Полный текст (2 342 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
فأخذه الأعشى فقال:
باكرتها الأغراب في سنة النو ... م، فتجري خلال شوك السيال
فاتبعه الناس.
وهو أول من قال:
فعادى عداء بين ثور ونعجة ... ...........
وهو أول من شبَّه الحمار بمقلاء الوليد، وهو عود القلة. وبكر الأندري. والكر: الحبل.
وشبه الطلل بوحي الزبور في العسيب، والفرس بتيس الحلَّب، وبيعفور الفلاة. واليعفور: ظبي يضرب إلى الحمرة.
وشبه أربعة أشياء بأربعة أشياء، فقال:
له أيطلا ظبي، وساقا نعامة ... وإرخاء سرحان وتقريب تتفل
стр. 387
[والأيطل: الخاصرة. والسرحان: الذئب. والتتفل: ولد الثعلب]. فاتبعه الناس على هذا الوصف وأخذوه، ولم يجتمع لهم ما اجتمع له في بيت واحد.
وما تفرد به قوله في العقاب:
كأن قلوب الطير رطباً ويابساً ... لدى وكرها، العُنّاب والحشف البالي
فشبه شيئين بشيء في بيت واحد.
قال المبرّد: "فإن اعترض معترض فقال: فهلا فصل فقال: كأنه رطباً العناب، وكأنه يابساً الحشف. قيل له: العربي الفصيح الفطن اللقن يرمي بالقول مفهوماً، ويرى ما بعد ذلك من التكرير عياً. قال الله، ، وله المثل الأعلى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾، علماً بأن المخاطبين يعرفون وقت السكون ووقت الاكتساب".
الثوري قال: سمعت عمرو بن الحارث يقول: ما رأى الأصمعي مثل نفسه، لقد قال له الرشيد يوماً: أنشدوا أحسن ما قيل في العُقاب، فعذَّر القوم، أي اعتذروا، ولم يأتوا بشيء. فقال: هات أصمعي. قال: نعم يا أمير المؤمنين:
ثم استمر بها عزم فحذرها ... كأنما الريح هبت في خوافيها
ما كان إلا كرجع الطرف إن رجعت ... ملي تمطَّق مما في أشاقيها
стр. 388
ثم قال: يا أمير المؤمنين، وهذا امرؤ القيس يقول:
كأن قلوب الطير رطباً ويابساً ... لدى وكرها، العنَّاب والحشف البالي
فشبه شيئين في بيت واحد فأحسن. فقال الرشيد: لله درك يا أصمعي، ما بعل القوم بشيء إلا وجدت عندك منه شيئاً.
وقوله: بعل القوم، أي: بقو مبهوتين لا يأتون بشيء.
ومن تمثيله العجيب قوله:
كأن عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا، الجزع الذي لم يثقب
وقوله:
إذا ما الثريا في السماء تعرضت ... تعرض أثناء الوشاح المفصل
وقد أكثر الناس في الثريا، فلم يأتوا بما يقارب هذا المعنى، ولا بما يقارب سهولة هذه الألفاظ.
وقوله:
كأن الثريا علقت في مصامها ... بأمراس كتان إلى صم جندل
وتشبيهاته كثيرة يطول بها الكتاب. وكل تشبيه، وإن حسن، فهو دون تشبيه؛ لأن الشعراء عنه يأخذون، ومن بحره يستقون، وهو إمام الشعراء، وقد ذكره النبي، ﷺ ، فقال: "قائد الشعراء إلى النار".
стр. 389
ومن عجيب التشبيه قول النابغة:
فإنك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خلت أن المنتأى عنك واسع
وقوله:
فإنك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهن كوكب
وقال عنترة:
وغادرن نضلة في معرك ... يجر الأسنة كالمحتطب
يقول: طعن وغودرت الرماح فيه، فظل يجرها كأنه حامل حطب.
وقال:
جادت عليه كل بكر حرة ... فتركن كل قرارة كالدرهم
يصف الحديقة أنها امتلأت كلها، فكانت استدارتها كالدرهم، وليس أنها كقدر الدرهم في السعة. والعرب تشبه الشيء بالشيء، ولا تريد به كل الشيء، إنما تشبهه ببعضه. من ذلك قولهم: بنو فلان بأرض مثل حدقة الجمل، والأرض واسعة، إنما يريدون أنها كثيرة الماء، ناعمة العشب مخصبة، ولم يذهبوا إلى سعة العين ولا إلى ضيقها. ويقولون: بنو فلان في مثل حولاء الناقة، وهي هنة مثل المرآة تسقط مع السلى فيها ماء صاف. والقرارة: مستقر الماء في بطن الوادي.
стр. 390
ومن حسن التشبيه قوله:
هزجاً يحك ذراعه بذراعه ... قدح المكب على الزناد الأجذم
وروى الأصمعي: "غرداً يسن ذراعه بذراعه". قوله: "يحك ذراعه بذراعه" معناه: يمر إحديهما على الأخرى، وكذلك الذباب. وأصل السن: التحديد، وهذا مثل. يريد: قدح المكب الأجذم على الزناد وهو يقدح بذراعه، فشبه الذباب [به إذا سن] ذراعه بالأخرى برجل أجذم يقدح ناراً بذراعيه. والأجذم: المقطوع اليد. وهذا أحسن التشبيه، وما سبقه إليه غيره، ولا يظن أن يأتي بمثله أحد من بعده.
ومن التشبيه المفرط المتجاوز قول الخنساء:
وإن صخراً لتأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار
فجعلت المهتدي يأتم به، وجعلته كنار في رأس جبل.
ومن التشبيه الحسن قول عمرو بن كلثوم:
كأن سيوفنا فينا وفيهم ... مخاريق بأيدي لاعبينا
وقوله:
كأن ثيابنا منا ومنهم ... خضبن بأرجوان أوطلينا
الأرجوان: شجر أحمر. وكل شديد الحمرة عند العرب أرجوان. وإنما شبه
стр. 391
الدم به. ويقال: الأرجوان: ضرب من الصبغ. وقيل: الزعفران.
ومثله قول الآخر:
كأن جوادينا لدى حومة الوغى ... إذا اصطدما كبشان ينتطحان
كأن حسامي فوقه وحسامه ... إذا اضطربا برقان يختطفان
كأن سنانينا بكفي وكفه ... شهابان مصباحان يتقدان
كأن سقوط النبل بيني وبينه ... دباً وجراد ثم مشتبكان
كأن قميصي بالدماء وقميصه ... قميصاً عروس عصفرا ضرجان
وكل شيء يتلطخ بدم أو غيره يقال: قد تضرج.
ومنه قول ذي الرمة:
وماء قديم العهد بالناس آجن ... كأن الدبا ماء الغضا فيه يبصق
وردت اعتسافاً، والثريا كأنها ... على قمة الجوزاء ابن ماء محلق
فأدلى غلامي دلوه، يبتغي بها ... شفاء الصدى، والليل أرهم أبلق
فجاءت بنسج العنكبوت كأنه ... على عصويها سابري مشبرق
يصف ماء قديماً لا عهد له بالوراد؛ فقد اصفر واسود. يريد: أن النجم قد نجم فيه. فجاءت، يعني الدلو، بنسج العنكبوت. والسابري: الرقيق من الثياب والدروع. والمشبرق: الممزق.
стр. 392
وأنشد أبو زيد:
لهونا بسربال الشباب ملاوة ... فأصبح سربال الشباب شبارقا
وقد أجاد علقمة بن [عبدة] الفحل في وصف الماء الآجن فقال:
فأوردتها ماء كأن جمامه ... من الأجن، حناء معاً وصبيب
الصبيب: عصارة الحناء. وقيل: شجر يشبه السذاب، يطبخ فيؤخذ عصيره فيختضب به. وقيل: الصبيب: الدم.
ومن التشبيه الحسن قول علقمة بن عبدة:
كأن إبريقهم ظبي على شرف ... مفدَّم بسبا الكتان ملثوم
فهذا حسن جداً.
ومن التشبيه الحسن قول جرير في صفة الخيل:
يشتفن للنظر البعيد كأنما ... إرنانها ببوائن الأشطان
يشتفن ويشتوفن: بمعنى. ببوائن الأشطان، أراد: شدة صهيلها، يقول: كأنما يصهلن في آبار واسعة تبين أشطانها عن نواحيها.
ونظير ذلك قول النابغة الجعدي:
стр. 393
ويصهل في مثل جوف الطوي ... صهيلاً يبين للمعرب
المعرب: العالم بالخيل العِراب.
ومن التشبيه الحسن قول ذي الرمة:
بيضاء في دعج، صفراء في نعج ... كأنها فضة قد مسها ذهب
وقوله:
كأن سناناً فارسياً أصابني ... على كبدي، بل لوعة الحب أوجع
وقوله:
تشكو الخشاش ومجرى النسعتين كما ... أن المريض إلى عواده الوصب
الخشاش: ما كان في عظم الأنف، وما كان في المارن فهو برة.
ومن التشبيه العجيب قول الشماخ:
فقربت مبراة كأن ضلوعها ... من الماسخيات القي الموتَّرا
وماسخة: من بني نصر بن الأزد، وإليهم تنسب القسي الماسخية.
وأحسن ما قيل في صفة الضلوع قول الراعي:
وكأنما انتطحت في أثباجها ... فدر بشابة قد تممن وعولا
стр. 394
الفادر: المسن من الوعول. الأثباج: الأوساط. قال الأصمعي: شبه اشتباك اضلاعها بقرون البقر إذا انتطحت فدخل بعضها في بعض، يقول: إن أضلاعها غلاظ شداد. والفدور: المسان من الوعول؛ لأنها أقوى وأصلب، الواحد: فادر وهو بمنزلة القارح من الخيل والبازل من الإبل والضالع من المعز. وقوله: قد تممن وعولا، يقول: قد صرن مساناً.
قال الراجز:
كأن حيث تلتقي منه المحل ... من جانبيه وعلان ووعل
ولا يقال له وعل حتى يتم.
ومن التشبيه الحسن قول الأخطل يصف القناص والكلاب:
فأرسلوهن يذرين الرياح، كما ... يذري سبائخ قطن ندف أوتار
يعني: ما تساقط من القطن. يقال لقطع القطن إذا ندف: سبائخ. ويقال: سبخ الله عنك الأذى يعني: كشفه وخففه. ومنه قول النبي، ﷺ ، [لعائشة]، وسمعها تدعو على سارق سرقها: "لا تسبخي عنه بدعائك عليه".
قول الفرزدق:
مستقبلين شمال الشأم تضربنا ... بحاصب كنديف القطن منثور
الحاصب: ريح تحمل التراب والحصباء، وهو الصغار من الحصى، وكذلك ما تناثر من دقاق البرد والثلج فهو حاصب.
стр. 395
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِباً﴾ يعني: حجارة قذفوا بها.
قال الأعشى:
لنا حاصب مثل رجل الدَّبى ... وجأواء تبرق عنها النجوم
الجأواء: الكتيبة إذا كثرت كأنها ملبسة حمرة من كثرتها.
وقال الفرزدق أيضاً:
وركب كأن الريح تطلب منهم ... لها سلباً من جذبها بالعصائب
يعني: أن الريح تنفض لي عمائمهم من شدتها كأنها تسلبهم إياها.
وقول زهير:
ومفاضة كالنهي تنسجه الصبا ... بيضاء كفَّت فضلها بمهند
مفاضة، يعني: الدرع، وهي الواسعة. والنهي، بكسر النون وفتحها، لغتان: نهي الغدير حيث ينخرم السيل في الغدير فيوسع، والجميع: النهاء، ممدودة، وهو أحسن ما يشبه به تضاعيف الدرع.
وقول الفرزدق:
يعضون أطراف العصي تلفهم ... من الشأم حمراء الضحى والأصائل
وإنما يعضون أطراف العصي من الحمر في أيديهم، فيعض أحدهم عصاه،
стр. 396
ويدخل يده في ثيابه من شدة البرد. وهذا يصف مسافرين. وقوله: "تلفهم من الشأم"، يريد: ريحاً من الشام، وهي الشمال. حمراء الضحى والأصائل، أي: حمراء الآفاق أول النهار وآخره.
وقول ذي الرمة يصف البزاة والصقور بالبياض:
من الزرق أو صقع كأن رؤوسها ... من القهز والقوهي بيض المقانع
والقَهْزُ والقِهْزُ، لغتان: ضرب من الثياب يتخذ من صوف كالمرعزى وربما يخالطه الحرير، ويشبه الشَّعْر اللين بذلك.
وقال أيضاً:
كأنه دملج من فضة نبه ... في ملعب من جواري الحي مفصوم
يذكر غزالاً، شبهه بدملج فضة، وإنما جعله مفصوماً لتثنيه وانحنائه، [إذا نام]. ولم يقل: "مقصوم"، فيكون بائناً. والبرة تنفصم إذا انصدع ناحية منها. والانفصام: الانقطاع. والانفصام: الانكسار للشيء فيكون بائناً باثنتين. قال الله تعالى: ﴿لا انفِصَامَ لَهَا﴾.
والنبه: من صفة الدملج، يعني أنه وجد على غفلة من غير طلب. والنبه: الضالة تجدها على غفلة، تقول: وجدته نبهاً، أي: من غير طلب. والنبه أيضاً: الانتباه من النوم. وأنبهته من الغفلة بهذا الأمر.
стр. 397
وقال صخر:
لعمري لقد انبهت من كان نائماً ... وأسمعت من كانت له أذنان
ورجل نبيه: شريف، قد نبُه نباهة، وقد شرف. ونبه فلان باسم فلان: إذا جعله مذكوراً.
وقوله أيضاً يذكر الريح:
حدتها زباني الصيف حتى كأنما ... تمدُّ بأعناق الجمال الهوارم
حدتها: ساقت هذه الريح. والإبل الهوارم: التي تأكل الهرم، وهو ضرب من الحمض، وإذا أكلته غلظ وبرها وانتشر. أراد: أن الريح تجر من الغبار مثل أعناق هذه الإبل.
وقوله:
إذا أمست الشعري العبور كأنها ... مهاة علت من رمل يبرين رابيا
وقوله:
كأنني من هوى خرقاء مطرَّف ... دامي الأظل، بعيد الشأو مهيوم
المطرف: البعير الذي يصاب من إبل قوم آخرين. ويقال: أطرفت شيئاً، أي: أصبته ولم يكن لي. والأظل: باطن منسم البعير. والدامي: قد دمي من نكبة الحجارة. والشأو: بُعْدْ الهم والنزاع، تقول: إنك لذو شأو بعيد. والمهيوم: الذي قد أصابه
стр. 398
الهُيام، وهو كالجنون من العشق.
وقال عنترة يصف فلاة:
يكون بها دليل القوم نجم ... كعين الكلب في هبَّى هباع
شبه النجم بعين الكلب لكثرة نعاسه؛ فأنت تراه يفتح عينه ثم يغضي، كذلك النجم يظهر ساعة ثم يخفى للقتام ساعة. وهبَّى: نجوم قد حال الهباء دونها، الواحد هاب مثل: غاز وغزَّى. وقباع: دواخل في القتام. والقُبوع: الدخول.
قال ذو الرمة:
وحيران ملتج كأن نجومه ... وراء القتام العاصب الأعين الخزر
الحيران: ليل كأنه قد تحير فليس يكاد ينقضي. وملتج: له لجة. وإذا رطب الهواء زال القتام، فرأيت النجوم كباراً، ولذلك تقول العوام: "إن الكواكب تنتفخ في الشتاء".
قال ذو الرمة:
ألمَّت بنا والعيس حسرى كأنها ... أهلَّة محل زال عنها قتامها
стр. 399
جعلها أهلة محل؛ لأن الأهلة في سنة الجدب أدق في النظر ليبس الهواء وكدورته.
وقال أيضاً:
وردت وآفاق السماء كأنها ... بها بقر أفتاؤه وقراهبه
وخص الأفتاء والقراهب وهي المسان دون الصغار؛ لأن وروده كان في الصبح، فقد خفيت الصغار وبقيت الكبار، وهو يعني النجوم.
قال غيره:
وقد كانت الجوزان وهناً كأنها ... ظباء أمام الذئب طرَّدها النفر
شبهها لتباعدها بظباء نوافر، وذلك في وقت قربها من الأفق في أول الليل، فإذا قرب الصبح خفيت صغارها وبقيت كبارها، فشبهت بالبقر والظباء؛ وذلك أن النجوم إذا ابتتدأت من الشرق رأيتها متباعدة متبددة، فإذا توسطت السماء اجتمعت وتدانت، وإذا انحطت للغروب تباعدت أيضاً وتبددت.
وقال ذو الرمة:
وحتى اعترى البهمى من الصيف نافض ... كما نفضت خيل نواصيها شُقر
البهمى: نبات تجد الإبل وجداً شديداً به ما دام أخضر، فإذا يبس هرَّ شوكه وامتنع. الواحدة والجميع بهمى ويقال للواحدة أيضاً بهماة. شبَّه نفض الصيف له إذا
стр. 400
يبس بنفض الخيل الشعر لنواصيها؛ لأن ورق الشجر إذا يبس ابيض، وناصية الأشقر من الخيل بيضاء.
والعرب تشبه من لا نفع عنده ولا ضر ببنات نعش. قال بعضهم يهجو قوماً:
أولئك معشر كبنات نعش ... خوالف لا تنوء مع النجوم
يقول: لا نفع عندهم ولا ضر ولا ذكر لهم، كبنات نعش لا نوء لها، ولا ينسب إليها مطر، ولا برد، ولا حر. خوالف: متخلفة عن النجوم. والخالفة: ما لا خير عنده.
وقال بشر بن أبي خازم يذكر دورانها حول القطب:
أراقب في السماء بنات نعش ... وقد دارت كما عطف الظؤار
يريد: أنه سهر ليلته إلى أن دارت بنات نعش، وهي تنقلب ليلته في آخر الليل. وخص بنات نعش لأنها لا تغيب. ولذلك يجعلون الاهتداء بها وبالفرقدين.
قال الراعي:
لا يتخذن إذا علون مفازة ... إلا بياض الفرقدين دليلا
وقال آخر:
وكل سماكي كأن ربابه ... متالي مهيب من بني السيد أوردا
سماكي: مطر بنوء السماك. وربابه: سحابه. والمتالي: الإبل التي تتلوها
стр. 401
أولادها. والمهيب: الراعي. ونعم بني السيد سود، فشبه الغنم بها. والرباب: سحاب متدل دون سحاب [فوقه].
قال الشاعر:
[كأن الرباب دوين السحاب ... نعام تعلق بالأرجل
[وقال أمية بن أبي الصلت]:
وشوذت شمسهم إذا طلعت ... بالجلب هفاً كأنه كتم
شوذت: عممت، والمشوذ: العمامة. والجلب: سحاب لا ماء فيه. والهف: الرقيق، شبهه بالكتم في حمرته، وذلك من علامات الجدب. والكتم: نبات يخلط مع الوسمة للخضاب الأسود.
وقال جران العود:
وقد لاح للساري سهيل كأنه ... إذا ما بدا من آخر الليل يطرف
ويروى:
أراقب لمحاً من سهيل كأنه ... إذا ما بدا في دجنة الليل يطرف
ويروى:
стр. 402
"وقد عارض الشعرى سهيل كأنه".
قوله: يطرف: يطبق عينه ويفتحها، وهو من التشبيه الحسن. وإذا فتح الإنسان عينه وأدام النظربها لا يطبق جفنه قيل: فلان ما يطرف عينه. والطرف: تحريك الجفون في النظر. نقول: شخص بصره فما يطرف.
وقال آخر:
كأن سهيلاً رامها وكأنها ... حليلة وخم جنَّ منه جنونها
يصف ناقته، يقول: هذه الناقة لها هوى في ناحية اليمن، فكأنها ترأم سهيلاً، أي: تعطف بعنقها كما ترأم الناقة على ولدها، وكأنها امرأة وخم من الرجال، وهو المستثقل المبغض؛ فهي تطالع الرجال وتلتفت إليهم.
وقال حميد بن ثور يصف البرق:
خفى كاقتذاء الطير وهناً كأنه ... سراج، إذا ما يكشف الليل، أظلما
واقتذاء الطير: تغميضها أعينها وفتحها إياها [كأنها] تلقي القذى منها.
وقال ابن هرمة:
فإني وتركي ندى الأكرمين ... وقدحي بكفي زنداً شحاحا
كتاركة بيضها بالعراء ... وملبسة بيض أخرى جناحا
يشبه نفسه في فعله هذا بفعل النعامة؛ وذلك أنها تدع بيضها ساعة الحاج للطعم،
стр. 403
فإن هي رأت في خروجها ذلك بيض نعامة أخرى قد خرجت للطعم، حضنت بيضها ونسيت بيض نفسها، ولعل تلك أن تصاد فلا ترجع إلى بيضها حتى تهلك. ولذلك تقول العرب: "أحمق من نعامة" و"أشرد من نعامة".
وقال آخر يصف عيون الكلاب إذا عاينت الصيد:
محرجة حص كأن عيونها ... إذا أذَّن القناص بالصيد، عضرس
محرجة: في أعناقها الحِرج، وهي القلادة. وقيل: الحِرْج: الودع يجعل في القلائد، ويجمع على: أحراج، وثلاثة أحرجة.
وقال الأعشى:
بنواشط غضف يقلدها الأ ... حراج، فوق متونها لمع
وحص: أي سريعة العدو، يقال: مر يحص حصا. ويقال: الحص: القوائم التي ليس عليها شعر.
يقول: تبيض عيونها حتى تختل الصيد. والعضرس ها هنا: البرد. وفي نسخة: عضرس، بفتح العين والراء.
وقال أعرابي، وكسر الذئب شاة له مع الصبح، واسمها وردة، وتكنى أمَّ
стр. 404
الورد:
أودى بوردة أم الورد ذو عسل ... من الذئاب إذا ما راح أو بكرا
لولا ابنها وسليلات لها غرر ... ما انفكت العين تذري دمعها دررا
كأنما الذئب، إذ يعدو على غنمي ... في الصبح طالب وترٍ كان فاتأرا
اعتامها، اعتامه شثن براثنه ... من الضواري اللواتي تقصم القصرا
قوله: اعتامها، أي: اختارها، والاعتيام: الاختيار.
تقول: اعتمت فلاناً، واعتمت أفضل ماله. والموت يعتام النفوس.
قال طرفة:
أرى الموت يعتام الكرام، ويصطفي ... عقيلة مال الباخل المتشدد
يقال: يعتام ويعتمي ويستري ويستمي ويصطفي ويختار، كله بمعنى.
والشثن: غلظ في الأنامل. وأسد شثن البراثن، وهي مخالبه. وتقصم: تدق. والقصم: دق الشيء الشديد. ويقال للظالم: قصم الله ظهره.
وقال كعب بن زهير:
كأن لم يلاق المرء عيشاً بنعمة ... إذا نزلت بالمرء قاصمة الظهر
والقصرة: أصل العنق، وكذلك قصرة النخلة: عنقها. وقال الحسن: يقرأ: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾ يفسر: أن الشرار يرتفع فوقهم كأنه أعناق النخل، ثم ينحط عليهم كالأنوق الأسود.
стр. 405
والجمع: القصر والقصرات. والقصر: داء يأخذ في القصرة حتى تغلظ من داء لا من صلابة. يقال: بعير قصر، ويجوز في الشعر أقصر.
وفي شعر الأعرابي دليل على أن الذئب إنما يعدو على الغنم مع الصبح عند فتور الكلب عن النباح؛ لأنه بات ليلته كلها دائباً يقظان يحرس، فلما جاء الصبح جاء وقت نوم الكلاب وما يعتريها من النعاس.
وقال آخر:
كأن بلاد الله، وهي عريضة، ... على الخائف المطلوب كفة حابل
يؤدَّى إليه أن كل ثنية ... تيممها، ترمي إليه بقاتل
وهذا من أحسن التشبيه. والثنية: أعلى مسيل في رأس جبل، ترى من بعيد فتُعرف.
ومثله في الخوف قول عبيد بن أيوب:
لقد خفت حتى لا تمر جماعة ... لقلت: عدوَّ أو طليعة معشر
فإن قيل: أمن، قلت: هذه خديعة ... وإن قيل: خوف، قلت: حقاً فشمر
وخفت: خليلي ذا الصفاء، ورابني ... وقيل: فلاناً أو فلانة فاحذر
ومثله في هذا المعنى قول بشار الأعمى:
стр. 406
يروعه السرار بكل شيء ... مخافة أن يكون له السرار
ومن التشبيه المستطرف قوله أيضاً:
كأن فؤاده كرة تنزَّى ... حذار البين إن نفع الحذار
وفي هذه الصفة:
أقول وليلتي تزداد طولاً ... أما لليل بعدهم نهار؟
ومن التشبيه الحسن في أخذ البري بذنب الجني قول النابغة:
وحمَّلتني ذنب امرئ وتركته ... كذي العر يكوى غيره وهو راتع
وكانوا إذا أصاب إبلهم العُرّ كووا السليم ليذهب العر عن السقيم فأسقموا الصحيح من غير أن يبرئوا السقيم. وكانوا إذا كثرت إبل أحدهم فبلغت الألف فقؤوا عين الفحل، فإن زادت الإبل على الألف فقؤوا عينه الأخرى، فذلك المفقَّأ والمعمى اللذان سمعت بهما.
وكانوا يزعمون أن المفقأ يطرد عنها العين والسُّواف [والغارة]. والسواف: داء.
فقال الأول:
стр. 407
فقأت لها عين الفحيل تعيفاً ... وفيهن رعلاء المسامح والحامي
الرعلاء: التي تشق أذنها وتترك مدلاة لكرمها.
وقال آخر:
فكان شكر القوم عند المنن ... كي الصحيحات وفقؤ الأعين
وكانوا إذا نذروا نذراً بذبح عتيرة، والعتيرة: جمع عتائر، وهي من الشاء، ذبحوا مكان ذلك ظباء؛ فلذلك يقول الحارث بن حلزة:
عنناً باطلاً وظلماً كما تُعـ ... ـتر عن حجرة الربيض الظباء
وكانوا، إذا أوردوا البقر فلم تشرب، لكدرة [الماء] أو لقلة العطش، ضربوا الثور ليقتحم الماء؛ لأن البقر تتبعه كما تتبع الشول الفحل، وكما تتبع أتن الوحش الحمار، فقال في ذلك عوف بن الخرع:
تمنَّت طيء، جهلاً وجبناً ... وقد خاليتهم فأبوا خلائي
هجوني، إن هجوت جبال سلمى ... كضرب الثور للبقر الظماء
وقال في ذلك أنس بن مدرك في قتله السُّليك بن السلكة:
стр. 408
إني وقتلي سليكاً، ثم أعقله ... كالثور يضرب لما عافت البقر
أنفت للمرء، إذ تغضى حليلته ... وأن يشد على وجعائها الثفر
ويروى: "على وجعائه". والوجعاء: الدبر.
وقال الهيبان الفهمي:
كما ضرب اليعسوب أن عاف باقر ... وما ذنبه أن عافت الماء باقر
وإنما سمى الثور يعسوباً لأنه أمير البقر، [وهي تطيعه كطاعة إناث النحل لليعسوب، فسماه باسم أمير النحل تشبيهاً]. والباقر [والبقر: جمع البقرة، والبقير]، مثل: الحمير والضنين والجامل. والباقر: جماعة البقر مع رعاتها، وكذلك الجامل.
وقد قرئ: ﴿إِنَّ الْبَاقِرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾.
وكانوا يزعمون أن الجن هي التي تصد الثيران عن الماء حتى تُمسك البقر عن الشرب حتى تهلك.
وقال [في ذلك] الأعشى:
فإني، وما كلفتموني، وربكم ... لأعلم من أمسى أعق واحوبا
لكالثور والجني يضرب ظهره ... وما ذنبه أن عافت الماء مشربا
стр. 409
وما ذنبه أن عافت الماء باقر ... وما إن تعاف الماء إلا ليضربا
وقال يحيى بن منصور الذهلي:
لكالثور والجني يضرب وجهه ... وما ذنبه إن كانت الجن ظالمه
وقال نهشل بن حري:
أتترك عارض وبنو عدي ... وتغرم دارم وهم براء؟
كدأب الثور يضرب بالهراوى ... إذا ما عافت البقر الظماء
ومن التشبيه الحسن المصيب قول العباس بن الأحنف:
صرت كأني ذبالة نصبت ... تضيء للناس وهي تحترق
وشبيه بهذا قول الآخر:
وفتيلة المصباح تحرق نفسها ... وتضيء للساري وأنت كذالكا
وقال ابن الطثرية حين حلق أخوه لمَّته:
فرحت برأس كالصخيرة أشرفت ... عليها عقاب ثم طارت عُقابها
يقول: إن العقاب إذا سقطت على ص خرة ذرقت، فيبقى أثر ذلك أبيض كما تشاهد.
стр. 410
فصل
زعم ابن الرومي أن الواصفين ثلاثة: الناعت والعائب والحاكي. ولكل واحد منهم غاية ومذهب؛ فالناعت والعائب يتفقان في المذهب، ويفترقان في الغاية كقول الناعت: هي أحسن من الشمس والقمر، وسائر أمثال الحسن. وكقول العائب: هي أقبح من القرد، وسائر أمثال القبح.
ثممَّ يفترقان في الغاية؛ فتكون غاية الناعت الإطراء، وغاية العائب الإزراء.
وأما الحاكي فخالفهما في المذهب والغاية معاً؛ وذلك أن مذهب الحاكي الصدق على أعيان الأشياء وأمثال صورها عن حقائقها.
والمقدمة الثانية: أن كل منعوت ضربان: أحدهما: السبب. والآخر: البغية. فأما السبب فالأمر المدلول به على غيره، كما وصف الله تعالى الجنة في سورة الرحمن، وما وصف الأصمعي في كتاب "خلق الفرس" عضواً عضواً.
ومثله ما وصف الله به، ، الجنة حيث يقول تعالى: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ﴾.
وكما قال بعض النعات في الفرس: إنه يستغرق الوصف ويسبق الطرف.
والمقدمة الثالثة: أن النعوت المحمودة أربعة وهي: المفسرات والمجمهرات والمعقبات والمجملات. فالمفسرات: هي [التي] تستغرق الأسباب، وتأتي على المنعوت فصَّاً فصا.
والمجمهرات هي التي تستغرق جوامع الأسباب، وتأتي على المنعوت جمهوراً
стр. 411
جمهوراً، وتأتي على أكثره.
والمعقبات: هي [التي] تستغرق مهمات النعوت المعفي ذكرها على ذكر غيرها وإن قلت.
والمجملات: هي التي تستغرق البغية وتأتي على غاية ما تجري إليه النعوت.
والمقدمة الرابعة: أن العلل، التي هي لها يحسن الجمع بين أجزاء المنعوت وأبعاضه، علتان:
إحداهما: أن يكون ائتلافهما في الكلام على حسب ائتلافهما في خلق المنعوت وبغيته.
والأخرى: أن تكون مؤتلفة في نسبة واحدة، والنسبة ذات ضروب شتى.
[الضرب الأول]: كقول امرئ القيس:
له أيطلا ظبي وساقا نعامة ... وإرخاء سرحان وتقريب تتفل
فإنما حسن جمعه بين هذه الأبعاض المختلفة والأجزاء المتحاجزة لاتفاقها في الاستعارة والإضافة؛ فأيطلان مستعاران من الظبي، مضافان إليه، وكذلك ما بعده.
والضرب الثاني: كقوله:
سليم الشظى، عبلُ الشوى، شنج النسا ... له حجبات مشرفات على الفال
فحسن جمعه بين هذه الأشتات لتناسبها في اعتدال الوزن واتفاق القافية وتهيئتها سجعاً في شعره.
стр. 412
والثالث: كقول أبي دؤاد:
حديد السمع والناظر ... والعرقوب والقلب
حسن جمعه مع المباينة لتناسبها في الحدة.
وكقوله:
عريض الخد والجبهـ ... ـة والصهوة والجنب
لتناسبها في العرض.
والضرب الرابع: كقول بعضهم:
وأحمر كالديباج، أما سماؤه ... فريا، وأما أرضه فمحول
حسن جمعه بين سراته وقوائمه على تفاوتهما؛ لأنه ألف بينهما بنسبتين، إحداهما: أنه كناهما بكنيتين متكافئتين متزاوجتين، وهما السماء والأرض المتقابلتان في النسبة، المتكافئتان في العظم، المتزاوجتان في جاري الكلام.
والسبب الثاني: أنه ضاد بينهما بضدين محمودين، وهما: اندماج السراة وريها، ومحض القوائم وظمؤها.
والضرب الخامس: كقول الكميت:
وآب أبو الشعثاء أشعث دامياً ... وإن أبا جحل قتيل مجحَّل
فهذه النسب كلها داخلة في حد المطابقة واسمها.
стр. 413
الأمثال
وللعرب الأمثال التي لا يؤتى عليها كثرة مع حسن معانيها وإصابتها ووضوحها وإبانتها، وهي أكثر أمثال أهل الأرض، وإن كان للفرس أيضاً أمثال كثيرة؛ فهي، مع كثرتها، لا بعشر أمثال العرب. فقد حكى أبو عبيدة، فيما روى أبو حاتم عنه، أنه أوصل إلى أحمد بن سعيد بن سلم الباهلي أربعة عشر ألف مثل عربي بعضاً في الجلود، وبعضاً في القطني، وبعضاً في القراطيس، وبعضاً في الخزف. فتفرد العرب من بين الأمم بكثرة الأمثال هو بمادة الشعر التي هي ثابتة بالتوالد على مدى الأيام، كما النسل في الأنام.
فبأبيات الشعر كثرت أمثالهم، وزادت على أمثال سائر الأمم أضعافاً مضاعفة. هذا إلى مالهم من أمثال النثر.
وقد جاء الكتاب والأخبار بالأمثال، ولها كتب مفردة فيها، ومفسرة لمعانيها. وقد أودعت كل حرف من حروف المعجم شيئاً منها مما هو على الحرف المبتدأ به، مثل: الألف والباء والتاء والثاء، إلى آخر الحروف، وهي تأتي بعد هذا إن شاء الله.
стр. 414
باب في شيء من أقاويل العرب وتسميتهم ومذاهبهم
للعرب إقدام على الكلام، وتوسع وهجوم على جليل المعاني ودقيقها، حتى إنهم ليخرجون بكلام من رفع إلى نصب وخفض. ومن نصب إلى خفض ورفع. ومن خفض إلى رفع. ومن مذكر إلى مؤنث. ومن مؤنث إلى مذكر بالإضافة. كل ذلك لاقتدارهم على الفصاحة والإبانة؛ فهم مفصحون كيف نطقوا، ومصيبون بما أطلقوا.
وهم يطيلون إذا كانت الإطالة أوضح للإبانة، ويوجزون حيث يغني الإيجاز عن الإطالة. وبكل ذلك جاء كتاب الله، ؛ لأنه نزل بلسانهم. فمن تصفح كلامهم، وتصحح معانيهم، وقف على أفصح كلام، وعرف أحسن معان وأوضح بيان.
وهم، لثقتهم بفهمهم عن بعضهم بعض، يتكلمون فيما بينهم كيف شاؤوا وبما شاؤوا، وهو مفهوم عنهم، ومعلوم منهم، وهذه فضيلة أيضاً لهم.
وقد سمت العرب القطاة بصوتها حين تهيأ لها ثلاثة أحرف: قاف وطاء وألف .. فكان ذلك هو صوتها سموها به. ثم زعموا بعد ذلك أنها صادقة في تسميتها نفسها قطا.
وقال الشاعر يذكرها:
وصادقة ما خبرت، قد بعثتها ... طروقاً، وباقي الليل في الأرض مسدف
فجعلها مخبرة، وجعل خبرها صدقاً حين زعمت أنها قطاً، وإن كانت القطاة لم ترد ذلك. ولكن هذا توسع منهم في كلامهم.
وقال الكميت:
стр. 415
لا تكذب القول إن قالت قطا صدقت ... إذ كل ذي نسبة لابد منتحل
وقال مزاحم العقيلي في تجاوب القطاة وفرخها:
فنادت وناداها، وما اعوج صدرها ... بمثل الذي قالت له لم يبدل
والصبيان يسمون الشاة ما ما، كأنهم سموها بالذي سمعوه منها حين جهلوا اسمها؛ لأن الذي تهيأ للشاة قولها ما.
وقال ذو الرمة:
لا يرفع الصوت إلا ما تخوَّنه ... داع يناديه باسم الماء مبغوم
ويروى: "لا ينعش الطرف".
ونقول: بغم الظبي يبغم بغوماً، وهو أرخم صوته. والرخامة: لين في المنطق، حسن في النساء. وجارية رخيمة الصوت، ورخم كلامها وصوتها، ومرخومة الصوت أيضاً.
ويقال للرجل الضعيف الصوت: رخيم وأبح وأغن وأصحل.
والمبغوم: الولد، وأمُّه تبغمه، أي: تبغم إليه. والبقرة تبغم. وامرأة بغوم: رخيمة الصوت.
قال:
حبذا أنت يا بغوم إلينا ... ..................
стр. 416
وقيل لصبي يلعب على بابهم: من أبوك يا غلام؟ وكان اسم أبيه كلباً، فقال: وَوْ وَوْ وَوْ. وسماه بصوته؛ لأن الذي تهيأ للكلب وَوْ، وعف [عفْ] وأشباه ذلك.
والعرب تخبر عما لا يعقل إخبارها عمن يعقل مجازاً وتوسعاً؛ فمن ذلك: أنه كان مكاتب لبني منقر ظلع بمكاتبته أي: عجز عنها، فأتى قبر غالب أبي الفرزدق فاستجاربه، فأخذ منه حصيات فشدَّهن في عمامته، ثم أتى الفرزدق فخبَّره، ثم قال: إني قلت شعراً. فقال: هاته فقال:
بقبر ابن ليلى غالب عذت بعدما ... خشيت الردى، أو أن أرد على قسر
بقبر امرئ يقر البنين عظامه ... ولم يك إلا غالباً ميت يقري
فقال لي: استقدم إمامك إنما ... فكاكك أن تلقى الفرزدق بالمصر
فخبر عن ميت بالقول.
والعرب وأهل الحكمة من العجم يجعلون كل دليل قولاً؛ فمن ذلك قول زهير:
أمن أم أوفى دمنة لم تكلم ... ............
عنده أن يبين بما يرى من الآثار فيها عن قدم أهلها وحدثان عهدهم. وكذلك قوله: "فقال لي استقدم إمامك"، البيت، أي: جرب مثل هذا منك في المستجار به،
стр. 417
وليس هناك قول أصلاً، ولكن على هذا المعنى.
والعرب، إذا طال عليها وصف الجميع، خرجت من الرفع إلى النصب ثم تعود بعد إلى الرفع.
وقالت خرنق بنت هفان، وقيل: خرنق أخت طرفة بن العبد:
لا يبعدن قومي الذين هم ... سم العداة وآفة الجزر
النازلين بكل معترك ... والطيبون معاقد الأزر
ويروى: "النازلون والطيبين". ويقال: هذا على التعظيم والمدح؛ لأن العرب تنصب الأسماء في موضع الرفع على المدح والذم. فأما على المدح فالذي تقدم ذكره، وأيضاً قول الآخر:
إلى الملك القرم وابن الهمام ... وليث الكتيبة في المزدحم
وذا الرأي حين تغم الأمور ... بذات الصليل وذات اللجم
ونسخة: اللحم بالحاء. فنصب ليث الكتيبة [وذا الرأي] على المدح.
ونقول: أنا الظريف قائم، فنصب الظريف على المدح لأنا. ويجوز [رفعه] على المدح أيضاً. ولا يجوز رفعه على النعت؛ لأن المكنى لا ينعت؛ لأن النعت دل على
стр. 418
الاسم. والمكنى لم تكن عنه حتى عرف؛ فليس بك حاجة إلى أن تدل على ما عرف.
وقال الله، : ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾. فنصب المقيمين على المدح، ورفع "المؤتون" على المدح.
ويقولون: نحن بني تميم ضاربون كبش الكتيبة.
قال الراجز:
نحن بني ضبة أصحاب الجمل
وقال آخر:
أنا ليث العشيرة فاعرفوني ... حميداً قد تذريت السناما
وقال الفرزدق:
ألم تر أنا بني دارم ... زرارة منا أبو معبد
كأنه قال في التمثيل: أعني بني دارم، وأمدح بني دارم. وفي المدح قولهم: اللهم صل على أبا القاسم. على معنى: أمدح أبا القاسم، وأعني أبا القاسم. وإن شئت رفعت على تقدير: هذا أبو القاسم. وإن شئت جررت على اللفظ. وهو، صلى الله عليه: سيدَ المرسلين، وسيدُ المرسلين، وسيدِ المرسلين؛ فتنصب وترفع على المدح، وتخفض على التكرير؛ كأنك قلت: على سيدِ المرسلين.
стр. 419
وأما على الذم، فوق الشاعر:
وكل قوم أطاعوا أمر سيدهم ... إلا نميراً أطاعت أمر غاويها
الظاعنين ولما يظعنوا أحداً ... والقائلين: لمن دار نخليها
نصب الظاعنين على الشتم والذم.
وقال:
سقوني الخمر ثم تكنفوني ... عداة الله من كذب وزور
وهذا كقولك: دخلوا علي أعداء الله، أي: أذكر أعداء الله.
وقال:
لعمري، وما عمري علي بهين ... لقد نطقت بطلاً علي الأقارع
أقارع عوف، لا أحاول غيرها ... وجوه قرود تبتغي من تجادع
كأنه قال: أذكر وجوه قرود. وقوله: "بُطلاً" يعني: باطلاً، كقولهم: قال فلان ضلاً، يعني: ضلالاً. وأعطى قلاً، أي: قليلاً، وكثراً، أي كثيراً. وكذلك: كثر، أي كثير.
وقال آخر:
طليق الله لم يمنن عليه ... أبو داود وابن أبي كثير
ولا الحجاج عيني بنت ماء ... تقلِّب عينها حذر الصقور
стр. 420
كأنه قال: أعني بنت ماء، على الذم.
وقرئ: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ وحمالة؛ فرفعوا ونصبوا على الذم. وأضمروا في الرفع هي، كأنهم قالوا: هي حمالة الحطب. وقرئ: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَامِلَةُ الْحَطَبِ﴾.
والعرب تنصب أيضاً على الاختصاص. تقول: إنا بني فلان نفعل كذا. فلما قلت: إنا، قد أعني بني فلان، أردت أن تخصهم ولم ترد أن تخبر أنهم بنو فلان؛ وذلك أنك إذا قلت: إنا بنو زيد فإنما أردت أن تخبر بالفعل، ونصبت على الاختصاص بفعل. وإذا قلت: إنا بني زيد، فلم ترد أن تخبر أن أباكم زيد، إنما أردت أن تخبر بالفعل، ونصبت بني على الاختصاص بفعل مضمر، تريد: أعني.
قال:
إنا بني منقر، قوم ذوو حسب ... فينا سراة بني سعد وناديها
ومثله قول الفرزدق:
بنا تميماً يكشف الضباب
لم يرد صاحب البيت الأول أن يخبر أن أباهم منقر، وإنما نصب بني منقر علي الفخر. ولم يجعل الفرزدق بنا [الخبر]، إنما الخبر: يكشف الضباب. ثم اختص تميماً على: أعني تميماً.
والعرب تنصب على الترحم أيضاً.
стр. 421
قال:
فأصبحت بقرقرى كوانسا ... فلا تلمه أن ينام البائسا
كأنه قال: أعني البائسا.
ويقولون: به البائس داء، ينصون البائس على الترحم، حين لم يقدروا أن يقولوا: به البائس فيعطف ظاهر على مضمر، وإنما أرادوا أن يقولوا: بالبائس داء. وقد يقال: به البائس على معنى: البائس به داء. وقد يجوز: به البائس داء، على التبيين، أي: به بالبائس؛ لأنك لما قلت: "به"، لم تعرف ما أجود الوجوه في هذا النصب.
ومن العرب من يرفع الكلام أجمع بعد كان.
كما قال:
وما كان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنه بنيان قوم تهدَّما
وقد قرئ: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ﴾ فالرفع، وهي قراءة يحيى بن يعمر، فيما زعموا على طريق الغلط، لما كثر الأسماء وطال الوصف. وقرئ: ﴿عَشِيرَاتِكُم﴾ على الجمع، وهي قراءة أبي.
والعرب تؤنث المذكر بإضافته إلى المؤنث.
стр. 422
قال:
وتشرق بالقول الذي قد أذعته ... كما شرقت صدر القناة من الدم
والصدر مذكر، فأنثه لأنه أضافه إلى القناة، والقناة مؤنث. وذلك يجوز ما كان من الشيء؛ لأن الصدر هو من القناة؛ فلذلك قد جاز. ولو قلت: هذه غلام مريم، لم يجز؛ لأن الغلام غير مريم.
وقال:
لما أتى خبر الزبير تضعضعت ... سور المدينة، والجبال الخشع
السور مذكر، فأنثه لأنه أضافه إلى المدينة، والمدينة مؤنث؛ لأن السور من المدينة.
قال الله تعالى: ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾. والأعناق مؤنث، ولم يقل خاضعات؛ لأنه أضافها إلى مذكر وهو الهاء والميم، وهي أسماء القوم. ولو أنث لقال: أعناقها.
ومثله: ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ﴾، أي: هذا الشيء. وقال بعضهم: كانوا يذكرون الآلهة، فأراد أن يعرفهم جهلهم، فقال: هذا ربي، فلما أفلت، أي: أنتم جهال، ولو كان رباً لم يغب ولم يزل. قال المفسرون: ما شك إبراهيم، ﵇، إلا يوماً وليلة، ثم هداه الله تعالى.
وإذا دخل بين الاسم المؤنث والفعل حاجز، ففيه وجهان: إن شئت ذكرت
стр. 423
الفعل، وإن شئت أنثته، كقوله، : ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾. [وفي موضع آخر: ﴿وَأَخَذَتْ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾].
[وكقوله تعالى]: ﴿وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾، و ﴿تُقْبَل﴾ بالتاء.
[وقوله]: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ و ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾.
ومثله كثير في القرآن والكلام والشعر والأمثال. وهذا في الآدميين قبيح قليل. نقول: قامت في الدار جاريتك. فإن قلت: قام، فقبيح، وهو جائز على قُبحه.
قال جرير:
لقد ولد الأخيطل أم سوء ... على قمع استها صلب وشام
والعرب تضيف الفعل إلى الآمر به، تقول: قتل الأمير فلاناً، وضرب فلاناً؛ إذا كان هو الآمر بذلك دون أن يكون مبايناً له.
قال الله [تعالى]: ﴿فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ﴾، أي: طمست الملائكة أعينهم بأمرنا. وكذلك قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾، وإنما قتلهم الملائكة يوم بدر.
وكذلك: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾.
стр. 424
قال الحسن وغيره: لم تكن هزيمة القوم برميتك، ولكن الله هزمهم برميتك.
وعن النبي، صلى الله عليه: "من كسا لله، وسقى لله، كساه الله حلة الكرامة، وسقاه من الرحيق المختوم".
يقول: نأمر أن يكسا ويسقى، لا أن يباشر ذلك.
وأما قوله [تعالى]: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ وقوله، : ﴿أَوَلَمْ تَاتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الأُولَى﴾؛ فإن بعضهم ذكر أنهم إنما ذكروا الفعل من أجل الحاجز وهي الهاء التي في جاءه، والهاء والميم التي في تأتهم. وقال بعضهم: أرادوا المصدر، فذكروا لذلك، كأنه أراد: فمن جاءه وعظ من ربه. [و]: أولم يأتهم بيان ما في الصحف الأولى، أو تبين ما في الصحف. وقرأ بعضهم: ﴿تَاتِهم﴾ على تأنيث البينة.
وأما قول الشاعر:
إن السماحة والمروءة ضمنا ... قبراً بمرو على الطريق الواضح
[فقال: ضُمّنا] ولم يقل: ضُمنتا، فلأن بعضهم ذكر أنه أراد الجود والكرم، فرده على المعنى لا على اللفظ. وقال بعضهم: أراد المصدر؛ كأنه قال: إن السماح والمروءة. وقال بعضهم: شيئان ضصمنا؛ لأن الشيء يقع على كل شيء من قبل أن يعلم أذكر هو أم أنثى. وعن بعض العلماء: أن الرواية: "إن السماحة والمغيرة ضمنا". فإن كان كذلك لم يجز إلا ضمنا.
стр. 425
وأما قول أبي ذؤيب:
لو كان مدحة حي منشراً أحداً ... أحيا أباكُنَّ، يا ليلى، الأماديح
كأنه أراد لامدح، كأنه قال: لو كان مدح حي أو مديح حي منشراً أحداً. فقال: منشراً، ولم يقل: منشرة.
والعرب قد تؤنث فعل المؤنث بالتاء والنون، فإذا جاؤوا بإحديهما، استغنوا بها عن الأخرى.
قال الله، : ﴿تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ﴾. ولم يقل: يفضن.
وقال تعالى: ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، ولم يقل: تضعن.
ويقولون: النساء يذهبن، والنساء تذهب، بالتاء. وبناتك يخرجن وتخرج.
والعرب لا تجمع بين علامتين في التأنيث، لا تقول: النساء ترمين، ولا تفعلن، بالتاء. إنما تقول: يرمين ويفعلن، بالياء.
قال الله، : ﴿وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَوْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾.
ثم قال جرير:
يرمين من خلل الستور بأعين ... فيها السقام وبرء كل سقيم
فقال: يرمين لئلا تجتمع علامتان للتأنيث.
والعرب تجعل لفظ المذكر ولامؤنث سواء في كل ما كان على فعل يفعل وفي آخره واو؛ ألا ترى إلى قوله، : ﴿إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ﴾، وإلى قوله تعالى: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾، وإنما النساء كن يدعونه.
следующие страницы →