الله بما جئت هؤلاء ـ يعني يديه ـ لأوبقني" وقال: إنه غريب بهذا الإنساد تفرد به ابن عسكر. انتهى.
وأما عصمته ﷺ ، فهو وسائر الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم معصومون من الكبائر والصغائر قبل النبوة وبعدها، وما ورد عنهم من شدة الخوف من الله فهو محمول على أنه خوف إعظام، وتعبد لله ، لأنهم قد آمنوا قطعًا، وكذا ما جاء عنهم من الاستغفار وشبهه فهو أيضًا على وجه ملازمة الخضوع والعبودية والاعتراف بالتقصير، شكرًا لله على نعمه وأيضًا فلتقتدي بهم الأمم وتستن بهم فلا يتكل أحد من الأمة ـ وإن عظم ـ على فعل الطاعات، وإن كان مجتهدًا في إتيانها، وفي الإشارة إلى الإصبعين إيماء إلى مزيد الاهتمام بالخوف، فإنه إذا كان هذا القدر اليسير يقتضي ذلك فكيف بما هو أعلى، ويساعد هذا إيراد الحافظ الزكي المنذري له في الترهيب من ارتكاب الصغائر وقد روي عنه ﷺ قال: "أوحى الله إلى نبي من الأنبياء: قل لعبادي الصديقين: لا تغترو بي فإني إن أقم عليهم قسطي وعدلي أعذبهم غير ظالم لهم، وقل
стр. 484
لعبادي المذنبين: لا تيئسوا من رحمتي فإنه لا يكبر على ذنب أغفره لهم" وفي دق حديث آخر: "لو أن الله عذب أهل سماواته وأرضيه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم كانت رحمته خيرًا لهم".ولا شك أن جميع العمل لا يوازي نعمة واحدة فتبقى سائر نعمته مقتضية لشكرها وهو لم يقم بشركها، فلو عذبه في هذه الحالة لعذبه وهو غير ظالم، وإذا رحمه في هذه الحالة كانت رحمته خيرًا من عمله إلى غير ذلك مما لا نطيل بإيراده، وفي التنزيل: (يرجعون رحمته ويخافون عذابه ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد) إذا عُلم هذا فقد بوب ابن حبان لهذا الحديث في أحد الموضعين: ذكر الخبر الدال على أن على المرء الرجوع باللوم على نفسه فيما قصر في الطاعات وإن كان سعيه فيها كثيرًا، وقال في الموضع الآخر: الإخبار عن ترك الاتكال على الطاعات وإن كان المرء متجتهدًا في إتيانها.
стр. 485
١٢١ - الحمد لله سئلت: عن الحديث الوارد في إكرام الخبز .
فقلت: إنه روي من طرق، منها: ما أورده البغوي في «معجم الصحابة» وعنه المخلص فقال: حدثنا محمد بن زياد بن فروة أبو روح البلدي حدثنا أبو شهاب الحناط عن طلحة بن زيد عن ثور بن يزيد عن عبد الله بن يزيد عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : «أكرموا الخبز فإن الله أنزل معه بركات من السماء، وأخرج له بركات من الأرض» ومن طريق البغوي أورده أبو نعيم في «معرفة الصحابة» قال: ورواه أحمد بن يونس عن ابن شهاب به، كذا قال. ورواية ابن يونس وهو ممن نسب إلى جده فإنه أحمد بن عبد الله بن يونس، قد أخرجها تمام في «فوائده» من حديث أبي زرعة عبد الرحمن بن عمرو عن أحمد بن يونس عن طلحة بن زيد بلا واسطة ومع ذلك فإنما قال عن إبراهيم بن أبي عبلة عن عبد الرحمن بن يزيد عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ ولفظه: «أكرموا الخبز فإن الله أنزل له بركات السماء وأخرج له بركات الأرض».
وأشار إلى هذه الرواية أبو نعيم في «المعرفة» أيضًا فقال: ورواه إبراهيم
стр. 486
ابن أبي عبلة عن عبد الله بن يزيد عن عبد الله بن عمرو ثم نبه على الاختلاف فيه على إبراهيم أيضًا فقال: ورواه غياث بن إبراهيم عن إبراهيم فقال: عن عبد الله بن أم حرام.
قلت: وهذه الرواية عند الطبراني في بعض تصانيفه وعنه أبو نعيم في الحلية من طريق علي بن الجعد عن غياث عن إبراهيم بن أبي عبد الله سمعت عبد الله بن أم حرام الأنصاري يقول: قال رسول الله ﷺ : "أكرموا الخبز فإنه سخر له بركات السماوات والأرض" وتوبع غياث على هذه الرواية، وذلك فيما أخرجه البزار والطبراني وتمام والعقيلي جميعًا من حديث عبد الملك بن عبد الرحمن أبي العباس الذماري الشامي عن إبراهيم به. لكنه وقع في الطبراني تسميته عبد الله بن عبد الرحمن الكناني ولفظ هذه المتابعة: "أكرموا الخبز فإن الله ﵎ أنزل له
стр. 487
من بركات السماء، وسخر له بركات الأرض ومن يتبع ما يسقط من السُفرة غفر له".
وهذه الجملة الأخيرة مروية في "الأطعمة" لعثمان الدارمي من حديث مروان بن سالم بن إسماعيل عن ابن الحجاج بن علاط عن أبيه وكانت له صحبة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من أكل ما يسقط من المائدة لم يزل في سعة من الرزق ووقي الحمق في ولده وولد ولده".
وهي بنحوها عن أنس وجابر وابن عباس وابي هريرة لكن لا نطيل ببيانها، وهذه الروايات مع اختلافها لا تخلو من طعن فطلحة قال فيه أحمد في إحدى الروايتين عنه، وأبو داود، وابن المديني: أنه يضع الحديث.
وقال أحمد في الرواية الأخرى: ليس بذاك، فقد حدث بأحاديث مناكير. انتهى.
وليس بطلحة بن عمرو الحضرمي، وإن وقع في خط شيخي رحمه
стр. 488
الله مقلدًا لابن الجوزي فيه وقال بناء على ذلك: أنه متروك.
ويزيد والد عبد الله، قال فيه أبو نعيم: إنه مجهول. وغياث كذاب بل رمى بالوضع وقال غير واحد: إنه متروك.
وعبد الملك كذبه الفلاس، ومن طرقه أيضًا ما رواه ابن قتيبة في كتاب "تفصيل العرب" قال: حدثنا يزيد بن عمرو حدثنا أيوب بن سليمان عن محمد بن زياد يعني الميموني عن ميمون بن مهران عن ابن عباس ﵄ قال: ولا أعلمه إلا عن رسول الله ﷺ قال: "اكرموا الخبز فإن الله سخر له السموات والأرض" وابن زياد رمي بالكذب والوضع.
стр. 489
ويروى عن ابن عباس أيضًا مما رواه عبد الرحمن بن حبيب عن إسحاق بن نجيح الملطي عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "ما استخف قوم بحق الخبز إلا ابتلاهم الله بالجوع".
وإسحاق مرمي بالوضع أيضًا.
ومنها ما رواه المخلص وتمام معًا من حديث أبي أسامة ـ هو عبد الله بن محمد بن أبي أسامة ـ الحلبي عن إسحاق ـ هو ابن الأخيل ـ عن نمير الوليد بن نمير بن أوس الدمشقي عن أبيه عن جده عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أكرموا الخبز فإن الله سخر له بركات السماوات والأرض والحديد والبقر وابن آدم".
وإلى هذه الرواية أشار ابن الصلاح في ترجمة ابن عبدان من "طبقات
стр. 490
الشافعية" له فقال: روينا بالإسناد عن ابن عبدان بإسناده عن رسول الله ﷺ قال: "أكرموا الخبز فإن الله تعالى سخر له بركات السموات والأرض والحديد والبقر"، وعند المخلص وتمام أيضًا بهذا السند مرفوعًا: "اللهم متعنا بالإسلام وبالخبز فلولا الخبز ما صلينا ولا صمنا ولا حججنا ولا غزونا".
ومن طريق المخلص أورد هذه الجملة الديلمي في مسنده وفي آخره: فقيل: يا رسول الله! أكل هذا؟ قال: "نعم حدثني جبريل عن ربي ﵎ قال: إن الله تكفل لكم أرزاقكم وإن أرزاقنا الخبز والحنطة". وعبد الله متهم بالوضع، ولابن حبان وعند الدارقطني من حديث عاصم بن عصام البيهقي ـ وهو ثقة ـ حدثنا أبو أشرس الكوفي حدثنا
стр. 491
شريك عن جعفر بن محمد عن أبيه عن آبائه قالوا: مر رسول الله ﷺ على كسرة ملقاة فقال: "يا حميراء أحسني جوار نعم الله عليك فبالخبز أنزل الله المطر، وبالخبز أنبت النبات، وبالخبز صمنا وصلينا وحججنا وجاهدنا، ولولا الخبز ما عُبد الله في الأرض".
وابو الاشرس قال فيه ابن حبان: يروي عن شريك الأشياء الموضوعة التي حدث بها شريك قط، لا يحل ذكره في الكتب إلا على سبيل الإنباء عنه.
ولابن ماجه في باب النهي عن إلقاء الطعام من كتاب الأطعمة من سننه منطريق الوليد بن محمد الموقري حدثنا الزهري عن عروة عن عائشة ﵂ قالت: دخل النبي ﷺ البيت فرأى كسرة ملقاة أخذها فمسحها ثم أكلها وقال: "يا عائشة أكرمي كريمًا فإنها ما نفرت عن قوم قط فعادت إليهم" والوليد رمي بالكذب والوضع، ومن طريقه أيضًا أخرجه العسكري في الأمثال.
стр. 492
وهو عند ابن ابي الدنيا في "إصلاح المال" أيضًا بلفظ: "دخل على النبي ﷺ فرأى كسرة ملقاة فمسحها وقال: "يا عائشة أحسني جوار نعم الله فإنها قل ما نفرت عن أهل بيت فكادت أن ترجع إليهم" وأخرج العسكري وأبويعلى معًا من حديث معاذ بن شعبة عن عثمان بن مطر عن ثابت عن أنس أن النبي ﷺ قال: "أحسنوا جوار نعم الله لا تنفروها فقل مازالت ثم عادت إليهم" وابن مطر قال فيه ابن حبان: يروي الموضعات عن الأثبات، لا يحل الاحتجاج به، وقال ابن عدي: متروك الحديث، وأحاديثه عن ثابت خاصة منكير والضعف على حديثه بين.
قلت: وضعفه الأئمة.
ويشهد لذلك ما رواه ابن أبي الدنيا في "إصلاح المال" من حديث جعفر بن حيان عن الحسن قال: كان أهل قرية قد وسع الله عليهم في الرزق حتى جعلوا يستنجون بالخبز فبعث الله عليهم الجوع حتى جعلوا يأكلون ما يقعدون.
ومن طريق أبي سلمة الحمصي عن يحيى بن جابر قال: أنجت امرأة من بني إسرائيل صبيًا لها بكسرة ثم جعلتها في حجر فسلط الله عليها
стр. 493
الجوع حتى أكلتها.
ومن طريق جعفر بن محمد عن أبيه قال: كان بنو إسرائيل يتسنجون بالخبز فسلط الله عليهم الجوع فجعلوا يتبعون حشوشهم فيأكلونها.
ومنها ما رواه أبو نعيم في "الحلية" وأبو سعد الماليني في "المؤتلف" له وابن عساكر في تاريخه من حديث ذي النون بن إبراهيم المصري حدثني أبو جرية أحمد بن الحكم من أهل البلقا عن عبد الله بن إدريس قال: وفد على مولاي نجا مالك البجة رجل من أهل الشام يستميحه يقال له: عبد الرحمن بن هرمز الأعرج فقدم إليه طعامًا على مائدته فتحركت القصعة على المائدة فأسندها الملك برغيف فقال له عبد الرحمن بن هرمز: حدثني أبو هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا خرجتم في حج أو عمرة فنعموا أنفسكم لكيلا تتكلوا وأكرموا الخبز فإن الله سخر له بركات السماء والأرض فلا تسندوا القصعة بالخبز فإنه ما أهانه قوم إلا ابتلاهم الله بالجوع". وعبد الله قال فيه ابن
стр. 494
عساكر: إنه مجهول، وكذا قال غيره في الراوي عنه: إنه لا يعرف.
ومنها ما رواه الدارقطني من طريق عبدة بن سليمان عن نوح بن أبي مريم عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ أن يقطع الخبز بالسكين وقال: "أكرموه فإن الله قد أكرمهط.
وقال الدارقطني: تفرد به نوح وهو متروك.
ولكن قد روى الطبراني قطع اللحم بالسكين عن أم سلمة ﵂ بلفظ: أن النبي ﷺ قال: "لا تقطعوا الخبز بالسكين كما يقطعه الأعاجم".
وفيه عباد بن كثير الثقفي وهو ضعيف أيضًا.
стр. 495
ومنها ما رواه الطبراني في الكبير من حديث خلف بن يحيى قاضي الري عن إسماعيل بن جعفر عن حميد بن عبد الله عن أبي سكينة أن رسول الله ﷺ قال: "أكرموا الخبز فإن الله أكرمه، فمن أكرم الخبز أكرمه الله، وقال: إن أبا سكينة ـ وهو غير منسوب ـ مختلف في صحبته ثم أسند عن ابن المديني أنه قال: لا نعلم له صحبة. انتهى.
فعلى هذا فهو مرسل مع أن قاضي الري قال فيه أبو حاتم: متروك لا يشتغل به وكان يكذب.
ووقع في الأطعمة لعثمان الدارمي. ما نصه: وفي حديث إسماعيل عن النبي ﷺ : "أكرموا الخبز فإن الله أنزل له بركات السماء وأخرج له بركات الأرض" يعني إكرامه أن لا يطرح ولا يرمي وقال عقبه: قلت ليوسف ـ يعني ابن عمر العبقري شيخه ـ من إسماعيل؟ قال: لا أدري. انتهى.
ولعله كما قال شيخي: أراد إسماعيل المذكور في حديث أبي سكينة قال: فلعل ابن أبي رواد ـ يعني عبد المجيد بن عبد العزيز ـ شيخ يوسف نقله عن إسماعيل ولم يسق سنده.
فهذا ما علمته من طرق هذا الحديث الواهية، وقد أورد جلها ابن
следующие страницы →