Полный текст (2 342 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
أي: سنفرغ لكم مما وعدناكم من الثواب وأوعدناكم من العقاب.
تقول العرب: أتفرَّغ وأفرغ. وقرأ جماعة: سيفرغ، أي: سيفرغ الله لكم؛ واحتجوا بقوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَانٍ﴾.
قال أبو عبيدة: سنفرغ لكم: سنحاسبكم؛ لم يشغله شيء ﵎. وقال ابن قتيبة: سنقصد لكم. وقال ابن عباس: سنفرغ لكم: من محاسبتكم يوم القيامة؛ إن الله لا يشغله شيءٌ عن شيءٍ من خلقه.
وقال الحسن: سنفرغ لكم يوم القيامة مما وعدناكم في الدنيا أنا صانعوه لكم من ثوابكم بأعمالكم غير ظالميكم شيئاً ولا مقصرين عن شيء من ذلك.
والعرب تقول: استعمرته في كذا، أي: استعملته.
قال الله، : ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾.
والعرب تقول لكل من نزل به الهم: هو ابن هم، وأخو هم، إذا لحقه ذلك.
قال الحارث بن حلزة اليشكري:
أتلهى بها الهواجر إذ كـ ... ـل ابن هم بلية عمياء
أتلهى بها، معناه: بالناقة، أي: أركبها وأتعلل بسرعتها في تلك الساعة، يريد: في شدة الحر، ولا أجد، مع ما أنا فيه، شدة من الحر علي. والهواجر: انتصاف النهار، واحدتها هاجرة. وسميت الهاجرة هاجرة لبعدها من وقت البرد وطيب الهواء؛ ومن قولهم: هجرت الرجل، إذا ابتعدت منه.
стр. 457
قال المجنون:
لقد عشت من ليلى زماناً أحبها ... أخا الموت إذ بعض المحبين يكذب
معناه: أجد همّا يكسب الموت.
وقال ابن الطثرية:
حلفت لها أن قد وجدت من الهوى ... أخا الموت لا بدعاً ولا متأشبا
المتأشب: الجامع للشيء من ها هنا وها هنا.
والبلية من قول الحارث مفسرة في حرف الباء من هذا الكتاب، بعد هذا إن شاء الله.
والعرب تقول: هؤلاء [لا] كذا ولا كذا، بين ذلك.
قال الله تعالى: ﴿لا فَارِضٌ وَلا بِكْرٌ﴾ فالمعنى: بين هذين الأمرين في الصغر جداً والمسنة جداً.
والعرب تسمي السيد العظيم من الرجال عيراً.
قال الأعشى:
قد نطعن العير في مكنون فائله ... وقد يشيط على أرماحنا البطل
أراد: قد نطعن السيد. وفائله يعني: عرقاً في الفخذ، عليه أكثر لحم الفخذ، وهو
стр. 458
النسا في الساق. ومكنونه: الدم الذي فيه، يعني: إنا بصراء بالطعن، نضع أرماحنا حيث نشاء. ويشيط، أي: يهلك. يقول: إنا لعزتنا ومنعتنا لا يثأر أحد منا بدم، فهو يذهب باطلاً. وتشيط الدم، إذا غلا بصاحبه. يقال: شاط دمه، وأشاط دمه فلان، وأشاط بدمه. واستشاط فلان غضباً، يعني: الامتلاء من الغضب.
قال:
أشاط دماء المستشيطين كلهم ... وغل رؤوس القوم فيهم وسلسلوا
والعرب لا تكاد تقول الخطب إلا في الأمر الجليل.
قال الله تعالى، حكاية عن إبراهيم ﵇: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ﴾، أي: الأمر الجليل الذي جئتم به. وخاطبهم بذلك لما أخبروه بخبر عن الله، ، عَلِم أنهم مرسلون، فقال: فما خطبكم. وخاطبهم بالمرسلين، صلى الله عليهم أجمعين.
قال الفراء: أهل الحجاز يقولون: مشى إلى البيت حافياً رجلا، بمعنى: راجلاً. ويقال رجل رجلان، أي: راجل. ويقال: رجل رجلاً وهو رَجْلان، وأنشد:
علي، إذا عاينت ليلى بخلوة ... أن أزدار بيت الله رجلان حافيا
وقال الله، : ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً﴾.
أي: فرجالة.
стр. 459
قال الأخطل:
وبنوا غدانة شاخص أبصارهم ... يمشون تحت بطونهن رجالا
لأنهم مسنودون وأبصارهم شاخصة إلى من يقودهم. وتحت بطونهن، يعني الخيل.
ويقال: رجل، أي راجل، وإنما قيل للسيد من الرجال عير؛ لأنه شُبِّه بالحمار في الصيد إذ كان أجل ما يصاد.
من ذلك الحديث: أن أبا سفيان استأذن على النبي، صلى الله عليه، فحجبه ثم أذن له، فقال: ما كدت تأذن لي حتى تأذن لحجارة الجلهتين. فقال ﵇: "يا أبا سفيان، أنت كما قال القائل: كل الصيد في جوف الفرا". يعني بالفرا: الحمار الوحشي، أي: أنت في الناس كحمار الوحش في الصيد، أراد أنها كلها دونه.
والفرا: الحمار، يهمز ولا يُهمزُ. قال أبو عبيدة: العرب تترك همز ثلاثة أحرف أصلها الهمز: النبي وهو مِنْ: أنبأ عن الله، . والجابية وهي: جبأت. والذرية وهي مِنْ: ذرأ الله الخلق.
وبعضهم يهمز النبي ويخرجه على أصله.
والعرب تستغني بعدد الأسماء عن عدد الأفعال إذا بدأت بالأفعال قبل الأسماء. وعلة أخرى أن الفعل إذا كان مبتدأ به، يكون فارغاً، فلما كان فارغاً لا ضمير فيه، لم يثنَّ ولم يجمع. نقول: قام الزيدان، وقام الزيّدون.
стр. 460
قال الله، : ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾، فجمع الفعل في حال التأخير.
وقال تعالى في حال التقديم: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ﴾، فأفرد الفعل في حال التقديم.
وبعض العرب، وهو سليم وبنو تميم وبنو قُشير ومن جاورهم من أهل الحجاز، يجمعون الفعل في حال تقدمه. يقولون: قاموا الزيدون. وذلك على السؤال والتفسير في قول البصريين، وعلى كلامين في قول الكوفيين؛ كأنهم لما قالوا: قاموا، قيل: مَنْ؟ قالوا: الزَّيدون.
قال الله، : ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾.
وقال تعالى: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ وقال، : ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ﴾ فجمع الفعل في حال تقدمه، على السؤال والتفسير؛ كأنه لما قال: ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا﴾ قيل: من؟ قال: ﴿كثيرٌ مِنْهُم﴾.
وكذلك ما هو مثله.
стр. 461
قال:
ولكن ديافي أبوه وأمه ... بحوران يعصرن السليط أقاربه
فقال: يعصرن، فجمع الفعل في حال تقدمه على السؤال والتفسير.
وقال آخر:
يا أوْسُ، لو نالتك أرماحنا ... كنت كمن تهوي به الهاويه
ألفيتا عيناك عند اللقا ... أولى فأولى لك ذا واقيه
فقال: ألفيتا عيناك، فثنّى الفعل في حال تقدمه على السؤال والتفسير. [ويروى: "ألفيتا عيناك عند القفا"].
قال الفرزدق:
رأين الغواني الشيب لاح بمفرقي ... فأعرضن عني بالوجوه النواضر
فقال: رأين، فجمع الفعل في حال تقدمه، على تلك اللغة.
قال الراجز:
قُلن بنات العم: يا سلمى وإن
كان فقيراً معدماً؟ قالت: وإن
стр. 462
فجمع الفعل في حال تقدمه، وهو كثير لا يحصى.
والعرب تقدم ما هو أهم لها، وهم ببيانه أغنى، وإن كانا جميعاً ليهمانهم ويعنياهم.
قال الله تعالى في تقديم المفعول قبل الفاعل: ﴿وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾؛ فالمفعول مقدَّم قبل الفاعل.
وقال، : ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾.
وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ﴾. وقال، : ﴿وَتَغْشَى وُجُوهَهُمْ النَّارُ﴾.
ويقولون: قتل أرضاً عالمها، وقتلت أرض جاهلها.
ويقولون: حسبانك على الله، وهو جميع الحساب.
ويقولون: قاسمت فلاناً، أي: أقسمت له. ونصحت ونصحته، وأبيعك هذا، أي: أبيع منك.
قال:
أبعتكه، إن كنت تبغي ابتياعه ... ولم تك مزاحاً، بعشرين درهماً
وتقول: سمعتك، أي: سمعت منك.
قال الله تعالى: ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾، أي: اسمعوا مني. وقال تعالى:
стр. 463
﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ﴾، أي: يسمعون منكم.
والعرب، إذا أرادوا أن يثنُّوا شيئين هما خلقة في نفس الشيء، نحو القلب واليد، قالوا: قلوبهما وأيديهما، ونحو ذلك في الأشياء كلها.
قال الله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [وقال]: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾.
وقيل: إنما فعلوا بما في البدن واحد؛ فجعلوا تثنيته جمعاً؛ لأن أكثر ما في البدن شيئان، فإذا أرادوا تثنية الواحد حملوه على الأكثر، وإذا أرادوا أن يثنوا ما في البدن اثنان منه قالوا: قطعت يدي الزيدين ورجلي العمرين. وإنما قالوا في قوله تعالى: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ الآية: أراد الأيمان، ولا يجوز أن يكون أراد يداً من هذا ويداً من هذا؛ وبذلك جرى الحكم عند الفقهاء.
وقد يجوز تثنية ما في البدن واحد.
قال الفرزدق:
بما في فؤادينا من الهم والجوى ... فيجبر منهاض الفؤاد المسقف
[ويروى: المشغف]. وإنما كان وجهه: بما في أفئدتنا؛ لأن الفؤاد من الإنسان واحد.
стр. 464
قال:
هما نفثا في فيَّ من فمويهما ... من النابح العاوي أشد رجام
قال أبو ذؤيب:
فتخالسا نفسيهما بنوافذ ... كنوافذ العبط التي لا ترقع
وروي: العطب. قوله: "فتخالسا" معناه: أن أحدهما: يخلس من الآخر طعنة. ويقال: تختلس نفسه. والنوافذ: جمع نافذة، وهي الطعنة التي تنفذ. [والعُبُط: قتب البعير، والله أعلم]. والعُبُط: شق الجلد الصحيح ونحر البعير الصحيح من غير مرض. وله تمام شرح في حرف العين من هذا الكتاب إن شاء الله.
والعُطُب: جمع عطبة، وهي القطنة. والمعنى: كنوافذ الثياب؛ أي: نفذت الطعنة في جلودهم ولحومهم كما تنفذ في الثياب.
وتقول: عيناك حسنتان، ويجوز: عيناك حسنة، وكذلك: عينك حسنة. وكذلك: عيناك نظرتا، وعينك نظرتا، وعيناك نظرت؛ لأن إحدى العينين إذا نظرت، فقد نظرت العين الأخرى. وهما عند العرب بمنزلة شيء واحد.
قال الفرزدق:
فلو رضيت يداي بها وضنَّت ... لكان علي للقدر اختيار
ويروى: "للقدر الخيار".
فقال: يداي. ثم قال: وضنَّت؛ لأن عمل إحدى اليدين بمنزلة عملهما.
стр. 465
وقال امرؤ القيس:
وعين لها حدرة بدرة ... شُقَّت مآقيهما من أخر
فقال: عين. ثم قال: مآقيهما؛ لأن نظر إحدى العينين بمنزلة نظرهما جميعاً، ولو أحد الجمع لجاز؛ لأنه يرى بكل واحد من المذكورين.
قال:
كلوا في نصف بطنكم تعيشوا ... فإن زمانكم زمن خميص
وقال آخر:
الواردون، وتيمٌ في ذرى سبأ ... قد عض أعناقهم جلد الجواميس
مسألة
فإن قال قائل: قد زعمت أن ما في البدن منه شيئان تثنيته مخالفة لجميعه، فما معنى قوله، : ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾؟ قيل له: إنما أراد يميناً من هذا ويميناً من هذا، فجمع في موضع التثنية؛ لأنه بمنزلة الرأس والقلب، فافهم إن شاء الله.
وتقول: ضربت رأس زيد، وأرؤس الزيدين، وأرؤس الزيدين. وتقول: ما أحسن رؤوسهما، وهو الأجود. وقد قالوا: ما أحسن رأسيهما.
стр. 466
قال الشاعر:
ظهراهما مثل ظهور الترسين
فجاء باللغتين في بيت واحد، يريد ظهورهما.
والعرب تقول: قد استعان الرجل: إذا حلق عانته.
كذلك: قد استحل. وزعموا أن بشير بن عمرو بن مزيد حين قتله الأسدي قال له: أخر علي سراويلي، فإني لم أستعن، أي: لم أحلق عانتي.
والعرب تتكلم بالأفعال المستقبلة، ولا يتكلمون بالماضي منها؛ فمن ذلك قولهم: عم صباحاً. ولا يقولون: وعم صباحاً.
ويقولون: ذر ذا ودعه، ولا يقولون: وذرته ولا ودعته.
ويقولون: عسيت أن أفعل ذلك، ولا يقولون: أعسي، في المستقبل، ولا عاس في دائم.
والعرب تُدخل الفاء في خبر الابتداء، إذا كان الخبر من سبب الاسم.
قال الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ و: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ فأدخل الفاء فيهما.
والعرب قد تضيف الشيء إلى نعته، نحو قولهم: صلاة الظهر، وحب الحصيد.
وقال، : ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾. ولم يقل: الدين القيمة، والعلة ما ذكرناه. وقال آخرون: إنما التقدير: وذلك دين ملة القيِّمة، وذلك دين الحنيفية
стр. 467
القيمة؛ فحذف المضاف إليه، وأقام المضاف مقامه؛ كما قال تعالى ﴿وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ﴾، أي: سل أهلها.
قال الشاعر:
أتمدح فقعساً وتذم عبساً؟ ... ألا لله أمك من هجين
ولو أقوت عليك ديار عبس ... عرفت الدار عرفان اليقين
فأضاف عرفاناً إلى اليقين، وهو أراد: عرفاناً بعينه يقيناً.
والعرب تسمي ظاهر الرجل نهاره، ومكنونه ليله.
قال الأعشى:
نهار شراحيل بن عمرو يرييني ... وليل أبي عمرو أمر وأعلق
والعرب تقول: دين قييم وقيماً بكسر القاف والياء، وبتخفيفهما، وهما لغتان. وقال بعضهم: قيماً بالكسر: جماعة، وقيماً: واحد.
والعرب تقول: رنوت، أي: طربت، كلمة سائرة في أفواههم.
والعرب تسمي الذين يدخلون في قوم ليس منهم: أشابات القوم. وهو فارسي أعربته العرب من قولهم: وقعوا في أشوب، أي: اختلاط.
قال:
تعدو غواة على جيرانكم سفهاً ... وأنتم لا أشابات ولا ضرع
стр. 468
والعرب تسمي الأربعة إستاراً.
قال جرير:
إن الفرزدق والبعيث وأمه ... وأبا البعيث لشر ما إستار
والعرب تنزل الشجعان مراتب. والاسم العام: شجاع، ثم بطل، ثم بهمة، ثم أليس. هذا قول أبي عبيدة.
ويقال: قوم شجعاء، وشجعة، وشجعة، على تقدير: غلمة وصحبة. ورجل شجيع، أي: شجاع. ومنه: عجيب وعجاب.
ورجل بين الشجاعة والشُّجعة، مثل: حسن الصحابة والصُّحبة. ثم يقولون للجماعة: صحبة على هذا المعنى. وامرأة شجاعة، ونسوة شجاعات.
قال الحصين:
من الصبح حتى تغرب الشمس، لا ترى ... من الخيل إلا خارجياً مسوماً
ويروى: من القوم، والخارجي: يخرج ويشرف بنفسه، من غير أن يكون له قديم.
قال أبو عمرو: قلت لأبي العباس: كيف سموا السيد سنوراً؟ قال: لأن عظم حلق الفرس يقال له السنور، وهو أعز موضع في الفرس؛ لأنه مستقر رأسه.
والسيد: الرئيس، والرئيس: الشاة التي عقر رأسها. والشاة: الثور. والثور: ظهور الحصبة. والحصبة: صغار الجمر. والجمرة: الفحمة. ولفحمة: القسورة. والقسورة: ظلمة الليل.
والعرب تسمي الرجل جَمَلاً، ولا يسمونه بعيراً، ولا يسمون المرأة ناقة. ويسمون
стр. 469
الرجل ثوراً. ولا يسمون المرأة بقرة، ويسمون الرجل حماراً، ولا يسمون المرأة أتانا. ويسمون المرأة نعجة، ولا يسمونها شاة. ولا يجعلون شاة اسماً مقطوعاً، ولا يجعلونه علامة، مثل: زيد وعمرو. ويسمون المرأة عنزاً، ويسمون الناقة بعيراً.
قال:
لا نشتكي لبن البعير وعندنا ... لبن الزجاجة واكف المعصار
قال هشام: العرب تقول: اسقني لبن بعيرك، يريدون: لبن ناقتك.
وقال الأصمعي: البعير يكون مذكراً ومؤنثاً، وهو بمنزلة الإنسان، تقول: هذا بعير، إذا عنيت جملاً، وهذه بعيرة، إذا عنيت ناقة. قال: وسمعت أعرابياً يقول: صرعتني بعير لي.
يقال: أباعر، للجمع، وجمع الجمع: بُعران وبِعْران بالضم والكسر.
قال بعض لصوص العرب:
وإني لأستحيي من الله أن أرى ... أطوف بحبل ليس فيه بعير
وأن أسأل المرء اللئيم بعيره ... وبُعران ربي في الفلاة كثير
وروي عن النبي، ﷺ ، أنه سمى النخلة عمة لنا، فقال ﵇: "نِعمت العمة لكم النخلة، خُلِقَتْ من فضلة طينة آدم، ﵇".
стр. 470
وهذا كلام صحيح المعنى لا يعيبه إلا من لا يعرف مجاز الكلام.
والعرب تقول: خاتِمْ وخاتَم وخاتام وخَيْتام.
وقال اللحياني:
لعل أبا عبيدة أن يلينا ... أيوعِدنا بخيتام الأمير؟
وقال آخر:
يا خل ذات الجورب المنشق ... أخذت خاتامي بغير حق
وحكى اللحياني: فلان خاتِمُ القوم وخاتمتهم.
والعرب تقول: سمنٌ وسمَن، لغتان.
قال الراجز:
بتنا بحسان ومعزاه تئط ... في سمن منها كثير وأقط
والعرب تقول: رجل حذِر وحَذْرٌ، وعَجِلٌ وعَجْلٌ، وفطن وفطْن، ونكِرٌ ونكْرٌ، ولحمٌ ولحَم، تخفف وتثقل. وبُخلٌ وبخَل وبَخْلٌ وبخِلٌ، أربع لغات.
ورجل لحيم: كثير اللحم. ويقال: لحم لحامة، ورجل لحمٌ: أكول للحم. وبيت لحم: يكثر اللحم فيه.
ويقال للرجل: أملحت وملَّحت يا فلان، في اللغتين، أي: جئت بكلمة مليحة. وأكثرت ملح القِدر. والمُلحة: الكلمة المليحة. والملاحة: منبت اللحم.
ويقولون: رجل ورَجْلٌ، وقصُرٌ وقصْرٌ. وقد عَلْم، يريدون: عَلِمَ؛ يسكنون الثاني
стр. 471
إذا [كان] مضموماً أو مكسوراً؛ لأنهم يستثقلون الضمة والكسرة فيحذفونها، ولا يستثقلون الفتحة لأنها أخف الحركات؛ ألا ترى أنه ليس أحد يقول في جبل: جَبْل، فيسكن؟
ويقولون: شُرْبَ، يريدون: شُرِبَ.
قال:
فإن النبيذ الصرد إن شُرْبَ وحده ... على غير شيء أوجع الكبد جوعها
الصرد: القليل. والتصريد في السقي دون الري. والمُصرّد: المقلل. صرَّدَ له عطاءه، إذا أعطاه قليلاً.
ويقال: كبِدٌ وكَبْدٌ وكِبْدٌ.
وقال ابن الدمينة:
ولي كبدٌ مقروحة من يبيعني ... بها كبداً ليست بذات قروح
وقال عروة:
فويلي على عفراء ويلاً كأنه ... على الكبد والأحشاء حدُّ سنان
وكذلك يقال: كَلِمَة، وكلْمَة، وكِلْمَة. وفخِذٌ، وفَخْذٌ، وفِخْذٌ.
ويقولون: رُجم، يريدون: رُجِمَ.
قال الشاعر:
رُجْمَ به الشيطان من هوائه
стр. 472
والعرب ربما سموا الشيء بفعل غيره وسموا الفاعل بمكان فعله.
قال:
نحن سبقنا الحلبات الأربعا ... الربع والقرح في شوط معا
الشوط: الطلق، الواحدُ، فسمى الخيلَ حلبةً، والحلبةُ: موضعُ الجزاء والاستباق. ويقولون للرجلِ: غُزاة، وهم يغزون، والنساء يغزون، والنساء غُزاة، وهن يغزون ويدعون. وكل جمع للمذكر والمؤنث انضم ما قبلَ مُعتلِّ فِعله، وهي الواو، فهذه قياسه.
قال ابن السُّليماني:
لو أن صدور الأمر يبدون للفتى ... كأعجازه لم تلقه يتندمُ
والعربُ تحملُ كثيراً من النعتِ على أفعلي كأنه نسبة.
قال أبو دؤاد:
ولقد اغتدى يُدافع ركضي ... أجولي [ذو] ميعةٍ إضريجُ
أجولي، أي جوال. وذو ميعةٍ، أي سريع العرقِ، وهو مدحٌ في الفرس وكذلك الهِضَبُّ: هو كثير العرق. قال طرفة:
стр. 473
من يعابيب ذكور وُقح ... وهضباتٍ إذا ابتل العُذُر
وُقَّحٌ: صلابٌ. ويروى: وهضابات. والصلُودُ من الخيلِ: الذي لا يعرقُ، وهو ذم فيهن. والعربُ تقول للرامي إذا أصاب: مرحى، فإذا أخطأ قالوا: أيحي. ويقال أيضاً رمى فأصاب في الأول فإذا ثَنَّى فأصاب قيل أيحي. وقال أمية بن أبي عائذ الهذلي:
يُصيبُ الفريصَ وحقاً يقُو ... لُ مرحى وأيْحى إذا ما يُوالي
والعَرَبُ تقولُ: /١/ ٢٦٤/ للرجل الكذابِ: مِطخْ مِطخْ، أي باطلٌ باطلٌ قولك. والعربُ تقول: اللسانُ والسيفُ هما خليلا الرجل. وتقول في المثل: "الصِّلِّيَانُ خُبزَةُ الإبل" وهو نبتٌ. والعربُ تقولُ: لا رُغْبى لي في هذا الأمر، أي لا رغبة، وعلى الله تُكلاني، أي توكُلي. وهذه واوٌ قُلبت تاء. قال يعقوبُ بن السكيت: "بيوتُ العرب ستة: قبةُ من أدمٍ، ومظلةٌ من شعر، وخباءٌ من صوفٍ، وبجادٌ من وبرٍ، وخيمةٌ من شجرً، وأُقنةً من حجرٍ" وقال غيره: "قُبةٌ من مدرٍ، وبيتٌ من
стр. 474
وبر، وطرافُ من أدمٍ" والنؤيُ: لالحفرُ الذي يحفرُ حول الخيام.
والعربُ تقولُ: هزمتُ عليك، أي عطفتُ عليكَ، وقال:
هزمتُ عليك [اليوم] يا أم مالكٍ ... فجودي علينا بالودادِ وأنعمي
والاهتزامُ: الذبحُ. تقولُ العربُ: اهتزموا شاتكم قبل أن تهزلَ فتهلك، قال الراجز:
إني لأخشى ويحكم أن تُحرموا ... فاهتزموها قبل أن تندموا
والعربُ تُقسمُ ما يقعُ في التفسير على خمسة أقسام فتقول لما يدعو إلى الخير: إلهامٌ، ولما يدعو إلى الشر: وسواسٌ، ولما يدعو بعدُ خيراً: أملٌ، ولما يوقعُ خوفاً: إيجاسٌ، ولما كان خالياً من هذه الأشياء كتوهم: الإنسان قدامٌ، أو حدوث شيء مما لا يضره ولا ينفعه: وهمٌ، وهاجسٌ، وخاطرٌ، وظن.
والعرب تقول في الشيء تقديرا: هذا شَهْرٌ، أي مقدار شهر.
قال الله - تعالى- ﴿رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً﴾
стр. 475
قال ابن عباس: مقدار بُكرة وعشيةً، مقدار البُكرة في الدنيا والعشية، وليس الجنة ليل فكيف فيها غدو وعشي. ومثله قوله تعالى في ذكر الريح ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾، أي مقدار شهر. وقال الأبيرد:
فحياك عنا الليل والصبح إذ غدا ... وهوج من الأرواح غدوتها شهر
مسألة
إن سأل سائلٌ: لأي شيء وحَّدَ السمع في جميع القرآن ١/ ٢٦٥ وجُمع غيره مثل القلوب، والأبصار والأفئدة، والجلود، وشِبْهه؟ فيقال: لأن السمعُ يكونُ بمعنى المصدر في قول الفراء نحو قولك: سمعتُ سمعاً، وفي قول سيبويه، لإحاطته بالأماكن الأربعة، ولأنه لا يحتاج إلى تكلف ولا تحرك، وذلك أن الإنسان يسمعُ ما بين يديه وما خلفه وما عن يمينه، وما عن شماله بغير تكلف لا تحرك. والبصرُ يحتاجُ أن يتحرك يميناً وشمالاً ووراء، إنما يُبصرُ ما بين يديه فقط، فجعلَ كل واحدٍ من هذه التحويلات شيئاً فجُمع لهذا المعنى، ووُجِّدَ السمعُ لما ذكرناه. وقول الله ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾، وهو يريد
стр. 476
أسماعهم. وقال الزجاج: "فيه ثلاثةُ أوجه. منها: أالسمعَ في معنى المصدر فوحد، كما تقولُ: يعجبني حديثُكم وضربكم، فوحد لأنه مصدر. ويجوز أن يكون المعنى: على مواضع سمعهم، وحُذفت المواضعُ ودلَّ السمعُ عليها كما تقول: أصحابك عدلٌ، أي أصحاب ذوو عدلٍ. ويجوز أن يكون لما أضاف السمع إليهم دل على معنى أسماعهم. قال الشاعر:
بها جيفُ الحسرى فأما عظامها ... فبيضٌ وأما جلدها فصليبُ
الحسرى: المُعْيِيَة. والصليبُ: اليابسُ الذي لم يُدبغْ.
والعربُ تقول: حيا الله فَيْهَلَتَك، أي وجهك. والعرب تقول: هذه زوجُ فلانٍ، وفي القرآن ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ و ﴿قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ﴾. وهذه لغةُ أهل الحجاز. وأما أهل العراق فيقولون: زوجة الرجُلِ، وقال:
فإن الذي يمشي يُحرشُ زوجتي ... كماشٍ إلى أُسدِ الشرَى يستبيلُها
стр. 477
ويروى: يستثيرها. فمن قال: زوجة جمع زوجات. وقال:
يا صاح بلغ ذوي الزوجات كلهم ... أن ليس وصلٌ إذا انحلت عُرى الذَّنَبِ
وإنما نزل القرآنُ بلغة أهل الحجاز، وقول العراق جائز ١/ ٢٦٦ والعربُ تصلُ الكافَ في الخطاب، والهاء في الأخبار، والنون والياء التي للنفسِ، فتقول: إنك أنتَ قائمٌ، ومررت بك أنت، وكيف أنتَ، وكذلك إنه هو قائمٌ، ومررت به هو يا هذا، وإني أنا ذاهبٌ، ومررت به أنا.
مسألة
فإن قيلَ: قد نجدُ الكاف والهاء والنون والياء في موضع نصبِ وخفضٍ، فلأي شيء وُصلت بهذه الحروف التي هي رفعٌ؟ فقل: لأن الكاف والهاء والنون والياء ضعافٌ فوُصلت بهذه الأشياء لقوتها وتكون على مذهب التوكيد، والعربُ تزيد في اسم جبريل وميكائيل ياء بعد الهمزة كقول جرير:
عبدوا الصليب وكذبوا بمحمدٍ ... وبجبرئيل وكذبوا ميكالا
وبعض يقول: جبرئلُ وميكال مخفف. وبعضٌ يزيدُ ألفاً أخرى [جبرائيل]. وبعض يقول: جبريلُ - بفتح الجيم وإٍقاط الهمزة، وبعضٌ يقولُ:
стр. 478
جبرئِلُّ وميكألٌّ - بقصر الهمزة وتشديد اللام -. وبعضٌ يقول: وجبرالُّ وميكالُّ يزيد ألفاً أخرى. "وبعض يقول: جبريل - بفتح الجيم وإسقاط الهمزة". ويقالُ: هذا خطأ، وليس في الكلام فَعْليل وهذا اسمٌ أعجمي. وقيل ليعقوب ﵇ إسرائيل لشدته وقُوته وبطشه. ويقال: إن ملكاً دعا له فقال: إسْرا إِل، المعنى شدد الله، أي زِده شدةً بالله فجُمعت الكلمتان كلمة فقالوا: إسرائيل. وهذا كما قالوا: أيشِ يقول؟ المعنى: أي! ُ شيء يقول؟؟ وحكى الكسائي عن العرب: ما شرُّ اللبن للمريض؟ وهذا قيل على ترك الهمز. ومن قال: أشرك قال: ما أشرك! ولم يُحك ما خير اللبن للمريض؟ فلو حُكى هذا لكان على ترك الهمز كما قال: هو خير منك. والعربُ تُخبرُ عما يكونُ بلفظ ما قد كان. قال الله - تعالى ﴿فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثّاً﴾ يعني تكون. و ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ أي سيأتي قريباً. و ﴿فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ يعني نسوقه إليه. وقول إبراهيم ﵇ ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ أي سأسقم و ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ أي سأذهبُ. قال:
стр. 479
وإني لآتيكم لأشكو ما مضى ... من الأمر واستنجاز ما كان في غد
وقال ابن خذَّاق:
قد رجلوني وما رُجلتُ من شعثٍ ... وألبسوني ثياباً غير أخلاق
ورفعوني وقالوا: أيُّما رجُلٍ ... وأدرجوني كأني طي مخراقِ
قال هذه المقالة، وهو حي بَعْدُ، يعني بذلك أنه سيصل إلى هذه الأشياء التي ذكرها لا محالة. وقال آخر:
شاب الغُرابُ وليس قلبك تاركاً ... ذكر الغضوب ولا عتابُك معتبَا
يعني: يشيبُ الغُرابُ. وقال ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً﴾ يعني: ويجازيهم بذلك غداً، وهو كثيرٌ في القرآن والأشعار.
وقد يُحكى عنهم أيضاً يكونُ بمعنى كان. منه قوله ﴿ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ يعني فكان. وإنما جاز هذا، لأن العرب تُسمى الشيء بما يؤولُ إليه
стр. 480
في العادة والعُرف. والغالبُ عندها يجوز إطلاق ما يكون بلفظ ما كان ومضى إذا غلب على ظنها كونه. وهذا أكثر من أن يُحصى عنهم. والعربُ قد تكتفي في الشيء ببعض أوصافه فلا يكونُ في ذلك دليل على أنه ليس فيه غير ذلك، وإنما تفعله اكتفاء بذكر بعض ما فيه لعلمها بما يُراد به كقولهم: فلانٌ يبيع الخز، فلا يكون في ذلك دليل على أنه لا يبيعُ غيرهُ من الثياب، فيقالُ: فلان بائع الخز يبيع كذا، فلا يكونُ في بعضه ما ينقضُ بعضاً لأنهم يعنون:" هذا من بيعه وهذا من بيعه. وأنشد الأصمعي وغيره في صفة رجل:
جلا الطبيب والجمام والبيض كالدمي ... وفرق العذارى رأسه فهو أنزعُ
أراد طول معالجته هذه الأشياء أصلعتْهُ ولم يكن في ذلك دليل على أنه لم يُعالج غيرها ١/ ٢٦٧ من مأكلٍ ومشربٍ وعللٍ وأشباه ذلك. وهذا كثيرٌ يقعُ في كلامهم. والعربُ تقولُ: اذكر المعنى الذي أتيتُك فيه وأتيتُكَه، وأنشد:
يا رُبَّ يومٍ قد تنزاه حوْل ... ألفيتني ذا عينٍ وطول
تنزي: تثب، وأرادَ حولي فحذف الياء. والعينُ: الاعتراض في الأمور. والطولُ: الزيادةُ والفضلُ، أراد تنزي فيه.
وأنشد الفراء:
стр. 481
قد صبحت بصبحها الغلامُ ... بكبدٍ خالطها سنامُ
في ساعة يحبها الطعامُ
أي يحب فيها. والعربُ تجعلُ الصُّفْرَةَ سواداً. قال النابغة:
تلك خيلي منه وتلك ركابي ... هُنَّ صفرٌ أولادُها كالزبيب
وقال آخر:
وصفراء ليس بمصفرةٍ ... ولكن سوداء مثل الحُمم
ويقالُ في الألوان: أصفرُ فاقعٌ، وأحمرُ قانيء، وأخضرُ ناضرٌ وأغبرُ أقتمُ وقاتم، وأسودُ غربيب. والغربيب: الشديد السواد. وحالِكٌ وحلكوك، ومُسْحَنْكِك، وفاحمٌ، وحُلْبُوبٌ، ويحموم، وديجور، وحانك. وقال الشاعر:
بين الرجال تفاوتٌ وتفاضلٌ ... ليس البياضُ كحالك غربيبِ
وأبيض يَقَق وَلَهق. كُل هذا إذا كان شديداً لونه. قال رؤبة:
افترشت أبيض كالثوب اللهق
وقال اللحياني: يقال: في الألوان كلها: ناصع، وخالص، وفاقع ولم يقله
стр. 482
غيره، والأول المعمولُ به. والفُقوعُ لا يوصف به من الألوان إلا الصفرة. قال الفراء: الصفرُ من الإبل: سودها. ألا ترى الأسود من الإبل إلا وهو مُشْرَبٌ صُفْرَة، فلذلك سمت العربُ سود الإبل صُفْرَها كما سموا أبيض الظباء أدماً لما يعلو بياضها من الظلمة. والعربُ يسقطون المضاف من الاسم استغناء بالاسم عنه، وذلك في الأسماء المشهورة فيقولون: إنما السخاء حاتم، وإنما الشعر زهير. يريدون سخاء حاتم وشعر زهير. قال الله ١/ ٢٦٩ ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ فاستغنى بذكر الأول عن الآخر فأسقطه، لأن المعنى معروف. قال النابغة:
وكيف تخاللُ من أصبحت ... خلالته كأبي مرحبِ
أي كخلالةِ أبي مرحب. وكذلك يجعلون الفعل خبراً للاسم إذا كان في محل المصدر. وأنشد الفراء:
لعمرُك ما الفتيانُ أن تنبت اللحى ... ولكنا الفتيانُ كل فتى ندبِ
جعل أنْ [تَنْبُتَ] خبراً للفتيان، لأن المعنى: ما الفتيان بنبات لحاهم. والعربُ تقولُ: رَنَوْتُ، أي طربتُ، كلمة سائرة في أفواههم. والراني: الطربُ، ورنوتُ: نظرتُ. والعربُ قد تنفي الشيء ثُمَّ تثبته بعد. قال
стр. 483
زهير:
قف بالديار التي لم يعفها القدمُ ... بلى وغيرها الأرواح والديمُ
فقال: لم يعفها فنفى ثم قال: بلى، فأثبت ما نفاه وأوجبه. وقال الطرماح:
ألا أيها الليل الطويلُ ألا أصبح ... بصبح وما الأرواح منك بأروح
بلى إن للعينين في الصبح راحة ... بطرحهما طرفيهما كل مطرح
والعرب تنفي الشيء على وجهين: تنفيه لعدمه في نفسه، ولعدم حالةٍ من أحواله وإن كان حاضراً. يقول القائلُ: ليس لي غُلام فيجوز أن [لا] يكون له غلام أصلاً، ويجوز أن يكون [له] غلام ولكن ليس بنافع. وكذلك فلان لا مال له، يجوز أن لا مال له ألاً، ويجوز أن يكون له مال، ولكن ليس بنافع له أو غائب عنه بحالٍ ما.
مسألة
إن سأل سائلٌ عن قول الله حكايةً عن الخضرِ ﵇ في السفينة ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾. فأضاف الإرادة إلى نفسه ثم قال في معنى
стр. 484
الغلام ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا [رَبُّهُمَا] خَيْراً مِنْهُ﴾ فأشرك معه غيره، ثم قال في الجدار ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ﴾ فأضاف الإرادة إلى الله تعالى - وحده عز اسمه. قيل له فيه قولان: أما أهلُ اللغة فقالوا: إن الله - تعالى- أتى باختلاف الألفاظ ١/ ٢٧٠ واتفاق المعاني ليكون ذلك أدل في البلاغة، وأبلغ في الحكاية، فخبر تعالى عن نفسه كما يُخبرُ البلغاءُ عن أنفسهم، لأن البلغاء تأتي باختلاف الألفاظ إذا كانت المعاني متفقة. وأما أهلُ العلمِ بالقرآن فإن معنى أردتُ أنه لما تقدم إليه أن أمامهم ملكاً ﴿يَاخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً﴾ وهذا ما لا يقعُ باجتهاد رأي، قال: أردتُ، لأن تلك كلمة منسوبة إليه فيما فعل، وإن كان قد تقدم إليه فاعلم به. قال في قصة الغُلام ﴿فَأَرَدْنَا﴾ فضم إرادته إلى إرادة غيره، لأن الله جل ذكره - أطلعه على ما في بقاء الغلام من فساد الأبوين، وإن في قتله صلاحاً لهما. قال: فأراد الله تعالى ذلك، وأردت ذلك، لأن في هذه القصة معنى زائداً على المعنى الأول مرحباً لقوله: ﴿فَأَرَدْنَا﴾ فاستوى القول في حقيقة المعنيين. وقال في قصة الجدار ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا﴾. وبلوغُ الأشد بورودِ وقتٍ لم يأتِ بعد، وهو لله وحده، ليس لأحدٍ في ذلك علم، فلذلك قال الله تعالى: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ﴾ فجرى كل قولٍ على الخضر. على ما بدا من قوله. والله تعالى أعلمُ.
مسألة
إن سأل سائلٌ ما وجهُ قول النبي ﷺ للرجُل الذي استشاره بالتزويج
стр. 485
(عليك بذات الدين تربت يداك). ومعنى تربت يداك في اللغة، أي: افتقرت ولصقت بالتراب من شدة الفقر. والنبي ﷺ لا يدعو على أحدٍ من المؤمنين. قيل له في ذلك أجوبة. والمختار منها جوابان: أحدهما أن يكون أراد النبي ﷺ الدعاء الذي لا يُراد به الوقوع كقولهم للرجل إذا مدحوه: قاتله الله ما أشعره! وأخزاه الله ما أعلمه! ولا ١/ ٢٧١ يريدون بذلك ذماً ولا دعاء عليه كقول امرئ القيس:
فقالت سباك الله إنك فاضحي ... ألست ترى السمار والناس من حولي
سباك الله: أبعدَك الله ولعنك. قال بعضٌ: أي سلط الله عليك من يسبيك من بلد إلى بلد. فهذا وإن كان ظاهره دعاء عليه، فقد قال بعض إنها قصدت به دعاء عليه في الحقيقة، وإنما هو على كلامهم. ومثله قوله أيضاً:
فهو لا تنمى رميتُه ... ماله لا عُد من نفره
يقول: إذا عُد نفرُه، أي قومُه لم يُعد منهم كأنه قال: قتله الله أماته الله. وكذلك قولهم: هوت أمه وهبلتْهُ وثكلَتْهُ أمه. قال كعب بن سعد الغنوي:
هوت أمه ما يبعث الصبح غادياً ... وماذا يواري الليلُ حين يؤوبُ
стр. 486
وقال جميل:
رمى الله في عيني بثينة بالقذى ... وفي الغُر من أنيابها بالقوادح
وفي وجهها الصافي المليح بقتمة ... وفي قلبها القاسي بود ممانح
كل هذا لا يريدون به دعاء ولا ذماً ولا إهلاكاً في الحقيقة، ولكنه على وجه المدح والتعجب من الشيء والاستحسان له وعلى كلامهم، وذلك من مذاهبهم. وقيل في قول جميل: (رمى الله في عيني بثينة بالقذى) أراد بعينيها: رقيبيها. يقال للرقيب عين. وأنيابها ساداتُ قومها. يقال للسيد ناب. قال امرؤ القيس:
فلما دخلتُ الخدر خدر عنيزة ... فقالت لك الويلات إنك مرجلي
قال الأصمعي: عنيزة لقب لفاطمة. وفيه قولان: أحدهما أن يكون دعاء منها عليه في الحقيقة. والقولُ الآخر أن يكون دعاء منها له كما تقول العرب للرجل إذا رمى فأجاد: قاتله الله ما أرماه! على ما تقدم من التفسير. قال الشاعر:
لك الويلات أقدمنا عليهم /١/ ٢٧٢ ... وخيرُ الطالب الترة الغشوم
وقالت الكندية ترثي إخوتها:
هوت أمهم ماذا بهم يوم صرعوا ... ببيسان من أنياب مجد تصرما
ويُروى: أسباب مجدٍ. قولها: هوت أمهم، دعاء عليهم في الظاهر، وهو دعاء
стр. 487
لهم في الحقيقة. والجواب الثاني أن هذا الكلام مخرجه من الرسول ﷺ مخرج الشرط وأنه قال ﷺ (عليك بذات الدين تربت يداك) إن لم تفعل ما أمرتك به. وهذا حسن. اختيار ثعلب والمبرد. قال بعضهم أراد بقوله ﵇ تربت يداك ذهب إلى الغنى. وهذا غلط، لو أراد الغني لقال أتربت يداك لأنه يقال: أترب الرجلُ إذا كثر ماله بالألف فهو مترب وترب يترب بلا ألف إذا افتقر. ومثل قوله ﷺ في الرجل، قوله ﷺ لصفية بنت حُيي حين قيل له يوم النفر إنها حائض فقال: (عقري حلقي ما أراها إلا حابستنا)، أي عقرها الله فأصابها بوجع في حلقها. قال أبو عبيد: إنما هو عقراً حلقا. وأصحاب الحديث يقولون: عقري حلقي. وهذا كلام جارٍ على ألسنة العرب، يقولون لا يريدون وقوعه. ومن المعنى الأول في الدعاء قول الله ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾ و ﴿قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ و ﴿قَاتَلَهُمْ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾، وأشباه ذلك. وأما ما هو دعاء منهم حقيقة على الإنسان قولهم: فاهاً لفيك. ومعناه الخيبة لك. وأصله جعل الله لفيك الأرض كما يقال لفيك الحجر وبفيك الأثلبُ. ويقال: الأثلبُ - بالفتح والكسر- والأثلبُ: التراب.
وقال رجلٌ من بَلْهُجَيْم:
стр. 488
فقلت لها فاهاً لفيك فإنه ... قلوص امريء قاريك ما أنت حاذره
قاريك/١/ ٢٧٣ من القرى. ومثله قولهم: "لليدين وللفم". معناه كبه الله ليديه ولفمه. وهذا يُرْوى عن عائشة أنها قالت لرجل أصابته نكبة. ومثلهُ للمنخرين. وهذا يُروى عن عمر أنه قال لرجل أُتي به سكران في شهر رمضان فعاقبه فقال: (للمنخرين للمنخرين. أولداننا صيام وأنت مُفطر)؟! ومعناه كبه الله لمنخريه ومثله جدع الله أنفه وشك سمعه. ومثله: "بجنبه تكون الوجبة" أي الصرعة. ومثله: كلا جانبيك لا لبيك، أي لا تكن التلبية أو السلامة. والعرب تقول:
بفيه البرى وُحمى نيرا ... وشر ما برى البري التراب
ومنه جدع الله مسامعه. ومعناه: قطع الأذنين. فأما قولهم "أسكت الله مسامعه" فإنه الصمم. ويقال: شك الله سمعه وشك سمعه. مثله: "به لا بظبي". أي جعل الله ما أصابه لازماً له. ومنه قول الفرزدق:
أقول له لما أتاني نعيه ... به لا بظبي بالصريمة أعفرا
ومنه قولهم: لا لعاً لفلان، أي لا أقامه الله، ويقال للناقة إذا دعوت لها بالنهوض
стр. 489
والارتفاع لَعَا. قال الأعشى:
بذات لوث عفرتاة إذا عثرت ... فالتعس أدنى لها من أن أقول لعا
وقال الأخطل:
....................... ... (ولا لعا لبني شيبان إن عثروا)
عن الخليل: قال أعرابي لآخر: دعاك الله، أي عذبك الله. وقال ثعلب: معنى دعاك الله، أماتك الله. وقال المبرد في قوله تعالى: ﴿تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى﴾ أي تُعَذِّب. وقال ثعلب تدعو بأسمائهم واحداً واحداً. وقولهم: شَلَّت يده، أي ذهبت. والشلل ذهابُ اليد. ويقال: شَلَّت، وأشَلَّت، ولا يقال شُلَّت. قال:
رأيتُ رجالاً يضربون نساءهم ... فشلت يميني يوم أضرب زينبا
قال:
وما ساءني إلا كتاب كتبته ... فليت يميني قبل ذلك شلتِ
стр. 490
وقال كثُير:
شلت يدا فاريةٍ فرتها ... وعميت عينُ التي رأتها
وأما ما هو دعاء للإنسان منهم حقيقة قولهم: نسأه الله، أي أخر الله أجله وأطال عمره. ومنه: بَلَغ الله بك أكلاً العمر، أي أقصاه. ومنه نِعْم عَوْفُك. وتأويلُه ١/ ٢٧٤ نِعْمَ بالُك وشأنُك ونحوه. ويقال: تركتهم على عوفٍ جميلة أي حال جميلة. وقال بعضُ: العوف: الفرج. وأنكر ذلك أبو عمرو. وقال الخليل: العوف الفرج. والعوف أيضاً: نبتٌ طيبُ الريح. والعوف من أسماء الأسد. والعوف: الضيف. ومنه قولهم للقادم من سفرٍ خير مارد في أهل ومال، أي جعل ما جئت به خير ما رجع به الغائب. ومنه دعاؤهم في النكاح: على يدي الخير واليمن. ومنه قولهم: بالرفاء والبنين. وفي غريب الحديث أن نبي الله ﷺ نهى أن يُقال ذلك. قال أبو عبيد قال الأصمعي: الرفاء يكونُ في معنيين، يكون من الاتفاق وحسن الاجتماع. قال: ومنه أُخذَ رَفْو الثوب لأنه يُرْفأ فيُضَمُّ بعضُه إلى بعض ويُلام منه. ويكون الرفاء من الهدوء والسكون. وأنشد لأبي خراش الهذلي:
رفوني وقالوا يا خويلد لا تُرع ... فقلتُ وأنكرتُ الوجوه همُ همُ
يقول: سكنوني. وقال أبو زيد: الرفاء الموافقة وهي المرافأة مهموزة.
стр. 491
وأنشد:
ولما أن رأيت أبا رُويم ... يرافين ويكره أن يُلاما
ومنه قولهم: لا يقطط الله فاك، أي يكسر الله فاك. وقال:
يا بنت لا يقطط الرحمن فاك فقد ... أضمرت في القلب والأحشاء نيراناً
وقولهم: هُنئتَ بالخير ١/ ٢٧٥ ولا تُنْكه أي أصبت خيراً ولا يعيبك الضُر.
فصل
العرب تنسب كل خير إلى اليمين، وكل شر إلى الشمال. قال الله ﴿أَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (٢٧) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (٤١) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ﴾ الآية. ومثله: ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ هم أصحاب الجنة وهم الذي يُعطون كتبهم بأيمانهم ﴿وَأَصْحَابُ الْمَشْئَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْئَمَةِ﴾ هم أهل النار وهم الذين يُعطون كتبهم بشمالهم. وقال:
يا ليت شعري إذا الرحمن أبرزني ... إلى الحساب الذي قلبي له يجفُ
هل آخذن كتابي باليمين غداً ... أم بالشمال التي في أخذها اللخف
стр. 492
وسئل ابن عرفة عن قول جرير:
وقائلة والدمعُ يحدرُ كُحلها ... أبعدَ جرير تكرمون المواليا
وباسط خير فيكم بيمينه ... وقابض شر فيكم بشماليا
فقال: سمعت ثعلباً يقول: ينسبُ كل خيرٍ إلى اليمين وكل شر إلى الشمال. يقول الرجل من العرب لمخاطبه: اجعلني في يمينك، ولا تجعلني في شمالك أي: اجعلني من أهل التقدم ولا تلحقني تقصيراً ولا تأخيراً. فاليمين في قوله كناية عن التقدم، والشمال كناية عن التأخر. قال ابن الدمينة:
أبيني أفي يُمنى يديك جعلتني ... فأفرح أم صيرتني في شمالك
أراد التقدم والتأخر ١/ ٢٧٦ والعربُ تُتْبعُ اللفظة اللفظة، وإن كانت غير موافقة لها في المعنى. من ذلك قراءة أكثر الأئمة ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ فخفضوا الأرجل على النسق على الرؤوس، وهي خلافُها في المعنى، لأن الرؤوس تُمسحُ، والأرجُل تُغسلُ. قال الحطيئة:
إذا ما الغانيات برزن يوماً ... وزججن الحواجب والعيونا
فنسق العيون على الحواجب، والعيون لا تزجج إنما تكحلُ. وهذا كثيرٌ في كلام
стр. 493
كلام العرب. والعَرَبُ تقول: ألم تر إني ما فَعَل فلان. أي: اعلَمْهُ. قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَى كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾. أي تَعْلَم من رؤية القلب. ذكرت هذا في باب الرؤية في الراء من هذا الكتاب. وقال الفرزدق:
ألم تر أني يوم جو سويقةٍ ... بكيتُ فنادتني هنيدة مالكا
أي اعلم ذلك مني ولم يره صاحبه فعل شيئاً.
وقال آخر:
ألم ترني أبصرتُ ظبياً وظبيةً ... لدى روضةٍ خضراء يرتعيان
وما رأى صاحبه ذلك، ولو كان رآه ما احتاج إلى أن يخبره. والعربُ تقول للرجل يسيء في فعله: والله لأعرفن لك ذلك، أي لأحفظه لك.
قال:
ليعرفن لكم مثلاً بودكم ... عيباً وأجلابكم فيمن يعادينا
وقال الطفيل:
وللخيل أيام فمن يصطبر لها ... ويعرفْ لها أيامها الخير تعقب
أي يحفظ لها أيامها ويُحسن إليها. وتعقبُ ثابتة الخير بآنية. وبهذا قريء قول
стр. 494
الله ﴿فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾ بالتخفيف قرأها ١/ ٢٧٧ الكسائي وأبو عبد الرحمن السلمي وقتادة مخففة يريدون غضب منه وجازى عليه. ولعمري لقد جازى حفصة بطلاقها. قال المفضل: وهو وجهٌ حسن. والعربُ كلها تُخفف الميم. ومثلها في حال الرفع مثل ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا﴾ أنمنحكموها ويثبتون في حال النصب ما كنت لألزمكموها وما كنت لأمنحكموها والعربُ تكتفي في المدح والذم. بأفعل في كلامها لتعلمهم بالمعنى فيقولون الصلاة والصومُ أفضلُ من سائر الأعمال، وعبد الله أسخى من غيره. وقال الفرزدق:
إن الذي سمك السماء بنى لا ... بيتاً دعائمه أعز وأطول
أي من بيوتكم فاكتفى عنه للعلم به. والعربُ تقول: إذن أضربك بالنصب، فإذا قالوا: أنا إذن أضربكُ رفعوا الفعلَ أولى بالاسم من إذن كأنهم قالوا: أنا أضربُك إذن. قال الفراء: وقد نصبت العرب بإذن وهي بين الاسم وخبره في إنَّ وخبرها فقالوا: أني إذن أضرِبَك. وأنشد:
لا تتكرني بينهم شطيرا ... إني إذن أهلك أو أطيرا
стр. 495
يُقال: طار من كذا، إذا استخف، وطار من الحزن أي جُنَّ، والعربُ تقول: عندي دابتان أركبهما وأستقي عليهما الماء، وإنما يَرْكَبُ واحدةُ منهما ويستقي على الأخرى، وذلك لاجتماعهما. قال الله ﴿وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ وإنما يستخرج من الماء المِلْح دون العذب فجاز ذلك لاجتماعهما. واللفظ بالألف يكون استفهاماً والمعنى خبر، وإنما تكلمت به العربُ في خمسة أحرُف في سواء، وفي لأنظرن أقام عبد الله أم زيد؟ ولأعلمنَّ ١/ ٢٧٨ عمرو ذاهبٌ أم محمد؟ وما أبالي افتقرت أم استغنيت؟ وليت أزيدٌ قام أم عمرو؟ وأنشد الفراء:
سواء إذا ما أصلح الله أمركم ... علينا أدس مالكم أم أضارم
وأنشد:
سواء عليك العقر أم أنت نازلاً ... بأهل البيوت من سليم وعامر
وقال حسان:
ما أبالي أنب بالحزن تيسٌ ... أم لحاني يظهر غيبٍ لئيم
وقال زُهير:
وما أدري وسوف إخال أدري ... أقوم آلُ حصن أم نساءُ
следующие страницы →