Полный текст (1 198 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
إسماعيل بن سليمان الحلبي الأصل، سبط بن العجمي، وساق ترجمته إلى آخرها، كذا رأيت إسماعيل مثبتًا بخط إبراهيم البقاعي، وذلك صحيح ويتأيد بأن شيخنا، وأستاذنا، وعمدتنا شيخ مشايخ الإسلام، إمام الأئمة الأعلام، الشهاب ابن حجر رحمه الله تعالى، ونفعنا ببركاته، وبركات علومه، نترجم في سنة أربع عشرة وثمانمائة من تاريخه "إنباء الغمر" الذي لم ينتشر نسخه إلا من أصلي الذي نقلته من خطه، أو فروعه، الشيخ شمس الدين محمد بن إسماعيل بن يوسف بن عثمان الحلبي المقرئ، والد القاضي شمس الدين محد الحلبي المعروف بابن أخت السخاوي، الذي لقيته وأخذت عنه بعض العلماء، وقال شيخنا في آخر ترجمته ما نصه حسبما قرأته بخطه: وهو عم شرف الدين أبي بكر الموقع المعروف بابن العجمي.
قلت: ورأيت ذلك بخط الشيخ شمس الدين الحلبي نفسه، وقد كتب بردة وقال: إنها باسم سيدنا ومولانا القاضي الأجل المحترم شرف الدنيا والدين ولد أخي كاتبه المرحوم علم الدين أسكنه الله الفردوس الأعلى بمنه وكرمه.
بل مما يشهد لكون سليمان لم يباشر شيئًا من ذلك، وصف الحافظ العمدة الزاهد الورع البرهان الحلبي سبط بن العجمي ﵀ له
стр. 842
بعلم الدين أبي الربيع، فقد قرأت بخطه في أواخر ثبته الذي هو الآن في حوزة ولده العلامة شيخ المحدثين بالبلاد الحلبية، والمرجوع إليه في كثير من متعلقاته هناك، موفق الدين أبي ذر أحمد نفع الله به ما نصه: قدم حلب الشيخ الإمام الفاضل شمس الدين أبو البركات محمد بن محمد بن محمد بن علي بن يوسف الفقيه الشافعي الغراقي ـ بالغين المعجمة المتفوحة ثم راء مشددة، وبعد الألف قاف، ثم ياء النسبة، من الغراقة بلد بقرب الحوف من الشرقية من القاهرة، صحبه القاضي الفاضل النبيل معين الدين ابن القاضي الفاضل شرف الدين أبي بكر بن علم الدين أبي الربيع سليمان الحلبي، والدة أبيه من بيتي العجميين الحلبييين إلى آخر كلامه الذي حصل الغرض بدونه.
وحينئذ فمن نسب لشيخنا خلاف ما تقدم فقط تقول، وكذا من نسب للبرهان يظهر افتراءة بل ويقال أيضًا: لو كان سليمان نبز بشيء ماارتضاه بيت ابن العجمي لمصاهرتهم، هذا مع ائتمان الناس على أنسابهم كما
стр. 843
صرح به غير واحد من الأئمة. والله المستعان.
قلت: ومعين الدين المذكور باطنه، اسمه: عبد اللطيف، ويكني أبا اللطائف، ومولده سنة اثنتى عشرة وثمانمائة بالقاهرة، ونشأ بها فحفظ .. وسمع الكثير على ابن الجزري، واشتغل عنده، وبرع في صناعة الإنشاء، وناشر التوقيع السلطاني، وخدم عند تمراز القرمشي وقتًا: ثم ولي كتابة سر حلب مدة، وقدم القاهرة فباشر التوقيع على عادته، لما مات والده وكان له أخ اسمه محمد أخذ عن ابن الجزري أيضًا.
٢٢١ - الحمد لله سئلت عن حديث: "إنه لم يكن نبي إلا عاش نصف عمر الذي قبله ".
فقلت: هذا الحديث اختلف فيه على روايه سعيد بن أبي مريم، أحد الأثبات، فأخرجه البزار في مسنده عن عمر بن الخطاب السجستاني عنه فقال عن ابن لهيعة، عن جعفر بن ربيعة عن عبد الله بن عبد الله بن الأسود، عن عروة، عن عائشة ﵂ قالت: دخل علي رسول الله ﷺ أنا وفاطمة، فناجى فاطمة بشيء، فلما فرغ بكت، ثم ناجاها الثانية فضحكت، فقلت: ما رأيت ضحكًا أقرب من بكاء من هذا وسالتها، فقالت: ما كنت لأطلعك على سر رسول الله ﷺ ، فلما توفي رسول الله سألتها، فقالت: قال لي: "ما بعث نبي إلا كان من العمر نصف عمر
стр. 844
الذي قبله، وقد بلغت نصف عمر الذي قبلي" فبكيت، ثم قال لي: "أنت سيدة نساء أهل الجنة إلا مريم ابنة عمران" فضحكت. وأخرجه الطبراني في معجمه الكبير عن يحيى بن أيوب العلاف المصري عنه، فقال عن نافع بن يزيد، عن عمارة بن غزية عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان، أن أمه فاطمة ابنة حسين حدثته أن عائشة ﵂ كانت تقول: إن رسول الله ﷺ في مرضه الذي قبض فيه قال لفاظمة: "يا بنية أحني علي" فأحنت عليه فناجاها ساعة، ثم انكشفت وهي تبكي وعائشة حاضرة ثم قال رسول الله ﷺ بعد ذلك بساعة: "أحني علي يا بنية" فأحنت عليه فناجاها ساعة ثم انكشفت عنه فضحكت، قالت عائشة: فقلت: أي بنية أخبريني ماذا ناجاك به أبوك؟ فقالت فاطمة: ناجاني على حال سر، ظننت أني أخبر بسره وهي حي، فشق ذلك على عائشة أن يكون سرًا دونها، فلما قبضه الله قالت عائشة لفاطمة: يا بنية ألا تخبريني بذلك الخبر؟ قالت: أما الآن، فنعم، ناجاني في المرة الأولى فأخبرني أن جبريل ﵇ كان يعارضه بالقرآن في كل عام مرة وأنه عارضه بالقرآن العام مرتين، وأخبرني أنه أخبره أنه لم يكن نبي كان بعده نبي إلا عاش نصف عمر الذي كان قبله، وأنه أخبرني أن عيسى بن مريم عاش عشرين ومائة سنة، ولا أراني إلا ذاهبًا على رأس الستين فأبكاني ذلك، وقال: "يا بنية إنه ليس من نساء المسلمين امرأة أعظم رزية منك فلا تكوني أدنى من امرأة صبرًا" وناجاني في المرة الأخيرة فأخبرني أنني أول أهله لحوقًا به، وقال: "إنك سيدة نساء أهل الجنة إلا ما كان من البتول مريم ابنة عمران" فضحكت بذلك.
стр. 845
وهكذا رواه يعقوب بن سفيان الفسوي في تاريخه وابن وارة وغيرهما عن ابن أبي مريم، ومن هذا الوجه أخرجه الحاكم في الإكليل، ورواية الجماعة أرجح مع جواز أن يكون عند سعيد بكل من الوجهين، ولكن في الوجه الأول ابن لهيعة، وليس هو بانفراد بحجة، وفي الثاني محمد بن عبدالله وهو الملقب بالديباج وفيه مقال، قال فيه البخاري: عنده عجائب، وقال ابن الجارود: لا يكاد يتابع على حديثه، وقال النسائي: إنه ليس بالقوي، وروي عن النسائي أيضًا أنه وثقه، وكذا وثقه ابن حبان والعجلي، وروايته مع ذلك معلولة بأن الصحيح كما قال الحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق أن عيسى ﵇ لم يبلغ هذا العمر، قال: وإنما أراد مقامه في أمته، ويؤيده أن سيان بن عيينة روى عن عمرو بن دينار عن يحيى بن جعدة، قال: دعا النبي ﷺ فاطمة ﵂ في مرضه فسارها فقال: "إن الله لم يبعث نبيًا إلا وقد عمر نصف عمر الذي قبله، وإن عيسى لبث في بني إسرائيل أربعين سنة وهذه توفي لي عشرين".
وهي مع إرسالها مقوية لرواية ابن لهيعة، لا سيما وقد روى الأعمش
стр. 846
عن إبراهيم قال: مكث عيسى في قومه أربعين عامًا.
نعم يخدش في هذا قول الحسن البصري، كان عمر عيسى ﵇ يوم رفع أربعًا وثلاثين سنة.
ونحوه ما رواه عفان عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب قال: رفع عيسى ﵇ ابن ثلاث وثلاثين سنة.
بل يروى في بعض طرق الحديث المرفوع في وصف أهل الجنة بأنهم أبناء ثلاث وثلاثين على ميلاد عيسى وحسن يوسف ﵉.
وأما ما ورد من أن بين نبينا محمد ﷺ وعيسى ﵇ أنبياء، ففيه مقال، وما في الصحيح من التصريح بقوله ﷺ : "أنا أولى الناس بعيسى لأنه لم يكن بيني وبينه نبي" أصح. وبالجلمة فقد ضعف الحديث من الوجهين شيخ شيوخنا الحافظ الزاهد أبو الحسن الهيثمي وقال العماد ابن كثير: إنه غريب جدًا.
٢٢٢ - الحمد لله سئلت عن النهي الوارد عن الجلوس بين
стр. 847
الظل والشمس.
فقلت: روى أبو داود من حديث محمد بن المنكدر حدثني من سمع أبا هريرة ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : "إذا كان أحدكم في الشمس ـ وقال مخلد: يعني أحد شيخي أبي داود فيه ـ في الفيء فقلص عنه الظل وكان بعضه في الشمس وبعضه في الظل فليقم".
وسنده ضعيف للجهالة بمن لم يسم لكن له شواهد، منها: ما أخرجه أبو داود ايضًا والبخاري في الأدب المفرد وأحمد في مسنده جميعًا من حديث إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم البجلي الأحمسي عن أبيه أنه جاء ورسول الله ﷺ يخطب فقام في الشمس فأمر فتحول إلى الظل. وهو عند الحاكم بلفظ: رآني النبي ﷺ وأنا قاعد عند الشمس قال: "تحول إلى الظل فإنه مبارك". وقال: إنه صحيح الإسناد.
ولابن ماجه من حديث أبي المنيب عن ابن بريدة عن أبيه أن النبي ﷺ نهى أن يقعد بين الظل والشمس.
стр. 848
وهو عند الحاكم من هذا الوجه بلفظ: نهى رسول الله ﷺ عن مجلسين، وملبسين، فأما المجلسين، فجلوس بين الشمس والظل الحديث.
ولأبي نعيم في الطب النبوي من حديث حسين بن قيس عن أبي بردة بن أبي موسى عن أبيه أن النبي ﷺ نهى أن يجلس الرجل بين الظل والشمس.
وللديلمي في مسنده عن جابر مرفوعًا: "لا ينام أحدكم بعضه في الظل وبعضه في الشمس ولا على سطح ليس بمجوز".
وفي لفظ: ليس بمحجوز عليه. وهو عند البزار من حديث إسماعيل بن مسلم عن محمد بن المنكدر عن جابر أن النبي ﷺ نهى أن يقعد أو يجلس الرجل بين الظل والشمس.
ولأحمد في مسنده عن بهز وعفان كلاهما عن همام عن قتادة عن كثير بن أبي كثير عن أبي عياض عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: "نهى النبي ﷺ أن يجلس الرجل بين الضح والظل، وقال: هو مجلس الشيطان".
وهو عند الحاكم في صحيه من هذا الوجه لكن بدون قوله: وقال: هو إلى آخره، وسمى الصحابي أبا هريرة، وقال: إنه صحيح
стр. 849
الإسناد ولم يخرجاه.
وأخرجه مسلم عن يحيى عن شعبة عن قتادة بتمامه، لكن أرسله بحذف الصحابي.
والضح بفتح الضاد المعجمة، والحاء المهملة: هو ضوء الشمس إذا استمكن من الأرض.
وقال ابن الأعرابي: يقولون: الشمس وهو بلفظ الشمس في الرواية المرسلة.
وعند مسدد عن ابن عمر موقوفًا: مجلس الشيطان بين الظل والشمس.
قال البيهقي: والنهي في ذلك محمول على من إرادة الخيرية حتى لا يتأذى بحرارة الشمس، وروي عن ابن المنكدر أنه حمله على قلص عنه الفيء دون من جلس كذلك ابتداء.
وروى أبو نعيم من حديث نافع قال: كان عمر بن الخطاب ﵁ يقول: لا تطيلوا الجلوس في الشمس، فإنه يغير اللون، ويقبض الجلد، ويبلي الثوب، ويبحث الداء الدفين.
ومن حديث مدرك بن حجرة قال: ذكر أن رسول الله ﷺ رأى رجلاً قائمًا في الشمس فقال: "قم إنها تغير اللون وتبلي الثوب".
وهذا الرجل يحتمل أن يكون هو أبو إسرائيل الذي روي البخاري حديثه في صحيحه من حديث أيوب عن عكرمة عن ابن عباس قال:
стр. 850
بينما النبي ﷺ يخطب إذا هو برجل قائم فسأل عنه فقالوا: أبو إسرائيل نذر أن يقوم، ولا يقعد، ولا يستظل ـ زاد الخطيب: ويقوم في الشمس اتفقا، ولا يتكلم، ويصوم، فقال النبي ﷺ : "مره فليتكلم، وليستظل، وليقعد، وليتم صومه".
وأخرجه مسلم وغيره، وفيه: أن كل شيء يتأذى به الإنسان ولو مآلا مما لم يرد بمشروعيته كتاب أو سنة كالمشي حافيًا، والجلوس في الشمس، ليس هو من طاعة الله فلا ينعقد النذر به.
فإن قيل: ورد حديث أبي عثمان النهدي قال: أتانا كتاب من عمر بن الخطاب ﵁ ونحن بآذربيجان مع تبة بن فرقد ﵁: أما بعد فذكره وفيه: "وعليكم بالشمس فإنها حمام العرب".
وكذا اسند الديلمي من حديث النضر بن حميد عن من له صحبة
стр. 851
رفعه: "عليكم بالشمس فإنها بكم برة" الحديث.
قلت: هذا لا ينافي ما تقدم، خصوصًا والذي سلف عن عمر نسه تقييد النهي بالإطالة والله الموفق.
٢٢٣ - وسئلت عمن قال: إن جبريل أنزل على النبي ﷺ بعمامة صفراء فسأل النبي ﷺ عن ذلك فقال: يا رسول الله إنها علامة النصر .
فقلت: قد روى الطبراني من حديث أبي أسيد الساعدي وكان بدريًا ﵁ قال: خرجت الملائكة ﵈ يوم بدر في عمائم صفر، قد طرحوها بين أكنافهم.
وسنده حسن، وأحد الأقوال في التسويم في قوله تعالى: (مسومين) إنها عمائم صفر.
وأما قوله: فسأل إلى آخره، فليس له أصل.
نعم روى الديلمي في مسنده عن ابن عباس ﵄ من
стр. 852
قوله: "من لبس نعلاً صفراء لم يزل ينظر في سرور ما دام لابسها".
ومع كونه موقوفًا فهو ضعيف أيضًا والله الموفق.
٢٢٤ - الحمد لله سئلت عن ذي القرنين، وجرجيس، ولقمان، ودانيال، وحزقيل، أهم أنبياء أم لا؟ فقد وجدوا في بعض الأدعية متوسلاً بهم .
فقلت: أما ذو القرنين، فالصحيح أنه كان ملكًا من الملوك العادلين، كما روي عن ابن عباس ﵄ وقيل: كان نبيًا، وقيل: رسولاً، وقيل: إنه من الملائكة، وهو غريب، وتمسك قائله بما
стр. 853
يحكى عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه سمع رجلاً يقول لآخر: يا ذا القرنين فقال: مه، ما كفاكم أن تتسموا بأسماء الأنبياء حتى تتسموا بأسماء الملائكة.
وفي حديث غريب من الوجه الذي أورده ابن عساكر منه أ، هـ ﷺ قال: لا أدري ذو القرنين نبيًا كان أم لا؟
وأما لقمان، فالمشهور عن الجمهور أنه كان رجلاً صالحًا ذا عبادة، وعبارة، وحكمة عظيمة، ويقال: إنه كان قاضيًا في زمن داود ﵇. ويقال: إنه كان نبيًا.
وأغرب من زعم أنه عرضت عليه النبوة فخاف أن لا يقوم بأعبائها،
стр. 854
فاختار الحكمة لأنها أسهل عليه.
وقد قال النووي ﵀ في الأذكار وغيره من تصانيفه: إن القول بنبوته شاذ، لا التفات عليه، ولا تعريج عليه.
وأما دانيال، فقد كان من أنبياء بني إسرائيل فيما مشى عليه غير واحد، روينا في المجالسة للدينوري من حديث معاذ بن رفاعة قال: مر يحيى بن زكريا بقبر دانيلا ﵉ فسمع صوتًا من القبر يقول: سبحان من تعزز بالقدرة وقهر العباد بالموت، من قالهن تستغر له السموات السبع، والأرضون السبع، ومن فيهن، ثم قال: إن دانيال قد آتاه الله النبوة والحكمة، وكان في أيام بخت نصر، وأسره بخت نصر مع بني إسرائيل، وحبسهم، ثم رأى بخت نصر رؤيا أفزعته وعجز الناس عن تفسيرها ففسرها دانيال فأعجبه وأكره وقبره، ووجده أبو موسى الأشعري ﵁ فأكرمه، وكفنه، وصلى عليه ثم قبره.
وهذا مما يلقي عن الإسرائيليات، ورواية ما يكون من هذا القبيل جائزة إلا أن يحقق أنه كذب كان يخالف شيئًا من قواعد الشريعة المحمدية، وما عدا ذلك ثبت الإذن فيه بحديث: "حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج". قال الشافعي رضي الله
стр. 855
عنه: من المعلوم أنه ﷺ لا يأمر برواية الكذب، فعرفنا أن الإذن إنما هو فيما لا يعلم أنه كذب كما تقدم، وأول هذه القصة من نمط المأذون فيه مع أنه وجد في بعض الإسرائيليات أيضًا ما قد يخالفه، وآخرها صحيح م طريق في بعضها أن الذي فعله أبو موسى كان بإذن من عمر ﵄.
وأما حزقيل، فهو أيضًا من بني إسرائيل فيما جزم به غير واحد وقيل: إنه هو الذي دعا للقوم الذين ذكرهم الله في قوله: (ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم) الآية.
وذلك أنه مر بهم بعد دهور طويلة فوقف عليهم متفكرًا فقيل له: أتحب أن يبعثهم الله وأنت تنظر؟ فقال: نعم فأمر أن يدعو لتلك العظام أن تكتسي لحمًا، وأن يتصل العصب بعضه ببعض فناداهم عن أمر الله له بذلك فقام القوم أجمعون وكبروا تكبيرة رجل واحد.
стр. 856
وهذا أيضًا من المتلقى عن الإسرائيليات، وبالجملة، فالأولى الاقتصار على الأدعية المأثورة عن النبي ﷺ ، إذ ليس كل أحد يحسن الدعاء والله الموفق.
٢٢٥ - سئلت: عن ما اشتهر على الألسنة أنه ﷺ قال: "آية من كتاب الله خير من محمد وآله ".
فقلت: لم أقف عليه الآن في شيء من الكتب المعتمدة وكذا ـ فيما قيل ـ شيخي ﵀ من قبلي ولكن قد رأيته بخط بعض أصحابنا المحدثين ممن أخذ عن شيخنا رحمهما الله في هامش نسخته من كتاب تلخيص شيخنا لمسند الفردوس من غير عزو لمخرج ولا ذكر صحابي وهو شيء لا أعتمده، وزاد فيه: لأن القرآن كلام الله غير مخلوق.
نعم، وقفت على أثر عن ابن مسعود ﵁ من قوله: أنه كان يقرئ الرجل الآية ثم يقول: لهي خير مما طلعت عليه الشمس وما على الأرض من شيء حتى يقول ذلك في القرآن كله.
وفي لفظ عنه أيضًا أنه إذا علم الآية قال: خذها فلهي خير من الدنيا وما فيها. أخرجهما أبو عبد الله ابن الضريس وأولهما عند الطبراني
стр. 857
في معجمه الكبير وكذا عند أبي عبيد بلفظ: كان يقرى القرآن، فيمر بالآية فيقول للرجل: خذها فوالله لهي خير مما على الأرض من شيء وأورده بعضهم موهمًا أنه مرفوع بلفظ: آية من كتاب الله خير من الدنيا وما فيها. ولأبي عبيد أيضًا من حديث فروة بن نوفل الأشجعي عن خباب بن الأرت أنه قال: .... واعلم أنك لست تتقرب إليه بشيء أحب إليه من كلامه. والله الموفق.
٢٢٦ - سئلت عن قول القائل: "إن اليهود والنصارى خونة فلا أعان الله من ألبسهم ثوب عز" هل ورد أم لا ؟
فأجبت: الآيات والأحاديث تبين ناطقة بالأمر بإذلال أعداء الدين لقوله تعالى: (يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ علهم) وقوله: (وليجدوا فيكم غلظة). وقوله: (ومن يهن الله فما له من مكرم). وقال عمر بن الخطاب ﵁ مخاطبًا للمسلمين وفيهم أبو موسى الأشعري ﵁: لا تأمنوهم، إذ خونهم الله تعالى ولا تعزوهم بعد إذ أذلهم الله تعالى ولا تكرموهم بعد إذ أهانهم الله.
стр. 858
أخرجه البيهقي في السنن والشعب وغيره.
وفي المهذب للشيخ أبي إسحاق عن ابن عمر ﵄، أن النبي ﷺ قال: "جعل الصغار والذل على من خالف أمري". وأخبر تعالى عن اليهود بأنهم بالذل والمسكنة والغضب موسومون فقال تعالى: (ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحب لمن الله وحبل من الناس وباءوا بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة) ولا شك أنهم أنجس الأمم قلوبًا، وأخبثهم طوية، وأردأهم سجية، وأولادهم بالعذاب الأليم: (أولئك عذاب عظيم) وهم أمة الخيانة لله ورسوله ودينه وكتابه وعباده المؤمنين، ولا يزال يطلع على خائنة منهم ومن ضروب الطاعات أهانهم في الدنيا قبل الآخرة التي هم صائرون إليها، فنسأل الله أن يزيد خذلاتهم وهوانهم ويرقي الإسلام والمسلمين إلى يوم الدين.
стр. 859
٢٢٧ - حديث: "الأرواح جنود مجندة ".
أخرجه البخاري تعليقًا في أول أحاديث الأنبياء عن الليث ويحيى بن ايوب كلاهما عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة ووصله من حديثهما في الأدب المفرد ورواه أبو يعلي الموصلي وغيره من هذا الوجه وفي أوله قصة، وهو: أن امرأة مكية كانت بطالة مزاحة تضحك على النساء وبالمدينة مثلها فنزلت عليها ودخلتا على عائشة فتعجبت من اتفاقهما فقالت عائشة للمكية: عرفت هذه؟ قالت: لا ولكن التقينا فتعارفنا فضحكت عائشة وقالت: سمعت النبي ﷺ يقول: وذكرت الحديث. رواه مسلم في الأدب من صحيحه من حديث عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة بالمرفوع فقط. وأخرجهما العسكري في الأمثال من حديث روح بن القاسم عن سهيل به. وله عند مسلم طريق أخرى رواه م حديث يزيد بن الأصم عن أبيه عن أبي هريرة به في حديث. وأخرجه أبو داود في الأدب من سننه من حديث يزيد أيضًا وأخرجه البيهقي في الشعب والعسكري في
стр. 860
الأمثال وغيرهما من حديث إبراهيم الهجري عن أبي الأخوص عن ابن مسعود مرفوعًا: "الأرواح جنود مجندة تلتقي فتتشاءم كما تشاءم الخيل، فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف ولو أن رجلاً مؤمنًا جاء إلى مجلس فيه مائة مناق وليس فيهم إلا مؤمن واحد لجاء حتى يجلس إليه ولو أن منافقًا جاء إلى مجلس فيه مائة مؤمن وليس فيه إلا منافق واحد لجاء حتى جلس معه أو إليه" وللعسكري من حديث أيب هاشم الروماني عن زاذان مرفوعًأ بلفظ: "الأرواح جنود مجندة، فما كان في الله ائتلف وما كان في غير الله اختلف" ومن حديث عكرمة عن الحارث بن عميرة عن سلمان ﵁ نحوه. وهو حديث صحيح كالمتفق عليه، وقد قال العسكري عقب حديث ابن مسعود: وهذا هو تفسير الحديث، والكلام محمول على التوسع والمجاز، ومعناه: أن روح المؤمن تألف روح المؤمن وتنكر المنافق وكذلك روح المنافق. وفيه كلام غير ذلك فليراجع فتح الباري.
стр. 861
٢٢٨ - سؤال في حديث أنس ﵁ المرفوع: "إن المؤمن يقال له عقب سؤال الملكين ﵉ وجوابه: انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله تعالى به مقعدًا من الجنة فيراهما جميعًا " بل ثبت عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا أيضًا: "لا يدخل أحد الجنة إلا أرى مقعده من النار لو أساء ليزداد شكرًا ولا يدخل النار أحد إلا أري مقعده من الجنة لو أحسن لتكون عليه حسرة". فاستفيد منهما أن لكل من المؤمن والكافر منزلاً في الجنة وآخر في النار. وأخص منهما ما رواه ابن ماجه وابن أبي حاتم من حديث أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما منكم من أحد إلا وله منزلان، منزل في الجنة ومنزل في النار، فإذا مات الكافر فدخل النار ورث أهل الجنة منزله" فذلك قوله: (أولئك هم الوارثون) ونحوه قول مجاهد: "ما من عبد إلا وله منزلان، منزل في الجنة ومنزل في النار، فأما المؤمن [فيبني بيته الذي في الجنة ويهدم بيته الذي في النار وأما الكافر] فيهدم بيته الذي في الجنة ويبنى بيته الذي في النار. وروي
стр. 862
عن سعيد بن جبير نحو ذلك، فالمؤمنون يرثون منازل الكفار، لأنهم كلهم خلقوا لعبادة الله وحده، فلما قام هؤلاء المؤمنين بما وجب عليهم من العبادة وترك أولئك ما أمروا به مما خلقوا له أحرز هؤلاء نصيب أولئك لو كانوا أطاعوا ربهم وضم ذلك إلى ما اختصوا به، وعكسه، وأبلغ من هذا أيضًا ما ثبت عن أبي بردة عن أبيه أبي موسى الأشعري رفعه: "يجيء يوم القيامة ناس من المسلمين بذنوب أمثال الجبال فيغفرها الله تعالى لهم ويضعها على اليهود والنصارى". وفي لفظ ثابت أيضًا: "إذا كان يوم القيامة دفع الله تعالى لكل مسلم يهوديًا أو نصرانيًا فيقول: هذا فكاكك من النار" فاستحلف عمر بن عبد العزيز ﵀ أبا بردة بالله الذي لا إله إلا هو، ثلاث مرات، أن أباه حدثه عن رسول الله ﷺ بهذا، فحلف له، وفي لفظ ثابت أيضًا: "إن أمتي أمة مرحومة، جعل الله تعالى عذابها بأيديها، فإذا كان يوم القيامة دفع الله تعالى إلى كل رجل من المسلمين رجلاً من أهل الأديان كان فداءه من النار". قال
стр. 863
البيهقي: ووجه هذا عندي ـ والله أعلم ـ أن الله تعالى قد أعد للمؤمن مقعدًا في الجنة ومقعدًا في النار كما في حديث أنس، وكذلك الكافر كما في حديث أبي هريرة ـ يعني الماضيين ـ فكأن الكافر يورث المؤمن مقعده من الجنة والمؤمن يورث الكافر مقعده من النار فيصير في التقدير كأنه فدي المؤمن بالكافر. انتهى. وكذا من الآيات في هذا المعنى قوله تعالى: (تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا) وإذا علم هذا فما قاله البرماوي في شرحه للبخاري عند قوله: من باب من قال: إن الإيمان هو العمل: (أورثتموها بما كنتم تعملون) من الأمور الثلاثة التي أولها: أن الكافر الذي بكفره ماتت روحه ورث المؤمن منزله الذي لولا كفره لم يصل إليه المؤمن. ثانيها: أن الله تعالى هو المورث ذلك له مجانًا فأشبه أخذ الوارث من مورثه. وثالثها: أنه مجاز عن الإعطاء على طريقة إطلاق الكل وإرادة الجزء محتمل. ولكن الذي اقتصر عليه شيخنا ﵀ في فتح الباري آخرها فإنه قال: (أورثتموها) أي صيرت لكم إرثا، وأطلق الإرث مجانًا عن الإعطاء لتحقيق الاستحقاق انتهى.
стр. 864
وعلى أولها يقال: إن كفر الكافر مقتضٍ لوصول ما كان له في الجنة لو أطاع إلى المؤمن .. والله الموفق.
٢٢٩ - [مسألة]: في الكبير، وعنده أيضًا عن عبد الله بن يزيد الخطمي أن رسول الله ﷺ قال: "أنتم اليوم خيرًا أم إذا غدت على أحدكم صفحة وراحت أخرى وغدا في حلة وراح في أخرى، وتكسون بيوتكم كما تكسى الكعبة؟ " فقال رجل: نحن يومئذٍ خير؟ قال: "بل أنتم اليوم خير".
وكذا أخرجه الحاكم والبيهقي والبزار عن ابن مسعود قال: نظر رسول الله ﷺ إلى الجوع في وجوه أصحابه فقال: "أبشروا فإنه سيأتي عليكم زمان يُغذى على أحدكم بالقصعة من الثريد ويراح عليه بمثلها" قالوا: يا رسول الله نحن يومئذ خير؟ قال: "بل أنتم اليوم خير منكم يومئذ" وللطبراني عن ابن مسعود أنه قال: أنتم أكثر صلاة، وأكثر جهادًا من أصحاب محمد ﷺ وهم كانوا خيرًا منكم، قالوا: لم يا أبا عبد الرحمن؟ قال: إنهم كانوا أزهد في الدنيا وأرغب في الآخرة.
وللبيهقي في الدلائل والشعب معًا من حديث طلحة النصري
стр. 865
قال: قدمت المدينة مهاجرًا، وكان الرجل إذا قدم المدينة فإن كان له عريف نزل عليه وإن لم يكن له عريف نزل الصفة فذكر الحيدث، وفيه قوله ﷺ : "سيأتي عليكم زمان، أو من أدركه منكم يلبسون أمثال أستار الكعبة، ويغدى ويراج عليكم بالجفان" قالوا: يا رسول الله أنحن يومئذ خير أو اليوم؟ قال: "بل أنتم اليوم خير، أنتم اليوم إخوان، وأنتم يومئذ يضرب بعضكم رقاب بعض".
وأخرجه الطبراني وغيره بدون سؤالهم إلى آخره، وكذا هو عند الطبراني عن فضالة الليثي قال رسول الله ﷺ : "يوشكون أن من عاش منكم يغدى عليه بالجفان، ويراح، وتكسون البيوت كما تستر الكعبة".
وله في الشعب من حديث جابر قال: خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: "كيف أنتم إذا غدى عليكم بجفنة وريح بأخرى أنتم اليوم خير أم يومئذ؟ " قالوا: بل نحن يومئذ بخير قال: "أنتم اليوم خير".
ومن حديث الحسن مرسلاً أنه ﷺ خرج على أهل الصفة يومًا
стр. 866
فذكر الحديث فقال لهم يومًا: "أنتم اليوم خير أم أنتم يوم تغدون في حلة، وترحون في حلة، وتغدو عليكم قصعة وتروح أخرى؟ " فقالوا: يا رسول الله نحن اليوم بخير، وإنا لنرى أنا يومئذ خير منا اليوم فقال رسول الله ﷺ : "كلا والذي نفس محمد بيده لأنتم اليوم خير منكم يومئذ".
وفي الباب عن جماعة وأصله في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إذا فتحت عليكم فارس والروم أي قوم أنتم؟ " قال عبد الرحمن بن عوف: نقول كما أمرنا، قال رسول الله: "أو غير ذلك تتنافسون، ثم تتحاسدون، ثم تتدابرون، ثم تتباغضون، أو نحو ذلك ثم تنطلقون في مساكين المهاجرين فتعجلون بعضهم على رقاب بعض؟
٢٣٠ - وسئلت عن قوله ﷺ في حديث أم عطية حين توفيت ابنته: "اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك "
стр. 867
هل الكاف في الرواية مفتوحة فيهما أو في أحدهما أو مكسورة فيهما أو في أحدهما.
فقلت: هو بكسرها فيهما لأنه خطاب للمؤنث كما صرح به غير واحد من الشراح، منهم شيخنا في الأولى، والنووي في الثانية لكنه قال: خطابًا لأم عطية، يعني من باب الالتفات، والزركشي في تخريج الرافعي فيهما وهو واضح، وأقول: وبه يستشهد للغة المحكية في كون الكاف من ذلك، كذلك في الإفراد والتثنية والجمع، فإن الخطاب هنا ظاهرة في الموضعين للجمع والله الموفق.
стр. 868
٢٣١ - الحمد لله سئلت عن الشويك أفتحت صلحًا أم عنوة ؟
فقلت: كان صاحب الكرك في أيام السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب ﵀ ونفعنا ببركاته، من شياطين الفرنج ومردتهم، ومن أشدهم عداوة للإسلام وأهله حتى أن نفسه الخبيثة حدثته بالمسير إلى المدينة الشريفة والاستيلاء عليها، وعلى تلك النواحي الطيبة، فحال بينه وبين مراده فرخشاه ابن أخي السلطان، بل وحاصره السلطان بنفسه الشريفة ومعه عساكر الإسلام وفرسانه مرة بعد أخرى صباحًا ومساء، وتناوب عليه الأمراء واحدًا بعد واحد، وأكثروا النكاية في أهله بأخذ أموالهم، وتخريب ديارهم، وتجمع المخذولون وتحزبوا وأوقاع الله في قلوبهم الرعب، وأراهم من تأييده لأهل الإسلام ما لا طاقة لهم به، فذل حينئذ كبيرهم، وخضع، وسأل في الصلح، والمهادنة وأعطى العهود في عدم الغدر فأجيب، وسارت القوافل بين الشام ومصر آمنة إلى أن لاحت لهذا اللعين فرصة فغدر وأخذ قافلة للمسلمين عظيمة، وأسر جمعًا كثيرًا من الجند وغيرهم فش ذلك على السلطان فمن دونه، خصوصًا حين قال: قولوا لمحمد: يخلصكم، وراسله السلطان بتقبيح فعله وقوله، ويتوعده إن لم يطلق الاسرى بكل مكروه فامتنع، وأصر على غيه فنذ السلطان حينئذ استباحة دمه إن ظفر به، فما كان بأسرع من تلك النصرة الهائلة التي عز بها أهل الإسلام، وذل فيها الكفرة الئام واسر ملوك الفرنج ومنهم صاحب الكرك، وآل الأمر إلى أن وفى السلطان نذره، وقتله بعد أن ذكره بذنوبه، وغدره، ونقضه العهود، وقال له: أنا الآن أنتصر منك لمحمد ﷺ ، وكونه عرض عليه الإسلام فأباه، وبعد ذلك ذل سائر الفرنج لا سيما من هو مقيم منهم بقلعة الكرك حين رأوا من توالي الفتوحات ما لم يطرق مسمعهم مثله، وانتزعت منه الأماكن التي قهروا المسلمين بأخذها خصوصًا بيت
стр. 869
المقدس، وفنيت أزوادهم وذخائرهم في مدة المحاصرة بل وأكلوا دوابهم وما بقي لهم جلد على الصبر، وراسلوا الملك العادل سيف الدين أبا بكر إخلاء السلطان، وكان أخوه قد أقامه عند توجهه إلى البلاد الشمالية بتلك النواحي في جملة العساكر في بذل تسليم القلعة إليه، وطلب الأمان على أنفسهم منه، وترددت الرسل بين الفريقين بذلك إلى أن أجابهم، وأرسل إلى صهره سعد الدين كمشبغا الأسدي الذي رتبه السلطان على منازلة الكرك، ومحاصرته، يأمره بتسليمها ففعل، بل وتسلم منها ما يقاربها من الحصون كالشويك. وأضيف كلها للملك العادل وألقى الإسلام هناك جرانه، وأمنت قلوب من في ذلك الصقيع من البلاد كالقدس الشريف، فإنهم كانوا من بتلك الحصون وجلين، ومن شرهم مشفقين، وكان ذلك في اثناء سنة أربع وثمانين وخمسمائة، وقبيل موت السلطان رحمه الله تعالى بيسير وذلك في رمضان سنة ثلاث وثمانين أستاذنه أخوه المذكور في المضي إلى الكرك لينقذه، فأذن له، فمضى إليه وأصلح فيه ما قصد إصلاحه، وبالجملة فلم يسلم الفرننج إلا عن عجز وغلبة ووهن، وإلا فبعد قتل السلطان صاحبه كما قدمت حضرت إليه روحه المقتول سائلة في إطلاق ولدها، مأسور عنده، فعلق ذلك على تسليم الكرك له، فامتنع الفرنج مع كونهم رعية، روحها من إجابتها حين سألتهم فيه، واستمر ولدها في الأسر، ولكن أطلق لها السلطان ما لها وأتباعها، وكان السلطان رحمة الله عليه كما قاله صاحب الكامل: كلما فتح مدينة من عكا وبيروت وغيرهما مما ذكره، أعطى أهله الأمان، يعني على أنفسهم وأموالهم كما صرح به في عكا، قال: وخيرهم بين الإقامة والظعن
стр. 870
فاختاروا الرحيل خوفًا من المسلمين وساروا عنها متفرقين، وحملوا ما أمكنهم حمله من أموالهم وتركوا الباقي، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
٢٣٢ - وسئلت عن قول ابن السمعاني في ترجمة البسطامي من أنسابه: أن ابا يزيد له حديث واحد لم يصح عنه غيره هل عُلِمَ الحديث المشار إليه أم لا ؟
فقلت: الذي وقع لي من حديثه الآن حديث أورده الرشيد العطار في ترجمة شيخه عمر بن أمير ملك الموصلي من معجمه مما رواه عن السلفي عن أبي علي البرداني عن أبي المظفر هناد بن إبراهيم النسفي عن أبي سهل محمد بن أحمد بن عدب الله الأسداباذي عن يوس بن محمد بن بندار الزاهد عنه حدثنا محمد بن فارس البلخي حدثنا حاتم الأصم حدثنا شقيق بن إبراهيم عن إبراهيم بن أدهم عن مالك بن دينار عن أبي مسلم الخولاني عن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "لو صليتم حتى تكونوا كالحنايا، وصمتم حتى تكونوا كالأوتار، وكان الاثنان أحب إليكم من واحد لم تبلغوا الاستقامة".
قلت: لم ينفرد به أبو يزيد، فقد رواه أبو القاسم ابن الحافظ أبي عبد الله بن منده، ومن طريقه الديلمي في مسنده قال: أخبرنا أبي
стр. 871
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد الرازي في كتابه، حدثنا محمد بن فارس أبو عدب الله البلخي فذكره، والرازي هذا، يظهر لي أنه ابن أبي حاتم الحافظ، لكن وقع في معجم الرشيد العطار بدله عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الرازي وفيه نظر، بل قال الرشيد العطار: إنه كتبه من طريق البلخي من غير وجه.
والبلخي هذا ذكره الذهبي في ميزانه وقال: إنه لا يعرف وقد أتى بخبر باطل مسلسل بالزهاد وعني هذا الحديث والله الموفق.
وكذا وقع لي حديث آخر، رواه أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن أحمد الخبري الفيروزآبادي في كتاب له سماه: "دلائل المنتهج إلى معالم المعارف ورسالة المبتهج إلى عوامل العوارف" عن السلفي بالسند الذي قبله إلى أبي يزيد البسطامي حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب الخوارزمي حدثنا عاصم بن عبيد الله حدثنا عبد العزيز أبو خالد عن سفيان الثوري عن أبي الزبير عن جابر رفعه: "إن السخاء شجرة في الجنة" الحديث.
وهذا الحديث قد أخرجه أبو نعيم في الحلية ومن طريقه ابن الجوزي في الموضعات والديلمي في مسنده من طريق أحمد بن الخطاب التستري عن الخوارزمي المذكور، وأعله الجوزي بعبد العزيز
стр. 872
وقال: إنه تفرد به عن الثوري وقد كذبه ابن معين.
وفي الباب عن جماعة من الصحابة، وإيراده للحديث في الموضوعات فيه نظر، وبالجملة فقول ابن السمعاني "لم يصح عنه غيره" محتمل، بل هو الظاهر إرادة صحة روايته لولا أنه حديث صحيح. والله المستعان.
стр. 873
٢٣٣ - حديث: "أنا مدينة العلم وعلي بابها ".
أخرجه الحاكم في المناقب من مستدركه والطبراني في معجمه الكبير وأبو الشيخ ابن حيان في كتابه السنة له وغيرهم، كلهم من حديث أبي معاوية الضرير عن الأعمش عن مجاهدعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ وذكره وبزيادة: "فمن أراد العلم فليأت الباب" ورواه الترمذي في المناقب من جامعه وأبو نعيم في الحلية وغيرهما من حديث علي ﵁ أن النبي ﷺ قال: "أنا دار الحكمة وعلى بابها".
قال الدارقطني في العلل عقب ثانيهما: إنه حديث مضطرب غير ثابت، وقال الترمذي: إنه منكر، وكذا قال شيخه
стр. 874
البخاري وقال: إنه ليس له وجه صحيح.
وقال بن معين فيما حكاه الخطيب في تاريخ بغداد: إنه كذب لا أصل له، وقال الحاكم عقب أولهما: إنه صحيح الإسناد. وأورده ابن الجوزي من هذين الوجهين في كتابه الذي أفرده للأحاديث المكذوبة على رسول الله ﷺ ، ووافقه الحافظ الذهبي وغيره على ذلك، وإلى هذا أشار ابن دقيق العيد بقوله: هذا الحديث لم يثبتوه، وقيل: إنه صرح الحافظ صلاح الدين العلائي بالتوقف في الحكم عليه بذلك فقال: وعندي فيه نظر، بل بين ما يشهد لكون أبي معاوية راوي حديث ابن عباس حديث به فزال المحذور ممن هو دونه قال: وأبو معاوية ثقة، حافظ، محتج بأفراده كابن عيينة وغيره، فمن حكم على الحديث مع ذلك بالكذب فقد أخطأ. قال: وليس هو من الألفاظ المنكرة التي تأباها العقول بل هو كحديث أخرجه الترمذي وقال: إنه حسن صحيح، وصححه ابن
стр. 875
حبان، وغيره من حديث أبي قلابة عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أرحم أتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في أمر الله عمر وأصدقهم حياء عثمان، وأقرؤهم لكتاب الله أبي بن كعب، وأفرضهم زيد بن ثابت، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل" وهو صنيع معتمد فليس هذا الحديث بكذب، خصوصًا وقد أخرج الديلمي في مسنده بسند ضعيف جدًا عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "علي بن أبي طالب باب حطة، من دخل فيه كان مؤمنًا، ومن خرج منه كان كافرًا"، ومن حديث أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "علي باب علمي، ومبين لأمتي ما أرسلت به من بعدي، حبه إيمان،
стр. 876
وبغضه نفاق والنظر إليه رأفه" وأورد صاحب الفردوس وتبعه ابنه المذكور بلا إسناد، عن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: "أنا مدينة العلم وأبو بكر أساسها، وعمر حيطانها، وعثمان سقفها، وعلي بابها" وعن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: "أنا مدينة العلم، وعلي بابها، ومعاوية حلقتها" وبالجملة فكلها ضعيفة.
وأحسنها حديث ابن عباس بل هو حسن. وقد روى الترمذي أيضًا والنسائي وابن ماجه وغيرهم من حديث حبشي بن جنادة ﵁ مرفوعًا: "على مني وأنا من علي لا يؤدي عني إلا أنا أو علي" انتهى.
وليس في هذا كله ما يقدح في إجماع أهل السنة من الصحابة والتابعين فمن بعدهم على أن أفضل الصحابة بعد النبي ﷺ على الإطلاق،
стр. 877
أبو بكر، ثم عمر ﵄. وقد قال ابن عمر ﵄: "كنا نقول ورسوله الله ﷺ حي: أفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر وعثمان، فيسمع ذلك رسول الله ﷺ فلا ينكره". بل ثبت عن علي ﵁ أنه قال: خير الناس بعد رسول الله ﷺ أبو بكر، ثم عمر، ثم رجل آخر. فقال ابنه محمد بن الحنفية: ثم أنت يا أبه، فكان يقول: "ما أبوك إلا رجل من المسلمين. ﵃ وعن سائر الصحابة أجمعين.
стр. 878
٢٣٤ - وسئلت عن حديث: "من دعا لظالم بالبقاء فقد أحب أن يعصي الله ".
فقلت: لم أقف عليه مرفوعًا، ولكن قد وقع كذلك في موضعين من الإحياء أولهما: في شفقة التاجر على دينه من البيوع.
وثانيهما: في ما يحل من مخالطة السلاطين، وكذا ذاكره الزمخشري في هود من كشافه وقال مخرج كل منهما: لم نجده مرفوعًا، وقد ذكره الغزالي في آفات اللسان من الإحياء أيضًا عن الحسن البصري من قوله وهو الصواب، فهو كذلك عند ابن أبي الدنيا في الصمت له والبيهقي في السادس والستين من الشعب كلاهما من حديث يونس بن عبيد عنه وكذا رواه أبو نعيم في الحلية من طريق يوسف بن أسباط قال: قال سفيان الثوري: من دعا لظالم وذكر مثله، بل عنده عن الثوري أيضًا أنه قال: النظر إلى وجه الظالم خطيئة. وإني لأعرف الرجل من تسليمه
стр. 879
على أهل الدنيا. وقال أيضًا: قال عيسى بن مريم ﵇: تقربوا إلى الله تعالى ببغض أهل المعاصي، والتمسوا رضوانه بالتباعد منهم، قالوا: فمن نجالس؟ قال: من يذكركم بالله رؤيته، ويرغبكم في الآخرة عمله، ويزيد في فهمكم منقطه. وعن الثوري أيضًا أنه قال: إنه لا خير في القارئ يعظم أهل الدنيا. وروى ابن أبي الدنيا في الصمت وابن عدي في الكامل وأبو يعلي والبيهقي في الشعب وغيرهم بسند ضعيف، عن أنس ﵁ مرفوعًا: "إن الله ليغضب إذا مدح الفاسق".
وروى ابن عدي من حديث عائشة، والطبراني في الأوسط وأبو نعيم في الحلبة من حديث عبد الله بن بسر بأسانيد ضعيفة، بل قال ابن الجوزي: كلها موضوعة مرفوعًا: "من وقر صاحب بدعة فقد أعان
стр. 880
على هدم الإسلام".
وأورده الغزالي بلفظ: "من أكرم فاسقًا فقد أعان على هدم الإسلام"، وروى ابن ماجه بسند ضعيف عن أبي هريرة رفعه: "شرار العلماء الذين يأتون الأمراء" زاد الغزالي: "وخيار الأمراء الذين يأتون الععلماء" والله الموفق.
٢٣٥ - وسئلت عن بشارة بحيرا بالنبي ﷺ أكانت صادرة عن إيمانه به أم لا؟ وهل مات قبل البعثة ؟
فقلت: القصة المشار إليها كانت حين ظهور النبي ﷺ مع عمه أبي طالب حين خرج في ركب تاجرًا إلى الشام وكان له إذ ذاك اثنتا عشرة سنة، وليس فيها التصريح بإيمان به، وإنما الذي فيها: ارجع بابن أخيك إلى بلده، واحذر عليه يهود، فإنه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم.
نعم، يروى بسند ضعيف أن أبا بكر الصديق ﵁ صحب النبي ﷺ وهو ابن ثمان عشرة سنة والنبي ﷺ ابن عشرين سنة، وهم
следующие страницы →