← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 17878

الأجوبة المرضية فيما سئل السخاوي عنه من الأحاديث النبوية

السخاوي

Полный текст (1 198 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

وأما حي بن يومن، فليست كنيته أبا قبيل إنما هو أبو عشانة ولكن هما من طبقة واحدة، وقد ذكر المزي أبا قبيل في شيوخ العنسي من تهذيبه ولم يذكر ابا عشانة والله الموفق. قال البيهقي: فإن صح ما في آخر الحديث فإنما أراد في تضعيف الله تعالى الأجر. وأما حديث علي، فرواه أبو الشيخ في الأضاحي من حديث عمرو بن قيس عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن علي ﵁ أن النبي ﷺ ضحى بكبشين، أحدهما عن نفسه وأهل بيته، والآخر عن أمته. وأما حديث أبي سعيد، فرواه أحمد والبزار في مسنديهما والطحاوي في معانيه، والحاكم في مستدركه وقال: إنه صحيح من حديث الدراوردي عن ربيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري عن أبيه عن أبي سعيد ﵁ أن رسول الله ﷺ ضحى بكبش أقرن فقال: "هذا عني، وعن من لم يضح من أمتي". ومن طريق أحمد أورده الضياء في المختارة، وأصله في

стр. 807

السنن بدون المقصود منه هنا. وأما حديث أبي طلحة، فرواه أبو بكر بن أبي شيبة وعنه أبو يعلي في مسنديهما عن عبد الله بن بكر السهمي عن حميد عن ثابت عن إسحاق بن عبد اله بن أبي طلحة عن جده أبي طلحة ﵁ قال: ضحى النبي ﷺ بكبشين أملحين فقال عند ذبح الأول: "عن محمد وآل محمد" وقال عند الثاني: "عمن آمن بي وصدق بي من أمتي". وكذا أخرجه الطبراني في الكبير من حديث أبي بكر بن ابي شيبة، وأخرجه أبو يعلي أيضًا عن إبراهيم بن سعيد الجوهري عن السهمي، وهو منقطع، فإسحاق لم يدرك جده. وبهذه الأسانيد تمسك من ذهب إلى أن الأضحية سنة على الكفاية،

стр. 808

كالابتداء بالسلام، فإذا ضحى واحد من أهل البيت بالشاة الواحدة فأدى الشعار في السنة لجميعهم، قال الرافعي: وعلى ذلك حُمل قوله ﷺ : "اللهم تقبل من محمد وآل محمد". قلت: وقد فعله جماعة من الصحابة ﵃، منهم عبد الله بن هشام، ففي آخر حديثه الذي أخرجه البخاري مما زاده الإسماعيلي، والبيهقي والطبراني في الكبير جميعًا: أنه كان يضحي بالشاة الواحدة عن جميع أهله. وهو عند الحاكم في المستدرك لكن بلفظ: كان رسول الله ﷺ يضحي بالشاة الواحدة عن جميع أهله. وكذا جاء عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ أنه قال: كنا نضحي بالشاة الواحدة، فذبحهما الرجل عنه وعن أهل بيته، ثم تباهى الناس بعد فصارت مباهاة. وعن أبي قتادة ﵁ أنه كان يضحي عن أهل بيته بشاة. وعن أبي هريرة ﵁ أنه كان يضحي بالشاة فيقول أهله: وعنا، فيقول: وعنكم. وفي لفظ عنه: لا باس بأن يضحي الرجل بالشاة عن أهل بيته. وعن الشعبي قال: كان ابن عمر ﵄ يضحي عن جميع

стр. 809

أهله بالشاة. وعن الشعبي أيضًا عن سريحة أو ابي سريحة وهو حذيفة بن اسيد ﵁ قال: حملني أهلي على الجفاء، بعد ما علمت من السنة، كان أهل البيت يضحون بالشاة أو الشاتين فالآن يبخلنا جيراننا يعني أن اقتصرنا على ذلك. وفي لفظ: كنا نضحي الأضحية الواحدة فزعموا أن ما يمنعنا إلا الشح فحملونا على ترك السنة بعدأن عرفناها. وفي لفظ: فحملني أهلي على الجفاء بعد أن علمت من السنة حتى إني لأضحي عن كل وقال ابن المسيب: كان أهل البيت يضحون بالشاة فلما خالطوا أهل العراق ضحوا عن كل واحد شاة. وقد نص الإمام الشافعي ﵀ على ذلك فقال كما نقله الساحي في كتابه اختلاف الفقهاء: عنه، وعن أهل بيته.

стр. 810

وكذا نص في البويطي على الإجزاء فقال: وإن نوى من يذبح أجزاء، ويقول الذابح: اللهم عن فلان وأهله، هذا لفظه. قال صالح بن الإمام أحمد: قلت لأبي نضجي الشاة عن أهل البيت؟ قال: نعم. ونقله ابن المنذر في الأوسط أيضًا عن مالك والليث، والأوزاعي، وإسحاق، وأبيثور، وجنح إليه، وكذا نقله الترمذي في جامعه عن أحمد وإسحاق وأنهما احتجا بحيدث: أنه ضحى بكبش، فقال: "عن من لم يضح من أمتي" بعدأن ترجم: ما جاء أن الشاة الواحدة تجزئ عن أهل البيت. وقال الحاكم في المستدرك: هذه الأحاديث دليل على الرخصة في الأضحية بالشاة الواحدة عن الجماعة الذين لا يحصى عددهم، خلاف من يتوهم أنها لا تجزئ إلا عن الواحد، وصرح الشيخ إبراهيم المروذي أن المراد بالحديث الاشتراك في الثواب لا في التضحية. ومن صرح بذلك الغزالي، وكذا قال النووي في الكلام على أول هذه الأحاديث من شرح مسلم: واستدل بهذا الحديث من جوز تضحية الرجل عنه وعن أهل بيته وِإشراكه معهم في الثواب، وهو مذهبنا ومذهب الجمهور، وكرهه الثوري وأبو حنيفة وأصحابه. قلت: وكذا ابن المبارك وغيره من أهل العلم كما حكاه الترمذي في

стр. 811

جامعه. قال النووي: وزعم الطحاوي أن هذا الحديث مخصوص، أو منسوخ، وغلطه العلماء في ذلك، فإن النسخ والتخصيص لا يثبتان بمجرد الدعوى. انتهى. ولم ينفرد الطحاوي بدعوى التخصيص، فقد قال ابن أبي الدم حيث ازع في حمل الغزالي الحديث على الاشتراك في الثواب كما أسلفته، لاقتضائه جواز أن يضحي الرجل عن نفسه، ويشرك غيره في ثوابها مع كونه لم يملكها، ولا باشر ذبحها، والتضحية إنما وقعت عن المضحي فقط، وثوابها يكون لمباشرها ما نصه: وإنما قال النبي ﷺ : "هذا عن محمد وأمه محمد" خصوصية له، لأنه الشارع فيجوز أن يخصه الله تعالى بإشراك أمته في ثواب ما يفعله هو، إذ أشركهم ﷺ فيه قال: وهذا يجري في الصدقة أيضًا، إذا تصدق من مالهوأشرك غيره في ثوابه، لا يشاركه ذلك الغير على قاعدة المذهب كما قال تعالى: (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى) انتهى. ولم يذكر للخصوصية دليلاً، فيأتي ما قاله النووي، وأما ما أشار إليه من الاستدلال بالآية، فذاك هو الأصل أعني أن الإنسان لا ينتفع في آخرته إلا بأفعال الصالحة، دون فعل غيره، لكن استثني من ذلك أشياء وردت بها السنة مبينة في غير هذا المحل، على أن بعض الأئمة تكلم في أول الأحاديث، لما رأى الرافعي احتج به على تأدي الشعار عن أهل المذهب بتضحية أحدهم، وأنه ليس صريحًا في المراد، بل يمكن أن يكون معناه

стр. 812

تقبل السخاء منهم، أو تقبل الطاعات والقربات من هؤلاء، وأشار إلى أن غيره من الأحاديث ـ يعني التي ذكرناها ـ أوضح منه في الدلالة. قلت: وإذا كان الأمر كذلك، ففي الاقتصار على أهل البيت الواحد نظر، ولهذا حكى الطحاوي ﵀ أن فرقة من القائلين أن الشاة تجزيء عن الجماعة وإن كثروا قالت: إنها تجزيء سواء كان المضحي بها عنهم من أهل بيت واحد، أو من أبيات شتى، لأنه ﷺ ضحى بالكبش الذي ضحى به عن جميع أمته وهم أهل أبيا شتى. وكذا تمكس بعضهم بهذه الأحاديث لجواز تضحية المرء عن غيره بغير إذنه، والمعتمد كما جزم به في المحور وتبعه في المنهاج: عدم الجواز، ويمكن أن يقول المستدل به لأهل البيت خاصة أن التضحية إنما هي عننفسه ودخل أهله ومن في معناها بطريق التبعية له، نعم قال الماوردي: يجوز للإمام أن يضحي عن المسلمين ببدنة يذبحها في المصلى بعد فراغه من صلاته، وأقل ما ينحر شاة اقتداء برسول الله ﷺ ، فعلى هذا كما قال السبكي الكبير، فالإمام مستثنى من منع الأضحية عن الغير. وكذا تمسك به الأصحاب في جواز التضحية بالخصي، قال الزركشي: وفيه نظر. فإن أهل اللغة نصوا على أن الوجاء هو رض عروق البيضتين حتى تنفضخ فيكون شبيهًا بالخصاء. وهذه عبارة الجوهري، وذكر نحوه المطرزي في المغرب، ولقد

стр. 813

حقق الإمام الرافعي ﵀ بقوله: ويجزئ الخصي والموجوء، لما روي أنه ﷺ ضحى بكبشين موجوءين. انتهى. وحينئذ فلا يلزم من جواز التضحية بالمرضوض جوازها بالخصي، لأن في الخصي نقصان عضو مستطاب، بخلاف المرضوض، نعم، في رواية شريك الماضية التصريح بالخصي لكن فيها إشكال من جهة أنه وصف الموجوء بالخصي وهما مما لا يجتمعان. انتهى. وممن قال بإجزاء الخصي، الحسن، وعطاء، والشعبي، والنخعي، ومالك، والشافعي، وأبو ثور وأصحاب الرأي قال ابن قدامة: ولا نعلم فيه مخالفًا. والله الموفق. ٢١١ - الحمد لله وسئلت: عن قولهم: تارك الصلاة بغير عذر شرعي لا يقبل الله توحيده، وقولهم: الصلاة على النبي ﷺ لا تقبل من تارك الصلاة، أهما حديثان أم لا ؟ فقلت: أما الأول، فقد ورد في عدة أحاديث إطلاق الكفر على تارك الصلاة بغير عذر كحديث جابر الثابت في صحيح مسلم مرفوعًا: "بين

стр. 814

الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة". وفي لفظ لغيره: "ليس بين العبد وبين الكفر إلا ترك الصلاة" وكحديث بريدة، الذي صححه غير واحد من الأئمة مرفوعًا أيضًا: "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر" وكحديث أنس رفعه: "من ترك الصلاة متعمدًا فقد كفر جهارًا" إلى غيرها من الأحاديث التي أورد الحافظ الزكي المنذري كثيرًا منها في كتابه الترغيب والترهيب

стр. 815

وحكى القول بذلك عن جماعة من الصحابة بل سبقه عبد الله بن شقيق العقيلي أحد التابعين حيث جاء عنه بالسند الصحيح أنه قال: كان أصحاب محمد ﷺ ﵃ لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة. ولكن كل هذا إنما يحمل على ظاهره في حق تاركها جاحدًا لوجوبها، مع كونه ممن نشأ بين المسلمين، لأنه حينئذ يكون كافرًا مرتدًا بإجماع المسلمين، فإن رجع إلى الإسلام قبل منه، وإلا قتل. وأما من تركها بلا عذر بل تكاسلاً مع اعتقاد وجوبها، فإنه لكون الصحيح المنصوص الذي قطع به الجمهور أنه لا يكفر، وأنه على الصحيح أيضًا بعد إخراج الصلاة الواحدة عن وقتها الضروري كأ، هـ يترك الظهر مثلاً حتى تغرب الشمس، أو المغرب حتى يطلع الفجر، يستتاب كما يستتاب المرتد، ثم يقتل إن لم يتب، ويغسل، ويصلي عليه، ويدفن في مقابر المسلمين، مع إجراء سائر أحكاما لمسلمين عليه، يؤول بأن إطلاق الكفر عليه، لكونه شارك الكفار في بعض أحكامه، وهو وجوب القتل جمعًا بين هذه النصوص وبين ما صح أيضًا من أنه ﷺ قال: "خمس صلوات افترضهن الله، من أحسن وضوءهن، وصلاهن لوقتهن، وأتم ركوعهن وخشوعهن، كان له على الله عهد أن يغفر له، ومن لم يفعل فليس له عند الله عهد إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه" وقال أيضًا: "من مات وهو

стр. 816

يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة" إلى غير ذلك ولذلك لم يزل المسلمون يرثون تارك الصلاة، ويورثونه، ولو كان كافرًا لم يغفر له، ولم يرث ولم يورث، وأما الثاني، فليس له أصل أصلاً. والله الموفق.

стр. 817

٢١٢ - وسئلت عن تعيين قبر عمرو بن العاص، وهل لخديجة ابنة اسمها فاطمة قدمت مع زوج لها إلى مصر، ودفنا بمكان واحد خارج القرافة، وهل ثبت أن أحدًا من الصحابة المعينين قتلوا ودفنوا أيضًا خارج القرافة بالوقعة التي وقعت لعمرو ﵁ خارج القرافة . فكتبت: الحمد لله لم يثبت لي تعيين قبر سيدنا عمرو بن العاص ﵁ في خبر يركن إليه مع ثبوت أنه مات بمصر، ولكن قد روينا في فتوح مصر لابن عبد الحكم من حديث ابن لهيعة: أن المقوقس ـ يعن ملك الروم بإسكندرية والقبط بمصر نيابة عن ملك الروم هرقل ـ قال لعمرو بن العاص ﵁: إنا لنجد في كتابنا أن ما بين هذا الجبل ـ يعني المقطم وحيث نزلتم ـ ينبت فيه شجر الجنة، فكتب عمرو بقول المقوقس إلى عمر بن الخطاب ﵁ فقال: صدق فاجعلها مقبرة للمسلمين، فقبر فيها ممن عرف من أصحاب رسول الله سمى ابن لهيعة عمن حدثه منهم خمسة نفر: عمرو بن العاص السهمي، وعدب الله بن حذافة السهمي، وعبد الله بن الحارث بنجزء الزبيدي، وأبا بصرة الغفاري، وعقبة بن عامر الجهني، زاد غيره: ومسلمة بن مخلد الأنصاري. قلت: وممن جزم بأن عمرًا دفن بالمقطم في ناحية الفج، وكان طريق الناس يومئذ إلى الحجاز، محمد بن الربيع الجيزي زاد ابن عبد الحكم: أحب عمرو أن يدعو له كل من مر به كما أخبرنا به ابن

стр. 818

عفير. وفي تاريخ البخاري: عمير بن أبي مدرك الخولاني سمع سفيان بن وهب صحابي مشهور شهد فتح مصر، واختط بها، وسكن الصعيد، وقطن طحا حتى مات، وعائذ بن ثعلبة بن وبرة البلوي، صحابي ممن بايع تحت الشجرة، شهد فتح مصر أيضًا وله بها خطة عند المناخ قتلته الروم بالبرلس، وأبو ذؤيب الهذلي الشاعر المشهور، واسمه خويلد بن خالد قيل: إنه توفي بمصر، وقال بعضهم بإفريقية في طريق مصر، وكان غرًا ورافق ابن الزبير لما توجه مبشرًا بالفتح فدفن ابن الزبير والله المستعان.

стр. 819

٢١٣ - الحمد لله: سأل الشمس ابن القاسم عن حديث أم سلمة ﵂ قالت: قلت: يا رسول الله أخبرني عن قول الله : (حور عين) قال: "حور: بيض عين، ضخام العيون شقر، الحوراء بمنزلة جناح انسر ". فقلت: قد أخرجه الطبراني في معجمه الكبير وكذا في الأوسط من حديث عمرو بن هاشم البيروتي حدثنا سليمان بن أبي كريمة عن هشام بن حسان عن الحسن ـ هو البصري ـ عن أمه ـ هي خيرة مولاة أم سلمة ـ عن مولاتها أم سلمة ﵂ بهذا وعنده فيه بعده قالت: يا رسول الله أخبرني عن قول الله : (كأنهن الياقوت والمرجان) قال: "صفاءهن صفاء الدر الذي في الأصداف الذي لم تمسه الأيدي" قلت: يا رسول الله فأخبرني عن قول الله : (خيرات حسان) قال: "خيرات الأخلاق، حسان الوجوه" قلت: يا رسول الله أخبرني عن قوله: (كأنهن بيض مكنون) قال: "رقتهن كرقة

стр. 820

الجلد الذي رأيت في داخل البيضة، مما يلي القشر وهي الغرقئ" قلت: يا رسول الله: أخبرني عن قوله: (عربًا أترابا) قال: "هن اللواتي قبضن في دار الدنيا عجائز ورمضا شُمطا خلقهن الله بعد الكبر فجعلهن عذارى عربًا متعشقات، محببات، أترابًا على ميلاد واحد" قلت: يا رسول الله: أنساء الدنيا أفضل أم الحور العين؟ قال: "بل نساء الدنيا أفضل من الحور العين، كفضل الظهارة على البطانة"، قلت: يا رسول الله وبما ذاك؟ قال: "بصلاتهن وصيامهن، وعبادتهن ألبس الله وجوههن النور وأجسادهن الحرير، بيض الألوان، خضر الثياب، صفر الحلي، مجامرهن الدر، وأمشاطهن الذهب يقلن: ألا نحن الخالدات فلا نموت أبدًا، ألا ونحن الناعمات فلا نبؤس أبدًا، ألا ونحن المقيمات لا نظعن أبدًا، ألا ونحن اراضيات فلا نسخط أبدًا طوبى لمن كنا له وكان لنا" قلت: يا رسول الله المرأة منا تزوج الزوجين، والثلاثة، والأربعة ثم تموت فتدخل الجنة ويدخلون معها من يكون زوجها؟ قال: "يا أم سلمة إنها تخير فتختار أحسنهم خلقًا فتقول: أي رب إن هذا كان أحسنهم معي خلقًا في دار الدنيا فزوجنيه، يا أم سلمة ذهب حسن الخلق بخير الدنيا والآخرة". وأخرجه أيضًا أبو جعفر العقيلي في الضعفاء وأبو إسحاق الثعلبي في التفسير من هذا الوجه لكن اقتصرا منه على بعض وذلك إلى قوله: ضخام العيون. ومداره على سليمان بن أبي كريمة، فقد قال العقيلي: إنه لا يعرف إلا به ولا يتابع عليه. ونحوه قوله الذهبي: إنه لا يعرف إلا

стр. 821

بهذا السند. انتهى. وهو شامي ضعفه أبو حاتم. وقال ابن عدي: عامة أحاديثه مناكير، ونحوه قول العقيلي إنه يحدث بمناكير. قلت: ولولا وجود أحاديث شاهدة له، يطول الأمر بإيراداها لحكمت بضعفه من أجل تفرده به، على أن عند الثعلبي بعضه من غير جهته، فروي من حديث إسماعيل بن أبي زياد عن يونس بن عبيد عن الحسن عن أم سلمة أنها قالت: سألت النبي ﷺ عن قوله تعالى: (إنا أنشأناهن إنشاء .. الآية) قال: "يا أم سلمة هن اللاتي قبضن في دار الدنيا عجائز شمط، عمش، رمص، جعلهن الله بعد الكبر أترابًا على ميلاد واحد في الاستواء". وقوله فيه: الحور: جمع حوارء وهي الشديدة بيضاض العين الشديد سوادها. وقد فسره ابن عباس ﵄ كما في البخاري بالسود الحدق، وكذا قال عطاء وفسره في هذا الحديث بالبيض، وكذا فسره قتادة. وأما العين، فجمع عيناء وهي الواسعة العين، ولذا فسرت في هذا الحديث بالضخام وكنى به عن الاتساع، ونحوه قول عطاء، هي العظمة العين. وقال أبو عبدية: العين هي الواسعة العين، الشديدة السواد

стр. 822

والبياض، وقد ترجم البخاري في أوائل الجهاد باب الحور العين وصفتهن، يحار فيها الطرف شديد سواد العين شديدة بياض العين. انتهى. وأما الشفر فهو كما قال في الصحاح وبالضم واحد أشفار العين وهي حروف الأجفان التي تبنت عليها الشعر وهو الهدب. وكأن المعنى: أن في أشفارهن طولاً فهو من جملة الضخامة، وقد وصف ﷺ بأنه كان عظيم العينين، أهدب الأشفار، مشرب العين بحمرة، فيحتمل أنيكون شقر بالقاف ليخرج عن الوصف بالأبيض الشديد البياض، فذاك مذموم ولكن الأول أظهر، وما قوله: الحوراء بمنزلة جناح النسر، فكأنه كناية عن رشاقة القد وسرعة الحركة حيث شبهها مع كثرة ما عليها من الحلي، والآليء، وضخامتها الزائدة فوق الوصف بجناح الطائر خصوصًا النسر في قوته وشدته. وأما قوله: الأصداف، فهو بالمهملتين، وأخره فاء، جمع الصدف، وهو غلاف اللؤلؤ، واحدته صدفة وكنى به عن شدة صفاء اللون، فقد صح في وصفهن أنه يرى مخ سوقهن من وراء اللحم، وفي رواية من وراء الحلل، وفي رواية من وراء سبعين حلة، وورد في وصف الواحدة منهن أنها التي يحار فيها الطر بادٍ مخ ساقها من وراء كبدها ينظر الناظر وجهه في كبد إحداهن، كالمرأة من رقة الجلد، وصفاء اللون. وفي رواية:

стр. 823

ينظر إلى وجهها في خدرها أصفى من المرأة. والغرقئ بكسر الغين المعجمة، وسكون الراء بعدها قاف مكسورة، ثم همزة: قشر البيض الذي تحت القيض وهو كناية عن شدة الرقة والصفاء أيضًا، ولم تقع هذه اللفظة فيما وقفت عليه من نسخ الترغيب للمنذري مع كونها في الأوسط الذي صرح بأنلفظ الحديث به. والله الموفق. ٢١٤ - الحمد لله سأل السيد علاء الدين ابن السيد عفيف الدين نفع الله بهما عن "نصيبين" وضبطها وقال: إنه لم يذكرها صاحب النهاية . فقلت: هو كذلك، وقد ذكرها غيره وهي لدة مشهورة بالجزيرة تنسب إليها جماعة من العلماء، منهم ميمون بن الأصبغ بن الفرات، ووقع ذكرها في حديث أبي هريرة في المبعث من صحيح البخاري في أمر النبي ﷺ له أن يجيئه بأحجار يستفض فيها ولا يجيئه فيها بعظم ولا روثة ثم قال: "هما من طعام الجن، وإنه أتاني وفد جن نصيبين ـ ونعم الجن ـ فسألوني الزاد، فدعوت الله لهم أن لا يمروا بعظم ولا بروثة إلا وجدوا عليها طعامًا".

стр. 824

قال شيخنا ﵀: ووقع في كلام ابن التين أنها بالشام، ويه تجوز، فإن الجزيرة بين الشام والعراق انتهى كلام شيخنا. ووقع للسهيلي أنه قال: يقال: هم من جن نصيبين، ويروى: جن الجزيرة، فكأنه ما استحضر أن نصيبين من الجزيرة، وقد روى ابن أبي الدنيا أنه ﵊ قال: "رفعت لي نصيبين حتى رأيتها فدعوت الله أن يكثر مطرها، وينضر شجرها ويعذب نهرها" وروى ابن عدي في كامله. والديلمي في مسنده من حديث عبد السلام بن محمد الحضرمي عن الأعرج عن أبي هريرة رفعه: "رفعت لي الأرض، فرأيت مدينة أعجبتني فقلت: "أي مدينة هذه؟ "قالوا: نصيبين، قلت: "اللهم عجل فتحها، واجعل فيها للمسلمين بركة" وقال ابن عدي: إنه حديث منكر، وتبعه ابن الجوزي فذكره في موضوعاته، ويجوز صرف نصيبين وتركه. والله أعلم.

стр. 825

٢١٥ - الحمد لله وسأل السيد أيضًا: هل ورد في لبس النبي ﷺ السراويل شيء ؟ فقلت: قد ورد في حديث عند أبي يعلي الموصلي في مسنده بسند ضعيف جدًا عن أبي هريرة ﵁ قال: دخلت يومًا السوق مع رسول الله ﷺ فجلس إلى البزازين فاشترى سراويل بأربعة دراهم، وكان لأهل السوق وزان يزين، فقال رسول الله ﷺ : "اتزن وأرجح" فقال الوزان: إن هذه لكلمة ما سمعتها من أحد، فقال أبو هريرة: فقلت له: كفى بك من الرهق والجفاء، في دينك أن لا تعرف نبيك، فطرح الميزان ووثب إلى يد رسول الله يريد أن يقبلها، فجذب رسول الله ﷺ يده منه، فقال: "يا هذا! إنما يفعل هذا الأعاجم بملوكها ولست بملك، إنما أنا رجل منكم فوزن أرجح" وأخذ رسول الله السراويل، قال أبو هريرة: فذهبت لأحمله عنه، فقال: "صاحب الشيء أحق بشيئه أن يحمله إلا أن يكون ضعيفًا يعجز عنه فيعينه أخوه المسلم" قال: قلت يا رسول الله: إنك لتلبس السراويل؟ قال: "اجل، في السفر والحضر، وبالليل، والنهار، فإني أمرت بالستر فلم أجد شيئاً أستر منه".

стр. 826

وكذا أخرجه ابن حبان في الضعفاء عن أبي يعلي، ورواه الطبراني في الأوسط والدارقطني في الأفراد والعقيلي في الضعفاء ومداره على يوسف بن زياد الواسطي، ولذا قال الدارقطني: الحمل فيه عليه، ولم يروه عن الأفريقي غيره، وأعله ابن حبان بالأفريقي وأورده القاضي عياض في الشفا من غير عزو باختصار، وذكره ابن الجوزي في الموضوعات، واقتصر شيخنا في فتح الباري على ضعف راويه، ولشدة وهائه جزم بعض العلماء بأنه ﷺ لم يلبس السراويل. ويستأنس له بما جزم به النووي في ترجمة عثمان بن عفان ﵁ من تهذيبه أنه لم يلبس السراويل في جاهلية ولا إسلام إلا يوم قتله. قلت: وهذا في أواخر مسند عثمان من مسند أحمد: أنه أعتق

стр. 827

عشرين مملوكًا، ودعا بسراويل فشدها عليه، ولم يلبسها في جاهلية ولا إسلام، وقال: إني رأيت رسول الله ﷺ البارحة في المنام، وأبا بكر، وعمر، وذكر الحديث. انتهى. فإنهم ﵃ كانوا أحرص شيء على اتباعه ﷺ ، وأيضًا فأكثر لباس أهل مكة الأزر. ولهذا الحديث شاهد من حديث سويد بن غفلة ﵁ قال: جلبت أنا ومخرفة العبدي بزا من هجر فجاءنا النبي ﷺ فساومنا سراويل فبعناه، وعنده وزان يزن بالوزن فقال النبي ﷺ للوزان: "زن وأرجح". أخرجه أحمد وأصحاب السنن الأربعة وقال الترمذي: إنه حسن صحيح، وصححه ابن حبان من حديث. انتهى.

стр. 828

وقد اختلف فيه على راويه سماك بن حرب فقيل عنه عن سويد هكذا وقيل عنه عن أبي صفوان بن عميرة وقيل: عنه عن مالك بن عميرة الأسدي وقيل عنه، عن مخرمة العبدي وقيل غير ذلك مما لا

стр. 829

نطيل بإيراده، وعزوه، والأول أرجح، ولأجل هذا الاختلاف يتوهم ورود الحديث عن جماعة من الصحابة. وبالجملة، فقد صح شراء النبي ﷺ له. وقال ابن القيم ي الهدي: والظاهر أ، هـ ﷺ إنما اشتراه ليلبسه ثم قال: وروي في حديث أنه لبس السراويل وكانوا يلبسونه في زمانه وبإذنه، وقال شيخنا: قال بعض أهل العلم: الظاهر من هذا الحديث أنه لبسه قال: ويحتمل أنه اشتراه لغيره، وفيه بعد. انتهى. وما قاله ابن القيم ثم شيخنا، هو الظاهر، خصوصًا وقد أورده البيهقي في باب ما كان يلبسه النبي ﷺ من الثياب وما كان يختار لبسه، ويرغب فيه من شعب الإيمان له: فهو ظاهر في أنه كان يلبسه، وإن كان أبو سعد النيسابوري ذكر الحديث في تجارته ﷺ من كتاب "شرف المصطفى" فالله أعلم. وقد ترجم البخاري في اللباس ي صحيحه: باب السراويل، وأورد فيه حديث المحرم لكونه لم يرد فيه حديث على شرطه. واختلف في ثمنه فقيل كما تقدم، أربعة دراهم، وقيل كما في الإحياء: ثلاثة، قال شيخنا في فتح الباري: وما تقدم أنه أربعة أولى، وكذا اختلف في لفظه، فقيل: سراويل، وفي بعضها رجل سراويل، وهما

стр. 830

بمعنى. فقوله: رجل سراويل كما يقال: اشترى زوج خف وزوج نعل وإنما هو زوجان، يريد سراويل، لأن السراويل من لباس الرجلين، وبعضهم يسمى السراويل رجلاً. إذا عُلم هذا فيروى أن أول من لبس السراويل إبراهيم ﵇. أخرجه أبو نعيم من حديث محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة، به مرفوعًا. ومن أجل هذا فيما قيل: كانت الحكمة في أنه أول من يكسى يوم القيامة كما ثبت في الصحيحين من حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ وقيل: غير ذلك. وورد من حديث أبي هريرة وعلي ﵄ مرفوعًا:

стр. 831

"رحم الله المتسرولات من أمتي". وفي أول ثانيهما قصة، وهو أن امرأة سقطت عن حمارها في يوم مطير فأعرض النبي ﷺ عنها بوجهه فقيل: يا رسول الله إنها متسرولة، بل ورد كما عند الديلمي في مسنده من حديث الأصبغ بن نباتة عن علي قال: كنت قاعدًا عند رسول الله ﷺ في يوم مطير، فمرت امرأة على حمار ومعها مكاري فهوت يد الحمار في هوة من الأرض فسقطت المرأة فأعرض النبي ﷺ بوجهه فقيل: إنها متسرولة فقال: "يا أيها الناس اتخذوا السراويلات فإنها من أستر ثيابكم، وحصنوا بها نساءكم إذا خرجن". وجاء ذكر السراويل في حديث: "من لم يجد إزازًا فليلبس السراويل" وبه تمسك الشافعية ﵏، والجمهور في لبسه

стр. 832

للمحرم، بدون فتق. وكذا جاء ذكره في قول عمر في ستر العورة من البخاري: إذا وسع الله فأوسعوا، جمع رجل عليه ثيابه، صلى رجل في إزار ورداء، في إزار وقميص، في إزار وقباء، في سراويل ورداء، في سراويل وقميص، في سراويل وقباء، في تبان وقباء، في تبان وقميص، قال الراوي:

стр. 833

وأحسبه قال: في تبان ورداء. وهو فارسي معرب، يذكر ويؤنث، ولم يعرف أبو حاتم السجستاني التذكير، والأشهر عدم صرفه. والله الموفق. ٢١٦ - سئلت: عن حديث: "اجعلها عليهم سنين كسني يوسف ". فقلت: وقع في أماكن من البخاري الاستسقاء والجهاد ومناقب يوس وتفسير آل عمران عند قوله: "ليس لك من الأمر شيء" وأواخر تفسير النساء وتفسير الدخان والأدب والدعوات رواه إبراهيم بن سعد، وإسماعيل بن إبراهيم بن علية، وسفيان بن

стр. 834

عيينة ويونس بن يزيد أربعتهم، عن الزهري عن سعيد بن المسيب، وابي سلمة بن عبد الرحمن، لكن اقتصر ابن علية، وابن عيينة على أولهما. ورواه شيبان والأوزاعي وهشام ثلاثتهم عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة وحده. ورواه سفيان الثوري، وشعيب بن أبي حمزة، ومغيرة بن عبد الرحمن، ثلاثتهم عن عبد الله بن ذكوان أبي الزناد عن الأعرج ثلاثتهم عن أبي هريرة، ورواه الأعمش عن مسلم عن مسروق عن ابن مسعود، كلهم بهذا اللفظ، ولم أر شيخنا تعرض لضبط "سني يوسف" في هذه الأماكن من شرحه. وقد قال النووي في شرح

стр. 835

مسلم: هو بكسر السين وتخفيف، قال الزركشي: بالتشديد، وجاء على اللغة الغالبة فيمن أجرى سنين مجرى الجمع السالم في الإعراب، فيما قبل النون وسقوطها عند الإضافة وبتخفيف الياء، قيده النووي وغيره. وقال الولي العراقي: وجاء قوله كسني يوسف، على إحدى اللغتين في أن سنين جمع سنة يعامل معاملة الجمع السالم، فحذف منه النون للإضافة، وهي لغة شاذة، واللغة الفصيحة بإثبات النون دائمًا، وبالياء فقط. ٢١٧ - سئلت: عن امرأة قادرة على الحج ولها زوج قادر أيضًا فطلبت الحج فمنعها، فهل له ذلك . فكتبت: لا يلزم الزوج بالسفر معها، لكن يستحب له هو الحج بها، فإن لم يفعل ومنعها منه فله ذلك على الأظهر، لأن حقه على الفور والحج على التراخي، ومتى سافرت والحالة هذه كانت ناشزة آثمة فلتجتهد في إرضائه رجاء أن يرضى الله عنها. والله الموفق.

стр. 836

٢١٨ - سأل الفاضل علم الدين سليمان الزواوي عن قول بعض المستجيزين بعد ذكره المستجاز لهم إجازة خاصة لكل أحد ممن ذكر، وعامة شاملة لكلمن وقف عليه، هل لكل واقف على الاستجازة الرواية عن المجيزين ولو تأخر مولده عن وفاتهم أم لا ؟ فقلت: قوله: عامة شاملة لكل من وقف عليه يشمل الموقوف عليه ممن كان موجودًا وقت الإجازة، وكذا من حدث بعدها، لكن قبل وفاة المجيز، وذلك صحيح عند القائلين بصحة الرواية بالإجازة العامة والعمل بمضمونها، وهم جماعة من المحدثين، والفقهاء، يطول ذكرهم، منهم: القاضي أبو الطيب طاهر الطبري غير أنه قصرها على الموجودين حين الإجازة فقط. ولكن قد مالالحافظ الفقيه الحجة أبو عمرو بن الصلاح إلى إبطالها مطلقًا وكذا قال حافظ وقته الزين العراقي مع كونه ممن روى بها في عشارياته: إن في النفس منها شيئًا قال: وأنا أتوقف عن الرواية بها، وقال أيضًا: إن الاحتياط ترك الرواية بها.

стр. 837

بل نقل شيخنا خاتمة علماء المشرق والمغرب في هذا الشأن، عدم الاعتداد بها عن متقني شيوخه ولم يكن هو أيضًا يعتد بها، وصرح بأن القول بها توسع غير مرضي، لأن الإجازة الخاصة المعينة مختلف في صحتها اختلافًا قويًا عند القدماء، وإن كان العمل استقر على اعتبارها عند المتأخرين فهي دون السماع بالاتفاق، فكيف إذا حصل الاسترسال المذكور، فإنها تزداد ضعفًا، لكنها في الجملة خير من إيراد الحديث معضلاً. انتهى. وقال الحافظ أبو بكر الحازمي: إن ألجأت ضرورة من يريد تخريج حديث في باب، ولم يجد مسلكًا سوى الرواية بالإجازة العامة استخار الله تعالى، حرر ألفاظه نحو أن يقول: أخبرني فلان إجازة عامة، أو فيما أجاز لمن أدرك حياته، أو يحكي لفظ المجيز في الرواية فيتخلص من غوائل التدليس والتشبع بما لم يعد، ويكون حينئذ مقتديًا ولا يكون مفتريًا. وما فهمه السائل نفع الله به من شمول ذلك من وقف عليه ممن ولد بعد وفاة المجيز، فهو وإن كان اللفظ يفهمه غير مراد، إذ لا يقول أحد باتصال الرواية بين شخصين في السند من غير لقاء، ولا إدراك عصر، إلا ما تضمنه المحكي عن ابن أبي داود، وابن منده، ثم الخطيب، وغيرهم في صحة الإجازة للمعدوم المنعطف على الموجود، كأجزت لفلان وأولاده ونسلهو عقبه حيث أتوا في حياة المجيز وبعده، قياسًا على الوقف والوصة، بل وللمعدوم ابتداء عن جماعة من أئمة المذاهب الأربعة، منهم الخطيب وصنف فيه، ولكن المعتمد كما قال ابن الصلاح البطلان، لأن الإجازة في حكم الإخبار جملة بالمجاز، فكما لا يصح الإخبار للمعدوم

стр. 838

لا تصح الإجازة له، بل ولو قدرنا أن الإجازة إذن، لا يصح ذلك أيضًا، كالوكالة للمعدوم. وجزم شيخنا بعدم الصحة في المعدوم ابتداء، وبأنه الأقرب في المنعطف أيضًا، وقال بعض المتأخرين: إن الاتصال كذلك ـ أعني بدون لقاء ولا إدراك ـ غير معقول، وساقط عن درجة الاعتبار. وبالله التوفيق. ٢١٩ - وسأل القاضي تقي الدين ابن الزيتوني عن ما اشتهر على الأسلنة بل وفي كتب الفقهاء، والأصوليين من قوله ﷺ : "إنا نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر ". فقلت: هذا الحديث قد اشتهر على الألسنة كثيرًا، وجزم شيخ شيوخنا حافظ الوقت الزين العراقي ﵀ أنه لا أصل له، وكذا سئل عنه الحافظ أبو الحجاج المزي من قبل فأنكره أيضًا. نعم في صحيح البخاري عن عمر ﵁ قال: "إنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا في أعمالكم". بل وقد ترجم له النسائي في سننه باب الحكم للظاهر، وفي الصحيح من حديث أبي سعيد رفعه: "إني لم أؤمر أن أنقب عن قلوب

стр. 839

الناس". وفي الصحيحين من حديث أم سلمة ﵂: "فأقضي له على نحو ما أسمع". وقال إمامنا ناصر السنة أبو عبد الله الشافعي ﵁ عقب إيراده في كتاب الأم: فأخبرهم أنه ﷺ يقضي بالظاهر، وأن الحلال والحرام عند الله على الباطن. والظاهر كما قال شيخنا خاتمة علماء المشرق والمغرب أن بعض من لا يميز، ظن أن هذا حديث آخر منفصل عن الأول ـ أعني حدث أم سلمة ـ مستقل، فنقله كذلك ثم قلده من بعده. ولأجل هذا يوجد في كتب كثير من أصحاب الشافعي دون غيرهم، حتى أورده الرافعي في "القضاء" ثم رأيت في "الأم" بعد ذلك قال الشافعي: وروي أنه صلى الله عليه وسلم

стр. 840

قال: "تولى الله منكم السرائر ودرأ عنكم بالبينات". وكذا قال ابن عبد البر في "التمهيد": أجمعوا أن أحكام الدنيا على الظاهر وأن أمر السرائر إلى الله. وأغرب إسماعيل بن علي بن إبراهيم بن أبي القاسم الجنزوي في كتابه "إدارة الأحكام" فقال: إن هذا الحديث ورد في قصة الكندي، والحضرمي اللذين اختصما في الأرض فقال المقضي عليه: قضيت علي والحق لي، فقال ﷺ : "إنما أقضي بالظاهر، والله يتولى السرائل". والله الموفق. ٢٢٠ - الحمد لله حضر إليَّ الكمال ابن القاضي معين الدين ابن شرف الدين بن الأشقر، فذكر لي: إن المحب ابن الشحنة ذكر، بل كتب بخطه: إن جد والده كان يهوديًا، ثم عمل مكاسًا ونسب للبرهان الحلبي في ذلك كلامًا يتأيد به، وكذا لشيخنا رحمه ال له. فكتبت له بما نصه: الحمد لله ناصر الحق، يقول كاتبه محمد بن السخاوي غفر الله ذنوبه ويستر عيوبه: قد رأيت صاحبنا الشيخ الإمام الحافظ العمدة الثقة، شيخ المحدثين، والمرجوع إليه بحيث نقل عنه شيخنا في تصانيفه السراج عمر بن فهد الهاشمي المكي نفع اله به، وجمع الشمل برؤيته بذاك الحرم الشريف، ترجم القاضي الأوحد الرئيس عين الأعيان، وبهجة الزمان، شرف الدين أبا بكر ابن الأشقر تغمده الله تعالى برحمته، وأسكنه فسيح جنته فيما قرأته بخطه، فأثبت نسبه الكريم بما صورته: أبو بكر بن

стр. 841

إسماعيل بن سليمان الحلبي الأصل، سبط بن العجمي، وساق ترجمته إلى آخرها، كذا رأيت إسماعيل مثبتًا بخط إبراهيم البقاعي، وذلك صحيح ويتأيد بأن شيخنا، وأستاذنا، وعمدتنا شيخ مشايخ الإسلام، إمام الأئمة الأعلام، الشهاب ابن حجر رحمه الله تعالى، ونفعنا ببركاته، وبركات علومه، نترجم في سنة أربع عشرة وثمانمائة من تاريخه "إنباء الغمر" الذي لم ينتشر نسخه إلا من أصلي الذي نقلته من خطه، أو فروعه، الشيخ شمس الدين محمد بن إسماعيل بن يوسف بن عثمان الحلبي المقرئ، والد القاضي شمس الدين محد الحلبي المعروف بابن أخت السخاوي، الذي لقيته وأخذت عنه بعض العلماء، وقال شيخنا في آخر ترجمته ما نصه حسبما قرأته بخطه: وهو عم شرف الدين أبي بكر الموقع المعروف بابن العجمي. قلت: ورأيت ذلك بخط الشيخ شمس الدين الحلبي نفسه، وقد كتب بردة وقال: إنها باسم سيدنا ومولانا القاضي الأجل المحترم شرف الدنيا والدين ولد أخي كاتبه المرحوم علم الدين أسكنه الله الفردوس الأعلى بمنه وكرمه. بل مما يشهد لكون سليمان لم يباشر شيئًا من ذلك، وصف الحافظ العمدة الزاهد الورع البرهان الحلبي سبط بن العجمي ﵀ له

стр. 842

بعلم الدين أبي الربيع، فقد قرأت بخطه في أواخر ثبته الذي هو الآن في حوزة ولده العلامة شيخ المحدثين بالبلاد الحلبية، والمرجوع إليه في كثير من متعلقاته هناك، موفق الدين أبي ذر أحمد نفع الله به ما نصه: قدم حلب الشيخ الإمام الفاضل شمس الدين أبو البركات محمد بن محمد بن محمد بن علي بن يوسف الفقيه الشافعي الغراقي ـ بالغين المعجمة المتفوحة ثم راء مشددة، وبعد الألف قاف، ثم ياء النسبة، من الغراقة بلد بقرب الحوف من الشرقية من القاهرة، صحبه القاضي الفاضل النبيل معين الدين ابن القاضي الفاضل شرف الدين أبي بكر بن علم الدين أبي الربيع سليمان الحلبي، والدة أبيه من بيتي العجميين الحلبييين إلى آخر كلامه الذي حصل الغرض بدونه. وحينئذ فمن نسب لشيخنا خلاف ما تقدم فقط تقول، وكذا من نسب للبرهان يظهر افتراءة بل ويقال أيضًا: لو كان سليمان نبز بشيء ماارتضاه بيت ابن العجمي لمصاهرتهم، هذا مع ائتمان الناس على أنسابهم كما

стр. 843

صرح به غير واحد من الأئمة. والله المستعان. قلت: ومعين الدين المذكور باطنه، اسمه: عبد اللطيف، ويكني أبا اللطائف، ومولده سنة اثنتى عشرة وثمانمائة بالقاهرة، ونشأ بها فحفظ .. وسمع الكثير على ابن الجزري، واشتغل عنده، وبرع في صناعة الإنشاء، وناشر التوقيع السلطاني، وخدم عند تمراز القرمشي وقتًا: ثم ولي كتابة سر حلب مدة، وقدم القاهرة فباشر التوقيع على عادته، لما مات والده وكان له أخ اسمه محمد أخذ عن ابن الجزري أيضًا. ٢٢١ - الحمد لله سئلت عن حديث: "إنه لم يكن نبي إلا عاش نصف عمر الذي قبله ". فقلت: هذا الحديث اختلف فيه على روايه سعيد بن أبي مريم، أحد الأثبات، فأخرجه البزار في مسنده عن عمر بن الخطاب السجستاني عنه فقال عن ابن لهيعة، عن جعفر بن ربيعة عن عبد الله بن عبد الله بن الأسود، عن عروة، عن عائشة ﵂ قالت: دخل علي رسول الله ﷺ أنا وفاطمة، فناجى فاطمة بشيء، فلما فرغ بكت، ثم ناجاها الثانية فضحكت، فقلت: ما رأيت ضحكًا أقرب من بكاء من هذا وسالتها، فقالت: ما كنت لأطلعك على سر رسول الله ﷺ ، فلما توفي رسول الله سألتها، فقالت: قال لي: "ما بعث نبي إلا كان من العمر نصف عمر

стр. 844

الذي قبله، وقد بلغت نصف عمر الذي قبلي" فبكيت، ثم قال لي: "أنت سيدة نساء أهل الجنة إلا مريم ابنة عمران" فضحكت. وأخرجه الطبراني في معجمه الكبير عن يحيى بن أيوب العلاف المصري عنه، فقال عن نافع بن يزيد، عن عمارة بن غزية عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان، أن أمه فاطمة ابنة حسين حدثته أن عائشة ﵂ كانت تقول: إن رسول الله ﷺ في مرضه الذي قبض فيه قال لفاظمة: "يا بنية أحني علي" فأحنت عليه فناجاها ساعة، ثم انكشفت وهي تبكي وعائشة حاضرة ثم قال رسول الله ﷺ بعد ذلك بساعة: "أحني علي يا بنية" فأحنت عليه فناجاها ساعة ثم انكشفت عنه فضحكت، قالت عائشة: فقلت: أي بنية أخبريني ماذا ناجاك به أبوك؟ فقالت فاطمة: ناجاني على حال سر، ظننت أني أخبر بسره وهي حي، فشق ذلك على عائشة أن يكون سرًا دونها، فلما قبضه الله قالت عائشة لفاطمة: يا بنية ألا تخبريني بذلك الخبر؟ قالت: أما الآن، فنعم، ناجاني في المرة الأولى فأخبرني أن جبريل ﵇ كان يعارضه بالقرآن في كل عام مرة وأنه عارضه بالقرآن العام مرتين، وأخبرني أنه أخبره أنه لم يكن نبي كان بعده نبي إلا عاش نصف عمر الذي كان قبله، وأنه أخبرني أن عيسى بن مريم عاش عشرين ومائة سنة، ولا أراني إلا ذاهبًا على رأس الستين فأبكاني ذلك، وقال: "يا بنية إنه ليس من نساء المسلمين امرأة أعظم رزية منك فلا تكوني أدنى من امرأة صبرًا" وناجاني في المرة الأخيرة فأخبرني أنني أول أهله لحوقًا به، وقال: "إنك سيدة نساء أهل الجنة إلا ما كان من البتول مريم ابنة عمران" فضحكت بذلك.

стр. 845

وهكذا رواه يعقوب بن سفيان الفسوي في تاريخه وابن وارة وغيرهما عن ابن أبي مريم، ومن هذا الوجه أخرجه الحاكم في الإكليل، ورواية الجماعة أرجح مع جواز أن يكون عند سعيد بكل من الوجهين، ولكن في الوجه الأول ابن لهيعة، وليس هو بانفراد بحجة، وفي الثاني محمد بن عبدالله وهو الملقب بالديباج وفيه مقال، قال فيه البخاري: عنده عجائب، وقال ابن الجارود: لا يكاد يتابع على حديثه، وقال النسائي: إنه ليس بالقوي، وروي عن النسائي أيضًا أنه وثقه، وكذا وثقه ابن حبان والعجلي، وروايته مع ذلك معلولة بأن الصحيح كما قال الحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق أن عيسى ﵇ لم يبلغ هذا العمر، قال: وإنما أراد مقامه في أمته، ويؤيده أن سيان بن عيينة روى عن عمرو بن دينار عن يحيى بن جعدة، قال: دعا النبي ﷺ فاطمة ﵂ في مرضه فسارها فقال: "إن الله لم يبعث نبيًا إلا وقد عمر نصف عمر الذي قبله، وإن عيسى لبث في بني إسرائيل أربعين سنة وهذه توفي لي عشرين". وهي مع إرسالها مقوية لرواية ابن لهيعة، لا سيما وقد روى الأعمش
следующие страницы →