Полный текст (1 198 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
حدثنا مكان أخبرنا ونحو ذلك أم لا؟
فقلت: التعريف هو المعروف الذي ثبتت به الرواية في الصحيحين بخصوصهما، فأخرجه البخاري من حديث عبد الله بن بكر، وبشر بن المفضل فرقهما، فأولهما في تفسير سورة البقرة، وثانيهما قبيل المغازي، كلاهما عن حميد عن أنس ﵁ في مجيء عبد الله بن سلام ﵁ وذكر الحديث بطوله: "وإن أول طعام أهل الجنة زيادة كبد الحوت".
وأخرجه مسلم وأبو نعيم في مسترجه كلاهما قبيل الغسل من الجنابة من حديث أبي أسماء الرحبي عن ثوبان ﵁ قال: جاء حبر من أحبار اليههود فذكر الحديث في سؤاله النبي ﷺ عن أشياء، ومنها: فما تحفتهم ـ يعني فقراء المهاجرين ـ حين يدخلون الجنة؟ قال: "زيادة كبد النون".
وكذا أخرج البيهقي حديث ثوبان في البعث والنون هو الحوت، لكن قد أخرج النسائي في عشرة النساء من سننه الكبرى من حديث
стр. 772
بشر بن المفضل أحد من أخرجه البخاري من حديثهما والإمام أحمد في مسنده عن محمد بن أبي عدي وابن حبان في صحيحه من حديث يزيد بن هارون ثلاثتهم عن حميد كلهم بلفظ: "كبد حوت" بالتنكير وكذا هو عند النسائي في العشرة أيضًا من حديث ثوبان لكن بلفظ: "كبدنون" ورواه أحمد أيضًا في سنده عن إسماعيل بن إبراهيم ـ هو ابن علية ـ عن حميد بلفظ "زيادة كبد" ولم يذكر ما بعده، ولا أدري أسقط من نسختي على الكاتب أو هو كذلك.
بل ثبت التنكير في حديث لأبي سعيد الخدري ﵁ مما اتفق الشيخان على تخريجه رفعه: "تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة نزلاً لأهل الجنة" وفيه مجيء رجل من اليهود إلى النبي ﷺ بعد إعلامه الصحابة ﵃ بذلك فأخبر بما قال النبي ﷺ فضحك ﷺ حتى بدت نواجذه يعني أنه أعجبه إخبار اليهودي عن كتابهم بنظير ما أعلم هو به من جهة الوحي قال اليهودي: ألا أخبرك بإدامهم؟ قال: بلى قال:
стр. 773
إدامهم بالام ونون، قالوا: وما هذا؟ قال: "ثور ونون يأكل من زائدة كبدهما سبعون ألفًا".
ونحوه ما رواه ابن المبارك في الزهد بسند حسن عن كعب الأحبار قال: إن الله تعالى يقول لأهل الجنة إذا دخلوها: إن لكل ضيف جزورا وإني أجزركم اليوم حوتًا وثورًا فتجزر لأهل الجنة. ثم إن ذبح الثور قد وقع عند مسلم أيضًا في حديث ثوبان حيث قال: "إنه ينحر لهم عقب ذلك ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها، وشرابهم عليه من عين تسمى سلسبيلا" ومن الغريب ما ذكره الطبري من طريق الضحاك عن ابن عباس ﵄ قال: "ينطح الثور الحوت بقرنه فيأكل منه أهل الجنة ثم يحيى فينحر الثور بذنبه ثم يحيى فيستمران كذلك" لكن هذا منقطع ضعيف.
إذا علم هذا فقد قال شيخنا ﵀: إن الحوت المشار إليه يقال: إنه الحوت الذي عليه الأرض وإن في إشارة إلى نفاد الدنيا. انتهى.
стр. 774
وحينئذ فهو مؤكد للتعريف الذي هو الثابت في الصحيحين بالنسبة للحديث المسئول عنه كما قدمت، وقراءته فيهما بالتنكير مما ينكر وإن ثبت في غيرهما، كما أنه لا يجوز تغيير الصيغ الواقعة فيهما معًا بل يقتصر على ما ثبتت به الرواية. والله الموفق.
стр. 775
٢٠٣ - الحمد لله وسئلت عن سؤال الملكين للميت، أهو عام لجميع الأمم الماضية أم خاص بالأمة المحمدية ؟
فقلت: قد راجع أهوال القبور لابن أبي الدنيا، ثم لابن رجب وكتاب البعث للبيهقي وغيره، وغير ذلك من مظان هذا السؤال كالتذكرة ونحوها فلم أقف على شيء صريح في ذلك.
نعم في صحيح مسلم من حديث زيد بن ثابت ﵁ رفعه: "إن هذه الأمة تبتلى في قبورها" وكذا في مسند الإمام أحمد من حديث أي سعيد الخدري ﵁ رفعه أيضًا: "يا أيها الناس إن هذه الأمة تبتلى في قبورها" ومن حديث عائشة ﵂ مرفوعًا أيضًا: "وأما فتنة القبر، فبي يفتنون وعني يسالون" إلى غير ذلك من الأحاديث التي قد تشهد لاختصاص هذه الأمة المحدمية بذلك دون غيرها من الأمم الماضية فقد اختصت عن غيرها بأشياء لا نطيل بإيرادها. وبذلك جزم الحكيم الترمذي فقال: "كانت الأمم قبل هذه الأمة تأتيهم الرسل فإن أطعوهم فذاك وإن أبو اعتزلوهم وعوجلوا بالعذاب فلما أرسل الله محمدًا ﷺ رحمة للعالمين أمسك عنهم العذاب، وقبل الإسلام ممن أظهره سواء أسر الكفر أو لا، فإذا ماتوا قيض الله فتاني القبر ليستخرج سرهم بالسؤالوليميز الله الخبيث من الطيب ويثبت الذين آمنوا ويضل الظالمين"، لكن قد
стр. 776
خالفه الإمام شمس الدين ابن القيم الحنبلي فجنح إلى العموم وعدم الاختصاص وقال: ليس في الأحاديث ما ينفي المساءلة عن من تقدم من الأمم، وإنما أخبر النبي ﷺ أمته بكيفية امتحانهم في القبور، لا أنه نفى ذلك عن غيرهم قال: والذي يظهر أن كل نبي مع أمته ذلك فيعذب ذلك عن غيرهم قال: والذي يظهر أن كل نبي مع أمته ذلك فيعذب كفارهم في قبورهم بعد سؤالهم، وإقامة الحجة عليهم كما يعذبون في الآخرة بعد السؤال وإقامة الحجة.
ولعل أن ابن القيم ﵀ رأى أن عدم التعميم، مناف لمزيد التكريم، والله الموفق، ونسأله أن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
٢٠٤ - الحمد لله سئلت عن قوله ﷺ : "لا أحصي ثناء عليك" هل هو في البخاري أم لا ؟
فقلت: قد أخرجه مسلم في صحيحه وغيره من حديث أبي هريرة عن عائشة ﵂ قالت: "فقدت النبي ﷺ ذات ليلة، فالتمسته بيدي فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد وهما منصوبتان وهو يقول: "اللهم أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك".
وفي لفظ عند ابن خزيمة من هذا الوجه: "وأعوذ بك منك لا أحصي مدحك ولا ثناء عليك" وفي آخر عنده أيضًا من وجه آخر عنها
стр. 777
أيضًا: "وبعفوك من عقوبتك، وبك منك أثني عليك لا أبلغ كل ما فيك" وفي آخر عند الخلعي من وجه ثالث عنها أيضًا: "لا أحصي أسماءك ولا ثناء عليك".
وفي الباب عن علي بن أبي طالب ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يقول في آخر وتره: "اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك" أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي والله المستعان.
٢٠٥ - وسئلت عن حديث: "مسكين مسكين مسكين، رجل ليس له امرأة وإن كان كثير المال، ومسكينة مسكينة مسكينة، امرأة ليست لها زوج وإن كانت كثيرة المال، إن حاضت حاض معها وإن تنفست تنفس معها ".
فقلت: قد أخرجه الطبراني في الأوسط بسند رجاله ثقات عن أبي
стр. 778
نجيح ولا صحبة له قال: قال رسول الله ﷺ : وذكره بدون: "إن حاضت إلى آخره ... "ولكن قد أخرج أبو عمر النوقاني في معاشرة الأهلين له معناه من جهة المغيرة بن شعبة ﵁ أنه قال: وجدت صاحب الواحدة إن زارت زار، وإن حاضت حاض، وإن نفست نفس، وكلما اعتلت اعتل معها بانتظاره لها، ثم ذكر صاحب الثنتين، وصاحب الثلاث وصاحب الأربع. وهذا قال بعض الائمة، كما روينا في الجامع للخطيب. "مثل المحدث الذي له شيخ واحد كالرجل له زوجة واحدة إذا حاضت بقي" والمعنى: أن المحدث الذي له شيخ واحد ربما احتاج من الحديث لما لا يجده عند شيخه فيصير حائرًا وكذلك من له زوجة واحدة قد يتفق توقانه إلى النكاح في حال حيضها فيصير حائرًا، وإذا كانت له زوجة أخرى أو أمة حصل الغرض وإن كان وراء ذلك من الأهوالما لا يخفى، ولذا كان بعض من أدركناه من أئمة العلم والدين يقول على قصد المماجنة: أنه لوكانت الشركة تصح لشاركت في جزء من أربعة وعشرين جزءًا من امرأة، إشارة إلى شدة لتعب في أعبائهن وكلفتهن إلا من وفقة الله ووفق له أهله، وسبقه الأذرعي فقال لصديق له: "إن استطعت أن تكتفي في هذا الزمان بنصف امرأة فافعل" أخرجه النوقاني. والله المستعان.
стр. 779
٢٠٦ - الحمد لله وسئلت عن حديث: "ينادي مناد من قبل الله يوم القيامة: أين خونة هذه الأمة فيؤتى بثلاثة نر وهم: الصواغ، والحاكة، والنخاسين، أهو صحيح أم لا ؟
فقلت: هذا لا أصل له فضلاً عن أن يكون صحيحًا، نعم ورد في الصواغ حديث عن أبي هريرة ﵁ أنه ﷺ قال: "أكذب الناس الصباغون والصواغون".
أخرجه ابن ماجه وأحمد وغيرهما وهو حديث مضطرب الإسناد، ولذا أورده ابن الجوزي في العلل المتناهية وقال: إنه لا يصح انتهى. مع كون الصياغة حرفة قديمة، كانت في زمنه ﷺ وأقرها حيث قال له عمه العباس رضيالله عنه لما قال ﷺ عن مكة ـ شرفها الله ـ: "أنها لا يعضد شجرها": يا رسول الله! إلا الإذخر فإنه لصاغتنا ولقبورنا وفي لفظ:
стр. 780
ولسقف بيوتنا فقال ﷺ : "إلا الإذخر" وكذا قال علي ﵁: "لما أردت أن أبتني بفاطمة ﵂ وأعدت رجلاً صواغً الحديث". لكن قد أورد الديلمي فلي مسنده مما هو ضعيف أيضًا من حديث أبي سعيد الخدري أنه ﷺ قال: "أكذب الناس الصناع" يعني بضم الصاد المهملة ثم نون مشددة ثم مهملة، وكذا روى إبراهيم الحربي في غريبة من طريق أبي رافع الصايغ قال: كان عمر ﵁ يمازحني فيقول: "أكذب الناس الصواغ، يقول: اليوم وغدًا" فأشار ﵁ إلى السبب في كونهم أكذب الناس وهو المطل والمواعيد الكاذبة، ولا شك أن تعمد الخلف في الوعد من خصال المنافقين، ونحوها ما يروى عن أبي هريرة ﵁ أنه رأى قومًا يتعادون فقال: "ما لهم؟ فقالوا: خرج
стр. 781
الدجال فقال: كذبه كذبها الصواغون».
ويروى الصياغون ـ أعني بالياء على لغة الحجاز ـ كالديار والقيام على أنه قيل: إنه ليس المراد بالصواغين صاغة الحلي، ولا بالصباغين صباغوا الثياب، بل أراد الذين يصبغون الكلام ويصوغونه أي يغيرونه، ويزينونه يقال صاغ شعرًا، وصاغ كلامًا أي وضعه وزينه، وإلى نحو هذا جنح أبو عبيد القاسم بن سلام فقال: الصياغ الذي يزيد في الحديث من عنده يزينه به. وورد في النخاسين ما أخرجه أبو بكر الشافعي في الرابع من «فوائده» من طريق عبيد بن أبي عبيد مولى أبي رهم عن أبي هريرة أنه ﷺ مر ببقعة بالمدينة فقال: «كم من دعاء لا يصعد إلى الله من هذه البقعة» قال أبو هريرة: فرأيت فيها النخاسين.
ورواه أحمد في «المسند»، والثقفي في الثالث من «فوائده» بلفظ: " «رب يمين لا يصعد إلى الله في هذه البقعة» ويتضح معناه بحديث قيس بن أبي غرزة ﵁ قال: كنا في عهد رسول الله نشتري في الأسواق ونسمي أنفسنا السماسرة، فأتانا رسول الله ﷺ فسمانا باسم هو أحسن منه، فقال: «يا معشر التجار! إن هذا البيع يحضره الكذب، واللغو». وفي رواية: «والإيمان فشوبوه بالصدقة».
стр. 782
أما الحائك وهو النساج، فلم أقف على شيء ورد فيه، نعم قد قيل في
стр. 783
قوله تعالى: (واتبعك الأرذلون) إنهم هم. وفي مسند الفردوس عن أبي أمامة رفعه: "لا تستشيروا الحاكة ولا المعلمين فإن الله سلبهم عقولهم، ونزع من أكسابهم البركة".
وصح في الحديث أن امرأة جاءت إلى النبي ﷺ ببردة فقالت: "يا رسول الله إني نسجت هذه بيدي أكسوكها .. " الحديث. والله الموفق.
٢٠٧ - الحمد لله سئلت هل صح في النهي عن تعليم النساء الكتابة شيء ؟
فالجواب: إنه قد أخرجه ابن عدي ومن طريقه ابن الجوزي في الموضوعات من طريق حفص القاري عن ليث عن مجاهد عن ابن عباس ﵄ رفعه: "لا تعلموا نساءكم الكتابة، ولا تسكنوهن العلالي، وخير لهو المؤمن السابحة، وخير لهو المرأة المغزل". وروى الحاكم في مستدركه وعنه البيهقي في الشعب من حديث عبد الوهاب بن الضحاك عن شعيب بن إسحاق عن هشام بن عروة عن أبيه
стр. 784
عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ ؛ "لا تعلموهن الكتابة ـ يعني النساء ـ وعلموهن المغزل وسورة النور" وقال الحكام عقبه: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
قلت: بل عبد الوهاب متهم متروك، لكن قد تابعه محمد بن إبراهيم الشامي عن شعيب بنحوه.
أخرجه البيهقي في الشعب، والثعلبي في التفسير، والخطيب، ومن طريقه ابن الجوزي ولفظه: "لا تنزلوهن الغرف، ولا تعلموهن الكتابة، وعلموهن المغزل، وسورة النور".
والشامي قال فيه ابن حبان: إنه كان يضع على الشاميين، ولذلك قال البيهقي عقبه: إنه بهذا الإسناد منكر، وقد عزاه الديلمي للطبراني في الأوسط عن عائشة بلفظ: "لا تعلموا النساء الكتابة، ولا تسكنوهم
стр. 785
الغرف، واستعينوا عليهم بالعري" وكذا أخرجه ابن مردوديه في تفسير.
ولبعضه شواهد، فللطبراني في الأوسط من حديث سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس مرفوعًا: "استعينوا على النساء بالعري".
وله في الأوسط الكبير معًا من حديث مجمع بن كعب عن مسلمة بن مخلد رفعه: "أعروا النساء يلزمن الحجال" وكذا روينا في
стр. 786
تعليمهن سورة النور عن مجاهد عن النبي ﷺ .
وروينا تعليمهن المغزل من حديث عبيد بن إسحاق بن مبارك العطار عن قيس عن ليث عن مجاهد عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "علموا أبنائكم السباحة، والرمي، والمرأة المغزل".
أخرجه البيهقي وقال عقبه: عبيد العطار منكر الحديث.
ولابنمنده والديلمي في مسنده من حديث بكربن عبد الله بن ربيع الأنصاري مرفوعًا: "نعم لهو المؤمنة مغزلها".
وأصح مما تقدم ما رواه أحمد في مسنده وأبو داود في سننه كلاهما من حديث علي بن مسهر، والطحاوي في شرح معاني الآثار من طريق ابي معاوية والنسائي من طريق محمد بن بشر ثلاثتهم عن
стр. 787
عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز عن صالح بن كيسان عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة، عن الشفا ابنة عبد الله بن عبد شمس العدوية ـ وهي جدته فإنها أم أبيه سليمان ـ قالت: كنت عند حفصة ﵂ فدخل علينا النبي ﷺ فقال: "ألا تعلمينها رقية النملة كما علمتها الكتابة" واختلف فيه على أبي بكر، فرواه عنه صالح كماتقدم.
ومن طريقه أخرجه أبو نعيم عن الطبراني.
ورواه محمد بن المنكدر عن أبي بكر فقال: عن حفصة نفسها. أخرجه أحمد والنسائي والطحاوي أيضًا، وكذا الحاكم وقال: إنه صحيح الإسناد. انتهى. وممن رواه عن ابن المنكدر الثوري واختلف عليه في وصله وإرساله.
стр. 788
٢٠٨ - وسئلت عن حديث: "شركم من نزل وحده ".
فالجواب: قد رواه ابن منيع وعنه العسكري عن ابن عائشة عن هشام بن زياد أبي المقدام عن محمد بن كعب القرظي عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ :"ألا أنبئكم بشراركم: من نزل وحده، ومنع رفده، وجلد عبده، فأنبئكم بشرمن هذا: من يبغضه الناس ويبغضونه، أفأنبئكم بشر من هذا من لا يقبل عثرة ولا يقبل معذرة، أفأنبئكم بشر من هذا: من لا يرجى خير ولا يؤمن شره".
ورواه عبد بن حميد عن محمد بن كثير، والحارث بن أبي أسامة من حديث عبد العزيز بن عبد الصمد كلاهما عن هشام وفيه قصة وعلته هشام لكن له شاهد أخرجه العسكري من حديث جعفر بن الزبير،
стр. 789
عن القاسم، عن أبي أمامة عن النبي ﷺ في قوله: الكفور قال: "الكفور الذي ينزل وحده ويمنع رفده ويجلد عبده".
٢٠٩ - الحمد لله سئلت عن من زعم انتسابه إلى الزبير بن العوام وميز نفسه بشظفة خضراء كآل النبي ﷺ ، أيمنع أم لا ؟
فالجواب: أما الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى أخي عبد مناف ابني قصي الذي يجتمع هو ورسوله الله ﷺ فيه، مع كونه ابن عمة النبي ﷺ ، لأن أمه هي صفية أخت حمزة والعباس بني عبد المطلب ﵃، فمن صحت نسبته إليه ﵁ بالطريق المعتبر فله بذلك فخر، لأنه حواري رسول الله ﷺ وابن عمته، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة ﵃، وينتفع المنتسب بذلك إن صحبه القيام بأمر الدين ولم يكن فيه من المتهاونين، قال الله تعالى: (إن أكرمكم عن الله أتقاكم) ويقال للمنتسب كذلك: زبيري وقرشي، ولكن التميز بالشظفة الخضراء إنما اختص عرفًا بذرية السبطين ريحانتي النبي ﷺ أعني الحسن والحسين ابني فاطمة الزهراء ﵃ حتى إن من كان منسوبًا لأختها زينب ابنة فاطمة أيضًا، مع كونها سبطة الرسول ﷺ لم يميز بذلك فضلاً عن غيره، لكونهما ـ أعني الحسن والحسين ـ أفضل من زينب بلا شك لامتيازهما بكثير من الخصوصيات، وإذا ثبت العرف بذل انضاف إليه اختصاصهم بالأوقاف المرصدة للأشراف فلا يحسن التعدي بالشظفة
стр. 790
لغيرهم ممن انتسب إلى الزبير، ولا إلى غيره، ممن هو أقرب منه نسبًا كالعباس عم النبي ﷺ وصنو أبيه، الذي ولده البحر عبد الله ترجمان القرآن هو جد الخلفاء مع وصف ذريته ﵁ بالشرف لكونهم من بني هاشم، فقد قال ﷺ : "إن الله تعالى اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشًا من كنانة، واصطفى هاشمًا من قريش واصطفاني من بني هاشم".
وقال ﷺ : قال لي جبريل ﵇: "قلبت مشارق الأرض ومغاربها فلم أجد بني أب خيرًا من بني هاشم" وما أحسن قول الإمام العلامة أبي عبد الله بن جابر الأندلسي الأعمى نزيل حلب:
جعلوا لأبناء الرسول علامة ... إن العلامة شأن من لم يشهر
نور النبوة ي كريم وجوههم ... يغني الشريف عن الطراز الأخضر
وحينئذ فيمنع من أشرف نفسه معهم في هذه الخصوصية لتضمنه إيهام الاشتراك، وربما يتمادى الزمان تحصل المزاحمة لهم في الأوقاف وغير ذلك مما هم المقصودون به، ويثاب القائم بالسعي في ذلك.
هذا كله إن صحت النسبة المشار إليها، ولم تكن نسبة للزبيرية قرية من قرى المحلة، فقد انتسب إليها جماعة وحصل الاشتباه بذلك فظن أن بعض من نسب إليها من ذرية الزبير بن العوام.
стр. 791
أما حيث لم تصح، فهو أطم فقد قال ﷺ : "إنمن أعظم الفرى أن يدعى الرجل إلى غير أبيه" وقال أيضًا: "ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر، ومن ادعى قومًا ليس له فيهم نسب فليتبوأ مقعده من النار". وقال أيضًا: "من انتسب إلى غير أبيه أو تولى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين".
وقال أيضًا: "من ادعى نسبًا لا يعرف كفر بالله وانتفاء من نسب وإن دق كفر بالله". إلى غير ذلك من الأحاديث التي حملها على ظاهرها
стр. 792
يحتاج إلى تأويل ذلك بالمستحيل له، أو بأن المراد كفر النعمة، وإن لم تحمل على ظاهرها، فيكون ورود ذلك على سبيل التغليظ لزجر فاعله أوالمراد بإطلاق الكفر أن فاعله فعل فعلاً شبيهًا بفعل أهل الكفر.
وقد روى أبو مصعب عن مالك بن أنس ﵀ قال: من انتسب إلى بيت النبي ﷺ يعني بالباطل ـ يضرب ضربًا وجيعًا، ويشهر، ويحبس طويلاً حتى تظهر توبته، لأنه استخفاف بحق الرسول ﷺ .
قلت: ورحم الله مالكًا كيف لو أدرك من يتسارع إلى ثبوت ما يغلب على الظن التوقف في صحته من ذلك بدون تثبت، غير ملاحظ ما يترتب عليه من الأحكام، غافلاً عن هذا الوعيد الذي كان معينًا على الوقوع فيه إما بثبوته أو بالإعذار فيه طمعًا في الشيء التافه الحقير قائلاً: "الناس مؤتمنون على أنسابهم" وهذا لعمري توسع غير مرضي، ومن هنا توقف كثير مما أدركناه من قضاء العدل عن التعرض لذلك ثبوتًا ونفيًا للرهبة مما قدمته.
ويقال: إن السب في كون الشظفة خضراء أن المأمون ﵀ أراد أن يجعل الخلافة في بني فاطمة فاتخذ لهم شعارًا أخضر ألبسهم ثيابًا خضرًا لكون السواد شعار العباسيين، والبياض شعار سائر الناس في جمعهم ونحوهم، والأحمر مختلف في كراهته، والأصفر ورد أن الملائكة
стр. 793
عليهم السلام خرجوا يوم بدر بعمائم صفر، ثم انثنى عزم المأمون عن جعل الخلافة في بني فاطمة ورد الخلافة إلى بني العباس فبقي ذلك شعارًا للاشراف العلويين من الزهراء وخصت ذرية الحسن والحسين بذلك لكنهم اختضروا الثياب إلى قطعة من ثوب أخضر توضع على عمائمهم شعارًا لهم، ثم انقطع ذلك إلى أواخر القرن الثامن فأمر الأشراف شعبان بن حسين ابن الناصر محمد بن قلاون بفعل ذلك في مصر والشام وغيرهما، وأنشد بعض الأدباء إذ ذاك قوله:
أطراف تيجان أتت من سندس ... خضر بأعلام على الأشراف
والأشرف السلطان خصهم بها ... شرفًا ليفرقهم من الأطراف
وقد جمعت للأشرا كتابًا سميته: "استجلاب الغرف بجب أقرباء الرسول وذوي الشرف" كتب عني ولله الحمد، وانتشرت نسخة، وكذا كتبت من سنين حيث سئلت من ذرية جعفر بن أبي طالب أخي علي ﵄ ألتحق بالأشراف الحسنية أو الحسينية في الشرف والشظفة الخضراء جوابًا انتشر سميته "الإسعاف بالجواب عن مسألة الأشراف" وكتبه عني بعض المفتين والله الموفق.
стр. 794
٢١٠ - الحمد لله وسئلت عن حديث: "أنه ﷺ ضحى عن نفسه، وعن آل بيته، ثم عن أمته من شهد لله بالتوحيد وله البلاغ" هل هو صح أم لا؟ وعن توجيه معناه ؟
فالجواب: إنه قد ورد في صحيح مسلم والسنن لأبي داود من حديث يزيد بن قسيط عن عروة عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ أمر بكبش أقرن يطأ في سواد ويبرك في سواد، وينظر في سواد، فأتى به ليضحى به فقال لها: "يا عائشة هلمي المدية" ثم قال: "اشحذيها بحجر" ففعلت ثم أخذها، وأخذ الكبش فاضجعه ثم ذبحه، ثم قال: "بسم الله تقبل من محمد وآل محمد، ومن أمة محمد" ثم ضحى به. وروى ابن ماجه في سننه من حديث عب الرازق عن الثوري عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن أبي سلمة عن عائشة أو عن أبي هريرة ﵄ أن رسول الله ﷺ كان إذا أراد أن يضحي اشترى كبشين عظيمين، سمينين، أقرنين، أملحين، موجوءين، فذبح أحدهما عن أمته لمن شهد لله بالتوحيد، وشهد له بالبلاغ، وذبح الآخر عن محمد آل محمد ﷺ .
وهكذا هو في مسند أحمد عن عبد الرازق، ورواه عبد الرازق أيضًا في جامعه عن الثوري باختصار: "أن النبي ﷺ ضحى بكبشين". ورواه
стр. 795
البيهقي في سننه بتمامه من حديث الحسين بن دينار أبي حازم، والفريابي، وفي المعرفة من حديث مؤمل بن إسماعيل، والطحاوي في شرح معاني الآثار من حديث ابن وهب، أربعتهم عن الثوري به. واختلف على مؤمل من بينهم، فرواه عنه محمد بن أبي بكر كما قدمناه، ورواه عنه محمد بن يونس فاقتصر على ابي هريرة ولم يقل أو عن عائشة، أخرجه البيهقي في المعرفة ورواه أحمد أيضًا عن وكيع عن الثوري لكنه لم يشك بل جعله عن عائشة وأبي هريرة معًا، ومن طريق أحمد كذلك أخرجه الحاكم في مستدركه، وقد خولف الثوري فيه فرواه حماد بن سلمة عن ابن عقيل فقال عن عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله عن أبيه عن النبي ﷺ أخرجه إسحاق وأبو يعلي في مسنديهما والبيهقي والطحاوي. ورواه مبارك بن فضالة عن ابن عقيل فقال عن جابر بلا واسطة بينهما، أشار إليها الدارقنطي وابن أبي حاتم في علليهما ورواه زهير بن محمد مولى رسول الله ﷺ عن النبي ﷺ أخرجه
стр. 796
أحمد والحاكم في تفسير الحج من مستدركه، والبيهقي في السنن "والشعب" معًا، وفي آخره: قال أبو رافع: فمكثنا سنين قد كفى الله المؤنة والغريم برسول الله ﷺ ليس أحد من بني هاشم يضحي.
وهو عند الطبراني في الكبير باختصار، وكذا رواه شريك عن ابن عقيل بمعناه. وأخرجه الطحاوي من حديث عبيد الله مع قول أبي رافع أيضًا، وممن رواه عن ابن عقيل هكذا أيضًا سعيد بن سلمة وقيس بن الربيع وهما عند الطبراني في الكبير فلفظ أولهما: "كان إذا ضحى اشترى كبشين سمينين، أقرنين، أملحين، حتى إذا خطب الناس وصلى أتي بأحدهما وهو قائم في مصلاه فذبحه بنفسه بالمدية، ثم يقول: "هذا عن أمتي جميعًا، من شهد لك بالتوحيد، وشهد لي بالبلاغ"، ثم يؤتي بالآخر فيذبحه هو بنفسه ثم يقول: "الله هذا عن محمد وعن آل محمد" فيعطيهم جميعًا المساكين ويأكل هو وأهله منهما.
ولفظ ثنيهما نحوه، وفي آخره: فمكثنا سنين ليس من بني هاشم رجل يضحى، قد كفاه الله عزوجل المؤنة برسول الله ﷺ . وقال ابن عيينة: سمعت ابن عقيل يحدث به وأسنده فلم أحفظه عن من هو. حكاه الدارقطني. فهذا ما علمته الآن من الاضطراب في رواية ابن عقيل،
стр. 797
وجزم الدارقطني في العلل بأن ذلك منه.
وكذا قال أبو زرعة: هذا كله من ابن عقيل، فإنه لا يضبط حديثه يختلف عنه في الأسانيد، والذين رووا عنه هذا الحديث كلهم ثقات، لكن قال البخاري فيما حكاه البيهقي في السنن والمعرفة وغيره عنه: ولعله سمعه من هؤلاء. انتهى.
ولأجل هذا الاضطراب أشار الشاعي ﵀ إلى هذا الحديث بقوله: وقد روي عن النبي ﷺ من وجه لا يثبت منه: أنه ضحى بكبشين فقال في أحدهما بعد ذكر الله: "اللهم عن محمد وآل محمد" وفي الآخر: "اللهم عن محمد وأمة محمد" وبين البيهقي أن الشافعي إنما أراد هذا الحديث.
وبالجملة فابن عقيل صدوق في نفسه لكنه سيء الحفظ، وإلى ذلك أشار الترمذي بقوله: وهو صدوق، وقد تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه، وكذا قال الساجي: كان من أهل الصدق، ولم يكن بمقتن في الحديث، وكان ابن عيينة لا يحمد حفظه، وقال ابن خزيمة: لا أحتج
стр. 798
به لسوء حفظه، وقال الخطيب: كان سيء الحفظ. وقال العقيلي: كان في حفظه شيء. وقال ابن حبان: كان رديء الحفظ يحدث على التوهم فيجيء بالخبر على غير سننه فوجبت مجانبة أخباره، وقال الحاكم: عُمر فساء حفظه فحدث على التخمين، وسبقه ابن عيينة فقال: رايته يحدث نفسه فحملته على أنه تغير.
قلت: وقد وقع ليس هذا الحديث من غير طريقه عن أبي هريرة، وجابر وأبي رافع أيضًا.
فأما حديث أبي هريرة، فرواه الطبراني في الأوسط من طريق عيسى بن عبد الرحمن عن ابن شهاب الزهري عن سعيد ابن المسيب عن أبي هريرة ﵁ قال: ضحى رسول الله بكبشين، أقرنين، أملحين، أحدهما عنه وعن أهل بيته، والآخر عنه وعن من لم يضح من أمته. وقال: لم يروه عن الزهري إلا عيسى، ولا عنه إلا عبد الله بن عياش القتباني تفرد به ابن وهب انتهى. وعيسى ضعيف عندهم، بل قال أبو حاتم: إنه منكر الحديث، ضعيف الحديث شبيه المتروك، لا أعلمه روى ع الزهري حديثًا صحيحًا، وقال ابن عدي: يروي عن الزهري
стр. 799
مناكير.
وله طريق أخرى رواه أبو نعيم في الحلية من حديث ابن المبارك عن يحيى بن عبيد الله بن عبد الله بن موهب عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ قال: ضحى رسول الله بكبشين، أملحين، موجوءين، فقرب أحدهما فقال: "بسم الله اللهم هذا منك ولك، اللهم هذا عن محمد وأهل بيته، ثم قرب الآخر ثم قال: "بسم الله، اللهم هذا منك ولك، اللهم هذا عن من وحدك من أمتي".
ويحيى هذا ضعيف، بل اتهمه الحاكم بالوضع، وقال: إن له عن أبيه عن أبي هريرة نسخة أكثرها مناكير، وقال مسلم: ساقط متروك الحديث، وأبوه فهو وإن وثقه ابن حبان فقد قال الشافعي: لا نعرفه، وكذا قال أحمد: لا يعرف، وتبعهما ابن القطان الفاسي فقال: إنه مجهول الحال. وقال الجوزجاني أيضًا: إنه لا يعرف.
وأما حديث جابر، فرواه أبو داود
стр. 800
والترمذي والدارمي والبيهقي في سننه وشعبه معًا من رواية ابن إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي عياش المعافري المصري عن جابر ﵁ قال: ذبح النبي ﷺ يوم الذبح كبشين، أقرنين، أملحين، موجوءين، فلما وجههما قال: "إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض على ملة إبراهيم حنيفًا وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين، اللهم منك ولك عن محمد وأمته، بسم الله والله أكبر" ثم ذبح. وكذا أخرجه الحاكم في صحيحه ورواه أيضًا، وعنه البيهقي في الشعب من طريق أحمد في مسنده عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه عن إسحاق حدثني يزيد بن أبي حبيب المصري عن خالد بن أبي عمران عن أبي عياش عن جابر. وكذا رواه ابن خزيمة في صحيحه من حديث يعقوب، وأورده الضياء في "المختارة" من مسند أحمد، وأشار
стр. 801
إلى هذه الرواية البيهقي في السنن، وبها طرق الرواية الأولى احتمال أنها منقطعة، على أن شيخي ﵀ قد جزم باقتضاء ذلك وعبارته في مختصر التهذيب: وقد أدخل إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحاق بين يزيد بن أبي حبيب وأبي عياش، خالدبن أبي عمران في هذا الحديث بعينه.
أخرجه أحمد بن خزيمة وغيرهما من طريق إبراهيم فاقتضى ذلك أو رواية يزيد عن أبي عياش منقطعة، وقد ذكه ابن يونس فقال: أبو عياش بن النعمان المعافري يروي عن علي وجابر وكعب، روى عنه خالد بن أبي عمران وبكر بن سوادة فصح ما قلته. انتهى.
وفيه نظر، وقد أثبت روايته عنهما معًا عبد الحق فقال: وأبو عياش رجل من أهل مصر، روى عنه خالد بن أبي عمران ويزيد بن أبي حبيب، ولم أسمع فيه بجرح ولا تعديل.
وبالجملة فقد قال الحاكم في حديث جابر هذا: إنه على شرط مسلم.
وله طريق أخرى رواه أحمد والترمذي والدارقطني من
стр. 802
حديث عمرو بن أبي عمرو عن المطلب بن عبد الله بن حنطب عن جابر ﵁ قال: شهدت مع النبي ﷺ الأضحى بالمصلي فلما قضى خطبته نزل عن منبره، فأتى بكبش فذبحه رسول الله ﷺ بيده، وقال: "بسم الله والله أكبر، هذا عني وعن من لم يضح من أمتي".
ومن طريق أحمد أورده الضياء في المختارة، وقال الترمذي: إنه غريب من هذا الوجه، والطلب يقال: إنه لم يسمع من جابر انتهى.
ونقل ابن أبي حاتم عن أبيه الجزم بأنه لم يسمع منه وأنه لم يدرك أحدًا من الصحابة إلا سهل بن سعد، وقال أبو حاتم أيضًا: يشبه أن يكون قد أدرك جابرًا، وقد رواه الحاكم في مستدركه وكذا ابن المنذر في الأوسط والطحاوي من حديث عمرو فقالوا من المطلب بن عبد الله وعن رجل من بني سلمة أن جابرًا ﵁ أخبرهما أن رسول الله ﷺ صلى للناس يوم النحر فلما فرغ من خطبته وصلاته دعا بكبش فذبحه هو بنفسه وقال: "بسم الله والله أكبر، اللهم هذا عني وعن من لم يضح من أمتي".
وأما حديث أبي رافع، فرواه الطبراني في الأوسط من حديث سعيد بن أبي مريم عن يحيى بن أيوب عن عمارة بن غزية، حدثني المعتمر بن أبي رافع عن أبيه قال: ذبح رسول الله كبشًا ثم قال: "هذا عني وعن أمتي". وقال عقبه: لم يروه عن عمارة إلا يحيى، وكذا رواه في
стр. 803
معجمه الكبير بإسناده ومتنه سواء، لكنه زاد بعد أبيه عن جده وهي زيادة غير متجهة.
نعم يؤيدها أن الحاكم في المستدرك أخرجه من هذا الوجه فقال: عن عمارة بن غزية عن ابن أبي رافع عن أبيه عن جده قال: ذبح رسول الله أضحيته ثم قال: "هذا عني وعن أمتي".
والمعتمر ماعرفتهت، وكذا أبوه إن ثبت في أصل السند قوله عن جده، وكان لأبي رافع ابنه اسمه المغيرة، قد ذكره ابن حبان في ثقاته والله أعلم.
وفي الباب أيضًا عن أنس بن مالك، وحذيفة بن أسيد، وابن عمر وعلي بن أبي طالب وأبي سعيد الخدري، وأبي طلحة ﵃.
فأما حديث أنس، فأخرجه أبو يعلي في مسنده والطبراني في الأوسط من حديث ابن لهيعة عن أبي معاوية بن الحجاج بن أرطاة عن قتادة عن أنس ﵁ قال: ضحى رسول الله ﷺ بكبشين، أقرنين، أملحين، قرب أحدهما فقال: "بسم الله منك ولك هذا عن محمد وأهل
стр. 804
بيته" ثم قرب الآخر فقال: "بسم الله منك ولك هذا عن من وحدك من أمتي".
وقال الطبراني: لم يروه عن الحجاج إلا أبو معاوية. انتهى.
والحجاج ثقة لكنه موصوف بالتدليس وقد عنعنه، وكذا رواه ابن أبي شيبة من حديث حجاج، وله طريق أخرى رواه الدارقطني في سننه من حديث أبي سحيم المبارك بن سحيم عن مولاه عبد العزيز بن صهيب عن أنس بنحوه، والمبارك، أجمعوا ـ كما قال ابن عبد البر ـعلى ضعفه، بل قال البزار: إنه لم يسمع من مولاه عبد العزيز شيئًا.
وأما حديث حذيفة بن أسيد، فأخرجه الطبراني في الكبير والحاكم في الفضائل مستدركه من حديث عبد الله بن شبرمة عن الشعبي عن حذيفة ﵁ قال: كان النبي ﷺ يقرب كبشين أملحين فيذبح أحدهما فيقول: "اللهم هذا عن محمد وآل محمد" وقرب الآخر فقال: "اللهم هذا عن أمتي لمن شهد لك بالتوحيد، وشهد لي بالبلاغ" وهو
стр. 805
منقطع، فالشعبي لم يسمع من حذيفة، وقد أخرجه أبو الشيخ في الأضاحي بزيادة في أوله وهي: كنا ونحن مع رسول الله لا يتكلف سنة الضحايا كان يقرب وذكره.
وأما حديث ابن عمر، فأخرجه البيهقي في الشعب من جهة يحيى بن صالح عن أبي بكر العنسي عن أبي قبيل حي بن يومن عن سالم عن ابن عمر ﵄ قال: حججت مع رسول الله حجة الوداع فلما كان يوم النحر دعا رسول الله ﷺ بكبشين أقرنين، أملحين فذبح أحدهما فقال: "عني وعن أهل بيتي" وذبح الآخر وقال: "عني وعن أمتي" ثم قال رسول الله ﷺ : "من ذبح كبشًا أقرن فكأنما ذبح مائة بدنة ومن ذبح خصيًا فكأنما ذبح خمسين بدنة، ومن ذبح نعجة فكأنما ذبح بقرة ومن ذبح بقرة فكأنما ذبح عشر بدنات". وقال عقبه: أبو بكر هذا مجهول يروي المناكير. وسبقه لذلك ابن عدي. وقوله في السند: عن أبي قبيل حي بن يومن ليس بمستقيم، فأبو قبيل اسمه على الصحيح حيي، وقيل: حي وأبوه هانئ جزمًا.
стр. 806
وأما حي بن يومن، فليست كنيته أبا قبيل إنما هو أبو عشانة ولكن هما من طبقة واحدة، وقد ذكر المزي أبا قبيل في شيوخ العنسي من تهذيبه ولم يذكر ابا عشانة والله الموفق.
قال البيهقي: فإن صح ما في آخر الحديث فإنما أراد في تضعيف الله تعالى الأجر.
وأما حديث علي، فرواه أبو الشيخ في الأضاحي من حديث عمرو بن قيس عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن علي ﵁ أن النبي ﷺ ضحى بكبشين، أحدهما عن نفسه وأهل بيته، والآخر عن أمته.
وأما حديث أبي سعيد، فرواه أحمد والبزار في مسنديهما والطحاوي في معانيه، والحاكم في مستدركه وقال: إنه صحيح من حديث الدراوردي عن ربيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري عن أبيه عن أبي سعيد ﵁ أن رسول الله ﷺ ضحى بكبش أقرن فقال: "هذا عني، وعن من لم يضح من أمتي".
ومن طريق أحمد أورده الضياء في المختارة، وأصله في
стр. 807
السنن بدون المقصود منه هنا.
وأما حديث أبي طلحة، فرواه أبو بكر بن أبي شيبة وعنه أبو يعلي في مسنديهما عن عبد الله بن بكر السهمي عن حميد عن ثابت عن إسحاق بن عبد اله بن أبي طلحة عن جده أبي طلحة ﵁ قال: ضحى النبي ﷺ بكبشين أملحين فقال عند ذبح الأول: "عن محمد وآل محمد" وقال عند الثاني: "عمن آمن بي وصدق بي من أمتي".
وكذا أخرجه الطبراني في الكبير من حديث أبي بكر بن ابي شيبة، وأخرجه أبو يعلي أيضًا عن إبراهيم بن سعيد الجوهري عن السهمي، وهو منقطع، فإسحاق لم يدرك جده.
وبهذه الأسانيد تمسك من ذهب إلى أن الأضحية سنة على الكفاية،
стр. 808
كالابتداء بالسلام، فإذا ضحى واحد من أهل البيت بالشاة الواحدة فأدى الشعار في السنة لجميعهم، قال الرافعي: وعلى ذلك حُمل قوله ﷺ : "اللهم تقبل من محمد وآل محمد".
قلت: وقد فعله جماعة من الصحابة ﵃، منهم عبد الله بن هشام، ففي آخر حديثه الذي أخرجه البخاري مما زاده الإسماعيلي، والبيهقي والطبراني في الكبير جميعًا: أنه كان يضحي بالشاة الواحدة عن جميع أهله. وهو عند الحاكم في المستدرك لكن بلفظ: كان رسول الله ﷺ يضحي بالشاة الواحدة عن جميع أهله. وكذا جاء عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ أنه قال: كنا نضحي بالشاة الواحدة، فذبحهما الرجل عنه وعن أهل بيته، ثم تباهى الناس بعد فصارت مباهاة.
وعن أبي قتادة ﵁ أنه كان يضحي عن أهل بيته بشاة. وعن أبي هريرة ﵁ أنه كان يضحي بالشاة فيقول أهله: وعنا، فيقول: وعنكم. وفي لفظ عنه: لا باس بأن يضحي الرجل بالشاة عن أهل بيته. وعن الشعبي قال: كان ابن عمر ﵄ يضحي عن جميع
стр. 809
أهله بالشاة. وعن الشعبي أيضًا عن سريحة أو ابي سريحة وهو حذيفة بن اسيد ﵁ قال: حملني أهلي على الجفاء، بعد ما علمت من السنة، كان أهل البيت يضحون بالشاة أو الشاتين فالآن يبخلنا جيراننا يعني أن اقتصرنا على ذلك.
وفي لفظ: كنا نضحي الأضحية الواحدة فزعموا أن ما يمنعنا إلا الشح فحملونا على ترك السنة بعدأن عرفناها.
وفي لفظ: فحملني أهلي على الجفاء بعد أن علمت من السنة حتى إني لأضحي عن كل وقال ابن المسيب: كان أهل البيت يضحون بالشاة فلما خالطوا أهل العراق ضحوا عن كل واحد شاة. وقد نص الإمام الشافعي ﵀ على ذلك فقال كما نقله الساحي في كتابه اختلاف الفقهاء: عنه، وعن أهل بيته.
стр. 810
وكذا نص في البويطي على الإجزاء فقال: وإن نوى من يذبح أجزاء، ويقول الذابح: اللهم عن فلان وأهله، هذا لفظه. قال صالح بن الإمام أحمد: قلت لأبي نضجي الشاة عن أهل البيت؟ قال: نعم. ونقله ابن المنذر في الأوسط أيضًا عن مالك والليث، والأوزاعي، وإسحاق، وأبيثور، وجنح إليه، وكذا نقله الترمذي في جامعه عن أحمد وإسحاق وأنهما احتجا بحيدث: أنه ضحى بكبش، فقال: "عن من لم يضح من أمتي" بعدأن ترجم: ما جاء أن الشاة الواحدة تجزئ عن أهل البيت.
وقال الحاكم في المستدرك: هذه الأحاديث دليل على الرخصة في الأضحية بالشاة الواحدة عن الجماعة الذين لا يحصى عددهم، خلاف من يتوهم أنها لا تجزئ إلا عن الواحد، وصرح الشيخ إبراهيم المروذي أن المراد بالحديث الاشتراك في الثواب لا في التضحية.
ومن صرح بذلك الغزالي، وكذا قال النووي في الكلام على أول هذه الأحاديث من شرح مسلم: واستدل بهذا الحديث من جوز تضحية الرجل عنه وعن أهل بيته وِإشراكه معهم في الثواب، وهو مذهبنا ومذهب الجمهور، وكرهه الثوري وأبو حنيفة وأصحابه.
قلت: وكذا ابن المبارك وغيره من أهل العلم كما حكاه الترمذي في
следующие страницы →