Полный текст (1 198 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.
стр. 946
٢٧٢ - مسألة في النساء: هل يرين الله سبحانه في الآخرة، وهل هن فيها كالرجال ؟
الجواب: الأدلة متظافرة بالعموم الشامل للاشتراك في أصل الرؤية، بل فيهن بخصوصهن دليل صريح معتضد به وأنهن لسن في التكرار كالرجال، بل يرينه في مقدار. يوم الفطر ويوم النحر من أيام الدنيا، كما أن الرجال متفاوتون أيضًا في ذلك، فمنهم من يراه مرتين في مقدار اليوم من الدنيا، ومنهم من يراه في مقدار جمعة منها، ومنهم من هو أعلى من ذلك، ومنهم من يراه مع العموم، ومنهم من يراه بانفراد، ومنهم مع كونه في العموم أقرب من غيره كتفاوتهم جزمًا في المراتب، إذ غير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يساوونهم في ذلك، وغير الصديقين، والشهداء من سائر الأمة لا يساوون الصديقين والشهداء، كما أن الظاهر أنالنساء أيضًا يتفاوتن، ولا ينافي ثبوت الرؤية لهن كما ورد من رجوع أهل الجنة إلى منازلهم بعد رؤية الله في مقدار يوم الجمعة، وتلقي أزواجهم لهم قائلة كل واحدة منهن لصاحبها: مرحبًا، وأهلاً، بحبنا، لقد جئت وإن بك من الجمال، والطيب أفضل مما فارقتنا عليه، وقوله لها: إنا جالسنا اليوم ربنا الجبار ، وبحقنا أن ننقلب على ما انقلبنا به، وإن كان ظاهرًا في عدم كونهن معهم في ذلك، فهذا الوقت، غير وقتهن، وبسط ذلك ببيان أدلته صريحًا، وحكمًا، ومعنى يستدعي مجلدًا فأكثر، يضيق الوقت الآن عنه خصوصًا، وقد أفرد الرؤية بالتصنيف الدارقطني، والبيهقي، ويوجد الكثير من ذلك أيضًا في صفة الجنة لأبي نعيم وغيره،
стр. 947
وفي كتب السنة لأبي الشيخ، وابن أبي عاصم، واللالكائي، وآخرين، وقام أهل السنة من المتكلمين بالرد على منكرها من المعتزلة، والخوارج، والمرجئة، ودفع سائر شبههم بما هو مستقصى في كتب الكلام مما ليست بنا الآن ضرورة إلى ذكره. وبالله التوفيق.
فأما أدلة العموم فمنها قوله تعالى: (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة) فقد جاء تفسير الزيادة بالنظر إلى وجه الله تعالى عن أبي بكر الصديق وحذيفة بن اليمان وابي موسى الأشعري وابن
стр. 948
مسعود وصهيب وأنس وأبي بن كعب وكعب بن عجرة وابن
стр. 949
عباس وغيرهم من الصحابة ﵃، وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى وسعيد بن المسيب والحسن وعكرمة وعامر بن سعد البجلي وأبي إسحاق السبيعي ومجاهد وعبد الرحمن بن سابط
стр. 950
وقتادة والضحاك وآخرين من التابعين فمن بعدهم، ولفظ رواية أبي موسى مما رفعه: "يبعث الله يوم القيامة مناديًا ينادي: يا أهل الجنة بصوت ـ يسمع أولهم وآخرهم ـ إن الله وعدكم الحسنى، الحسنى الجنة، والزيادة، النظر إلى وجه الله تعالى" ومنها قوله تعالى: (كلا إنهم عن ربهم يومئذٍ لمحجوبون) وأي حجب الكفار عن رؤيته دليل لرؤية المؤمنين، كما استدل به إمامنا الشافعي، ومالك وغيرهما من الأئمة ممن قبلهما وبعدهما، ولفظ الحسن البصري في تفسيرها: "إذا كان يوم القيامة بزر ربنا ﵎، فيراه الخلق ويحجب الكفار فلا يرونه. انتهى.
стр. 951
٢٧٣ - مسألة: "كيف ساغ بريرة مولاة عائشة أم المؤمنين ﵄ رد شفاعة النبي ﷺ في زوجها مغيث ؟ "
فالجواب: أنها لم تفصح برد الشفاعة وإنما قالت بعد استخبارها كما هو أمر، واجب الامتثال فيجب عليها امتثاله أو مشورة، فيتخير فيه، وقوله ﷺ : "إنما أشفع" أي أقول ذلك على سبيل الشفاعة له، لا على سبيل الحتم عليه، مراعية للأدب: لا حاجة لي فيه، وهي في قولها شبيهة بقول من قال: إن امرأتي لا ترد يد لامس بعد أمره ﷺ بطلاقها: إني أحبها. بل هذه صرح فيه بالأمر، ومع ذلك فلما اعتذر بمحبتها عذره النبي ﷺ حيث قال له: "أمسكها" ولعله ﷺ علم أن ما شكاها به مجرد ظن دون ما أبداه عن نسه فلا يترك ما هو محقق مما قد يتوقع بالفراق معه الضرر، لأمر مظنون سيما مع توجهه ﷺ إليه في إصلاحها إذ أمره بإمساكها، كما أن بريرة لما اعتذرت بعدم حاجتها ولاحظت فيما يظهر الخوف من عدم قيامها بواجب حق مغيث لعدم رغبتها فيه أو رأت عدم إعفافها به، أقره ﷺ وعذرها، وصار دليلاً لجواز مخالفة الشوير، ولو عظم فيما يشير به في غير الواجب، وأنه لا يجب على المشفوع عنده القبول سيما فيما يخشى معه من ارتكاب محظور، ويجوز أن تكون بريرة أحبت التفرغ لخدمته ﷺ ، وأن لا يقطعها عنها شاغل بزوج، ولا غيره، في ليل ولا نهار، وحينئذٍ فقد بالغت في سلوك الأدب ورأت أرجحيته على امتثال الأمر، وعلى كل حال، فما أحسن قول فاطمة ابنة قيس ﵂ لما أشار عليها النبي ﷺ بتزويج أسامة بن زيد ﵄ وكرر ذلك، وامتثالها بعد تصريحها بكراهته: فجعل الله فيه خيرًا واغتبطت به. ووراء هذا حديث يقتضى الإذن في هذا، وشبهه، وهو أن النبي ﷺ مر بقوم يلحقون النخل فقال: "لو لم تفعلوا لصلح" قال: فخرج شيصًا ثم مر
стр. 952
بهم فقال: "ما لنخلكم؟ " قالوا: قلت: كذا وكذا قال: "أنتم أعلم بأمر دنياكم".
وفي لفظ: "إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنما أنا بشر" قال النووي ﵀ قال العلماء: رأيه ﷺ في أمور المعايش، وظنه كغيره فلا يمتنع وقوع مثل هذا، ولا نقص في مثله، وشبهه. والله أعلم.
стр. 953
٢٧٤ - مسألة: في قول القاضي عياض بآخر "الشفاء": (ويخصنا بخصيصي زمرة نبينا وجماعته" بسكون الياء بصيغة التثنية المحذوفة النون أو بألف التأنيث المقصورة ؟.
فالجواب: قد ثبت بالتثنية بدون حكاية غيرها في الأصل المعتمد الذي كتب عليه التاج عبد الباقي اليماني مختصر الصحاح، ومؤلف "الاكتفاء في شرح ألفاظ الشفا" بالثناء البالغ الذي من جملته أعرب أي ناسخه تلك الألفاظ، وأخذها عن السادة الحفاظ، أبدع فيما رقم، وأتقن فيما حكم، وشهد له التاج السبكي بأنه الذي يروي فيروى كل ظمآن ويبدي فوائد تسحر لب الإنسان. انتهى. وكيف لا يكون كذلك ومحرره قد اجتهد في جميع أصول صحاح، منها أصل مغربي قديم مقابل مع حفيد المؤلف المذكور بالمشاركة في فنون من العلوم العقلية وغيرها وبالشعر والفصاحة ونحو ذلك على أصل جده القاضي عياض فما حصل الاتفاق عليه في الأصول المشار إليها أثبته بالأصل وما لا اقتصر على الأكثر أو الأضبط، وبين بالهامش المخالف، وهو في هذا اللفظ بخصوصه. لم يبين خلافًا فاقتضى الاتفاق، ومع ذلك كله لم يكتف محرره بهذا بل قرأه مقابلة، وتصحيحًا، على حافظ وقته المرجوع إليه في الحديث، ومتعلقاته مع تقدمه في التصريف واللغة أبي الحجاج المزي، وكذا قرأ فيه الحافظ الشمس ابن ايبك السروجي وكتب عليه خطه بذلك، بل وأفاد بهامشه إلى غيرهم من أئمة العلم والحديث، وتداوله الأكابر خلفًا عن سلف إلى هذا الوقت وكان ممن قرئ عليه فيه المجلس الأخير بخصوصه شيخنا وأستاذنا من لم تر عين من رآه في فنون الحديث النبوي مع ما اشتمل عليه من العلوم الجمة مثله وكنت بحمد الله ممن قرأ منه بحضرة الأئمة الأكابر من الشيوخ وغيرهم بل وقريء علي فيه أيضًا غير مرة، وحرر معي أصل
стр. 954
صار عمدة ولا أعلم إن شاء الله أصح منه.
وحينئذ فيقال: الرواية في هذا اللفظ بالتثنية اعتمادًا على ما بينته كما يقال رواية الأصيلي، والقابسي والجياني، وغيرهم بالنسبة لصحيح البخاري.
كذا مع كون لا مستند لذلك في هذه الأعصار المتأخرة إلا الأصول المعتمدة، ولا يخدش فيما تقدم أن ألف التأنيث المقصورة تكتب ياء، لأنا نقول، وإن وجد ذلك كذلك في الخط فالمتقن لا يسكن الياء إلا في المثنى خوفًا من حصول الالتباس، وإذا ثبت كذلك وعلم أن القاضي عياضًا قائل هذا اللفظ أعرف الناس في وقته بعلوم الحديث وبالنحو واللغة، وكلام العرب وأيامهم، وأنسابهم، وممن كان في الإتقان بمكان كان كافيًا في الرجوع إليه في هذا اللفظ إن لم يوجد صريحًا ما يخالفه هذا الحافظ الشرف أبو الحسين اليونيني مع كونه لم يجتمع فيه ما اجتمع في القاضي عياض قد عول الناس عليه في ضبط الروايات في صحيح البخاري لكثرة ممارسته له، واعتنائه بمقابلته حتى إن الحافظ الذهبي حكى أنه سمعه يقول: أنه قابله وأسمعه في سنة واحدة إحدى عشر مرة، ولكونه ممن وصف بالمعرفة لكثير من اللغة، والحفظ لكثير من المتون والمعرفة بالأسانيد بحيث أن سيبويه وقته الجمال ابن مالك حضر عنده سماع الصحيح المذكور فكان إذا مر من الألفاظ ما يتراءى مخالفته لقانين اللسان العربي سأل الشرف عن الرواية فيه، فإن أجاب بأنه كذلك شرع ابن مالك في توجيهه حسب إمكانه ومن ثم جمع كتابه المسمى "شواهد التوضيح" مع كونه لم يستوعب ذلك، ومن ذا ينهض بما نهض به ابن مالك أو يوازيه علمًا وعملاً، وإتقان وروعًا أو من أحاط علمًا بحفظ اللغة وجمع دواوينها حتى يسوغ له أن يقول: إنه لم يسمع خصيص فذلك كعلم
стр. 955
الحديث والفقه بحر لا ساحل له غاية الماهر منه مراجعة القاموس، ولسان العرب والاقتصار عليهما لا يسوغ إطلاق النفي بل كل حصر في باب متسع الانتشار منتقد في الغالب، ومن العجيب من استدل باقتصار الفارابي في ديوان الأدب على خمسة ألفاظ في باب فعيل، وثمانية في باب فعيلي وزعم صراحته في أ، هـ ليس لنا خصيص على وزن فعيل حتى يثنى علي خصيصي مع كون الفارابي لم يدع الحصر ولو ادعاه عليه في الوزن الأول بخريت، وخريج، وحديث وحريف، وفيسيق، ومسيك، وعريض لمن يتعرض للناس بالشر، وسجيل، وسجين وغيرها.
وفي الثاني بخصيصي، وربيبي وهجيري، وحجيزي، وحديثي، وخليفي وغيرها، بل من الوزن الأول صديق، وهو كل من صدق بكل ما أمر الله به على لسان أنبيائه بغير شك، ولا امتراء وهو دائم الصدق، وقد ثبت قطعًا جمعه بقوله تعالى: (والصديقين) وما ثبت جمعه جمع تصحيح ثبتت تثنيته.
وإذا تقرر هذا فالتثنية في كلام القاضي بالنظر لشيئين، وهما الزمرة الشاملة لجميع من اتبع النبي ﷺ من الصحابة وغيرهم إلى يوم القيامة، والجماعة الذين هم أصحابه ﵃، وخصهم بعددخولهم في العموم لشرفهم فكأنه سأل الله أن يخصه باقتفاء طريق الخواص من أصحاب نبيه، ومن سائر أمته، وهو نحو قول القائل: هب لنا ما وهبته لأوليائك وأحبائك.
ويجوز أن يكون سأل أن يخص بخصيصي هذه الأمة وهما أبو بكر وعمر ﵄ حسبما ورد في حديث سنده ضعيف عند الطبراني في الكبير من حديث ابن مسعود ﵄ أن النبي ﷺ قال: "إن
стр. 956
لكل نبي خاصة من أصحابه، وإن خاصتي أبو بكر وعمر ﵄".
وكذا أخرجه البيهقي في الفضائل.
ولا يكون من خواصهما إلا بسلوك طريقهما واقتفاء سنتهما وعلى تقدير التنزيل في كون الزمرة، والجماعة واحدًا فليس يمتنع الإتيان بلفظ التثنية مع إضافته لفظًا بواحد.
وبالجملة فهذا ثالث سؤال ورد عليَّ في هذا اللفظ مع كونه لا يحتمل هذا الأمر كله وكأنه السائل وفقني الله وإياه ظن أنه ربما أميل إلى خلاف ما أثبته كما صنع غيري، ومعاذ الله أن أتحول إلا بما أعتمده، وثبت عندي ثبتنا الله على الحق بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة بمنه وكرمه.
стр. 957
٢٧٥ - مسألة: في أبوي النبي ﷺ .
فالجواب: قد ثبت في صحيح مسلم عن أنس ﵁ أن رجلاً قال: يا رسول الله أين أبي؟ قال: "في النار" فلما قفا أي ذهب موليًا بقفاه، دعاه فقال: "إن أبي وأباك في النار" وهذا الرجل هو حصين بن عبيد والد عمران ﵄.
وفي ابن خزيمة ما يشهد له وقيل أبو رزين لقيط بن عامر، فلعبد الله بن أحمد في زوائد المسند والطبراني في الكبير وغيرهما في حديث طويل للقيط بن عامر في البعث قال: فيه: فقلت: يا رسول الله هل لأحد فيما مضى من خير في جاهليتهم فقال رجل من عرض قريش: والله إن أباك المنتفق لفي النار قال: فلكأنه وقع حر بين جلدي ووجهي مما قال
стр. 958
لأبي على رؤوس الناس، فهممت أن أقول: وأبوك يا رسول الله؟ فإذا الأخرى أجم، فقلت: يا رسول الله وأهلك؟ قال: "وأهلي لعمر الله، ما أتيت على قبر عامري، أو قرشي، فقل: أرسلني إليك يا محمد ﷺ فأخبرك بما يسؤك، تجر على وجهك وبطنك في النار فقلت: يا رسول الله بما فعل بهم ذلك وقد كانوا [على عمل] لا يحسنون إلا إياه، وكانوا يحسبون أنهم مصلحون؟ قال: "ذاك بأن الله بعث في آخر كل سبع أمم ـ يعني نبيًا ـ فمن عصى الله كان من الضالين، ومن أطاع الله كان من المهتدين".
وفي الباب عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: بينما نحن نمشي مع النبي ﷺ إذا بصر بامرأة لا نظن أنه عرفها فلما توسط الطريق وقف حتى انتهت إليه فإذا فاطمة ابننة رسول الله ﷺ ﵂ فقال: "ما أخرجك من بيتك يا فاطمة؟ " قالت: أتيت أهل هذا الميت فرحمت إليهم ميتهم، وعزيتهم قال: "لعلت بلغت معهم الكدى" أي القبور قالت: معاذ الله أن أكون بلغتها معهم وقد سمعتك تذكر في ذلك ما تذكر قال: "لو بلغتيها معهم ما رأيت الجنة حتى يراها جد أبيك" قال النووي ﵀ عقب أولها: فيه أن من مات على الكفر فهو في النار، ولا تنفعه قرابة المقربين، مع ما فيه من حسن العشرة للتسلية بالاشتراك، وقال البيهقي عقبها من كتاب دلائل النبوة: وكيف لا يكون أبواه، وجده
стр. 959
عليه السلام بهذه المثابة في الآخرة، وكانوا يعبدون الوثن حتى ماتوا ولم يدينوا دين عيسى ابن مريم ﵇ قال: وكفرهم لا يقدح في نسبه ﷺ ، لأن أنكحة الكفار صحيحة، ألا تراهم يسلمون مع زوجاتهم فلا يلزمهم تجديد العقد، ولا مفارقتهن إذا كان مثله يجوز في الإسلام.
قال ابن كثير: وإخباره ﷺ عن أبويه وجده عبد المطلب بأنهم من أهل النار لا ينافي الحديث الوارد عنه ﷺ من طرق متعددة مبينة عند قوله تعالى: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً) إن أهل الفترة والأطفال والمجانين، والصم يمتحنون في العرصات يوم القيامة فيكون منهم من يجيب، ومنهم من لا يجيب، فيكون هؤلاء من جملة من لا يجيب فلا منافاة انتهى. ولكن قد قال النووي: ليس كونهم من أهل النار مؤاخذة قبل بلغ الدعوى، فإن هؤلاء كانت قد بلغتهم دعوة إبراهيم وغيره من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم.
ومن الأدلة للمسألة: عن أبي هريرة ﵁ قال: زار النبي ﷺ قبر أمه فبكى وأبكى من حوله ثم قال: "استأذنت ربي في زيارة قبر أمي فأذن لي، واستأذننه في الاستغفار فلم يأذن لي، فزوروا القبور تذكركم الموت" وعن بريدة ﵁ قال: انتهى النبي ﷺ إلى رسم قبر،
стр. 960
فجلس وجلس الناس حوله كثيرًا، فجعل يحرك راسه كالمخاطب، ثم بكى فاستقبله عمر ﵁ فقال: فذاك أبي وأمي يا رسول الله! ما يبكي:؟ قال: "هذا قبر آمنة بنت وهب، استأذنت ربي في أن أزور قبرها فأذن لي، واستأذننه في الاستغفار لها فأبى علي، فأدركتني رقتها فبكيت" قال: فما رايت ساعة أكثر باكيًا من تلك الساعة. ولغيره في حديث لابن مسعود ﵁: "ونزول علي (ما كان للنبي والذي آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم".
وأخرجه البيهقي من حديث ابن مسعود نحوه وكذا للبزار من حديث بريدة ﵁ أن جبريل قال للنبي ﷺ : لا تستغفر لمن مات
стр. 961
مشركًا.
وفي الباب عن أبي رزين العقيل وابني ملكية الجعفيين لا نطيل بهما. وحينئذ فالقصد بزيارته ﷺ قبرها كما قال عياض، قوة الموعظة، والذكرى بمشاهدة قبرها، واستنبط منه غيره جواز زيارة المشركين في الحياة لأنه إذا جازت بعد الوفاة ففي الحياة الأولى، سيما وقد قال الله تعالى: (وصاحبهما في الدنيا معروفا).
وأما النهي عن الاستغفار للكفار، فلا يعارضه ما أخرجه البيهقي في البعث من حديث المنهال بن عمرو عن عبد الله بن الحارث عن أبي هريرة ﵁ رفعه: "يحشر الناس حفاة عراة" وذكر الحديث في قول الله لمحمد ﷺ حين يقوم عن يمين العرض: سل تعط واشفع تشفع قال: فقام رجل فقال: أترجو لوالديك شيئًا؟ فقال: "إني لشافع لهما أعطيت أو منعت، وما أرجو لهما شيئًا" لا صحبه ذاك على أن البيهقي قال: إنه يحتمل أن هذا كان قبل نزول الآية في النهي عن الاستغفار للمشركين،
стр. 962
والصلاة على المنافقين.
وقد يشير إليه قول الواحدي في الوسيط: وقرأ نافع: (ولا تسأل عن أصحاب الجحيم). أي النار بفتح التاء وجزم اللام على النهي للنبي ﷺ ، وذلك أنه نقل جبريل عن قبر أبيه وأمه، فدله عليهما فذهب إلى القبرين، ودعا لهما، وتمنى أن يعرف حال أبويه في الآخرة فنزلت.
رواه ابن جرير في تفسيره من حديث محمد بن كعب القرظي رفعه مرسلاً: "ليت شعري ما فعل أبواي، ليت شعري ما فعل أبواي" فنزلت قال: فما ذكرهما حتى توفاه الله . ومن حديث داود بن أبي عاصم رفعه مرسلاً أيضًا: أنه ﷺ قال ذات يوم: "أين أبواي؟ " فنزلت. وأورد الواحدي في الأسباب له تعليقًا فقال: وقال ابن عباس: إن رسول الله ﷺ قال ذات يوم: "ليت شعري ما فعل أبواي" فنزلت.
ووصله الثعلبي وغيره من رواية عطاء عنه وكلها ضعيفة، ورده جماعة من المفسرين باستحالة الشك من رسول الله ﷺ في أمر أبويه، منهم ابن عطية حيث قال: هذا خطأ ممن رواه، أو ظنه، لأن أبه مات وهو في بطن أمه وقيل: هو ابن شهر، وقيل: ابن شهرين، ومات أمه بعد ذلك
стр. 963
بخمس سنين، منصرفها به من المدينة من زيارة أخواله، فهذا مما لا يتوهم أنه خفي عليه ﷺ ، وكذا استبعده الفخر الرازي قال: لأنه ﷺ كان يعلم حال من مات كافرًا، ولكن دفع العماد ابن كثير هذا باحتمال أن هذا كان قبل علمه ﷺ بأمرهما فلما علم تبرأ منهما، وأخبر أنهما في النار كما ثت يعني فيما تقدم.
هذا كله على قرأه من أهل المدينة بصيغة النهي، أما على القراءة المشهورة بالرفع على الخبر، وقال الطبري: إنها الصواب عندي، لأن سياق ما قبل هذه الآية يدل على أن المراد: من مضى من اليهود والنصارى وغيرهما. قال: ويؤيد ذلك أنها في قراءة أبي "وما تسال" وفي قراءة ابن مسعود "ولن تسأل". والله أعلم.
وأما حديث إحياء الله لأبويه ﷺ حتى آمنا به، فليس هو في شيء من الكتب المشهورة، ولا هو صحيح يحتج به.
وإنما قال السهيلي: إنه وجده بخط أبي عمر أحمد بن أبي الحسن القاضي بسند فيه مجهولون، ذكر أنه نقله من كتاب انتسخ من كتاب معوذ بن داود بن معوذ الزاهد، يرفعه إلى ابن أبي الزناد عن عروة عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ سأل ربه أن يحيى أبويه، فأحياهما له وآمنا به، ثم أماتهما. وهو عند المحب الطبري في سيرته من طريق عبد الرحمن بن أبي الزناد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن النبي
стр. 964
صلى الله عليه وسلم نزل الحجون كئيبًا حزينًا، فأقام به ما شاء الله ثم رجع مسرورًا، وقال: "سألت ربي فأحيا لي أمي، فآمنت بي ثم ردها" وساقه من حديث المحب بسنده الحافظ أبو بكر محمد بن عبد الحميد القرشي المصري في "المولد من جمعه" وقال: إنه غريب جدًا، ما كتبناه إلا من هذا الوجه، وهو من الأحاديث الغرائب الحسان. انتهى.
ولكن فيه عدة من المجهولين، فكأنه أراد الحسن اللفظي، وللخطيب في السابق واللاحق عنها أيضًا قالت: حج بنا رسول الله ﷺ حجة الوداع فمر على عقبة الحجون وهو باك حزين، مغتم، فبكيت لبكاء رسول الله ﷺ ، ثم إنه طفر فنزل فقال: "يا حميراء استمسكي" فاستندت إلى جنب البعير، فمكث عني طويلاً، ثم عاد إليَّ وهو فرح متبسم فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! نزلت من عندي، وأنت باك حزين مغتم، فبكيت لبكائك يا رسول الله! ثم عدم إلي وأنت فرح متبسم، فعمَّ ذاك يا رسول الله؟ فقال: "ذهبت لقبر أمي آمنة، فسألت الله ربي أن يحييها لي، فأحياها، وآمنت بي، أو قال: فآمنت، وردها الله ". ونحوه عند ابن شاهين في الناسخ والمنسوخ عنها قالت: حججنا مع رسول الله ﷺ فنزل من البعير وهو حزين وذكره.
وهما واهيان جدًا. ولما ترجم الذهبي في ميزانه لعبد الوهاب بن موسى روى عن عبد الرحمن بن أبي الزناد حديث: "إن الله أحيا لي أمي فآمنت بي" الحديث.
وقال: لا يدري من ذا الحيوان الكذاب فإن هذا الحديث كذب،
стр. 965
مخالف لما صح من أنه ﷺ استأذن ربه في الاستغفار لها، فلم يأذن له.
قال شيخنا عقب حكايته: تكلم الذهبي في هذا الموضوع بالظن، فإنه سكت عن المتهم بهذا الحديث، وجزم بجرح القوي وقد قال الدارقطني في غرائب مالك في روايته عن أبي الزناد بعد فراغ أحاديث مالك عن أبي الزناد عن سعيد بن المسيب في قصة.
ويروى عن مالك عن أبي الزناد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة حديثان منكران باطلان، أحدهما: رواه علي بن أحمد الكعبي عن أبي غزية عن عبد الوهاب المذكور، عن مالك عن أبي الزناد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، أن النبي ﷺ لما حج مرَّ بقبر أمه آمنة، فسأل الله فأحياها فآمنت به، فردها إلى حفرتها.
وذكر الحديث الآخر، ثم قال: والإسناد، والمتنان باطلان، ولا يصح لأبي الزناد عن هشام عن أبيه عن عائشة شيء.
وهذا كذب على مالك، والحمل فيه على ابي غزية، والمتهم بوضعه هو، أومَنْ حدث به عنه، وعبد الوهاب بن موسى، لا بأس به. انتهى كلام الدارقطني.
وأخرجه ابن الجوزي في الموضوعات من طريق عمر بن الربيع الزاهد حدثنا علي بن أيوب الكعبي حدثني محمد بن يحيى أبو غزية الزهري عن عبد الوهاب فذكر الحدث بطوله.
ثم ساقه من طريق آخر فيه محمد بن الحسن النقاش المفسر حدثنا أحمد بن يحيى حدثنا محمد بن يحيى حدثنا عبد الوهاب ثم قال ابن
стр. 966
الجوزي النقاش ليس بثقة، وأحمد بن يحيى ومحمد بن يحيى مجهولان، فأما قوله في علي بن ايوب الكعبي، فوافقه ابن عساكر عليه لما أخرج هذا الحديث بطوله، فإنه أورده في غرائب مالك من طريق الحسين بن علي بن محمد بن إسحاق الحلبي حدثنا أبو طالب عمر بن الربيع الخشاب عن علي بن أيوب الكعبي من ولد كعب بن مالك حدثني محمد بن يحيى الزهري أبو غزية حدثني عبد الوهاب بن موسى حدثني مالك عن أبي الزناد عن هشام بن عروة بلفظ: حج بنا رسول الله ﷺ في حجة الوداع، فمر بي على عقبة الحجون وهو باك حزين مغتم، فبكيت لبكائه، ثم أنه طفر، فنزل وقال: "يا حميراء استمسكي إلى جنب البعير" فمكث عني طويلاً ثم عاد إليَّ وهو فرح متبسم فقلت له: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! نزلت من عندي وأنت باك حزين مغتم، فبكيت لبكائك، ثم إنك عدت وأنت فرح، فبم ذا يا رسول الله؟ قال: "مررت بقبر أمي آمنة، فسال الله أن يحييها، فأحياها فآمنت بي، وردها الله". قال ابن عساكر: وهذا
стр. 967
حديث منكر. من حديث عبد الوهاب بن موسى الزهري المدني عن مالك، والكعبي مجهول والحلبي صاحب غرائب، ولا يعرف لابي الزناد رواية عن هشام، وهشام لم يدرك عائشة فلعله سقط من كتابي عن أبيه. انتهى.
قال شيخنا: ولم ينبه على عمر بن الربيع، ولا على محمد بن يحيى، وهما أولى أن يلصق بهما هذا الحديث من الكعبي وغيره، وما ظنه في سقوط "عن أبيه" هو مروي كما قدمناه بإثباته وفي عبد الوهاب بن موسى من اللسان ما يراجع أيضًا، وبالجملة فقد اتفق شيخنا والذهبي على وهاء هذا المتن جدًا، وسبقهما الدارقطني لبطلانه، والحكم بوضعه، وكذا حكم بوضعه ابن الجوزي ونقل ذلك أيضًا عن شيخه محمد بن ناصر، لأن قبر آمنة بالأبوء كما ثبت في الصحيح، وأبو غزية هذا زعم أنه بالحجون. وسبق ابن الجوزي إلى الحكم بوضعه ومعارضته بحديث بريدة، الجوزقاني في كتابه الأباطيل وبنكارته ابن عسكار إلى غيرهم ممن أشير إليهم، وقول السهيلي عقب الأول من هذه الروايات، ما نصه: وهو غريب تحسين للعبارة قال: ولعله أن يصح. فالله قادر على كل شيء، ونبيه ﷺ أهل أن يخصه الله بما شاء من كرامته ﷺ ،
стр. 968
ونحوه قول ابن كثير: إنه حديث منكر جدًا، وإن كان ممكنًا بالنظر إلى قدرةالله تعالى، لكن الذي ثبت في الصحيح كما تقدم يعارضه انتهى.
قال القرطبي في أوائل التذكرة: ولا تعارض والحمد لله، يعني بينه وبين ما في الصحيح، لأن إحيائهما متأخر عن الاستغفار لهم، بدليل حديث عائشة: إن ذلك كان في حجة الوداع، ولهذه جعله ابن شاهين ناسخًا لما ذكر من الأخبار، وكذا أجاب عن الآية بأنها كانت قبل إيمانهما ثم قال: وقد سمعت أن الله أحيا له عمه أبا طالب، وآمن به. فالله أعلم بما قال. ثم قال وقيل: إن ـ هذا يعني حديث الإحياء ـ موضوع، يرده القرآن والإجماع قال الله تعالى: (ولا الذين يموتون وهم كفار) وقال: (فيمت وهو كافر) فمن كان كافرًا لم ينفعه الإيمان بعد الرجعة بل لو آمن عند المعاينة لم ينتفع فكف بعد الإعادة؟
ونحوه تعقب غيره أيضًا المقالة، بأن القرآن دل على أن من مات كافرًا يخلد في النار، ورده القرطبي بقوله: وفيه نظر، وذلك أن فضائل النبي ﷺ ، وخصائصه، لم تزل تتوالى وتتابع إلى حين مماته، فيكون هذا مما فضله الله تعالى وأكرمه به، وليس إحياءها وإيمانهما به يمتنع شرعًا
стр. 969
وعقلاً، زيادة في كرامته ﷺ وفضيلته مع ما ورد من الخير في ذلك فقد ورد في الكتاب إحياء قتيل بني إسرائيل، وإخباره بقاتله. وكان عيسى ﵇ يحيى الموتى، وأحيى الله على يدي نبينا ﷺ جماعة من الموتى، معجزة له، وإذا ثبت هذا، فما يمنع من إيمانهما بعد إحيائهما، زيادة في كرامته ﷺ وفضيلته، مع ما ورد من الخبر في ذلك ويخص من عموم من مات كافرًا زاد غيره: أنه يروي في الخبر: أن الله رد الشمس على نبيه يعد مغيبها ذكره الطحاوي وقال: إنه حديث ثابت قال: فلو لم يكن رجوع الشمس نافعًا، وأنه لا يتحدد الوقت، لما ردها عليه، فكذلك يكون إحياء أوبي النبي ﷺ نافعًا لإيمانهما، وتصديقهما بالنبي ﷺ ، وقد قبل الله إيمان قوم يونس وتوبتهم مع تلبسهم بالعذاب، فيما ذكر في بعض الأقوال، وهو ظاهر القرآن، وما أحسن قول حافظ الشام في وقته الشمس ابن ناصر الدين عقب الثاني:
стр. 970
حبا الله النبي مزيد فضل ... على فضل وكان به رؤوفا
فأحيا أمه وكذا أباه ... لإيمان به فضلاً لطيفًا
فسلم فالقدير بذا قدير ... وإن كان الحديث به ضعيفا
وقد قال الفخر الرازي في "أسرار التنزيل" له: إن آباء النبي ﷺ وسائر الأنبياء ما كانوا كفارًا لقوله تعالى: (وتقلبك في الساجدين) فمعناه أنه تنقل روحه من ساجد إلى ساجد واستدل له بقوله ﷺ : (لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين إلى أحارم الطاهرات) وقوله تعالى: (إنما المشركون نجس) قال: فوجب أن لا يكون أحد من أجداده ﷺ مشركًا. انتهى.
ولكن قد روي البزار وابن أبي حاتم من طريقين عن ابن عباس أنه قال في هذه، الآية يعني بنقله من صلب نبي إلى صلب نبي حتى أخرجه نبيًا. وفي لفظ: مازال ينقل في أصلاب الأنبياء ﵈ حتى ولدته أمه ﷺ .
стр. 971
وحكى الفخر في تأويل (وتقلبك) غير ذلك، مما أودعته في مؤلف آخر قال: وكلها محتملة، والروايات وردت بالكل، ولا منافاة بينها، فوجب حملها على الكل ثم رجح أولها، وهو الذي اقتصرنا على حكايته بالحديث، والآية.
قلت: لكن تخصيص ابن عباس بما تقدم يخدش في عمومه مع شواهده الصحيحة ومحبتنا لما كان النبي ﷺ يحبه.
ولقد بلغنا عن بعض أئمة المغاربة المعاصرين لنا، أنه كان إذا ذكر أبا طالب عم النبي ﷺ ، واستحضر قيامه مع النبي ﷺ ، ومزيد شفقته عليه، وحنوه يقول: إنه سيد، ويكثر البكاء والنحيب، ويقول: يا رب أسألك من فضلك، وجزيل عطائك أن تمن علي بأن أكون فداء له، أو نحو هذا مما الحامل له عليه حبه للنبي ﷺ ، ولكن الله أعلم وأرأف، وأرحم، والوقوف مع النصوص الصريحة أحكم، وترك الخوض فيما لا يضطر إليه أسلم. ولذا كان الأولى عندي عدم إشاعة الكلام في ذلك، وترك الخوض فيه، إلا إن دعت الضرورة إليه، كما اتفق في سبب الاستفتاء لاستلزامه أحد أمرين، تصحيح البطال أو رد الصحيح الصريح، ولسنا مكلفين لزائد على هذا، ولذا لم يتكلم المنذري في حاشية السنن، ولا الخطابي في معالمه فيه.
وأما أبو داود صاحب السنن، فعنده بدل "ما دخلت الجنة حتى يراها جد أبيك" فذكر تشديدًا عظيمًا وقال السهيلي عقب الحديث الأول: وليس لا أننقول نحن هذا في أبويه ﷺ لقوله ﷺ : "لا تؤذوا
стр. 972
الأحياء بسبب الأموات" قال: وإنما قال النبي ﷺ لذلك الرجل هذه المقالة لأنه وجد في نفسه قال: وقد قيل: إنه قال له: أين أبوك أنت؟ فحينئذٍ قال ذلك. انتهى.
والحديث الذي اشار إليه يروى بلفظ: "لا تسبوا أمواتنا فتؤذوا أحياءنا" قاله حين قيل للعباس ﵁: أبا الفضل! أرأيت عبد المطلب بن هاشم والغيطلة كاهنة بني سهم جمعهما الله معًا في النار، وأن العباس صفح عنه إلى أن كرر مقاله، ثم إنه لم يملك نفسه أن رفع يده فوجًا أنفه، فكفاه مع قوله: والله لقد علمت أن عبد المطلب كذلك، لكونه ما إياه أراد، وإنما أرادني، فقال رسول الله ﷺ : "ما بال أحدكم يؤذي أخاه في الأمر وإن كان حقًا".
стр. 973
٢٧٦ - مسألة: قوال قال في مجتمع لنكاح مما عزاه للصحيحين من حديث ابن أعبد قال: قال لي علي بن أبي طالب ﵁: ألا أحدثك عني وعن فاطمة ابنة رسول الله ﷺ وكانت من أحب أهله إليه؟ قلت: بلى، قال: إنهاجرت بالرحي حتى أثر في يدها واستقت بالقرية حتى أثر في نحرها، وكنست البيت حتى اغبرت ثيابها، فأتى النبي ﷺ خدم فقلت: لو أتيت أباك فسألتيه خادمًا، فأتته فوجدت عنده حداثًا فرجعت فأتاها من الغد فقال: "ما كان حاجتك؟ " فسكتت، فقلت: أنا أحدثك يا رسول الله، جرت بالرحي حتى أثر في يدها، وحملت بالقرية حتى أثرت في نحرها، فلما أن جاءك الخدم أمرتها أن تأتيك فتستخدمك خادمًا يقيها حر ما هي فيه قال: "اتقي الله يا فاطمة، وأدي فريضة ربك، واعملي عمل أهلك، وإذا أخذت مضجعك فسبحي ثلاثًا وثلاثين، واحمدي ثلاثًا وثلاثين، وكبري أربعًا وثلاثين، تلك مائة، هي خير لك من خادم" قالت: رضيت عن الله وعن رسول الله ﷺ ، فهل عزوه للصحيحين صحيح أم لا؟ وإذا لم يكن فيهما أو في أحدهما فهل هو صحيح أم لا؟
فالجواب: قصة مجيء فاطمة ﵂ إلى رسول الله ﷺ تستخدم رواها غير واحد من الصحابة، منهم: علي، وأبو هريرة، وأم سلمة، وأم الحكم، أو ضباعة ابنتا الزبير على الشك من الراوي وأولها أصحها، ولها عنه طرق، فرواها عنه حبيب بن عبد الرحمن، والحسين بن علي، والسائب بن مالك الثقفي، وشبث بن ربعي، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعبد الله بن يعلي، وهمام النهدي، وعبيدة بن عمرو، وعلي بن أعبد، والقاسم مولى معاوية، ومحمد بن الحنفية، وهبيرة بن يريم، وأبو أمامة، وأبو مريم، وأصحها طريق ابن أبي ليلى، فقد اتفق الشيخان على تخريجها من جهته وهي في البخاري في أربعة أماكن: في
стр. 974
الخمس وفي فضل علي وفي النفقات وفي الدعوات ولم يزد على أنها اشتكت ما تلقى من الرحي، وكون التكبير أربعًا وثلاثين، إلا الدعوات، فإنه وقع التكبير فيها كالتسبيح والتحميد، وأخرجها مسلم في الدعوات مقتصرًا على شكوى الرحي وكون التكبير أربعًا وثلاثين، وممن راوها عن ابن أبي ليلى الحكم بن عتيبة وعمرو بن مرة، ومجاهد، ومن أضعف الطرق عن علي طريق ابن أعبد، وهي المقصودة الآن بالبيان، وهي عند أبي داود في الخراج من سننه والنسائي في مسند علي وعبد الله بن أحمد في زوائد المسند والطبراني في الدعاء، وآخرون ومدارها على سعيد الجريرري وهو وإن كان قد اختلط فهو مما حدث به قبل اختلاط ولكن تابعيها ولم يقع تسميته في شيء من الطرق المشار إليها، قال فيه ابن المديني: إنه ليس بمعروف ولا أعرف له غير هذا
стр. 975
الحديث. والراوي عنه وهو أبو الورد لم أر فيه توثيقًا لأحد من الأئمة، سوى أن ابن سعد قال: إنه كان معروفًا قليل الحديث. وإذا لم يكن الراوي معروفًا بالعدالة، والضبط لا يقبل منه ما ينفرد به عن الثقات، لا سيما وقد صح من حديث السائب أن عليًا ﵁ قال: لقد سنوت أي استقيت من البئر بحيث كنت مكان السانية وهي الناقة حتى قد اشتكيت صدري فقالت له فاطمة ﵂: وأنا والله لقد طحنت حتى مجلت يداي وهذا هو اللائق بالمقام، فالاستقاء، وحمل القربة إنها هو للرجال غالبًا خصوصًا سيدة نساء أهل الجنة فإن زوجها ﵁ لا يصل بها إلى هذه الحالة، وإن كن ﵅ يبالغن في مرضات أزواجهن حتى قالت ابنة أبي بكر الصديق ﵄: تزوجني الزبير، وما له في الأرض مال، ولا مملوك، ولا شيء غير فرسه قالت: فكنت أعلف فرسه، وأكفيه مؤنته وأسوسه، وأدق النوى لناضحه، وأعلفه، وأسقيه الماء، وأخرز غربه وأعجن، ولم أكن أحسن أخبز،
стр. 976
قالت: وكنت أنقل النوى من أرض الزبير التي أقطعه رسول الله ﷺ على راسي وهي على ثلثي فرسخ فقد قال الزبير حين قالت له: أنها لقيت النبي ﷺ يومًا وعلى رأسها النوى ومعه نفر من أصحابه، فدعاها ليحملها خلفه فاستحيت أن تسير مع الرجال، لما تعلمه من شدة غيرة زوجها، وعرف ﷺ ذلك منها فمضى: والله لحملك النوى كان أشد علي من ركوبك معه. قالت: حتى أرسل إلى أبو بكر بعد ذلك بخادم فكفتني سياسة الفرس فكأنما أعتقتني. وإذا كان هذا حال الزبير مع أسماء ﵄ في تأمله بامتهانها بحمل النوى، فحال علي مع السيدة الزهراء ﵄ في حمل القربة الذي هو أبلغ في ذلك، وما ثبت من أن عائشة، وأم سليم كانتا تنقلان القرب على متونهما تفرغانه في أفواه القوم. فذاك فيما يظهر، لاشتغال الرجال بما هو أهم، بل ذلك معدود في مناقبهما ﵄ وهذا كاف في نكارة هذه الزيادة، فكيف يحكم بصحتها، فضلاً عن عزوها للصحيحين، أو أحدهما، ولا يجوز حمله على إرادة أصل
стр. 977
الحديث، إلا إن كان محل الاستشهاد منه فيه، وإلا فهو عبث في الدين وتلبيس، لا يجوز اعتماده، ولا الإقرار عليه، فضلاً عن التعصب مع مفتريه وقد بسطته في موضع آخر. والله المستعان.
٢٧٧ - مسألة: فيما يفعل، أو يقال لمن به صداع أو حمى، أو نحوهما من الأوجاع .
فالجواب: تقرأ الفاتحة، وقل هو الله أحد، والمعوذتين، وذلك بعد جمع القارئ كفيه، ونفئه فيهما، ثم بعد القراءة يمسح بهما ما استطاع من جسد المريض ويبدأ براسه، ووجهه، وما أقبل من جسده يفعل ذلك ثلاثًا، ويقال: بسم الله الكبير، نعوذ بالله العظيم من شر عرق نعار، ومن شر حر النار، الحمد لله رب العالمين، لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض، ورب العرش الكريم، يا حي يا قيوم، برحمتك استغيث، لا إله إلا أنت، اللهم
стр. 978
رحمتك أرجو فلا تلكني إلى نفسي طرفه عين، وأصلح لي شأني كله، ويضع يده على المكان الذي يألمه من جلده ورأسه ويقول: بسم الله ثلاثًا، وأعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر، سبع مرات، اللهم ارحم عظمي الدقيق، وجلدي الرقيق، وأعوذ بك من فورة الحريق، يا أم ملدم، إن كنت آمنت بالله واليوم الآخر، فلا تأكلي اللحم ولا تشربي الدم، ولاتقوري على الفم، وانتقلي إلى من يزعم أن مع الله إلهًا آخر، فإني أشهد أن لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله.
стр. 979
وينفع من الحمى والجنون والجذام والبرص والعين كتابة: أعوذ بكلمات الله تامة، وأسمائه كلها عامة، من شر السامة والهامة، ومن شر العين اللامة، ومن شر حاسد إذا حسد، ومن شر إلى فترة، وما ولد.
ومن المجرب في الصداع بخصوصه، مما قرأته بخط بعض السادات (وله ما سكن في الليل والنهار، وهو السميع العليم) (ألم ترك إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنًا ثم جعلنا الشمس عليه دليلاً) اسكن أيها الضارب، بسم الله الطالب الغالب اسكن أيها الضارب، بالذي تجلى على الجبل فجعله دكًا (وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباءًا منثورًا) بسم الله المعافي، بسم الله الشافي، بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم، ارتفع أيها الضارب، بألف لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ارتفع برب مكة والحرم، وبمجرى القلم هذا، بقدرة الفرد الصمد، الذي لم يلد ولا يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، وكذا قال الكمال الدميري. أفادني بعض أهل الخير أنه إذا كتبت أسماء الفقهاء السبعة وعلقت على الرأس أزالت الصداع العارض.
عبيد الله، عروة، قاسم، سعيد، أبو بكر، سليمان، خارجة، ويروى أنه صلى الله عليه وسلم
стр. 980
قال: (يا علي إذا صدع راسك فضع يدك عليه واقرأ آخر سورة الحشر" ذكره الديلمي في الفردوس وأسنده ابنه عن علي وابن مسعود مسلسلاً. وللديلمي عن عقبة بن عامر مرفوعًا: "الحناء خضاب الإسلام يزين المؤمن، ويذهب بالصداع، وتحد البصر، وتزيد في الجماع" وعن النضر بن حميد رفعه: "عليكم بالشمس فإنها بكم برة تنزع الوجع، والصداع من الراس". ويطفأ عنه حر الحمى بماء زمزم كما في حديث مرفوع. وإن وجد شيئًا من أثره ﷺ شعرًا أو غيره فليغمسه فيه ولو كان في جوف شيء من زجاج ونحوه ثم يغسل به وجهه. فقد روينا في دلائل النبوة للبيهقي من طريق عثمان بن موهب قال: كان عند أم سلمة زوج النبي
стр. 981
صلى الله عليه وسلم ﵂ خلخال من فضة ضخم فيه من شعر النبي ﷺ فكان إذا أصاب إنسانًا الحمى بعث إليها فخضخضت فيه ثم ينضحه الرجل على وجهه. قال عثمان: وبعثني أخي إليها فأخرجته وذكر هيئته، بل حكى أبو حفص السمرقندي في كتابه رونق المجالس: أن تاجرًا توفي وكان كثير المال، فورثه ابناه وكان مما خلفه ثلاث شعران من شعره ﷺ ، فأخذ كل منهما شعرة، وامتنع أصغرهما من قسم الثالثة إجلالاً لشعر النبي ﷺ ، بل ارتضى أن تكون الشعرات كلها عوضًا عن حصته من الميراث وهي شيء كثير، وأخذها فجعلها في جيبه، وصار يخرجها في كل قليل فيشاهدها ويصلي على النبي ﷺ ثم يعيدها إلى جيبه، فلم تمض إلا أيام وفني مال أكبرهما ونما الصغير كثيرًا. بل لما مات رأى بعض الصالحين النبي ﷺ وهو يقول له: "قل للناس من كانت له إلى الله حاجة فليأت قبره، ويسأل في قضائها". فكان الناس يقصدون قبره لذلك، بل لم يكن يمر بقبره أحد راكبًا إلا ترجل عن دابته.
وكفى بهذا فخرًا لمن يكون خادمًا لشيء من آثاره الشريفة، وإن ضم إلى ذلك إمرارًا لما على الحجر الأسود، والركن اليماني كان أعلى، فمسح النبي ﷺ لهما محقق، وهذه الآثار ظنية. والله أعلم.
стр. 982
٢٧٨ - مسألة: ما يكتب أو يقال لمن يتعسر عليها الولادة .
فالجواب: روى الدينوري في الجزء الرابع عشر من مجالسته من طريق عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: مر عيسى بن مريم ﷺ ببقرة قد اعترض ولدها في بطنها فقالت: يا كلمة الله ادع الله أن يخلصني فقال ﷺ : يا خالق النفس من النفس ويا مخرج النفس من النفس خلصها، فألقت ما في بطنها. قال: فإذا عسر على المرأة ولدها فليكتب لها هذا.
وروينا في الجزء الأخير من مكارم الأخلاق للخرائطي من جهة شهر بن حوشب عن أبي هريرة قال: بينما يحيى بن زكريا وعيسى بن مريم ﵈ في البرية إذ رأيا وحشية ماخضًا فقال عيسى ليحيى: ما تلك الكلمات؟ فقال يحيى: حنة ولدت مريم مريم ولدت عيسى الأرض تدعوك يا ولد اخرج، يا ولد اخرج قال: فوضعت، قال حماد بن زيد ـ يعني راويه ـ: فما بحضرتنا امرأة تطلق، فقيل هذا عندها إلا ولدت، قال حماد: حتى الشاة تكون ماخضًا فأقوله وأنا قائم، فما أبرح حتى تضع. وللدينوري في الرابع عشر من المجالسة من طريق محمد بن الحكم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: إذا عسر على المرأة ولدها فليكتب لها، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين (كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلثبوا إلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم
стр. 983
الفاسقون).
ورواه البيهقي في الدعوات مترجمًا عليه: ما يقول إذا عسر على المرأة ولدها من طريق الحكم بن عتيبة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال في المرأة يعسر عليها ولدها قال: يكتب في قرطاس، ثم تسقى بسم الله الذي لا إله إلا هو الحليم الكريم، سبحان الله وتعالى رب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين (كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون) (كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها) وقال عقبه: هذا موقوف على ابن عباس.
قلت: قد رواه ابن السني في عمل اليوم والليلة له، من طريق الحكم به مرفوعًأ، ولفظه: "إذا عسر على المرأة ولدها، أخذ إناء نظيف فيكتب فيه: (كأنهم يوم يرون ما يوعدون) الآية و (كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها) و (لقد كان في قصصهم عبرة لأولى الألباب) إلى آخر الآية وتسقى المرأة منه، وينضح على بطنها، وفرجها. وروينا في جزء تمثال النعل لابن عسكار: أن مثال النعل الشريف إذا أمسكته الحامل بيمينها، وقد اشتدعليها الطلق تيسر أمرها، وكذا قيل في الموطأ للإماممالك: أنه إذا وضع على رأسها فسهل أمرها.
وفي ترجمة التاج محمد بن هبة الله البرمكي الحموي من طبقات
стр. 984
الشافعية الكبرى لابن السبكي، أنه قرأ بخطه من نظمه:
اثنان من بعدهما تسعة ... وسبعة من قبلها أربع
وخمسة ثم ثلاث ومن ... بعد ثلاث ستة تتبع
ثم ثمان قبلها واحد ... فرتب الأعداد إذ تجمع
وقال: إنه يكتب على خرقتين لم يصبهما ماء وتضعهما المطلقة تحت قدميها فإنها تضع بإذن الله وهذه صورتها:
٢ ... بطل
٧ ... زهج
٦ ... واح
انتهى ما وجد بخط المذكور والله المستعان.
стр. 985
٢٧٩ - مسألة: هل ورد أنه من أراد أن يكون حمل زوجته ذكرًا فليضع يده على بطنها وليقل: إن كان هذا الحمل ذكرًا سميته محمدًا، فإنه يكون ؟
فالجواب: لا أصل له في المرفوع. نعم، روينا في جزء أبي شعيب عبد الله بن حسن الحراني عن عطاء الخراساني أنه قال: ما سمي مولود في بطن أمه محمدًا إلا أذكر.
وفي ترجمة محمد بن سلام بن مسكين البغدادي من تاريخ ابن النجار قال: حدثنا وهب بن وهب حدثنا جعفر بن محمد حدثنا محمد بن علي حدثنا علي بن الحسين حدثنا الحسين بن علي حدثنا علي بن أبي طالب قال: من كان له حمل فنوى أن يسميه محمدًا حوله الله ذكرًا وإن كان أثنى. قال وهب: فنويت سبعة كلهم سميتهم محمدًا.
وعند الدينوري في الجزء الرابع عشر من «المجالسة» من طريق أبي الزناد قال: كنت ميناثًا فقلت ذلك لبعض إخواني فقال: إذا جامعت فاستغفر فولد لي بضعة عشر ذكرًا.
ومثله ما في «تذكرة الغافل وأنس العاقل» لأبي الغنائم النرسي من حديث محمد بن زياد قال: قدمت المدينة فرأيت موسى بن جعفر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب جالسًا في الروضة الشريفة في مسجد النبي ﷺ والناس يسألونه فتذكرت شيئًا أسأله عنه فلم أذكر وكنت ميناثًا فذكرت ذاك له فقال: إذا أردت أن تجامع فاستغفر ففعلت فولد لي بضعة عشر ذكرًا.
следующие страницы →