Полный текст (6 113 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
﴿آيَاتٍ﴾ ﴿بَيِّنَاتٍ﴾ ﴿الفاسقون﴾
(٩٩) - يَذْكُرُ اللهُ تَعَالَى لِنَبيِّهِ الكَرِيمِ ﷺ أَنَّهُ، جَلَّ شَأنُهُ، أَنْزَلَ إِليهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ، تَدُلُّ عَلَى صِدْقِ نُبُوَّتِهِ، وَتِلْكَ الآيَاتُ هِي مَا حَوَاهُ كِتَابُ اللهِ مِنْ خَفَايَا عُلُومِ اليَهُودِ، وَمَكْنُونَاتِ سَرَائِرِهِمْ وَأَخْبَارِهِمْ، وَمَا حَرَّفَهُ أَوَائِلُهُمْ وَأَوَاخِرُهُمْ، وَمَا بَدَّلُوهُ مِنَ الأَحْكَامِ التِي كَانَتْ فِي التَّورَاةِ، وَمَا يَكْفُرُ بِهذَهِ الآيَاتِ البَيِّنَاتِ، وَلاَ يَجْحَدُ بِهَا إلاّ الفَاسِقُونَ الخَارِجُونَ عَن الطَّاعَةِ، الذِينَ استَحَبُّوا العَمَى عَلَى الهُدَى حَسَداً لِلنَّبِيِّ، وَعِنَاداً وَمُكَابَرَةً مِنْهُمْ.
الفَاسِقُونَ - الخَارِجُونَ عَنْ طَاعَةِ اللهِ.
стр. 107
﴿عَاهَدُواْ﴾
(١٠٠) - وَكَانَ اليَهُودُ قَدْ قَالُوا حِينَمَا بَعَثَ اللهُ رَسُولَهَ مُحُمَّداً ﷺ : وَاللهِ، مَا عَهدَ إلينَا في مُحَمَّدٍ، وَمَا أَخَذَ عَلَينَا مِيثَاقاً. فَأنْزَلَ اللهُ هذِهِ الآيةَ.
(وَقَالَ مُفَسِرُونَ: إنَّ العُهودَ المَقْصُودَةَ هُنَا هِيَ عُهُودُهُمْ للنَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ فِي المَدِينة) .
وَمَعْنَى الآيَةِ: إِنَّ اليَهُودَ كُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْداً نَقَضَهُ (نَبَذَهُ) فَرِيقٌ مِنْهُمْ، وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ بِمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ ، وَلا يُؤْمِنُونَ بِحُرْمَةِ العُهُودِ وَالمَوَاثِيقِ.
стр. 108
﴿الكتاب﴾ ﴿كِتَابَ الله﴾
(١٠١) - فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُحَمَّدٌ ﷺ بِالقُرآنِ مِنْ عِنْدِ اللهِ تَعَالَى، وَهُوَ يُصَدِّقُ التَّورَاةَ التي بَيْنَ أيدِيهِمْ بِمَا فِيهِ مِنْ أصُولِ التَّوحيدِ، وَقَوَاعِدِ التَّشْرِيعِ، وَأخْبَارِ الأمَمِ الغَابِرَةِ، نَبََذَ فَرِيقٌ مِنَ اليَهُودِ التَّورَاةَ وَأَهْمَلُوهَا، وَكَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ بِمَا فِيها، مَعَ أنَّها حَوَتْ صِفَاتِ مُحَمَّدٍ، وَبَشَّرَتْ بِرِسَالَتِهِ، وَلَكِنَّهُمْ كَتَمُوا ذلِكَ وَجَحَدُوهُ، وَاليَهُودُ حِينَ كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ، وَبِالقُرْآنِ المُصَدِّقِ لِلتَّورَاةِ، يَكُونُونَ قَدْ نَبَذُوا التَّورَاةَ التِي جَاءَ فِيها: إنَّ اللهَ سَيَبْعَثُ رَسُولاً لِلنَّاسِ مِنْ وُلْدِ إسْمَاعِيلَ.
نَبَذَ - طَرَحَ وَأَلْقَى.
الفَرِيقُ - العَدَدُ القَلِيلُ.
стр. 109
﴿الشياطين﴾ ﴿سُلَيْمَانَ﴾ ﴿هَارُوتَ﴾ ﴿وَمَارُوتَ﴾ ﴿اشتراه﴾ ﴿خَلاَقٍ﴾ ﴿تَتْلُواْ﴾ (١٠٢) - وَلَقَدْ صَدَّقُوا مَا تَتَقَوَّلُه الشَّيَاطِينُ وَالفَجَرَةُ مِنُهُمْ عَلَى مَلْكِ سُلَيْمَانَ، إِذْ زَعَمُوا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيّاً وَلاَ رَسُولاً يَنْزِلُ عَلَيهِ الوَحْيُ مِنَ اللهِ، بَلْ كَانَ سَاحِراً يَسْتَمِدُّ العَوْنَ مِن سِحْرِهِ، وَأنَّ سِحْرَهُ هَذا هُوَ الذِي وَطَّدَ لَهُ المُلْكَ، وَجَعَلَهُ يُسَيْطِرُ عَلَى الجِنِّ وَالطَّيْرِ وَالرِّيَاحِ، فَنَسَبُوا بِذَلِكَ الكُفْرَ لِسُلَيْمَانَ، وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ، وَلَكِنَّ هَؤُلاءِ الشَّيَاطِينَ الفَجَرَةَ هُمُ الذِينَ كَفَرُوا، إِذْ تَقَوَّلُوا عَلَيْهِ الأَقَاوِيلَ، وَأَخَذُوا يُعَلِمُونَ النَّاسَ السِحْرَ مِنْ عِنْدِهِمْ، وَمِنْ آثَارِ مَا أُنْزِلَ بِبَابِلَ عَلَى المَلَكِين هَارُوتَ وَمَارُوتَ. مَعَ أنَّ هذينِ المَلَكِينِ مَا كَانَا يُعَلِّمَانِ أَحَداً حَتَّى يَقُولا لَهُ: إِنَّمَا نُعَلِّمُكَ مَا يُؤَدِّي إلَى الفِتْنَةِ وَالكُفْرِ فَاعْرِفْهُ وَاحْذَرْهُ، وَتَوَقَّ العَمَلَ بِهِ. وَلَكِنَّ النَّّاسَ لَمْ يَأْخُذُوا بِهَذِهِ النَّصِيِحَةِ، فَاسْتَخْدَمُوا، مِمَّا تَعَلَّمُوهُ مِنْهُمَا، مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ المْرِءِ وَزَوْجِهِ. لَقَدْ كَفَرَ هَؤُلاءِ الشَّياطِينُ الفَجَرَةُ إِذْ تَقَوَّلُوا هَذِهِ الأقَاوِيلَ، وَاتَّخَذُوا مِنْ أَقَاوِيلِهِمْ وَأَسَاطِيرِهِمْ ذَرِيعَةً لِتَعْلِيمِ اليَهُودِ السِّحْرَ، وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِسِحْرِهِمْ هذا أحَداً، وَلَكِنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ الذِي يَأْذَنُ بِالضَّرَرِ إنْ شَاءَ، وَأنَّ مَا يُؤَخَذُ عَنْهُمْ مِنْ سِحْرٍ لَيَضُرُّ مَنْ تَعَلَّمَهُ في دِينِهِ وَدُنْيَاهُ، وَلاَ يُفِيدُهُ شَيْئاً، وَهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَعْلَمُونَ حَقَّ العِلْمِ أَنَّ مَنِ اتَّجَهَ هذا الاتِّجَاهَ لَنْ يَكُونَ لَهُ حَظٌّ أوْ نَصِيبٌ فِي نَعِيمِ الآخِرَةِ، وَلَبِئْسَ مَا اخْتَارَهُ هُؤُلاءِ لأنْفُسِهِمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ.
السِّحْرَ - الخَدْعَ.
شَرَوْا - بَاعُوا.
الإِنْزالُ - الإِلْهَامُ.
عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَان - فِي عَهْدِ سُلَيْمَانَ.
стр. 110
﴿آمَنُواْ﴾
(١٠٣) - وَلَوْ أنَّهُمْ آمَنُوا الإِيمَانَ الحَقَّ بِاللهِ وَرَسُولِهِ، وَبِكِتَابِهِمُ الذِي يُبَشِّرُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ وَاتَّقَوا اللهَ بِالمُحَافَظَةِ عَلَى أوَامِرِهِ وَاجْتِنَابِ نَوَاهِيهِ لَكَانَ ثَوَابُ اللهِ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ خَيْراً لَهُمْ مِمَّا اخْتَارُوا لأنْفُسِهِمْ، وَرَضُوا بِهِ مِنَ المَنَافِعِ والمَصَالِحِ الدُّنْيَوِيَّةِ، لَوْ أنَّهُمْ كَانُوا عَلَى شَيءٍ مِنَ العِلْمِ الصَّحِيحِ.
المَثُوبةُ - الثَّوابُ العَظِيمُ.
стр. 111
﴿آمَنُواْ﴾ ﴿رَاعِنَا﴾ ﴿وَلِلكَافِرِينَ﴾ ﴿يَاأَيُّهَا﴾
(١٠٤) - كَانَ الأنْصَارُ يَقُولُونَ لِلرَّسُولِ ﷺ حِينَمَا يَتْلُو عَلَيهِمِ الوَحْيَ: رَاعِنَا (أيْ تَمَهَّلْ عَلَينا في التّلاوَةِ حَتّى نَعِيَ مَا تَقْرَؤُهُ عَلَينا) . وَكَانَ اليَهُودُ يَسْتَعْمِلُونَ هذا التَّعْبيرَ في مَخَاطَبتِهِمْ لِلرَّسُولِ ﷺ وَهُمْ يَتَظَاهَرُونَ بِأَنَّهُمْ يَريدُونَ أنْ يَقُولُوا لَهُ: (ارْعِنَا سَمْعَكَ) .
وَلكِنَّهُمْ كَانُوا يُمِيلُونَ الكَلِمَاتِ بَعْضَ الشَّيءِ، وَيُورُونَ بِهَا عَنِ الرُّعُونَةِ. (وَرَاعِينُو فِي العِبْرِيَّةِ مَعْنَاهَا شِرِّيرٌ) . فَنَبَّهَ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ وَالمُؤمِنينَ إلى ذَلِكَ، وَنَهَاهُمْ عَنِ اسْتِعْمَالِ هذِِهِ الكَلِمَةِ في مُخَاطَبَةِ الرَّسُولِ. وَأمَرَهُمْ بِأنْ يَسْتَعْمِلُوا بَدَلاً مِنْ كَلِمَةِ (رَاعِنَا) ، كَلِمَةَ (انْظُرْنا) .
وَيَتَوَعَّدُ اللهُ تَعَالَى اليَهُودَ الكَافِرينَ بِالعَذَابِ الأليمِ الذِي أعَدَّهُ لَهُمْ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ، وِسُوءِ أدَبِهِمْ بِحَقِّ الرَّسُولِ الكَرِيمِ.
رَاعِنا - ارْعِنا سَمعَكَ، أوْ تَمَهَّل عَلَينا.
انْظُرْنَا - انْظُرْ إلَينَا أوِ انْتَظِرْنَا أوْ تَأنَّ عََلَينَا.
стр. 112
﴿أَهْلِ الكتاب﴾
(١٠٥) - إِنَّ الذِينَ عَرَفْتُمْ حَالَهُمْ مَعَ أَنْبِيَائِهِمْ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، هَمْ حَسَدَةٌ لَكُمْ لاَ يُرِيدُوُنَ أَنْ يصِيبَكُمْ خَيْرٌ مِنْ رَبِكُمْ، وَلاَ أَنْ يَتَرَسَّخْ دِينُكُمْ، وِلاَ أَنْ تَتَثَبَّتَ أَرْكَانُهُ، وَالمُشْرِكُونَ مِثْلُ أَهْلِ الكِتَابِ فِي كُرْهِهِمْ لَكُمْ، وَحَسَدِهِمْ إِيَّاكُمْ، وَتَمَنِّيِهِمْ أَنْ تَدُورَ عَلَى المُسْلِمِينَ الدًّوائِرُ، وَأَنْ يَنْتَهِي أَمْرُ الإِسْلاَمِ وَالمُسْلِمِينَ. وَحَسَدُ الحَاسِدِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ سَاخِطٌ عَلَى رَبِّهِ، مُعْتَرِضٌ عَلَى حُكْمِهِ وَحِكْمَتِهِ، لأَنَّهُ أَنْعَمَ عَلَى المَحْسُودِ بِمَا أَنْعََمَ، وَاللهُ لاَ يُضِيرُهُ سَخَطُ السَّاخِطِينَ، وَلاَ يُحوِّلُ مَجَارَي نِعْمَتِهِ حَسَدُ الحَاسِدِينَ، فَهُوَ يَخْتَصُّ مَنْ يَشَاءُ بِرَحْمَتِهِ وَهُوَ صَاحِبُ الفَضْلِ العَظِيمِ عَلَى مَنِ اخْتَارَهُ لِلنُّبُوَّةِ، وَهُوَ صَاحِبُ الإِحْسَانِ وَالمِنَّةِ عَلَى عِبَادِهِ.
стр. 113
﴿آيَةٍ﴾
(١٠٦) - يُبَيِّنُ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُ قَدْ يَأْمُرُ بِالشَّيءِ، لِمَا يَعْلَمُهُ فِيهِ مِنَ المَصْلَحَةِ، ثُمَّ يَنْهَى عَنْهُ لِمَا يَرَى فِي ذلِكَ مِنَ الخَيْرِ حِينئِذٍ، فَهُوَ لاَ يُبَدِّلُ حُكْماً مِنَ الأَحْكَامِ المُنَزَّلَةِ عَلَى رَسُولِهِ أَوْ يَمْحُوهُ إِلا جَاءَ بِحُكْمٍ أَرْفقَ مِنَ الحُكْمِ المَنْسُوخِ بِالمُكَلَّفِينَ، وَخَيْرٍ لَهُمْ فِي المَنْفِعَةِ أَوْ مِثْلِهِ. وَيُنَبِّه اللهُ نَبِيَّهُ ﷺ إِلَى أَنَّه تَعَالَى قَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَيءٍ، وَهُوَ المُتَصَرِّفُ المُطْلَقُ فِي الكَوْنِ وَمَا فِيهِ، فَيُحِلُّ مَا يَشَاءُ، وَيُحَرِّمُ مَا يَشَاءُ، وَهُوَ الذِي يَحْكُمُ بِمَا يُرِيدُ وَلاَ مُعَقِّبَ عَلَى حُكْمِهِ، وَعَلَى المُؤْمِنِينَ إِطاعَةُ أَمْرِ رَبِّهِم، وَاتِّبَاعُ رَسُولِهِ ﷺ فِي تَصْدِيقِ مَا أَخْبَرَ بِهِ.
(نَزَلَتْ هذِهِ الآيَةُ رَدّاً عَلَى المُشْرِكِينَ وَاليَهُودَ حِينَ قَالُوا: أَلاَ تَرَوْنَ إِلى مُحَمَّدٍ يَأْمُرُ أَصْحَابَهُ بِأَمْرٍ ثُمَّ يَنْهَاهُمْ عَنْهُ وَيَأْمُرُهُمْ بِخِلافِهِ، وَيَقُولُ اليَوْمَ قَولاً وَيَرْجِعُ عَنْهُ غَداً) ؟
النَّسْخُ - الإِزَالَةُ.
الإِنْسَاءُ - إِذْهَابُ الآيَةِ مِنْ ذَاكِرَةِ النَّبِيِّ بَعْدَ تَبْلِيغِها إِلَيهِ.
стр. 114
﴿السماوات﴾
(١٠٧) - يُنَبِّهُ اللهُ تَعَالَى نَبِيّه ﷺ إِلَى أنَّهُ تَعَالَى وَحْدَهُ هُوَ مَالِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ، وَلَيْسَ لِلْنَاسِ مِنْ دُونِهِ مِنْ نَاصِرٍ، وَعَلَى الخَلْقِ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ لأَمْرِهِ وَنَهْيهِ، لَهُ أَنْ يَنْسَخَ مَا يَشَاءُ مِنَ الأَحْكَامِ، وَيَبْطِلُهَا، لأَنَّ الأَعْمَالَ الشَّرْعِيَّةَ، وَالأَحْكَامَ الخُلُقِيَّةَ قَدْ تَكُونُ فِيها مَصْلَحَةٌ فِي وَقْتٍ، وَتَكُونُ مَفْسَدَةٌ فِي وَقْتٍ آخَرَ.
الوَلِيُّ - القَريبُ وَالصَّدِيقُ.
النَّصِيرُ - المُعِينُ.
стр. 115
﴿أَن تَسْأَلُواْ﴾ ﴿كَمَا سُئِلَ﴾ ﴿بالإيمان﴾
(١٠٨) - نَهَى اللهُ المُؤْمِنِينَ عَنْ كَثْرَةِ السُّؤَالِ لِلْنَّبِيِّ ﷺ عَنِ الأَشْيَاءِ قَبْلَ وُقُوعِهَا، عَلَى وَجْهِ التَّعَنُّتِ وَالاقْتِرَاحِ، كَمَا سَأَلَ بَنُو إِسْرَائِيلَ مُوسَى تَكْذِيباً وَعِنَاداً وَتَعَنُّتاً، فَقَالُوا لَهُ: أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً. وَشَبَّهَ اللهُ حَالَ الذِينَ عَدَلُوا عَنْ تَصْدِيقِ الأنْبِياءِ وَاتِّبَاعِهِمْ، وَالطَّاعَةِ لَهُمْ، إِلىَ مُخَالَفَتِهِمْ وَتَكْذِيبِهِمْ وَالاقتراحِ عَلَيهِمْ بِالأَسْئِلَةِ التِي لاَ يَحْتَاجُونَ إِلَيها، وَإِنَّمَا يَفْعَلُونَ ذلِكَ عَلَى وَجْهِ التَّعَنُّتِ وَالكُفْرِ، بِحَالِ الذِي خََرَجَ مِنَ الإِيمَانِ إِلَى الكُفْرِ وَالضَّلاَلَةِ، فَضَلَّ الطَّرِيقَ المُسْتَقِيمَ.
(يُروَى فِي سَبَبِ نُزُولِ هذِهِ الآيَةِ أَنَّ رَافِعَ بْنَ خُزَيْمَةَ وَوَهَبَ بْنِ زَيْدٍ قَالاَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : ائْتِنَا بِكِتَابٍ مِنَ السَّمَاءِ نَقْرَؤُهُ، وَفَجِّرِ الأَنْهَارَ نَتْبَعْكَ) .
السُّؤَالُ - الاقْتِرَاحُ المَقْصُودُ بِهِ التَّعَنُّتَ.
بَدَّلَ وَتَبَدَّلَ - جَعَلَ شَيْئاً مَوْضِعَ شَيءٍ.
стр. 116
﴿أَهْلِ الكتاب﴾ ﴿بَعْدِ إِيمَانِكُمْ﴾
(١٠٩) - يُحَذِّرُ الله تَعَالَى عِبَادَهُ المُؤْمِنينَ مِنْ أَنَّ أَهْلَ الكِتَابِ، وَهُمُ الْيَهُودُ هُنا، يَكْرَهُونَ المُسْلِمِينَ، وَيُبْطِنُونَ لَهُم العَدَاوَةَ، وَهُمْ يَعْمَلُونَ جَاهِدِينَ عَلَى رَدِّ المُسْلِمِينَ عَنْ دِينِهِمْ، وَعَلَى إِعَادَتِهِمْ إِلَى الكُفْرِ، وَذلِكَ بِسَبَبِ حَسَدِهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ، وَخَوْفِهِمْ مِنْ أَنْ يَنْتَقِلَ السُّلطَانُ إِلَى المُسْلِمِينَ، بَعْدَ أَنْ تَأَكَّدُوا مِنْ أَنَّ الرَّسُولَ صَادِقٌ فِي رِسَالَتِهِ، وَأَنَّ مَا أُنزِلَ إِليهِ هُوَ الحَقُّ مِنْ عِنْدِ اللهِ. ثُمَّ يَأْمُرُ اللهُ المُؤْمِنِينَ بِأنْ يُعْفُوا عَنْ هؤلاءِ الكُفَّارِ الحُسَّادِ، وَبِأَنْ يَصْفَحُوا عَنْهُمْ، وَبِأَنْ يَحْتَمِلُوا أَذَاهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ بالنَّصْرِ أَوِ الفَتْحِ، وَاللهُ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَيءٍ.
(هذا المَقْطَعُ مِنَ الآيةِ: ﴿فاعفوا واصفحوا حتى يَأْتِيَ الله بِأَمْرِهِ﴾ مَنْسُوخٌ بآيَةِ السَّيْفِ، ﴿فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قَاتِلُواْ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالله وَلاَ باليوم الآخر وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ الله وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الحق مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب حتى يُعْطُواْ الجزية عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ.﴾
стр. 117
﴿الصلاة﴾ ﴿وَآتُواْ﴾ ﴿الزكاة﴾
(١١٠) - يَحُثُّ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ عَلَى الاشْتِغَالِ بِمَا يَنْفَعُهُمْ فِي الدُّنْيا، وَيُسَاعِدُهُمْ عَلَى تَحْقِيقِ النَّصْرِ الذِي وَعَدَهُمْ بِهِ، وَبِمَا يَنْفَعُهُمْ فِي الآخِرَةِ، وَيُوصِلَهُمْ إِلَى الفَُوْزِ بِجَنَّةِ اللهِ وَرِضْوَانِهِ، مِثلِ إِقَامَةِ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ حَتَّى تَطْمَئِنَّ نُفُوسِهِمْ إِلَى رِضَا اللهِ وَرِضْوَانِهِ، وَإِلَى حُسْنِ العَاقِبَةِ فِي الآخِرَةِ، فََتَكُونَ أَثْبَتَ عَلَى تَحَمُّلِ الصِّعَابِ وَالشَّدَائِدِ. وَيُعْلِمُ اللهُ المُؤْمِنِينَ أَنَّ كُلَّ مَا يُقَدِّمُونَهُ لأَنْفُسِهِمْ مِنْ عَمَلٍ صَالِحٍ وَخَيْرٍ يَجِدُونَ ثَوَابَهُ عِنْدَ اللهِ مَحْفُوظاً لِيَومِ الحِسَابِ، لاَ يَضِيعُ عَلَيهِمْ مِنْهُ شَيءٌ، لأَنَّ اللهَ عَلَى عِلْمٍ وَبَصِيرَةٍ بِمَا يَعْمَلُونَ مِنْ خُيْرٍ وَشَرٍّ، وَأَنَّهُ سَيُجَازِيهِمْ عَلَى جَمِيعِ أَعْمَالِهِمْ.
стр. 118
﴿نصارى﴾ ﴿بُرْهَانَكُمْ﴾ ﴿صَادِقِينَ﴾ (١١١) - ادَّعَى اليَهُودُ، وَادَّعَتِ النَّصَارَى أَنَّهُ لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إَلاَ مَنْ كَانَ عَلَى مِلَتِهِمْ هُمْ. فَرَدَّ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ قَائِلاً: تِلْكَ أَشْيَاءُ يَتَمَنَّوْنَهَا عَلَى اللهِ بِغَيرِ وَجْهِ حَقٍّ، وَلَيْسَ لَهُمْ دَلِيلٌ وَلاَ حُجَّةٌ عَلَى مَا يَقُولُونَ. فَإِنْ كَانَ لِدَعْوَاهُمْ هذِهِ أَسَاسٌ فَلْيأتُوا بِبُرْهَانٍ عَلَيها. وَبِمَا أَنَّهُمْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ إِقَامَةَ الدَّلِيلِ عَلَى دَعْوَاهُمْ هَذِهِ فَهُمْ إِذاً كَاذِبُونَ مُتَخَرِّصُونَ.
الأَمَانِيُّ - مَا يَتَمَنَّاهُ المَرْءُ وَلاَ يُدْرِكُهُ أَوْ هِيَ مَا لا حُجَّةَ عَلَيهِ.
стр. 119
(١١٢) - وَيَرُدُّ اللهُ تَعَالَى عَلَى دَعْوَى اليَهُودِ وَالنَّصَارَى تِلْكَ فَيَقُولُ لَهُمْ: بَلَى سَيَدْخُلُ الجَنَّةَ الذِين يُسْلِمُونَ وُجُوهَهُمْ للهِ. وَيَنْقَادُونَ لأَمْرِهِ مُطِيعِينَ مُخْلِصِينَ، وَهُمْ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ فُهؤُلاءِ يُوَفِّيهِمْ رَبُّهُمْ ثَوَابَ أَعْمَالِهِمْ، وَيُدْخِلُهُم الجَنَّةَ، وَيُذْهِبُ عَنْهُمُ الخَوْفَ وَالحَزَنَ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَلاَ خَوْفٌ عَلَيهِمْ فِيمَا يَسْتَقْبِلُونَهُ مِنَ الأَمْرِ، وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ عَلَى مَا يَتْرُكُونَهُ مِنْ أَمْرِ الدُّنيا. فَرَحْمَةُ اللهِ لاَ يَخْتَصُّ بِهَا شَعْبٌ دُونَ شَعْبٍ، وَكُلُّ مَنْ عَمِلَ لَهَا، وَأَخْلَصَ فِي عَمَلِهِ، كَانَ مِنْ أَهْلِهَا.
أَسْلَمَ وَجْهَهَ - انْقَادَ مُخْلِصاً.
стр. 120
﴿النصارى﴾ ﴿الكتاب﴾ ﴿يَوْمَ القيامة﴾
(١١٣) - جَاءَ وَفْدٌ مِنْ نَصَارَى نَجْرَانَ مِنَ اليَمَنِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَجَاءَهُمْ أَحْبَارُ يَهُودِ المَدِينَةِ فَتَنَازَعُوا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ، فَقَالَ يَهُودِيٌّ لِلنَّصَارَى: مَا أَنْتُمْ عَلَى شَيءٍ مِنَ الدِّينِ الصَّحِيحِ، وَكَفَرَ بِعِيسَى وَبِالإِنْجِيلِ. وَقَالَ نَصْرَانيٌّ مِنَ الوَفْدِ لِلْيَهُودِ: مَا أَنْتُمْ عَلَى شيءٍ، وَكَفَرَ بِنُبُوَّةِ مُوسَى وَبِالتَّورَاةِ. مَعْ أَنَّ عِيسَى جَاءَ مُتَمِّما شَرْعَ التَّورَاةِ لا نَاقِضاً لَهُ. وَقَدْ كَفَرَ كُلُّ فَرِيقٍ بِنُبُوَّةِ نَبِيٍّ وَرَدَ ذِكْرُهُ فِي كِتَابِهِ هُوَ، فَاليَهُودُ كَفُرُوا بِعِيسَى وَبَيْنَ أَيْدِيْهِم التَّورَاةُ، وَفِيهَا أَخَذَ اللهُ المِيثَاقَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ مُوسَى بِالتَّصْدِيقِ بِنُبُوَّةِ عِيسَى، وَجَاءَ عِيسَى بِتَّصْدِيقِ مُوسَى وَنُبُوَّتِهِ وَكِتَابِهِ وَنَصَارَى الوَفْدِ كَفَرُوا بِمُوسَى، وَهذَا مُخَالِفٌ لِمَا فِي كِتَابِهِمْ، وَكُلُّ فَرِيقٍ يَتْلُو كِتَابَهُ وَيَعْلَمُ شَرِيعَةَ التَّورَاةِ وَالإِنجِيلِ، وَلَكِنَّهُمْ تَجَاحَدُوا كُفْراً وَعِنَاداً. وَكَذلِكَ قَالَ غَيْرُ هَؤُلاءِ مِنَ الجَاهِلِينَ، الذِينَ كَفَرُوا بِالنُّبُوَّاتِ، مِثْلَ هذِهِ الأَقْوال، وَكَفَرُوا عِنَاداً وَحَسَداً، فَاللهُ سَيَجْمَعُهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَيَفْصِلُ بَيْنَهُمْ بِقَضَائِهِ العَادِلِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ.
стр. 121
﴿مَسَاجِدَ﴾ ﴿أولئك﴾ ﴿خَآئِفِينَ﴾ ﴿الآخرة﴾
(١١٤) - يُشيرُاللهُ تَعَالَى فِي هذِهِ الآيَةِ إِلَى مَا وَقَعَ مِنَ القَائِدِ الرُّومَانِيِّ الذِي هَاجَمَ بَيْتَ المَقْدِسِ بَعْدَ مِيلادِ السَّيِّدِ المَسِيحِ، ﵇، بِنَحْو سَبْعِينَ سَنَةً، بِتَحْرِيضٍ مِنَ النَّصَارَى الذِينَ هَرَبُوا إِلَى رُومَا تَخَلُّصاً مِنْ ظُلمِ اليهُودِ وَطُغْيَانِهِمْ وَمُؤَامَراتِهِمْ، فَدَخَلَ القُدْسَ وَخَرَّبَهَا، وَخَرَّبَ الهَيْكَلَ وَدُورَ العِبَادَةِ، وَأَحْرَقَ التَّورَاةَ. وَكَانَ المَسِيحَ قَدْ أَنْذَرَ اليَِهُودَ بِذلِكَ.
وَفِي هذِهِ الآيَةِ يُعَرِّضُ اللهُ تَعَالَى بِالكَافِرِينَ الذِينَ يَمْنَعُونَ النَّاسَ مِنَ الدُّخُولِ إِلَى مَسَاجِدِ اللهِ وَبُيُوتِهِ، لِيَذْكُرُوا فِيهَا اسْمَهُ بِالتَّسْبِيحِ والصَّلاةِ، وَيَسْعَونَ فِي خَرَابِ هذِهِ المَسَاجِدِ.
وَيَقُولُ تَعَالَى: إِنَّ هؤُلاءِ هُمُ الظَّالِمُونَ، وَلاَ أَحَدَ أَكْثَرُ مِنْهُمْ ظُلْماً. وَيَجِبُ أَنْ لاَ يَدْخُلَ هؤُلاءِ الظَّالِمُونَ إِلَى بُيُوتِ اللهِ - إِذَا قَدَرَ المُسْلِمُونَ عَلَيهِمْ - إِلاَّ وَهُمْ أَذِلَّةٌ يَدْفَعُونَ الجِزْيَةَ، أَوْ فِي ظِلِّ هدْنَةٍ يَعْقِدُونَهَا مَعَ المُسْلِمِينَ، فَيَدْخُلُونَ المَسَاجِدَ وَهُمْ خَائِفُونَ مِنْ أَنْ يَبْطِشَ بِهِمُ المُسْلِمُونَ. وَهَؤُلاءِ الظَّالِمُونَ قَدْ أَعَدَّ اللهُ تَعَالَى لَهُمْ خِزْياً فِي الحَيَاةِ الدُّنيا، بِأَنْ سَلَّطَ المُسْلِمِينَ عَلَيهِمْ، وَأَظْفَرَهُمْ بِهِمْ، وَأَعَدَّ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَاباً عَظِيماً جَزَاءَ ظُلْمِهِمْ وَكُفْرِهِمْ.
(وَقِيلَ إِنَّ المَعْنَى هُوَ: مِنْ مَظَاهِرِ عِدَاءِ هذِهِ الطَّوَائِفِ بَعْضِهَا لِبَعْضٍ أَنَّ بَعْضَهُمْ خَرَّبَ مَعَابِدَ الطَّوَائِفِ الأُخْرَى، وَمَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَقْتَرِفُوا مِثْلَ هذَا الجُرْمِ الخَطِيرِ، وَإْنَّمَا كَانَ عَلِيهِمْ أَنْ يَحْفَظُوا لِلْمَعَابِدِ حُرْمَتَهَا، وَأَنْ لا يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَاشِعِينَ، وَأَنْ لاَ يَمْنَعُوا غَيْرَهُمْ مِنْ أَنْ يَذْكُرَ اسْمَ اللهِ فِيهَا) .
стр. 122
﴿وَاسِعٌ﴾
(١١٥) - بَعْدَ أَنْ هَاجَرَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى المَدِينَةِ كَانَ يُصَلِي مُتَّجِهاً إِلَى بَيْتِ المَقْدِسِ، وَلَكِنَّهُ كَانَ يُحِبُّ الكَعْبَةَ قِبْلَةَ أَبِيهِ إِبْرَاهِيمَ وَيَدْعُو اللهَ وَيَقلِّبُ طَرْفَهُ فِي السَّمَاءِ فَأَنْزَلَ اللهُ عَلَيهِ قَوْلَهُ: ﴿قَدْ نرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السمآء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ فَقَالَ يَهُودُ المَدِينَةِ: مَا وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِم التِي كَانُوا عَلَيْها؟ فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هذِهِ الآيَةَ.
وَمَعْنَى الآيَةِ: إِنَّ المَشْرِقَ وَالمَغْرِبَ كُلُّ ذَلِكَ للهِ، وَإِلَى أَيِّ مَكَانٍ اتَّجَهَ الإِنْسَانُ فِي صَلاَتِهِ كَانَ تَوَجُّهُهُ إِلَى اللهِ، لاَ يَقْصِدُ بِصَلاَتِهِ غَيْرَهُ، فَلاَ يَخْلُو مَكَانٌ مِنَ اللهِ تَعَالَى. وَاللهُ وَاسِعٌ لاَ يُحْصَرُ وَلاَ يُحَدُّ، يَسَعُ خَلْقَهُ بِالكِفَايَةِ وَالجُودِ، وَهُوَ عَليمٌ بِأَعْمَالِهِمْ، لاَ يَغِيبُ عَنْهُ شَيءٌ مِنْهَا.
стр. 123
﴿سُبْحَانَهُ بَل لَّهُ مَا فِي﴾ ﴿السماوات﴾ ﴿قَانِتُونَ﴾
(١١٦) - رَدَّ اللهُ تَعَالَى بِهذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَلَى النَّصَارَى الذِينَ أَدَّعُوْا أَنَّ المَسِيحَ هُوَ ابْنُ اللهَ، وَعَلَى فِئَةٍ مِنَ اليَهُودِ ادَّعَتْ أَنَّ عُزَيْراً ابْنُ اللهِ، وَعَلَى فِئَةً مِنَ المُشْرِكِينَ ادَّعَتْ أَنَّ المَلائِكَةَ بَنَاتُ اللهِ، فَكَذَبَهُمْ جَمِيعاً فِي دَعَاوَاهُمْ، تَنَزَّهَ اسْمُُهُ وَتَقَدَّسَ، فَلَيْسَ الأَمْرُ كَمَا افْتَرَوْا وَكَذَبُوا، وَإِنَّمَا هُوَ إِله وَاحِدٌ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَلاَ وَلَدٌ، لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَجَميعُ مَنْ فِيهِنَّ مُقِرٌّ لَهُ بالعُبُودِيَّةِ وَالطَّاعَةِ.
قَانِتُونَ - مُقِرُّونَ للهِ بِالعُبُودِيَّةِ وَالطَّاعَةِ.
سَبْحَانَهُ - تَنَزَّهَ وَتَقَدَّسَ.
стр. 124
﴿السماوات﴾
(١١٧) - إِنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ خَالِقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمُبْدِعُهَا عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ سَبََقَ وُجُودُهُ، فَإِذا أَرَادَ شَيْئاً، أَوْ أَرَادَ تَنْفِيذَ أَمْرٍ قَضَاهُ قَالَ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ الشَّيءُ لِتَوِّهِ، فَهُو تَعَالَى لاَ يَحْتَاجُ إِلَى نَسْلٍ أَوْ وَلد، تَنَزَّهَ عَنْ ذلِكَ وَتَعَالَى.
بَديعُ السَّمَاوَاتِ - مُبْدِعُ السَّمَاوَاتِ وَخَالِقُهَا عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ سَبَقَ.
стр. 125
﴿آيَةٌ﴾ ﴿تَشَابَهَتْ﴾ ﴿الآيات﴾
(١١٨) - وَقَالَ الكُفَّارُ الذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً عَنِ النُّبُوَّاتِ، وَعَمَّا يَصِحُّ أَنْ يُعطَاهُ الأَنْبِياءُ مِنَ الآيَاتِ: هَلاَّ يُكَلِّمُنَا اللهُ وَيَقُولُ لَنَا إِنَّكَ رَسُولُهُ حَقّاً، أَوْ يُرْسِلُ إِلَينا مَلَكاً فَيُخْبِرُنا بِذلِكَ، كَمَا كَلَّمَكَ، وَأَنْتَ بَشَرٌ مِثْلُنَا. وَهَلاَّ تَأْتِينَا بِبُرْهاَنٍ عَلَى صِدْقِكَ فِي دَعْوَاكَ النُّبُوَّةَ. وَهُمْ إِنَّمَا يَقُولُونَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ والاسْتِكْبَارِ وَالتَّعْجِيزِ، لا لِلْوُصُولِ إِلَى الحَقِيقَةِ، وَجَلاَءِ الغَوَامِضِ، وَقَدْ قَالَ مِثْلَ هذِهِ الأَقْوالِ، التِي يُرادُ بِهَا التَّعَنُّتِ وَالعِنَادُ، مَنْ جَاءَ قَبْلَهُمْ مِنَ الأُمَمِ السَّالِفَةِ، فَسَأَلَ اليَهُودُ مُوسَى أَنْ يَرَوْا اللهَ جَهْرَةً، فَأَشْبَهَتْ قُلُوبُ مُشْرِِكِي العَرَبِ قُلُوبِ مَنْ تَقَدَّمَهُمْ فِي الكُفْرِ وَالعُتُوِّ والعِنَادِ. وَقَدَ بَيَّنَ اللهُ الدَّلاَلاَتِ، وَأَقَامَ الحُجَجَ عَلَى صِدْقِ الرَّسُولِ بِمَا لا يَحْتَاجُ إِلَى مَزِيدٍ مِن الأَدِلَّةِ، لِمَنْ كَانَ فِي قُلُوبِهِمْ إِيمَانٌ. أَمَّا الذِينَ خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِْمْ وَأَبْصَارِهِمْ، فَهؤلاءِ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يَرَوُا العَذَابَ الأَلِيمَ.
(وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ فِي سَبَبِ نُزُولِ هذِهِ الآيَةِ أَنَّ رَافِعَ بْنَ حَرْمَلَةَ قَالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : يَا مُحَمَّدُ إِْنْ كُنْتَ رَسُولَ اللهِ كَمَا تَقُولُ فَقُلْ للهِ أَنْ يُكَلِّمَنَا حَتَّى نَسْمَعَ كَلاَمَهُ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ) .
стр. 126
(١١٩) - يَقُولُ اللهَ تَعَالَى لِنَبيِّه ﷺ : إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالشَّيءِ الثَّابِتِ الحَقِّ لِتُبَشِّرَ بِهِ مَنْ أَطَاعَ، وَتُنْذِرَ بِهِ مَنْ عَصَى وَاسْتَكْبَرَ، لاَ لِتُجْبِرَ النَّاسَ عَلَى الإِيمَانِ، فَلاَ عَلَيكَ إَذَا أَصَرُّوا عَلَى الكُفْرِ وَالعِنَادِ، فَلاَ يَضُرَّنَّكَ تَكْذِيبُ المُكَذِّبِينَ، فَأَنْتَ لَمْ تُبْعَثْ مُلْزِماً وُمُجْبِراً، فَتَكُونَ مُقَصِّراً إِذَا لَمْ يُؤْمِنُوا لَكَ.
الحَقُّ - الشَّيءُ الثَّابِتُ الذِي لاَ شَكَّ فِيهِ.
стр. 127
﴿النصارى﴾ ﴿وَلَئِنِ﴾
(١٢٠) - كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَرْجُو أَنْ يُبَادِرَ أَهْلُ الكِتَابِ إِلَى الإِيْمَانِ بِهِ قَبْلَ غَيْرِهِمْ، لِذلِكَ كَبُرَ عَلَيهِ إِعْرَاضُهُمْ عَنْ إِجَابَةِ دَعْوَّتِهِ، وَإِلحَافُهُمْ فِي مُجَاحَدَتِهِ، فَأَرَادَ اللهُ تَعَالَى فِي هذِهِ الآيَةِ أَنْ يُيْئِسَهُ مِنَ الطَّمَعِ فِي إِسْلاَمِهِمْ، إِذْ عَلَّقَ رِضَاهُمْ عَنْهُ بِمَا هُوَ مُسْتَحِيلٌ أَنُ يَكُونَ، فَقَالَ لَهُ: إِنَّ اليَهُودَ وَالنَّصارَى لَنْ يَرْضَوْا عَنْكَ أَبداً مَا لَمْ تَتْبَعُ مِلَّتَهُمْ وَشَرِيعَتَهُمْ، لِذلِكَ عَلَيكَ تَرْكُ طَلَبِ مَرْضَاتِهِمْ، وَالاتِّجَاهُ إِلى طَلَبِ مَرْضَاةِ اللهِ في دَعْوَتِكَ إِيَّاهُمْ إِلى مَا بَعَثَكَ اللهُ بِهِ مِنَ الحَقِّ. وَقُلْ لَهُمْ: إِنَّ الدِّينَ الذِي جِئْتُ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَالذِي أَنْزَلَهُ اللهُ عَلَى أَنْبِيَائِهِ (هُدَى اللهُ) هُوَ الدِّينُ الصَّحِيح. وَيَتَوَعَّدَ اللهُ المُؤْمِنينَ الذِينَ يَتَّبِعُونَ طَرائِقَ اليَهُودِ والنَّصَارَى وَيَقْبلُونَ مَا أَضَافُوهُ إِلى دِينِهِمْ مِنْ عِنْدِ أنفُسِهِمْ، بِحَسَبِ أَهْوَائِِهِمْ وَغَايَاتِهِمْ، وَيَقُولُ لَهُمْ إِنَّهُمْ لَنْ يَكُونَ لَهُمْ نَاصِرٌ مِنْ عَذَابِ اللهِ، لأَنَّهُمْ أَصْبَحُوا عَلَى بَيِّنَةٍ مِنَ الحَقِّ بَعْدَ مَا عَلِمُوهُ مِنَ القُرآنِ وَالسُّنَّةِ، (وَالخِطَابُ هُنَا لِلرَّسُولِ وَالتحذيرُ لأُمَّتِهِ، لأَنَّ الرَّسُولَ ﷺ مَعْصُومٌ) .
стр. 128
﴿آتَيْنَاهُمُ﴾ ﴿الكتاب﴾ ﴿أولئك﴾ ﴿فأولئك﴾ ﴿الخاسرون﴾
(١٢١) - وَمِنْ أَهْلِ الكِتاب طَائِفَةٌ يَقْرَؤُونَ التَّورَاةَ بِخُشُوعٍ وَإِمْعَانٍ، وَيَتدبَّرُونَ مَعْنَاهَا، وَيَفْقَهُونَ أَسْرَارهَا وَحِكََمَها، وَأُولئِكَ هُمُ الذِينَ يَعْقِلُونَ أَنَّ مَا جِئْتَ بِهِ يَا مُحَمَّدُ هُوَ الحَقُّ، فَيُؤْمِنُونَ بِهِ، وَيَهْتَدُونَ بِهَدْيِهِ إِلى سَوَاءِ السَّبِيلِ، (كَعَبْدِ اللهِ بْنِ سَلاَّمٍ) . وَمَنْ يَكْفُرْ بِمَا أُنْزِلَ إِليكَ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ الحَقُّ، مِنَ الرُّؤَسَاءِ المَعَانِدِينَ، وَالجُهَّالِ المُقَلِّدِينَ، فَأُولئِكَ هُمُ الذِينَ خَسِرُوا سَعَادَةَ الدُّنْيَا، وَالمَجْدَ وَالسِّيَادَةَ التِي يُعْطِيهَا اللهُ مَنْ يَنْصُرُ دِينَهُ.
стр. 129
﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ ﴿العالمين﴾
(١٢٢) - يُذَكِّرُ اللهُ تَعَالَى اليَهُودَ بِأَفْضَالِهِ وَأَنْعُمِهِ عَلَى أَسْلاَفِهِمْ، وَتَفْضِيلِهِ إِيَّاهُمْ عََلَى أَهْلِ زَمَانِهِمْ، الذِينَ لَمْ يَكُونُوا يَدِينُونَ بِدِينٍ سَمَاوِيٍّ، وَيَحُثُّهُمْ عَلَى شُكْرِ اللهِ عَلَى إِنْزَالِهِ التَّورَاةَ إِليهِمْ. وَشُكْرُ اللهِ يَكُونَ بِالإِيمَانِ بِجَمِيعِ مَا جَاءَ فِيها، وَمِنْ جُمْلَةِ مَا جَاءَ فِيهَا وَصْفُ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَالبِشَارَةُ بِهِ، وَالمِيثَاقُ الذِي أَخَذَهُ اللهُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى الإِيمَانِ بِهِ وَمُنَاصَرَتِهِ.
فَاللهُ تَعَالَى يُذَكِّرُهُمْ بِذلِكَ لِيُؤْمِنُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ وَرِسَالَتِهِ، وَلِكَيْلا يَحْمِلَهُمْ الحَسَدُ عَلَى مُخَالَفَتِهِ وَتَكْذِيبِهِ وَالكَيْدِ لَهُ.
стр. 130
﴿شَفَاعَةٌ﴾
(١٢٣) - وَيَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى اليَهُودَ بِالخَوْفِ مِنَ عِقَابِ اللهِ فِي يَوْمٍ لاَ تَدْفَعُ فِيهِ نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ، وَلا يُقْبَلُ مِنْها فِدَاءٌ، وَلا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ، وَلا يَجِدُ فِيهِ الكَافِرُ نَصِيراً لَهُ مِنْ دُونِ اللهِ.
стр. 131
﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ ﴿بِكَلِمَاتٍ﴾ ﴿الظالمين﴾
(١٢٤) - وَاذكُرْ يَا مُحَمَّدُ لأَهْلِ الكِتَابِ وَالمُشْرِكِينَ اختِبَارَ اللهِ لإِبراهِيمَ بِمَا كَلَّفَهُ بِهِ مِنَ الأَوَامِرِ وَالنَّواهِي، فَقَامَ بِها عَلَى الوَجْهِ الأَكْمَلِ، فَجَعَلَهُ اللهُ للنَّاسِ قُدْوَةً وَإِمَاماً. فَدَعَا إِبْرَاهِيمَ النَّاسَ إِلَى تَوحِيدِ اللهِ، وَالبَراءَةِ مِنَ الشِّرْكِ. وَسَأَلَ إِبراهِيمُ رَبَّهُ أَنْ تَكُونَ الإِمَامَةُ في ذُرِّيَّتِهِ، فَأَجَابَهُ اللهُ، جَلَّ شَأْنُهُ، إِلى مَا سَأَلَ، وَلكِنَّهُ قَالَ لَهُ: إِنَّ عَهْدَهُ سُْبْحَانَهُ لا يَنَالُ الظَّالِمِينَ، وَلِذلِكَ فَلاَ يُمْكِنُ أَنْ يََكُونَ الظَّالِمُونَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ أَئِمَّةً يُقْتَدَى بِهِمْ.
الابْتِلاءُ - الاخْتِبَارُ.
стр. 132
﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ ﴿وَإِسْمَاعِيلَ﴾ ﴿لِلطَّائِفِينَ﴾ ﴿العاكفين﴾
(١٢٥) - وَاذكُرْ يَا مُحَمَّدُ لِهؤُلاءِ إِذْ جَعَلْنَا الكَعْبَةَ بَيْتاً حَرَاماً وَمَرجِعاً للنَّاسِ يَثُوبُونَ إِليهِ للعِبَادَةِ، وَيقْصِدُونَهُ لأَدَاءِ المَنَاسِكِ فِيهِ، وَأَمَاناً لِلْخَائِفِينَ اللائِذِينَ بِهِ، لاحتِرَامِ النَّاسِ لَهُ، وَتَعْظِيمِهِمْ إِيَّاهُ، وَإِذْ أَوْحَينَا إِلى النَّاسِ أَنِ اتَّخِذُوا مِنَ المَكَانِ الذِي كَانَ إِبرَاهِيمُ يَقُومٌ عَلَيهِ، وَهُوَ يَبْنِي البَيْتَ، مُصَلىً. واذكُرْ يَا مُحَمَّدُ لِهؤلاءِ إِذْ أَمَرْنَا وَوَصَّيْنَا إِبْرَاهِيمَ وَابْنَهُ إِسْمَاعِيلَ أَنْ يُطَهِرَا بَيتِ اللهِ (الكَعْبَةِ) مِنَ الأَقْذَارِ وَالأَرْجَاسِ وَالشِّرْكِ وَالأَوْثَانِ، لِلطَّائِفِينَ بِهِ، وَهُمْ آتُونَ مِنْ غُرْبَةٍ، وَلِلْعَاكِفِينَ المُقِيمِينَ فِيهِ مِنْ أَهْلِهِ، وَلِلْمُصَّلِينَ الذِينَ يُؤَدُّونَ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ فِيهِ. (وَيَشْمَلُ الأَمْرُ تَطْهِيرَ البَيْتِ مِنْ الرِّجْسِ الحِسِّيِّ كَالرَّفَثِ وَاللَّغْوِ وَالتَّنَازُعِ فِيهِ حِينَ أَدَاءِ العِبَادَاتِ، كَالطَّوَافِ والسَّعْيِ وَالصَّلاةِ) .
مَثَابَةً - مَلْجَأً وَمَكَانَ أَمْنٍ.
عَهِدْنا - وَصَّيْنَا وَأَمَرْنَا.
العَاكِفِينَ - المُعْتَكِفِينَ، الذِينَ يِبْقُونَ فَتْرَةً لِلْعِبَادَةِ.
стр. 133
﴿إِبْرَاهِيمُ﴾ ﴿آمِناً﴾ ﴿الثمرات﴾ ﴿مَنْ آمَنَ﴾ ﴿الآخر﴾
(١٢٦) - وَاذْكُرْ لِقَوْمِكَ إِذْ دَعَا إِبْرَاهِيمَ رَبَّهُ فَقَالَ: رَبِّ اجْعَلْ هذِهِ البُقْعَةَ المُحِيطَةَ بِالكَعْبَةِ بَلَداً آمِناً مِنَ الخَوْفِ فَلاَ يُرْعَبُ أَهْلُهُ، وُارْزُقْ مَنْ آمَنَ مِنْ أَهْلِهِ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ مِنَ الثَّمَرَاتِ. فَرَدَّ اللهُ سُبْحَانَهُ عَلَيهِ قَائِلاً: إِنَّهُ سَيَرْزُقُ المُؤْمِنِينَ وَغَيْرَ المُؤْمِنِينَ مِنَ النَّاسِ، لأَنَّهُ سُبْحَانَهُ لاَ يَخْلُقُ خَلْقاً لا يَرْزُقُهُ. وُلكِنَّهُ تَعَالَى جَعَلَ ذلِكَ الرِّزْقَ لِمَنْ كَفَرَ مَتَاعاً قَلِيلاً، مُدَّةَ وُجُودِهِمْ فِي الدُّنيا، ثُمَّ يَأْخُذُهُمْ وَيَسُوقُهُمْ إِلى نَارِ جَهَنَّمَ سَوْقاً لِيُعَذِّبَهُمْ فِيها، وَمَا أَسْوَأَهُ مِنْ مَصِيرٍ.
(وَفِي الحَدِيثِ: " إِنَّ الله ليُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ ") .
أَضْطَرُّهُ - أَدْفَعُهُ وَأَسُوقُهُ وَأُلْجِئُهُ.
стр. 134
﴿إِبْرَاهِيمُ﴾ ﴿وَإِسْمَاعِيلُ﴾
(١٢٧) - وَاذْكُرْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ حِينَما كَانَ يَرْفَعُ إِبراهِيمُ وَإِسْمَاعِيلُ القَوَاعِدَ وَالآسَاسَ مِنَ الكَعْبَةِ، وَيَدْعُوَانِ رَبَّهُمَا أَنْ يَتَقَبَّلَ مِنْهُمَا عَمَلَهُمَا، لأَنَّهُمَا يَقُومَانِ بِعَمَلٍ صَالِحٍ، فَهُو تَعَالَى الذِي يَسْمَعُ الدُّعَاءَ، وَهُوَ الذِي يَعْلَمُ النِّيَاتِ. فَمَصْدَرُ شَرَفِ الكَعْبَةِ أَنَّها بُنِيَتْ عَلَى اسْمِ اللهِ، وَلِعبَادَةِ اللهِ فِي تِلْكَ الأَرْضِ، التِي تَطْغَى عَلَيهَا الوَثَنِيَّةُ، لاَ لأَحْجَارِهَا وَلاَ لِمَوْقِِهَا.
стр. 135
(١٢٨) - رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُخْلِصَيْنِ لَكَ فِي العِبَادَةِ، مُسْتَسْلِمَيْنِ لأَمْرِكَ وَقَضَائِكَ، خَاضِعَيْنِ لِطَاعَتِكَ، لاَ نُشْرِكُ مَعَكَ فِي العِبَادَةِ أَحَداً، وَاجْعَلْ مَنْ ذُرِّيتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ تَعْبُدُكَ، وَلاَ تُشْرِكُ بِكَ شَيْئاً، لِيَسْتَمِرَّ الإسْلاَمُ بِقُوّةِ الأُمَّةِ، وَتَعَاوُنِ الجَمَاعَةِ، وَعَلِّمْنا مَنَاسِكَ حَجِّنَا، وَوَفِّقْنَا لِنَتُوبَ إِليكَ، وَنَرْجِعَ إِليكَ مِنَ كُلِّ عَمَلٍ يَشْغَلُنا عَنْكَ، وَأَنْتَ يَا رَبِّ الكَثِيرُ التَّوْبِ، الرَّحيمُ بِالتَّائِبينَ.
(وَقَدْ صَحِبَ جِبْرِيلُ، ﵇، إِبراهيمَ إِلى مِنىً وَعَرَفَاتٍ وَالمشْعَرِ الحَرَامِ، لِيُرِيَهُ المَنَاسِكَ، وَالأَعْمَالَ الوَاجِبَ إِتمَامُها فِي الحَجِّ، وَفِي الطَّرِيقِ عَرَضَ إبليسُ لإِبراهِيمَ فَرَمَاهُ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ فِي كُلِّ مَرَّةٍ، فَذلِكَ سَبَبُ رَمْيِ الجمارِ) .
أَرِنَا مَنَاسِكَنَا - عَلِّمْنا مَنَاسِكَ حَجِّنا.
المَنْسَكُ - المَكَانُ المُقَدَّسُ، وَيُقْصَدُ بِالمَنَاسِكِ هُنَا الأَفْعَالُ التِي يَقُومُ الحَاجُّ بِها. كَالطَّوافِ وَالوُقٌوفِ فِي عَرَفَاتٍ وَمِنىً.
التَّوَّابُ - كَثيرُ التَوْبِ والمَغْفِرةِ.
стр. 136
﴿يَتْلُواْ﴾ ﴿آيَاتِكَ﴾ ﴿الكتاب﴾
(١٢٩) - وَأَتَمَّ إِبراهِيمُ وَإِسْمَاعِيلُ، ﵉، دَعْوَتَهُمَا لأَهْلِ الحَرَمِ أَنْ يَبْعَثَ اللهُ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ (أَيْ مِنْ ذُرِّيَّةِ إِبراهِيمَ) يَتْلُو عَلَيهِمْ آياتِ اللهِ، وَيُعَلِّمُهُمُ القُرآنَ (الكِتَابَ) وَيُعَلّمُهُمْ أَسْرَارَ الشَّرِيعَةِ وَمَقَاصِدَهَا بِسِيرَتِهِ فِي المُسْلِمِينَ، فَيَكُونُ قُدْوَةً لَهُمْ (السُّنَّةُ) وَيُفَقِّهُهُمْ فِي الدِّينِ (يُعَلِّمُهُمُ الحِكْمَةَ (أَيْ إِنَّ الرَّسُولَ يُعَلِّمُهُمُ الخَيْرَ فَيَفْعَلُونَهُ، وَيُبَصِّرُهُمْ بِالشَّرِّ فَيَجْتَنِبُونَهُ، وَيُخْبِرُهُمْ بِرِضَا اللهِ عَنْهُمْ إِذَا أَطَاعُوهُ، لِيسْتَكْثِرُوا مِنْ طَاعَتِهِ، وَيَجْتَنِبُوا مَا يُسْخِطُهُ مِنْ مَعْصِيَتِهِ) .
وَخَتَمَا دَعْوَتَهُمَا بِقُوْلِهِما: إِنَّكَ يَا رَبِّ أَنْتَ العَزيزُ الذِي لاَ يُعْجِزُهُ شَيءٌ، القَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ، الحَكِيمُ فِي أَفْعَالِهِ وَأَقْوالِهِ وَشَرْعِهِ فَيَضَعُ الأَشْيَاءَ فِي مَحَالِّهَا لِعِلْمِهِ وَحِكْمَتِهِ وَعَدْلِهِ.
يُزَكْيهم - يُطَهِّرُهُمْ مِنَ الشِّرْكِ وَالمَعَاصِي.
стр. 137
﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ ﴿اصطفيناه﴾ ﴿الصالحين﴾
(١٣٠) - لَقَدْ تَجَرَّدَ إِبراهِيمُ فِي عِبَادَةِ اللهِ فَلَمْ يَدْعُ مَعَهُ غَيْرَهُ، وَلَمْ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً، وَتَبَرَّأَ مِنْ كُلِّ مَعْبُودٍ سِوَاهُ حَتَّى تَبَرَّأَ مِنْ أَبِيهِ، وَخَالفَ قَوْمَهُ. فَمَنْ يَتْرُكَ طَرِيقَ إِبْراهيمَ هذا وَمَسْلَكَهُ وَمِلَّتَهُ، وَيَتَّبِعْ طَرِيقَ الغَيِّ وَالضَّلاَلِ، فَهُوَ سَفِيهٌ، وَلاَ يَرْتَكِبُ الضَّلاَلَةَ إِلاَّ السَّفيهُ.
وَلَقَدِ اصْطَفَى اللهُ إِبراهِيمَ وَاخْتَارَهُ في الدُّنيَا، وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ مِنَ الصَّالِحِينَ المُقَرَّبينَ عِنْدَ اللهِ.
يَرْغَبُ عَنْ - يَزْهَدُ وَيَنْصَرِفُ عَنِ الشَّيءِ.
سَفِهَ نَفْسَهُ - امْتَهَنَهَا وَاسْتَخَفَّ بِهَا.
стр. 138
﴿العالمين﴾
(١٣١) - أَمَرَ اللهُ إِبراهيمَ بِالإِخلاَصِ لَهُ، وَالاسْتِسْلامِ لِحُكْمِهِ، فَامْتَثَلَ لأَمْرِ رَبِّهِ، وَقَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ العَالَمِينَ جَمِيعاً.
أَسْلِمْ - انْقَدْ وَأَخْلِصِ العِبَادَةَ.
стр. 139
﴿إِبْرَاهِيمُ﴾ ﴿يَابَنِيَّ﴾
(١٣٢) - وَكَانَتْ كَلِمَةُ الإِسْلامِ للهِ مُحَبَّبَةً إِلَى نَفْسِ إِبْراهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ فَأَوصَوْا بِهَا أَبْنَاءَهُمْ حِينَ حَضَرَتْهُمُ الوَفَاةُ وَقَالُوا لَهُمْ: إِنَّ الله اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَأَحْسِنُوا فِي حَيَاتِكُمْ، وَالْزَمُوا ذلِكَ لِيَرزُقَكُمُ اللهُ الوَفَاةَ عَلَيهِ، لأنَّ المَرْءَ يَمُوتُ عَلَى مَا كَانَ عَلَيهِ، وَيُبْعَثُ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيهِ.
стр. 140
﴿آبَائِكَ﴾ ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ ﴿وَإِسْمَاعِيلَ﴾ ﴿وَإِسْحَاقَ﴾ ﴿وَاحِداً﴾
(١٣٣) - يَقُولُ تَعَالَى إِنَّ اليَهُودَ الذِينَ كَانُوا فِي عَصْرِ النَّبِيِّ ﷺ يُجَادِلُونَهُ، وَيَجْحَدُونَ نُبُوَّتَهُ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ إِنَّما يَسِيرُونَ عَلَى الدِّينِ الذِي مَاتَ عَلَيهِ يَعْقُوبَ، مَعْ أَنَّهُم لَمْ يَكُونُوا حَاضِرِينَ (شُهَدَاءَ) حِينَمَا حَانَتْ مَنِيَّةُ يَعْقُوبُ، وَجَاءَهُ المَوْتُ، وَلَكِنَّ اللهَ كَانَ شَاهِداً عَلَى ذلِكَ. وَيُقَرِّرُ سُبْحَانَهُ: إِنَّ يَعقُوبَ سَأَلَ بَنِيهِ عَمَّا يَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِهِ، فَقَالُوا لَهُ: إِنَّهُمْ يَعْبُدُونَ إِلهَهُ وَإِلهَ آبَائِهِ، الوَاحِدَ الأَحَدَ، الذِي لا شَرِيكَ لَهُ، وَسَيُسَلِّمُونَ أَمْرَهُمْ إِليهِ.
(هذِهِ الآيَةُ تُرشِدُ إلى أَنَّ دِينَ اللهِ وَاحدٌ فِي كُلِّ أُمَّةٍ، وَعَلَى لِسَانِ كُلِّ نَبِيٍّ، وَرُوحُهُ التَّوحِيدُ وَالاسْتِسْلاَمُ للهِ، وَالإِذْعَانُ لِهَدْيِ الأَنْبِيَاءِ) .
стр. 141
﴿وَلاَ تُسْأَلُونَ﴾
(١٣٤) - فَتِلْكَ الأَجْيَالُ السَّالِفَةِ كَانُوا أَمَّةً مُؤْمِنَةً، فَلا يَنْفَعُكُمُ الانتِسَابُ إِلَيهِمْ، إَذَا لَمْ تَفْعَلوا أَنْتُم خَيْراً تَنْتَفِعُونَ بِهِ، فَقَدْ جَرَتْ سُنَّةُ اللهِ فِي خَلْقِهِ عَلَى أَنْ لا يُجْزَى أَحَدٌ إِلاَّ بِكَسْبِهِ وَعَمَلِهِ، وَلا يُسْأَلُ أَحَدٌ إِلا عَنْ كَسْبِهِ وَعَمَلِهِ، فَكُلُّ وَاحِدٍ يُحَاسَبُ عَلَى عَمَلِهِ، وَلاَ تُسْأَلُونَ أَنْتُمْ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ هُمْ.
خَلَتْ - مَضَتْ وَسَلَفَتْ.
стр. 142
﴿نصارى﴾ ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾
(١٣٥) - قَالَ يَهُودٌ لِلرَّسُولِ، ﵇: مَا الهُدَى إلاَّ مَا نَحْنُ عَلَيهِ، فَاتَّبِعْنا يَا مُحَمَّدُ تَهْتَدِ. وَقَالَتِ النَّصَارَى مِثْلَ ذلِكَ. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هذِهِ الآيَةَ يَرُدُّ بِهَا عَلَيِهْم. فَقَالَ لِنَبِيِّهِ الكَرِيمِ: قُلْ لَهُمْ: إِنَّنا لاَ نُرِيدُ اتِّبَاعَ مِلَّة اليَهُودِ، وَلا اتِّبَاعَ مِلَّةِ النَّصَارَى، لأنَّ كِلتَا المِلَّتَيْنِ قَدْ حُرِّفَتا عَنْ أَصْلِهِمَا الصَّحِيحِ، وَبَعُدتَا عَنْ مِلَةِ إِبراهِيمَ، وَلكِنّنا نَتَّبعُ الإِسْلاَمَ، مِلَّةَ إِبْراهِيمَ المُخْلِصِ المُسْتَقِيمِ (حَنِيفاً) الذِي لَمْ يَكُنْ مِنَ المُشْرِكِينَ، وَمِلَّتُهُ أَصْلُ مِلَّتِنا وَمِلَّتِكُمْ، فَهِي المِلَّةُ التِي لاَ انْحِرافَ فِيهَا وَلا زَيْعَ.
حَنِيفاً - مُنْحَرِفاً عَنِ الشِّرْكِ.
стр. 143
﴿آمَنَّا﴾ ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ ﴿إِسْمَاعِيلَ﴾ ﴿إِسْحَاقَ﴾
(١٣٦) - وَقُولُوا يَا أَيُّها المُؤْمِنُونَ لِهؤُلاءِ وَهؤُلاءِ: إِنّنا نُؤْمِنُ بمَا أُنزِلَ مِنْ عِنْدِ اللهِ عَلَى جَميعِ الأَنبياءِ وَالمُرْسَلِينَ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ، وَنَحْنُ مُسْلِمُونَ لِرَبِّنا. (كَانَ أَهْلُ الكِتَابِ مِنَ اليَهُودِ يَقْرَؤُونَ التَّورَاةَ بِالعِبْرَانِيَّةِ وَيُفَسِّرُونَها لِلمُسْلِمينَ بِالعَرَبِيَّةِ، فَقَالَ الرَّسُولُ ﷺ : " لا تُصَدِّقُوا أَهْلَ الكِتَابِ وَلا تُكَذِّبُوهُمْ، وَقُولُوا: آمَنَّا باللهِ وَمَا أُنزِلَ مِنْ عِنْدِ اللهِ ".
стр. 144
﴿آمَنُواْ﴾ ﴿آمَنْتُمْ بِهِ﴾
(١٣٧) - فَإِن آمَنَ الكُفَّارُ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ يَا أَيُّها المُؤْمِنُونَ، أي بِجَمِيعِ كُتُبِ اللهِ، وَبِجَمِيعِ رُسُلِهِ، وَلَم يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ، فَقَدِ اهْتَدَوْا لِلْحَقِّ، وَإِنْ تَوَلّوْا عَنِ الحَقِّ بَعْدَ قِيَامِ الحُجَّةِ عَلَيهِمْ، وَاتَّبَعُوا البَاطِلَ، فَإِنَّهُمْ مُشَاقُّونَ مُخَالِفُونَ، وَسَيَنْصُرُكَ اللهُ عَلَيهِمْ يَا مُحَمَّدٌ، وَيُظْفِرُكَ بِهِمْ، وَهُوَ الذِي يَسْمَعُ مَا يَقُولُونَ وَيَعْلَمُ مَا يُدَبِّرُونَ.
стр. 145
﴿عَابِدونَ﴾
(١٣٨) - لَقَدْ صَبَغَنَا اللهُ وَفَطَرَنَا عَلَى الاسْتِعْدَادِ لِلْحَقِّ وَالإِيْمَانِ بِمَا جَاءَ بِهِ الأَنْبِيَاءُ وَالمُرْسَلُونَ، وَهذِهِ هِيَ مِيزَتُنَا التِي نَتَحَلَّى بِهَا، كَمَا يَتَحَلَّى الثَّوبُ بِالصَّبْغِ، وَلا أَحَدَ تَكُوُن صِبْغَتُهُ أَحسَنَ مِن صِبْغَةِ اللهِ، فَإِنَّهُ هُوَ الذِي يَصْبِغُ عِبَادَهُ بِالإِيمَانِ، وَنَحْن لاَ نَعْبُدُ غَيْرَه، وَلاَ نَخْضَعُ إِلاَّ لَهُ، وَلاَ نَتَّبعُ إِلاَّ مَا هَدَانا وَأَرْشَدنَا إِلَيهِ.
صِبْغَةَ اللهِ - مَصْدرٌ مُؤَكَّدٌ فَهُوَ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ (الزَمُوا صِبْغَةَ اللهِ أي دِينَ اللهِ أَوْ فِطْرَتَهُ) .
следующие страницы →