Полный текст (6 113 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.
стр. 1086
﴿طَائِرُهُمْ﴾
(١٣١) - فَإذَا جَاءَهُمْ الخِصْبُ وَالرِّزْقُ الوَفِيرُ (الحَسَنَةُ) قَالُوا: إنَّنَا نَسْتَحِقُّ ذلِكَ لِمَا لَنَا مِنَ الفَضْلِ وَالامْتِيَازِ عَلَى النَّاسِ، وَإِذَا أَصَابَتْهُمْ سَنَةُ جَدْبٍ وَقَحْطٍ تَشَاءَمُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ (تَطَيَّرُوا) ، وَقَالُوا: هذا بِسَبَبِهِمْ، وَبِسَبَبِ مَا جَاؤُوا بِهِ.
وَيَرُدُّ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ قَائِلاً: إِنَّ عِلْمَ شُؤْمِهِمْ عِنْدَ اللهِ، وَإِنَّ مَا يَتَشَاءَمُونَ مِنْهُ وَيَتَطَيَّرُونَ بِهِ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَقَدْ نَزَلَ بِهِمْ بِسَبَبِ أَعْمَالِهِم القَبِيحَةِ، وَلَيسَ مِنْ عِنْدِ أَحدٍ مِنَ المَخْلُوقَاتِ، وَلاَ بِسَبَبِهِ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ حِكْمَةَ تَصَرُّفِ الخَالِقِ فِي هَذا الكَوْنِ، وَلاَ أَسْبَابَ الخَيْرِ وَالشَّرِّ.
يَطَّيَّرُوا - يَتَشَاءَمُوا.
طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللهِ - شُؤْمُهُمْ وَعِقَابُهُمُ المَوْعُودُ في الآخِرَةِ.
стр. 1087
﴿آيَةٍ﴾
(١٣٢) - وَقَالَ هَؤُلاَءِ لِمُوسَى: إِنَّهُمْ لَنْ يُؤْمِنُوا بِهِ مَهَمَا أَتَاهُمْ بِهِ مِنْ آيَاتٍ وَحِجَجٍ وَبَرَاهِينَ، يُدَلِّلُ بِهَا عَلَى صِدْقِ مَا جَاءَهُمْ بِهِ، وَفِي ظَنِّهِمْ أَنَّ مَا يَأْتِيهِمْ بِهِ إِنَّمَا هُوَ مِنْ قَبِيلِ السِّحْرِ.
стр. 1088
﴿آيَاتٍ﴾ ﴿مّفَصَّلاَتٍ﴾
(١٣٣) - فَعَاقَبَهُمُ اللهُ تَعَالَى عَلَى جَرَائِمِهِمْ بِأَنْ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ الفَيَضَانَاتِ النَّاجِمَةَ عَنِ الأَمْطَارِ الغَزِيرَةِ (الطُّوفَانَ) ، وَأَرْسَلَ القُمَّلَ (وَهُوَ السُّوسُ الذِي يَأْكُلُ الحُبُوبَ) ، وَابْتَلاَهُمْ بِالضَّفَادِعِ التِي أََخَذَتْ تَمْلأُ بُيُوتَهُمْ وَتُزْعِجُهُمْ، ثُمَّ ابْتَلاَهُمْ بِالدَّمِ، فَخَالَطَ طَعَامَهُمْ وَشَرَابَهُمْ (وَقَِيلَ إِنَّهُ سَلَّطَ عَلَيْهِمُ النَّزِيفَ الدَّمُوِيَّ الذِي يَنْجُمُ عَنْ أَمْرَاضٍ كَثِيرَةٍ ابْتُلُوا بِهَا) .
وَكَانَتْ تِلْكَ كُلُّهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ عَلَى صِدْقِ رِسَالَةِ مُوسَى ﵇، إِذْ كَانَ تَوَعَّدَهُمْ بِوُقُوعِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا عَلَى وَجْهِ التَّفْصِيلِ، وَقَبْلَ وُقُوعِها، لِتَكُونَ دَلاَلَةً عَلَى صِدْقِهِ لاَ تَحْتَمِلُ تَأْويلاً، فَاسْتَكْبَرُوا عَنِ الإِيمَانِ بِهَا لِعُتُّوِّهِمْ وَرُسُوخِهِمْ فِي الإِجْرَامِ، وَإِنْ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ صِدْقَ رِسَالَتِهِ، وَصِحَّةَ قَوْلِهِ.
الطُّوفَانُ - المَاءُ الكَثِيرُ.
стр. 1089
﴿ياموسى﴾ ﴿لَئِن﴾ ﴿اإِسْرَآئِيلَ﴾
(١٣٤) -وَفِي كُلِّ مَرَّةٍ كَانَ يَنْزِلُ بِهِمْ مَا يُوْذِرُهُمْ بِهِ مُوسَى مِنَ العَذَابِ، كَانُوا يَأْتُونَ إِلَيهِ يَسْأَلُونَهُ أَنْ يَدْعُوا اللهَ رَبَّهُ لِيُنْقِذَهُمْ مِنَّا نَزَلَ بِهِمْ، وَأنْ يَكْشِفَ عَنْهُمْ ذلِكَ البَلاءَ، وَيَتَعَهَّدُونَ لَهُ بِأَنْ يُؤْمِنُوا لهُ، وَبِأَنْ يَسْمَحُوا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ بِالخُرُوجِ مَعَهُ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ. وَكَانَ مُوسَى يَدْعُو اللهَ رَبَّهُ يَسْأَلُهُ كَشْفَ البَلاءِ فَيَكْشِفُهُ، فَلاَ يَلْبَثُونَ أَنْ يَعُودُوا إِلَى كُفْرِهِمْ وَعِنادِهِمْ، وَيُصِرُّونَ عَلَى عَدَمِ السَّماحِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ بِالخُرُوجِ مِنْ مِصْرَ، فَيَعُودُ اللهُ تَعَالَى إِلَى ابتلائِهِمْ بِبَلاءٍ آخَرَ يُرْهِقُهُمْ، فَيَعُودُونَ إِلَى رَجَاءِ مُوسَى.
стр. 1090
﴿بَالِغُوهُ﴾
(١٣٥) - فَإِذَا كَشَفَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمُ البَلاَءِ بِدُعَاءِ مُوسَى، عَادُوا إلى مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ، وَنَكَثُوا بِوَعْدِهِمْ لَهُ.
الرِّجْزَ - العَذَابَ
стр. 1091
﴿فَأَغْرَقْنَاهُمْ﴾ ﴿بِآيَاتِنَا﴾ ﴿غَافِلِينَ﴾
(١٣٦) - بَعْدَ أَنِ ابْتَلاَهُمُ اللهُ بِالآيَاتِ الوَاحِدَةِ بَعْدَ الأُخْرَى، وَبَعْدَ أَنْ نَكَثُوا بِوُعُودِهِمْ المَرَّةَ تِلْوَ المَرَّةِ، انْتَقَمَ اللهُ مِنْهُمْ بِأَنْ أَغْرَقَهُمْ فِي البَحْرِ (اليَمِّ) الذِي فَرَقَهُ مُوسَى بِضَرْبَةٍ مِنْ عَصَاهُ، فَتَجَاوَزَهُ هُوَ وَبَنُو إِسْرَائِيلَ إلى الطَّرْفِ الآخَرِ مِنْهُ، ثُمَّ وَرَدَهُ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ، فَلَمَّا أَصْبَحُوا جَمِيعُهُم دَاخِلَهُ، أَطْبَقَ عَلَيْهِم المَوْجُ فَغَرِقُوا جَمِيعاً. وَقَدْ فَعَلَ اللهُ بِهِمْ ذَلِكَ لأنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللهِ، وَتَغَافَلُوا عَنْها.
стр. 1092
﴿مَشَارِقَ﴾ ﴿وَمَغَارِبَهَا﴾ ﴿بَارَكْنَا﴾ ﴿اإِسْرَآئِيلَ﴾ ﴿كَلِمَةُ﴾
(١٣٧) - فَأَوْرَثَ اللهُ تَعَالَى بَنِي إِسْرَائِيلَ (وَهُمْ الذِينَ كَانُوا مُسْتَضْعَفِينَ، يَتَحَكَّمُ فِيهِمْ فِرْعَوْنُ بِجَوْرِهِ وَطُغْيَانِهِ) مَشَارِقَ الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ وَمَغارِبِهَا، وَهِيَ فِلَسْطِينُ، التِي بَارَكَ اللهُ فِيهَا بِالخَصْبِ وَالخَيْرِ الكَثِيرِ. وَهَكَذا نَفَذَتْ كَلِمَة اللهِ الحُسْنَى تَامةً، وَجَازَاهُمْ عَلَى صَبْرِهِمْ، وَدَمَّرَ المَبَانِي، وَخَرَّبَ المَزَارِعَ التِي كَانَ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ قَدْ أَقَامُوهَا، وَاسْتَصْلَحُوها وَعَرَشُوهَا.
стр. 1093
﴿جَاوَزْنَا﴾ ﴿اإِسْرَآئِيلَ﴾ ﴿ياموسى﴾ ﴿آلِهَةٌ﴾
(١٣٨) - وَبَعْدَ أَنْ جَاوَزَ مُوسَى بِقَوْمِهِ البَحْرَ، بِعَوْنِ اللهِ وَتَأَيِيدِهِ مَرُّوا أَثْنَاءَ سَيْرِهِمْ بِقَوْمٍ يَعْبُدُونَ أَصْنَاماً (وَقِيلَ إِنَّها كَانَتْ عَلَى صُورَةِ البَقَرِ) ، فَرَاقَتْ عِبَادَةُ الأَصْنَامِ لِلْجَهَلَةِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَقَالُوا لِمُوسَى: اصْنَعْ لَنَا آلهةً مِثْلَ آلِهَتِهِمْ. فَقَالَ لَهُمْ مُوسَى: إِنَّهُمْ قَوْمٌ يَجْهَلُونَ عَظَمَةَ اللهِ وَجَلاَلَهُ، وَمَا يَجِب لِذَاتِهِ الكَرِيمَةِ مِنَ التَّنْزِيهِ عَنِ الشَّرِيكَ وَعَنِ المُمَاثِلِ.
стр. 1094
﴿وَبَاطِلٌ﴾
(١٣٩) - وَقَالَ لَهُمْ مُوسَى: إِنَّ هَؤُلاَءِ الذِينَ يَعْبُدُونَ الأَصْنَامَ مَقْضِيٌّ عَلَى مَا هُمْ فِيهِ بِالتَّبَابِ بِمَا سَيَظْهَرُ مِنْ التّوحِيدِ الحَقِّ فِي هذِهِ الدَّيَارِ، وَزَائِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَهُ مِنْ عِبَادَةِ غَيْرِ اللهِ (مُتَبَّرٌ) .
стр. 1095
﴿العالمين﴾
(١٤٠) - قَالَ لَهُمْ مُوسَى: إِنَّ الله أَكْرَمَكُمْ وَأَنْعَمَ عَلَيْكُمْ، وَفَضَّلَكُمْ عَلَى العَالَمِينَ، وَأَرَاكُمُ المُعْجِزَاتِ الكَثِيرَةَ، فَكَيْفَ تُرِيدُونَنِي أَنْ أَبْحَثَ لَكُمْ عَنْ إِلهٍ غَيْرِهِ؟ وَهُوَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ؟ إِنَّ هذا لا يُمكِنُ أَنْ يَكُونَ أَبَداً.
стр. 1096
﴿أَنْجَيْنَاكُمْ﴾ ﴿آلِ﴾
(١٤١) - وَاذْكُرُوا، يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ، إِذْ أَنْجَاكُمُ اللهُ تَعَالَى، - بِإِرْسَالِ مُوسَى إِلَيْكُمْ، وَبِمَا أَيَّدَهُ رَبُّهُ بِهِ مْنَ الآيَاتِ - مِنْ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ الذِينَ كَانُوا يُرْهِقُونَكُمْ بِالعَذَابِ، وَسُوءِ المُعَامَلَةِ، فَيَقْتُلُونَ الذُّكُورَ مِنْ أَبْنَائِكُمْ، وَيَسْتَبْقُونَ الإِنَاثَ زِيَادَةً فِي التَّنْكِيلِ وَالإِذْلاَلِ، وَذلِكَ بلاءٌ عَطِيمٌ، ابتَلاَكُمْ بِهِ اللهُ.
стр. 1097
﴿وَوَاعَدْنَا﴾ ﴿ثَلاَثِينَ﴾ ﴿وَأَتْمَمْنَاهَا﴾ ﴿مِيقَاتُ﴾ ﴿هَارُونَ﴾
(١٤٢) - يَمْتَنُّ اللهُ تَعَالَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا هَدَاهُمْ إِلَيْهِ، إِذْ كَلَّمَ مُوسَى، وَنَزَلَ عَلَيْهِ التَّوْرَاةَ، وَفِيهَا أَحْكَامُهُمْ، وَتَفَاصِيلُ شَرْعِهِمْ، فَذَكَرَ أَنَّهُ وَاعدَ مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً فَصَامَهَا وَطَوَاهَا، فَلَمَّا تَمَّ المِيقَاتُ، أَمَرَهُ اللهُ بِأَنْ يُكْمِلَ الصِّيَامَ بِزِيَادَةِ عَشْرِ لَيَالٍ أُخَرَ فَصَامَهَا. وَلَمَّا أَرَادَ مُوسَى الذَّهَابَ إلى مِيقَاتِ رَبِّهِ، اسْتَخْلَفَ أَخَاهُ هَارُونَ مَكَانَهُ لِيَتَوَلَّى رِئَاسَةَ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِالإِصْلاَحِ وَعَملِ الخَيْرِ، وَبِعَدَمِ اتِّبَاعِ طَرِيقِ المُفْسِدِينَ.
стр. 1098
﴿لِمِيقَاتِنَا﴾ ﴿تَرَانِي﴾ ﴿سُبْحَانَكَ﴾
(١٤٣) - فَلَمّا جَاءَ مُوسَى لِلْمَوعِدِ (المِيقَاتِ) الذِي وَقَّتَهُ اللهُ لَهُ لِلْكَلاَمِ مَعَهُ، وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، اسْتَشْرَفَتْ نَفْسُ مُوسَى أَنْ يَجْتَمِعَ لَهُ فَضِيلَتَا الكَلامِ، وَرُؤْيَةِ اللهِ . فَقَالَ رَبِّ مَكِنِّي مِنْ رُؤْيَتِكَ. فَقَالَ الرَّبُّ سُبْحَانَهُ: إِنَّ ذلِكَ لاَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ، وَانْظُرْ إلى الجَبَلِ، فَسَأَتَجَلَّى لَهُ وَأَطْهَرُ، فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ، وَلَمْ يَنْدَكَّ وَيَتَهَدَّمْ، فَيُمْكِنُكَ أَنْ تَرانِي. فَلَمَّا تَجَلَّى اللهُ تَعَالَى لِلْجَبَلِ سَوّاهُ بِالأَرْضِ وَأَصْبَحَ تُراباً _جَعَلَهُ دَكّاً) ، وَوَقَعَ مُوسَى مَغْشِياً عَليهِ مِنْ هَوْلِ مَا رَأى، فَلَمَّا أَفَاقَ اسْتَغْفَرَ رَبَّهُ، وَأَعْلَنَ تَوْبَتَهُ مِمَّا كَانَ مِنْهُ مِنْ سُؤالٍ، وَسَبّحَ بِحَمْدِ رَبِّهِ وَنَزَّهَهُ عَمَّا لاَ يَلِيقُ بِجَلاَلِهِ، وَقَالَ: إِنَّهُ أَوّلُ المُؤْمِنينَ، فِي زَمَانِهِ، بِاللهِ وَجَلاَلِهِ وَعَظَمَتِهِ.
стр. 1099
﴿ياموسى﴾ ﴿بِرِسَالاَتِي﴾ ﴿وَبِكَلاَمِي﴾ ﴿آتَيْتُكَ﴾ ﴿الشاكرين﴾
(١٤٤) - فَخَاطَبَ اللهُ تَعَالَى مُوسَى، ﵇، وَقَالَ لَهُ: إنّي اخْتَرْتُكَ وَاصْطَفَيْتُكَ مِنْ بَيْنِ أَهْلِ زَمَانِكَ بِأَنْ كَلَّمْتُكَ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، وَلَمْ أُوحِ إِليكَ وَحْياً بِواسِطَةِ مَلَكٍ، وَبِأَنْ جَعَلْتُكَ مُرْسلاً، فَتَمَسَّكْ بِالتَّوراةِ التِي آتَيْتُكَ إِيّاهَا، وَاعْمَلَ بِمَا جَاءَ فِيها مِنَ الأَحْكَامِ وَالشَّرَائِعِ، وَاشْكُرْ نِعْمَتِي، عَلَيكَ وَعَلَى قَوْمِكَ، بِإِقَامَةِ التَّوراةِ وَالأَحْكَامِ، بِقُوّةٍ وَعَزْمٍ، وَبِالعَمَلِ بِهَا.
стр. 1100
﴿سَأُوْرِيكُمْ﴾ ﴿الفاسقين﴾
(١٤٥) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُ أَعْطَى مُوسَى أَلْوَاحاً كَتَبَ فِيهَا أَنْوَاعُ الهِدَايَةِ وَالمَواعِظِ، وَأَحْكَاماً مُفَصَّلةً تُبَيِّنُ الحَلالَ وَالحَرَامَ (وَقِيلَ: إِنَّ هَذِهِ الأَلْوَاحَ كَانَتْ تَشْتَمِلُ عَلَى التَّوْرَاةِ) وَأَمَرَهُ اللهُ بِأَنْ يَأْخُذَ بِهَا بِعَزْمٍ عَلَى الطَّاعَةِ، وَأَنْ يَأْمُرَ قَوْمَهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِأَنْ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِ مَا فِيهَا: كَالإِخْلاَصِ فِي العِبَادَةِ، وَبِالعَفْوِ بَدَلَ القِصَاصِ. أمَّا الفَاسِقُونَ الذِينَ يُخَالِفُونَ أَمْرَ اللهِ، وَيَخْرُجُونَ عَنْ طَاعَتِهِ، فَإِنَّهُمْ سَيَصِيرُونَ إلَى الهَلاَكِ، وَالدَّمَارِ، وَسَيَرَى اللهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فِي أَسْفَارِهِمْ، دِيَارَ الأُمَمِ الفَاسِقَةِ السَّالِفَةِ، وَمَا صَارَتْ إِلَيهِ مِنْ خَرابٍ، لِيَعْتَبِرُوا بِمَا أَصَابَ غَيْرَهُمْ.
стр. 1101
﴿آيَاتِي﴾ ﴿آيَةٍ﴾ ﴿بِآيَاتِنَا﴾ ﴿غَافِلِينَ﴾
(١٤٦) - سَأَصْرِفُ عَنِ الهِدَايَةِ قُلُوبَ الذِينَ يَتَكَبَّرُونَ عَنْ طَاعَتِي، وَيَتَكَبَّرُونَ عَلَى النَّاسِ بِغَيرِ الحَقِّ، وَإِذا رَأَوْا آيَاتِ اللهِ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَا، وَإِذَا رَأَوا طَرِيقَ الخَيْرِ تَنَكَّبُوا عَنْهُ، وَلَمْ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاَ، وَإِذَا رَأَوْ سَبِيلَ الضَّلاَلِ اتَّبَعُوهُ، وَقَدْ جَازَاهُمُ اللهُ تَعَالَى هَذا الجَزَاءَ لأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللهِ، وَاغَفَلُوا عَنْهَا، فَأَضَلَُّهُمُ اللهُ، وَلَمْ يَهْدِهِمْ. فَكَمَا اسْتَكْبَرُوا بِغَيرِ الحَقِّ فَإِنَّ اللهَ عَاقَبَهُمْ بِالإِذْلاَلِ وَبِالخَتْمِ عَلَى قُلُوبِهِمْ، وَبِإلْقَاءِ الغِشَاوَةِ عَلَى أَعْيُنِهِمْ حَتَّى لاَ يَجِدَ الحَقُّ مَنْفَذاً لِلْوُصُولِ إِلَيْهَا.
стр. 1102
﴿بِآيَاتِنَا﴾ ﴿الآخرة﴾ ﴿أَعْمَالُهُمْ﴾
(١٤٧) - وَالذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللهِ، وَكُتُبِهِ، المُنَزَّلَةِ بِالحَقِّ وَالهُدَى، عَلَى رُسُلِهِ، فَلَمْ يُؤْمِنُوا بِهَا، وَلَمْ يَهْتَدُوا، وَكَذَّبُوا بِمَا يَكُونُ فِي الآخِرَةِ مِنَ الجَزَاءِ عَلَى الأَعْمَالِ: مِنْ ثَوَابٍ عَلَى الخَيْرِ، وَعِقَابٍ عَلَى الشَّرِّ. . فَإِنَّ أَعْمَالَهُمْ تَهْلَكُ وَتَتَلاَشَى وَتَذْهَبُ سُدًى (تَحْبَطُ) ، لأَنَّهُمْ عَمِلُوا لِغَيْرِ اللهِ، وَأَتْعَبُوا أَنْفُسَهُمْ فِي غَيْرِ مَا يُرْضِي اللهَ، فَتَصِيرُ أَعْمَالُهُمْ وَبَالاً عَلَيْهِمْ، وَلاَ يُجْزَوْنَ إلاَّ عَلَى الأَعْمَالِ التِي قَامُوا بِهَا مِنَ الكُفْرِ وَالمَعَاصِي، وَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ اللهِ بِأَنْ جَعَلَ الجَزَاءَ فِي الآخِرَةِ أَثَراً لِلْعَمَلِ فِي الدُّنْيا، وَلاَ يَظْلِمُ اللهُ تَعَالَى أَحَداً مِنْ خَلْقِهِ أَبَداً.
стр. 1103
﴿ظَالِمِينَ﴾
(١٤٨) - وَبَعْدَ أَنْ تَوَجَّهَ مُوسَى لِمِيقَاتِ رَبِّهِ، فَتَنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ رَجُلٌ سَامِريٌّ، خَرَجَ مَعَهُمْ مِنْ مِصْرَ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَكَانَ قَوْمُهُ يَعْبُدُونَ البَقَرَ، فَزَيَّنَ السَّامِرِيُّ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ عِبَادَةَ العِجْلِ، فَصَنَعَ لَهُمْ تِمْثَالاً عَلَى صُورَةِ عِجْلٍ مِنَ الحُلِيِّ التِي أَخْرَجُوهَا مَعَهُمْ مِنْ مِصْرَ (وَهِيَ حُلِيٌّ كَانُوا اسْتَعَارُوهَا مِنَ القِبْطِ وَهَرَبُوا بِهَا) ، وَكَانَ هذَا التِّمْثَالُ إِذَا هَبّتِ الرِّيحُ دَخَلَتْ فِي جَوْفِهِ وَصَدَرَ عَنْ مُرُورِهَا صَوْتٌ كَخُوارِ البَقَرِ، فَافْتَتَنَ بَنُوا إِسْرَائِيلَ بِهذا العِجْلِ، وَعَكَفُوا عَلَى عِبَادَتِهِ وَالطَّوافِ بِهِ.
وَيُوَبِّخُهُمُ اللهُ تَعَالَى عَلَى اتِّخَاذِهِمُ العِجْلَ رَبّاً، وَيَسْتَسْخِفُ تَصَرُّفَاتِهِمْ هذِهِ، لأَنَّهُمْ اتَّخَذُوا إِلهاً لَهُمْ عِجْلاً لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يُرِشِدُهُمْ إلى جَنَّةٍ، وَلاَ يَمْلِكُ لَهُمْ نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً، وَتَرَكُوا عِبَادَةِ اللهِ، خَالِقِ السَّماواتِ والأَرضِ، الذي أَنْجَاهُمْ مِنْ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ، وَقَدْ فَعَلُوا ذلِكَ وَهُمْ ظَالِمُونَ لأَنْفُسِهِمْ.
стр. 1104
﴿لَئِن﴾ ﴿الخاسرين﴾
(١٤٩) - ثُمَّ نَدِمُوا عَلَى مَا فَعَلُوا (سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ) ، وَعَرَفُوا أَنَّهُمْ ضَلُّوا عن الهُدَى، فَقَالُوا مُنِيبِينَ إِلى اللهِ: إِنَّهُمْ إِذا لَمْ يَرْحَمْهُمْ رَبُّهُمْ، وَيَغْفِرْ لَهُمْ مَا ارْتَكَبُوهُ مِنْ ظُلْمٍ، بِاتِّخَاذِهِم العِجْلَ رَبّاً، ليَكُونُنَّ مِنَ الهَالِكِينَ.
стр. 1105
﴿غَضْبَانَ﴾ ﴿الظالمين﴾
(١٥٠) - أَعْلَمَ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ ﵇، بِمَا فَعَلَهُ قَوْمُهُ مِنْ عِبَادَتِهِم العِجْلَ بَعْدَ ذَهَابِهِ، فَرَجَعَ إِلَيْهِمْ غَضْبَانَ حَزيناً، وَقَالَ لَهُمْ بِئْسَ مَا فَعَلْتُمُوهُ فِي غَيْبَتِي بَعْدَ ذَهَابِي عَنْكُمْ إلى مُنَاجَاةِ رَبِّي، وَقَدْ كُنْتُ عَلَّمْتُكُمُ التَّوْحِيدَ، وَكَفَفْتُكُمْ عَنِ الشِّرْكِ، وَكَانَ مِنْ وَاجِبِكُمْ أَنْ تَقْتَفُوا أَثَرِي، وَتَسِيرُوا بِسيرَتي، فَفَعَلْتُمْ غَيْرَ ذلِكَ، وَاتَّخَذْتُمْ صَنَماً، وَعَبَدَهُ بَعْضُكُمْ، وَلَمْ يَرْدَعْكُمُ الآخَرُونَ عَنْ ذلِكَ. فَهَلْ اسْتَعْجَلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ، وَهُوَ انْتِظَارُ عَوْدَتِي وَأَنْتُمْ حَافِظُونَ لِعَهْدِي وَمَا وَصَّيْتُكُمْ بِهِ؟ فَبَنَيْتُمُ الأَمْرَ عَلَى أَنَّ المِيعَادَ قَد بَلَغَ آخِرَهُ وَلَمْ أَرْجِعْ إِلَيْكُمْ، فَحَدَّثتكُمْ أَنْفُسُكُمْ بِأَنَّنِي مِتُّ، فَغَيَّرْتُمْ كَمَا غَيَّرَتِ الأُمَمُ بَعْدَ أَنْبِيَائِهِمْ؟
(وَيُرْوَى أَنَّ السَّامِرِيَّ قَالَ لَهُمْ: هذا إلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسَى، إِنَّ مُوسَى مَاتَ وَلَنْ يَرْجِعَ) .
فَأَلْقَى مُوسَى الأَلْوَاحَ، وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ هارُونَ يَجرُّهُ إِليهِ، مَخَافَةَ أَنْ يَكُونَ قَدْ تَهَاوَنَ فِي نَهْيِهِمْ عَنِ اتِّخَاذِ العِجْلِ، فَقَالَ لَهُ هَارُونُ: يَا أَخِي يَا ابْنَ أُمِّي، لاَ تُعَنِّفْنِي، وَلاَ تَشُدَّ لِحيَتِي وَرَأْسِي - كَمَا جَاءَ فِي آيَةٍ أُخْرى -، فَإِنَّ القَوْمَ قَدِ اسْتَضْعَفُونِي، وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي لَمَّا نَهَيْتُهُمْ، فَلاَ تَصُبَّ نِقْمَتَكَ عَلَيَّ فَتُشْمِتَ بِيَ الأَعْدَاءَ، وَلاَ تَعَامِلْنِي مُعَامَلَةَ القَوْمِ الظَّالِمِينَ الذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ إِلهاً.
стр. 1106
﴿الراحمين﴾
(١٥١) - فَلَمَّا تَحَقَّقَ مُوسَى مِنْ بَرَاءَةِ هارُونَ، وَأَنَّهُ قَامَ بِوَاجِبِهِ كَامِلاً نَحْوَ قَوْمِهِ، دَعَا رَبَّهُ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ مَا فَرَطَ مِنْهُ مِنْ قَوْلٍ وَفِعْلٍ، فِيهما غِلْظَةٌ وَجَفَاءٌ، بِحَقِّ أَخيهِ، وَأَنْ يَغْفِرَ لأَخِيهِ مَا عَسَاهُ أَنْ يَكُونَ قَدْ قَصَّرَ فِيهِ مِنْ نَهيِ القَوْمِ عَنْ فِعْلِ مَا فَعَلُوهُ، مِنْ عِبَادَةِ العِجْلِ، وَأَنْ يُدْخِلهُمَا فِي رَحْمَتِهِ التِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيءٍ، وَأَنْ يَغْمُرَهُما بِجُودِهِ وَفَضْلِهِ، فَهُوَ تَعَالَى أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ جَمِيعاً بِعِبَادِهِ.
стр. 1107
﴿الحياة﴾
(١٥٢) - إِنَّ الذِينَ اسْتَمَرُوا عَلَى عِبَادَةِ العِجْلِ، كَالسَّامِريِّ وَأَشْيَاعِهِ، سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ عَظِيمٌ مِنْ رَبِّهِمْ في الدَّارِ الآخِرَةِ، وَمَهَانَةٌ شَدِيدَةٌ فِي الحَيَاةِ الدُّنيا، وَمِثْلُ ذلِكَ الجَزَاءِ الشَّدِيدِ يَجْزِي بِهِ اللهُ كُلَّ مَنِ اخْتَلَقَ الكَذِبَ عَلَيْهِ وَعَبَدَ غَيْرَهُ.
افْتَرَى - اخْتَلَقَ الكَذِبَ.
стр. 1108
﴿آمنوا﴾
(١٥٣) - وَالَّذِينَ يَفْعَلُونَ فِعْلاً سَيِّئاً، ثُمَّ يَتُوبُونَ بَعْدَ ذلِكَ وَيَسْتَغْفِرُونَ رَبَّهُمْ، وَيُخْلِصُونَ لًَهُ العِبَادَةَ وَالإيمَانَ، فَإِنَّ اللهَ يَغْفِرُ لَهُمْ ذلِكَ الفِعْلَ السَّيِّئَ، لأَنَّهُ غُفُورٌ رَحِيمٌ بِعِبَادِهِ.
стр. 1109
(١٥٤) - وَلَمَّا سَكَنَ غَضَبُ مُوسَى باعتِذارِ أخيهِ إِليهِ، وَبَعْدَ أَنْ لَجأَ إِلَى اللهِ بالدُّعَاءِ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ وَلأخِيهِ خَطَايَاهُمَا، عَادَ إِلى الألوَاحِ فَأَخَذَهَا، بَعْدَ أَنْ كَانَ أَلْقَاهَا مِنْ شِدَّةِ الغَضَبِ، فَوَجَدَ فِيهَا أَحْكَاماً وأوامِرَ وَنَوَاهِيَ، إِذا أَخَذَ بِهَا الذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ، ﵏. (أَوْ أَنَّها هُدًى وَرَحْمَةٌ لِمَنْ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ) .
стр. 1110
﴿لِّمِيقَاتِنَا﴾ ﴿وَإِيَّايَ﴾ ﴿الغافرين﴾
(١٥٥) - أَمَرَ اللهُ تَعَالَى مُوسَى، ﵇، بِأَنْ يَأْتِيَهُ مَعَ جَمَاعَةٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، يَعْتَذِرُونَ إِليهِ عَنْ عِبَادَةِ العِجْلِ، وَوَاعَدَهُمْ مَوْعِداً. فَاخْتَارَ مُوسَى سَبْعِينَ رَجُلاً مِمَّنْ لَمْ يَعْبُدُوا العِجْلَ، وَذَهَبَ مَعَهُمْ. فَلَمَّا أَتَوُا المَكَانَ المَوْعُودَ، قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى: يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ عِيَاناً وَجَهْرَةً، فَأَنْتَ كَلَّمَتُهُ فَاجْعَلْنَا نَرَاهُ. فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ فَمَاتُوا، كَمَا جَاءَ فِي آيةِ أُخْرَى، فَقَامَ مُوسَى يَبْكِي وَيَدْعُو اللهَ تَعَالى وَيَقُولُ: يَا رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ قَبْلَ خُرُوجِهِمْ إِلى المِيقَاتِ وَأَهْلَكْتَنِي مَعَهُمْ، لِيَرَى ذلِكَ بَنُو إِسْرَائِيلَ فَلاَ يَتَّهِمُونِي بِقَتْلِهِمْ، فَلاَ تُهْلِكُنَا يَا رَبِّ بِمَا فَعَلَهُ الجُهَّالُ مِنَّا، فَمَا مِحْنَةُ عِبَادَةِ العِجْلِ إِلاَّ ابْتِلاءٌ مِنْكَ وَفِتْنَةٌ أَضْلَلْتَ بِهَا مَنْ شِئْتَ إِضْلاَلَهُ مِمَّنْ سَلَكُوا سَبِيلَ الغوَايةِ، وَهَدَيْتَ بِهَا مَنْ شِئْتَ هِدَايَتَهُ، وَلاَ هَادِيَ لِمَنْ أَضْلَلْتَ، فَاغْفِرْ لَنَا وَلاَ تُؤَاخِذْنَا بِذُنُوبِنَا، وَارْحَمْنَا لِكَيلاَ نَقَعَ فِي مِثْلِ ذلِكَ فِي المُسْتَقْبَلِ، وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ الغَافِرِينَ.
стр. 1111
﴿الزكاة﴾ ﴿بِآيَاتِنَا﴾
(١٥٦) - وَأَثْبِتْ لَنَا، بِرَحْمَتِكَ وَفَضْلِكَ ﴿واكتب لَنَا﴾ حَيَاةً طَيِّبَةً فِي هذِهِ الدُّنيا، مِنْ عَافِيةٍ وَبَسْطَةٍ في الرِّزْقِ، وَتَوْفِيقٍ لِطَاعَةِ، وَمَثُوبَةٍ حَسَنَةٍ فِي الآخِرَةِ بِدُخُولِ الجَنَّةِ، وَنَيْلِ رِضْوَانِكَ، إِنَّنَا تُبْنَا إِلَيْكَ ﴿هُدْنَآ إِلَيْكَ﴾ مِمَّا فَرَطَ مِنْ سُفَهَائِنَا مِنْ عِبَادَةِ العِجْلِ، وَمِنْ تَقْصِيرِ العُقَلاءِ مِنّا فِي نَهْيِهِمْ وَالإِنْكَارِ عَلَيهِمْ.
وَرَدَّ اللهُ تَعَالَى عَلَى دُعَاءِ مُوسَى قَائِلاً: لَقَدْ أَوْجَبْتُ أَنْ يَكُونَ عَذَابِي خَاصّاً أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ مِنَ الكُفَّارِ وَالعُصَاةِ، الذِينَ لَمْ يَتُوبُوا، أَمَّا رَحْمَتِي فَقَدْ وَسِعْتَ كُلَّ شَيءٍ، وَسَأُثْبِتُ رَحْمَتِي بِمَشِيئَتِي لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ الكُفْرَ وَالمَعَاصِيَ، وَيُؤَدُّونَ الزَّكَاةَ المَفْرُوضَةَ، وَيُؤْتُونَ الصَّدَقَاتِ التِي تَتَزَكَّى بِهَا نُفُوسُهُمْ، وَلِلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ وَيُصَدِّقُونَ بِجَمِيعِ آيَاتِي الدَّالَّةِ عَلَى الوحْدَانِيَّةِ، وَيُصَدِّقُونَ رُسُلِي، وَمَا جَاؤُوهُمْ بِهِ.
стр. 1112
﴿التوراة﴾ ﴿وَيَنْهَاهُمْ﴾ ﴿الطيبات﴾ ﴿الخبآئث﴾ ﴿والأغلال﴾ ﴿آمَنُواْ﴾ ﴿أولئك﴾
(١٥٧) - وَيُتَابِعُ اللهُ تَعَالَى وَصْفَ الذِينَ يَشْمَلُهُمْ بِرَحْمَتِهِ الوَاسِعَةِ فَيَقُولُ: إِنَّهُمْ الذِينَ يَتَّبِعُونَ مُحَمَّداً النَّبيِّ الأُمِّيَّ، الذِي لاَ يَكْتُبُ وَلاَ يَقْرَأُ، وَقَدْ جَاءَ وَصْفُهُ وَالبِشَارَةُ بِهِ فِي التَّورَاةِ وَالإِنْجِيلِ، وَهُوَ يَأْمُرُهُمْ بِفِعْلِ الخَيْرَاتِ، وَبِالأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ، وَيَنْهَاهُمْ عَنْ فِعْلِ المُنْكَرِ، وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ، وَيَضَعُ عَنْهُمُ التَّكَالِيفَ الشَّاقَّةَ، كَاشْتِرَاطِ قَتْلِ النَّفْسِ فِي صِحَّةِ التَّوْبَةِ، وَالقِصَاصِ فِي القَتْلِ العَمْدِ أَوِ الخَطَإِ، مِنْ غَيْرَ شَرْعٍ لِلدِّيَةِ، وَقَطْعِ الأَعْضَاءِ الخَاطِئَةِ، وَقَطْعِ مَوْضِعِ النَّجَاسَةِ مِنَ الثَّوْبِ، وَتَحْرِيمِ السَّبْتِ. . . فَقَدْ جَاءَ مُحَمَّدٌ بِمَا هُوَ يُسْرٌ وِسَمَاحَةٌ.
[وَقَالَ رَسُولُ اللهُ ﷺ يُوصِي أَمِيرِينِ أَرْسَلَهُمَا فِي بَعْثَينِ إِلى اليَمَنِ: " بَشِّرَا وَلاَ تُنَفِّرَا وَلاَ تُعَسِّرَا، وَتَطَاوَعَا وَلاَ تَخْتَلِفَا "] .
وَوَسَّعَ اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ أُمُورَهَا، وَسَهَّلَهَا لَهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ " فَالذِينَ آمَنُوا بِالرَّسُولِ النَّبِيِّ الأُميِّ، حِينَ بُعِثَ، مِنْ قَومِ مُوسَى وَعِيسَى، وَمِنْ كُلِّ أُمَّةٍ، وَعَزَّرُوهُ بِأَنْ مَنَعُوهُ وَحَمَوْهُ مِنْ كُلِّ مَنْ يُعَادِيهِ، مَعَ التَّعْظِيمِ وَالإِجْلاَلِ، وَنَصَرُوهُ بِاللِّسَانِ وَاليَدِ، وَاتَّبَعُوا النُّورَ الأَعْظَمَ الذِي أُنْزِلَ مَعَ رِسَالَتِهِ، وَهُوَ القُرآنُ. . فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ، الفَائِزُونَ بالرَّحْمَةِ وَالرِّضْوَانِ.
стр. 1113
﴿ياأيها﴾ ﴿السماوات﴾ ﴿فَآمِنُواْ﴾ ﴿وَكَلِمَاتِهِ﴾
(١٥٨) - قُلْ يَا مُحَمَّدُ للنَّاسِ جَمِيعاً: إِنِّي رَسُولُ اللهِ تَعَالَى إِلَى جَمِيعِ البَشَرِ، وَإِنَّ اللهَ تَعَالَى هَُو الذِي أَرْسَلَنِي، وَهُوَ خَالِقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَالِكُهُمَا، وَهُوَ مُدَبِّرُهُمَا وَمُصَرِّفُهُما حَسْبَ مَا تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ، فَهُوَ المَعْبُودُ وَحْدَهُ لاَ إِلهَ إلاَّ هُوَ، وَهُوَ الذِي يَخْلُقُ الكَائِنَاتِ، وَهُوَ الذِي يَقْضِي بِفَنَائِهَا. فَآمِنُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ جَمِيعاً بِاللهِ الذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الذِي أَرْسَلَهُ إلى النَّاسِ كَافَّةً، وَهَذا الرَّسُولُ يُؤْمِنُ بِتَوْحِيدِ اللهِ، وَيُؤْمِنُ بِكَلِمَاتِهِ التِي أَنْزَلَهَا عَلَى رُسُلِهِ لِهِدَايَةِ خَلْقِهِ.
وَاتَّبِعُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ طَرِيقَ الرَّسُولِ الأُمِّيِّ، وَاقْتَفُوا أَثَرَهُ، فِي كُلِّ مَا يَأْتِي وَمَا يَذَرُ، لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ إلَى مَا فِيهِ سَعَادَتُكُمْ فِي الدُّنْيا وَالآخِرَةِ.
стр. 1114
(١٥٩) - وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى جَمَاعَةٌ كَثِيرةُ العَدَدِ (أُمَّةٌ) يَهْدُونَ النَّاسَ بِالحَقِّ الذِي جَاءَهُمْ بِهِ مُوسَى مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَيَعْدِلُونَ فِي تَنْفِيذِهِ إِذَا حَكَمُوا بَيْنَ النَّاسِ، فَلاَ يَتَّبِعُونَ هُوًى، وَلاَ يَأْكُلُونَ سُحْتاً وَلاَ مَالاً حَرَاماً.
стр. 1115
﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ﴾ ﴿استسقاه﴾ ﴿الغمام﴾ ﴿طَيِّبَاتِ﴾ ﴿رَزَقْنَاكُمْ﴾
(١٦٠) - وَجَعَلَ اللهُ تَعَالَى بَنِي إسْرَائِيلَ اثْنَتِي عَشْرَةَ جَمَاعَةً، إذْ جَعَلَ نَسْلَ كُلِّ وَاحِدِ مِنْ أبْنَاءِ يَعْقُوبَ الاثْنَي عَشَرَ أُمَّةً وَجَمَاعَةً. وَحِينَما عَطِشَ بَنُوا إِسْرَائِيل فِي صَحراءِ سِينَاءَ، اسْتَسْقَى لَهُمْ مُوسَى، فَأوْحَى اللهُ إليهِ: أنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ حَجَراً مِنْ أحْجَارِ الصَّحْراءِ، فَضَرَبَهُ فَانْبَجَسَتِ المِيَاهُ مِنْهُ، فِي اثْنَتَي عَشْرَةَ عَيْناً، لِكُلِّ سِبْطٍ مِنْهُمْ عَيْنٌ يَشْرَبُ مِنْهَا، مَنْعاً لِلْخِصَامِ والتَّنَافُسِ وَالتَّزَاحُمِ عَلَى المَاءِ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَسَخَّرَ اللهُ لَهُمْ الغَمَامَ، فَظَلَّلَ عَلَيْهِمْ، لِيَقِيَهُمْ حَرَّ الشَّمْسِ، وَأَرْسَلَ إليهِم المَنَّ وَالسَّلْوَى، فَأخَذُوا يَأكُلُونَ مِنْ طِيِّبَاتِ رِزِْقِ اللهِ، وَيَشْرَبُونَ مِنَ المَاءِ، فَكَفَرُوا بِهذِهِ النِّعَمِ، وَخَالَفُوا أمرَ اللهِ، فَأَلَحَقُوا الضَّرَرَ بِأنْفُسِهِمْ، وَلَمْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئاً.
انْبَجَسَتْ - نَبَعَتْ وَتَفَجَّرَتْ.
المَنُّ - مَادَّةٌ حُلْوَةٌ تَقَعُ عَلَى الأشْجَارِ.
السَّلْوَى - طَائِرٌ يُشْبِهُ السُّمَانَي لَحْمُهُ لَذِيذُ الطَّعْمِ.
السِّبْطُ - وَلَدُ الوَلَدِ وَأطْلِقَتْ كَلِمَةُ أسْبَاطٍ عَلَى أَحْفَادِ يَعْقُوبَ، ﵇.
стр. 1116
﴿خطيائاتكم﴾
(١٦١) - وَبَعْدَ أنْ أَسْكَنَهُمْ رَبُّهُمُ البَلَدَ الذِي دَخَلُوهُ بَعْدَ أَنِ انْتَصَرُوا عَلَى العَمَالِيقَ، أَمَرَهُمْ رَبُّهُمْ بِشُكْرِهِ، وَبِدُخُولِ البَابِ (أَيْ بَابِ البَلَدِ) سُجَّداً شُكْراً للهِ، وَبِأَنْ يَقُولُوا: حِطَّةٌ - (أَيْ اللَّهُمَّ حُطَّ عَنَّا خَطَايَانَا) - لِيَسْتَجِيبَ اللهُ إلى دُعَائِهِمْ، فَيَغْفِرَ لَهُمْ خَطَايَاهُمْ، وَيَزِيدَ الحَسَنَاتِ لِمُحْسِنِهِمْ.
стр. 1117
(١٦٢) - فَلَمْ يَدْخُلِ الذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ بَابَ البَلَدِ سُجَّداً خَاشِعِينَ كَمَا أَمَرَهُمْ رَبُّهُمْ، بَلْ دَخَلُوهُ زَاحِفِينَ عَلَى أَسْتَاهِهِمْ (أَيْ أَدْبَارِهِمْ) ، وَبَدَّلُوا قَوْلَ اللهِ، فَلَمْ يَقُولُوا (حِطَّةٌ) وَإِنَّمَا قَالُوا سَاخِرِينَ حِنْطَةٌ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى عَلَى الذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ بَأْسَهُ وَعَذَابَهُ بِسَبَبِ فِسْقِهِمْ وَخُرُوجِهِمْ عَنْ طَاعَةِ اللهِ.
стр. 1118
﴿وَسْئَلْهُمْ﴾
(١٦٣) -اسْأَلْ يَا مُحَمَّدُ، هَؤُلاءِ اليَهُودَ الذِينَ بِحَضْرَتِكَ عَنْ قِصَّةِ أَصْحَابِهِم الذِينَ خَالَفُوا أَمْرَ رَبِّهِمْ، فَأصَابَهُمْ بِنَقْمَتِهِ عَلَى اعْتِدَائِهِمْ وَاحْتِيَالِهِمْ فِي مُخَالَفَتِهِمْ أمْرَ رَبِّهِمْ وَحَذِّرْهُمْ مِنْ أَنْ يَحِلَّ بِهِمْ مَا حَلَّ بِأَصْحَابِهِمْ، أَصْحَابِ القَرِيَةِ التِي كَانَتْ عَلَى سَاحِلِ البَحْرِ (وَهِيَ أَيْلَةُ أَوْ العَقَبَةُ اليَوْمَ) ، فَقَدْ كَانَ اليَهُودُ فِيهَا يَعْتَدُونَ عَلَى حُرْمَةِ السَّبْتِ، وَيَتَجَاوُزُونَ حُكْمَ اللهِ الذِي يُحِرِّمُ عَلَيهِم الصَّيْدَ فِيهِ، فَقَدْ كَانَتِ الأَسْمَاكُ (حِيتَانُهُمْ) تَأتِيِهِمْ ظَاهِرَةً عَلَى سَطْحِ المَاءِ فِي يَوْمِ السَّبْتِ الذِي كَانُوا يُعَظِّمُونَهُ، فَلاَ يَصِيدُونَ فِيهِ، أَمَّا فِي اليَوْمِ الذِي لا يَسْبِتُونَ، وَلاَ يُعَظِّمُونَ حُرْمَةَ السَّبْتِ، فَكَانَتِ الحِيتَانُ لا تَظْهَرُ لَهُمْ، وَكَانَ ذَلِكَ اخْتِبَاراً مِنَ اللهِ لَهُمْ، فَكَانَ اليَهُودُ المُعْتَدُونَ يَنْصِبُونَ الشِّبَاكَ لِلأَسْمَاكِ لِتَقَعَ فِيهَا، وَيَتْرُكُونَهَا فِي الشِّبَاكِ حَتَّى يَنْتَهِيَ السَّبْتُ فَيَأخُذُوهَا، فَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُمْ انْتِهَاكاً لِمَحَارِمِ اللهِ التِي فَرَضَهَا عَلَيْهِمْ، وَمِنْهَا تَعْظِيمُ حُرْمَةِ السَّبْتِ. فَكَانَ تَصَرُّفُهُمْ هذا احْتِيالاً يُخْفِي نِيَّتَهُمْ فِي الاعْتِدَاءِ عَلَى السَّبْتِ، وَفِسْقاً عَنْ طَاعَةِ اللهِ.
стр. 1119
(١٦٤) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى أنَّ أََهْلَ هَذِهِ القَرْيَةِ صَارُوا ثَلاثَ فِرَقٍ:
- فِرْقَةٍ ارْتَكَبَتِ المُحَرَّمَ، وَاحْتَالَتْ فِي صَيْدِ السَّمكِ.
- فِرْقَةٍ نَهَتِ المُتَجَاوِزِينَ عَنْ فِعْلِهِمْ هَذا وَاعْتَزَلَتْهُمْ.
- فِرْقَةٍ سَكَتَتْ فَلَمْ تَفْعَلْ شَيْئاً وَلَمْ تَنْهَ، وَلَكِنَّهَا قَالَتْ لِلْفِرْقَةِ المُنْكِرَةِ: لِمَ تَنْهَوْنَ قَوْماً تَعْلَمُونَ أنَّ اللهَ مُهْلِكُهُمْ لاسْتِحقَاقِهِمْ عُقُوبَتَهُ وَسَخَطَهُ؟ فَلاَ فَائِدَةَ مِنْ نَهْيكُمْ إِيَّاهُمْ. فَرَدَّتْ عَلَيهِمْ الفِرْقَةُ النَّاهِيَةُ قَائِلَةً: إنَّ اللهَ أمَرَنَا بِأنْ نَأمُرَ بِالمَعْرُوفِ، وَنَنْهَى عَنِ المُنْكَرِ، وَنَحْنُ نُذَكِّرُهُمْ لِنَقُومَ بِأمْرِ اللهِ أوَّلاً (مَعْذِرَةً إلى رَبِّكُمْ) ، ثُمَّ إنَّنا نَرْجُو أنْ يَنْتَهِيَ هَؤُلاءِ المُتَجَاوِزُونَ حُدُودَ اللهِ عَنْ غَيِّهِمْ، وَيَعُودُوا إلى الصَّوابِ، لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ الاعْتِدَاءَ الذي اقْتَرَفُوهُ.
стр. 1120
(١٦٥) - فَلَمْ يَهْتَمَّ هَؤُلاءِ بِأمْرِ اللهِ، وَلاَ بِتَذْكِيرِ إِخْوانِهِمْ، فَجَاءَ أَمْرُ اللهِ فَأخَذَهُمْ بِعَذَابٍ شَدِيدٍ (بِئَيسٍ) بِسَبَبِ فِسْقِهِمْ وَخُرُوجِهِمْ عَنْ طَاعَةِ اللهِ، وَنَجّى اللهُ تَعَالَى الذِينَ قَامُوا مِنْهُمْ بِأمْرِهِ بِالنَّهْي عَنِ المُنْكَرِ.
стр. 1121
﴿خَاسِئِينَ﴾ ﴿عَن مَّا﴾
(١٦٦) - فَلَمّا اسْتَمَرُّوا فِي عُتُوِّهِمْ وَتَمَرُّدِهِمْ وَطُغْيَانِهِمْ، قَالَ اللهُ لَهُمْ: كُونُوا قِرَدَةً ذَلِيلِينَ حَقِيرِينَ، فَكَانُوا.
خَاسِئِِينَ - ذَلِيلِينَ حَقِيرِينَ.
стр. 1122
﴿القيامة﴾
(١٦٧) - وَاذْكُرْ، أيُّها الرَّسُولُ، لَهُمْ، إذْ أعْلَمَ رَبُّكَ هَؤُلاءِ القَوْمِ، مَرَّة إثْرَ مَرَّةٍ، عَلَى ألْسِنَةِ أنْبِيَائِهِمْ، أنَّهُ قَضَى عَلَيهِمْ لَيُسَلِّطَنَّ عَلَيْهُمْ - إلى يَوْمِ القِيَامَةِ - مَنْ يُوقِعُ بِهِم العِقَابَ الشَّدِيدَ بِسَبَبِ طُلْمِهِمْ وَفِسْقِهِمْ وَإِفْسَادِهِمْ فِي الأَرْضِ، وَأنَّ رَبًَّكَ سَرِيعُ العِقَابِ لِلأُمَمِ التِي تَفْسُقُ عَنْ أمْرِهِ، وَتُفْسِدُ فِي الأَرْضِ، وَأنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ لِمَنْ أقْلَعَ عَنْ ذَنْبِهِ، وَأنَابَ إلَيهِ وَأصْلَحَ مَا كَانَ قَدْ أفْسَدَ فِي الأرْضِ، قَبْلَ أنْ يَحِلَّ بِهِ العِقَابُ.
стр. 1123
﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ﴾ ﴿الصالحون﴾ ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ﴾ ﴿بالحسنات﴾
(١٦٨) - يَقُولُ تَعَالَى: إنَّهُ فَرَّقَ بَني إِسْرَائِيلَ فِي الأرْضِ فَكَانُوا طَوَائِفَ وَفِرَقاً (أُمَما) ، مِنْهُمْ الصَّالِحُونَ الذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسَادِ فِي الأَرْضِ، وَمِنْهُمْ مَنْ هُمْ غَيْرُ ذَلِكَ، وَإِنَّهُ اخْتَبَرَهُمْ (بَلَوْنَاهُمْ) جَمِيعاً بِالرَّخَاءِ وَالشِّدَّةِ، وَبِالرَّغْبَةِ وَالرَّهْبَةِ، وَبِالعَافِيَةِ وَالبَلاَءِ، لَعَلَّهُمْ يَثُوبُونَ إِلَى الحَقِّ، وَيَرْجِعُو، َ إلى أَمْرِ اللهِ، فَيَعُودَ إِلَيْهِمْ فَضْلُ اللهِ وَإِحْسَانُهُ وَرَحْمَتُهُ.
بَلَوْنَاهُمْ - اخْتَبَرْنَاهُم.
أُمماً - جَماعَاتٍ وَفِرَقاً.
стр. 1124
﴿الكتاب﴾ ﴿مِّيثَاقُ﴾ ﴿الكتاب﴾
(١٦٩) - فَجَاءَ جيلٌ جَديدٌ - بَعْدَ ذَلِكَ الجِيلِ الذِي كَانَ مِنْهُ الصَّالِحُونَ وَمَنْ هُمْ دُونَ ذَلِكَ - وَقَفُوا عَلَى مَا فِي التَّورَاةِ، وَكَانُوا عَالِمِينَ بِأحْكَامِها وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا يُؤْثِرُونَ حُطَامَ الدُّنيا وَمَتَاعَهَا، عَلَى بَذْلِ الحَقِّ وَنَشْرِهِ، فَكَانُوا يَأكُلُونَ السُحْتَ وَالرُّشَا، وَيُتَاجِرُونَ بالدِّينِ، وَيُحَابُونَ فِي الأَحْكَامِ وَإِقَامَةِ العَدْلِ، وَيُسَوِّفُونَ أَنْفُسَهُمْ، وَيَعِدُونَهَا بالتَّوبَةِ، وَكُلَّمَا لاَحَ لَهُمْ مَجَالٌ لِلاحْتِيَالِ عَلَى شَرْعِ اللهِ قَارَفُوهُ (كَمَا فَعَلَ المَعْتَدُونَ فِي السَّبْتِ) ، وَيَأمُلُونَ أنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ، وَأنْ لاَ يُؤَاخِذَهُمْ عَلى أَفْعَالِهِم القَبِيحَةِ. وَيُنْكِرُ اللهُ تَعَالَى عَلَيهِمْ ضِيقَهُمْ هذا، وَنِسْيَانَهُمْ أنَّهُ أوْجَبَ عَلَيهِمْ فِي المِيثَاقِ أنْ يُبَيِّنُوا الحَقَّ لِلنَّاسِ وَلا يَكْتُمُوهُ، وَأنْ لاَ يَقُولُوا عَلَى اللهِ إلا الحَقَّ، فَقَالُوا البَاطِلَ، وَكَتَمُوا صِفَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ وَبِعْثَتَهُ وَرِسَالَتَهُ التِي جَاءَتْ فِي التَّورَاةِ.
ثُمَّ يُرَغِّبُهُمُ اللهُ تَعَالَى فِي جَزِيلِ ثَوَابِهِ، فَيَقُولُ لَهُمْ: إِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ وَمَا فِيهَا مِنْ رِضْوَانِ اللهِ وَثَوَابِهِ، خَيْرٌ للمُتَّقِينَ مِنْ حُطَامِ الدُّنيا الفَانِيَةِ الذِي يُؤْخَذُ بِالرِّبَا، وَبِأكْلِ السُحْتِ، أفَلا يَعْقِلُ هَؤلاءِ الذِينَ اعْتَاضُوا بِعَرَضِ الدُّنْيَا عَنْ ثَوَابِ رَبِّهِمْ؟
стр. 1125
﴿بالكتاب﴾ ﴿الصلاة﴾
(١٧٠) - ثُمَّ يُثني اللهُ تَعَالَى عَلَى مَنِ اسْتَمْسَكَ بِكِتَابِهِ مِنْهُمْ، وَعَمِلَ بِمَا فِيهِ، وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَأدَّاهَا حَقَّ أدَائِهَا، وَيُذَكِّرُهُمْ تَعَالَى بِأَنَّهُ لاَ يُضِيعُ أجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً مِنَ المُصْلِحِينَ.
следующие страницы →