Полный текст (1 198 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
انتهى ما نصه.
الظاهر أن عبدالقيس لم يجمعوا إلا بأمر النبي ﷺ لما عرف من عادة الصحابة من عدم الاستبداد بالأمور الشرعية في زمن نزول الوحي.
قلت: لكن قد قال شيخنا ﵀ في موضع آخر عقب مرسل ابن سيرين السابق أنه يدل على أن أولئك الصحابة اختاروا يومالجمعة بالاجتهاد، ولا يمنع ذلك أن يكون النبي ﷺ علمه بالوحي وهو بمكة فلم يتمكن من إقامتها ولذلك جمع بهم أول ما قدم المدينة كما حكاه ابن إسحاق وغيره.
وعلى هذا فقد حصلت الهداية للجمعة بجهتي البيان والتوفيق.
إذا علم هذا ففي الجمعة أوليات ثلاثة، فيقال: أول ما صليت مطلقًا بنقيع الخضومات وبخصوصه ﷺ بمسجد بني عمرو بن عوف، وبالنسبة لسائر المواضع سوى المدينة بمسجد عبد القيس.
هذا ما تيسر الآن من الكلام على هذه المسئلة والله الموفق.
стр. 702
١٨١ - الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى، حادثة وهي: أن الشيخ برهان الدين إبراهيم النعمائي المصري الشافعي نفع الله به، قرأ بين يدي المحبوبي الكافياجي شيخ الشيخونية بها في آخر كتاب الشفاء للقاضي عياض. قوله: ويخصنا بخصيصي زمرة نبينا وجماعته بسكون الياء، بصيغة التثنية المحذوفة النون، فرد عليه جلال الدين عبد الرحمن بن الكمال أبي بكر الأسيوطي مدرس المحدثين بالمدرسة المذكورة ذلك.
وقال: إن اللفظة خصيصي بألف التأنيث المقصورة فلم يلتفت لقوله وانفصل المجلس. فكتب الجلال المذكور إلى الشيخ برهان الدين ورقة نصها كما قرأت بخطة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي منح العلماء والأشراف، بمعاندة الجهال والأطراف، والصلاة والسلام على محمد وآله وصحبه أولي الفضل والإنصاف، وبعد، فقد قرأ بعض العوام في آخر كتاب الشفا للقضاي عياض قوله: ويخصنا بخصيصي زمرة نبينا وجماعته، بسكون الياء بصيغة التثنية المحذوفة النون، فقلنا له: إنما هي خصيصي بألف التأنيث المقصورة وأقمنا له العذر في ذلك كونه رآها مرسومة بالياء، فظن أنها ياء فادعى أنها رواية، وكذب في ذلك ثم ارتقى وادعى أن ذلك هو الصواب وأن المراد بالخصيصين أبو بكر وعمر. وأقول: ما ادعاه باطل رواية ولغة ومعنى. أما رواية، فالذي تلقينا من المعتبرين في الضبط، وضبطه من يرجع إليهم في النقل أنه بالألف لا غير، وممن نبه على ذلك الحافظ برهان الدين الحلبي في شرح الشفاء،
стр. 703
وشيخنا الإمام تقي الدين الشمني في حاشيته وكذلك قرأناه عليه وسمعناه على غيره.
وأما لغة، فقال الجوهري في الصحاح: خصه بالشيء خصوصًا، وخصوصية وخصيصي وقال في القاموس: خصه بالشيء خصًا وخصوصًا وخصوصية ويفتح وخصيصي وتمد، وقال في المجمل: خصصه بالشيء خصومة بالفتح والخصيصي مثل الخصوصية، فهؤلاء أئمة اللغة ذكروا خصيصي بالألف المقصورة مصدرًا لخصه ولم يذكروا في المسألة الخصيص لا مصدرًا ولا وصفًا وأصرح من ذلك ما ذكره الفارابي في ديوان الأدب فإنه قال: باب فعيل فيه خمسة ألفاظ: رجل شرير أي صاحب شر جدًا، والقسيس ورجل ضليل ضال جدًا، والتنين ضرب من الحيات، ورجل عنين ثم قال: باب فعيلي فيه ثمانية ألفاظ: الحثيثي الحث على الشيء، الرديدي الرد، المسيسي المس الخصيصي الخصوصية
стр. 704
الحضيضي الحض، الدليلي الدلالة والزليلي الزلل، والمنيني المن.
فهذا صريح في أنه ليس خصيص على وزن فعيل حتى يثنى على خصيصي، وباب فعيل مسموع لا يجوز القياس عليه كما هو مقرر في كتب العربية.
وأما بطلانه من جهة المعنى، فإن المقصود من الكلام المصدر لا الوصف، والمقصود أن يخصنا بهذه الخصوصية وهو أن يكون من جملة الجماعة المنسوبين إلى النبي ﷺ والزمرة الداخلين تحت لوائه، وليس المراد الاختصاص بالذوات.
هذا أمر لا يخفى إلا على جاهل بليد، وأيضًا ولو كان خصيصي بلفظ التثنية وهو مضاف لوجب أن يضاف إلى اثنين متغايرين، وليس بعده إلا زمرة وجماعة وهما بمعنى واحد، وما قاله من تفسير كلامه غلط صراح، يضحك منه السامع، ويفرح به العدو، ويغتم له الصديق واي معنى لقوله: ويخصنا بأبي بكر وعمر، والاختصاص إنما يكون بالمعاني لا بالذوات، فليتأمل المنصف هذا الكلام، ويعلم أنه رب طويل، عريض، سمين، لا يسوي مقال نملة. والله أعلم. انتهى ما كتبه ابن الأسيوطي وارسل للبرهان المذكور بهذه الورقة المشتملة على الأوهام المتعددة، فأخذ في الاستفتاء عن المصيب منهما. فكتب الأميني الأقصرائي الحنفي بتصويب البرهان وعبارته: نعم يسلم له ذلك، ولا عبرة بمن ينكره بغير موجب له، ومعناه صحيح على ما ذكر دون غيره.
وكذا صوبه الشمس البامي الشافعي وعبارتهت: الذي سمع من
стр. 705
المشايخ قديمًا وحديثًا، وقرئ عليهم: إن هذه اللفظة مثناة، والمعنى عليها فلا يحل لأحد إنكارها، ومن أنكرها وصوب غيرها فهو في الحقيقية مسيء على القاضي عياض ﵀، فيؤدب على ِإساءته على العلماء.
وكتب الفخري عثمان الديمي الأزهري الشافعي: الذي سمعناه من ألفاظ مشايخنا المعتمدين: وأن يخصنا بخصيصي زمرة نبينا وجماعته، بباء موحدة وخاء معجمة مكسورتين، ثم صاد مهملة مشددة مكسورة ثم تحتانية ساكنة ثم صاد مهملة أيضًا ثم ياء تحتانية، آخر الحروف ساكنة. والله تعالى أعلم.
وكتب الزيني قاسم الحنفيك وكذلك يقول فقير رحمة ربه الغني قاسم الحنفي، وكذلك ضبطه اليماني في نسخته المعتمدة والمضبوطة على الحفاظ واله أعلم.
وكتب كاتبه التثنية في ذلك لا يمتنع دراية.
وأما الرواية، فهي التي نعرفها بل هي الثابتة في الأصل المعتمد
стр. 706
المقابل مع حافظ وقته العلامة في التصريف واللغة أبي الحاج المزي، وأثنى على الاصل المشار إليه العلامة التاج أبو محمد عبد الباقي بن عبد المجيد اليماني مختصر الصحاح بل وصاحب الحاشية على الشفاء التي سماها "الاكتفاء في شرح ألفاظ الشفاء"، وعول عليها جمهور الأئمة ممن بعده، وكذا أثنى عليه العلامة تاج الدين السبكي، وعليه خط الحافظ الشمس السروجي، بل قرئ المجلس الأخير الذي فيه هذه اللفظة منه بخصوصه على شيخنا وأستاذنا شيخ مشايخ الإسلام ابن حجر وناهيك بذلك كله حجة في إثبات الرواية في الأحاديث النبوية فضلاً عن لفظ القاضي عياض ﵀، ومن نسب قائل ذلك إلى الكذب، فهو الكذاب لإقادمه على ما لا عهد له به، ويؤدب التأديب اللائق به، وبأمثاله خصوصًا إن كان ذلك يتضمن الطعن على هؤلاء الأئمة الأعلام. وبالله التوفيق.
ثم ورد على السؤال ثانيًا من الفريق الآخر فكتبت بنحو ذلك، ثم ثالثًا فكتبت بما نصه: قد ثبت بالتثنية بدون حكاية غيرها في الأصل المعتمد الذي كتب عليه التاج عبد الباقي اليماني مختصر الصحاح، ومؤلف الاكتفاء في شرح ألفاظ الشفاء بالثناء البالغ الذي من جملته أعرب أي ناسخه تلك الألفاظ وأخذها عن السادة الحفاظ، أبدع فيما رقم وأتقن فيما حكم، وشهد له التاج السبكي بأنه الذي يورى، فيروي كل ظمآن، ويبدي
стр. 707
فرائد تسحر دأب الإنسان. انتهى.
وكيف لا يكون كذلك ومحرره قد اجتهد في جمع أصول صحاح، منها أصل مغربي، قديم، مقابل مع حفيد المؤلف المذكور بالمشاركة في فنون من العلوم العقلية وغيرها وبالشعر والفصحاة، ونحو ذلك على أصل جده القاضي عياض فما حصل الاتفاق عليه في الأصول المشار إليها أثبته بالأصل وما لا، اقتصر على الأكثر أو الأضبط، وبين بالهامش المخالف، وهو في هذا اللفظ بخصوصه لم يبين خلافًا فاقتضى الاتفاق، ومع ذلك كله لم يكتف محرره بهذا بل قرأه مقابلة، وتصحيحًا على حافظ وقته المرجوع إليه في الحديث، ومتعلقاته مع تقدمه في التصريف واللغة أبي الحجاج المزي، وكذا قرأ فيه الحافظ شمس الدين بن أيبك السروجي.
وكتب عليه خطه بذلك، بل وأفاد بهامشه إلى غيرهم من أئمة العلم والحديث، وتداوله الأكابر خلفًا عن سلف إلى هذا الوقت، وكان ممن قرئ عليه منه المجلس الأخير بخصوصه شيخنا وأستاذنا من لم تر عين من رآه في فنون الحديث النبوي مع ما اشتمل عليه من العلوم الجمة مثله.
وكتب بجمد الله ممن قرأ فيه بحضرة الأئمة الأكابر من الشيوخ وغيرهم بل وقرئ علي فيه أيضًا غير مرة، وحرر معي عليه أصل صار عمدة، ولا أعلم إن شاء الله أصح منه، وحينئذٍ فقال: الرواية في هذا اللفظ بالتثنية اعتمادًا على ما بينته كما يقال: رواية الأصيلي والقابسي
стр. 708
والجياني وغيرهم بالنسبة لصحيح البخاري كذا مع كون لا مستند لذلك في هذه الأعصار المتأخرة إلا الأصول المعتمدة، ولا يخدش فيما تقدم أن ألف التأنيث المقصورة ربما تكتب ياء، لأنا نقول: وإن وجد ذلك كله في خط الآحاد فالمتقن لا يسكن الياء إلا في المثنى خوفًا من حصول الالتباس.
وإذا ثبت كذلك وعلم أن القاضي عياض قائل هذا اللفظ أعرف الناس في وقته بعلوم الحديث، وبالنحو، واللغة، وكلام العرب وأيامهم، وأنسابهم وممن كان في الإتقان بمكان كان كافيًا في الرجوع إليه في هذا اللفظ، إن لم يوجد صريحًا ما يخالفه، هذا الحافظ شرف الدين أبو الحسين اليونيني مع كونه لم يجتمع فيه ما اجتمع في القاضي عياض قد عول الناس عليه في ضبط الروايات في صحيح البخاري لكثرة ممارسته له، واعتنائه بمقابلته حتى إن الحافظ الذهبي [حكى أنه سمعه يقول: إنه قابله وأسمعه في سنة واحدة إحدى عشرة مرة، ولكنه ممن وصف بالمعرفة لكثير من اللغة، والحفظ لكثير من المتون والمعرفة بالأسانيد بحيث أن سيبويه وقته الجمال ابن مالك حضر عنده سماع الصحيح
стр. 709
المذكور فكان إذا مرَّ من الألفاظ ما يتراءى مخالفته لقوانين اللسان العربي سأل الشرف عن الرواية فيه، فإن أجاب بأنه كذلك شرع ابن مالك في توجيهه حسب إمكانه، ومن ثم جمع كتابه المسمى: "شواهد التوضيح" مع كونه لم يستوعب ذلك، ومن ذا ينهض بما نهض به ابن مالك أو ما يوازيه علمًا وعملاً، وإتقانًا وورعًا، أو من أحاط علمًا بحفظ اللغة وجمع دواوينها حتى يسوغ له أن يقول: إنه لم يسمع خصيص فدلك كعلم الحديث والفقه بحر لا ساحل له، غاية الماهر مراجعة القاموس ولسان العرب والاقتصار عليهما لا يسوغ إطلاق النفي، بل كل حصر في باب متسع الانتشار منتقد في الغالب، ومن العجيب من استدل باقتصار الفارابي في ديوان الأدب على خمسة ألفاف في باب فعيل، وثمانية في باب فعيلي وزعم صراحته في أنه ليس لنا خصيص على وزن فعيل حتى يثنى على خصيصي مع كون الفارابي لم يدع الحصر، ولو ادعاه لرد عليه في الوزن الأول بخريت وخريج وحديث وحريف وفسيق ومسيك وعريض لمن يتعرض للناس بالشر وسجيل وسجين وغيرها. وفي الثاني بخصيصي وربيبي وهجيري وحجيري وحديثي وخليفي وغيرها، بل من الوزن الأول صديق وهو كل من صدق بكل ما أمر الله به على لسان أنبيائه بغير شك، ولا امتراء وهو دائم الصدق وقد ثبت قطعًا جمعه بقوله تعالى: (والصديقين) وما ثبت جمعه جمع تصحيح ثبتت تثنيته.
وإذا تقرر هذا، فالتثنية في كلام القاضي بالنظر لشيئين، وهما:
стр. 710
الزمرة الشاملة لجميع من اتبع النبي ﷺ من الصاحبة وغيرهم إلى يوم القيامة، والجماعة الذين هم أصحابه ﵃، وخصهم بعد دخولهم في العموم لشرفهم، فكأنه سأل الله أن يخصه باقتفاء طريق الخواص من أصحاب نبيه، ومن سائر أمته، وهو نحو قول القائل: هب لنا ما وهبته لأوليائك وأحبائك. ويجوز أن يكون سأل أني خص بخصيصي هذه الأمة وهما: أبو بكر وعمر ﵄ حسبنما ورد في حيدث سنده ضعيف عند الطبراني فيا لكبير من حديث ابن مسعود ﵄ أن النبي ﷺ قال: "إن لكل نبي خاصة من أصحابه وإن خاصتي أبو بكر وعمر" ﵄ وكذا أخرجه البيهقي في الفضائل. ولا يكون من خواصهما إلا بسلوك طريقهما واقتفاء سنتهما، وعلى تقدير التنزل في كون الزمرة والجماعة واحد فليس يمتنع الإتيان بلفظ التثنية مع إضافته لفظًا بواحدٍ].
стр. 711
١٨٢ - سئلت عن استئصال الشارب، والعنفقة بالحلق، أو النتف هل هو سنة أم لا ؟
فأجبت: ما كان من الشارب والعنفقة على طرف الشفة فيستحب إخفاقه من أصله، وما عداه فيقص على وجه التقصير بحيث لا يتدلى شيء منه على طرف الشفعة، ويتأيد عدم الاستئصال فيهما بقص النبي ﷺ شارب بعض الصحابة على سواك لأنه لو كان المراد حلقه واستئصاله لما وضع السواك تحت الشارب حتى يقص ما خرج عنه، ولذا يدل كون الأحاديث الواردة في الأخذ من الشارب كقوله: "كان ﷺ يقص أو يأخذ من شاربه" و"من لم يأخذ من شاربه فليس منا" يدل على أخذ البعض
стр. 712
وترك البعض لدلالة "من" على التبعيض.
وقد قال أحد أئمة الهدى عمر بن عبد العزيز ﵀: "السنة في قص الشارب حتى تبدو الإطار يعني جوف الشفة الأعلى الذي يحول بين منابت الشعر والشفة"، وقول التابعي: السنة كذا وإن كان الصحيح أنه عليه موقوف، فقوله يعتضد بفعل جماعة من الصحابة ﵃ كانوا يقصون شواربهم من طرف الشفة وهو قول جمهور أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم كإمامنا الشافعي بل قال ـ وذكر له إحفاء بعض الناس شواربهم ـ: ينبغي أن يضرب من صنع ذلك، فليس حديث النبي ﷺ في الإحفا ولكن يبدي حرف الشفتين والفم. وقال: إن حلقه بدعة ظهرت في الناس. وفي رواية عنه: إحفاء الشارب عندي منكر، بل يأخذ منه حتى يبدو طرف الشفة وهو الإطار ولا يجزه فيمثل بكفه وعلله غيره بأن مع المثلة فيه إذهاب لماء الوجه وفيه بقاء أصول الشعر زينة وجمال، على أن ابن عمر وبعض التابعين ذهب إلى استحباب حلقه واستئصاله وهو قول أهل الراي وأهل الظاهر.
وكذا جاء عن غير ابن عمر من الصحابة لكن بسند مضطرب.
стр. 713
وفي المسألة قول ثالث: وهو التخيير بين القصص والحلق كاه عياض. وعن أحمد ﵀: إن حفه فلا بأس به. وإن قصه فلا باس به وكأنه ليجمع بين الأحاديث واختلاف أفعال الصحابة، لكن عمل الجمهور على القص خصوصًا ومما ذكرناه أولاً تجتمع ذلك فهو أولاً تجتمع ذلك أيضًا فهو أولى بالاتباع، هذا ملخص الكلام وبه حصل الغرض وبسطه يستدعي كراسة. والله الموفق.
стр. 714
١٨٣ - سئلت عن حديث: " من قال عند مريض لم يحضر أجله سبع مرات: أسال الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك " أورد بلفظ: "ويعافيك للشفاء"؟
فأجبت: اتفق من أخرجه وهم: أبو داود والترمذي والنسائي وابن السني كلاهما في "عمل اليوم والليلة" وأحمد في "مسنده" وسمويه في "فوائده" وآخرون كلهم من حديث يزيد أبي خالد الدلاني عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس موقوفًا عليه بلفظ: "يشفيك" فقط وكذا رويناه من حديث جماعة عن الدالاني عن المنهال منهم: زيد بن أنيسة وعبد ربه بن سعيد وميسرة بن حبيب مع
стр. 715
اختلاف فيهم على بعض، ومن جملة من اختلف عليه فيه سندًا ومتنًا الدلاني المذكور، فأخرجه الطبراني في الدعاء وأبو نعيم في عمل اليوم واليلية معًا من حديثه فقال: عن المنهال عن عبد الله بن الحارث بدل سعيد بن جبير عن ابن عباس مرفوعًا، ولفظه: "من دخل على مريض فقال: أسال الله العظيم رب العرش العظيم أن يعافيك إلا عوفي ما لم يحضر أجله" ويزيد ممن اختلف فيه فوثقه أحمد وابن معين وجمعة وضعفه ابن سعد والحربي وابن حبان وأفرط فيه، وتوسط ابن عدي فقال: إنه ليس الحديث، ومع لينه يكتب حديثه، وعلى كل حال فلفظه مضطرب، شاذ بخلاف الاول فقد حسنه شيخنا ومن قبله الترمذي حين قال: إنه حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث المنهال، بل صححه ابن حبان
стр. 716
والحاكم وفيه نظر.
وأما ما وقع في "عدة الحصن الحصين" لابن الجوزي ﵀ من جمعه بين يشفيك ويعافيك، فذاك غلظ مع أنه رقم عليك لابي داود والترمذي وابن حبان فليست لفظة: "يعافيك" فيها مفردة، فضلاً عن مجتمعه، والله الموفق.
стр. 717
١٨٤ - سئلت: عما اعتيد من كثير من الناس فعله من قراءة الفاتحة عقب الصلوات وإهداء ثوابها للمسلمين الأحياء والأموات .
أجبت: لم يرد فيه على هذه الكيفية شيء بل هو مما أحدث والله المستعان.
١٨٥ - مسألة: الحمد لله وقع كما بلغني في ليلة العشرين من رمضان المعظم قدره بين يدي المقر الزيني ابن مزهر دفع الله عنه كل مكروه وحفظ عليه دينه ودنياه استشكال الجمع بين حديث مسلم الصحيح: "أفضل الصيام بعد رمضان المحرم" وحديث الترمذي ـ يعني على تقدير صحته ـ قيل: يا رسول الله أي الصوم أفضل؟ قال: "صوم شعبان تعظيمًا لرمضان" وأنه أجاب بديهة بتقييد الأفضلية في المحرم
стр. 718
بالأشهر الحرم وإبقائها على عمومها في شعبان وهو جواب حسن، خصوصًا وفي كلام الحافظ الزين ابن رجب ﵀ ما يشير غليه فإنه قال: التطوع بالصيام نوعان، أحدهما: التطوع المطلق بالصوم فهذا أفضله المحرم كما أن أفضل التطوع المطلق بالصلاة قيام الليل.
ثانيهما: ما صيامه يتبع لصيام رمضان، قبله أو بعده، فهذا ليس من التطوع المطلق بل صيامه تبع لصيام رمضان وهو يلتحق بصيام رمضان، ولهذا قيل: إن صيام الست من شوال يلتحق بصيام رمضان ويكتب لمن صامها مع رمضان صيام الدهر فرضًا وقد أخرج ابن ماجه بسند فيه إرسال أن أسامة بن زيد ﵄ كان يصوم أشهر الحرم فقال له رسول الله ﷺ : "صم شوال" فترك أشهر الحرم، ثم لم يزل يصوم شوال حتى مات.
قلت: وكذا أخرجه العذبي ومن طريقه أورده الضياء في المختارة فهو محتج به عنده، قال: فهذا النوع من الصيام يلتحق برمضان، وصيامه أفضل التطوع مطلقًا. فأما التطوع المطلق فأفضله صيام الأشهر الحرم، وأفضل صيام الأشهر الحرم صيان شهر الله المحرم قال: ويشهد لهذا قوله في حديث المحرم نفسه: "وأفضل الصلاة بعد المكتوبة قيام الليل" ومراده بعد المكتوبة لواحقها من سننها الرواتب، فإن الرواتب قبل
стр. 719
الفرائض وبعدها أفضل من قيام الليل عند جمهور العلماء لالتحاقها بالفرائض في الفصل، وإن خالف في ذلك بعض الشافعية، فكذلك الصيام قبل رمضان وبعده ملتحق برمضان، وصيامه وأفضل من صيام الأشهر الحرم، فأفضل التطوع المطلق بالصيام صيام المحرم، انتهى. على أن سعيد بن جبير وغيره ذهبوا إلى كون ذي الحجة أفضل الاشهر الحرم، بل قيل: إنه أضل الشهور مطلقًا منأجل يوم عرفة، وأيام العشر، فإذا كان كذلك احتمل أن يقال: يجوز أن يراد به أفضل شهر تطوع بصيام جميعه بعد رمضان فلا ينافي حينئذ أن يكون التطوع ببعض أيام كصيام يوم عرفة أو عشر ذي الحجة أو ست شوال أفضل من التطوع ببعض أيامه، اشار إليه ابن رجب أيضًا قال: وقد أجيب عن استشكال كونه ﷺ كان يخص شهر شعبان بصيام التطوع فيه مع قوله ﷺ : "أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم" بأجوبة غير قوية، لاعتقادهم أن صيام المحرم والأشهر الحرم أفضل من صيام شعبان كما صرح به الشافعية وغيرهم، قال: والأظهر خلاف ذلك يعني كا تقدم. وأجاب بنحو هذا الحافظ الزين العراقي فإنه قال: حديث شعبان قيد بقوله "لتعظيم رمضان" والمعنى: أن يقصد بصوم شعبان تعظيم رمضان تقدمه بين يديه كما تقدم رواتب الفرائض بين يديها، ليحصل له بالتلبس بالنوافل التضرفع عما يشغله عن الصلاة، ولما يحصل بالنوافل من محبة الله للعبد كما ثبت في الصحيح حكاية عن الله : "ولا يزال العبد يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه"، فيدخل في الفريضة وقد دخل بالنوافل في جملة من أحبه الله
стр. 720
فيكون أقرب إلى القبول، ولما ورد في جبر الفرائض بالنوافل فكذلك الصوم، قال: وقد صرح أصحابنا بأن أصل النوافل التي لم تشرع فيها الراتب فيكون صوم شعبان كأنه مقدمة لرمضان، للتمرين على الصوم والتخلق به وإنما نهى عن تقديم رمضان بيوم أو يومين لمن يفعله على نية الاحتياط لرمضان ولذلك ورد في بقية الحديث: "إلا رجلاً كان يصوم صومًا فليصمه" فإذا اعتاد صيام شعبان ووقع ذلك بنية التعظيم لرمضان احتمل تفضيله على المحرم وانضم إلى أنه ﷺ لم يكن في شهر من الشهور أكثر صيامًا منه في شعبان حتى يصله برمضان. وفي رواية: "كان يصوم شعبان كله" وتبعه تلميذه شيخنا رحمهما الله حيث
стр. 721
قال: أفضلية المحرم على إطلاقها وفضيلة شعبان مقيدة بقصد تعظيم رمضان كما في الخبر قال: وكان المراد بالتعظيم المذكور أن يدمن على الصايم فيصوم رمضان وهو نشيط، وليس المراد الاحتياط لرمضان لثبوت النهي عن تقدمه بصيام. انتهى.
وأجاب العراقي رحمة الله بجواب آخر فقال معقبًا لجوابه السابق: ويحتمل أن يكون قوله: "لتعظيم رمضان" ليس له تعلق بقصده وإنما هو تعليل لأفضيلة شعبان لمجاورته لرمضان كما ندب إلى صوم الست من شوال وإتباعها برمضان المجاورته وربما حصل الشرف بالمجاورة في المشاهد ومنه مجاورة بيت الله.
قلت: والحديث الذي أخرجه أصحاب السنن وصححه ابن حبان وغيره: "إذا انتصف شعبان فلا تصوموا" حمله ناصر السنة البيهقي وغيره على تقدير صحته على ما يضعفه الصوم، وإن لم يضعفه فلا. والله المستعان.
стр. 722
١٨٦ - الحمد لله: وقع كما بلغني بمجلس الاستماع عند الشاوي بحضرة صاحبنا القاضي قطب الدين الخيضري الخوض في مسألة رائي النبي ﷺ بعد موته قبل الدفن، أو بعده هل يكون صحابيًا أم لا ؟ وأنجز الكلام من طالب يقال له محمد الشارنقاشي إلى تعليل ذلك بانقطاع النبوة فزبره بعض الفضلاء الأخيار وهو الشيخ عبد الرحمن السنتاوي عن ذلك وقال: إن هذا الكلام كفر، ووافقه على الإنكار القطب الخيضري، وأصل المسألة لأئمتنا فيها كلام، وصنيع من أدخل أبا ذؤيب في تصنيفه في الصحابة يقتضى إثباتها. وقال العلائي: إنه لا يبعد أن يعطي هذا حكم الصحبة لشرف ما حصل له من رؤيته ﷺ قبل دفنه وصلاته عليه قال: وهو أقرب من عد المعاصر الذي لم يره أصلاً فيهم أو الصغير الذي ولد في حياته، وكذا قال البدر الزركشي رمه الله: ظاهر كلام ابن عبد البر نعم لأنه أثبت الصحبة لمن أسلم في حياته وإن لم يره، يعني فيكون من رآه قبل الدفن أولى، قال: والظاهر أنه غير صحابي وكذا قال العز ابن جماعة: إنه ليس بصحابي على المشهور وتبعه تلميذه شيخنا رحمهما الله وعبارته في مقدمة الإصابة: وهل يدخل من رآه ميتًا قبل أن يدفن كما وقع ذلك لأبي ذؤيب الهذلي الشاعر إن صح، محل نظر، والراجح
стр. 723
عدم الدخول، وكذا قال في فتح الباري: الراجح أنه ليس صحابيًا وإلا لعُدَّ من اتفق أن يرى جسده المكرم وهو في قبره المعظم ولو في هذه الأعصار وكذلك من كشف له عنه من الأولياء فرآه كذلك على طريق الكرامة، إذ حجة من أثبت الصحبة لمن رآه قبل دفنه أنه مستمر الحياة وهذه الحياة ليست دنيوية وإنما هي أخروية لا تتعلق بها أحكام الدنيا، فإن الشهداء أحياء ومع ذلك فإن الأحكام المتعلقة بهم بعد القتل جارية على أحكام غيرهم من الموتى. انتهى. ولم يعلل شيخنا نفيها بما وقع من الطالب مع كونه في كلام الشيخ زين الدين العراقي حيث قال في "التقييد": الظاهر اشتراط وقوع الرؤية وهو حي فإنه قد انقطعت النبوة بوفاته ﷺ نفسه لكونه شيخنا كما هو الظاهر لم يرضه خصوصًا وقد أعرض عنه الزين نفسه في شرح ألفينه واقتصر على الحكم فقط من غير تعليل فكأنه رجوع منه عنه، وممن لا يرتضيه أيضًا العز ابن جماعة فإنه أشار إلى حكايته مع إبهام قائله وتوقفه فيه أيضًا فقال: إنه محل بحث وتأمل فهؤلاء جماعة من الأئمة تواردوا على الحكم وهو الحق ولا نزاع في حصول الشرف لمن وقع له ذلك، وحينئذٍ فيزاد في التعريف الذي استقر الأمر عليه قبل انتقاله من الدنيا ولا يعدل عن قوله وهو حي لكونه ﷺ حيًا إجماعًا، والله يضل من يشاء ويهدي من يشاء.
стр. 724
١٨٧ - سئلت: عن قوله ﷺ في الحديث الصحيح: "نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا صدقه" هل هو عام أم لا؟ وعن قوله ﷺ مما هو الاعتكاف: "من اعتكف فواق ناقة كان كمن أعتق رقبة مؤمنة" ما المراد بفواق ناقة ؟
فأجبت: أما الحديث الأول فلفظه "إنا معاشر الأنبياء" كذلك هو في السنن للنسائي منفردًا به عن سائر أصحاب الكتب الستة، وكذا أخرجه الحميدي والهيثم بن كليب في مسنديهما وآخرون. وفي لفظ الدارقطني في علله: "الأنبياء لا يورثون".
وأما ما وقع في السؤال من لفظ: "نحن"، فقد أنكر وروده في كتب الحديث غير واحد من الأئمة ولم نره كذلك إلا في كتب الأصول ونحوها وكأنهم أوردوه بالمعنى فلفظة: "إنا" و"نحن" مفادهما واحد وهو بكل منهما ظاهر في العموم في سائر الأنبياء صلوات الله وسلامة عليهم ولا يعارض ذلك قوله تعالى: (وورث سليمان داود) وقوله تعالى حكاية عن زكريا ﵇: (فهب لي من لدنك وليًا يرثني) فقد حمل ذلك أكثر العلماء بالتأويل على العلم والحكمة ويؤيده قوله ﷺ : "العلماء ورثة
стр. 725
الأنبياء إن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا وإنما ورثوا العلم .. الحديث" نعم أجراه بعضهم على ظاهره، وكذا حكى ابن عبد البر في المسألة قولاً آخر لكنه قال: إن الأكثر على "لا يورثون" وعلى القول المرجوح يكون المراد معظمهم ونحو ذلك على [أن] في قول عمر ﵁ في رواية الصحيح أنه ﷺ قال: "لا نورث ما تركنا صدقة" يريد
стр. 726
صلى الله عليه وسلم نفسه ما يشهد لاختصاصه ﷺ بذلك فإنه أشار إلى أن النون للمتكلم خاصة، لا للجميع ويجمع بينه وبين ما تقدم بإرادة الاختصاص عن الأمة خاصة وقوله ﷺ : "نورث" الرواية فيه بفتح الراء ويجوز كسرها لصحة المعنى أيضًا.
وأما "صدقة" فهو بالرفع خبر "ما" أي المتروك عنا صدقة، وزعمت الشيعة أنه بالنصب على أن "ما" نافية، ورد عليهم ابن مالك النصب بما يوافق مذهب أهل السنة بتقدير محذوف تقديره: ما تركنا متروكًا صدقة ولكن لا حاجة إلى ذلك مع ثبوت كون الرواية بالرفع، إذا علم هذا فقد قيل في الحكمة في عدم توريثهم حسم المادة في تمني الوارث موت الموروث من أجل المال، وهل يكون النبي كالاب لأمته فيكون ميراثه للجميع، وهذا معنى الصدقة العامة. وقيل: لئلا يظن أنهم جمعوا لوارثهم.
أما الحديث الثاني، فلم أره إلا في الشرح الكبير للإمام أبي القاسم الرافعي ولكن لفظ "الفواق" جاء في عدة أحاديث، منها: ما أخرجه الأربعة وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم في صحيحيهما عن
стр. 727
معاذ ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: "من قاتل في سبيل الله فواق ناقة فقد وجبت له الجنة" وعند العقيلي في الضعفاء بسند ضعيف عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "من رابط فواق ناقة حرم اله عليه النار".
وللبيهقي في الشعب من حديث أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: "العيادة فواق ناقة" انتهى. وهي بضم الفاء وفتحها وتخفيف الواو: قدر ما بين الحلبتين من اراحة إذا فتحت يدك. وقيل: إذا قبض الحالب على الضرع ثم أرسله عن الحلب.
تنبيه: عجيب لابن الملقن ﵀ فإنه في تخريج الرافعي ذكر هذا الحديث وقال: أخرجه العقيلي وأشار إلى حديث عائشة الذي ذكرته، وهذا الصنيع يوهم أن أصل الحديث قد خرج، وليس كذلك بل الحديث ليس بموافق للتخريج أصلاًن لأن الرباط غير الاعتكاف وقد تبعه شيخنا ﵀ في تلخيصه من غير تعقيب، ولو كان ابن الملقن اقتصر على الحديث الذي أشار إليه كما فعل ابن الزركشي وهو حديث "من اعتكف
стр. 728
يومًا ابتغاء وجه الله جعل الله بينه وبين النار ثلاث خنادق كل خندق أبعد ما بني الخافقين" لكنه متنه منكر. والله أعلم.
стр. 729
١٨٨ - سئلت: عن قول ابن حبان في حديث: "من أحيا أرضًا ميتة فله فيها أجران" الأجر يكون للمسلمين .
والجواب: إن ذلك وقع في موضعين من صحيحه فلفظه في أحدهما: إذا أحيى الذمي أرضًا ميتة لا يكون له، لأن الصدقة إنما يكون لهم" وأقره على ذلك البدر الزركشي وابن الملقن في تخريجهما وأخرون، ويؤيده ظاهر قوله تعالى: (وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباءً منثورًا) بل قال القاضي عياض: انعقد الإجماع على أن الكفار لا ينفعهم أعمالهم ولا يثابون عليها بنعيم ولا تخفيف عذاب وإن كان بعضهم أشد عذابًا من بعض، وقد قال ابن المنير: اعتبار طاعة الكافر مع كفره محال، لأن شرط الطاعة أن يقع بقصد صحيح وهذا مفقود من الكافر لكن قد تعقب المحب الطبري ابن حبان بأن الكافر إذا تصدق يثاب عليه في الدنيا كما ورد به الحديث فيحمل الأجر في حقه على ثواب الدنيا، وفي حق المسلم على ما هو أعم من ذلك انتهى.
ويستأنس له بما أخرجه الطبراني في معجمه الكبير بسند رجاله ثقات من حديث سلمان بن عامر الضبي ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله! إن أبي كان يصل الرحم ويقري الضيف ويفي بالذمة
стр. 730
قال: "ولم يدرك الإسلام" قال: لا فلما وليت قال: "علي بالشيخ" قال: "يكون ذلك في عقبك فلن يذلوا أبدًا، ولن يفتروا"، وانتصر شيخنا لابن حبان رحمها الله في فتح الباري فإنه قال: وما قاله ـ يعني الطبري ـ محتمل، إلا أن الذي قاله ابن حبان اسعد بظاهر الحديث، ولا يتبادر إلى الفهم من إطلاق الأجر إلا الأخروي ونحوه قوله في تلخيص تخريج الرافعي من زياداته: وقول ابن حبان أقرب للصواب، وظاهر الحديث معه، والمتبادر إلى الفهم منه أن إطلاق الأجر إنما يراد به الأخروي.
قلت: وهو حسن، على أن في كلام البيهقي ما يقتضى تجويز عدم المنع من الأخروي أيضًا فإنه قال: وما ورد من بطلان الخير للكفار، معناه أنه لا يكون لهم التخلص من النار، ولا دخول الجنة ولا جيوز أن يخفف عنهم العذاب الذي يستوجبونه على ما ارتكبوه من الجرائم سوى الكفر بما عملوه من الخيرات انتهى. ويتايد ذلك بما ورد في عدة أحاديث.
منها ما رواه الديلمي والبزار في مسنديهما، وآخرون من حديق طارق بن شهاب عن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ما أحسن محسن من مسلم ولا كافر إلا أثابه الله " قيل:
стр. 731
يا رسول الله! ما إثاة الكافر؟ قال: "إن كان وصل رحمًا أو تصدق بصدقة أو عمل حسنة أثابه الله المال والصحة وأشباه ذلك، وفي الآخرة عذابًا دون العذاب" وقرأ: (أخلوا آل فرعون أشد العذاب ٩.
وفي لفظ عند الخرائطي: "إلا أثابه الله في عاجل الدنيا أو ادخر له في الآخرة) قلنا: يا رسول الله! ما إثابة الكافر في الدنيا وذكره نحوه.
ومنها ما رواه الخرائطي من حديث أبي نوفل قال: قالت عائشة ﵂: يا رسول الله! أين عبد الله بن جدعان؟ قال: "في النار" قال: فجزعت عائشة واشتد عليها فلما رأى رسول الله ﷺ ذلك قال: "يا عائشة ما يشتد عليك من هذا؟ "قالت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله كان يطعم الطعام، ويصل الرحم قال: "فإنه يهون عليه بما قلت".
ومنها: ما روي في حاتم الطائي، وقد سئل ﷺ أينفعه جوده؟ فقال: "إنه يكون يوم القيامة في بيت من زجاج يقيه وهج النار" ونحو ذلك، حسبما أحرر لفظه بعد، لكن كلها ضعيفة والذي في صحيح مسلم من حديث عائشة ايضًا في الجواب عن ابن جدعان إذ قيل: فهل ينفعه ذلك يوم القيامة، أنه ﷺ قال: "لا، إنه لم يقل يومًا: رب اغفر لي خطيئتي يوم
стр. 732
الدين" وفي عدة أحاديث في الجواب عن حاتم الطائي أنه قال: "ذاك أراد أمرًا فأدركه" وفي لفظ: "كان يحب أن يذكر فذكر" ونحوه قوله في غيره ذلك: "ذاك رجل مذكور في الدنيا منسي في الآخرة".
وعلى تقدير ثبوتها واعتضاد بعضها ببعض فلا يدفع بأنه ليس أهلاً للنية، بل يقال كما قال ابن المنير: إقامة الكافر على بعض الأعمال تفضل من الله تعالى، وهذا لا يحيله العقل، يعني فلا يكون عمله قربة معتبرة ولكن يجوز أن يتفضل الله عليه بما شاء، والمتبع في ذلك التوقيف، نفيًا وإثباتًا على أن بعضهم حملها على الحسنات التي لا تفتقر فيها لنية كصلة
стр. 733
الرحم، وفيه توقف.
وقصة أبي لهب قول العباس ﵁: أنه رآه في منامه بعد موته يجول في شرحال فقال له: ما لقيت بعدكم راحة إلا أن العذاب يخفف عني كل يوم اثنين. وفي لفظ: غير أني سقيت في هذه أشار إلى النقرة التي تحت إبهامه، وفي آخر: وأشار إلى النرة التي بين الإبهام، والتي تليها، وذلك لأن النبي ﷺ ولد يوم الأثنين، وكانت ثويبة بشرت ابا لهب بمولده ﷺ فأعتقها" من أدلة المسئلة، لكن قد أجيب عنه بأن الخبر مرسل، أرسله عروة ولم يذكر من حدثه به، وعلى تقدير أن يكون موصولاً فالذي في الخبر رؤيا منام فلا حجة فيه، وأيضًا فيحتمل أن يكون ما يتعلق بالنبي ﷺ مخصوصًا من ذلك بدليل قصة أبي طالب عمه ﷺ وكونه خفف عنه فنقل من الغمرات إلى الضحضاح، إذ في بعض الأحاديث: "فأخرجه الله بمكانه مني، وإحسانه إلي، فجعله في ضحضاح" ولأجل ذلك قال
стр. 734
القرطبي: هذا التخفيف خاص بمن ورد النص فيه.
هذا ما يسر الله به من الجواب، والمسألة يحتمل أبسط من هذا، لكن فيما أثبته دون الغرض والله الموفق.
١٨٩ - وسئلت: عن قول القائل ـ مسالة ـ: إذا وجد شخص ركازًا والحال أنه من دفن المسلمين أو أهل الذمة فإنه يكون لقطة اي فيعرفه؟ فقال شارح هذا الكلام: لأن أحاديث اللقطة خاصة بالنسبة إلى أحاديث الركاز، والمقصود تبيين الأحاديث الخاصة، والأحاديث العامة، وبيان عمومها وخصوصها، وتطبيقها على هذا الكلام.
فقلت: تسمية هذه الصورة الخاصة ركازًا لغوية إذ هو في اللغة: المال المركوز في الأرض أي مال كان، فلا فرق في اللغة بين أن يدفنه مسلم أوكافر، أوما كونها لقطة، فيتمشى إلى ما ذهب إليه الجمهور في كون اللقطة غير محصورة فيما يوجد ظاهرًا، وينازع فيه من حصر تعريفها بأنها التي تنسل من مالكها فيظفر بها غيره من غير قصد وطلب، إذ هو هنا محرز بالدفن، وحينئذٍ فهو مال ضائع يحفظه الآخذ أبدًا، أو يسلمه للإمام، ولا يسلك فيه مسلك اللقطة، ثم إن قول الشارح في تعليل هذا الكلام "لأن ... إلى آخره" لم يظهر لي المراد منه فيراجع نسخة معتمدة
стр. 735
أو نسخ لاحتمال سقوط شيء بين الكلامين، نعم، الظاهر أنه عنى بقله خاصة مختصة، فهي تختص بأمور لا يشركها فيها الركاز، كما علم من أحاديثهما مما هومقرر في الفروع، ولم يُرد الخصوص المقابل للعموم وفوق كل ذي علم عليم.
١٩٠ - الحمد لله وسئلت عما نقل في رسالة عن الحسن البصري فيما يجب على المؤمن من الفرائض في اليوم والليلة في الفريضة السابع وهو: أن النبي ﷺ قال: "اللهم من أحبني فارزقه الكفاف ومن ابغضني فأكثر ماله وولده" هل هو صحيح أم لا، وما معناه ؟.
فقلت: روي الترمذي في جامعه وقال: غريب عن عبد الله بن مغفل ﵁ قال: قال رجل للنبي ﷺ : يا رسول الله إني أحبك فقال: "انظر ماذا تقول؟ " قال: والله إني لأحبك ثلاث مرات، قال: "إن كنت تحبني فأعد للفقر تجفافًا، فإن الفقر أسرع إلى من يحبني منكم أسرع من السيل من أعلى الوادي أو من أعلى الجبل إلى أسفله"ونحوه عن ابن عباس ﵄ أيضًا. وروى ابن ماجه في سننه
стр. 736
والبغوي والطبراني في معجميهما، والعسكري وابن أبي عاصم وأبو الشيخ وغيرهم من رواية مسلم بن مشكم ـ بكسر الميم وسكون المعجمة وفتح الكاف ـ عن عمر بن غيلان الثقفي ـ هو ممن اختلف في صحبته ـ قال: قال رسول الله ﷺ : "اللهم من آمن بي وصدقني، وعلم أن ما جئت به هو الحق من عندك فأقل ماله وولده وحبب إليه لقاءك، وعجل له القضاء، ومن لم يؤمن بي، ولم يصدقني ولم يعلم أن ما جئت به الحق من عندك أكثر ماله وولده وأطل عمره". وإسناده كما قال ابن عبد البر: ليس بالقوي.
قلت: لكن للمتن شواهد، منها: عند الطبراني من حديث معاذ بن جبل وفضالة بن عبيد ﵄ أما لفظ حديث معاذ، فهو بنحوه.
стр. 737
وأما لفظ حديث فضالة وهو أقواهما فهو: "اللهم من آمن بك وشهد أني رسولك فحب إليك لقاءك وسهل عليه قضاءك، وأقلل له من الدنيا، ومن لم يؤمن بك، وشهد أني رسولك فلا تحب إليه لقاءك، ولاتسهل عليه فضاءك، وكثر له من الدنيا". وي ابن ماجه ومسند أحمد وغيرهما عن نقادة الأسدي ﵁ قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى رجل يستمنحه ناقة فرده، ثم بعثني إلى رجل آخر فارسل إليه بناقة فلما أبصرها رسول الله ﷺ قال: "اللهم بارك فيها ويمن بعثها" قال نقادة: فقلت: يا رسول الله! وفيمن جاء بها قال: "وفيمن جاء بها" ثم أمر بها فحلبت فدرت فقال رسول الله ﷺ : "اللهم أكثر مال فلان" للمانع الأول "واجعل رزق لان يومًا بيوم" للذي بعث بالناقة. وفي المعنى أحاديث كثيرة.
ومن دعواته ﷺ المتفق عليها: "اللهم اجعل رزق آل محمد قوتًا وقال ﷺ لعائشة ﵂: "يا عائشة! إن أردت اللحوق بي
стр. 738
فليكفك من الدنيا كزاد الراك، وإياك ومجالسة الأغنياء ولا تستخلفي ثوبًا حتى ترقعيه" أخرجه الترمذي وغيره. وللترمذي أيضًا عن أبي أمامة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "إن أغبط أوليائي عندي لمؤمن خفيف الحاذ، ذو حظ من الصلاة، أحسن عبادة ربه وأطاعه في السر وكان غامضًا في الناس، لا يشارإليه بالأصابع، وكان رزقه كفافًا فصبر على ذلك ثم نفض يده فقال: عُجلت منيته، قلت بواكيه، قل تراثه".
ولأبي يعلى والخطابي وغيره مما في "العزلة" من حديث جابر نحوه: "خيركم بعد المائتين الخفيف الحاذ الذي لا أهل له ولا ولد".
وثبت من طريق قوله ﷺ : "إن الله يحمي عبده المؤمن من الدنيا كما يحمي أحدكم مريضه الطعام والشراب".
стр. 739
وكل هذا حث على التقلل من الدنيا، وترهيب عن الإكثار منها، واستيفاء ما ورد في معنى ذلك يطول، ودعاءه ﷺ على من لم يؤمن به بكثرة المال والولد ليكون ذلك زيادة في العقوبة عليه في الدار الباقية لكونه آثر ما يفنى على ما يبقى، ولا يعارض ذلك دعاؤه ﷺ لخادمه سيدنا أنس بن مالك ﵁ فلقد رايت اثنتين وأنا أرجو الثالثة لما ورد من أنه: «نعم المال الصالح للعبد الصالح» فمن يكون الدنيا في يديه، ويؤدي الحقوق منها، ويتطوع بالأمور المستحبة فيها يكون ذلك زيادة له في الخير وقد قال ﷺ : «الدنيا حلوة خضرة، من أخذها بحقها بورك له فيها» وكذا لا معارضة أيضًا بين دعائه ﷺ لأنس ﵁ بكثرة
стр. 740
المال وبين دعائه لمن يحب بقلة المال لإمكان أن يقال: ليس المالان في الموضعين على حد سواء فالذي دعا لأنس بالكثرة منه هو الذي قال فيه ﷺ : "لا خير فيمن لا يحب المال ليصل به رحمه، أو يؤدي به عن أمانته، ويستغني به عن خلق ربه" والمعنى في هذا كما قال العسكري: إنه لا خير فيمن يحب المال لغير هذه الخصال، وإنما يحب المؤمن المال لهذه الأشياء. ونحوه قول سعيد بن المسيب: "لا خير فيمن لا يجمع المال
следующие страницы →