Полный текст (1 198 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
١٤٥ - الحمد لله وقع السؤال عما اشتهر على الألسنة: "لا أعلم ما وراء جداري ".
فقلت: لا أعلم له إسنادًا مع أنه وقع في الخصائص من تخريج الرافعي لابن الملقن جازمًا به ولم يتعبه شيخنا في تلخيصه وعلى تقدير ثبوته يمكن أن يكون معناه: نفي علم المغيبات مما لم يعلم به فإنه قد أخبر بمغيبات كثيرة كانت وتكون، وحينئذ فهو نظير: "لا أعلم إلا ما علمني الله " ولا ينافي ذلك على هذا التوجيه: "إني لأبصر من ورائي كما أبصر من بين يدي" على قول مجاهد: إن ذلك كان واقعًا في
стр. 562
جميع أحواله ﷺ لا في الصلاة فقط.
وأما إذ حملنا هذا اللفظ على نفي حقيقة الرؤية فيشكل عليه قول مجاهد بكونه يكون مقابله، وهو اختصاصه بحالة الصلاة مقيدًا لهذا، ونحوه حكاية بقى بن مخلد أنه ﷺ كان يبصر في الظلمة كما يبصر في الضوء. والله أعلم.
стр. 563
١٤٦ - الحمد لله سئلت عن الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ قال مخاطبًا لأصحابه ﵃: "ترون قبلتي هاهنا فوالله ما يخفى علي خشوعكم ولا ركوعكم إني لأراكم من وراء ظهري ". وفي لفظ: "إني لأراكم من ورائي كما أراكم" وفي لفظ لمسلم: "إني لأبصر من ورائي كما أبصر من بين يدي"
стр. 564
وعن ما اشتهر على الألسنة لا أعلم ما وراء جداري.
فقلت: في ثانيهما لم أقف له على إسناد وقد قلد شيخنا شيخه ابن الملقن رحمهما الله فيتلخيص تخريج الرافعي في إيراده، وعلى تقدير ثبوته فلا تنافي بينهما لعدم تواردهما على محل واحد.
إذ الظاهر من الثاني أن معناه نفي علم المغيبات مما لم يعلم به فإنه ﷺ قد أخبرنا بمغيبات كثيرة كانت وتكون.
وحينئذٍ فهو نظير: "لا أعلم إلا ما علمني الله "، ولكن قد مشى ابن الملقن وقلده شيخنا على أن معناه نفي الرؤية من خلفه.
وحينئذٍ فلا تنافي بينهما أيضًا إن مشينا على ظاهر الأول في تقييده بالصلاة لكونه فيها لا حائل بينه وبين المأمومين، وإن كان ابن الملقن لم ينظر لهذا، بل جعل الأول مقيدًا للثاني والظاهر ما قلته.
أما على قول مجاهد إن ذلك كان واقعًا في جميع أحواله ﷺ ، فلا، وبالجملة فكل هذا متفرع على ثبوت الثاني ولم أقف له على أصل أعتمده على أن بعضهم زعم أن المراد بالأول خلو علم ضروري له بذلك، والمختار حمله على الحقيقية، ولذلك قال الزين ابن المنير أنه لا حاجة إلى التأويل فإنه في معنى تعطيل لفظ الشارع من غير ضرورة.
وقال القرطبي: إن حمله على ظاهره أولى، لأن فيه زيادة في كرامة النبي ﷺ .
فإن قيل: قد روي أنه ﷺ ورد عليه وفد عبد القيس وفيهم غلام
стр. 565
وضيء فأقعده وراء ظهره.
فالجواب: أنه مع كونه روي مسندًا ومرسلاً والحكم عليه بالنكارة مع ذلك قد فعله ﷺ إن صح كما قال ابن الجوزي: ليسن. والله الموفق.
١٤٧ - الحمد لله حديث: "تفترق أمتي ".
جاء عن عدة من الصحابة منهم أنس بن مالك، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمرو وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن مسعود، وعلي بن أبي طالب، وعوف بن مالك، وعمرو بن عوف المزني، ومعاوية بن أبي سفيان، وواثلة بن الأسقع، وأبي الدرداء، وأبي أمامة، وأبي هريرة ﵃.
فأما حديث أنس، فرواه ابن ماجه في سننه من حديث قتادة عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إن بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين فرقة وإن أمتي ستفترق على ثنتين وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة" ورجاله رجال الصحيح، وهو عند ابي يعلي في أثناء حديث من وجه آخر فيه ضعف، ولفظه: "تفرقت أمة موسى على إحدى وسبعين ملة، سبعون منها في النار وواحدة في الجنة، وتفرقت أمة عيسى على ثنتين وسبعين ملة إحدى وسبعين منها في النار وواحدة في الجنة"، فقال رسول الله ﷺ : "وتعلو أمتي على الفرقتين جميعًا بملة، اثنتين وسبعين في النار وواحدة في الجنة"، قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال: "الجماعات".
стр. 566
وأما حديث سعد، فأخرجه البزار في مسنده من حديث ابنته عائشة عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "افترقت بنو إسرائيل على إحدى وسبعين ملة، ولن يذهب الليالي والأيام حتى تفترق أمتي على مثلها"، وقال عقبه: لا نعلمه يروى عن سعد إلا من هذا الوجه.
قلت: وسنده ضعيف.
وأما حديث ابن عمرو، فرواه الترمذي في جامعه من حديث عبد الله بن يزيد أبي عبد الرحمن الحُبُلى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "ليأتين على أمتي ما أتى أمه بني إسرئايل حذو النعل بالنعل حتى إن كان منهم من أتى أمه علانية لكان في أمتي من يصنع ذلك، وإن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة، كلهم في النار إلا ملة واحدة" قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: "ما أنا عليه وأصحابي" وقال: حسن غريب.
стр. 567
قلت: ورواه الحاكم في صحيحه وقال: تفرد به الإفريقي ولا تقوم به حجة.
وأما حديث ابن عمر، فرواه أبويعلي في مسنده بلفظ: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "في أمتي نيفًا وسبعين داعيًا كلهم داع إلى النار لو شاء لأنبأتكم بأسمائهم وقبائلهم".
وأما حديث علي، فرواه أبو نعيم في الحلية من حديث أبي الطفيل عنه قال: "تفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، شرها فرقة ينتحلون وتفارق أمرنا"، وفي سنده لين.
وأما حديث عوف، فرواه ابن ماجه من حديث راشد بن سعد عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة فواحدة في الجنة وسبعون في النار وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة فإحدى وسبعين في النار وواحدة في الجنة، والذي نفس محمد بيده لتفترق
стр. 568
أمتي على ثلاث وسبعين فرقة فواحدة في الجنة وثنتين وسبعين في النار" قيل: يا رسول الله! من هم؟ قال: "الجماعة" ورجاله موثقون.
وقد رواه الحاكم في المستدرك من حديث عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن عوف بلفظ: "ستفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة" وقال: صحيح على شرطهما. قلت: وهو متعقب.
وأما حديث عمرو، فرواه الحاكم في مستدرك والطبراني من حديث كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : "لتسلكن سنن من كان قبلكم حذو النعل بالنعل ولتأخذن بمثل أخذهم إن شبرا فشبر، وإن ذراعًا فذراع وإن باعًا فباع، حتى لو دخلو جحر ضب دخلتم فيه، ألا وإن بني إسرائيل افترقت على موسى ﵇ سبعين فرقة، كلها ضالة إلا فرقة واحدة: الإسلام وجماعتهم، ثم إنها افترقت على عيسى ﵇ على إحدى وسبعين فرقة كلها ضالة إلا واحدة: الإسلام وجماعتهم، ثم إنكم تكونون على ثنتين وسبعين فرقة كلها ضالة إلا واحدة: الإسلام وجماعتهم" وهي الحاكم إسناده.
وأما حديث معاوية، فرواه أبو داود في سننه من حديث أبي عامر
стр. 569
الهوزني عنه أنه قال فقال: ألا أن رسول الله ﷺ قام فينا فقال: "ألا إن من كان قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة وهي الجماعة وأنه ستخرج في أمتي أقوام تجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله".
وأخرجه الحاكم في صحيحه من حديث أبي عامر أيضًا قال: حججنا مع معاوية فلما قدمنا مكة أخبر بقاص فأرسل إليه فقال: أمرت بهذا القصص قال: لا، قال: فما حملك على أن تقص بغير إذن قال: نفشي علمًا علمناه الله فقال: لو كنت تقدمت إليك لقطعت منك طائفة ثم قام حين صلى الظهر بمكة، فقال: قال النبي ﷺ : "إن أهل الكتاب تفرقوا في دينهم على اثنتين وسبعين ملة وتفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة. وتخرج في أمتي أقوام تتجارى تلك الأهواء بهم كما يتجارى الكلب بصاحبه فلا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله، والهل يا معشر العرب: لئن لم تقوموا بما جاء به محمد لغير ذلك أحرى أن لا تقوموا به". وقال: إن سنده لا تقوم به الحجة.
وأما حديث واثلة واللذان بعده، فرواه الطبراني من حديث عبد الله
стр. 570
بن يزيد بن آدم الدمشقي عن أبي الدرداء وأبي أمامة وواثلة وأنس قالوا: خرج علينا رسول الله ﷺ فذكر حديثًا في المراء، وفيه: "فإن بني إسرائيل افترقوا على إحدى وسبعين فرقة والنصارى على اثنتين وسبعين فرقة، كلهم على الضلالة إلا السواد الأعظم" قالوا: يا رسول الله! من السواد الأعظم؟ قال: "من كان على ما أنا عليه وأصحابي".وسنده ضعيف.
وعند الطبراني أيضًا من حديث أبي غالب عن أبي أمامة سمعت رسول الله ﷺ يقول: "تفرقت بنو إسرائيل على إحدى وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة وأمتي تزيد عليهم فرقة، كلها في النار إلا السواد الأعظم". ورواته موثقون.
وأما حديث أبي هريرة، فرواه ابن حبان في صحيحه وأبو داود واللفظ له والترمذي وقال: حسن صحيح. والحاكم وقال: على شرط مسلم، من حديث أبي سلمة عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "افترقت اليهود على إحدى أو ثنتين وسبعين فرقة وتفرقت النصارى على إحدى أو
стр. 571
ثنتين وسبعين فرقة، وتترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة" ورواه ابن ماجه مختصرًا بدون شك.
وجاء أيضًا من حديث جابر، وعبد الله بن عباس وغيرهم ولولا شغل البال لخرجتها لكن فيما ذكر كفاية. وقد رواه الديلمي وغيره من حديث أنس رفعه: "تفترق أمتي على بعض وسبعين فرقة كلها [في النار] إلا فرقة واحدة وهي الزنادقة"، وأورده ابن الجوزي في الموضوعات والاعتماد على ما سلف.
وأما حديث ابن مسعود، فرواه الطبراني من طريق سويد بن غفلة عنه قال: دخل رسول الله ﷺ فقال: يا ابن مسعود؟ قلت: لبيك يا رسول
стр. 572
الله قالها ثلاثًا، فذكر حديثًا وفيه: "واختلفت من كان قبلي على ثنتين وسبعين فرقة نجا منها ثلاثة، وهلك سائرهن: فرقة أزت الملوك وقاتلوهم على دينهم ودين عيسى بن مريم وأخذوهم وقتلوهم وقطعوهم بالمناشير، وفرقة لم يكن لها طاقة، بموازاة الملوك ولا بأن يقيموا بين ظهرانيهم فتدعوهم إلى الله ودين عيسى بن مرين فساحوا في البلاد وترهبوا قال: وهم الذين قال الله : (رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان) الآية. فقال النبي ﷺ : (من آمن بي وصدقني واتبعني فقد رعاها حق رعايتها ومن لم يتبعني فأولئك هم الهالكون". وسنده ضعيف وهو بنحوه عند من وجه أحسن من هذا.
стр. 573
١٤٨ - [مسألة]: عن عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : "يا عبد الرحمن إنك من الأغنياء ولن تدخل الجنة إلا زحفًا فأقرض الله يطلق قدميك " فقال عبد الرحمن: ما الذي أقرض أو أخرج؟ وخرج عبد الرحمن فبعث إليه رسول الله ﷺ فقال: "مر عبد الرحمن فليضف الضيف وليطعم المسكين، وليعط السائل فإن ذلك يجزيء عن كثير مما هو فيه".
رواه البزار في منسده وأبو نعيم في الحلية من جهة الطبراني، وفي لفظ عنده من جهة غيره قال ابن عوف: وما الذي أقرض الله قال: "تتبرأ مما أمسيت فيه" قال: فقال: من كله أجمع يا رسول الله؟ قال: "نعم"
стр. 574
فخرج ابن عوف وهو يهم بذلك فأتاه جبريل ﵇ فقال: مر ابن عوف فليضف الضيف، وليطعم المسكين، وليعط السائل، فإذا فعل ذلك كانت كفارة لما هو فيه". وفيهما خالد بن يزيد بن أبي خالد وقد ضعفه الجمهور.
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أول من يدخل الجنة من أغنياء أمتي عبد الرحمن بن عوف والذي نفسي بيده إن يدخلها إلا حبوا".
رواه البزار وفيه أغلب بن تميم وهو مجمع على ضعفه.
وعن أنس أيضًا أن عبد الرحمن بن عوف لما هاجر آخي رسول الله ﷺ بينه وبين عثمان فقال له: إن لي حائطين فاختر أي حائطي شئت قال: بارك الله في حائطيك ما لهذا أسلمت، دلني على السوق، فدله فكان يشتري السمينة والأقيطة، والإهاب فجمع فتزوج فأتى النبي ﷺ وعليه ردع من صفرة فقال: "مهيم"؟ قال: تزوجت، فقال: "بارك الله لك
стр. 575
أولم ولو بشاة" قال: فكثر ماله حتى قدمت له سبعمائة راحلة تحمل البز والدقيق والطعام قال: فلما دخلت المدينة سمع لأهل المدينة رجة فقالت عائشة: ما هذه الرجة؟ فقيل لها: عير قدمت لعبد الرحمن بن عوف سبعمائة راحلة تحمل البز والدقيق والطعام. فقالت عائشة: سمعت النبي ﷺ يقول: "وعبد الرحمن لا يدخل الجنة إلا حبوا" فلما بلغ ذلك عبد الرحمن قال: يا أمه! إني أشهدك أنها بأحمالها وأحلاسها وأقتابها في سبيل الله ".
رواه عبد بن حميد في مسنده، وفي لفظ عند الإمام أحمد في المسند عن أنس قال: بينما عائشة في بيتها إذا سمعت صوتًا في المدينة، فقالت: ما هذا؟ قالوا: عير لعبد الرحمن بن عوف قدمت من الشام تحمل من كل شيء فكانت سبعمائة بعير فارتجت المدينة من الصوت فقالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "قد رايت عبد الرحمن بن عوف يدخل الجنة حبوا" فبلغ ذلك عبد الرحمن فقال: إن استطعت لأدخلنها قائمًا، فجعلها بأقتابها وأحمالها في سبيل الله.
وأخرجه البزار في مسنده والطبراني في معجمه الكبير وعنه أبو نعيم في الحلية ومداره على عمارة بن زاذان، وقد ضعفه النسائي
стр. 576
والدارقطني وأحمد في رواية الاثرم بل ذكر ابن الجوزي الحديث في موضعاته من مسند أحمد، ونقل عنه أنه كذب منكر، قال: وعمارة يروي أحاديث مناكير.
وعن عبد الرحمن بن عوف قال: أرأيت الجنة فإذا هي لا يدخلها إلا المساكين فدخلت معهم حبوًا فلما استيقظت قلت: إبلي التي انتظرها بالشام وأحمالها في سبيل الله حتى أدخلها معهم ماشيًا. رواه البزار في مسنده وشيخه فيه عبد الله بن شهيب مجمع على ضعفه.
وعن عبد الله بن أبي أوفى أن رسول الله ﷺ قال: "ما بطأ بك؟ قال: مازلت بعدك أحاسب، وإنما ذلك كثرة مالي فقال: هذه مائة راحلة جاءتني من مصر فهي صدقة على أرامل أهل المدينة رواه أبو نعيم في الحلية، وفيه عمار بن سيف وهو منكر الحديث. ضعيف.
وبالجملة فقد قال الهيمثي وأقره العراقي رحمهما الله: أنه لا
стр. 577
يثبت في دخوله زحفًا حديث. انتهى.
وقد شهد ﵁ بدرًا والحديبية، ومعلوم أن الله قال في أهل بدر: "اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم"، فلو ارتكب امرؤ منهم ما لا يجوز ـ وقد عصمهم الله إن شاء الله من ذلك ـ فهو مغفور له، هذا مع أن كسبه حلال من تجارته ببركة دعائه ﷺ حيث قال: "بارك الله لك" وفعل ما فعله الفقراء من الخير. ورواية من تقدم ممن طعن فيه لا يقدح في أهل بدر والله الموفق.
وعن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "دخلت الجنة فسمعت فيها خشفة ... " فذكر حديثًا فيه: "وعرضت عليّ أمتي رجلاً رجلاً فجعلوا يمرون واستبطأت عبد الرحمن ثم جاء بعد الإياس فقتل: عبد الرحمن! فقال: بأبي وأمي يا رسول الله! والذي بعثك بالحق ما خلصت إليك حتى ظننت أني لا أنظر إليك أبدًا إلا بعد المشيبات قال: وما ذاك؟ قال: من كثر مالي أحاسب فأمحص".
أخرجه أحمد ومن طريقه ابن الجوزي في الموضوعات وقال: إنه لا يصح.
стр. 578
١٤٩ - الحمد لله لا يثبت في دخوله ﵁ الجنة زحفًا أو حبوًا حديث، كما جزم به الحافظ أبو الحسن الهيثمي، وأقره شيخه العراقي ، وانتقد قول الحاكم في بعضها: صحيح الإسناد. بل سبقهما لذكره من بعض طرقه في الموضوعات ابن الجوزي، ونقل عن إمامه المبجل أحمد بن حنبل: إنه حديث منكر مع تخريجه له في مسنده، وقال شيخنا في القول المسدد: الذي أراه عدم التوسع في الكلام عليه، فإنه يكفينا شهادة الإمام أحمد بأنه كذب، وأولى محامله أنه يقول: هو من الأحاديث التي أمر الإمام أن يضرب عليها فإما أن يكون الضرب ترك سهوًا وإما أن يكون بعض من كتبه عن عبد الله كتب الحديث وأخل بالضرب.
قال شيخنا: ثم رأيت بعد للحديث شاهدًا قوي الإسناد وساقه واقتصر على الحكم للإسناد، وأعرض عن المتن لنكارته، ولكن الإجمال في هذا المقام خير من تفصيل المقال وإن كان التفصيل يشهد بلا ارتياب للتزلزل والاضرطراب، لحصول الغرض بدونه. وكيف لا يكون غير صحيح، وعبد الرحمن بن عوف ﵁ ثبت أنه غشي عليه ثم أفاق فأخبر أنه جاءه ملكان فقالا: انطلق نحاكمك إلى العزيز الأمين، فقال لهما ملك آخر: ارجعا فإنه ممن كتبت لهم السعادة وهم في بطون أمهاتهم. وقال
стр. 579
علي ﵁ كما في صحيح الحاكم وغيره: سمعت النبي ﷺ يقول: "إنه أمين في أهل السماء أمين في أهل الأرض".
ويروى أن رجلاً لين الصوت قرأ عند النبي ﷺ ، فما بقي من الوقم إلا من فاضت عينه غير عبد الرحمن فقال النبي ﷺ : "إن لم يكن عبد الرحمن فاضت عينه فقد فاض قلبه". إلى غير ذلك من مناقبه المستفيضة التي يقصر الوقت عن استيفائها، وقد شهد ﵁ بدرًا والحديبية وشهد له ﷺ بالجنة وصلى خلفه. وقال لخالد بن الوليد وقد بلغه عند في حقه شيء: "يا خلد! لِمَ تؤذي رجلاً من أهل بدر لو أنفقت مثل أحد أو مثل الجبال ذهبًا لم تدرك عمله"، ومعلوم أن الله عز وجل
стр. 580
قال في أهل بدر: "اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، فلو ارتكب امرؤ منهم شيئًا وحاشاهم من ذلك فهو مغفور".
هذا مع أن كثرة ماله ﵁ إنما كانت ببركة دعائه ﷺ حيث قال له: "بارك الله لك" بحيث كان يقول: إنه لو رفع حجرًا لرجا أن يصيب تحته ذهبًا. ولكن عامة ماله من التجارة، بل ثبت عن عائضة ﵂ وهي ممن أضيف إليها الحديث المسئول عنه أنها قالت ـ وقد بعث إليها عبد الرحمن بمال ـ سمعت النبي ﷺ يقول: "لا يحنو عليكن بعدي إلا الصابرون سقى الله ابن عوف سلسبيل الجنة".
ونحوه عن أم سلمة ﵂ أنها سمعت النبي ﷺ يقول لأزواجه: "إن الذي يحنو عليكن بعدي هو الصادق البار، اللهم اسق عبد الرحمن بن عوف من سلسبيل الجنة". أخرجهما الحاكم في مستدركه، وعنده
стр. 581
أيضًا عن أبي هريرة رفعه: "خيركم خيركم لأهلي من بعدي".
وكذا مع ما كان يصل به أمهات المؤمنين "أوصى لهن بحيدقة يبعت بأربعمائة ألف" إلى غير ذلك من صدقاته الفاشية وعوارف العظيمة حتى إنه أعتق في يوم ثلاثين عبدًا وفي عمره ثلاثين ألف نسمة، وتصدق مرة بعير فيها سبعمائة بعير وردت عليه تحمل من كل شيء فتصدق بها وبما عليها وبأقتابها، وأحلاسها.
وعن معمر عن الزهري قال: تصدق ابن عوف على عهد رسول الله ﷺ بشطر ماله أربعة آلاف، ثم تصدق بعد بأربعين ألف دينار، ثم حمل
стр. 582
على خمسمائة فرس في سبيل الله وخمسائة راحلة، وأوصى بعد موته بخمسين ألف دينار، وبألف فرس في سبيل الله، ولمن بقى من البدريين كل رجل بأربعمائة دينار، وكانوا مائة فأخذوها، وكان عثمان ﵁ فيمن أخذ.
ومن تكون الدنيا في يديه ويؤدي الحقوق منها ويتطوع بالأمور المستحبة فيها ولم تكن عاتقة له عن الوصول إلى الله تعالى، ولا لها في قلبه مزية، ولا يفخر بها خصوصًا على من دونه ولا يكون بما في يديه منها أوثق منه بما عند الله بحيث يحسبها عما شرع له صرفها فيه، مع التقتير على نفسه وعياله، وعدم إظهار نعمة الله ، ولا ينفقها في وجوه الباطل التي لم تشرع، ولا يبذر يكون ذلك زيادة له في الخير، قال ﷺ : "نعم المال الصالح للمرء الصالح".
стр. 583
وقيل فيما للطبراني في الأوسط عن ابن عباس: يا رسول الله! من السيد؟ قال: "يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵈" قالوا: فما في أمتك من سيد؟ قال: "بلى: رجل أعطى مالاً حلالً ورزق سماحة وأدنى الفقير وقلت شكاته في الناس".
وفي حديث مرفوع لأحمد وغيره: "لا بأس بالغني لمن اتقى".
وفي آخر: "من رزق الدنيا على الإخلاص لله وحده وعبادته لا شريك له، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة مات والله عنه راض".
وقال ابن عمر ﵄: "لو كان عندي أحد ذهبًا أعلم عدده وأخرج زكاته، ما كرهت ذلك وما خشيت أن يضرني".
وقال ﷺ : "أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك" وقال: "ذلك
стр. 584
فضل الله يؤتيه من يشاء". إلى غيرها مما بينته في "السر المكتوم" وكم في الصحابة ممن اتصف بجميع صفات الخير التي ترغب في الإكثار لها كعثمان بن عفان، وطلحة الفياض، والزبير بن العوام، وثلاثتهم من العشرة المشهود لهم بالجنة أيضًا. وسعد بن الربيع وغيرهم من سادات المسلمين، وترك ابن مسعود سبعين ألف درهم، فيتعين استثناء هؤلاء من عموم "يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل أغنيائهم بخمسمائة عام" أو
стр. 585
يخص بفقراء طبقتهم، وهو أظهر. والشاهد الذي طويته أولاً مما صرح شيخنا بقوة إسناده إليه، والله الموفق.
стр. 586
١٥٠ - الحمد لله: روى الترمذي في جامعه من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "السخي قريب من الله قريب من الجنة قريب من الناس بعيد عن النار، والبخيل بعيد من الله بعيد من الجنة بعيد من الناس، قريب من النار، ولجاهل سخي أحب إلى ا لله من عابد بخيل" وكذا أخرجه الدارقطني في: "فضل الأسخياء والأجواد" له. ومن طريقه الخطيب في "ذم البخلاء" له بتمامه بزيادة: "وأدوأ الداء البخل".
رواه الخرائطي مفرقًا في كتابيه مكارم الأخلاق ومساوتها.
وأورده أبو الشيخ في الثواب والعقيلي في الضعفاء كلهم من الجهة التي أخرجه الترمذي منها، وقال الترمذي: إنه غريب.
قلت: وأروده ابن الجوزي في الموضوعات. وبين الدارقطني ما في إسناده من الخلف وأن بعضهم جعله من مسند عائشة ﵂ وقال: إنه لا يثبت منه شيء على وجه.
وأخرجه في "الأسخياء" بسند واه أيضًا عن جعفر بن محمد عن أبيه
стр. 587
عن جده أن النبي ﷺ قال: وذكره بدون الجملة الأخيرة. والله أعلم.
١٥١ - الحمد لله في الغيلانيات: والحلية لأبي نعيم من طريق يزيد بن أبان الرقاشي عن أنس عن النبي ﷺ قال: "بعث الله ثمانية آلاف نبي، منهم أربعة آلاف من بني إسرائيل".
وأخرجه أبو يعلى في مسنده بلفظ: "بعث الله إلى بني إسرائيل أربعة آلاف نبي، وأربعة آلاف إلى سائر الناس" وبلفظ: "كان ممن خلا من إخواني الأنبياء ثمانية آلاف نبي ثم كان عيسى بن مريم ثم كنت نبيًا".
وهو عند الطبراني بلفظ: بعث نبي الله ﷺ بعد ثمانية آلاف نبي.
وأخرجه أبو نعيم في الحلية أيضًا من طريق صفوان بن سليم عن أنس بلفظ: "بعثت على أثر ثمانية آلاف نبي".
وفي فوائد تمام من طريق معاوية بن قرة عن أنس قال: سئل النبي
стр. 588
صلى الله عليه وسلم كم المرسلين؟ قال: "ثلاثمائة وستة عشر عدة أصحاب بدر".
ولأبي ذر حديث طويل فيه سؤال للنبي ﷺ عن العمل، والإيمان، والإسلام، والهجرة، والصيام والجهاد والصدقة، وأعظم القرآن وفضل آية الكسي، وعدد الأنبياء والرسل، وعدد ما أنزل عليهم وما كان في صحف إبراهيم وصحف موسى وغير ذلك.
فأما ما يتعلق بعدد الأنبياء، فلفظه: قلت يا رسول الله! بأبي أنت وأمي كم الأنبياء؟ قال: "مائة ألف وأربعة وعشرون ألفًا قلت: كم الرسل من ذلك؟ قال: ثلاثمائة وثلاثة عشر، جم غفير، قلت: فمن كان أولهم؟ قال: "آدم"،قلت: آدم نبي مرسل؟ قال: "نعم خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه ثم سواه قبلا: يا أباذر اربعة سريانيون: آدم، وشيث، وأخنوخ، وهو إدريس، وهو أول من خط بالقلم، ونوح. وأربعة من العرب: هود، صالح، وشعيب ونبيكم ـ يعني نفسه ـ، وإبراهيم من كوثى ربا، وسائرهم من بني إسرائيل، فأول الأنبياء آدم وآخرهم أنا، وأول أنبياء بني إسرائيل موسى، وآخرهم عيسى".
أخرجه ابن حبان في صحيحه، والخلعي في فوائد، والآجري في أربعينه، وأبو نعيم في الحلية، والطبراني في الكبير، كلهم من حديث أبي إدريس الخولاني عن أبي ذر، ونحوه عند أحمد، وابن أبي شيبة
стр. 589
في مسنديهما من حديث عبيد بن الخشخاش عن أبي ذر ولم يعد الأنبياء، وقال في الرسل: ثلاثمائة وبضعة عشر جمًا غفيرًا، وقال مرة: خمسة عشر. وأخرجه أحمد أيضًا وإسحاق بن راهويه في مسنديهما عن أبي أمامة أن أباذر سال فذكر عدد الأنبياء والرسل وجزم بثلاثمائة وخمسة عشر. وكذا هو عند إسحاق عن عوف بن مالك عن أبي ذر قال: ثلاثمائة وخمسة عشر. والله أعلم.
стр. 590
١٥٢ - سئلت: عن حديث "اوتيت جوامع الكلم واختصر لي الكلام اختصارًا ".
والجواب: روى أبو أحمد العسكري في كتاب الأمثال له من طريق سليمان بن عبد الله النوفلي عن جعفر بن محمد بن أبيه أن النبي ﷺ قال: "أوتيت جوامع الكلم واختصرت لي الأمور اختصارًا".
وهذا مرسل وفي سنده من لم أعرفه، وفي مسند الفردوس تبعًا لأبيه بلا إسناد عن ابن عباس: "أغطيت جوامع الكلم، واختصر لي الحديث اختصارًا".
وعند البيهقي في الشعب من طريق عبد الرازق عن معمر عن أيوب عن أبي قلابة: أن عمر مر برجل يقرأ كتابًا من التوراة فذكر الحديث وقوله ﷺ : "إنما بعثت فاتحًا وخاتمًا، وأعطيت جوامع الكلم وخواتمه، واختصر لي الحديث اختصارًا ... ".
وللطبراني من طريق أبي الدرداء قال: جاء عمر وذكر نحوه، ولأبي يعلي من طريق خالد بن عرفطة قال: كنت عند عمر فجاءه رجل فذكره، وفيه قوله ﷺ : "يا أيها الناس: إني قد أوتيت جوامع الكلم
стр. 591
وخواتمه، واختصر لي اختصارًا". واصل الحديث من طريق ابن سيرين عن أبي هريرة بلفظ: "أعطيت فواتح الكلم" وفي لفظ: "مفاتيح الكلم"، وفي أخرى: "جوامع الكلم، ونصرت بالرعب". ومن حديث سعيد بن المسيب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن كلاهما عن أبي هريرة بلفظ: "أعطيت جوامع الكلم". وفي لفظ: "بعثت بجوامع الكلم" ومن طريق أبي يونس مولى أبي هريرة عن أبي هريرة: "أوتيت جوامع الكلم". ومن طريق العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة: "أعطيت جوامع
стр. 592
الكلم". ومن حديث عطاء بن السائب عن أبي جعفر عن أبيه عن علي بن أبي طالب في حديث: "أعطيت خمسًا" وفيه: "وأعطيت جوامع الكلم". وفي حديث أبي موسى الأشعري: "أعطيت فواتح الكلم وخواتمه"، قلنا: يا رسول الله! علمنا مما علمك الله فعلمنا التشهد. وفي حديث هند بن أبي هالة الطويل كان ﷺ يتكلم بجوامع الكلم، قال ابن شهاب، فيما نقله البخاري في الصحيح: بلغني في جوامع الكلم أن الله
стр. 593
يجمع له الأمور الكثيرة التي كانت تكتب في الكتب قبله في الأمر الواحد والأمرين ونحو ذلك. انتهى.
وحاصله: أنه ﷺ كان يتكلم بالقول الموجز، القليل اللفظ الكثير المعاني، وقال سليان بن عبد الله النوفلي: كان ﷺ يتكلم بالكلام القليل يجمع به المعاني الكثيرة.
وقال غيره: "يعني القرآن بقرينة قوله: بعثت، والقرآن هو الغاية في إيجاز اللفظ واتساع المعاني.
وقال آخر: القرآن وغيره مما أوتيه في منطقه فبان به من غيره بالإيجاز والإبلاغ والسداد، ودليل هذا كان يعلمنا جوامع الكلم وفواتحه.
والحديث في البخاري في أوائل الاعتصام وقبل ذلك في موضعين من التعبير.
وقد راجعت ذلك من فتح الباري ولم أره تعرض للحديث الأول.
وهذه جملة الخصال التي وقف عليها شيخنا: نصره بالرعب مسيرة شهر، جعل الأرض له مسجدًا وطهورًا، حل الغنائم له، الشفاعة، عموم البعثة، جوامع الكلم، كونه خاتم النبيي، جعل صفوف أمته كصفوف الملائكة، 'عطاءه خواتم البقرة من كنز تحت العرش، يشير إلى ما حطه الله تعالى عن أمته من الإصر، وتحميل ما لا طاقة لهم به، ورفع الخطأ والنسيان، وإعطاء مفاتيح الأرض، تسميته أحمد، جعل أمته خير الأمم، غفران ما تقدم من ذنبه وما تأخر، إعطاءه الكوثر، كونه صاحب لواء الحمد يوم القيامة تحته آدم فمن دونه كون شيطانه كان كافرًا فأعانه الله عليه
стр. 594
فأسلم.
[الحمد لله وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت].
١٥٣ - سألت: أيدك الله تعالى: هل يكره تسمية الرجل عبده بخير الله وسعدًا وسعيدًا ومسعودًا أم لا ؟
والجواب: إنه قد ثبت في صحيح مسلم من حديث الربيع بن عُميلة عن سمرة بن جندب ﵁ قال: نهانا رسول الله ﷺ أن نسمى رقيقنا أربعة أسماء: أفلح، ورباحًا، ويسارًا، ونافعًا، وفي لفظ له: "لا تسم غلامك رباحًا وذكرها" وفي لفظ له آخر: "لا تسمين غلامك يسارًا ولا رباحًا ولا نجيحًا ولا أفلح، فإنك تقلو: أثم هو؟ فلا يكون فيقول: لا، إنما هن أربع فلا تزيدن علي" وهو باللفظ الأول والأخير عند أبي داود.
وروي مسلم أيضًا من حديث أبي الزبير أنه سمع جابرًا ﵁ يقول: أراد النبي ﷺ أن ينهي أن يسمى بيعلى وببركة، وبأفلح وبيسار وبنافع، وبنحو ذلك. ثم رأيته سكت بعد، فلم يقل شيئًا. ثم قبض صلى الله عليه وسلم
стр. 595
ولم ينه عن ذلك، ثم أراد عمر أن ينهى عن ذلك، ثم تركه. وهو كذلك، لكن إلى قوله: «شيئًا» فقط عند البخاري في «الأدب المفرد»، وعلقه أبو داود لكنه قال: إنه لم يذكر بركة، وعندهما معًا ـ أعني البخاري في «الأدب المفرد» وأباداود ـ من حديث أبي سفيان عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن عشت إن شاء الله أن أنهى أمتي أن يسموا نافعًا وأفلح وبركه» قال الأعمش: لا أدري ذكر نافعًا أم لا، فإن الرجل يقول: إذا جاء: أثمَّ بركة فيقولون: لا.
قال النووي ﵀:
قال أصحابنا: يكره التسمية بهذه الأسماء المذكورة في الحديث، وما في معناها، ولا تختص الكراهة بها وحدها، وهي كراهة تنزيه لا تحريم، والعلة في الكراهة ما بينه ﷺ في قول: «فإنك تقول: أثم هو؟ فيقول: لا» فكره لبشاعة الجواب، وربما أوقع بعض الناس في شيء من
стр. 596
الطيرة، وأما قوله: أراد ﷺ أن ينهي عن هذه الأسماء فمعناه: أن ينهي عنها نهي تحريم فلم ينه. وأما النهي الذي هو لكراهة التنزيه، فقد نهى عنه في الأحاديث الباقية.
وقوله: "فلا تزيدن علي" ومعناه الذي سمعته أربع كلمات، وكذا رويتهن لكم فلا تزيدن علي في الرواية ولا تنقلوا عني غير الأربع، وليس فيه منع القياس على الأربع، وأن يلحق بها ما في معناها. انتهى كلام النووي وقال الخطابي في معالم السنن: قد بين النبي ﷺ المعنى في ذلك، وذكر العلة التي من أجلها وقع النهي عن التسمية بها، وذلك أن القوم إنما كانوا يقصدون بهذه الاسماء وما في معناها، إما التبرك بهذا أو التفاؤل بحسن ألفاظها ومعانيها فحذرهم أن يفعلوه لئلا ينقلب عليهم ما قصدوه في هذه التسميات إلى الضد وذلك إذا سالوا فقالوا، أثم يسار. أثم رباح؟ فإذا قيل: لا تطيروا بذلك وتشآءموا به وأضمروا على الإياس من اليسر والرباح فنهاهم عن السبب الذي يجلب لهم سوء الظن بالله تعالى، ويورثهم الإياس من خيره. انتهى.
وقال المنذري في الحاشية: قيل: النهي مخصوص فيها، وقيل: إنه عام في كل ما كان من معناها، وقيل: إن منسوخ، وقيل: النهي كان بقصدهم التفاؤل، ومن لم يقصد فذلك جائز.
وكتبت في الجواب ما نصه: في الموالي جماعة من الصحابة رضوان الله عليهم اسم كل منهم سعد، وكذا فيهم من اسمه سعيد أيضًا، ولم يرد
стр. 597
في ذلك بخصوصه عن النبي ﷺ نهي، والذي صح نهيه عنه تسمية الرقيق بأفلح ورباح ويسار ونافع ونجيح، وعلل في الخبر النهي بكونه يقال: أثم هو؟ ولا يكون، فيقول: لا، فيكون في الجواب بشاعة لما يتضمن من نفي ما يتفاءل بحسن لفظه ومعناه.
وحمل العلماء النهي في ذلك على كراهة التنزيه لا التحريم، لوقوع أكثر هذه الأسماء في موالي النبي ﷺ كأفلح، ورباح، ويسار، ونافع، فدل على الجواز ولم يخصوا الأسماء الواردة بالكراهة، بل ألحقوا بها ما في معناها، هذا هو المعتمد، وقصر بعضهم النهي على الوارد فقط دون ما في معناه، وبعضهم بمن لم يتطير بذلك، وادعى بعضهم أن النهي منسوخ بحديث آخر صحيح أيضًا قال فيه ﷺ : "إن عشت إن شاء الله أنهى أمتي أن يسموا نافعًا وأفلح وبركة" ثم لم يفعل، وذلك لما رأى من تعود القوم بهذه الأسماء فنسخه لهم لكن المعتمد أنه ﷺ أراد أن ينهي عنها نهي تحريم لكون نهيه السابق كما قدمناه للتنزيه. فلم ينه وحينئذٍ فلا نسخ، والله الموفق.
стр. 598
١٥٤ - حديث: ثبت عن أنس ﵁ قال: قال الناس: يا رسول الله غلا السعر فسعر لنا فقال: "إن الله هو المسعر، القابض، الباسط، الرازق، وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطالبني بمظلمة في دم ولا مال ".
وفي صحيح ابن حبان عن أبي سعيد الخدري: أن يهوديًا قدم زمن النبي ﷺ بثلاثين حمل شعير وتمر، فسعر مدًا بمد النبي ﷺ بدرهم وليس في الناس يومئذٍ طعام غيره، وكان قد اصاب الناس قبل ذلك جوع لا يجدون فيه طعامًا فأتى النبي ﷺ الناس يشكون إليه غلاء السعر، فصد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه فقال: "لألفين الأمين قبل أن أعطي أحدًا من مال أحد من غير طيب نفس، إنما البيع عن تراض، ولكن في بيوعكم خصالاً أذكرها لكم، لا تضاغنوا، ولا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا يسوم الرجل على سوم أخيه، ولا يبيعن حاضر لباد، والبيع عن تراض، وكونوا عباد الله إخوانًا".
وللدارقطني في الأفراد بسند بين هو ضعفه عن علي قال: غلا
стр. 599
السعر بالمدينة قال: فذهب الصحابة إلى النبي ﷺ فقالوا: غلا السعر فسعر لنا فقال رسول الله ﷺ : "إن الله هو المعطي وأن لله ملكًا اسمه عمارة على فرش من حجارة الياقوت، طوله مد بصره، يدور في الأمصار، ويقف في الأسواق، فينادي، ألا ليغلوا كذا وكذا الا ليرخص كذا وكذا".
وروى البيهقي في الكبرى وأصله في مسلم عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض فإذا استنصح أحدكم أخاه فلينصحه"، وللحكيم الترمذي في المناهي له بسند ضعيف عن ابن عباس: أن رجلاً بايع [بزازًا بردة] فقال رجل: أيها الناس! إنها لا تساوي، فقال رسول الله ﷺ :"مه يا متكلف! دع الناس يعيش بعضهم من بعض فإذا استنصحك فانصح".
стр. 600
١٥٥ - الحمد لله سئلت: عما أخرجه الشيخان في صحيحهما عن جابر ﵁ رفعه: "أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي"، فذكرها، وفيها: "ونصرت بالرعب مسيرة شهر"، هل ورد مسيرة شهرين ؟
والجواب: إن هذه الرواية الصحيحة جاءت كذلك من حديث أبي ذر وأبي أمامة وابن عباس وابن عمر وأبي سعيد
следующие страницы →