← Гариб и словари

Гариб и словари · id 17879

الإبانة في اللغة العربية

الصحاري

Полный текст (2 342 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

لعَمْرُ أبيها لا تقول ظعينتي ... ألا قرعني مالك بن أبي كعب كنى عنها ثم أظهرها ليعلم. والعرب تقول: أخي وأخوك أينا أبطش، يريدون: أنا وأنت نصطرع، فننظر أينا أشد، فتكني عن بطشه بأخيه؛ لأن أخاه كنفسه. قال ...... أخي وأخوك ببطن النسيـ ... ر ليس به من معد عريب فكنى عن نفسه بأخيه. وقد حصل شيء من هذا الباب في باب التعريض. الضمير والإضمار كقوله، : ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ يعني: تزويج أمهاتكم، فأضمر تزويج. ومثله: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾، يعني: على زنائهن، فأضمر الزنا. ومثله: ﴿اخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً﴾ يعني: من قومه. ومثله: ﴿مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾، يعني الأرض. وكذلك قولهم: ما عليها أعلم من فلان، يعني الأرض.

стр. 142

ومثله قوله، : ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾، يعني الشمس. ومثله قوله تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمْ الْعِجْلَ﴾، أي أشربوا في قلوبهم حب العجل فأضمر. ومثله: ﴿وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾، مجازه: سل أهل القرية ومن في العير. قال امرؤ القيس: فأقسم لو شيء أتانا رسوله ... سواك، ولكن لم نجد لك مدفعا معناه: لو شيء أتانا رسوله سواك لرددناه، فأضمر لعلم المخاطب بما أراد. وهو كقولك: لو زرتني. معناه: لسررتني، فيضمر لسررتني لفهم المخاطب بما يريد وأنشد: وأنت صاحبها المذكور قد علمت ... ذاك العمائم يوم الخندق السود يريد: أصحاب العمائم السود فأضمر.

стр. 143

وقال آخر: تحسبه خزاً تحته وقزَّا ... وفرشاً محشوة إوزا يريد: ريش إوز فأضمر. والإوز: طائر. قال النابغة: كأنك من جمال بني أقيش ... يقعقع خلف رجليه بشن يريد: كأنك جمل من جمال، فأضمر. وأقيش: حي من الجن. قال الأسدي: كذبتم، وبيت الله، لا تنكحونها ... بني شاب قرناها تصر وتحلب أضمر التي شاب قرناها. ومثله قول جرير: تعدون عقر النيب أفضل مجدكم ... بني ضوطرى لولا الكمي المقنَّعا ضوطرى: غليظ سمين كثير اللحم. يقول: هلا تعدون الكمي، فأضمر تعدون. والعرب تضمر الشيء وإن لم يجر له ذكر. قيل: إذا كان معلوماً معناه كما قال القطامي:

стр. 144

قرم إذا ابتدر الرجال عظيمة ... بدرت إليه يمينه الأيمانا لما كان في قوله: عظيمة، أمر عظيم، رُدَّ إليه على المعنى. وكما قال حميد بن ثور: وصهباء منها كالسفينة، نضجت ... به الحمل، حتى زاد شهراً عديدها صهباء: ناقة بيضاء تضرب إلى الحمرة، وهو من علامات الكرم. نضجت: أتمت الحمل وزادت على أيامها، وهو أكرم للولد. وقوله: منها، من الإبل، ولم يجر للإبل ذكر. وبه: بالولد، أضمره. ولم يجر له ذكر لما وصف الحمل؛ لأنه معروف. وقال الفراء: إنما يحسن الإضمار في الكلام الذي يجتمع ويدل بعضه على بعض كقولهم: كسب فلان المال فبنى الدور والعبيد واللباس: اتخذ ذلك؛ لأن البناء لا يقع على العبيد واللباس، ولكنه من صفة اليسار. وأنشد المفضل: ولقد رأيتك لا تنا ... ل لأكلة ماء وخبزا وأنشد الفراء لبعض بني أسد يصف فرسه: علفتها تبناً وماء بارداً ... حتى شتت همالةً عيناها أي من سوء الحال. ويقولون: ما أدري أغيَّره الدَّهر أم مال أصاب. ولا يجوز النصب في المال؛ لأن ما

стр. 145

قبله مرفوع، والهاء مضمرة؛ كأنه قال: أم أصابه مال. قال الشاعر: فما أدري أغيَّرهم تناء ... وبُعد الدار، أم مال أصابوا؟ أراد: أصابوه، فأضمر الهاء. وأنشد هو وغيره: ورأيت زوجك في الوغى ... متقلداً سيفاً ورمحا ومثله: ﴿وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ أي: إلا من له مقام معلوم. ومثله: ﴿إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَاكُلُونَ الطَّعَامَ﴾، أي: إلا إنهم "من"، فأضمر من. وإنما جاز ذلك؛ لأن "من" بعض للشيء الذي هي منه فاستغنى [عن] مَنْ لذلك. قال ذو الرمة: تولَّوا فمنهم دمعه سابق له ... وآخر يذري عبرة العين بالمهل والماء لا يعلف، ولكنه من صفة الغذاء. والرمح لا يتقلَّد، ولكنه من صفة السلاح.

стр. 146

وقال حاتم: أماوي، ما يغني الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوماً وضاق بها الصدر يريد: النفس، فأضمر. ومثله قول الآخر: لقد عَلِمَ الضيف والمرملون ... إذا اغبر أفق وهبَّت شمالا كأنه قال: وهبّت الريح شمالاً، فأضمر الريح. والمرْمِلُ: الذي نفد زاده. والعرب قد تستعمل الإضمار كثيراً كما قال : ﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ إنماهو على إضمار: احذروا ناقة الله. وقال بعضهم: على معنى: اتقوا ناقة الله. وقال بعضهم: على معنى: لا تعقروا ناقة الله. ومثله: قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا﴾ على إضمار: يقولون يا ربنا. وقوله تعالى: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ، سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾، على إضمار: يقولون سلام عليكم. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، على إضمار: قالوا ما نعبدهم.

стр. 147

والعرب تُضمر "رُبَّ" في أشعارها كثيراً، وتضمرُ "قَدْ" في الأيمان. يقولون: والله لجئت، أي: لقد جئت. قال امرؤ القيس: حلفت لها بالله حَلْفَة فاجر ... لناموا، فما إن من حديث ولا صال يريد: لقد ناموا. وصال: في موضع مصطل، يقال: صلى واصطلى بمعنى. قال الله، : ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً﴾ المعنى: وقد كنتم. ومثله: ﴿وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ﴾، المعنى: فقد كذبت. ومثله: ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ يريد: والله أعلم قد حصرت. ولولا إضمار قد لم يجز مثله في الكلام. وقولك للرجل: أصبحت كثُرَ مالك. يريد: قد كثُر مالك، ولا يجوز إلا بإضمار قد. ويُضمر جواب لما، كما قال امرؤ القيس: فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى ... [بنا بطن واد ذي نعاف عقنقل] البيت جوابه مضمر، معناه: فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى بنا، خلونا. ولولا هذا الإضمار لكان الكلام مُحالاً.

стр. 148

وتُضمر الجحد مع كاف التشبيه إذا أرادته لكثرة استعمالهم لذلك؛ فيقولون: عمرو فارساً، وكاليوم رجلاً، أي ما رأيت كذلك. ومنه قول ابن أحمر: كالكلب والكلَّاب قال له: ... كاليوم مظلوماً ولا ظُلِما أراد: لم أر كاليوم، فأضمر لم أر. الحذف الحذف حذفان: حذف بعض الكلام، وحذف بعض الحروف؛ إيجازاً واستغناء بما بقي منه عما حذف. وهو في كلامهم وأشعارهم كثير إذا كان فيما ألقوا دليل على ما ألقوا. قال الله، : ﴿أَلاَّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ﴾، أي: ألا يا هؤلاء اسجدوا، فحذف هؤلاء، وأبقى يا. قال المرقِّش: ألا يا اسلمي يا هند، هند [بني بدر] ... وإن كان حيانا عدى آخر الدهر

стр. 149

وقال آخر: ألا يا اسلمي لا صرم في النوم فاطما ... ولا أبداً ما دام وصلك دائما وأنشد أبو العباس: ألا يا اسلمي قبل الفراق ظعينا ... تحية من أمسى إليك حزينا تحية من لا قاطع حبل واصل ... ولا صارم قبل الفراق قرينا قال العجاج: يا دار سلمى يا اسلمي ثم اسلمي ... بسمسم، أو عن يمين سَمْسَمِ وقال ذو الرمة: ألا يا اسلمي يا دار مَيَّ على البِلَى ... ولا زال منهلاً بجرعائك القطر وقال الكُميت: ألا يا اسلمي يا ترب أسماء من تِرْبِ ... ألا يا اسلَمي، حييت عني وعن صحبي أرادوا في جميع هذه الأبيات: ألا يا هذه، فحذفوا "ألا هذه" وتركوا "يا". وقال آخر: يا لعنة الله والأقوام كلهم ... والصالحين على سمعان من جار

стр. 150

أراد: يا هؤلاء، فحذف هؤلاء. وأنشد الفراء: وقالت: ألا يا اسمع نعِظك بخطة ... فقلت: سمعنا فانطقي وأصيبي أراد: وقالت يا هذا اسمع، فحذف هذا. وأنشد الفراء أيضاً: يا قاتل الله صبياناً تجيء بهم ... أم الصبيين من زند لها واري أراد: يا هؤلاء، قاتل الله. وقال أبو نخيلة: أمسلم يا اسمع، يا ابن كل خليفة ... ويا سائس الدنيا ويا جبل الأرض أراد: يا هذا اسمع، فحذف هذا. وقال الله، : ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾؟ ومثله: ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ﴾ يريد: كلّمه الله. ومثله: ﴿لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾، تقديره: ما تعبدونه، فحذف الهاء. والعرب، إذا

стр. 151

طال عليها الاسم بالصفة، حذفوا الهاء. قال الشاعر: ذريني، إنما خطئي ولومي ... علي، وأن ما أهلكت مال أي: إن ما أهلكته هو مال. قال قيس بن ذريح: وفي عروة العذري، إن مت أسوة ... وعمرو بن عجلان الذي قتلت هند يريد: الذي قتلته هند، فحذف الهاء. وقال الله، : ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى، وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَى، وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى﴾. قيل، والله أعلم: فآواك، وفهَدَاك، وفأغْناك، فحذف الكاف. والعرب إذا حذفوا مرفوعاً، رفعوا ما بعده عِوَضاً منه، وغن حذفوا منصوباً نصبوا. قال الله : ﴿حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ﴾، أي: مَلَكُ الموت. فلما حُذف الملَك ارتفع الموت؛ ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾. وقال : ﴿وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ﴾، إنما: واسأل أهل القرية، فحذف الأهل، فانتصبت القرية. وكذلك: ﴿لا تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ﴾، أي: لا تكلَّف إلا طاقة نفسِك،

стр. 152

فحذف الطاقة وانتصبت النفس. وأكثر العرب يحذفون الياء في النداء، إذا أضافوه إلى أنفسهم، قال الله تعالى: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ يريد: يا قومي. ومثله: ﴿رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾. و ﴿رَبِّ احكُمْ بالحقِّ﴾، فحذف [الياء]. ومثله كثير. ومنهم من ثبَّتها، ومنهم من يحذف، [والحذف] أكثر. والعرب تحذف الألف من آخر الكلمة، إذا كان في أولها حرف من حروف الجر مثل: لم، وعمَّ ومِمَّ، وفيم، وبم. والأصل في ذلك الألف: لِمَا، وعمّا، ومما، وفيما، وبما. فلما صار في أوائلها حروف الخفض حذف الألف منها. قال الله تعالى: ﴿فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ﴾؟ و ﴿لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾، و ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾؟ و ﴿مِمَّ خُلِقَ﴾ و ﴿فِيمَ كُنتُمْ﴾؟ و ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾؟. وكذلك: غلام، وحتّام، وعَلام، يريدون: إلى متى، وحتى متى، وعلى ما. ومن العرب من يجعل مكان الألف هاء في الوقف. يقولون: لِمَهْ، وعَمَّهْ، ومِمَّهْ، وفِيمَه، وبِمَه.

стр. 153

والعرب تحذف الفاء من الجواب. قال الله تعالى: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ، قَالُوا﴾، والجواب: فقالوا، فحذف الفاء استغناء، فاكتفى بالمعنى؛ لأنه يحسن الوقف على ما قبله، ألا ترى أنك تقول: ماذا قال لك؟ فتقول: كذا وكذا. والعرب تحذف النون المضافة؛ لأنهم يستثقلونها. قال الله تعالى: ﴿أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾، والأصل: ملاقون، فحذف النون. ومثله: ﴿إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ﴾ و ﴿إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ﴾ و ﴿إِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾. والأصل في كل هذا النون؛ لأنه جمع، إلا أنهم يستثقلون النون فيحذفونها، فصير الكلام مضافاً. ويقولون: هؤلاء مسلمو البلاد وصالحوها، وهذه عِشرو زيد، وإحدى عشري زيد. وهذه عشروك، وثلاثوك، وإحدى عشريك، وثلاثيك. وقد يحذفون إحدى النونين من الكلمة. قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ﴾ وقرئ: ﴿أتُحاجُّونَا﴾ بنون واحدة. قال الشاعر: تراه كالثغام يُعَلُّ مِسْكاً ... يسوء الفاليات إذا فليني يريد: فلينني. والعرب تحذف الألف من المؤنث. يقولون: جاريتك زنيه، بفتح الهاء وحذف

стр. 154

الألف. وقرئ: ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾ بفتح النون والهاء، أراد: ابنها، فحذف الألف وهي لغة للعرب. وقرأ بعضهم ابنها بإثبات الألف، وهي قراءة شاذة. وتقول العرب: تعلقت الخطام، أي تعلقت بالخطام. وقال: تعلقت هنداً ناشئاً ذات مئزر ... وأنت، وقد قارفت لم تدر ما الحُلم أراد: تعلقت بهند. وقال المجنون: تعلقت ليلى وهي ذات موصَّد ... ولم يبد للأتراب من ثديها حجم وأنشد الفراء: نغالي اللحم للأضياف نيئاً ... ونرخصه إذا نضج القدور أراد: نغالي باللحم، فحذف الباء. وقال الله، : ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ أي: وقت الحجِّ. وقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ﴾، أي: إذا كالوا لهم، فحذف اللام. وأنشد الفراء:

стр. 155

إذا قالت حذام فأنصتوها ... فإن القول ما قالت حذام ومثله قوله : ﴿بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا﴾، وإنما هو: بدلنا لهم. [ومثله قوله تعالى]: ﴿عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا﴾، أي: يُبْدِل لنا. وأنشد الفراء: إن كنت أزمعت الفراق فإنما ... زُمَّت ركائبكم بليل مظلم أراد: أزمعت على الفراق، فحذف على. وأنشد الفراء: وأيقنت التفرق يوم قالوا: ... تقسم مال أربد بالسهام أراد: بالتفرق، فحذف الباء. وأنشد ابن الجراح: لقد طرقت حيال الحي ليلى ... فأبعد دار مرتحل مزارا أراد: فأبعد بدار، فحذف الباء. والعرب تقول في جواب كيف أنت؟: خير، عافاك الله؛ يريدون: بخير، فيحذفون الباء. ويقولون: والله أفعل ذاك، يريدون: لا أفعل ذاك. ويقولون: أتانا فلان مغيب الشمس، أي حين كادت تغيب. قال ذو الرمة:

стр. 156

فلما لبسن الليل [أو] حين نصبت ... له من خذا آذانها وهو جانح أراد: أو حين أقبل الليل. وكذلك يحذفون من الكلمة الحرف والشطر والأكثر، ويبقون البعض والشطر والحرف يوحون به؛ فيقولون: لم يك، فيحذفون النون مع حذفهم الواو لاجتماع الساكنين. ويقولون: لم أُبَلْ، يريدون: لم أُبَالِ. ويقولون: ولاك افعل كذا، يريدون: ولكن. قال الشاعر: فلست بآتيه ولا أستطيعه ... ولاك اسقني إن كان ماؤك ذا فضل والعرب تجترئ بإظهار ما تظهر في أول الكلام عما ينبغي أن يظهر بعده مع شئت وأردت، فيقولون: خذ ما شئت. معناه: أن تأخذ، وكن مع من شئت، أي: أن تكون معه؛ فتترك ذلك لأن المعنى معروف. ومنه: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾. ومثله: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾. المعنى، والله أعلم: في أي صورة ما شاء أن يركِّبك فيها. والعرب تحذف ألف "يا" من الكتاب؛ من ذلك: يكتبون ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾: يقوم، بحذف الألف. وإنما جاز حذف الألف من "يا"؛ لأن "يا" يُدْعَى بها

стр. 157

الأشياء، ولا يُدعى بها الأفعال، فحذفوا الألف لكثرة الاستعمال. وحكى الفراء عن العرب: ألا يا ارحموا، ألا يا تصدقوا علينا، بمعنى: ألا يا هؤلاء، افعلوا هذا. ويقولون: سترى، يريدون: سوف ترى، فحذفوا الواو والفاء. وكذلك: سيكون وسيفعل، أي: سوف يكون وسوف يفعل. ويقولون: بينا، يريدون: بينما. ويقولون: المنا، يريدون: المنازل. قال لبيد: درس المنا بمتالع فأبان ................ يريد: المنازل فحذف. وقال [الطرماح]: تتقي الشمس بمدرية ... كالحماليج بأيدي التلام المرية: القرون ها هنا والحماليج: منافيخ الصاغة، شبَّه قرونها بها إذا نفخ فيها. والحملجة: شدة الطي. والتلام؛ أراد: التلاميذ، يعني غلمان الصاغة، فحذف.

стр. 158

وقال أبو دؤاد: ............ فكأنما تذْكي سنابكها الحُبا أراد: الحباحب، فحذف. وقال آخر: أناس ينال الماء قبل شفاههم ... لهم واردات الغرض شم الأرانب أراد: الغرضوف، فحذف. وقال آخر: في لجة، أمسك فلاناً عن فُلِ أراد: عن فُلان، فحذف. وقال آخر: قواطناً مكة من وُرق الحمي أراد: الحمام، فحذف. وقال جرير: أبحت حِمى تهامة بعد نَجد ... وما شيء حميت بمستباح

стр. 159

أراد: حميته، فحذف الهاء. وقال الأعشى: إن محلاَّ وإن مرتحلاً ... وإن في السفر ما مضى م هلا أراد: [إن] لنا محلاً وإن لنا مرتحلاً، فحذف لنا لِعِلْم المخاطب بما يعني. ويقولون: زيداً لقيت، ورجل لقيت. وقال: فيوم لنا، ويم علينا ... ويوم نساء، ويوم نُسر أراد: نساء فيه، ونُسَرَّ فيه. وقال آخر: وخالد يحمد أصحابه ... بالحق ولا يحمد بالباطل أراد: يحمده، فأضمر الهاء. والعرب قد تبتدئ بكلام ثم تحذف خبره، استغناء عنه؛ لعلم المخاطب به. قال، : ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ﴾ الآية. ثم قال، : ﴿بَلْ لِلَّهِ الأَمْرُ جَمِيعاً﴾ مجازه: لو سيرت به الجبال لسارت، أو قطعت به الأرض لتقطعت، أو كُلِّم به الموتى لنُشرت.

стр. 160

ومثله: ﴿فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ الآية. ومثله، مما تُرِك بغير خبر، قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً﴾ إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾. ومثله: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ﴾ إلى قوله: ﴿مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾. ومثله: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾. ومثله: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً﴾. ثم قال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾. ومثله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ إلى قوله: والبَادِ﴾. ومثله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. ثم قال: ﴿وَمَا تَاتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾. ومثله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ الآية. والمعنى: أن القوم كلِّموا بلغتهم، وبما يعقلون، فجاز ذلك عندهم؛ لأنك إذا قلت: لولا فلان، ثم سكت، علِم المستمع أنك تريد: لولا فلان لفعلت كذا. وكذا لو قلت: لولا حرمتك وصحبتك، ثم سكت.

стр. 161

ومثله قولك للرجل: إن رأيت أن تقوم معنا، أي: فافعل، فيحذف الجواب. ومثله في الشعر قول امرئ القيس: وجدِّك لو شيء أتانا رسوله ... سواك، ولكن لم نجد لك مدفعا ثم قال: فبتنا نصد الوحش عنا كأننا ... قتيلان، لم يعلم لنا الناس مصرعا كأنه قال: لو أتانا سواك لرددناه، ولم نقض حاجته. وقال آخر: فلو مارسوه ساعة إنَّ قِرْنه ... إذا خام أخدان الإماء يطيح فترك الخبر، كأنه قال: لعرفوه. وقال [عبد مناف بن ربع] الهذلي: حتى إذا أسلكوهم في قتائدة ... شلاً، كما تطرد الجمالة الشردا هو آخر القصيدة، فتركها بلا خبر. وقال: حتى إذا بلغ العناء أنوفها ... ونفت بدرة صائك متفجر الصائك: الدم. وليس بعد هذا البيت شيء.

стр. 162

وقال آخر: حتى إذا دجا الظلام المختلط ... جاؤوا بصبح هل رأيت الذيب قط؟ كأنه قال: مثل لون الذئب، فترك الخبر. وقال أبو ذؤيب: فما إن وجد معولة رقوب ... بواحدها، إذا يغزو تضيف تنفض مهده وتذود عنه ... وما تغني التمائم والعكوف الرقوب من الأرامل والشيوخ: الذي لا ولد له، ولا يستطيع كسب نفسه. ويقال: الذي لا يقدم من ولده شيئاً. وفي الحديث عن النبي ﷺ ، أنه قال: "الرَّقوب الذي لا فرط له". وأصل الرقوب: الذي لا يبقى له ولد. وقوله: تضيف: تعدل، يقال: ضاف الطريق، إذا عدل. والتمائم: العوذ، الواحدة تميمة. قال النمر بن تولب: فإن المنية من يخشها ... فسوف تصادفه أينما ثم قال: وإن تتخطاه أسبابها ... فإن قصاراه أن يهرما

стр. 163

وقال آخر: أمسلمتي للموت أنت فميت ... وهل للنفوس المسلمات بقاء؟ أراد: فميت أنا، فحذف أنا؛ لأن معناه في الكلام مفهوم. وقال عمرو بن معدي: إذا قلت سيروا نحو ليلى لعلها ... جرى دون ليلى مائل القرن أعضب فقال: لعلها، ولم يجيء بخبر. وقال أبو دؤاد: ومن له بالطعن والضراب ... يلمع في كفي كالشهاب كأنه قال: من له حاجة في سيف يلمع. ثم قال: إن من شيمتي لبذل تلادي ... دون عرضي، فإن رضيت فكوني وقال: أو تأتَّي لرحلة واحتمال ... لنوى غربة ودار شطون فقال: إن رضيت فكوني، فترك الخبر، كأنه قال: كوني كما أنت، أو كوني معي.

стр. 164

وقال آخر: أتوني فقالوا: يا جميل تبدلت ... بثينة أبدالاً، فقلت: لعلها وقال آخر: ألا يا عين بكي لي شنينا ... وبكّي لي الملوك الذاهبينا فلو في غير معركة أصيبوا ... ولكن في ديار بني مرينا أراد: فلو في معركة أصيبوا لكان كذا، فحذف الجواب. ومثله: وكنت لزاز خصمك لم أعرِّد ... وقد سلكوك في يوم عصيب وقالوا في كلامهم: هل أنتما فتقيداها؟ المعنى: هل أنتما قائمان فتقيداها؟ وقال الله، : ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمْ الْحَرَّ﴾، [معناه: تقيكم الحر] والبرد، فاكتفى بالحر من البرد. ومثله: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾، معناه: الهدى والإضلال، فاكتفى بالهدى من الإضلال فحذفه. ومثله: ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾، معناه: فهَدَى وأضل، فحذف.

стр. 165

وقول الشاعر: وما أدري إذا يممت وجهها ... أريد الخير أيهما يليني أألخير الذي أنا أبتغيه ... أم الشر الذي هو يبتغيني وقال أبو ذؤيب: عصاني إليها القلب إني لأمره ... سميع، فما أدري أرشد طلابها؟ فمعناه: أرشد طلابها أم غير رشد، فاكتفى بالرشد من الذي يخالفه. ومعنى البيت الأول: أريد الخير والشر، فاكتفى بالخير من الشر فحذف. ومن الحذف شيء يأتي بعد هذا في باب الياء من الكتاب إن شاء الله. الاختصار والاختصار في الكلام هو [أن] تنزع الفضول وتستوجز الذي يأتي على المعنى، وكذلك الاختصار في الطريق. والعرب تختصر الكلام لعلم المخاطب بما أريد به. فمن ذلك: قول الله، : ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾؛ فإنه خرج مخرج [قولك]: فيقال لهم: أكفرتم؟ فاختصر.

стр. 166

ومثله: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾، أي إلا من يعبد رب العالمين. ومثله، حكاية عن إبراهيم ﵇: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾، قيل: ذاهب إلى حيث أمرني ربي. ومثله: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ﴾. المعنى: فضرب فانفجرت. وقوله تعالى: ﴿فَانْفَجَرَت﴾ دليل على أنه ضرب، فاختصر، ولم يذكر: فضرب؛ لأن ما بعده دل عليه. ولمثل هذا سميت العربية المختصرة. ومثله: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنْ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾. المعنى: ويقولون: ربنا تقبل. ومثله: ﴿أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾، أي: ووصى بالوالدين. ومثله: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً﴾، أي: أرسلنا. وقال الشاعر: رأتني بحبليها، فصدَّت مخافة ... وفي الحبل روعاء الفؤاد فروق أراد: مقبلاً بحبليها. ومثله: ﴿عَنْ الْيَمِينِ وَعَنْ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾، اكتفى بذكر الثاني من الأول.

стр. 167

ومثله: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾، أي: ولكن البرَّ بر من آمن بالله. وقال الهذلي: يمشِّي بيننا حانوت خمر ... من الخُرس الصراصرة القطاط أراد: صاحب حانوت خمر، فأقام الحانوت مقامه اختصاراً. وقال كثير يذكر الأظعان: حزيت لي بحزم فيدة تُحدى ... كاليهودي من نظاة الرقال أراد: كنخل اليهودي من خيبر، فأقامه مقامها. [ومثله قوله تعالى]: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَه﴾، أي: أهله. وقال ذو الرمة: [لعرفانها والعهد ناء]، وقد بدا ... لذي نهية أن لا إلى أم سالم أراد: أن لا سبيل إلى أم سالم.

стр. 168

ومثله: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾، أي: وادعوا شركاءكم، وكذلك هو في مصحف عبد الله. وقال الشاعر: تراه كأن الله يجدع أنفه ... وعينيه إن مولاه ثاب له وفر أي: يجدع [أنفه] ويعمي عينيه. وقال جميل: إذا ما الغانيات برزن يوماً ... وزججن الحواجب والعيونا والعيون لا تزجج، وإنما أراد: وزججن الحواجب، وكحّلن العيون. وقال آخر: تسمع للأحشاء منه لغطا ... ولليدين جسأة وبددا البددُ: انفراج اليدين، والجساة: غلظ متسع ما بين اليدين، والجسأة لا تسمع، فكأنه [قال]: قد ترى.

стр. 169

ومثله: قوله: : ﴿إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ﴾ أراد: إلا كباسط كفيه إلى الماء ليقبض عليه فيبلغه فاه. قال ضابئ: وإني وإياكم وشوقاً إليكم ... كقابض ماء لم تسقه أنامله وهو من: وسق يسق ويسقه من الوسق. والعرب تقول لمن تعاطى ما لا يجد منه شيئاً: هو "كالقابض على الماء". قال: ومن يصحب الدنيا يكن مثل قابض ... على الماء خانته فروج الأصابع ومن الاختصار قوله تعالى: ﴿مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾، يريد: على الأرض. وقوله: ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً﴾، أي: بالوادي. وقوله: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾، أي: بموسى، أنه ابنها. وقوله: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلاَّهَا﴾ يعني: الدنيا أو الأرض.

стр. 170

وقال حميد بن ثور في أول قصيدة: وصهباء منها كالسفينة نضجت ... به الحمل حتى زاد شهراً عديدها أراد: صهباء من الإبل. وأنشد الفراء: إذا نهي السفيه جرى عليه ... وخالف، والسفيه إلى خلاف أراد: جرى على السَّفه. ومنه قوله تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ﴾، أراد: فبعث الله غراباً يبحث التراب على غراب ميت ليواريه، ﴿لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ﴾. ومن الاختصار: القسم بلا جواب، إذا كان في الكلام بعده ما يدل عليه؛ كقوله تعالى: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً﴾ إلى قوله: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً﴾ ثم قال: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ﴾ ولم يأت بالجواب، كأنه قال: والنازعات وكذا وكذا لتبعثن، فقالوا: ﴿أَئِذَا كُنَّا عِظَاماً نَخِرَةً﴾ نبعث؟! ومن تتبع هذا من كلام العرب وأشعارها يجده كثيراً.

стр. 171

وقال الشاعر: فلا تدفنوني، إن دفني محرَّم ... عليكم، ولكن خامري أم عامر يريد: لا تدفنوني، ولكن دعوني للتي يقال لها إذا صيدت: خامري أم عامر، يعني الضبع، لتأكلني. والعرب تقول: قد خسر بيعك وربحت تجارتك. يريدون بذلك الاختصار. قال الشاعر: وكيف تواصل من أصبحت ... خلالته كأبي مرحب يريد: كخلالة ويجوز خِلالة وخُلالة وخَلالة أبي مرحب، فاختصر. ومثل ذلك من كلامهم: بنو فلان يطؤهم الطريق، أي: أهل الطريق، والطريق لا يطأ. وكذلك: ما زلنا نطأ السماء حتى جئناكم، أي: ماء السماء، والسماء لا توطأ. وحكي عن العرب: أطيب الناس الزبد، وأنفع الناس الدواء، أي: أطيب طعام الناس الزبد [وأنفع علاج الناس الدواء]. ومثله قول الخنساء: ترتع ما رتعت، حتى إذا ادّكرت ... فإنما هي إقبال وإدبار

стр. 172

فجعلت الإقبال والإدبار. وقال: كأن عذيرهم، بجنوب سلّى، ... نعام قاق في بلد قِفار أي: عذير نَعام. وقال ذو الخِرق الطهوي: حسبت بغام راحلتي عناقاً ... وما هي، ويب غيرك، بالعناق أي: بغام عناق. وهذا مثل: خشيت صياحي زيداً، أي صياح زيد. قال ذو [الخرق الطهوي]: سادوا البلاد، وأصبحوا في آدم، ... بلغوا بها بيض الوجوه فحولا فقال: في آدم، أي: في بني آدم. والعرب تقول: أيش تقول؟ يريدون: أي شيء تقول؟ فيختصرون. وقال بعضهم: بغير نون كأنها أيش. وقالوا: أيش عندك؟.

стр. 173

الحكاية الحكاية لا تكون إلا في الأسماء والكُنى، ولاتكون إلا بأربعة أفعال: بقرأت وكتبت ووجدت وسمعت. والمخاطب يحكي على قدر لفظه في حال الرفع والنصب والجر؛ فإذا قال: رأيت زيداً، فقل: من زيداً؟. وإذا قال: هذا زيد، قلت: من زيد. وإذا قال: مررت بزيد، قلت: من زيد. وكذلك في الكنية القول واحد. وبعض العرب، إذا قيل له: رأيت زيداً، يقول: من زيد؟ يستفهم عنه، ولا يحكيه، كلام معلوم. وتقول: قرأت: الحمد لله، وكتبت: أبو جاد، ووجدت: الله أكبر كلمة صدق، وسمعت الناس يقولون ذاك، تحكي ما تُخبر عنه. قال ذو الرمة: سمعت: الناس ينتجعون غيثاً ... فقلت لصيدح: انتجعي بلالا فرفع الناس على الحكاية. وقال آخر: كتبت: أبو جاد وحطّي مرامر ... وخرّقت سربالاً ولست بكاتب وقال آخر:

стр. 174

وجدنا في كتاب بني تميم ... أحق الخير بالجري المعار فقال: أحق، فرفع على الحكاية. وقال آخر: فأجبت قائل: كيف أنت؟ بصالح ... حتى مللت وملَّني عوّادي فقال: بصالح، فحكى؛ لأنك تقول: أنا صالح. وقال حسان: إني وجدت: الله أكبر أخذة ... يدعى بها للكلب واليعفور فرفع على الحكاية؛ لأنه يقول: الله أكبر. وقال آخر: لو أن من قال نار، أحرقت فمه ... لما تفوَّه باسم النار مخلوق فرفع النار على الحكاية. وقال آخر: لتسمعنَّ وشيكاً في دياركم ... الله أكبر، يا ثارات عثمانا فقال: الله أكبر، فحكى. والحكاية تبطل لمجيء الواو؛ فإذا تكلَّم المتكلمُ برفع أو نصب أو خفض، وقد دخلت الواو؛ فأجبه بالرفع إذا قال: رأيت زيداً؟ فقل: ومن زيد؟ فإن قال: رأيت أبا

стр. 175

محمد، فقل: ومن أبو محمد؟؛ لأن الحكاية تبطُل لمجيء الواو، ويرتفع الجواب بمن. ولو قال: رأيت زيداً؟ فلم تُجبه بالواو، لقلت: من زيداً؟ لأن الواو لم تدخل في الجواب، والنُّعوت لا تحكى فإذا قال: رأيت الطريق؟ فقل: مَنْ الطريق؟ أو قال: مررت بالطريق؛ فقل: من الطريق؟ وما أشبه ذلك مثله. وتقول: قرأتُ: ﴿والطُّورِ﴾ [و] ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾، وقرأت: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ [و] ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾؛ فتأتي بواوين: واو القسم وواو العطف وإنما تقع الحكاية في هذا الموضع. ومثله: إذا وصلْت المحكى بهاء بعده، فإن لم تصله استعملت الأفعال فتقول: قرأت الطور، قرأت سورة، قرأت براءة، قرأت الحمد؛ لأنك لم تحك ما في الإمام، وإنما حذفت الواو من المقسم به؛ لأنك عدّيت الفعل إلى الاسم، ومثله كثير. الاتساع والاتساع معروف في كلامهم، وهو: إقامة الكلمة موضع الأخرى اتساعاً. وهو كالاستعارة؛ وذلك لسعة لغتهم، وحسن فصاحتهم، وفهم كل منهم ما يريده الآخر. كقول الله، : ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ أي: عن شدة من الأمر.

стр. 176

وأصله: أن الإنسان إذا وقع في أمر عظيم، شمَّر عن ساقه، فاستعيرت الساق في موضع الشدة اتساعاً. قال دريد بن الصمة: كميش الإزار، خارج نصف ساقه ... صبور على العزاء، طلاع أنجد وقال الهُذلي: وكنت، إذا جاري دعا لمضوفة، ... أشمِّر حتى ينصف الساق مئزري قول دريد: "كميش الإزار، أي: هو مشمّر من أمره، وهذا مثل. ويقال: رجل كميش، أي: عزوم ماض. وقول الهُذلي: "لمضوفة"، أراد به: مفعلة من التضيف. نقول: نزلت به مضوفة من الأمر، أي: شدة. وقال الله : ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾؛ أي: قصدنا لأعمالهم وعمدنا لها. والأصل: أن من أراد التقدم إلى موضع عمد له وقصده. ومثله: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ﴾؟ أي: كافراً فهديناه، فاستعار الموت مكان

стр. 177

الكُفْر، والحياة مكان الهداية اتساعاً. ومثله كثير. قال الشاعر: إذا سقط السماء بأرض قوم ... رعيناه، وإن كانوا غضابا لأنهم يقولون للمطر: سماء؛ لأنه من السماء ينزل. ويقال: ما زلنا نطأ السماء حتى أتيناكم. ويقال: ضحكت الأرض: إذا أنبتت. وبكت السماء: إذا أمطرت. وقال: وضحك المزن بها ثم بكى يريد بضحكه: البرق، وببكائه: المطر. وقال الأعشى: يضاحك الشمس منها كوكب شرق ... مؤزر بعميم النبت مكتهل ومن الاتساع قولهم: قطع الوالي اللض وضربه. وإنما قطعه أعوانه وضربوه. وكذلك: بني فلان الدار، وإنما بناها غيره بأمره. وكذلك: قدم الأمير: إذا قدم أهله وأعوانه. وكذلك: كنا في كتبة فلان، ثم تحولنا إلى بني فلان، ولم يتحول من موضع

стр. 178

إلى موضع؛ وإنما المعنى: تحوَّلت الكتبة إليهم. وكذلك: فلان ظاهر مشهور، وهو في بيت لا يُرى، إذا كان ظاهر الأمر والنهي. ومثل ذلك: قوله، : ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾، وهو لم يل ذلك، جل ثناؤه، ولكن النبي ﷺ والملائكة، صلى الله عليهم، بتأييد الله رمَوْا. ومن الاتساع: قوله، : ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً﴾. ولم يلتقطوه ليكون لهم كذلك، ولكن ليسروا به .. فلما كان المعنى: إلى أن يكون لهم عدواً وحزناً، جاز أن تقول ذلك اتساعاً. ومثله: قولهم: أعددت الخشبة لأن يميل الحائط فأعمده. ولم يعدها لذلك، ولم يرد ميل الحائط. قال الفرزدق: وأنتم لهذا الدين كالقبلة التي ... بها أن يضل الناس يهدي ضلالها ولم تنصب القبلة لأن يضل الناس. وقال آخر: وللموت تغذو الوالدات سخالها ... كما لخراب الدهر تُبنى المساكن والأم لا تغذو أولادها للموت، ولا تُبنى البيوت للخراب؛ وإنما تُبنى للعمارة، وتغذو الأم ولدها للمنفعة والسرور. ولكن لما كانت العاقبة إلى الموت والخراب، جاز ذلك اتساعاً.

стр. 179

ومثله: قول الآخر: أموالنا لذوي الميراث نجمعها ... ودورنا لخراب الدهر نبنيها ولم يجمع المال للوارث، ولم تُبْن الدار للخراب، ولكن ليسكنها. ومثله: قول الأعشى: جاءت لتطعمه لحماً ويفجعها ... بابن، فقد أطعمت لحماً وقد فجعا ومثله: قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً﴾. والنذير لا يزيدهم نفوراً، إنما يدعوهم إلى رشدهم. ومثله: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ، رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنْ النَّاسِ﴾. وإنما هي خشب لا تُضل ولا تَهدي. ولكن، لما ضلوا عنها، جاز ذلك اتساعاً. ومثله: ﴿وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً، وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً﴾. وهي أصنام لا تُضِل ولا تعقل شيئاً، ولكن المعنى ما ذكرنا. ومثله: قول الرجل لابنه أو لصاحبه: أخرجتني من مالك أو كُتُبك، ولم يكن فيهما قط، ولكنه على الاتساع. وشبيه بهذا: قوله، : ﴿مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ ولم يكن في تلك الحال قط. ومثله: ﴿يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [و] ﴿مِنْ النُّورِ إِلَى

стр. 180

الظُّلُمَاتِ﴾. وهم كفار لم يكونوا في نور قط. وقوله تعالى: ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾، كأنه قال: حتى صار. ومثله: قول ساعدة: فقام ترعُد كفاه بمحجنه ... قد عاد رهباً رذياً طائش القدم فقال: عاد رهباً. الرهب: الجمل الذي استعمل في السفر وكل. والأنثى رهبة. والرذي: المهزول من الإبل الذي لا يستطيع براحاً. والأنثى رذية. وقال الشماخ: ولقد قطعت الخرْق يحمل نمرقي ... رهب لأهوال الخروق رهوق النمرق: الوسادة، وربما قالوا: نُمرقة. وقال آخر: أطعت العِرس في الشهوات ... حتى أعادتني عسيفاً عَبْدَ عَبْدِ ولم يكن عبداً قط. وقال امرؤ القيس: وماء كلون البول قد عاد آجناً ... كتيماً به الأصوات في كلأ مُخلي
следующие страницы →