← Гариб и словари

Гариб и словари · id 17879

الإبانة في اللغة العربية

الصحاري

Полный текст (2 342 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وأصله: أن الإنسان إذا وقع في أمر عظيم، شمَّر عن ساقه، فاستعيرت الساق في موضع الشدة اتساعاً. قال دريد بن الصمة: كميش الإزار، خارج نصف ساقه ... صبور على العزاء، طلاع أنجد وقال الهُذلي: وكنت، إذا جاري دعا لمضوفة، ... أشمِّر حتى ينصف الساق مئزري قول دريد: "كميش الإزار، أي: هو مشمّر من أمره، وهذا مثل. ويقال: رجل كميش، أي: عزوم ماض. وقول الهُذلي: "لمضوفة"، أراد به: مفعلة من التضيف. نقول: نزلت به مضوفة من الأمر، أي: شدة. وقال الله : ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾؛ أي: قصدنا لأعمالهم وعمدنا لها. والأصل: أن من أراد التقدم إلى موضع عمد له وقصده. ومثله: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ﴾؟ أي: كافراً فهديناه، فاستعار الموت مكان

стр. 177

الكُفْر، والحياة مكان الهداية اتساعاً. ومثله كثير. قال الشاعر: إذا سقط السماء بأرض قوم ... رعيناه، وإن كانوا غضابا لأنهم يقولون للمطر: سماء؛ لأنه من السماء ينزل. ويقال: ما زلنا نطأ السماء حتى أتيناكم. ويقال: ضحكت الأرض: إذا أنبتت. وبكت السماء: إذا أمطرت. وقال: وضحك المزن بها ثم بكى يريد بضحكه: البرق، وببكائه: المطر. وقال الأعشى: يضاحك الشمس منها كوكب شرق ... مؤزر بعميم النبت مكتهل ومن الاتساع قولهم: قطع الوالي اللض وضربه. وإنما قطعه أعوانه وضربوه. وكذلك: بني فلان الدار، وإنما بناها غيره بأمره. وكذلك: قدم الأمير: إذا قدم أهله وأعوانه. وكذلك: كنا في كتبة فلان، ثم تحولنا إلى بني فلان، ولم يتحول من موضع

стр. 178

إلى موضع؛ وإنما المعنى: تحوَّلت الكتبة إليهم. وكذلك: فلان ظاهر مشهور، وهو في بيت لا يُرى، إذا كان ظاهر الأمر والنهي. ومثل ذلك: قوله، : ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾، وهو لم يل ذلك، جل ثناؤه، ولكن النبي ﷺ والملائكة، صلى الله عليهم، بتأييد الله رمَوْا. ومن الاتساع: قوله، : ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً﴾. ولم يلتقطوه ليكون لهم كذلك، ولكن ليسروا به .. فلما كان المعنى: إلى أن يكون لهم عدواً وحزناً، جاز أن تقول ذلك اتساعاً. ومثله: قولهم: أعددت الخشبة لأن يميل الحائط فأعمده. ولم يعدها لذلك، ولم يرد ميل الحائط. قال الفرزدق: وأنتم لهذا الدين كالقبلة التي ... بها أن يضل الناس يهدي ضلالها ولم تنصب القبلة لأن يضل الناس. وقال آخر: وللموت تغذو الوالدات سخالها ... كما لخراب الدهر تُبنى المساكن والأم لا تغذو أولادها للموت، ولا تُبنى البيوت للخراب؛ وإنما تُبنى للعمارة، وتغذو الأم ولدها للمنفعة والسرور. ولكن لما كانت العاقبة إلى الموت والخراب، جاز ذلك اتساعاً.

стр. 179

ومثله: قول الآخر: أموالنا لذوي الميراث نجمعها ... ودورنا لخراب الدهر نبنيها ولم يجمع المال للوارث، ولم تُبْن الدار للخراب، ولكن ليسكنها. ومثله: قول الأعشى: جاءت لتطعمه لحماً ويفجعها ... بابن، فقد أطعمت لحماً وقد فجعا ومثله: قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً﴾. والنذير لا يزيدهم نفوراً، إنما يدعوهم إلى رشدهم. ومثله: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ، رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنْ النَّاسِ﴾. وإنما هي خشب لا تُضل ولا تَهدي. ولكن، لما ضلوا عنها، جاز ذلك اتساعاً. ومثله: ﴿وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً، وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً﴾. وهي أصنام لا تُضِل ولا تعقل شيئاً، ولكن المعنى ما ذكرنا. ومثله: قول الرجل لابنه أو لصاحبه: أخرجتني من مالك أو كُتُبك، ولم يكن فيهما قط، ولكنه على الاتساع. وشبيه بهذا: قوله، : ﴿مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ ولم يكن في تلك الحال قط. ومثله: ﴿يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [و] ﴿مِنْ النُّورِ إِلَى

стр. 180

الظُّلُمَاتِ﴾. وهم كفار لم يكونوا في نور قط. وقوله تعالى: ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾، كأنه قال: حتى صار. ومثله: قول ساعدة: فقام ترعُد كفاه بمحجنه ... قد عاد رهباً رذياً طائش القدم فقال: عاد رهباً. الرهب: الجمل الذي استعمل في السفر وكل. والأنثى رهبة. والرذي: المهزول من الإبل الذي لا يستطيع براحاً. والأنثى رذية. وقال الشماخ: ولقد قطعت الخرْق يحمل نمرقي ... رهب لأهوال الخروق رهوق النمرق: الوسادة، وربما قالوا: نُمرقة. وقال آخر: أطعت العِرس في الشهوات ... حتى أعادتني عسيفاً عَبْدَ عَبْدِ ولم يكن عبداً قط. وقال امرؤ القيس: وماء كلون البول قد عاد آجناً ... كتيماً به الأصوات في كلأ مُخلي

стр. 181

فقال: عاد آجناً، يريد: صار. قال الغنوي: فإن تكن الأيام أحسن مرة ... إلي فقد عادت لهن ذنوب والعرب تقول: عميت عن كذا وكذا وصممت عنه، وإن لم يكن أعمى ولا أصم. قال مسكين الدارمي: أعمى إذا ما جارتي خرجت ... حتى يواري جارتي الستر وأصم عما كان بينهما ... سمعي، وما سمعي به وقر فجعل نفسه أعمى أصم لم يبصر ولم يسمع. وقال آخر: وكلام سيء قد وقرت ... أذني عنه، وما بي من صمم ومثله قولهم: احتج فلان ولم يحتج، أي: لم يحتج بحجة تنفعه. وكذلك: قال ولم يقل، أي: لم يقل قولا ينفعه. وقال آخر: يُلقين بالخبار والأجارع ... كل جهيض ليّن الأكارع

стр. 182

ليس بمحفوظ ولا بضائع يعني الإبل. والأجارع: الرمال. والجهيض: سقط الناقة. والخبار: الأرض الصلبة. ومثله: قال الشاعر: بلهاء لم تحفظ ولم تضيَّع وقال أبو النجم: وقد أجوب البلد البراحا ... المرمريس القفرة الصحصاحا بالقوم لا مرضى ولا صحاحا يريد: من الإعياء والتعب. وأجوب: أقطع. والمرمريس: من صفة الفلاة، وهي التي لا نبات بها. والعرب تقول: آسيت الموضع، أي: أهله. قال الله تعالى: ﴿يُؤْذُونَ اللَّهَ﴾ أي: أولياء الله. وقال: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾. وقال المهلهل يرثي أخاه كليبا: أنبئت أن النار بعدك أوقدت ... واستب بعدك يا كليب، المجلس

стр. 183

أي: أهل المجلس. قال الله تعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَه﴾ أي أهل ناديه. ومثله: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمْ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ﴾ أي: أهل السماء وأهل الأرض. قال الشاعر: ومن جالس الجُهّال أصبح جاهلاً ... ومن جالس الألباب يوماً تفهما أي: من جالس أهل الألباب. قال الله تعالى: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي: أهل درجات. والعرب تقول: هذا طريق ضاحك ولاحِب، تعني ظاهراً واضحاً. ويقال: ضحكت الطلعة: إذا بدا ما كان فيها مستخفياً. قال الشاعر: أما ترى الأرض قد أعطتك زهرتها ... بخضرة، واكتسى بالنور عاريها وللسماء بكاء في جوانبها ... وللربيع ابتسام في نواحيها يعني بالابتسام: ظهور النبات. وقال آخر:

стр. 184

كل يوم بأقحوان جديد ... تضحك الأرض من بكاء السماء يريد بالضحك أيضاً: الطلوع والظهور. [و] بالبكاء: نزول المطر من السماء. وللعرب في كلامها الاتساع الذي لا يؤتى عليه لكثرته. الاستعارة العرب تستعير الكلمة فتضعها مكان الكلمة إذا كان المسمى بها بسبب من الأخرى، أو مجاوراً لها، أو مشاكلاً؛ فيقولون للنبات: نوء؛ لأنه عن النوء يكون عندهم. قال رؤبة: وجف أنواء السحاب المرتزق أي: جف البقل. ويقولون للمطر سماء؛ لأنه من السماء ينزل. ويقول الناس: "لقيت من فلان عرق الجبين"، أي شدة. ومنه قوله، : ﴿وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾ [و] ﴿وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً﴾. والفتيل: ما يكون في شق النواة. والنقير: النقرة التي في ظهرها. ولم يرد أنهم

стр. 185

لا يُظلمون ذلك بعينه، وإنما أراد: أنهم لا يُظلمون شيئاً، ولا مقدار هذين التافهين الحقيرين. والعرب تقول: "ما رزاأته زبالاً" والزِّبال: ما تحمله النملة بفيها. يريدون: ما رزأته شيئاً. قال النابغة: يجمع الجيش ذا الألوف ويغزو ... ثم لا يرزأ العدو فتيلا وكذلك قوله، : ﴿مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾، وهي الفُوفَة التي فيها النواة، أي القشرة. يريد: ما يملكون شيئاً. ومنه قوله، : ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا [عَلَيْهِمْ]﴾ يريد: أطلعنا عليهم. وأصله: أن من عثر بشيء وهو غافل، نظر إليه حتى يعرفه. فاستعير العثار مكان التبيين والظهور. ومنه قولهم: "ما عثرت على فلان بسوء قط"، أي: ما ظهرت على ذلك منه.

стр. 186

ومنه قوله تعالى: ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾، أراد: الخيل، فسماها خيراً لما فيها من المنافع. قال الراجز: والخيل والخيرات في قرنين قال [طفيل]: وللخيل أيام، فمن يصطبر لها ... ويعرف لها أيامها الخير تُعقب وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ اللَّيْلَ لِبَاساً﴾ أي: ستراً وحجاباً لأبصاركم. وقال ذو الرمة: ودوية مثل السماء اعتسفتها ... وقد صبغ الليل الحصى بسواد [أي]: لما ألبسه الليل سواده وظلمته، صار كأنه صبغه. وقد يكون اللباس والثوب كناية عما ستر ووقى؛ لأن اللباس والثوب ساتران واقيان.

стр. 187

قال الشاعر: كثوب ابن بيض وقاهم به ... فسدَّ على السالكين السبيلا قال الأصمعي: ابن بيض: رجل نحر بعيراً له على ثنية فسدَّها، فلم يقدر أحد أن يجوز، فضرب به المثل فقيل: "سد ابن بيض الطريق". وقال غير الأصمعي: ابن بيض: رجل كانت عليه إتاوة فهرب بها، فاتَّبعه مطالبه. فلما خشي لحاقه وضع ما يطلبه به على الطريق ومضى. فلما أخذ الإتاوة رجع وقال: سدّ ابن بيض الطريق، أي: منعنا من اتّباعه حين وفى بما عليه، فكأنه سد الطريق. فكنى الشاعر عن البعير بالثوب، إن كان التفسير على ما ذكر الأصمعي، [أو]، عن الإتاوة، إن كان التفسير على ما ذكر غيره، بالثوب؛ لأنهما وقيا كما يقي الثوب. ومن الاستعارة: اللسان يوضع موضع القول؛ لأن القول يكون به. قال الله تعالى: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ﴾، أي: ذكراً حسناً. وقال الشاعر: إني أتتني لسان لا أسرُّ بها ... من علو، لا عجب منها ولا سخر أي: أتاني خبر لا أُسَرُّ به.

стр. 188

ومنه: قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾، أي: كل ذي مخلب من الطير، وكلَّ ذي حافر من الدواب، كذلك قال المفسرون. وسمّى الحافر ظفراً على الاستعارة كما قال الشاعر، وذكر ضيفاً: فما رقَدَ الوِلدان حتى رأيته ... على البَكْرِ يمريه بساق وحافر فجعل الحافر موضع القدم. وكما قال آخر: سأمنعها، أو سوف أجعل أمرها ... إلى مَلِكٍ أظلافه لم تشقَّقِ أي: ليس ببهيمة، يريد بالأظلاف: قدميه، وإنما الأظلاف للشاء والبقر. والعرب تقول للرجل: هو غليظ المشافر، يريدون: الشَّفَتَين، والمشافر للإبل. قال الحطيئة: قروا جارك العيمان لما جفوته ... وقلص عن برد الشتاء مشافره والعرب تقول: ذُقت هذا الأمر ذوقاً، بمعنى: علمته علماً واختبرته اختباراً، وإن

стр. 189

كان الذوق، في الحقيقة، لا يكون إلا باللسان. قال الله تعالى: ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ أي: فأبلاهم بذلك؛ لأن الخوف والجوع لا يصح ذوقهما في الحقيقة، وإنما هذا على استعارة العرب. قال الشاعر: فذوقوا كما ذقنا غداة محجَّر ... من الغيظ، في أكبادنا، والتحوُّب ولم يرد به ذوق الفم قال الشماخ: فذاق أعطته من اللين جانباً ... كفى، ولها أن يغرق السهم حاجز ويقول الرجل، إذا بالغ في عقوبة عبده: ذُق، وكيف ذقته؟ قال الله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾. ثم تجاوزوا في ذلك إلى أن قال يزيد بن الصعق: وإن الله ذاق حلوم قيس ... فلما راء خفَّتها قلاها رآها لا تُطيع لها كبيراً ... فخلاها تردد في عماها

стр. 190

فزعم أن الله يذوق. أولا ترى إلى هذه الاستعارات، واحتمال هذه اللغة لوجوه المعاني الصحيحة القائمة عندهم على تقاربها وتباعدها مقام الوضوح؟ وقالوا أيضاً: طعمت لغير الطعام. قال العرجي: فإن شئت حرّمت النساء سواكم ... وإن شئت لم أطعم نُقاخاً ولا بردا النقاخ: الماء البارد، والبردُ: النوم. وقال الله تعالى: ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾. لم يطعمه، يريد: لم يذق طعمه. والعرب تسمي ما لا يؤكل مأكولاً. قال الله تعالى: ﴿حَتَّى يَاتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَاكُلُهُ النَّارُ﴾. قال أوس بن حجر: وقد أكلت أظفاره الصخر، كلما ... تعايا عليه طول مرقى توصلا فجعل النحت والتنقص أكلاً. وقال خُفاف بن ندبة:

стр. 191

أبا خُراشة، أما كنت ذا نفر ... فإن قومي لم تأكلهم الضبع والضبع: السنة؛ فجعل تنقص الجدب، وتحيف الأزمنة أكلاً. قال مرداس بن أدية: وأدَّت الأرض مني مثل ما أكلت ... وقربوا لحساب القسط أعمالي وأكل الأرض لما صار في بطنها: إحالتها له إلى جوهرها. وقال الله، : ﴿الَّذِينَ يَاكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَاكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً﴾؛ فقد قال تعالى إنهم يأكلون، وإن شربوا بتلك الأموال الأنبذة، ولبسوا الحُلل، وركبوا الدواب، ولم ينفقوا منها درهماً واحداً في سبيل المأكل. وقال الشاعر: وليس الذئب يأكل لحم ذئب ... ونأكل بعضنا بعضاً عياناً ويقال: فلان يتأكَّل الناس، وإن لم يأكل من طعامهم شيئاً. قال دُهمان النهري: سألتني عن أُناس هلكوا ... شرب الدهر عليهم وأكل وقيل: نزل النعمان بن المنذر، ومعه عدي بن زيد، في ظل شجرة مونقة مرتفعة، [ليلهو النعمان] هناك. فقال له عدي، أيها الملك، أبيت اللعن، أتدري ما تقول هذه الشجرة؟.

стр. 192

قال: وما الذي تقول؟ قال: [تقول]: رُبَّ ركب قد أناخوا عندنا ... يمزجون الخمر بالماء الزُّلال ثم أضحوا لعب الدهر بهم ... وكذاك الدهر حالاً بعد حال قال: فتنغَّص النعمان. وهو أكثر من أن يحصى. الإتباع الإتباع: هو قولهم: عطشان نطشان، وجائع نائع، وعيي شيي، وما أعياه وأشياه وأشواه أيضاً. وجاء بالعي والشي. وقبيح شقيح، وجاء بالقباحة والشقاحة. ولا تكاد [العرب] تعزل الشُّقْح من القُبْح؛ إنما هو مثل: حسن بسنٍ. وأجمع أكتع، ولا يفردون أكتع من أجمع. وكثير بثير، وشيطان ليطان، وحار يار، وقيل: جار بالجيم. ومائق دائق، وحاذق باذق. ومليح قزيح. وشحيح نحيح. وحقير نقير. وفقير وقير. وهو كثير فاختصرته.

стр. 193

الإشمام والإشمام: شمةٌ غير إشباع كقولك: هذا العمل، [وتسكت]، فتجد [في] فيك إشمام اللام، لم يبلغ أن يكون واواً، ولا تحريكاً يعتد به، ولكن شمةٌ من ضمة خفيفة. ويجوز ذلك في الكسر والفتح أيضاً. وكقول الله، : ﴿وَيَدْعُ الإِنسَانُ﴾ وكان مجازه. يدعو، ولكن الشمة أخفت الضمة. ومثله: ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ﴾ والحُجَّة في هذا أنهم اكتفوا بالضمة من الواو. ومثله: إذاه سيم الخسف آلى بقسم ... تالله لا يأخذ إلا ما احتكم أراد: إذا هو فحذف الواو. وحكى الكسائي عن العرب: أقبَل يضربه لا يألُ. أراد: لا يألو، فاكتفى بالضمة من الواو. وقال: له زجلٌ كأنه صوت ظبي ... إذا طلب الوسيقة أو زمير

стр. 194

قال: كأنه، ولم يقل كأنَّهو مشبع. وقال أمية بن أبي الصَّلت: فسبحانه من كل إفك وباطل ... وكيف يلد ذو العرش أم كيف يُولدُ فقال: يَلْد، ولم يقل: يَلِد بإشباع. ومثله: ألم تعجب لذئب بات يعوي ... ليؤذن صاحباً له بالتّلاق فترك الإشباع بالشمة؛ لأنها أخت الضمة. وكذلك إنما يكتفون بالكسرة من الياء. من ذلك: قوله : ﴿مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ و ﴿يَوْمَ يَاتِ﴾، وهي لغة فاشية سائرة عند العرب. قال [كعب بن مالك]: ما بال هم عميد بات يطرقني ... بالواد من هند إذ تعدو عواديها أراد: بالوادي، فاكتفى بالكسرة من الياء فحذفها. وقال آخر: ولكن ببدرٍ سائلوا عن بلائنا ... على الناد، والأنباء بالغيب تنفع

стр. 195

أراد: على النَّادي، فاكتفى بالكسرة من الياء فحذفها. وقال الأعشى: وأخو الغوان متى يشأ يصرمنه ... ويكنَّ أعداء بُعَيْد وداد أراد: وأخو الغواني، فاكتفى بالكسرة من الياء. وقال آخر: فما وجد النجدي وجداً وجدته ... ولا وجد العذري قبل جميل أراد: قبلي، فاكتفى بالكسرة من الياء. وأنشد الفراء: يا عين جودي بدمع منك مجهودا ... وابك ابن أمي إذا ما مات مسعودا وقال حسان بن ثابت: يا عين بكي سيد الناس، واسفحي ... بدمع، فإن أنزفته فاسكبي الدما أراد: يا عيني. وقال آخر: يا نفس صبراً على ما كان من مضض ... إذ لم أجد لفضول الناس أقرانا أراد: يا نفسي.

стр. 196

والعرب تقول: لا أدْرِ، لا لعَمْرِ، فيحذفون الياء في السكون. قاله الفراء. [وقال بعض الأنصار]: ليس تخفى يسارتي قدر يوم ... ولقد تُخفِ شيمتي إعساري أراد: تُخفي، فاكتفى بالكسرة من الياء. وأنشد: كفَّاك: كفّ ما تليق درهماً ... جوداً وأخرى تُعطِ بالسيف الدما أراد: تُعطي، فاكتفى بالكسرة من الياء. وقال أبو خراش: فلا أدر من ألقى عليه رداءه ... خلا أنه قد سُلَّ من ماجد محض وكذلك: حذف واو الجمع في كلام العرب موجود كثيراً اكتفاءً منهم بالضمة منها. قال .... : متى تقول خلت من أهلها الدار ... كأنهم بجناحي طائر طار أراد: طاروا، فاكتفى بالضمة من واو الجمع.

стр. 197

ومثله: فلو أن الأطبا كان حولي ... وكان مع الأطباء الشفاة إذا ما أذهبوا وجداً بقلبي ... وإن قيل: الشفاة هم الأساة أراد: كانوا، فحذف الواو. ومثله: إذا ما شاء ضروا من أرادوا ... ولا يألوهم أحد ضرارا أراد: شاؤوا. ومثله: شبوا على المجد وشابوا واكتهل لو أن قومي حين أدعوهم حمل على الجبال الصم لارْفَضَّ الجَبَل أراد: اكتهلوا وحملوا، فاكتفى بالضمة من الواو، ثم سكن اللام للقافية. وقال آخر: جزيت ابن أوفى في المدينة قرضه ... وقلت لشفَّاع المدينة أوجف

стр. 198

وقال آخر: لو ساوفتنا بسوف من تحيتها ... سوف العيوف لراح الركب قد قنع أراد: قد قنعوا، فحذف. وقال آخر: راحت بأعلاقه خودٌ يمانية ... تدعو العرانين من بكر وما جمع أراد: ما جمعوا، فحذف. وقال آخر: ومن حذف الياء أيضاً قول لبيد: فانتضلنا، وابن سلمى قاعد ... كعتيق الطير يغضي ويجل أراد: ويجلّي، فحذف. وقال الأعشى: ومن كاشح ظاهر غمره ... إذا ما انتسبت له أنكرن أراد: أنكرني، فحذف.

стр. 199

وقال آخر: إذا حاولت من أسد فجورا ... فإني لست منك ولست مِنْ أراد: مني، فحذف. وقال آخر: وهم وردوا الجفار على تميم ... وهم أصحاب يوم عكاظ إنْ أراد: إني، فحذف. [وهو] كثير في أشعارهم. الإشباع الإشباع: كقولك: هذا رجل. قال الأعشى: قالت هريرة، لما جئت زائرها: ... وَيْلي عليك وويْلي منك يا رجل فقال: يا رجل، فأشبع. وقال أيضاً: أرقْتُ، وما هذا السُّهاد المؤرِّقُ ... وما بي من سُقم وما بي معشق

стр. 200

فأشبع. ومنهم من يشبع في ميمات الجمع، فيقول: منكمو عليكمو. ومنهم من يقطع؛ فأياً ما فعلت فصواب. وقال الله، : ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾. كانت نوناً مفتوحة، فمد فيها ألفاً للإشباع. وقوله تعالى: ﴿أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا﴾. فمد فيها ألفاً للإشباع. وقد يُتْبِعون الفتحة ألفاً للإشباع. قال الراجز: قلت وقد خرَّت على الكلكال يا ناقتي ما جُلت من مجال قوله: الكلكال، يريد: الكلكل. وقال عنترة: ينباع من ذفري غضوب جسرة ... زيافة مثل الفنيق المكدم ومعناه: ينبُع، من نَبَع الماء ينبُع، فزاد الألف على الإنباع لفتحة الباء. ويتبعون الضمة واواً. قال:

стр. 201

الله يعلم إنا في تلفُّتنا ... يوم الفراق إلى أحبابنا صور وإنني حيث ما يثني الهوى بصري ... من حيث ما سلكوا أدنو فأنظور أراد: فأنظُرُ، فوصل الضمة بالواو. ويتبعون الكسرة الياء. قال امرؤ القيس: كأني بفتخاء الجناحين لقوة ... على عجل مني أطأطئ شيمالي أراد: شمالي. ويروى: شِملالي. يقال: طأطأت، أي: أسرعت. ومنه قوله: : ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنسَى﴾، فرفع تنسى جزم بلا على النهي. والألف صلة لفتحة السين. وقال أيضاً: ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي .................. موضع "انجلي" جزمٌ على الأمر، وعلامة الجزم فيه سكون اللام في الأصل، ثم احتاج إلى حركتها بصلة لها ليستوى له وزن البيت، فكسرها ووصل الكسرة بالياء. وقال آخر:

стр. 202

إذا الجوزاء أردفت الثريا ... ظننت بآل فاطمة الظنونا الألف في الظنون صلة لفتحة النون. وقال آخر: هجوت زبَّان ثم جئت معتذراً ... من سبّ زبان، لم تهجو ولم تدع الواو صلة لضمة الجيم. وهو كثير في أشعارهم. الاشتقاق والاشتقاق: هو أن يُشتق للشيء اسم من صفته أو لونه أو فعله؛ كما سمي الإنسان إنساناً لنسيانه. قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ﴾. وقال أبو تمام: لا تنسينَّ تلك العهود فإنما ... سميت إنساناً لأنك ناسي وقيل: سمي إنساناً لأنسه. وكما سمي القلب قلباً لتقلبه. قال [الهذلي]: وما سمي الإنسان إلا لأنسه ... ولا القلب إلا أنه يتقلب وكقول إبراهيم:

стр. 203

هم هيجوا الحرب واسمُ الحرب قد علموا ... لو ينفع العلم مشتق من الحرب وكقول أبي تمام: لما رأى الحرب رأي العين توفلس ... والحرب مشتقة المعنى من الحرب وسميت قريش قريشاً؛ لأنهم كانوا أصحاب تجارة. ويقال: قرش الرجل شيئاً يقرشه: إذا كسبه وأخذه. وتقرَّش فلان مالاً: إذا أخذه أولاً فأولاً. ويقال: اقترشت الرماح اقتراشاً: إذا وقع بعضها على بعض. قال القُطامي: قوارش بالرماح كأن فيها ... شواطن ينتزعن بها انتزاعا وسأل معاوية ابن عباس: لم سميت قريش قريشاً؟ فقال: بدابَّة في البحر هي أعظم دواب البحر، لا تظفر بشيء من دواب البحر إلا أكلته؛ فسميت قريشاً لأنها أعظم العرب. قال معاوية: هل تروي من ذلك شيئاً؟ فأنشده قول الحميري: وقريش هي التي تسكن البحـ ... ر، بها سميت قريش قريشا تأكل الغثَّ والسَّمين ولا تتـ ... رك يوماً لذي الجناحين ريشا ولهم آخر الزمان نبي ... يكثر القتل فيهم والخموشا

стр. 204

ويقال: قد قرّش يقرّش تقريشاً: إذا حرش. وقال الحارث [بن حلزة]: أيها الناطق المقرّش عنّا ... عند عمرو، وهل لذاك بقاء؟ وقرواش: اسم رجل، فعوال، مشتق من قريش. وهو شيء كثير فاختصرته. الترخيم الترخيم: سمي ترخيماً لأنه قطع للحرف؛ من قول العرب: جارية مرخمة: إذا كانت تقطع كلامها. والترخيم: هو أن تحذف آخر حرف من الاسم. قال جميل بثينة: قالت: يا جميل، أربتني فقلت: ... كلانا يا بثين مريب يريد: يا بثينة، فحذف الهاء. وقوله: أربتني، أي عرَّضتني للتهمة. ويروى: أربتنا، أي عرَّضتنا للتهمة. يقال: أراب يريب إرابة وريباً: إذا أتى بتهمة. وأراب صاحبه: إذا عرضه للتهمة. قال كثيّر عزّة: فيا عزَّ، إن واش وشى بي عندكم ... فلا ترهبيه أن تقولي له مهلا كما لو وشى واشٍ بعزَّة عندنا ... لقلنا: تزحزح لا قريباً ولا سهلا

стр. 205

فقال في الأول: يا عز، فرخّم لما كان نداء. وقال في الثاني: عزّة، فأثبت الهاء ولم يرخم. فإن جعلت الاسم مفرداً مستغنياً عن الهاء، رفعته فقلت: يا بثين، أقبلي، ويا عز، أقبلي، وياميُّ، أقبِلي. قال الشاعر: فياميُّ، ما يدريك أين مناخنا ... معرفة إلا لحي يمانية شحرا وتقول: يا أميمة أقبلي. ويجوز نصبها إذا توهمت فيها فتح الترخيم. قال النابغة: كليني لهم يا أميمة ناصب ... وليل أقاسيه بطيء الكواكب فإذا رخمت اسماً فيه مدة التأنيث أو ياء التأنيث، قلت يا حَمْرَ، أقْبلي، ويا أسم، أقبلي، في الترخيم بحمراء وأسماء. قال الشاعر: ألم تعلمي يا أسم، ويحك أنني ... حلفت يميناً، لا أخوان أميني ويجوز: يا اسم، ويا حَمْرُ. وتقول في ترخيم حارث وعامر ومالك: يا حار، أقبل، ويا عام، أقبل، ويا مال، أقْبِل. قال الشاعر:

стр. 206

يا حار، لا أُرمين منكم بداهية ... لم يلقها سوقة قبلي ولا مَلِكُ وقرئ: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾. وفي حديث عمر، ﵁، أنه قال لمالك بن أوس: "يا مال، إنه قد دفَّت علينا من قومك دافة، وقد أمرنا لهم برضخ، فاقسمه بينهم". قوله: يا مال، يريد: مالك، فرخّم. والدّافة: القوم يسيرون جماعة سيراً ليس بالشديد. يقال: هم يدفون دفيفاً. ومنه الحديث المرفوع: أن أعرابياً قال: يا رسول الله، هل في الجنة إبل؟ فقال، صلى الله عليه: "نعم، إن فيها لنجائب تدف بركبانها في الجنة". وقال: فقلت، ولم أملك، أمال بن مالك ... لفي جمل عود عليه أياصر أي: ولم أملك صبراً، فحذف الصبر. أمال بن مالك، أراد: يا مالك بن مالك، فرخَّم. لفي جمل: شبه فمه في سعته بفم جمل. وأياصر: جمع أيصر، وهو كساء [يُجمع] فيه الحشيش. فإذا أردت ترخيم اسم على ثلاثة أحرف، ثانيه ساكن، لم يجز؛ لأنك إذا حذفت الحرف الآخر، لزمك أن تحذف الحرف الساكن الذي قبله، فيبقى الاسم على حرف واحد؛ فخطأ أن ترخم زيداً وعمراً وبكراً.

стр. 207

فإذا كان الاسم على ثلاثة أحرف متحركات كلها، جاز ترخيمه من قول الفراء، ولم يجز ترخيمه من قول الكسائي. فتقول في ترخيم رجل: يا رجُ، أقْبِل. وقال الكسائي هذا خطأ؛ لأن أقل أصول الأسماء ثلاثة، فلا يجوز أن أسقط من الثلاثة حرفاً. وقال الفراء: قد جاء في كلام العرب أسماء على حرفين منها: يد ودم وهن، وما أشبه ذلك. وأكثر ما يكون الترخيم في النداء، وربَّما استعمل في غيره؛ لقول الشاعر: وما أدري، وظني كل ظن ... أمسلمني إلى قومي شراح أراد: شراحيل، فرخّم في غير النداء. الإغراء العرب تغري بعليك ورويدك ودونك. يقولون: عليك زيداً، ينصبون زيداً؛ لأن المعنى: خُذْ زيداً، ورويدك زيداً؛ لأن المعنى: انتظر زيداً. وقد يحذفون الكاف وينصبون أيضاً؛ فيقولون: رويدَ زيداً. وإنما نصبوا لأن الكاف مضمرة. قال الشاعر:

стр. 208

أقول، وقد تلاصقت المطايا: ... رويد القول، إن عليك عينا وأجاز الفراء خفض زيد إذا حذف الكاف، وقال: المعنى فيه أنك تأمر زيداً باحتباسه. والعرب تغري بكذب عليك كذا وكذا؛ كقول عمر، ﵁: "كذَب عليكم الحج، كذب عليكم العُمرة، كذب عليكم الجهاد، ثلاثة أسفار كذبن عليكم". قوله: كذب عليكم: يعني الإغراء، أي: عليكم به وكان الأصل في هذا أن يكون نصباً، ولكنه جاء عنهم الرفع شاذاً على غير قياس. قال معقر البارقي: وذبيانية وصت بنيها ... بأن كذب القراطف والقروف معناه: عليكم بالقراطف والقروف فخذوها. وواحد القراطف قرطف وهي قطيفة مُخملة والقروف: الأوعية. وعن أعرابي أنه نظر إلى ناقة نضو لرجل فقال: كذب عليك البرد والنوى، بالنصب. حكى ذلك أبو عبيدة. والعرب تقول للمريض: كذب عليك العسل كذا، أي: عليك به. والإغراء يكون للشاهد، وقد جاء أيضاً للغائب.

стр. 209

قال النبي، صلى الله عليه: "من لم يستطع الباءة فعليه بالصوم فإنه له وجاء". وروي: إجاء. لا واو. وهذا الخبر حجة على الإغراء للغائب. وقد يجيء التحذير بلفظ الإغراء؛ يقولون: الليل الليل، والأسد الأسد، والطريق الطريق وأخاك أخاك. والمعنى: احذر الليل والأسد، وخلّ الطريق، وأكرم أخاك. قال: أخاك أخاك، إن من لا أخاله ... كساع إلى الهيجا بغير سلاح وكذلك: نفسك نفْسَك، أي: احفظ نَفْسَكَ. قال: فنفسك نَفْسَكَ، إن تأتنا ... تنم نومةً ليس فيها حُلم [والرفع جائز [نقول]: اللهُ اللهُ، أي: هو الله فاحذره. [وقوله، ]: ﴿نَاقَةَ اللهِ﴾ منصوبة على [التحذير]، ولو رفعت على ضمير: هذه ناقة الله، وفيها

стр. 210

معنى التحذر لجاز. والعرب تقول: هذا العدو [فاهربوا]، وفيه معنى التحذير. وأنشد الفراء والكسائي: إن قوماً منهم عمير وأشباه ... عمير ومنهم السفاح لجديرون بالوفاء إذا قا ... ل أخو النجدة: السلاح السِّلاحُ] الإدغام معنى الإدغام: أن يدخل حرف في حرف حتى يصير مثل المدغم، كقوله، : ﴿بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾. صارت اللام راء حين أدغمت في الراء. وإنما أدغموا الحرف في الحرف؛ لأنه من مخرجه. وكرهوا أن يُخرجوا حرفاً من موضع ثم يعودوا إلى ذلك الموضع فيخرجون مثل ذلك الحرف؛ فكان أن جُعِلا حرفاً واحداً، أخف عليهم من أن يجعلوا الحرفين في كلمتين من موضع واحد. وإذا كان حرفان مثلان في كلمتين ومخرجهما واحد؛ فإن شئت فادغم، وإن شئت فلا تُدغم، وترك الإدغام أحسن. وذلك مثل: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ﴾، لم يُدغموا اللام واللام فيهما؛ لأن اللام الأولى في كلمة والثانية في كلمة، والأولى متحركة، وإن شئت أدغمت. والألفات لا تُدغم في شيء، ولا يُدغم فيها؛ لأنها حرف ميت؛ فلو أدغموا فيهما تحرَّكت فتحوَّلت همزة. فلما [لم] يدغموها لم يُدغموا فيها.

стр. 211

والياء لا تُدغم في الفاء، ولا تدغُم الفاء فيها. والسين لا تُدغم فيما قرب منها، لا تدغم في اللام كما أُدغمت اللام في الراء. والنون تُدغم في الميم، نحو: عمن، يريد: عن من. ولا تُدغم الميم في النون فنقول: قُم نذهب، فتجعل، الميم نوناً. والنون تُدغم في اللام. قال أبو صخر: كأنهما مل الآن لم يتغيرا ... وقد مر للدارين بعدنا عصر والعصر ها هنا: الدهر. يقال: عَصْر وعصُر، وجمعه: أعْصُر وعُصُور. وحروف الفم أقوى على الإدغام من حروف الشفتين. وقال آخر: عوّد لسانك قول الخير تحظ به ... إن اللسان لما عودت معتاد موكل يتقاضى ما رسمت له مِلء ... خير ولاشر، فانظر كيف ترتاد يريد: من الخير والشر، فأدغم النون في اللام. ولا يُدغم أبداً إلا الأول في الثاني، ولا يُدغم الثاني في الأول. ومن الحروف ما لا يُدغم فيما قرُب منها؛ فالهمزة لا تُدغم في شيء، ولا يُدْغَمُ فيها. وتقول: هو من بني العَنْبَر. وإن شئت قُلْت: هو من بني العنر، فحذفت النون إذا كانت بعدها لام تظهر. فإذا قلت: هو من بني الرَّجل، لم تقل: بنرجل؛ لأن اللام في الرجل تظهر.

стр. 212

قال الشاعر: غداة طُفت علماء بكر بن وائل ... وعُجنا صدور الخيل نحو تميم أراد: على الماء، فحذف اللامين. وتقول: زياد الأعجم فإذا تركت الهمزة قلت: زياد اللعجم، تريد: الأعجم، فتترك الهمزة، وتُبْدِلُ من التنوين لاماً وتُدغمها في اللام التي بعدها. وعلى هذا قرأ أبو عمرو: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاد للُّولَى﴾ وقرأ نافع: عادً الأولى، بالهمز. والأصل فيه: عاداً الوُولى؛ فأبدلوا من الواو المضمومة همزة فصارت عاداً الأولى، فحولت ضمة الهمزة إلى اللام، وأسقطت الهمزة، وأُدغمت النون في اللام فصارت عاد اللُّولى. وابنُم للعرب فيه مذهبان: منهم من يُعربه من الميم ويلزم النون الفتح. ومنهم من يُعربه من النون والميم فيقول: ابنَم وابنَما وابْنَمٍ. وقال الفراء: إنما أعرِبَت من مكانين؛ لأنه قلَّ، ومع قِلّته، أن النون آخره، وهو حرف خفي فزيدت عليه الميم، كما زيدت على فم وعلى ما قَلَّ. قال الشاعر في إعرابه من جهتين: غرَّاءُ، لم تسغب ولما تسقم ... ولم يُلِحْها حزن على ابْنَمِ

стр. 213

وقال في اللغة الأخرى: تعاورتما ثوب العقوق كلاكما ... أبٌ غير بَر وابْنَم غير واصل تعاورتما، تعني: تعاونتما. يقال: تعاورَ القوم فلاناً واعتوروه ضرباً، أي: تعاونوا، فكلما كفَّ واحد، ضرب آخر. والتعاور عام في كل شيء. وقال في لغة [المثنى والجمع]: هذان ابنمان. وفي جمعه: هؤلاء ابنمون. قال الكُمَيت: ومنا ضرار وابنَماه وحاجب ... مؤجج نيران المكارم لا المخبي وقوم من العرب يقفون عند الساكن في الحرف إذا انقطع نفس الرجل منهم، ولا يقف عند المتحرك. ثم يعيدون الذي يقفون عليه في الابتداء إذا كان مدغماً؛ فيقولون: قام الرجل؛ فإذا انقطع نفس أحدهم عند الألف واللام، قال: قام الّ، ثم يقول بعْدُ: الرجل، فيدغمون اللام في الرجل، فيعيدونها من أجل الإدغام. فإذا كانت اللام غير مدغمة لم يعيدوها. من ذلك أنهم يقولون: قام الحارث فإذا اضطروا إلى الوقف على الألف واللام قالوا: قام الْ، ثمّ يقولون في الابتداء: حارث، ولا يعيدون الألف واللام؛ لأن اللام ظهرت، فكرهوا إعادتها لظهورها. أنشد بعض العرب: قلت لطاهينا المطرِّي في العمل ... عجِّل لنا هذا وألحقنا بِذَلْ بالشحم إنا قد أجِمنا ذا بجل

стр. 214

فأعاد الألف واللام في الشحم لاندغام اللام في الشين. وليس في مذهب الفراء ولا العرب الفصحاء الوقوف على بعض الحروف دون بعض. لا يجوز أن تقف على ألْ وتبتدئ: هاكم التكاثر؛ وإن كان قد جاء ذلك عن بعض العرب. فإذا كان بعد "هل" ففيها لغتان: بعضهم يبين لام هل، وبعضهم يُدغمها فيقول في هل تعلم: هَتعْلَم؛ فإنما أُدغمت اللام في الهاء فثقّلوها. قال الشماخ: فقال له: هتّ تشتريها فإنها ... تُباع إذا بيع التّلاد الحرائز يريد: هل تشتريها، فأدغم اللام في التاء. وقال الكسائي: يقولون: قد تيتُك، وقد تّاك، أي: قد أتيتك، وقد أتاك، فيدغمون. ومن قرأ على التخفيف، ولم يمكن، قرأ: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ﴾: "يُخيل إليه". و: ﴿هَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ﴾ و ﴿أنْزَلْ لَيْكَ﴾ أي أنزل إليك. وللإدغام شرح طويل فاختصرته.

стр. 215

التوكيد التوكيد فيه لغتان: يقال: توكيد وتأكيد، ووكدته وأكدته. والهمز في العقد منه أجود. وتقول: وكدتُ اليمين. وتقول: إذا عقدت فأكِّد، وإذا حلفت فوحِّد. فمن التوكيد قوله، ﷻ : ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾. ونعلم أن الأموات غير أحياء، وإنما جاء به توكيداً. ومثله: ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾، جاء به توكيداً. كما قال الشاعر: ثلاث واثنتان، فهن خمس ... وسادسة تميل إلى السهام ومعلوم أن ثلاثاً واثنتين هنَّ خمس. وكما قال عبد بني الحسحاس: تجمعن من شتى: ثلاث وأربع ... وواحدة، حتى كمُلن ثمانيا ومعلوم أن ثلاثا وأربعاً وواحدةً هن ثمان. ولكن قد يجوز بالتأكيد في بعض كلمهم، كما يوجزون في بعضه.
следующие страницы →