Полный текст (2 342 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
وامتهد الغارب فعل الدمل
وكندرة البازي: مجثم يهيأ من خشب أو مدر، دخيل، ليس بعربية؛ وبيان ذلك أنه لا يلتقي في كلمة واحدة عربية حرفان مثلان في حشو الكلمة إلا يفصلان كالعقنقل ونحوه.
والفرعنة: مشتق من فرعون، وليس بكلام عربي صحيح.
والدهنج: حصى أخضر، يحك به الفصوص، وليس من محض العربية.
والإشراس: دخيل فارسي، وهو ما يستعمله الإسكاف وغيره في الإلزاق.
والعهعخ: كلمة أنكرت أن تكون من كلام العرب، وقد تكلم بها أعرابي سئل عن ناقته فقال: تركتها ترعى العهعخ، وسئل عنها الثقات [من] علمائهم فأنكروا أن تكون من كلامهم. وقال آخر: هذا أعرابي تكلم بها عبثاً. وقال الفذ منهم: هي شجرة يتداوى بورقها. وقال أعرابي: إنما هو الخعخع. قال الخليل: هذا موافق لقياس العربية وللتأليف، وإن كان قد ذكر في أول كتابه أن العين والخاء: عخ، خع مهملان.
وضهيد: كلمة مولدة؛ لأنه فعيل، وليس من بناء كلامهم، وقد جاء في
стр. 107
الشعر. قال:
رأيت الهملع ذا اللعوتيـ ... ن ليس بآب ولا ضهيد
الهملع: الرجل المتخطرف الذي يوقع وطأه توقيعاً شديداً من خفة وطئه.
وأربنت الرجل: أعطيته ربوناً، وهو دخيل، وهو نحو عربون.
والطجن: معرب من كلام العجم، وليس بعربية محضة، وهو القلو على الطيجن، وهو المِقْلى، والطاجن هو بالفارسية تابه.
والكرد: العنق، وهو فارسي معرب، أصله: كردن. قال الشاعر:
وكنا، إذا الجبار صعَّر خده ... ضربناه فوق الأنثيين على الكرد
والأنثيان: الأذنان. والأنثيان، بالضم: الخصيتان.
والطنبور: قد استعملت في لفظ العربية.
والبربط معرب؛ لأنه ليس من ملاهي العرب، وهو أعجمي، فأعربته العرب حين سمعت به
[.....].
стр. 108
والفرطومة: منقار الخُف، إذا كان طويلاً محدد الرأس. وفي الحديث: "إن شيعة الدجال شواربهم طوال، وخفافهم مفرطمة".
والبطريق: بلغة أهل الشام والعراق والروم، هو القائد.
والزرجون: الخمر، بالفارسية زركون، أي لون الذهب، وهي أيضاً إسفنط وإصفنط، وأحسبها بالرومية.
والسجنجل: المرآة بالرومية.
القفشليل: المغرفة، وأصلها بالفارسية: كفجلاز.
والبرق: الحمل، أصله بالفارسية بره.
والسرق: الحرير، أصله بالفارسية: سره، أي جيد.
واليلمق: القباء، بالفارسية: يلمه.
стр. 109
والمهرق: الصحيفة، وهي بالفارسية: مهره.
والألوة: العود، وأصلها بالفارسية.
والدرع: بالفارسية: كردماند، معناه: عُمِل وبقي، فعربت فقيل: قردماني.
قال لبيد:
فخمة ذفراء ترتى بالعرى ... قُرْدُمانياً وتركاً كالبصل
قال أبو عبيدة: هو قباء محشو. وقال غيره: هي دروع.
والبورياء: بالفارسية، وهي بالعربية: الباري والبوري.
السبيج: أصله بالفارسية: شبي، وهو القميص.
قال العجاج:
كالحبشي التف أو تسبجا
وقال أيضاً:
كما رأيت في الصلاء البردجا
والبردج: السبي، وهو بالفارسية: برده.
стр. 110
وقال أيضاً:
عكف النبيط يلعبون الفنزجا
وهو بالفارسية: فنزكان وپنجكان.
البالغاء: ممدود، وهو الأكارع. بالفارسية: پايها.
الششقلة: كلمة حميرية، قد لهج صيارفة العراق بها في تعيير الدنانير، يقولون: قد ششقلناها: أي عيرناها، إذا وزنوها ديناراً ديناراً وليست بعربية.
وتقول العرب كلمة كأنها دخيل، [وهي]: اردده إلى بُنْكه الخبيث، يريد به: أصله. وتقول: تبنَّك في عز. والبُنك: [ضرب] من الطيب، دخيل.
القمنجر: القواس، وهو بالفارسية: كمان كَرْ، وأنشد الراجز:
مثل القسي عاجها المقمجر
وقال الأعشى:
стр. 111
وبيداء تحسب آرامها ... رجال إياد بأجيادها
قال أبو عبيدك أراد جود [ياء] بالنبطية أو بالفارسية وهو الكساء. والأصمعي يرويه بأجلادها، أي بشخوصها وخلقها.
البالة: الجراب، وبالفارسية باله.
والجُدّاد: الخيوط المعقدة، وهي بالنبطية: كدَّاد.
ودرهم قسي: أي هو تعريب قاشي. [ويقال]: هو فعيل من القسوة، أي فضته رديئة صلبة ليست بلينة.
وقسي، مخفف السين، مثقَّل الياء، على مثال تقي. ودراهم قسيات، وقد قسا الدرهم يقسو.
قال أبو زبيد يذكر حفر المساحي:
لها صواهل في صم السلام كما ... صاح القسيات في أيدي الصياريف
والنمي، بالرومية: الفلس.
стр. 112
قال النابغة:
وقارفت، وهي لم تجرب، وباع لها ... من الفصافص بالنمي سفسير يعني: السمسار. وقوله: باع، أي اشترى.
واليرندج: جلد أسود، وهو بالفارسية: إيرنده.
قال الشماخ:
وداوية قفر تمشى نعاجها ... كمشي النصارى في خفاف اليرندج
ويقال: الأرندج.
والكرَّز: البازي، وهو أيضاً الرجل الحاذق. بالفارسية: جزه.
والمرعزَّى: بالنبطية: المرنزى.
والصيق: الريح، وأصله بالنبطية: زيقا.
والفرانق: إنما هو بروانه.
стр. 113
قال امرؤ القيس:
وإني زعيم، إن رجعت مملكاً، ... بسير ترى منه الفرانق أزورا
الفرانق: البريد، ويقال: برانق أيضاً.
والقيروان: دخيل مستعمل، وهو معظم العسكر والقافلة.
قال عباس بن مرداس:
له قيروان يدخل الطيروسطه ... صحيحاً فيهوي دونه وهو ميت
يصف الجيش.
وفي الحديث قال: "يغدو إبليس بقيروانه إلى الأسواق".
والسدير: فارسي، أصله: سادلي، أي فيه ثلاث قباب مداخلة، وهو الذي يسميه الناس سه دلي، فأعرب.
والخورنق: الخرنكاه، أي موضع الشرب، فأعرب.
وهرزوقا، بالنبطيية: محبوس، وهو بالعربية: محرزق.
قال الأعشى في النعمان:
стр. 114
فذاك، وما أنجى من الموت ربه ... بساباط حتى مات وهو محرزق المحرزق: المضيق عليه.
وقول رؤبة:
في جسم شخت المنكبين قوش
قوش: قصير، وهو بالفارسية كوشك، فعرب.
وقول العبدي:
.......... ... كدكّان الدرابنة المطين
الدرابنة: البوابون، واحدها دربان بالفارسية.
وقول [أبي] دؤاد:
فسرونا عنه الجلال كما سـ ... لَّ لبيع اللطيمة الدخدار
الدخدار بالفارسية: تخت الدار، أي يمسك التخت.
стр. 115
والأشق: وهو الأشج، وهو دواء كالصمغ، دخيل في العربية، ليست محضة.
والصفصفة: دخيل في العربية، وهي الدويبة التي تسميها العرب السفسك.
والفصفصة: وجمعها فصافص، وهو القتّ الرطب.
قال الأعشى:
ألم تر أن العِرض أصبح بطنه ... نخيلاً وزرعاً نابتاً وفصافصا
وهي بالفارسية: إسپست.
والقمقم، بالرومية: قوقمس.
قال عنترة:
وكأن رُباً أو كحيلاً معقداً ... حش الوقود به به جوانب قمقم
والطست والتور والطابق والهاون فارسي.
стр. 116
قال أبو عبيدة: ربما وافق الأعجمي العربي.
قالوا: غزل: سخت، أي صلب. والسختيت: يقال إنها فارسية اشتقها رؤبة بقوله:
هل ينجيني حلف سختيت ... أو فضة أو ذهب كِبريت
منهم ومن خيل لها صتيت؟
والزور: القوة.
والدست: الصحراء، وهو دشت بالفارسية. وأنشد الأصمعي:
قد علمت فارس وحمير والـ ... أعراب بالدشت أيكم نزلا
يريد: الصحراء. ولم يكن يذهب إلى أن في القرآن شيئاً من لغة غير العرب. وكان يقول: هو اتفاق يقع بين اللغتين. وكان غيره يزعم أن القسطاس: الميزان بلغة الروم، والغساق: البارد المنتن بلغة الترك، والمشكاة: الكوة بلغة الحبشة، والطور: الجبل بالسريانية.
стр. 117
وقولهم: لا دهْلَ، بالنبطية: لا تخف.
قال بشار يهجو الطرماح:
رأى جملاً يوماً ولم يك قبلها ... من الدهر يدري كيف خلق الأباعر
فقال: شطاناً مع ظبايا ألاليا ... وأجفل إجفال النعام المبادر
فقلت له: لا دهل مِل كمل بعدما ... رمى نيفق التبان منه بعاذر
وظبايا في لغة النبيط: عربي، وشطاناً: شيطان. ألا [ليا]: كلمة التغويث بالنبطية، وقوله: لا دهل مِل كمل، ويروى: من قَمْل، أي: من جمل. ونيفق التبان: سعته. والتبان: شبه سراويل صغيرة، تذكره العرب، وجمعه تبابين. والعاذر: الحدث، يقال: أعذر فلان، أي أحدث من الغائط.
وعن ابن عباس أنه قال: التنور بكل لسان: عجمي وعربي، وعن علي أنه قال: التنور: وجه الأرض.
وقال رؤبة:
أعد أخطالاً له ونرمقا
стр. 118
باب في وجوه اللغة
وفي لغة العرب: الحقيقية، والمجاز، والتكرير، والإيجاز، والكناية، والإضمار، والحذف، والاختصار، والحكاية، والاتساع، والاستعارة، والإتباع، والإشمام، والإشباع، والاشتقاق، والترخيم، والإغراء، والإدغام، والتوكيد، والأضداد، والمقلوب، والإبدال، والجُوار، والمنقول والإيهام، والمعدول، والمعاريض، والنقص، والزيادة، والتقديم، والتأخير، والإمالة، والتفخيم، والتصغير، والتعظيم، ومخاطبة الواحد بلفظ الاثنين، ومخاطبة الاثنين بلفظ الواحد، ومخاطبة الغائب بلفظ الشاهد والشاهد بلفظ الغائب، وذكر شيء بسببه، وذكر سببه به، والأمثال.
وكل ذلك لاتساعها وفصاحتها، وتفهمهم لظاهر معانيها وكناياتها. وقد ذكرت من كل شيء من ذلك طرفاً مختصراً؛ كراهة الإطالة، إن شاء الله.
الحقيقة
الحقيقة: ما وضح لفظه وصح معناه، ولم يكن فيه لبس ولا إشكال، ولا ريب ولا محال.
ومعنى الحقيقة: ما تصير إليه حقيقة الأمر ووجوبه.
نقول: بلغت حقيقة هذا الأمر، أي: بلغت حقه، يعني: يقين شأنه.
وفي الحديث: "لا يبلغ أحدكم حقيقة الإيمان حتى لا يعيب على مسلم بعيب هو فيه".
стр. 119
المجاز
ومعنى المجاز: طرف القول ومأخذه.
فمن المجاز قول الله، : ﴿اِئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾، هذا عبارة: لتكوينه إياهما فكانتا.
وكما قال الشاعر:
يشكو إلي جملي طول السرى ... يا جملي، ليس إلي المشتكى
صبر جميل فكلانا مبتلى
والجمل لم يشك حقيقة، ولكنه خبر عن كثرة أسفاره، وإتعابه جمله، وقضى على الجمل أنه لو كان متكلماً لشكى ما به.
والسرى: سير الليل، نقول: سرى يسري سُرَى وسرياً. وكل شيء طرق ليلاً فهو سار. ومنه قوله، : ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً﴾.
وقال امرؤ القيس:
سريت بهم حتى تكل مطيهم ... وحتى الجياد ما يقدن بأرسان
стр. 120
وقال آخر:
سرى يخبط الظلماء والليل عاكف ... حبيب بأوقات الزيارة عارف
والسرى يؤنث ويذكر، قال آخر:
هن الغياث إذا تهولت السرى ... وإذا توقَّد في النجاد الحزور
النجاد: أرض فيها صلابة وارتفاع. والحزور: ما خشن من الحصى.
ويقال: طالت سرى القوم، وطال سراهم. ونقول أسرى فلان فلاناً، ولا يقال غيره. وسرى به وأسرى به واحد.
وكقول عنترة في فرسه:
فازورَّ من وقع القنابلبانه ... وشكى إلي بعبرة وتحمحم
لما كان ما أصابه يشتكى مثله، ويستعبر منه، جعله مشتكياً ومستعبراً. وليس هناك شكاية ولا عبرة حقيقة، ولكنه مجاز.
وكذلك قوله، : ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلْ امْتَلاتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى﴾ هذا عبارة عن سعتها، وأنها لما كانت مصير من أدبر وتولى، فكأنها الداعية لهم.
стр. 121
كقول أبي النجم:
مستأسداً ذبانه في غيطل ... يقلن للرائد: أعشبت انزل
ولم يقل الذبان شيئاً من ذلك، ولكنه دل على نفسه بطنينه، ودل مكانه على المرعى؛ لأنه لا يجتمع إلا في عُشب، فكأنه قال للرائد: أعشبت فانزل.
وكقول الآخر:
ولقد هبطت الواديين فوادياً ... يدعو الأنيس بها الغضيض الأبكم
والغضيض الأبكم: الذباب. يريد: أنه يطن فيدل طنينه على النبات والماء، فكأنه دعاء منه.
وأما قوله تعالى: ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾؛ فإن هذا، على ما ذكره أبو عبيدة، مجاز الموات والحيوان الذي يشبه تقدير [فعله] بفعل الآدميين.
وقال الجنابي: قال بعضهم: أنثا بمن فيهما من الخلق، فغلب المذكر المؤنث. وقال بعضهم: أجرامها مجرى الآدميين في الطواعية، كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا﴾؟ والجلود مؤنث، ولم يقل: شهدتن؛ لأنه أجراها مجرى الآدميين.
ومثل هذا في اللغة والشعر موجود، يقولون: أصابنا وابلون، في [الوابل]،
стр. 122
وحرة وحرون.
وقال الجعدي:
سريت بهم والديك يدعو صباحه ... إذا ما بنو نعش دنوا فتصوبوا
ولم يقل: فتصوبن.
وقال عبدة بن الطبيب:
إذا صوت الديك، يدعو بعض أسرته ... إلى الصباح، وهم قوم معازيل
وقال الراجز:
كفى بالمشرفية واعظينا
ولم يقل: واعظات.
وقال تعالى: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾.
فأجراهم مجرى الآدميين. ومثله قول الشاعر:
قف بالديار فحيها بتحية ... واستحفها واستخبر استخبارا
واستبحث الطلل المقيم على البلى ... عن أهله واستنطق الأحجارا
أين اللواتي كن فيك قواطناً ... قد بن عنك ضحى فصرت بوارا
فتكلمت تلك الديار ولم تكن ... تلك الديار تكلم الزوارا
قالت: برغمي بان أهلي كلهم ... وبقيت تكسوني الرياح غبارا
стр. 123
فقال: تكلمت الديار وقالت، والديار لا تتكلم ولا تقول، ولكن لما كانت على الحالة التي لو كانت ممن يتكلم ويقول لقالت هذه المقالة، وخبرت بهذه الحالة، جاز أن نعبر عنها بذلك مجازاً.
ومثله عن بعض الحكماء أنه قال: وقفت على المعاهد والجنان، فقلت: أيتها الجنان، أين من شق أنهارك وغرس أشجارك، وجنى ثمارك. فإن لم تُجبك حواراً أجابتك اعتباراً.
ومثله قول الشاعر:
سألت الدار تخبرني ... عن الأحباب ما فعلوا
فقالت: بي أناخ القو ... م أياماً وقد رحلوا
فقلت: من أين أطلبهم ... وأي منازل نزلوا
فقالت: بالقبور هم ... لقوا، والله، ما عملوا
ومثله قول الآخر:
امتلأ الحوض وقال: قطني ... سلا رويداً، قد ملأت بطني
والحوض لا يقول حقيقة، وإنما هذا على أنه لما كان في حالة من يكتفي بما فيه أن لو كان متكلماً لقال ذلك، أطلق عليه هذا القول مجازاً. وكذلك الديار لا تقول شيئاً، وإنما هو على هذا المعنى.
ومثله قول المجنون:
стр. 124
أقول لرئم مر بي وهو راتع ... أأنت أخو ليلى؟ فقال: يقال
وإن لم تكن ليلى غزالاً بعينها ... فقد أشبهتها ظبية وغزال
فقال إن الغزال أجاب فقال: يقال. وهذا على ما تقدم ذكره.
وقال : ﴿جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ﴾، والجدار لا إرادة له، ولكن هذا قول العرب للشيء إذا قرب من الشيء وتهيأ له. ويريد: كاد، أي قارب.
وأنشد الفراء:
يريد الرمح صدر أبي براء ... ويرغب عن دماء بني عقيل
فجعل للرمح إرادة، ولا إرادة له. وأنشد الفراء:
فلما أراد الصبح منه تنفساً ... أنخنا فعرسنا وما كدت أفعل
وأنشد الفراء:
إن دهراً يلف شملي بسلمى ... لزمان يهم بالإحسان
وقال الراعي:
في مهمه قلقت به هاماتها ... قلق الفؤوس إذا أردن نصولا
ويروى: في نفنف. فالمهمه: القفر المستوى، والنفنف: ما بين أعلى الجبل إلى أسفله. وما بين كل شيئين نفنف. وقلقت: رجفت كما ترجف الفأس إذا أرادت أن تسقط من الخشبة. ونصولا: يقال: قد نصل نصولا إذا خرج. وليس للفؤوس إرادة.
стр. 125
وقال أبو النجم:
بأن رأيت العارض المستحلبا ... باتت تناديه الجنوب والصبا
العارض: السحاب، وليس ثم نداء، ولكن المعنى: كانت تستدعيه وتجمعه، فجاز ذلك.
وقال ابن مقبل:
كمثل هيل النقا طاف الوشاة به ... ينهار حينا وينهاه الثرى حينا
وليس ثم نهي، ولكنه كأنه يمنعه، فوضع ينهاه في موضع يمنعه. والنقا: الرمل. والهيل: ما تناثر منه.
وقال أبو النجم:
كأن رملاً هم بالتقطع ... فهو جثاً فوق دهاس مضجع
وليس ثم من الرمل هم. والدهاس: الرمل.
وقال أيضاً:
همت الأفعى بأن تسيحا ... وسكت المكاء أن يصيحا
وليس من الأفعى هم، والمكاء: طائر.
وقال الراجز:
ورماد نار قد تهيأ للبلي ... وسواد منه كلون الجوزل
الجوزَلُ: الفرخ، شبه سواده بسواد الفرخ أول ما يخرج ريشه.
стр. 126
وقال القطامي:
باتت تضاحكه البروق بساطع ... كسنا الحريق ولا مع لمعانا
وقال عبيد:
سائلي بناحجر بن أم قطام إذ ... ظلت به السمر الذوابل تلعب
وهي لا تلعب.
وقال الجعدي:
سألتني عن أناس هلكوا ... أكل الدهر عليهم وشرب
والمعنى أنه أبادهم وأذهبهم، كما قال عبيد في لعب الذوابل. ومعنى لعبها: قتالهم وهلكهم وتشردهم.
وقال ذو الرمة:
وأبيض موشي القميص نصبته ... على خصر مقلات سفيه جديلها
يعني الناقة. والمقلات: التي لا ولد لها. وسفيه: يقول مضطرب. والجديل: الزمام، وجعل الجديل سفيهاً ولا سفه منه، ولكنه، لما خف وأسرع وتحرك، سماه سفيهاً؛ لأن السفه خفة وطيش.
ومثله قول زياد الأعجم:
стр. 127
سبقت يداك له بعاجل طعنة ... شهقت لمنفذها أصول جوانح.
كأنها لما سالت وتبادر دمها صير ذلك سفهاً.
وقال زيد الخيل:
بجمع تضل البلق في حجراته ... ترى الأكم منه سجداً للحوافر.
الحوافر تجعل الأكم سجداً.
وقال سويد:
ساجد المنخر لا يرفعه ... خاشع الطرف أصم المستمع
وهذا كلام العرب. وكذلك يقولون: نبت البقل، وطالت الشجرة، وأينعت الثمار، وصاح الشجر: طال، لما تبين للناظر، ودل على نفسه، جعلوه كأنه صائح؛ لأن الصائح يدل على نفسه بصوته.
ومالت النخلة، ورخص البيع وغلا. ومثل هذا كثير، يطلقون الكلام على ما لا يعقل ولا فعل له، إطلاقهم له على ما يعقل ويفعل، مجازاً واتساعاً. وكذلك يقولون: وقفت الشمس، واحمر الأفق، وأظلم الليل، وظهرت النجوم، وطلع القمر وغاب، وسقط الحائط، وسطع الغبار.
قال الشاعر:
إذا لم يغبر حائط في سقوطه ... فليس له بعد السقوط غبار
فأضاف السقوط والغبار إليه، وهو مفعول به.
قال تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمَ الأَمْرُ﴾، وإنما يعزم عليه. وكذلك قوله تعالى:
стр. 128
﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾، وإنما يربح فيها.
ومثل ذلك قولهم: ناقة تاجرة، أي تنفق نفسها، فكأنها لما كان عليها من الأعلام ما يدعو إلى نفاقها قيل لها: تاجرة.
والعرب تقول: مال ينطق: إذا رأوه نطقوا عجباً به، فقالوا: سبحان الله.
ومثله قول الشاعر:
وأعور من نبهان، أما نهاره ... فأعمى، وأما ليله فبصير
فجعل الصفة للنهار والليل.
وقال آخر:
أما النهار ففي قيد وسلسلة ... والليل في جوف منحوت من الساج
وقال جرير:
لقد لمتنا يا أم غيلان في السرى ... ونمت وما ليل المطي بنائم
والليل لا ينام، وإنما ينام فيه.
وقال آخر:
فنام ليلي وتجلى همي
وقال آخر:
стр. 129
نهارهم ظمآن أعمى وليلهم ... وإن كان بدراً ظلمة ابن جمير
أي يظمؤون فيه.
قال الطرماح:
وأخو الهموم إذا الهموم تحضرت، ... جنح الظلام، وساده لا يرقد
كأنه قال: لا يرقد هو على وساده، ولا يُرقده وساده.
وقال الله، : ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾، وهما لا يمكران، ولكن المكر فيهما. وقرأ ابن مسعود: ﴿بَلْ مَكَروا اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾، أي مكر بعضهم على بعض فيه.
وقال تعالى: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾. وإنما كُذِب به.
وقال [كلثوم بن عمرو العتابي]:
يا ليلة لي بحوارين ساهرة ... حتى تكلم في الصبح العصافير
فقال: ساهرة، والليلة لا تسهر، وإنما يسهر فيها.
وكذلك المائدة، هي في لفظ إلى فاعلة، والفاعل غيرها، إنما ميد بها أهلها، وهذا من السبب الذي حولت صفته إلى شيء من سببه، كقوله تعالى: ﴿فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ وإنما يرضى بها أهلها.
والعرب تقول: تضعضع البناء وخشع، وردى الطلل والربع لفقد فلان، ولبكاي
стр. 130
على فلان، وبكت الناقة من بكاي. وقال الشاعر:
لما أتى خبر الزبير تضعضعت ... سور المدينة والجبال الخشع
وقال:
بكى حارث الجولان من هُلك ربه ... وحوران منه خاشع متضائل
وحوران والجولان: جبلان.
وقال آخر:
وقفت بها القلوص ففاض دمعي ... فما ملكت مدامعها القلوص
وقال آخر:
وعرفت من شرفات مسجدها ... حجرين طال عليهما العُصُر
وقال ابن أحمر:
بكيا الخلاء، فقلت، إذ بكيا: ... ما بعد مثل بكاكما صبر
فقال: حجرين بكيا.
وقال آخر:
سبحان من سبحت طير الفلاة له ... والريح والرعد والأنعام والكفر
فالكفر: مواضع في الجبال، وهذا كله لا يعقل التسبيح.
ومثله قولهم: الشمس أرحم بنا في الشتاء من القمر، فجعلوا لها رحمة وهي لا تعقل.
وقد جاء عن النبي، صلى الله عليه: "الإيمان قيدُ الفتكِ". وعلم أنه ليس هناك
стр. 131
قيد، ولكنه جعل منع الإيمان إياه تقييداً له. وقوله، صلى الله عليه، في أهل الإسلام وأهل الشرك: "لا تراءى نارهما". وروي أنه، صلى الله عليه، أقبل من سفر، فلما رأى أحداً قال: "هذا جبل يحبنا ونحبه"، والجبل لا محبة له.
ويقولون: منزلي ينظر إلى منزل فلان، ودورنا تناظر. ويقولون: إذا أخذت في طريق كذا فنظر إليك الجبل، فخذ يميناً عنه. وإذا كنت بمكان كذا، حيث ينظر إليك الجبل، فخذ عن يسارك [أو] عن يمينك. قال:
......... ... وكما ترى شيخ الجبال ثبيرا
وشيخ الجبال: يعني أبا قبيس.
وتقول العرب: هذه الجبال تتناظر، إذا كان بعضها قبالة بعض، وإذا كان الجبل من صاحبه بالمكان الذي لو كان إنسان رآه، جاز ذلك. وعلى هذا المثل قال النَّبي، صلى الله عليه، في نار المشركين [والمسلمين]: "لا تراءى ناراهما". [ومع قول الشاعر]:
لا تراءى قبورهما
وقال الشاعر:
سل الدار من جنبي حبر فواهب ... بحيث يرى هضب القليب المضيح
стр. 132
وتقول العرب: نزل الغيث وارتفع، وزكت السماء، وضحكت الأرض، وفاض الماء وغاض، وآل الشيء وآض. قال الشاعر:
إن السماء إذا لم تبك مقلتها ... لم تضحك الأرض في شيء من الخضر
ويقولون: هذا شجر واعد، إذا نور، كأنه لما نوَّر وعد أنه يثمر. ونبات واعد، إذا أقبل بماء ونضر.
ويقولون: سمع الأرض وبصرها، والأرض لا سمع لها ولا بصر.
ويجعلون للفعل قولاً، ويقولون: قال برأسه، وقال بيده، إذا حرك رأسه وأومأ بيده، ولم يقل شيئاً.
ويقولون: قال الحائط فمال، وقل برأسك [إلي]، أي أمله. وقالت الناقة، وقال البعير. ولا يقال في هذا المعنى: تكلم.
كما قال أبو النجم:
قد قالت الأنساع للبطن الحق ... قدماً، فآضت كالفنيق المحنق
الأنساع: السيور. والفنيق: الجمل، وليس ثم قول، إنما المعنى: لحق البطن بالظهر.
وقال الأعشى:
ويقسم أمر الناس يوماً وليلة ... وهم ساكتون والمنية تنطق
стр. 133
وهذا في الأشعار الشاهرة، والأمثال السائرة أكثر من أن يحصى.
التكرير
والتكرير من مذاهب العرب، كما أن من مذاهبهم الاختصار. قال الله تعالى: ﴿كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ، ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾، و ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾، و ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى، ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾.
وعن ابن عباس أن النبي، صلى الله عليه، أخذ بيد أبي جهل بن هشام، فهزه مرة أو مرتين، ثم قال له: "أولى لك فأولى، ثم أولى لك فأولى"، قال: فأوعده، صلى الله عليه، مرة بعد مرة، ثم نزلت الآية بعد ذلك على ما أوعد النبي، صلى الله عليه، أبا جهل، وهو وعيد بعد وعيد.
والعرب تقول للرجل إذا قارب العطب: أولى لك، أي كدت تذهب، وفيه تهدد لمن يعقل. وقال قوم: أولى لك: أي وليك المكروه. والعرب تقول ذلك إذا دعت عليه بالمكروه.
والعرب تكرر في الصفات، قال الله، :
﴿وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾. وقرأ ابن مسعود: ﴿وللظّالمين أعَدّلهم﴾ فكرر الكلام في الظالمين ولهم.
وأنشد الفراء:
стр. 134
فأصبحن لا يسألنه عن بما به ... أصعد في غاوي الثرى أم تصوّبا
فكرر الباء مرتين.
وقال عمرو بن ملقط:
ألفيتا عيناك عند اللقاء ... أولى فأولى لك ذا واقيه
ألفيتا، معناه: وجدتا، كأنه يقول من الخوف: ذا واقيه كأنه قال: يا ذا بواقيه.
ومثله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ، ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾. [وكذلك]: ﴿فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى﴾. ولو لم يقل: ﴿مَا غَشّى﴾ لكان ذلك المعنى.
وكذلك: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنْ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾.
وكذلك: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾.
وكذلك قولهم: المال بين زيد [وبين] عمرو، فكرَّر البيْنَ مرتين.
قال عدي بن زيد:
وجعل الشمس مصراً لا خَفَاءَ به ... بين النهار وبين الليل قد فصلا
стр. 135
يعني: حاجزاً.
وقال آخر:
بين الأشج وبين قيس باذخ ... بخ بخ لوالده وللمولود
ومثله: جاد مجد. وقالوا: جد في الأرض وأجد.
وقال الشاعر:
............... ... حطامة الصلب حطوماً محطماً
فكرر معنى واحداً. ولو قلت: هذا شارب شروب، أو ضارب ضروب، لمن كثر شربه وضربه، كان أسهل من أن تقول: ضارب ضارِب؛ لاختلاف المعنى واللفظ؛ لأن ضارباً، لمن كان منه ضرب مرة واحدة، وضروب وشروب لمن كان كثر ضربه وشربه.
ويقول الرجل للرجل: اعجِل اعْجِل، وللرامي: ارمِ ارْمِ.
قال الشاعر:
كم نعمة كانت لكم كَمْ كم وكم
وقال آخر:
وكم نعمة أودى وكم غبطة طوى ... وكم سيد أهوى وكم غزوة قضم
وكم هدَّ من طود منيف ... وكم فض من قصر مشيد وكم وكم
وقال الراجز:
стр. 136
هلا سألت جموع كنـ ... دة يوم ولوا: أين أينا؟
وقال عوف بن الخرع:
وكادت فزارة تشقى بنا ... فأولى فزارة أولى فزارا
وقالت الخنساء:
هضمت بنفسي كل الهموم ... فأولى لنفسي أولى لها
ومثله قوله: : ﴿اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ﴾ ثم قال: ﴿وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾.
وإنما تقع من في كلامهم للآدميين. ثم قال: ﴿وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ﴾، وهم مَنْ مَن.
وهذا التكرير كقوله تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ وهما من الفاكهة. وقوله، : ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ﴾ يجوز أن يكون أراد جبريل، وهو من الملائكة، ﵈، فكرر.
فأما تكرير المعنى بلفظين مختلفين فلاتساع المعنى والإشباع في اللفظ، وذلك كقول القائل: آمرك بالوفاء، وأنهاك عن الغدر. والأمر بالوفاء هو النهي عن الغدر.
стр. 137
وآمركم بالتواصل [وأنهاكم عن التقاطع. والأمر] بالتواصل هو النهي عن التقاطع.
وقال الله، : ﴿نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾، والنجوى هو السر. وقال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾.
ويقولون: من قبل ذاك ومن قبل. قال:
إذا أنا لم أوْمَنْ عليك، ولم يكن ... كلامك إلا من وراء وَراء
فكرر وراء مرتين.
وقال آخر:
ترمي بها من فوق فوق وماؤه ... من تحت تحت سريه يتغلغل
وقال ذو الرمة:
لمياء في شفتيها حوة لعس ... وفي اللثاث، وفي أنيابها شنب
واللعس: حوة، فكرر لما اختلف اللفظان.
ومثله قول كعب بن سعد الغنوي:
أخي، ما أخي، لا فاحش عند بيته ... ولا ورع عند اللقاء هيوب
стр. 138
والورع هو الهيوب، فلما اختلف اللفظان حسن التكرير.
وقال تعالى: ﴿وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾. والعيث هو الفساد.
وقولهم: لا تجر عليه ولا تظلمه. والجور هو الظلم.
وقال الشاعر:
ألا حبذا هند وأرض بها هند ... وهند أتى من دونها النأي والبعد
والنأي هو البعد. ومثله كثير.
الإيجاز
والإيجاز: هو الاختصار، وقولهم: كلام موجز وخطبة موجزة، يراد به الاختصار. والإيجاز في الكلام: هو ضد العي فيه والإكثار.
وقال معاوية بن أبي سفيان لصحار العبدي: ما الإيجاز؟ قال: أن تجيب فلا تبطئ، وتقول فلا تخطئ. فقال معاوية: أو كذلك تقول؟ قال صحار: أقلني يا أمير المؤمنين، لا تخطئ ولا تبطئ.
وتكلم رجل بحضرة بعض العرب، فجعل يردد كلامه، ثم سأل العربي فقال: ما الفصاحة عندكم؟ قال: الإيجاز فقال: ما العي؟ فقال: ما أنت فيه منذ اليوم.
ويقال: كلام وجزٌ وواجز ووجيز. وقد وجَزَ الرجل وأوجز، ووجزَ الكلام وأوجزه، وأمرٌ وجيز موجز، وقد أوجزته إيجازاً، أي اختصرته.
стр. 139
الكناية
الكناية أنواع، ولها مواضع، فمنها:
أن يكنى عن اسم الرجل بالأبوة ليزيد في الدلالة والتعظيم له. وذهب هؤلاء إلى أن الكنية كذب، ما لم يكن الولد مسمى بالاسم الذي كني به عن الأب، وتقع للرجل بعد الولادة.
وقالوا: إن كانت الكنية للتعظيم، فما باله كنى أبا لهب وهو عدوه، وسمى محمداً، صلى الله عليه، وهو وليه ونبيه؟
والجواب عن هذا: أن العرب ربما كانت تجعل اسم الرجل كنيته، وكانت الكنية والاسم واحداً. وربما كان للرجل الاسم والكنية، فتغلب الكنية على الاسم، فلا يعرف إلا بها، كأبي سفيان، وابي طالب، وأبي ذر، وأبي هريرة. ولذلك كانوا يكتبون: علي بن أبو طالب، ومعاوية بن أبو سفيان؛ لأن الكنية بكمالها صارت اسماً واحداً، وحظ كل حرف الرفع ما لم ينصبه أو يجره حرف من الأدوات أو الأفعال؛ فكأنه حين كني قيل: أبو طالب.
وقد روي أن علي بن أبي طالب كان إذا شهد في كتاب [كتب]: شهد علي ابن أبو طالب، يجعله اسماً.
وقد روي أن اسم أبي لهب عبد العزَّى، فإن كان هذا صحيحاً فكيف يذكره رسول الله بهذا الاسم وفيه معنى الشرك والكذب؟
стр. 140
والكناية مثل قوله، : ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾، فكنى عن المعنى.
وعن ابن باس في قوله تعالى: ﴿أَوْ لامَسْتُمْ النِّسَاءَ﴾. أن الملامسة هي الجماع، ولكن الله يكني ويعف.
وقوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ﴾ فذكر الموضع، وكنى عن السبب الذي يكون فيه.
وكذلك: العذرة، هي فناء الدار، وسميت الأنجاس التي تلقى بفناء الدور باسم المكان.
وكذلك: النجوة، مأخوذ اسمها من المكان الذي يذهب إليه الإنسان، وهو المكان المرتفع، تسميه العرب نجوة.
هذا ومثله مما يذكر الشيء ويراد به غيره ويكنى عن ذكره، هو كناية.
وقال بشار:
يا قرة العين، إني لا أسميك ... أكني بسلمى أسميها وأعنيك
ويروى: "أكني بأخرى". فهذا أيضاً من الكناية عن الشيء بذكر غيره.
والعرب تكني عن الشيء ثم تظهره لتبين عنه.
وقال مالك بن أبي كعب:
стр. 141
لعَمْرُ أبيها لا تقول ظعينتي ... ألا قرعني مالك بن أبي كعب
كنى عنها ثم أظهرها ليعلم.
والعرب تقول: أخي وأخوك أينا أبطش، يريدون: أنا وأنت نصطرع، فننظر أينا أشد، فتكني عن بطشه بأخيه؛ لأن أخاه كنفسه. قال ......
أخي وأخوك ببطن النسيـ ... ر ليس به من معد عريب
فكنى عن نفسه بأخيه.
وقد حصل شيء من هذا الباب في باب التعريض.
الضمير والإضمار
كقوله، : ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ يعني: تزويج أمهاتكم، فأضمر تزويج. ومثله: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾، يعني: على زنائهن، فأضمر الزنا.
ومثله: ﴿اخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً﴾ يعني: من قومه.
ومثله: ﴿مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾، يعني الأرض. وكذلك قولهم: ما عليها أعلم من فلان، يعني الأرض.
стр. 142
ومثله قوله، : ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾، يعني الشمس.
ومثله قوله تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمْ الْعِجْلَ﴾، أي أشربوا في قلوبهم حب العجل فأضمر.
ومثله: ﴿وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾، مجازه: سل أهل القرية ومن في العير. قال امرؤ القيس:
فأقسم لو شيء أتانا رسوله ... سواك، ولكن لم نجد لك مدفعا
معناه: لو شيء أتانا رسوله سواك لرددناه، فأضمر لعلم المخاطب بما أراد. وهو كقولك: لو زرتني. معناه: لسررتني، فيضمر لسررتني لفهم المخاطب بما يريد وأنشد:
وأنت صاحبها المذكور قد علمت ... ذاك العمائم يوم الخندق السود
يريد: أصحاب العمائم السود فأضمر.
стр. 143
وقال آخر:
تحسبه خزاً تحته وقزَّا ... وفرشاً محشوة إوزا
يريد: ريش إوز فأضمر. والإوز: طائر.
قال النابغة:
كأنك من جمال بني أقيش ... يقعقع خلف رجليه بشن
يريد: كأنك جمل من جمال، فأضمر. وأقيش: حي من الجن.
قال الأسدي:
كذبتم، وبيت الله، لا تنكحونها ... بني شاب قرناها تصر وتحلب
أضمر التي شاب قرناها.
ومثله قول جرير:
تعدون عقر النيب أفضل مجدكم ... بني ضوطرى لولا الكمي المقنَّعا
ضوطرى: غليظ سمين كثير اللحم. يقول: هلا تعدون الكمي، فأضمر تعدون.
والعرب تضمر الشيء وإن لم يجر له ذكر. قيل: إذا كان معلوماً معناه كما قال القطامي:
стр. 144
قرم إذا ابتدر الرجال عظيمة ... بدرت إليه يمينه الأيمانا
لما كان في قوله: عظيمة، أمر عظيم، رُدَّ إليه على المعنى.
وكما قال حميد بن ثور:
وصهباء منها كالسفينة، نضجت ... به الحمل، حتى زاد شهراً عديدها
صهباء: ناقة بيضاء تضرب إلى الحمرة، وهو من علامات الكرم. نضجت: أتمت الحمل وزادت على أيامها، وهو أكرم للولد. وقوله: منها، من الإبل، ولم يجر للإبل ذكر. وبه: بالولد، أضمره. ولم يجر له ذكر لما وصف الحمل؛ لأنه معروف.
وقال الفراء: إنما يحسن الإضمار في الكلام الذي يجتمع ويدل بعضه على بعض كقولهم: كسب فلان المال فبنى الدور والعبيد واللباس: اتخذ ذلك؛ لأن البناء لا يقع على العبيد واللباس، ولكنه من صفة اليسار.
وأنشد المفضل:
ولقد رأيتك لا تنا ... ل لأكلة ماء وخبزا
وأنشد الفراء لبعض بني أسد يصف فرسه:
علفتها تبناً وماء بارداً ... حتى شتت همالةً عيناها
أي من سوء الحال.
ويقولون: ما أدري أغيَّره الدَّهر أم مال أصاب. ولا يجوز النصب في المال؛ لأن ما
стр. 145
قبله مرفوع، والهاء مضمرة؛ كأنه قال: أم أصابه مال.
قال الشاعر:
فما أدري أغيَّرهم تناء ... وبُعد الدار، أم مال أصابوا؟
أراد: أصابوه، فأضمر الهاء.
وأنشد هو وغيره:
ورأيت زوجك في الوغى ... متقلداً سيفاً ورمحا
ومثله: ﴿وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ أي: إلا من له مقام معلوم. ومثله: ﴿إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَاكُلُونَ الطَّعَامَ﴾، أي: إلا إنهم "من"، فأضمر من. وإنما جاز ذلك؛ لأن "من" بعض للشيء الذي هي منه فاستغنى [عن] مَنْ لذلك.
قال ذو الرمة:
تولَّوا فمنهم دمعه سابق له ... وآخر يذري عبرة العين بالمهل
والماء لا يعلف، ولكنه من صفة الغذاء. والرمح لا يتقلَّد، ولكنه من صفة السلاح.
следующие страницы →