← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 17878

الأجوبة المرضية فيما سئل السخاوي عنه من الأحاديث النبوية

السخاوي

Полный текст (1 198 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

صلى الله عليه وسلم ﵂ خلخال من فضة ضخم فيه من شعر النبي ﷺ فكان إذا أصاب إنسانًا الحمى بعث إليها فخضخضت فيه ثم ينضحه الرجل على وجهه. قال عثمان: وبعثني أخي إليها فأخرجته وذكر هيئته، بل حكى أبو حفص السمرقندي في كتابه رونق المجالس: أن تاجرًا توفي وكان كثير المال، فورثه ابناه وكان مما خلفه ثلاث شعران من شعره ﷺ ، فأخذ كل منهما شعرة، وامتنع أصغرهما من قسم الثالثة إجلالاً لشعر النبي ﷺ ، بل ارتضى أن تكون الشعرات كلها عوضًا عن حصته من الميراث وهي شيء كثير، وأخذها فجعلها في جيبه، وصار يخرجها في كل قليل فيشاهدها ويصلي على النبي ﷺ ثم يعيدها إلى جيبه، فلم تمض إلا أيام وفني مال أكبرهما ونما الصغير كثيرًا. بل لما مات رأى بعض الصالحين النبي ﷺ وهو يقول له: "قل للناس من كانت له إلى الله حاجة فليأت قبره، ويسأل في قضائها". فكان الناس يقصدون قبره لذلك، بل لم يكن يمر بقبره أحد راكبًا إلا ترجل عن دابته. وكفى بهذا فخرًا لمن يكون خادمًا لشيء من آثاره الشريفة، وإن ضم إلى ذلك إمرارًا لما على الحجر الأسود، والركن اليماني كان أعلى، فمسح النبي ﷺ لهما محقق، وهذه الآثار ظنية. والله أعلم.

стр. 982

٢٧٨ - مسألة: ما يكتب أو يقال لمن يتعسر عليها الولادة . فالجواب: روى الدينوري في الجزء الرابع عشر من مجالسته من طريق عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: مر عيسى بن مريم ﷺ ببقرة قد اعترض ولدها في بطنها فقالت: يا كلمة الله ادع الله أن يخلصني فقال ﷺ : يا خالق النفس من النفس ويا مخرج النفس من النفس خلصها، فألقت ما في بطنها. قال: فإذا عسر على المرأة ولدها فليكتب لها هذا. وروينا في الجزء الأخير من مكارم الأخلاق للخرائطي من جهة شهر بن حوشب عن أبي هريرة قال: بينما يحيى بن زكريا وعيسى بن مريم ﵈ في البرية إذ رأيا وحشية ماخضًا فقال عيسى ليحيى: ما تلك الكلمات؟ فقال يحيى: حنة ولدت مريم مريم ولدت عيسى الأرض تدعوك يا ولد اخرج، يا ولد اخرج قال: فوضعت، قال حماد بن زيد ـ يعني راويه ـ: فما بحضرتنا امرأة تطلق، فقيل هذا عندها إلا ولدت، قال حماد: حتى الشاة تكون ماخضًا فأقوله وأنا قائم، فما أبرح حتى تضع. وللدينوري في الرابع عشر من المجالسة من طريق محمد بن الحكم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: إذا عسر على المرأة ولدها فليكتب لها، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين (كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلثبوا إلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم

стр. 983

الفاسقون). ورواه البيهقي في الدعوات مترجمًا عليه: ما يقول إذا عسر على المرأة ولدها من طريق الحكم بن عتيبة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال في المرأة يعسر عليها ولدها قال: يكتب في قرطاس، ثم تسقى بسم الله الذي لا إله إلا هو الحليم الكريم، سبحان الله وتعالى رب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين (كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون) (كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها) وقال عقبه: هذا موقوف على ابن عباس. قلت: قد رواه ابن السني في عمل اليوم والليلة له، من طريق الحكم به مرفوعًأ، ولفظه: "إذا عسر على المرأة ولدها، أخذ إناء نظيف فيكتب فيه: (كأنهم يوم يرون ما يوعدون) الآية و (كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها) و (لقد كان في قصصهم عبرة لأولى الألباب) إلى آخر الآية وتسقى المرأة منه، وينضح على بطنها، وفرجها. وروينا في جزء تمثال النعل لابن عسكار: أن مثال النعل الشريف إذا أمسكته الحامل بيمينها، وقد اشتدعليها الطلق تيسر أمرها، وكذا قيل في الموطأ للإماممالك: أنه إذا وضع على رأسها فسهل أمرها. وفي ترجمة التاج محمد بن هبة الله البرمكي الحموي من طبقات

стр. 984

الشافعية الكبرى لابن السبكي، أنه قرأ بخطه من نظمه: اثنان من بعدهما تسعة ... وسبعة من قبلها أربع وخمسة ثم ثلاث ومن ... بعد ثلاث ستة تتبع ثم ثمان قبلها واحد ... فرتب الأعداد إذ تجمع وقال: إنه يكتب على خرقتين لم يصبهما ماء وتضعهما المطلقة تحت قدميها فإنها تضع بإذن الله وهذه صورتها: ٢ ... بطل ٧ ... زهج ٦ ... واح انتهى ما وجد بخط المذكور والله المستعان.

стр. 985

٢٧٩ - مسألة: هل ورد أنه من أراد أن يكون حمل زوجته ذكرًا فليضع يده على بطنها وليقل: إن كان هذا الحمل ذكرًا سميته محمدًا، فإنه يكون ؟ فالجواب: لا أصل له في المرفوع. نعم، روينا في جزء أبي شعيب عبد الله بن حسن الحراني عن عطاء الخراساني أنه قال: ما سمي مولود في بطن أمه محمدًا إلا أذكر. وفي ترجمة محمد بن سلام بن مسكين البغدادي من تاريخ ابن النجار قال: حدثنا وهب بن وهب حدثنا جعفر بن محمد حدثنا محمد بن علي حدثنا علي بن الحسين حدثنا الحسين بن علي حدثنا علي بن أبي طالب قال: من كان له حمل فنوى أن يسميه محمدًا حوله الله ذكرًا وإن كان أثنى. قال وهب: فنويت سبعة كلهم سميتهم محمدًا. وعند الدينوري في الجزء الرابع عشر من «المجالسة» من طريق أبي الزناد قال: كنت ميناثًا فقلت ذلك لبعض إخواني فقال: إذا جامعت فاستغفر فولد لي بضعة عشر ذكرًا. ومثله ما في «تذكرة الغافل وأنس العاقل» لأبي الغنائم النرسي من حديث محمد بن زياد قال: قدمت المدينة فرأيت موسى بن جعفر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب جالسًا في الروضة الشريفة في مسجد النبي ﷺ والناس يسألونه فتذكرت شيئًا أسأله عنه فلم أذكر وكنت ميناثًا فذكرت ذاك له فقال: إذا أردت أن تجامع فاستغفر ففعلت فولد لي بضعة عشر ذكرًا.

стр. 986

قال أبو الأسود راوي ذلك عن محمد بن زياد: فأنا رأيت منهم جماعة. تتمة: في باب السخاء من مكارم الأخلاق للخرائطي من حديث عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد حدثتني أمي قالت: كانت بمرو امرأة تلد البنات فولدت تسع بنات فلما حملت العاشرة قال لها النساء: يا فلانة إن ولدت المرة ابنة فاحمدي الله فقالت: إن ولدت المرة ابنة لم أحمد الله قال: فولدت خنزيرة فقالت لها أمي: فأتيتها فنظرت إلى الحنزيرة تحت قميصها فعاشت ثلاثة ايام ثم ماتت. وفي تاريخ بخاري لغنجار قال: حدثنا أحمد بن أبي حامد الباهلي سمعت بكر بن منير بن خليد ـ يعني الثقة المشهور ـ يقول: سمعت محمد بن الهيثم بن خالد البجلي الحافظ ببخاري ـ الذي سمعت البخاري يقول: اكتبوا عنه فإنه رجل مستور صدوق ـ يقول: كان ببغداد قائد من بعض قواد المتوكل وكانت امرأته تلد البنات، فحملت المرأة مرة، فحلف زوجها: إن ولدت هذه المرة بنتًا فإني أقتلك بالسيف، فلما قربت ولادتها، وجلست القابلة ألقت المرأة مثل الجريب وهو يضطرب، فشقوه، فخرجه منه أربعون ابنًا وعاشوا كلهم. قال محمد بن الهيثم: وأنا رأيتهم ببغداد ركبانًا خلف أبيهم، وكان اشتري لكل واحد منهم ظئرًا. وأشار إليه الكمال الدميري في الفرائص من شرح المناهج له فقال:

стр. 987

وحكى في "المطلب" عن محمد بن الهيثم عن زوجة كانت لسلطان بغداد وضعت كيسًا فيه أربعون ولدًا، وأنهم عاشوا، وركبوا الخيل، وقاتلوا مع أبيهم قال: وعن ابن المرزبان أنه قال في امرأة بالأنبار: ألقت كيسًا فيه اثنا عشر ولدًا. وعن الشافعي قال: أخبرني شيخ باليمن أنه ولد له خمسة أولاد في بطن واحد. انتهى. وعن أبي العباس بن سعيد فيما سمعه منه الدارقطني قال: بنو أبي إسماعيل راشد السلمي أربعة، ولدوا في بطن، وعاشوا حتى رووا العلم. وسبقه لذلك البخاري وقال: عامتهم محدثون، ولم يسمنا الرابع، ولأجلهم كان شريك بن عبد الله القاضي، إذا مات الرجل وله حمل وأرادوا قسم ميراثه عزلوا نصيب أربعة ذكور. ومما قيل فيمن يريد [أن] يعلم، هل المرأة حامل بذكر، أم أنثى، يأخذ قملة، ويحلب علهيا من لبنها في كف إنسان، فإن خرجت القملة من اللبن فهي جارية، وإن لم تخرج فذك. ويروى كما لابي نعيم في الطب عن موسى بن جعفر عن أبيه عن جده مرفوعًا: "أطعموا حبلاءكم اللبان فإن يكن في بطنها ذكر يكن ذكي القلب، ,إن تكن أنثى يحسن خلقها وتعظم عجيزتها".

стр. 988

٢٨٠ - مسألة: ذم إمرة الصغار ، مروي في أحاديث. منها: عند أحمد وابن ماجه وغيرهما بسند حسن عن أنس ﵁ قال: قيل: يا رسول الله! متى نترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ قال: "إذا ظهر فيكم ما ظهر في الأمم السابقة" وفي رواية: "في بني إسرائيل" قالوا: يا رسول الله! وما ظهر في الأمم قبلنا؟ قال: "الملك في صغاركم، والفاحشة في كباركم، والعلم في رذالتكم".وفي لفظ: "إذا ظهر الادهان في خياركم، والفاحشة في كباركم، وتحول الملك في صغاركم، والفقه في رذالكم". ولكن ما المراد بالصغر، يظهر والله أعلم أنه ليس المراد به صغر السن، إذ رب صغيرٍ أفضل وأولى من كثير من الكبار، ويشير إليه قوله تعالى: (يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك) وقد قدم النبي ﷺ عتاب بن أسيد، ومعاذ بن جبل، وغيرهما من الصحابة ﵃ للولايات، مع صغر أسنانهم، بل يورى أنه ﷺ أرسل سرية فاستقرأهم فقرًا شيخ، ثم قرأ شاب، فاستعمله، فقال الشيخ: استعملته علي وأنا أكبر منه

стр. 989

سنًا فقال: "إنه أكثر منك قرآنًا". وكان عمرو بن سلمة الجزمي، يؤم قومه وهو صغير، وفيهم من هو أكبر منه لكونه أفضلهم وأقرأهم. وكان عمر ﵁ يدخل ابن عباس ﵄ من أشياخ بدرً فكأن بعضهم وجد في نفسه فقال: لم يدخل هذا معنا، ولنا أبناء مثله، فقال عمر: إنه ممن علمتم فدعاهم ذام يوم فأدخله معهم، قال ابن عباس: فما رأيت أنه دعاني يومئذِ إلا ليريهم قال: ما تقولون في قول الله (إذا جاء نصر الله والفتح)؟ فقال بعضهم شيئًا، وسكت بعضهم، فقال لي: أكذلك تقول يا ابن عباس؟ فقلت: لا، قال: فما تقول؟ قلت: هو أجل رسول الله ﷺ أعلمه له قال: (غذا جاء نصر الله والفتح) فذلك علامة أجلك (فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا) فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تقول.

стр. 990

وأشباه هذا كثيرة في أمراء العدل وغيرهم وإنما المراد بالصغر، النقص في الفهم والعقل والنظر في أمور الدين ومصالح المسلمين كما قال بمثله ابن المبارك ﵀ في عده ﷺ من أشراط الساعة: التماس العلم عند الأصاغر، حيث قال: هم أهل البدع، لا صغار الأسنان: ويستأنس له بقول بعض أهل العلم: الجاهل صغير وإن كان شيخًا، والعالم كبير وإن كان حدثًا. وما أحسن قول القائل: تعلم فليس المرء يولد عالمًا ... وليس أخو علم كمن هو جاهل وإن كبير القوم لا علم عنده ... صغير إذا التفت عليه المحافل ولا يخدش في هذا قوله ﷺ : "البركة مع أكابركم" وما أشبهه من

стр. 991

قوله: "كبر كبر". وقوله: "وقر الكبير" فذاك محمول على كبير فيه أهلية لا العري عن الصفات الجميلة أو جلها، وقد جاء عن مالك بن دينار أنه قال: قرأت في بعض الكتب المنزلة أن الحكمة تزيد الشريف شرفًا وترفع المملوك حتى تجلسه مجالس الملوك. بل هذا يروى في حديث مرفوع بلفظ: "إن الحكمة ترفع العبد حتى تجلسه مجالس الملوك" ويجوز أن يكون الصغر بالنسبة لكونهم ليسوا من ذوي الأنساب، فهم عند كثير من الأغنياء صغار وإن كانوا علماء، وحينئذٍ فالمحذور فيهم كون السلطان يجد السبيل إلى احتقارهم، وعدم الانقياد لأوامرهم، سيما من ذوي الوجاهة في النسب على أنه يحتمل أن

стр. 992

يكون الصغر على ظاهره، ويكون المحذور في تقدمه عدم انقياد الكبير له، كما جاء مثله عن عمر ﵁ فإنه قال: "قد علمت ما صلاح الناس ومتى فسادهم، إذا جاء الفقه من قبل الصغير استعصى عليه الكبير، وإذا جاء الفقه من قبل الكبير تابعه الصغير فاهتديا". ونحوه عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: "إنكم لن تزالوا بخير ما دام العلم في كباركم، فإذا كان العلم في صغاركم سفه الصغير الكبير بل يروى عنه مرفوعًا، والآثار في هذا المعنى منتشرة. وأما ما رواه أحمد والبزار والطبراني في الكبير وآخرون عن عابس الغفاري ﵁ "سمعت رسول الله ﷺ يتخوف على أمته ست خصال: إمرة الصبيان وكثرة الشرط، والرشوة في الحكم، وقطيعة الرحم واستخفاف بالدم، ونشء يتخذون القرآن مزامير، يقدمون الرجل ليس بأفقههم ولا أفضلهم، يغنيهم غناء" فلعله أشار به إلى أيام يزيد بن معاوية بدليل ما رواه أحمد بن منيع من حديث أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله

стр. 993

عنه أن النبي ﷺ قال: "تعوذوا بالله من رأس السبعين وإمارة الصبيان" وفي رواية: قالوا: يا رسول الله وما إمارة الصبيان؟ قال: "إن أطعتموهم هلكتم وإن عصيتموهم أهلكوكم". ولكن قوله فيها: "راس السبعين" غلط والصحيح رأس الستين كما صرحت به غيرها فقد كانت إمارة يزيد فيها وكان غالبًا ينزع الشيوخ من إمارة البلدان الكبار ويوليها الأصاغر من أقاربه، ولذا كان أبو هريرة ﵁ كما رواه ابن أبي شيبة والبيهقي في الدلائل وغيرها ـ يمشي في السوق ويقول: اللهم لا تدركني سنة ستين ولا إمارة الصبيان واستجاب الله دعاؤه فمات قبلها. وللبيهقي في الدلائل من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ وتلا هذه الآية: (فخلف من بعدهم خلف) فقال: (يكون خلف من بعد ستين سنة (أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا) " وذكر حديثًا. وبالجملة فمن تأمر على قوم وهو يعلم فهيم من هو أولى منه فقد خان الله ورسوله. والله المستعان.

стр. 994

٢٨١ - مسألة: لا يثبت في دخول سيدنا عبد الرحمن بن عوف ﵁ الجنة زحفًا، أو حبوًا حديث ، كما جزم به الحافظ أبو الحسن الهيثمي وأقره شيخه العراقي، وانتقد قول الحاكم في بعضها: صحيح الإسناد، بل سبقهما لذكره من بعض طرقه في الموضوعات ابن الجوزي ونقل عن إمامه المبجل أحمد بن حنبل أنه حديث منكر مع تخريجه له في مسنده وقال شيخنا ﵀ في القول المسدد له: الذي أراه عدم التوسع في الكلام عليه فإنه يكفينا شهادة الإمام أحمد بأنه كذب. قال: وأولى محامله أن نقول: هو من الأحاديث التي أمر الإمام أن يضرب عليها، فإما أن يكون الضرب ترك سهوًا وإما أن يكون بعض من كتبه عن عبد الله كتب الحديث وأخل بالضرب قال: ثم رأيت بعد للحديث شاهدًا، قوي الإسناد. وساقه بغير الفظ المشار إليه مع اقتصاره على الحكم للإسناد، كأنه لنكارة المتن، ولكن الإجمال في هذا المقام خير من

стр. 995

تفصيل المقال، وإن كان التفضيل يشهد بلا ارتياب للتزلزل، والاضطراب حصول الغرض بدونه، وكيف لا يكون غير صحيح، وعبد الرحمن بن عوف ﵁ ثبت أنه غشي عليه ثم أفاق فأخبر أنه جاءه ملكان فقالا: انطلق نحاكمك إلى العزيز الأمين، فقال لهما ملك آخر: ارجعا فإنه ممن كتبت لهم السعادة وهم في بطون أمهاتهم. وقال علي ﵁ كما في صحيح الحاكم وغيره: سمعت النبي ﷺ يقول: "إنه أمين في أهل السماء أمين في أهل الأرض" ويروى أن رجلاً لين الصوت قرأ عند النبي ﷺ فما بقي من القوم إلا من فاضت عينه غير عبد الرحمن فقال النبي ﷺ : "إن لم يكن عبد الرحمن فاضت عينه فقد فاض قلبه" إلى غير ذلك من مناقبه المستفيضة التي بقصر الوقت عن استيفائها، وقد شهد ﵁ بدرًا، والحديبية، وشهد له ﷺ بالجنة وصلى خلفه، وقال لخالد بن الوليد وقد بلغه عنه شيء في حقه: "يا خالد لم تؤذي رجلاً من أهل بدر لو أنفقت مثل أحد، أو مثل الجبال ذهبًا لم تدرك عمله" ومعلوم أن الله

стр. 996

عز وجل قال في أهل بدر: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، فلو ارتكب امرء منهم شيئًا، وحاشاهم من ذلك، فهو مغفور. هذا مع أن كثرة ماله ﵁ إنما كانت ببركة دعائه ﷺ له حيث قال له: "بارك الله لك" بحيث كان يقول: إنه لو رفع حجرًا لرجا أن يصيب تحته ذهبًا، وكون عامة ماله من التجارة بل ثبت عن عائشة ﵂ وهي ممن أضيف إليها الحديث المسئول عنه أنها قالت: وقد بعث إليها عبد الرحمن بمال: سمعت النبي ﷺ يقول: "لا يحنو عليكن بعدي إلا الصابرون سقى الله ابن عوف من سلسبيل الجنة". ونحوه عن أم سلمة ﵂ أنها سمعت النبي ﷺ يقول لأزواجه: "إن الذي يحنو عليكن بعدي هو الصادق البار اللهم اسق عبد الرحمن بن عوف من سلسبيل الجنة". أخرجهما الحاكم في مستدركه وعنده أيضًا عن أبي هريرة رفعه: "خيركم خيركم لأهلي من بعدي". وكذا مع ما كان يصل به أمهات المؤمنين، أوصى لهن بحديقة بيعت

стр. 997

بأربعمائة ألف. إلى غير ذلك من صدقاته الفاشية، وعوارفه العظيمة حتى أنه أعتق في يوم ثلاثين عبدًا، وفي عمره ثلاثين ألف نسمة، وتصدق مرة بعير فيها سبعمائة بعير وردت عليه تحمل من كل شيء فتصدق بها، وبمالها عليها وبأقتابها، وأحلاسها. وعن معمر الزهري قال: تصدق ابن عوف على عهد رسول الله ﷺ بشطر ماله أربعة آلاف. ثم تصدق بعد بأربعين ألف دينار ثم حمل على خمسمائة فرس في سبيل الله وخمسمائة راحلة. وأوصى بعد موته بخمسين ألف دينار، وبألف فرس في سبيل الله، ولمن بقى من البدريين كل رجل بأربعمائة دينار وكانوا مائة فأخذوها وكان عثمان ﵁ فيمن أخذ. ومن تكون الدنيا في يديه ويؤدي الحقوق منها ويتطوع بالأمور المستحبة فيها ولم تكن عائقة له عن الوصول إلى الله تعالى، ولا لها في قلبه مزية، ولا يفخر بها خصوصًا على من دونه ولا يكون بما في يديه منها أوثق منه بما عند الله بحيث يحبسها عما شرع له صرفها فيه مع التقتير على نفسه، وعياله وعدم إظهار نعمة الله ، ولا ينفقها في وجوه الباطل التي لم تشرع ولا يبذر يكون ذلك زيادة له في الخير قال ﷺ : "نعم المال الصالح للمرء الصالح". وقيل فيما للطبراني في الأوسط عن ابن عباس: يا رسول الله! من

стр. 998

السيد؟ قال: يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵈، قالوا: فما في أمتك من سيد؟ قال: "بلى رجل أعطي مالاً حلالاً ورزق سماحة وأدنى الفقير وقلت شكاته في الناس" وفي حديث مرفوع لأحمد وغيره: "لا بأس بالغني لمن اتقى". وفي آخر: "من رزق الدنياعلى الإخلاص لله وحده وعبادته لا شريك له وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة مات والله عنه راض" وقال ابن عمر ﵄: لو كان عندي أحد ذهبًا أعلم عدده وأخرجه زكاته، ما كرهت ذلك وما خشيت أن يضرني. وقال ﷺ : "أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك" وقال: "ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء" إلى غيرهما مما بينته في "السر المكتوم" وكم في الصحابة ممن اتصف بجميع صفات الخير التي ترغب في الإكثار لها كعثمان بن عفان، وطلحة الفياض، والزبير بن العوام، وثلاثتهم من العشرة المشهود لهم بالجنة أيضًا، وسعد بن الربيع وغيرهم من سادات المسلمين، وترك ابن سمعود سبعين ألف درهم، فيتعين استثناء هؤلاء من عموم: "يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل أغنيائهم بخمسمائة عام" أو يخص بفقراء طبقتهم وهو أظهر، سيما والشاهد الذي صرح شيخنا بقوة وإسناده يمكن الاستشهاد به له. والله الموفق.

стр. 999

٢٨٢ - مسألة: قد وقعت من النبي ﷺ قرائن حالية وأصول كلية تقتضي أن سيدنا أبا بكر الصديق ﵁ وعن سائر الصحابة أحق بالإمامة وأولى بالخلافة من غيره . منها تقديمه له في الصلاة بالناس حين مرض موته وفي الحج سنة تسع ومنها قوله للمرأة التي سألته ﷺ شيئًا وأمرها أن ترجع إليه وقولها: أرايت إن جئت فلم أجدك كأنها تعني الموت: "إن لم تجديني فأتي أبا بكر" ومنها: قوله في مرض موته لعائشة ﵂: "ادعي لي أبا بكر أباك وأخاك حتى أكتب كتابًا فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول قائل: أنا أولى، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر" ومنها: منامه ﷺ الذي قال فيه: "بينا أنا على بئر أنزع منها إذ جاءني أبو بكر وعمر، أخذ أبو بكر الدلو فنزع ذنوبًا، أو ذوبين، وفي نزعه ضعف فغفر الله له ثم أخذها عمر من يد أبي بكر الحديث". ولذا كله وغيره من الأدلة ثبت كما في صحيح مسلم من حديث ابن أبي مليكة أن عائشة ﵂ سئلت: من كان رسول الله ﷺ مسخلفًا لو استخلف قالت: أبو بكر فقيل لها: ثم من بعده؟ قالت: عمر الحديث. وفيه إشارة إلى أنه لم يقع تنصيص صري على ذلك. وكذا قصة سقيفة بني ساعدة دالةعلى أنه لم يكن عند أحد من المهاجرين والأنصار في ذلك نص صريح، وما يروي من التنصيص عليه وعلى غيره، فباطل، كما بسطته في بعض الأجوبة، إذ لو ثبت شيء من ذلك لم يقل أبو بكر ﵁ للأنصار ﵃: قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين عمر أو أبا عبيدة. كما أنه لو كان عند علي ﵁ أو غيره نص فيه، أو إيماء لنقل، ولم ينقل أنه ذكره في يوم من الأيام، ولا أن أحدًا ذكره، بل اتفق المسلمون على أن دعوى الشيعة النص على علي، والوصية إليه

стр. 1000

باطلة، وأول من كذبهم علي بقوله: "ما عندنا إلا ما في الصحيفة" أشار إليه النووي قال عقب حديث عائشة: هذا فيه دلالة لمذهب أهل السنة أن خلافة أبي بكر ليست بنص من رسول الله ﷺ على خلافته صريحًا، بل أجمعت الصحابة ﵃ على عقد الخلافة له، وتقديمه لفضيلته ولو كان هناك نص عليه، أو على غيره لم تقع المنازعة من الأنصار وغيرهم أولا، ولذكر حافظ النص ما معه ولرجعوا إليه، لكن تنازعوا أولا ولم يكن هناك نص، ثم اتفقوا على أبي بكر ﵁ واستقر الأمر، ثم إنه قد استشكل قول أبي بكر رضي الله عه "قد رضيت لكم" مع معرفته بأنه الأحق بالقرائن المشار إليها بحيث قال كما للترمذي وغيره بسند رجاله ثقات: "ألست أول من أسلم ألست أحق بهذا الأمر ألست كذا ألست كذا" وأجيب بأنه استحيى أن يزكي نفسه فيقول مثلاً: رضيت لكم نفسي، وانضم إلى ذلك أنه علم أن كلاً منهما لا يقبل ذلك ولا يرضى التقدم عليه، خصوصًا وقد أفصح عمر ذلك في القصة، وأبو عبيدة بطريق الأولى، لأنه باتفاق أهل السنة دون عمر في الفضل، ويكفي أبا بكر كونه جعل الاختيار في ذلك لنفسه، فلم ينكر ذلك عليه أحد، ففيه إيماء إلى أنه الأحق، وظهر أنه ليس في كلامه تصريح بتخليله من الأمر، وقد قال له عمر ﵁: بل نبايعك أنت فأنت سيدنا وخيرنا، وأحبنا إلى رسول الله ﷺ ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

стр. 1001

٢٨٣ - مسألة: تعاهد زيارة القبور، لا سيما من هو بالصلاح مذكور، أمر شهي محبوب، وقدر بهي مطلوب ، والترعض لذكر مناقبهم ومآثرهم مما يبعث الهمم الزكية على اقتفاء طرقهم ظآثارهم، خصوصًا وعند ذكر الصالحين تنزل الرحمة، وبالتوسل بهم تندفع كل بلية ونقمة، ولم يزل الجمهور من السلف والخلف على الاعتناء بها والاقتاء لسببها، ويكفي في تعيين قبر من يقصد بالزيارة اعتماد غلبة الظن الناشئة عن النظر في التواريخ المعتمدة في الصريح، والإشارة، أو التقليد لمن تلقى ذلك بيقين عن الأئمة المعتمدين. وعلى كل حال، فالخطأ في التعيين مغتفر فالقصد إنما هو ذاك الرجل المعتبر، وكان ممن ذكر في تاريخ المصريين السيد الشهير غازي، أحد الأئمة المعتبرين، وهو لعمري إمام، عابد فقيه، وهمام، قارئ وجيه ممن عرف باستجابة الدعاء، وامتلاء قلبه بالمعارف فكان نعم الوعاء عرض عليه القضاء فتركه تورعًا، واقتصر على اليسير زهدًا، وتقنعًا، ولزم القيام والتهجد، والصيام والتعبد، والتلاوة للقرآن، وأنواع الخير والإحسان، حتى صار كبير الشأن، متقدمًا في العلوم بإتقان، ثابت الأركان، إن ذكر القراء فقد ضرب من بينهم بأوفر نصيب، أو الفقهاء، فهو المحرر المصيب، أو الثقات، فقد ارتقى إلى الذروة، أو الأولياء، فناهيك أنه عرف باستجابة الدعوة، أو المحدثون، فالنبيل، أو أهل الأدب، فالجليل، مناقبه كثيرة، ومآثره شهيرة، شيخه في الفقه والحديث، إمام دار الهجرة مالك بن أنس، وحفظه لموطأه عن ظهر قلبه مما اتضح وما التبس، وفي القرآن نافع بن أبي نعيم أحد الأئمة السبعة البررة، بل

стр. 1002

عرض مصحفه بمصحف شيخه فوق عشر متكررة، وهو أول من أدخل موطأ مالك، وقأه نافع معًا إلى الأندلس، فكان بهما انتعاش القلوب وحياة الأنفس، وأجرى ثواب ذلك في صحيفته، وكفاه بذلك فخرًا حيث ضم لما تقرر من منقبته، ولذا قال القائل من العلماء الأوائل في حقه، مما الحال يؤذن بصدقه: إنه انصرف إلى الأنلدس بعلم عظيم، نفع الله به أهلها بنية صالحة، وقلب سليم، وكان إمام الناس في القراءة بقرطبة، وأدب بها قبل رحلته المنتخبة، وشاوره مصعب بن عمران القاضي الإمام، بعد موت صعصعة بن سلام، لأنه كان تفقه في المسائل، وتقدم بجودة الفقه، ومعرفة الدلائل، وسمعه أصبغ بن خليل، وهو يقول فيما أخبر به عن نفسه، ونقل حالفًا بالله: أنه ما كذب كذبة قط منذ اغتسل، قال غازي: ولولا أن عمر بن عبد العزيز قاله ما قلته بين الأصحاب، هذا مع أنه لا حرج عليه في مثل ذلك، إذا كان خاليًا عن الزهو والإعجاب، بل التحدث

стр. 1003

بالنعمة ورد به الأمر لما يتضمن من التأسي به فيه واقتفاء طريقته التي ينشرح لها الصدر، وقد وصفه الإمام الثابت الأركان في العلم والمباني أبو عمرو الداني، بأنه كان عابدًا صالحًا، وإلى الخير جانحًا، فاضلاً فقهيًا عالمًا أديبًا، ثقة مأمونا، متهجدًا بالقرآن قائمًا، ووصفه أبو عمر بن عبد البر: العظيم الشأن بالعقل والنبل في الحيدث، والتفقه في المسائل، والعلم بالقرآن، ويروى عنه أنه كان يقول مما يرغب فيه المستفيد: ما من يوم يأتي إلا يقول: أنا خلق جديد وعلى ما تفعله في شهيد، خذوا مني قبل أن أبيد، فإذا أمسى، وأقبل الليل قاصدًا خر لله ساجدًا إلى آخر الكلام.

стр. 1004

٢٨٤ - مسألة: إمام لغير محصورين، يقول في الرفع من ركعو ثانية الصبح: سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد، فيقول المبلغون: ربنا لك الحمد ويمطونها، ليبلغ مدى أصواتهم، من بعد عنهم، لسعة المسجد، فإذا فرغوا أتى بقنوت الصبح المعروف. وذيله بقوله الملحن: اللهم لا تهلكنا بغضبك ولا تقتلنا بعذابك وعافنا قبل ذلك، واكشف عنا من البلاء ما لا يكشفه غيرك، فقيل له: إن الزيادة بدعة، لم ترد في القنوت، فصمم عنادًا مع أن في المأمومين من يتضرر بذلك فهل هو آثم، خارج بذلك عن العدالة أم لا؟ فالجواب: انظار الإمام للمبلغين والحالة هذه، إما أن يكون فيه ساكتًا، أو قائلاً: أهل الثناء، أو ملء السموات. وعلى كل، فهو غير لائق، خصوصًا وهو ركن قصير، وسواء الصبح في ذلك، أو غيره، لكنه في الصبح أكد، لأنه بانضمام ألفاظ القنوت إليه يطول، وهو فيما قاله التاج عبد الرحمن بن إبراهيم بن الفركاح في "الإقليد" إن لم يكن مبطلاً فلا شك في كراهته قال: وإن كان عمل الأئمة غالبًا أنهم لا يستكملون ذكر الاعتدال إلا مع القنوت، فذلك جهل منهم بفقه الصلاة، بل قال ابنه البرهان: إنه لا ينبغي أن يؤخر الإمام الشروع في القنوت عن: ربنا لك الحمد، وإن آثر المأمومون التطويل، قال: لأني قد تصفحت الأحاديث، فلم أجد ما يقتضي التأخير عنه، ولم أر نقلاً صريحًا أن الإمام يزيد هنا على ربنا لك الحمد، ولا يعارضه الحديث الصحيح الذي فيه الزيادة، فإنه ليس فيه ذكر القنوت، وهي حكاية لا عموم لها، فتحمل على غير حالة القنوت، جمعًا بين الأحاديث، ثم حكى عن تهذيب البغوي. أن الشافعي

стр. 1005

ذهب إلى أنه يقنت في الصبح إذا فرغ من قوله: ربنا لك الحمد إلى آخره، يعني وهو قوله: من شيء من بعد، أولا ينفع ذا الجد منك الجد. وإذا علمت كلام ابني الفركاح فيما هو مأثور في الجملة، فما زاده هذا الإمام بذلك أحرى، لأنه لم يرد في هذا المحل، كما قاله المرشد، ولكن عند سماع الرعد والصواعق، ولفظه عند البخاري في الأدب المفرد، والترمذي في جامعه، والنسائي في "عمل اليوم والليلة" والحاكم في مستدركه: كان النبي ﷺ إذا سمع الرعد والصواعق قال: "اللهم لا تقتلنا بغضبك ولا تهلكنا بعذابك وعافنا قبل ذلك". وكذا أخرجه ابن السني، عن أبي يعلي، وفي لفظ للنسائي أيضًا: إذا سمع الرعد والبروق قال: "اللهم لا تهلكنا بشيء من عذابك وعافنا قبل ذلك" وأما: "اللهم اكشف عنا من البلاء إلى آخره" فهو في الاستسقاء وإيراد ذلك بدعة ابتدعها هذا الإمام ينشأ عنه مع ما تقدم من انتصاره فراغ التمطيط، إطالة هذا الركن القصير، وتضمنه إطالة القنوت، مع التصريح بكراهته، بل في البطلان بذلك احتمال للقاضي حسين، منشأوه أنها قومه صغيرة كبين السجدتين، ومن ثم توقف بعض محققي المتأخرين ممن أخذنا عمن لقيه في ضم قنوت عمر إلى هذا، وإن صرحوا بندبه لمنفرد، أو لإمام لمحصورين، يؤثرون التطويل، ووراء هذا مفسدة أخرى، وهي أن كثيرًا من العوام ممن يدرك الإمام منتصفًا للقنوت يحرم، ثم يركع، ثم يقف مع الإمام، ويعتد بتلك الركعة، فإذا طال القنوت كان أشد في انتشار المفسدة، وكذلك كان شيخنا ﵀ يخففه جدًا مع الإتيان به سرًا، وإذا علم الإمام تضرر بعض المأمومين بذلك، أو ذهاب خشوع بعضهم بالمبالة في الألحان فالموضوعة المخلة وتمادي في ذلك فهو آثم، لا سيما إن كان بعد علمه وكون إصراره على وجه العناد، بل هو فاسق

стр. 1006

بذلك، مردود الرواية والشهادة وبالله التوفيق. ٢٨٥ - مسألة: فيمن نفى إيمان ورقة فضلاً عن صحبته متمسكًا بقول من لم يشتهر بعلم وصمم على ذلك ماذا يلزمه ؟ فالجواب: قد أقر ورقة ﵁ بنبوة النبي ﷺ بقوله: هذا الناموس الذي أنزل على موسى، يا ليتني فيها جذعًا، ليتني أكون حيًا حين يخرجك قومك، وفي آخر القصة: "ثم لم ينشب ورقة أن توفي". قال شيخنا ﵀: وهذا ظاهر أنه أقر بنبوته، ولكنه مات قبل أن يدعو رسول الله ﷺ الناس إلى الإسلام، فيكون مثل بحيرا وفي إثبات الصحبة له نظر، هذا مع أنه قد ذكره في الصحابة الطبري، والبغوي، وابن قانع، وابن اسكن وآخرون، وشاهده ما تقدم، فإنه آمن به بعد النبوة، وأصرح منه ما جاء عن عمرو بن شرحبيل وهو من كبار التابعين أن رسول الله ﷺ قال لخديجة ﵂: "إني إذا خلوت وحدي سمعت نداء، فقد والله خشيت على نفسي" فقالت: معاذ الله، ما كان الله ليفعل بك، فوالله إنك لتؤدي الأمانة .. الحديث. فقال له ورقة: "أبشر، ثم أبشر، فأنا اشهد أنك الذي بشر به ابن مريم، وأنك على مثل ناموس موسى، وأنك نبي مرسل وأنك سوف تؤمر بالجهاد بعد يومك هذا، وإن يدركني ذلك لأجاهدن معك، فلما توفي قال رسول الله ﷺ : "لقد رأيت القس في الجنة عليه ثياب الحرير، لأنه آمن بي وصدقني" وهو منقطع، ولكن يعتضد بمرسل جيد عن عروة بن الزبير لفظه: كان بلال ﵁ لجارية من بني جمح، وكانوا يعذبونه برمضاء مكة، يلصقون ظهره بالرمضاء لكي يشرك فيقول: أحد أحد فيمر به ورقة وهو على تلك الحال فيقول: أحد

стр. 1007

أحد يا بلال، والله لئن قتلتموه لأتخذنه حنانًا" وهو كما قال شيخنا: يدل على أن ورقة عاش إلى أن دعا النبي ﷺ إلى الإسلام حتى أسلم بلال وحينئذٍ فقوله فيما تقدم: "ثم لم ينشب" أي قبل أن يشتهر الإسلام ويؤمر النبي ﷺ بالجهاد. انتهى. على أن ظاهر صنيع شيخنا في شرح النخبة اختصاص التوقف بمن لم يدرك البعثة، فإنه قال: ـ وقد عرف الصحابي ـ بأنه من لقي النبي ﷺ مؤمنًا به إلى آخره" أن قوله: "به" يخرج من لقيه مؤمنًا، لكن بغيره من الأنبياء، ولكن هل يخرج من لقيه مؤمنًا بأنه سيبعث ولم يدرك البعثة، فيه نظر، ويتأيد صنيعه هنا بمغايرته بين بحيرا، وورقة، فذكر بحيرا في القسم الرابع من كتابه في الصحابة لكونه كان قبل البعثة، وذكر ورقة في القسم الأولمنه، لكونه إن لم يكن بعد الدعوة، كان بعد النبوة، وإذا كان كذلك فلا يليق الجزم بنفي صحبته، وأما نفي كونه مؤمنًا، فجهل صريح، ويمنع قائله، فإن أصر أدب، وإن قال ابن منده أنهم اختلفوا في إسلامه، ويروى مما هو ضعيف: أنه مات على نصرانيته، لقول النووي ﵀: إن ما صدرت به جوابي، ظاهر في إسلامه، واتباعه، وتصديقه، وهو المعتمد، والمرجوع في هذا وأشباهه لأئمة الحديث ونقاده وللحديث رجال يعرفون به وللدواوين كتاب وحساب والمسألة محتملة للبسط أكثر، ولكن المرجو حصول الغرض بما أثبت، والله المعين.

стр. 1008

٢٨٦ - مسألة: بم يستفتح به الدعاء عقب الصلاة، أبالتسمية أم بالحمد ؟ فالجواب: السنة أن يفتتح دعاءه عقب الصلاة وغيرها بحمد الله تعالى والثناء عليه والصلاة على رسول الله ﷺ ، لما رواه أبو داود في سنته عن فضالة بن عبدي ﵁ قال: سمع النبي ﷺ رجلاً يدعو في صلاته، لم يمجد الله، ولم يصل على النبي ﷺ فقال رسول الله ﷺ : "عجل هذا" ثم دعاه فقال له أو لغيره: "إذا صلى أحدكم فليبدأ بتمجيد ربه والثناء عليه، ثم يصلي على النبي ﷺ ، ثم يدعو بعد بما شاء". وأخرجه الترمذي وصححه والنسائي، وكذا ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم في صحاحهم قوال الحاكم: إنه على شرط مسلم، وفي موضع آخر: على شرطهما، ولا أعرف له علة، وفي لفظ عند بعضهم: "بتمجيد الله تعالى والثناء عليه" وفي آخر: "فمجد الله وحمده" وفي لفظ للترمذي وغيره: بينما رسول الله ﷺ قاعدًا، إذ دخل رجل فصلى، فقال: اللهم اغفر لي وارحمني فقال النبي ﷺ : "عجلت أيها المصلي، إذا صليت فقعدت فاحمد الله بما هو أهله، ثم صل علي، ثم ادعه" قال: ثم صلى رجل آخر بعد ذلك، فحمد الله، وصلى على النبي ﷺ فقال رسول الله ﷺ : "أيها المصلي ادع تجب" وفي رواية: "سل تعطه" وقد أورده النووي في آخر الترجمة التي عقدها للأذكار بعد الصلاة من أذكاره ولقوله ﷺ : "كل أمرٍِ ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله" وفي رواية "بسم الله فهو أقطع" وكأنه أريد بالحمدلة والبسملة ما هو أعم منهما، وهو ذكر الله تعالى، والثناء عليه، على الجملة بصيغة الحمد، أو غيرها، ويؤيده رواية ثالثة والثناء عليه، على الجملة بصيغة الحمد، أو غيرها، ويؤيده رواية ثالثة لفظها: "بذكر الله" وحينئذٍ فالحمد لله والذكر والتسمية سواء، فمن ابتدأ

стр. 1009

«بحمد الله والصلاة عليَّ» كما بينت كل ذلك في جزء مفرد في الكلام على هذا الحديث، وبما قررناه في حصول المقصود بواحد مما ذكر، يجاب عن الأحاديث التي وردت في دعائه ﷺ عقب الصلاة، وليس فيها التصريح بالبداءة بالحمد ولا بالتسوية، وكذا عن قوله ﷺ لمعاذ بن جبل ﵁: «أوصيك يا معاذ بكلمات لا تدعهن في دبر كل صلاة أن تقول: رب أعني على شكرك، وذكرك، وحسن عبادتك»، لأن أكثرها مسبوقة بأذكار، أو يجاب عنها بالاكتفاء بما ابتدأ به الصلاة من التكبير، ودعاء الاستفتاح، والحمد، أو أنه لبيان الجواز، نعم. يروى أنه ﷺ كان إذا قضى صلاته مسح جبهته بيده اليمنى، ثم يقول: «بسم الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، اللهم أذهب عني الهم والحزن» وفي لفظ: كان إذا صلى وفرغ من صلاته مسح بيمينه على رأسه وقال: «بسم الله الذي لا إله غيره، الرحمن الرحيم، اللهم» وذكره. وفي حديث لجابر ﵁ قال: علمني رسول الله ﷺ أن أقول خلف كل صلاة: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أبديت وما أخفيت، أنت إلهي، لا إله إلا أنت». ولابن عباس ﵄ قال: كان النبي ﷺ إذا انصرف من الصلاة قال: «لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيى ويميت، وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد» وعن عائشة ﵂ نحوه، وفي تخريجها واستيفاء ما يشبهها طول، حصل الغرض بدونه، وبالجملة فالأكمل الابتداء بالحمد، أو ما يقوم مقامه، مما فيه تمجيد وثناء، عملاً بحديث فضالة، وإن كان أصل السنة يحصل بمجرد الذكر،

стр. 1010

وثناء، عملاً بحديث فضالة، وإن كان أصل السنة يحصل بمجرد الذكر، وبالله التوفيق.

стр. 1011

٢٨٧ - مسألة: في هدم المكان الذي أحدثه اليهود ـ لنعهم الله ـ كنيسة ببيت المقدس، استفتي عنه قبل جريان ما جرى ؟ فالجواب: أما اليهود، فهم لكونهم مع كفرهم بدينهم، زادوا، كما هو المعهود بمزيد الجمود والنقض للعهود، والاهتمام التام بالغدر ببنبينا عليه أفضل الصلاة والسلام، بحيث أنهم اتفقوا مرة فيما بينهم، حيثن كان جالسًا مع أصحابه بجانب جدار لهم، على أن شقيًا منهم يصعد إلى أعلى الجدار فيلقي عليه صخرة، ليقتل ويستريح كل منهم ـ زعم منه ـ دهره، فاه عن الله الخير بما به هموا، فانصرف راجعًا، وخابوا وذموا. ودسوا مرة عليه منهم شقية فسمته في شاةٍ أتته بها مصلية. واجتهدوا أيضًا في

стр. 1012

سحره، فقوهروا بعلى قدره، فاجتمعوا بلبيد بن الأعصم، وكان منافقًا وجعلوا له جعلاً على أن يسحره سحرًا واثقًا، فانقبوا بعد أن تبعوا بخزي وامتهان، وذلك من سائر الأركان، وأنهم من أتباع الأعور الدجال، المستعدين للمسلمين بالسيوف والنبال، وسائر أنواع القتال مع النص المتيقن بأنهم أشد لنا في الحسد والعداوة، وأبد للتمكن من البلادة والغباوة حتى اشتهر أنه ما خلا بعضهم بمسلم، إلا وهم بقتل له معدم، ويروى في ذلك حديث مرفوع بينته في غير هذا المجموع، ومصداقه ما

стр. 1013

حكاه له قاضي الحنابلة العز المرحوم، وحاله في الجلالة معلوم أنه كانمرة وحده مارًا بجانب بركة ومقابله من الجانب الآخر يهودي ممن له سعي وحركة، فشرع اللعين في حذفه بالحجارة وأسرع في تواليها بيقين، قاصدًا إقباره، فسلم الله من غدره، ورد كيد اللعين في نحره. بل حكى الفخر الرازي في تفسيره المتقن: أن مذهبهم وجوب الأذى لمسلمين مهما أمكن بقتل، أو قطع، أو أخذ مال، أو نحوها، مما ليس لهم عنه انتقال، كقولهم في التحية المقصود بها الإكرام: عليكم السام، بخلاف النصارى، زيدوا شقاء دهرهم، فإن الأذية حرام عندهم، وكونهم أكذب الخلق على الله، وأنبيائه ورسله، وأصفيائه. وفي كلام أبي حيان لهذا مزيد بيان، فإنه قال عند رأس الحزب الثاني في سورة المائدة من "بحره"

стр. 1014

أنهم تربوا على تكذيب الأنبياء وقتلهم، وعلى العتو والمعاضي، واستشعار اللعنة، وضرب الذلة والمسكنة، فتجردت عداوتهم وكيدهم وحسدهم وخبثهم قال: وفي وصف الله إياهم بأنهم أشد عداوة إشعار بصعوبة إجابتهم إلى الحق، ولذلك قل إسلام اليهود، وقال: وإنما جعل النصارى أقرب ودًا وألين عريكة منهم، لأنهم أمة لهم الوفاء والخلال الأربع التي ذكر عمرو بن العاص ﵁ في صحيح مسلم: ويعظمون من أهل الإسلام من استشعروا منه دينًا وأمانة، ويبغضون أهل الفسق، وإذا سالموا فسلمهم صافٍ، وإذا حاربوا فحربهم مدافعة، لأن شرعهم لا يأمرهم بذلك، قال: واليهود ليسوا على شيء من أخلاق النصارى، بل شأنهم الخبث واللي بالألسنة، وفي خلال إحسانك إلى اليهود يترقب ما يعبأ لك به، ألا ترى إلى ما حكى تعالى عنهم في قوله: (ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل) انتهى. كانوا في كل قطر وزمان من الذل والامتهان بأوضع مكان، فرءوسهم منكسة، ونفوسهم بالمباهتة مؤسسة، لا كنيسة لهم تذكر، ولا نفيسة عنهم تعتبر، بل هم أقل، وأحقر وأذل وأفقر، وأنتن وأقذر، وأعفن وأدبر، إلى غير ذلك مما هو أشهر من أن ينقل ويؤثر، وانظر إلى قول ابن الناطور رئيس نصارى بيت المقدس فيهم لهرقل ملك الروم بعد أن عرفهم بالخزي واللوم، وتقرر لديه نبيتهم: لا يهمنك شأنهم، واكتب إلى أهل المدائن التي في مملكتك

стр. 1015

وتحت سلطنتك وقبضتك فليقتلوا من بها منهم، ويزيلوا بذلك المكروه عنهم، تعرف أنهم لم يكن لهم قبل الإسلام شوكة ولا علو في دار ولا مملكة. وكذا ذكر أبو حيان في البحر عند قوله من تفسير آل عمران (ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين) نقلاً عن ابن إسحاق: إن اليهود غزوا الحواريين بعد رفع عيسى، فأخذوهم وعذبوهم فسمع بذلك ملك الروم وكان ملك الروم من رعيته فأنقذهم، ثم غزا بني إسرائيل، وصار نصرانيًا ولم يظهر ذلك ثم ولي آخر بعد وغزا بيت المقدس بعد رفع عيسى بنحو أربعين سنة، فلم يترك فيه حجرًا على آخر، وخرج عند ذلك قريظة والنضير إلى الحجاز، فكان من أمرهم ما ذكر في السؤال مما طويته، وقال شيخنا ـ أعلم أهل الأرض بالخبر ـ شيخ مشايخ الإسلام ابن حجر، تغمده الله تعالى برحمته وأسكنه أعالي جنته ـ: إنهم كانوا مع كثرتهم بإيلياء من تحت الذلة مع الروم الأشقياء لم يكونوا ملوكًا برؤوسهم، لما علم الله من مزيد خبث نفوسهم. ونقل أبو حيان عند قوله في آل عمران أيضًا (وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة) عن غيره: إن الآية تخبر عن إذلال اليهود وعقوبتهم بأن النصارى فوقهم في جميع أقطار الأرض إلى يوم القيامة فلا تكون لهم مملكة كما للنصارى، ثم حكى عن الجمهور في تفسير الآية سببًا آخر. ومن ذلهم المستمر أنه لما انتشر الإسلام واستتر كفر أهل الملة اللئام،

стр. 1016

وعوهد النصارى الحياري امتنعوا من مساكنتهم واجتمعوا على اشتراط إبعادهم عن ساحتهم، ولم ينقل فيما استقريته الاستقراء التام أن لهم كنيسة بدار الإسلام حسبنما أشير إليه في مطوي السؤال وصير إلى تحريره فيه بأحسن مقال، ونحوه قول أبي حيان: إنه لم يكن فيهم قط أهل ديار ولا صوامع وانقطاع عن الدنيا، بل هم متطامعون متطاولون لتحصيلها حتى كأنهم لا يؤمنون بآخرة، ولذلك لا يرى فيهم زاهد. ويتأيد بما نقل لي عن شيخنا وأستاذنا أنه قال: كل ما بالقاهرة منها محدث، مستحق الاستهدام، حقيقة بالإزالة والإعدام وكذا قال التقي المقريزي أوحد بالمؤرخين بالاعتراف جميع كنائس القاهرة محدث في الإلام بلا خوف، وقد هدم جلها المسلمون في زمن الناصر محمد بن قلاوون بغير اختياره ومرسومه، بل بتأييد من الله تعالى، العالم بظاهر الأمر ومكتومة ولذلك سبب عجيب، وخبر غريب، وهو أنه بعد فراغ الناس من صلاة الجمعة بقلعة الجبل قام موله في وسط الجامع فصاح صياحًا مزعجًا خرج به عن الحد: اهدموا الكنيسة التي بالقلة وكرر ذلك ثم اضطرب، فتعجب السلطان والأمراء من قوله: ورسم بالفحص عنه فوجد بخرائب التتر من القلعة قد بنيت كنيسة فهدمت، ولم يفرغوا منها حتى جاء الجيران العوام والغوغاء اجتمعوا وقت صلاة الجمعة أيضًا وهدموا عدة كنائس بقناطر السباع ونواحيها ما بها وهو شيء يفوق الوصف حتى صارت كومًا، واتفق مثل ذلك في هذا اليوم أيضًا بالقاهرة حيث صاح شخص آخر من الفقراء بجامع الأزهر بين خروج الخطيب والأذان بقوله: اهدموا كنائس الكفر والطغيان. نعم، الله أكبر، فتح الله ونصر، وصار يزعج نفسه ويصرخ

стр. 1017

بقوله: إلى الأساس، إلى الأساس، فأحدق الناس إليه النظر ولم يدروا ما هذا الخبر، بل ولم يجدوا شخصه مع إحكام كل منهم في ذلك فحصه فهدمت عدة كنائس منها، بل ومن مصر أيضًا، وجاء الخبر من كل من نائب إسكندرية، ووالي البحيرة ومدينة قوص أنه وقع بالأمكنة المذكورة في يوم الجمعة المشار إليه هدم كنائسها أيضًا وتوارد الخبر من الوجهين القبلي والبحري بكثرة ما هدم في اليوم المذكور، وعلل بعض الفقراء ذلك بكثرة ما زادوا في الطغيان والفساد والمهالك، وكذا أمر عمر بن عبد العزيز ﵀ بهدم بيع النصارى المستجدة، ورد على من كتب إليه من ملوك الروم يساله في إجراء أمرهم على ما وجدوه من الكنائس وغيرها، فإنهم زعموا أن من تقدمك فعل في كنائسهم ما منعتهم منه فإن كانوا مصيبين في اجتهادهم فاسلك سنتهم، وإن يكونوا مخالفين لها فافعل ما أدرت بقوله: أما بعد فإن مثلي ومثل من تقدمني كما قال الله تعالى في قصة داود وسليمان (إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان وكلاً آتينا حكمًا وعلمًا). وحينئذٍ فلقد أجاد هذا السيد الإمام، السند الحبر الهمام، المؤيد لدين الإسلام، والمستعد بتنفيذ الأحكام، لا سيما وقد تأيد بما ذكر من مرسوم السلطان للذي تأيده به خذلان أولى الزيغ والطغيان، شد الله به عضد الدين وساعده، وأعلى به منار الإسلام، وثبت قواعده، ونصره لذلك نصرًا لا ينفك في ازدياد، ولا ينفك عن جلب المراد، ودفع العناد، وكيف لا يكون بهدم ما تأسيس على الفساد آمرًا وبذم من عليه لبس ودلس قاهرًا، وقد أبطل كثير من المكوس، وعطل ما يميل إلى إبقائه كل متخذل معكوس، وأحيا جملة من

стр. 1018

مشاعر البلد الحرام وأعيا بتدبيره من يروم اللحاق به من الملوك العظام كما شرحته مع غيره مما يطول في سيرته، وأوضحته من سريرته، ثم كيف لا يكون ذلك على يد إمام تضلع من السنة النبوية بما لا يخفى، واطلع على سير كثير من ملوك العدل والخلفاء، وعرف بمزيد التعبد والزهادة، ووصف بأنه من أولي الكشف والإرادة وكنت ممن مثل خدمته وحصل على الغنيمة الكبرى، ففاز برؤيته، وأثبت من أحواله وأحوال سلفه ما لا يستكثر على صحيح نسبه وشرفه، وحقه أن يكون عن أمر الدين مسئولاً، إلا أن مثلي أو أعظم مني يرشده لما يكون مقبولاً، وقد قال ﷺ : "إنما ثل أهل بيتي فيكم كمثل سينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق و"إنما مثل أهل بيتي فيكم مثل باب حطة في بني إسرائيل من دخله

стр. 1019

غفر له" وقال أيضًا: "النجوم أمان لأهل السماء فإذا ذهب النجوم ذهب أهل السماء وأهل بيتي أمان لأهل الأرض، فإذا ذهب أهل بيتي ذهب أهل الأرض" وقال أيضًا: "لا يؤمن عبد حتى أكون أحب إليه من نفسه وتكون

стр. 1020

عترتي أحب إليه من عترته ويكون أهلي أحب إليه من أهله ويكون ذاتي احب إليه من ذاته" إلى غير ذلك مما أودعته في مصنفي المسمى "ارتقاء الغرف بحب أقرباء الرسول وذوي الشرف" لا سيما وقد صنف شيوخ المذهب كالنجم ابن الرفعة "النفائس في ترميم الكنائس" وجزءًا آخر بديعًا أودعه القاضي تاج الدين السبكي في فتاويه، ثم تلميذه السراج
следующие страницы →