← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 17878

الأجوبة المرضية فيما سئل السخاوي عنه من الأحاديث النبوية

السخاوي

Полный текст (1 198 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

والبغوي والطبراني في معجميهما، والعسكري وابن أبي عاصم وأبو الشيخ وغيرهم من رواية مسلم بن مشكم ـ بكسر الميم وسكون المعجمة وفتح الكاف ـ عن عمر بن غيلان الثقفي ـ هو ممن اختلف في صحبته ـ قال: قال رسول الله ﷺ : "اللهم من آمن بي وصدقني، وعلم أن ما جئت به هو الحق من عندك فأقل ماله وولده وحبب إليه لقاءك، وعجل له القضاء، ومن لم يؤمن بي، ولم يصدقني ولم يعلم أن ما جئت به الحق من عندك أكثر ماله وولده وأطل عمره". وإسناده كما قال ابن عبد البر: ليس بالقوي. قلت: لكن للمتن شواهد، منها: عند الطبراني من حديث معاذ بن جبل وفضالة بن عبيد ﵄ أما لفظ حديث معاذ، فهو بنحوه.

стр. 737

وأما لفظ حديث فضالة وهو أقواهما فهو: "اللهم من آمن بك وشهد أني رسولك فحب إليك لقاءك وسهل عليه قضاءك، وأقلل له من الدنيا، ومن لم يؤمن بك، وشهد أني رسولك فلا تحب إليه لقاءك، ولاتسهل عليه فضاءك، وكثر له من الدنيا". وي ابن ماجه ومسند أحمد وغيرهما عن نقادة الأسدي ﵁ قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى رجل يستمنحه ناقة فرده، ثم بعثني إلى رجل آخر فارسل إليه بناقة فلما أبصرها رسول الله ﷺ قال: "اللهم بارك فيها ويمن بعثها" قال نقادة: فقلت: يا رسول الله! وفيمن جاء بها قال: "وفيمن جاء بها" ثم أمر بها فحلبت فدرت فقال رسول الله ﷺ : "اللهم أكثر مال فلان" للمانع الأول "واجعل رزق لان يومًا بيوم" للذي بعث بالناقة. وفي المعنى أحاديث كثيرة. ومن دعواته ﷺ المتفق عليها: "اللهم اجعل رزق آل محمد قوتًا وقال ﷺ لعائشة ﵂: "يا عائشة! إن أردت اللحوق بي

стр. 738

فليكفك من الدنيا كزاد الراك، وإياك ومجالسة الأغنياء ولا تستخلفي ثوبًا حتى ترقعيه" أخرجه الترمذي وغيره. وللترمذي أيضًا عن أبي أمامة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "إن أغبط أوليائي عندي لمؤمن خفيف الحاذ، ذو حظ من الصلاة، أحسن عبادة ربه وأطاعه في السر وكان غامضًا في الناس، لا يشارإليه بالأصابع، وكان رزقه كفافًا فصبر على ذلك ثم نفض يده فقال: عُجلت منيته، قلت بواكيه، قل تراثه". ولأبي يعلى والخطابي وغيره مما في "العزلة" من حديث جابر نحوه: "خيركم بعد المائتين الخفيف الحاذ الذي لا أهل له ولا ولد". وثبت من طريق قوله ﷺ : "إن الله يحمي عبده المؤمن من الدنيا كما يحمي أحدكم مريضه الطعام والشراب".

стр. 739

وكل هذا حث على التقلل من الدنيا، وترهيب عن الإكثار منها، واستيفاء ما ورد في معنى ذلك يطول، ودعاءه ﷺ على من لم يؤمن به بكثرة المال والولد ليكون ذلك زيادة في العقوبة عليه في الدار الباقية لكونه آثر ما يفنى على ما يبقى، ولا يعارض ذلك دعاؤه ﷺ لخادمه سيدنا أنس بن مالك ﵁ فلقد رايت اثنتين وأنا أرجو الثالثة لما ورد من أنه: «نعم المال الصالح للعبد الصالح» فمن يكون الدنيا في يديه، ويؤدي الحقوق منها، ويتطوع بالأمور المستحبة فيها يكون ذلك زيادة له في الخير وقد قال ﷺ : «الدنيا حلوة خضرة، من أخذها بحقها بورك له فيها» وكذا لا معارضة أيضًا بين دعائه ﷺ لأنس ﵁ بكثرة

стр. 740

المال وبين دعائه لمن يحب بقلة المال لإمكان أن يقال: ليس المالان في الموضعين على حد سواء فالذي دعا لأنس بالكثرة منه هو الذي قال فيه ﷺ : "لا خير فيمن لا يحب المال ليصل به رحمه، أو يؤدي به عن أمانته، ويستغني به عن خلق ربه" والمعنى في هذا كما قال العسكري: إنه لا خير فيمن يحب المال لغير هذه الخصال، وإنما يحب المؤمن المال لهذه الأشياء. ونحوه قول سعيد بن المسيب: "لا خير فيمن لا يجمع المال

стр. 741

فيقضي دينه، ويصل رحمه ويكف به وجهه". وكان ﵀ يقول: "اللهم إنك تعلم أني لم أجمعها إلا لاصون بها حسبي، وديني". وعن ابن أبي الزناد وقيل له: أتحب الدراهم وهي تدنيك من الدنيا؟ فقال: "هي وإن أدنتني منها فقد صانتني عنها" وإذا تأملت قوله ﷺ : "وبارك له فيه ظهر لك به تقوية ما قررته خصوصًا. ومن جملة استمرار البركة عدم إنفاذها من بين يديه واحتياجه إلى اللئام ممن يفخر ويزهو بها عليه. وبالله التوفيق.

стр. 742

١٩١ - الحمد لله وسئلت عن قول القائل: "إذا أحبتموهم فأعلموهم وإذا ابغضتموهم فتجنبوهم" أهو حديث أم لا؟ وما يجب على من رواه حديثًا ؟ فقلت: أما الشق الأول، فقد ورد في أحديث. وأما الثاني، فليس بصحيح، والتجنب إن كان المراد به الهجران فهو حرام، إلا أن كان السبب للبغض كونه يفعل ما لا يجوز فهجره لينزجر هو أو من يفعل فعله فهو جائز، ولا شك أن الحب في الله والبغض في الله من الإيمان.

стр. 743

والجازم بنسبة هذا اللفظ إلى النبي ﷺ آثم فيؤدب بما يليق به ويؤمر بعدم الإقدام على نسبة شيء إلى النبي ﷺ إلا بعد أخذه عن أهل العلم بالحديث النبوي على قائله أفضل الصلاة والسلام، أو عن الكتب المعتمدة المعروفة بالاقتصار على الصحيح على أشبهه إن كانت فيه أهليه لذلك. وبالله التوفيق. ١٩٢ - سئلت عن قول القائل: "من قصدنا وجب حقه علينا ". فقلت: لا أصل له بهذا اللفظ لكن يمكن أن يكون معناه: "للسائل حق، وإن جاء على فرس" وهو حديث ثابت، وإن نسب إلى الإمام

стр. 744

أحمد أنه من الأحاديث المشهورة على الألسنة ولا أصل لها، واله أعلم. ١٩٣ - فالحمد لله وسئلت عن حديث: "اتخذوا عند الفقراء دولة" أهو ثابت أم لا ؟ فقلت: رويناه في كتاب "ثواب قضاء الحوائج" للنرسي بسند فيه غير واحد من المجهولين عن أبي عبد الرحمن السلمي التابعي قال: قال رسول الله ﷺ "اتخذوا عند الفقراء أيادي فإن لهم دولة" قيل: يا رسول الله، وما دولتهم؟ قال: "ينادي مناد يوم القيامة: يا معشر الفقراء قوموا فلا يبقى فقير إلا قام، حتى إذا اجتمعوا قيل: ادخلوا إلى صفوف أهل القيامة، فمن صنع إليكم معروفًا فأوردوه الجنة" قال: "فجعل يجتمع على الرجل كذا وكذا من الناس فيقول له الرجل منهم: ألم أكسك؟ فيصدقه، فيقول له

стр. 745

الآخر: يا فلان! ألم أكلم لك، قال: ولا يزالون يخبرونه بما صنعوا إليه وهو يصدقهم بما صنعوا إليه حتى يذهب بهم جميعًا فيدخلهم الجنة، فيقول قوم لم يكونوا يصنعون المعروف: يا ليتنا كنا نصنع المعروف حتى ندخل الجنة". وله طريق أخرى واهية من حديث ميمون بن مهران عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: "إن للمساكن دولة" قيل: يا رسول الله: وما دولتهم؟ قال: "إذا كان يوم القيامة قيل لهم: انظروا من أطعمكم في الله تعالى لقمة، أو كساكم ثوبًا، أو سقاكم شربة فأدخلوه الجنة". أخرجه ابن عدي في كامله والعقيلي وآخرون ممن صنف في الضعفاء، وآته أبو طاهر موسى بن محمد بن عطاء البلقاوي المقدسي وهو متهم بالكذب ولذلك قال العقيلي: إنه منكر، وأورده ابن الجوزي من جهته في العلل المتناهية وقال الذهبي: إنه موضوع، وقال ابن تيمية: إنه كذب لا يعرف في شيء من كتب المسلمين، وقال شيخنا

стр. 746

رحمه الله فيما أفتى به: إنه لا أصل له. قلت: بل رواه أبو نعيم في الحلية من حديث الحسين بن علي بن ابي طالب ﵄ بسند ضعيف كما قاله الزين العراقي في تخريج الإحياء مرفوعًا ولفظه: "اتخذوا عند الفقراء أيادي فإن لهم دولة يوم القيامة، فإذا كان يوم القيامة نادى مناد: سيروا إلى الفقراء فيعتذر إليهم كما يعتذر أحكم إلى أخيه في الدنيا".

стр. 747

١٩٤ - ورد سؤال من المحلة عن قوله في حديث الترهيب في منع الزكاة: "له زبيبتان" أهو بالنون أو الموحدة أو بهما ؟ فقلت: هو زبيبتان، تثنية زبيبة بفتح الزاي وموحدتين، واحد الزبيب الذي يؤكل، وهما الزبدتان اللتان في الشدقين، يقال: "تكلم فلان حتى زبب شدقاه، أي خرج الزبد منهما"، ومنه الحية ذو الزبيبتين، وقيل: هما النكتتان السوداوان فوق عينيه، وقيل: نقطتان تكتنفان فاه من جانبيه وقيل: هما في حلقه بمنزلة زنمتي العنز، وقيل: لحمتان على رأسه مثل القرنين: وقيل: نابان يخرجان من فيه، وليس في هذا اللفظ سوى الموحدة.

стр. 748

١٩٥ - الحمد لله اختلف في سن عيسى صلوات الله عليه وسلامه حين رفع . قال الإمام أبو جعفر بن جرير الطبري في تاريخه: إن عيسى بن مريم ﵊ أنزل عليه وهو ابن ثلاثين سنة، ومكث حتى رفع إلى السماء، وهو ثلاث وثلاثين سنة. انتهى. وقيل: كان يوم رفع ابن أربع وثلاثين سنة جاء عن الحسن البصري لكن يؤيد الأول قول حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب أنه قال: رفع وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، بل في حديث مرفوع: "إن أهل الجنة يدخلونها جردًا مردًا مكحلة أبناء ثلاث

стр. 749

وثلاثين على ميلاد عيسى، وحسن يوسف، زاد في رواية: وقلب أيوب وعلى خلق آدم طولهم ستون ذراعًا عرض سبعة أذرع" ويمكن الجمع بينهما بأن أحدهما ألغى الكسر والآخر جبره. نعم روي من حديث يحيى بن جعدة قال: قالت فاطمة ﵂: قال رسول الله ﷺ : "إن عيسى مكث في بني إسرائيل أربعين سنة" وكذا جاء عن النخعي: أنه مكث في قومه أربعين عامًا. وأغرب من هذا كله ما رواه الحاكم في مستدركه وآخرون من حيدث عائشة أن فاطمة ﵄ أخبرتها عن النبي ﷺ أنه قال: "إنه لم يكن نبي بعده إلا عاش بعده نصف عمر الذي كان قبله، وإن عيسى عاش عشرين ومائة سنة فلا أراني إلى ذاهب على راس ستين" وهو غريب جدًا، ولذا قال ابن عساكر: الصحيح أن عيسى لم يبلغ هذا العمر، وإنما أراد مدة مقامه في أمته، وساق حيدث يحيى بن جعدة عن فاطمة: "إن الله لم يبعث نبيًا إلا وقد عمر نصف عمر الذي قبله، وإن عيسى لبث

стр. 750

في بني إسرائيل أربعين سنة، وهذه توفي لي عشرين". وهو منقطع. والله أعلم. ١٩٦ - سئلت عن الحديث الوارد في حبس التهمة فقلت: هذا الحديث له طرق: أشهرها ما أخرجه أبو داود في القضاء من سننه واترمذي في الديات من جامعه، والنسائي في القطع من سننه كلهم من حديث معمر عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده ـ هو معاوية بن حيدة ﵁ "أن النبي ﷺ حبس رجلاً في تهمة". زاد عند ابن الجارود وغيره "ساعة"، وزاد عند الترمذي "ثم خلى عنه"، وكذا زادها النسائي لكن بلفظ: "ثم خلى سبيله". وفي لفظ آخر عنده: "حبس ناسًا" بدل "رجلاً" وكذا أخرجها أحمد في المسند وغيره بزيادة ولظفه: "أخذ النبي ﷺ ناسًا من قومي في تهمة، فحبسهم فجاء رجل من قومي إلى النبي ﷺ وهو يخطب فقال: يا محمد على ما تحبس جيراني؟ فصمت النبي ﷺ فقال: إن ناسًا يقولون: إنك تنهى عن الشر وذكر شيئًا، فقال النبي ﷺ : "ما تقول؟ " فجعلت أعترض بينهما بالكلام مخافة أن يسمعها فيدعو على قومي دعوة لا يفلحون بعدما أبدًا، فلم يزل النبي ﷺ به حتى فهمها فقال: "قد قالوها أو

стр. 751

قائلها منهم، والله لو فعلت لكان علي وما كان عليهم خلوا عن جيرانه". وقال الترمذي: إنه حديث حسن. وأخرجه الحاكم في صحيحه المستدرك وقال: إن صحيح الإسناد ولم يخرجاه، قلت: وإنماصححه الحاكم لما له من الشواهد وإلا فقد قال: إن بهزًا كان من الثقات ممن يجمع حديثه وإنما أسقط من اصحيح روايته عن أبيه عن جده لأنها شاذة لا متابع له علهيا، وقد ذكر الحافظ أبو عمرو ابن الصلاح في علومه في نوع التعليق: إن التعاليق التي بصيغة الجزم يحكم لها بالصحة بالسنبة لمن علقت عنه، ثم ينظر فيمن أبرز من رجال السند فإن كان فيهم من لا يحتج به كان ضعيفًا وإلا فلا، ومثل للشق الأول بقول البخاري: وقال بهز بن حكيم عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ : "الله أحق أن يستحيى منه". وقال: فهذا ليس من شرطه قطعًا يعني لكون البخاري قال: صحيفة بهز ضعيفة، لكنه صح عنده أن بهزًا قال هذا، وممن ضعف هذه الترجمة شعبة، فإنه لم يحدث عن بهز وقال له: من أنت؟ ومن أبوك؟ لكن قال أبو جعفر البستي: بهز بن حكيم عن أبيه عن جده صحيح، وبالجلمة فلهذا الحديث شواهد. منها: ما رواه الحاكم في صحيحه المستدرك من حيث عراك بن مالك عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ حبس رجلاً في تهمة يومًا

стр. 752

وليلة استظهارًا واحتياطًا، وكذا أخرجه البزار في مسنده وابن عدي فيكامله وفي لفظ لأحدهم: أخذ منهم كفيلاً تثبيتًا واحتياطًا، وفي سند الجميع إبراهيم بن خثيم وهو ضعيف. ورواه بعضهم من حديث عراك بن مالك مرسلاً ولفظه: "أن النبي ﷺ حبس رجلاً من بني غفار في بعرين اتهم بهما بعض بني غطفان بعض بني غفار فلم يك إلا يسيرًا حتى أحضر الغفاري الآخر البعيرين فقال للمحبوس: استغفر لي قال: غفر الله لك يا رسول الله قال: "ولك" قال: فقتل باليمامة". ومنها ما أخرجه أبو داود في الحدود من حديث أزهر بن عبد الله أن قومًأ من الكلاعيين سرق لهم متاع فاتهما ناسًا من الحاكة فأتوا النعمان بن بشير ﵄ صاحب النبي ﷺ فحبسهم أيامًا ثم خلى سبيلهم. فأتوا النعمان فقالوا: خليت سبيلهم بغير ضرب ولا امتحان فقال

стр. 753

النعمان: ما شئتم؟ إن شئتم أن أضربهم فإن خرج متاعكم وإلا أخذت من ظهوركم مثل ما أخذت من ظهورهم، فقالوا: هذا حكمك؟ فقال: هذا حكم الله وحكم رسول الله ﷺ . وقال أبو داود عقبه: إنما أرهبهم ـ يعني النعمان ـ بهذا القول إذ لا يجب الضرب إلا بعد الاعتراف. ومنها عن أنس ونبشة وغيرهما من الصحابة ﵃ استغنينا عن إيرادها بما أسلفنا. قال الخطابي: الحبس على ضربين: حبس عقوبة، وحبس استظهار، فالعقوبة لا تكون إلا في واجب فأما ما كان في تهمة، فإنما يستظهر بذلك ليستكشف به عمل وراءه. انتهى. وهل يتقيد ذلك بمقدار لا يجوز مجاوزته، أم هو إلى رأي الحاكم،

стр. 754

يفصل، فإن كان للتعزيز فقط أطلق الرافعي جعله لرأي الحاكم، فقال: إن جنس التعزيز من الحبس أو الضرب جلدًا أو ضعفًا إلى رأي الإمام، ثم قال: وأما قدره، فيتعلق باجتهاده أيضًا إن خالف جنس الحد كالحبس. انتهى. وتابعه عليه في الروضة ومقتضاه: أنه يجوز زيادة في الحبس على السنة، لكن قد حكى إمام الحرمين أن بعض الفقهاء منع تبليغ مدة الحبس سنة، نظرًا إلى مدة التغريب في الزنا قال: وهذا عندي فاسد وليس التغريب حدًا كاملاً وإنما هو جزء من حد وقال: ولست أرى للسلطان اتساع التعزيز إلا في إطاعة الحبس، قال: وليس الحد ثابتًا في حد حتى يحط التعزيز عنه ـ انتبه. وكل هذا منهم ﵏ مخالف للنص، فإن الشافعي ﵀ قال في الأم: فإذا قتل المؤمن الكافر عزر ولا يبلغ بتعزيزه في قتل ولا غيره حدًا ولا يبلغ بحبسه سنة، ولكن حبس يرتدع به وهو ضرب من التعزيز. انتهى. قال بعض شيوخ شيوخنا: والظاهر أن الإمام، والرافعي لم يقفا على هذا النص، وحكى ابن الرفعة في الكفاية عن الزبيري أنه قدر ذلك بستة

стр. 755

أشهر، وكأن ذلك بناء على أنه لا يبلغ بالتعزيز أقل الحدود مطلقًا، وهذا أحد الوجهين، فعلى هذا لا يبلغ به ستة أشهر بل دونها، نعم إن كان الحبس لحق عليه امتنع منه مع قدرته عليه فإنه يجوز للزيادة فيه على السنة، وإن كان الحبس للاستظهار والاستكشاف، فيتقيد بمدة يظهر فيها الكشف عن المتهم، فقد يظهر الكشف في يوم أو أيام أو أشهر فإن لم يظهر عليه فيها حق خُلي سبيله والله الموفق. ١٩٧ - الحمد لله سُئلت: عن "المشارق" للقاضي عياض "والمطالع" لابن قرقول أيهما المأخوذ من الآخر ؟ فقلت: أما "مشارق الأنواعر" في اقتفاء صحيح الآثار، وهو مشتمل على تفسير غريب الموطأ والبخاري ومسلم، فإن مؤلفه مات عنه قبل تبييضه فاستعاره من ولده الإمام أبو إسحاق ابن قرقول وهو رفيق أبي

стр. 756

القاسم السهيلي صاحب الروض، وكلاهما ممن أخذ عن القاضي عياض، وجرد منه ما أمكنه نقله لصعوبة النسخة، ثم نقل الناس من كتابه ذلك وسمى "مطالع الأنوار" وتكلم فيه بسببه، لكن قال الإمام أبو جعفر ابن الزبير: إنهلم يصل إلينا أنه نسبه لنفسه من وجه يعتمد، فالله أعلم كيف طرأ عليه، وتعقب ابن الزبير في ادعاء كونه لم ينسب الكتاب لنفسه بما لبسطه غير هذا المحل، والظاهر صحة ما قاله ابن الزبير في طرء النسبة لكون أبي إسحاق كان مع حفظه وتقدمه في الفنون محمود السيرة بكل مكان يحله، متين الديانة معروفًا بإجابة الدعوة حتى إنه دعا على شخص آذاه فتحذم، ومن يكون بهذه الأوصاف يبعد أن يرتكب اختلاس مصنف

стр. 757

لغيره أو جله من غير عزو إليه. وبالجملة فقد كانت وفاة أبي إسحاق في شعبان سنة تسع وستين وخمسمائة بعد شيخه القاضي عياض بأكثر من خمس وعشرين عامًا فإن القاضي مات في جمادي الآخرة، سنة أربع وأربعين وخمسمائة رحمهما الله. ١٩٨ - الحمد لله سئلت عن حديث: "أحب الناس إليّ أسامة ما حاشا فاطمة ". قلت: لا أعرف ذلك مرفوعًا، ولكن ثبت في الصحيح من حديث مالك وسليمان كلاهما عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ بعث بعثًا وأمر عليهم أسامة بن زيد ﵄ فطعن الناس في إمارته فقام رسول الله ﷺ فقال: "إن تطعنوا في إمارته فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل، ,ايم الله إن كان لخليقًا للإمارة، وإن كان لمن أحب الناس إليّ وإن هذا لمن أحب الناس إليّ بعده". وهو في مسند أبي يعلي من جهة فضيل بن سليمان عن موسى بن عقبة عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه بلفظ: "وإنه ـ يعني أسامة ـ لأحب الناس إليّ" ـ بدون تبعيض ـ وفيه قال: فما استثنى فاطمة ولا غيرها. وبعضه في مسند الطيالسي قال: حدثنا حماد بن سلمة عن موسى بن عقبة عن سالم عن ابن عمر سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أسامة أحب الناس إليّ" ولم يستثن فاطمة ولا غيرها.

стр. 758

ونحوه عند أحمد في مسنده قال: حدثنا عبد الصمد حدثنا حماد به بلفظ: "ما حاشا فاطمة ولا غيرها" كذا هو في مسند ابن عمر لأبي أمية الطرسوسي قال: حدثنا الأسود بن عامر، حدثنا حماد به. لكنه وقع في النسخة عن نافع بدل سالم وهو غلط، والحديث أيضًا في أحبية زيد واسامة عند أبي يعلي في مسنده من حدث وهيب عن موسى بن عقبة بسنده ولم يقل فيه: فما استثنى إلى آخره، لكنه قال بدله: قال اسلم: ما سمعت عبد الله ـ يعني اباه ـ يحدث هذا الحديث قط إلا قال: "حاشا فاطمة" وكذا هو عند ابن سعد في الطبقات من حديث وهيب أيضًا وعبد العزيز بن المختار به. ونحوه عند أحمد في مسنده: حدثنا عفان، حدثنا وهيب ولفظه: إلا قال: "ما حاشا فاطمة" وبمجموع الطرق التي مادرها على موسى بن عقبة تبين أن استثناء فاطمة من قول ابن عمر، خصوصًا وقد صرح بقوله: فما استثنى ـ يعني النبي ﷺ فاطمة ولا غيرها. وقد روي البغوي في معجم الصحابة من طريق عمر بن أبي

стр. 759

سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ـ والأكثرون على تضعيفه عن أبيه ـ أخبرني أسامة بن زيد أن عليًا قال: يا رسول الله أي أهلك أحب إليك؟ قال: "فاطمة" قال: إنما أسألك عن الرال: قال: "من أنعم الله عليه وأنعمت عليه أسامة بن زيد" قال: ثم من؟ قال: "ثم أنت". وروى أبو أحمد العسكري في الصحابة من حديث عبد الله بن عطاء الطائفي عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: كان أحب الناس إلى رسول الله ﷺ فاطمة، ومن الرجال علي. انتهى. وهو موقوف، لكنه موافق للمرفوع في فاطمة، ولقول ابن عمر أيضًا، ومخالف لما صح عن عمرو بن العاص ﵄ قال: قلت: يا رسول الله أي الناس أحب إليك؟ قال: "عائشة" قلت: فمن الرجال؟ قال: "أبوها" قلت: ثم من؟ قال: "عمر" فعد رجالاً. قال عمرو: سألت رجاء أن يجعلني في آخرهم، وهذا مع قول بريدة أيضًا مخالف لما تقدم في زيد الذي روى ابن سعد أيضًا

стр. 760

بإسناد حسن عن محمد بن أسامة بن زيد عن أبيه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لزيد بن حارثة: "يا زيد أنت مولاي ومني وإلي، وأحب الناس إلي" وهو عند أحمد مطول. ونحوه ما يثبت من قول عمر بن الخطاب ﵁ مخاطبًا لابنه عبد الله ﵄، وقد فرض منك، وأن أباه كان أحب إلى رسول الله ﷺ من أبيك. لكن يشهد لقول النعمان بن بشير ﵄ قال: استأذن أبو بكر ﵁ على النبي ﷺ فسمع صوت عائشة ﵄ عاليًا وهي تقول: والله لقد علمت أن عليًا ﵁ أحب إليك من أبي. ويؤيد الأول ما رواه الترمذي وصححه أن عبد الله بن شقيق قال لعائشة ﵂: أي اصحاب رسول الله ﷺ كان أحب الناس إليه؟ قالت: أبو بكر، قلت: ثم من؟ قالت: عمر قلت: ثم من؟ قالت: أبو عبيدة قلت: ثم من؟ فسكتت.

стр. 761

وثبت قوله ﷺ للأنصار: "إنهم أحب الناس إليّ". فهذه أحاديث مفتقرة للجمع بينها على تقدير ثبوتها. فأقول: أما أسامة، فيمكن أن يقال: إن الأحبية في حقه وحق أبيه بالنسبة لجهة مخصوصة كالموالي مثلاً، لكونها منهم، أو تكون الأحبية بالنسبة لمن طعن في إمارته ردًا لهم وزجرًا، أو أحب إليه في التوجه فيما ندب إليه خاصة، ولا ينافيه أحبية غيره المطلقة كما قد قيل: إنه لا يلزم من كون أن يكون أفضل من أبي بكر ونحو ذلك، وحينئذٍ فيكون حب أبي بكر على عمومه، وحب غيره مخصوصًا كما يمكن أن يقال في حق علي بالنسبة إلى بقية الأقارب. وأما قوله في زيد، فلعله قاله تواضعًا، وقول من قال: أحبية أبي بكر ثبتت من قوله ﷺ ، وأحبية على من قول عائشة الذي أقره ﷺ ، والقول مقدم، ليس بمرضي، إذ ليس في القصة التصريح بالتقرير والنعمان حاكي كلامهما، يحتمل أن يكون مع أبي بكر ظاهر الباب، فلم يطلعه أهل

стр. 762

أقرها ﷺ أم لا ويحتمل أن يكون داخل الباب، وإذا كان كذلك فلا يعارض الصحيح بل حديث عبد الله بن شقيق دلعلى أنه ﷺ لم يقرها، فإنه كما تقدم لما سألها عن أي أصحاب رسول الله ﷺ كان أحب إليه؟ قالت: أبو بكر، وقوله ﷺ للأنصار معناه: أنتم بمجموعكم أحب إليَّ من مجموع غيركم، فلما قوله في أبي بكر وغيره على بابه، روي في الأنصار بلفظ: "منأحب الناس إلي" بالتبعيض، كما في حديث أسامة حيث روي بالتبعيض وبدونه. ويجمع بين حديثي فاطمة وعائشة باختلاف جهتي المحبة. والله الموفق. ١٩٩ - سئلت: عن أطفال المسلمين أيثابون على أعمالهم ويؤاخذون أم لا ؟ وهل صح تفاخر بين الموتى بما يتصدقون به عنهم بحيث يحزن من لم يتصدق عنه أم لا؟ وهل ما يراه الرائي لهم بعد موتهم من نقص ونحوه يكون متعلقًا بهم أو بالرائي وهل ما يقاسوه في سكرات الموت نافع لهم أو مكفر لذنوب آبائهم أم لا؟ فأجبت نعم، يثابون على أعمالهم الصالحة، وتكتب لهم حسناتهم كما هو قول كثير من العلماء، وحكاه النووي ﵀ في شرح مسلم عن مالك والشافعي وأحمد والجمهور، بل حكى المحب الطبري رواية ذلك عن عمر بن الخطاب رضي الله عنهويشهد له: "رفعت امرأة صبيًا لها

стр. 763

إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله ألهذا حج؟ قال: "نعم، ولك أجر" فإن معنى قوله: "نعم" يثاب على هذا الحج، ولكن لا ينعقد إلا نفلاً بحيث لا يسقط عنه إلا به فرض الإسلام إذا بلغ. وأما المؤاخذة بما يصدر منهم، فقد صح قوله ﷺ : "رفع القلم عن ثلاث" وذكر فيها الصبي، ولا ينافيه قوله ﷺ : "علموا الصبي الصلاة ابن سبع واضربوه عليها ابن عشر" فإن تعليمه للسبع الذي هو مظنة التمييز

стр. 764

غالبًا، ليتمرن على العبادة، ويضربه للعشر، لكنه زمان احتمال البلوغ بل قال المارودي: إن الصحيح أن إمكان البلوغ في الصبي يكون باستكمال التاسعة، على أن بعض المتأخرين جوز أن الأمر بذلك كان أولاً حين كان التكليف منوطًا بالتمييز، فقد حكى البيهقي أن الأمر كان على ذلك ثم نسخ ونيط التكليف بالبلوغ، وظاهر حديث: "رفع" يشهد له، فإن الرفع يستدعي سبق وضع. وينتفعون بالصدقة عنهم برفع منازلهم مثلاً وبغير ذلك من أنواع الكرامات، والمباشر لذلك من ماله مثاب عليه بلا شك، بل وكذا الرسول في المناولة للفقير والمسكين ونحوهما. وأما التفاخر بما يتصدق به عنهم، فجاءت في ذلك آثار لكن في مطلق الموتى، لا في خصوص الصبيان. وأما المنامات المشعرة بنقص الطفل فلا تعارض ما تقدم من الحكم الشرعي في عدم التكليف المترتب عليه العقاب، وربما يكون ما يراه الرائي من ذلك للاتعاظ، أو للزجر أو لغير ذلك. وأما ما يشاهد من شدة موت بعضهم فينتفعون به كما تقدم، وكذا

стр. 765

الآباء بصبرهم واحتسابهم، والمسائل محتملة للبسط، لكن فيما ذكر كفاية، لا سيما وعجلة السائل اقتضت ذلك وبالله التوفيق. ٢٠٠ - سئلت عما اشتهر على الألسنة "إذا حدثت بجبل زال عن مكانه فصدق بخلاف ابن آدم ". فقلت: هو في مسند أحمد من حديث الزهري عن أبي الدرداء ﵁ قال بينما نحن عند رسول الله ﷺ نتذاكر ما يكون إذ قال رسول الله: "إذا سمعتم بجبل زال عن مكانه فصدقوا، وإذا سمعتم برجل زال عن خلقه فلا تصدقوا، فإنه يصير إلى ما جبل عليه". وعلته الانقطاع، فالزهري لم يدرك أبا الدرداء، وقد رويناه في القدر لابن وهب من حديث عقيل بن خالد عن ابن شهاب الزهري مرسلاً أن النبي ﷺ قال: "إن حدثت أن جبلاً زال عن مكانه فصدق وإن حدثت أن رجلاً زال عن خليقته فلا تصدق". وفي المعنى ما رويناه في الأمثال للعسكري من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا قال: "إن مغير الخلق كمغير الخلق، إنك لا تسطيع أن تغير خلقه حتى تغير خلقه"، وفي المعجم الكبير للطبراني من حديث

стр. 766

عبد الله بن ربيعة قال: "كنا عند ابن مسعود ﵁ فذكر القوم رجلاً فذكروا من خلقه فقال ابن مسعود: أرايتم لو قطعتم رأسه أكنتم تستطيعون أن تعيدوه؟ قالوا: لا، قال: فيده؟ قالوا: لا، قال فرجله؟ قالوا: لا، قال: فإنكم لن تستطيعوا أن تغيروا خلقه حتى تغيروا خلقه". وفي الأفراد للدارقطني من حديث أبي هريرة ﵁ رفعه قال: "إن الله من على قوم فألهمهم فأدخلهم في رحمته، وابتلى قومًا، وذكر كلمة فلم يستطيعوا أن يرحلوا عما ابتلاهم به فعذبهم وذلك عدله فيهم". وروينا في "أنس العاقل وتذكرة الغافل" لأبي الغنائم النرسي من حديث إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي أنه سمع جده أبا إسحاق يقول لأبيه يونس المذكور: "يا أبا إسرائيل إن بلغك أن رجلاً مات فصدق، وإن بلغك أن غنيًا افتقر فصدق، وإن بلغك أن فقيرًا أفاد مالاً فصدق، وإن بلغك أن أحمق أفاد عقلاً فلا تصدق"ويدخل هنا ما يروى عنه ﷺ أنه قال: "إن هذه الأخلاق منائح من الله ، فإذا أحب عبدًا منحه خلقًا حسنًا، وإذا أبغض عبدًا منحه خلقًا سيئًا". وقوله

стр. 767

صلى الله عليه وسلم: "إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم" الحديث. في أحاديث غير ذلك يطول الأمر بإيرادها وقد قال الشاعر: وما هذه الأخلاق إلا طبائع ... فمنهن محمود ومنه مذمم فلن يستطيع الدهر تغيير خلقه ... لئيم ولن يستطيعه متكرم تنبيه: قد أغفل شيئًا ﵀ ذكر الحديث الأول في "أطراف المسند" وسببه كون مسند أبي الدرداء وقع في موضعين من المسند ـ أحدهما: في مسند الأنصار، وثانيهما: في مسند النساء، والحديث في ثاني الموضعين دون الآخر، وقد ألحقته بهامش نسختي من أطراف المسند، فسبحان من لا يسهو.

стр. 768

٢٠١ - وسئلت عن جماعة يجتمعون ويتلون كتاب الله، ويعمل كل منهم شيئًا من الطعام عقب القراءة بمكان مدفون فيه سيدي سعدون فأنكر عليهم شخص، وزعم أن هذا المكان، إنما هو للرفاعية فهل الإنكار صحيح أم لا؟ وهل الشيخ سعدون قبل سيدي أحمد بن الرفاعي أم لا ؟ فكتبت: الاجتماع لتلاوة كتاب الله في الزوايا وما أشبهها من الأماكن المعدة لذلك وشبهه، وكذا في الأماكن المباحة، بل والمملوكة بإذن المالك في كل وقت من ليل أو نهار حتى في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها أمر مستحب. وقد صح قوله ﷺ : "ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ، ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم ارحمة، وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده" والمنع من ذلك لا وجه له، بل الإحسان إلى هذه الطائفة، والاهتمام بشأنها بالإطعام

стр. 769

وغيره من أنواع الإكرام مطلوب، نعم إن كان هناك أحد من المصلين أو قارئ آخر غيرهم فيستحب عدم المبالغة في رفع الصوت خشية التغليط. وإذا علم ذلك فيقال للمانع: أنت مطالب بالدليل على ما قلته، فإن ذكر مقتضيًا لذلك نُظر فيه، وإن عجز عنه دل عجزه على أنه لم يحقق ما قال، ويعزر حينئذ على القول بالهوى. وسعدون إن كان هو السياح الذي لقي ذا النون المصري، وسأله متى يكون الطبيب أميرًا بعد أن كان أسيرًا فقال: إذا أطلع الخبير على الضمير فلم ير في الضمير إلا الخبير، قال: فصرخ سعدون وخر مغشيًا عليه ثم أفاق فقال: ولا خير في شكوى إلى غير مشتكى ... ولابد من شكوى إذا لم يكن صبر ثم قال: استغفر الله لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: يا أبا الفيض إن من القلوب قلوبًا تستغفر قبل أن تذنب؟ قال: نعم، تلك قلوب تثاب قبل أن تطيع، أولئك قوم أشرقت قلوبهم بضياء روح اليقين. وله مع ذي النون غير ذلك من الحكايات، واستقدمه المتو كل على

стр. 770

الله إلى مدينة السلام ببغداد، وسمع كلامه وكان من المحبين لله، صام ستين سنة فخف دماغه فسماه الناس مجنونًا، وكان من عقلاء المجانين، وحكمائهم، له أخبار ملاح، وكلام سديد، ونظم ونثر مستحسن، قد طوف البلاد، ودونت أخباره. وحينئذ فهو أقدم من سيدي أحمد بن الرفاعي لأن مقتضى اجتماعه بذي النون، والمتوكل على الله أن يكون قريب الأربعين ومائتين، وسيدي أحمد مات في سنة ثمان وسبعين وخمسمائة، نفعنا الله ببركاتهما. والله الموفق. ٢٠٢ - الحمد لله وسئلت: عن من قرأ حديث: "أول طعام أهل الجنة زيادة كبد الحوت" بالتنكير في صحيح البخاري هو سوغ ذلك أم لا؟ وهل ثبت فيه أو في مسلم بالتنكير أم لا ؟ وهل يجوز أن تتعارض الصيغ الواقعة فيهما أو أحدهما بحيث يقرأ

стр. 771

حدثنا مكان أخبرنا ونحو ذلك أم لا؟ فقلت: التعريف هو المعروف الذي ثبتت به الرواية في الصحيحين بخصوصهما، فأخرجه البخاري من حديث عبد الله بن بكر، وبشر بن المفضل فرقهما، فأولهما في تفسير سورة البقرة، وثانيهما قبيل المغازي، كلاهما عن حميد عن أنس ﵁ في مجيء عبد الله بن سلام ﵁ وذكر الحديث بطوله: "وإن أول طعام أهل الجنة زيادة كبد الحوت". وأخرجه مسلم وأبو نعيم في مسترجه كلاهما قبيل الغسل من الجنابة من حديث أبي أسماء الرحبي عن ثوبان ﵁ قال: جاء حبر من أحبار اليههود فذكر الحديث في سؤاله النبي ﷺ عن أشياء، ومنها: فما تحفتهم ـ يعني فقراء المهاجرين ـ حين يدخلون الجنة؟ قال: "زيادة كبد النون". وكذا أخرج البيهقي حديث ثوبان في البعث والنون هو الحوت، لكن قد أخرج النسائي في عشرة النساء من سننه الكبرى من حديث

стр. 772

بشر بن المفضل أحد من أخرجه البخاري من حديثهما والإمام أحمد في مسنده عن محمد بن أبي عدي وابن حبان في صحيحه من حديث يزيد بن هارون ثلاثتهم عن حميد كلهم بلفظ: "كبد حوت" بالتنكير وكذا هو عند النسائي في العشرة أيضًا من حديث ثوبان لكن بلفظ: "كبدنون" ورواه أحمد أيضًا في سنده عن إسماعيل بن إبراهيم ـ هو ابن علية ـ عن حميد بلفظ "زيادة كبد" ولم يذكر ما بعده، ولا أدري أسقط من نسختي على الكاتب أو هو كذلك. بل ثبت التنكير في حديث لأبي سعيد الخدري ﵁ مما اتفق الشيخان على تخريجه رفعه: "تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة نزلاً لأهل الجنة" وفيه مجيء رجل من اليهود إلى النبي ﷺ بعد إعلامه الصحابة ﵃ بذلك فأخبر بما قال النبي ﷺ فضحك ﷺ حتى بدت نواجذه يعني أنه أعجبه إخبار اليهودي عن كتابهم بنظير ما أعلم هو به من جهة الوحي قال اليهودي: ألا أخبرك بإدامهم؟ قال: بلى قال:

стр. 773

إدامهم بالام ونون، قالوا: وما هذا؟ قال: "ثور ونون يأكل من زائدة كبدهما سبعون ألفًا". ونحوه ما رواه ابن المبارك في الزهد بسند حسن عن كعب الأحبار قال: إن الله تعالى يقول لأهل الجنة إذا دخلوها: إن لكل ضيف جزورا وإني أجزركم اليوم حوتًا وثورًا فتجزر لأهل الجنة. ثم إن ذبح الثور قد وقع عند مسلم أيضًا في حديث ثوبان حيث قال: "إنه ينحر لهم عقب ذلك ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها، وشرابهم عليه من عين تسمى سلسبيلا" ومن الغريب ما ذكره الطبري من طريق الضحاك عن ابن عباس ﵄ قال: "ينطح الثور الحوت بقرنه فيأكل منه أهل الجنة ثم يحيى فينحر الثور بذنبه ثم يحيى فيستمران كذلك" لكن هذا منقطع ضعيف. إذا علم هذا فقد قال شيخنا ﵀: إن الحوت المشار إليه يقال: إنه الحوت الذي عليه الأرض وإن في إشارة إلى نفاد الدنيا. انتهى.

стр. 774

وحينئذ فهو مؤكد للتعريف الذي هو الثابت في الصحيحين بالنسبة للحديث المسئول عنه كما قدمت، وقراءته فيهما بالتنكير مما ينكر وإن ثبت في غيرهما، كما أنه لا يجوز تغيير الصيغ الواقعة فيهما معًا بل يقتصر على ما ثبتت به الرواية. والله الموفق.

стр. 775

٢٠٣ - الحمد لله وسئلت عن سؤال الملكين للميت، أهو عام لجميع الأمم الماضية أم خاص بالأمة المحمدية ؟ فقلت: قد راجع أهوال القبور لابن أبي الدنيا، ثم لابن رجب وكتاب البعث للبيهقي وغيره، وغير ذلك من مظان هذا السؤال كالتذكرة ونحوها فلم أقف على شيء صريح في ذلك. نعم في صحيح مسلم من حديث زيد بن ثابت ﵁ رفعه: "إن هذه الأمة تبتلى في قبورها" وكذا في مسند الإمام أحمد من حديث أي سعيد الخدري ﵁ رفعه أيضًا: "يا أيها الناس إن هذه الأمة تبتلى في قبورها" ومن حديث عائشة ﵂ مرفوعًا أيضًا: "وأما فتنة القبر، فبي يفتنون وعني يسالون" إلى غير ذلك من الأحاديث التي قد تشهد لاختصاص هذه الأمة المحدمية بذلك دون غيرها من الأمم الماضية فقد اختصت عن غيرها بأشياء لا نطيل بإيرادها. وبذلك جزم الحكيم الترمذي فقال: "كانت الأمم قبل هذه الأمة تأتيهم الرسل فإن أطعوهم فذاك وإن أبو اعتزلوهم وعوجلوا بالعذاب فلما أرسل الله محمدًا ﷺ رحمة للعالمين أمسك عنهم العذاب، وقبل الإسلام ممن أظهره سواء أسر الكفر أو لا، فإذا ماتوا قيض الله فتاني القبر ليستخرج سرهم بالسؤالوليميز الله الخبيث من الطيب ويثبت الذين آمنوا ويضل الظالمين"، لكن قد
следующие страницы →