Полный текст (6 113 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
﴿وَلاَ تُسْأَلُونَ﴾
(١٣٤) - فَتِلْكَ الأَجْيَالُ السَّالِفَةِ كَانُوا أَمَّةً مُؤْمِنَةً، فَلا يَنْفَعُكُمُ الانتِسَابُ إِلَيهِمْ، إَذَا لَمْ تَفْعَلوا أَنْتُم خَيْراً تَنْتَفِعُونَ بِهِ، فَقَدْ جَرَتْ سُنَّةُ اللهِ فِي خَلْقِهِ عَلَى أَنْ لا يُجْزَى أَحَدٌ إِلاَّ بِكَسْبِهِ وَعَمَلِهِ، وَلا يُسْأَلُ أَحَدٌ إِلا عَنْ كَسْبِهِ وَعَمَلِهِ، فَكُلُّ وَاحِدٍ يُحَاسَبُ عَلَى عَمَلِهِ، وَلاَ تُسْأَلُونَ أَنْتُمْ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ هُمْ.
خَلَتْ - مَضَتْ وَسَلَفَتْ.
стр. 142
﴿نصارى﴾ ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾
(١٣٥) - قَالَ يَهُودٌ لِلرَّسُولِ، ﵇: مَا الهُدَى إلاَّ مَا نَحْنُ عَلَيهِ، فَاتَّبِعْنا يَا مُحَمَّدُ تَهْتَدِ. وَقَالَتِ النَّصَارَى مِثْلَ ذلِكَ. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هذِهِ الآيَةَ يَرُدُّ بِهَا عَلَيِهْم. فَقَالَ لِنَبِيِّهِ الكَرِيمِ: قُلْ لَهُمْ: إِنَّنا لاَ نُرِيدُ اتِّبَاعَ مِلَّة اليَهُودِ، وَلا اتِّبَاعَ مِلَّةِ النَّصَارَى، لأنَّ كِلتَا المِلَّتَيْنِ قَدْ حُرِّفَتا عَنْ أَصْلِهِمَا الصَّحِيحِ، وَبَعُدتَا عَنْ مِلَةِ إِبراهِيمَ، وَلكِنّنا نَتَّبعُ الإِسْلاَمَ، مِلَّةَ إِبْراهِيمَ المُخْلِصِ المُسْتَقِيمِ (حَنِيفاً) الذِي لَمْ يَكُنْ مِنَ المُشْرِكِينَ، وَمِلَّتُهُ أَصْلُ مِلَّتِنا وَمِلَّتِكُمْ، فَهِي المِلَّةُ التِي لاَ انْحِرافَ فِيهَا وَلا زَيْعَ.
حَنِيفاً - مُنْحَرِفاً عَنِ الشِّرْكِ.
стр. 143
﴿آمَنَّا﴾ ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ ﴿إِسْمَاعِيلَ﴾ ﴿إِسْحَاقَ﴾
(١٣٦) - وَقُولُوا يَا أَيُّها المُؤْمِنُونَ لِهؤُلاءِ وَهؤُلاءِ: إِنّنا نُؤْمِنُ بمَا أُنزِلَ مِنْ عِنْدِ اللهِ عَلَى جَميعِ الأَنبياءِ وَالمُرْسَلِينَ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ، وَنَحْنُ مُسْلِمُونَ لِرَبِّنا. (كَانَ أَهْلُ الكِتَابِ مِنَ اليَهُودِ يَقْرَؤُونَ التَّورَاةَ بِالعِبْرَانِيَّةِ وَيُفَسِّرُونَها لِلمُسْلِمينَ بِالعَرَبِيَّةِ، فَقَالَ الرَّسُولُ ﷺ : " لا تُصَدِّقُوا أَهْلَ الكِتَابِ وَلا تُكَذِّبُوهُمْ، وَقُولُوا: آمَنَّا باللهِ وَمَا أُنزِلَ مِنْ عِنْدِ اللهِ ".
стр. 144
﴿آمَنُواْ﴾ ﴿آمَنْتُمْ بِهِ﴾
(١٣٧) - فَإِن آمَنَ الكُفَّارُ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ يَا أَيُّها المُؤْمِنُونَ، أي بِجَمِيعِ كُتُبِ اللهِ، وَبِجَمِيعِ رُسُلِهِ، وَلَم يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ، فَقَدِ اهْتَدَوْا لِلْحَقِّ، وَإِنْ تَوَلّوْا عَنِ الحَقِّ بَعْدَ قِيَامِ الحُجَّةِ عَلَيهِمْ، وَاتَّبَعُوا البَاطِلَ، فَإِنَّهُمْ مُشَاقُّونَ مُخَالِفُونَ، وَسَيَنْصُرُكَ اللهُ عَلَيهِمْ يَا مُحَمَّدٌ، وَيُظْفِرُكَ بِهِمْ، وَهُوَ الذِي يَسْمَعُ مَا يَقُولُونَ وَيَعْلَمُ مَا يُدَبِّرُونَ.
стр. 145
﴿عَابِدونَ﴾
(١٣٨) - لَقَدْ صَبَغَنَا اللهُ وَفَطَرَنَا عَلَى الاسْتِعْدَادِ لِلْحَقِّ وَالإِيْمَانِ بِمَا جَاءَ بِهِ الأَنْبِيَاءُ وَالمُرْسَلُونَ، وَهذِهِ هِيَ مِيزَتُنَا التِي نَتَحَلَّى بِهَا، كَمَا يَتَحَلَّى الثَّوبُ بِالصَّبْغِ، وَلا أَحَدَ تَكُوُن صِبْغَتُهُ أَحسَنَ مِن صِبْغَةِ اللهِ، فَإِنَّهُ هُوَ الذِي يَصْبِغُ عِبَادَهُ بِالإِيمَانِ، وَنَحْن لاَ نَعْبُدُ غَيْرَه، وَلاَ نَخْضَعُ إِلاَّ لَهُ، وَلاَ نَتَّبعُ إِلاَّ مَا هَدَانا وَأَرْشَدنَا إِلَيهِ.
صِبْغَةَ اللهِ - مَصْدرٌ مُؤَكَّدٌ فَهُوَ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ (الزَمُوا صِبْغَةَ اللهِ أي دِينَ اللهِ أَوْ فِطْرَتَهُ) .
стр. 146
﴿أَعْمَالُنَا﴾ ﴿وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾
(١٣٩) - قُلْ يَا مُحَمَّدُ لأَهْلِ الكِتَابِ مِنَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى إِنَّكُمْ تُجَادِلُونَنَا وَتَدَّعُونَ أَنَّ الدِّينَ الحَقَّ هُوَ دِينُكُمْ (اليَهُودِيَّةُ أَوِ النَّصْرَانِيَّةُ) ، فَتَقُولُونَ حِيناً (لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى) ، وَتَقُولُونَ حِيناً آخَرَ: (كُونُوا هُوداً أو نَصَارَى تَهْتَدُوا. .) وَلكِنْ مِنْ أَيْنَ جَاءَكُمْ هذا القُرْبُ مِنَ اللهِ مِنْ دُونِنا؟ واللهُ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ وَرَبُّ العَالَمِينَ جَمِيعاً، فَهُوَ خَالِقُنَا جَمِيعاً، وَالنَّاسُ لا يَتَفَاضَلُونَ عِنْدَ اللهِ إِلاَّ بِأَعْمَالِهِمْ وَصَلاَحِهِمْ؛ وَآثَارُ أَعْمَالِنا عَائِدَةٌ إِلَيْنَا، خَيْراً كَانَتْ أَو شَرّاً، وَآثَارُ أَعْمَالِكُمْ عَائِدَةٌ عَلَيْكُمْ. وَنَحْنُ مُخْلِصُونَ للهِ فِي أَعْمَالِنا لاَ نَبْتَغِي بِهَا إِلاَّ وَجْهَهُ الكَرِيمَ، أَمَّا أَنْتُمْ فَقَدْ اتَّكَلْتُمْ عَلَى أَسْلاَفِكُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ، وَزَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ سَيَشْفَعُونَ لَكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ، مَعَ أَنَّكُمْ مُنْحَرِفُونَ عَنْ سِيرَتِهِمْ.
стр. 147
﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ ﴿إِسْمَاعِيلَ﴾ ﴿إِسْحَاقَ﴾ ﴿أَوْ نصارى﴾ ﴿أَأَنْتُمْ﴾ ﴿شَهَادَةً﴾ ﴿بِغَافِلٍ﴾
(١٤٠) - أَتَقُولُونَ إِنَّ قُرْبَكُمْ مِنَ اللهِ أَكْثَرُ مِنَّا، كَانَ بِسَبَبِ امْتِيازِكُمْ بِاليَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ التِي كَانَ عَلَيهَا أَنْبياءُ اللهِ، إِبراهِيمُ وَإِسْمَاعِيلُ وَإِسْحَاقُ وَيَعْقُوبُ. . . فَإِنْ كَانَ هذَا مَا تَدَّعُونَ فَأَنْتُمْ كَاذِبُونَ فِيمَا تَقُولُونَ، فَإِنَّ اليَهُودَيَّةَ لَمْ تَظْهَرْ كَاسمٍ إِلاَّ بَعْدَ مُوسَى، والنَّصْرَانِيَّةُ لَمْ تَظْهَرْ إِلاَّ بَعْدَ عِيسَى، فَكَيْفَ تَزْعُمُونَ أَنَّ هؤُلاءِ الأَنْبِياءَ الذِين سَبَقُوا مُوسَى وَعِيسَى بِكَثِيرٍ مِنَ الوَقْتِ، كَانُوا يَهُوداً أَوْ نَصَارَى، والعَقْلُ شَاهِدٌ عَلَى كَذِبِكُمْ فِيما تَدَّعُونَ؟ وَهَلْ أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ يَرْضَى اللهُ عَنْهُم، أمِ اللهُ هُوَ الأَعْلَمُ بِمَا يَرْتَضِيِهِ وَيَتَقَبَّلُهُ؟ وُلا شَكَّ فِي أَنَّ الله هُوَ العَلِيمُ بِذلِكَ، وَقَدْ ارْتَضَى للنَّاسِ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ، وَأَْنْتُمْ تَعْرِفُونَ ذلِكَ، وَتَعْتَرِفُونَ بِهِ، وَكُتُبُكُمْ تُصَدِّقُهُ، فَلِمَاذَا لا تَرْتَضُونَ لأَنْفُسِكُمْ هذِهِ المِلَّةَ؟
وَلاَ أَحَدَ أَكْثَرُ ظَلْماً مِمَّنْ كَتَمَ حَقِيقَةً مُثْبَتَةً فِي كِتَابِ اللهِ (شَهَادَةً) . وَهذِهِ الحَقِيقَةُ وَرَدَتْ فِي التَّورَاةِ وَتَتَضَمَّنُ: أَنَّ اللهَ تَعَالَى سَيَبْعَثُ فِيهِم نَبِيّاً مِنْ بَنِي إِخْوَتِهِمْ (وَهُمُ العَرَبُ أَبْنَاءُ إِسْمَاعِيلَ) وَهُمْ لا يَزَالُونَ يَكْتُمُونَ ذلِكَ فَيُنْكِرُونَهُ عَلَى مَنْ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى التَّورَاةِ، وَيُحَرِّفُونَهُ عَلَى المُطَّلِعِ، وَلَنْ يَتْرُكَ اللهً أَمْرَكُمْ بِلا عِقَابٍ، وَهُوَ مُحِيطٌ بِمَا تَأْتُونَ وَمَا تَذَرونَ.
стр. 148
﴿تُسْأَلُونَ﴾
(١٤١) - إِنَّ جَمَاعَةَ الأَنْبِيَاءِ قَدْ مَضَتْ بِالمَوتِ، لَهَا مَا كَسَبَتْ مِنَ الأَعْمَالِ، وَأَنْتُم لَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ مِنَ الأَعْمَالِ، وَلاَ يُسْأَلُ أَحَدٌ عَنْ عَمَلِ غَيْرِهِ، فَلا يَضُرُّهُ وَلاَ يَنْفَعُهُ.
стр. 149
﴿وَلاَّهُمْ﴾ ﴿صِرَاطٍ﴾
(١٤٢) - كَانَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ فِي مَكَةَ يَسْتَقْبِلُ فِي صَلاَتِهِ الصَّخْرَةَ التِي فِي بَيْتِ المَقْدِسِ، كَمَا كَانَ يَفْعَلُ أَنْبِيَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَبلَهُ، وَلكِنَّهُ كَانَ يُحِبُّ استِقْبَالَ الكَعْبَةِ، وَيَتَمَنَّى لَوْ أَنَّ اللهَ حَوَّلَ القِبْلََةَ إِلَيها، وَلِذلِكَ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ استِقْبَالِ الكَعْبَةِ وَبَيتِ المَقْدِسِ، فَيَقِفُ جَنُوبِيَّ الكَعبَةِ مَسْتَقْبلاً الشِّمَالَ، فَتَكُونُ الكَعْبَةِ وَالصَّخْرَةُ في جِهةٍ وَاحِدَةٍ، وَتَابَعَ المُسْلِمُونَ نَبِيَّهمْ فِي ذلِكَ. وَلَمَّا هَاجَرَ الرَّسُولُ إِلى المَدِينَةِ تَعَذَّرَ عَليهِ الجَمْعُ بَينَ القِبلَتَين، فَصَلَّى مُستَقْبِلاً بَيْتَ المَقْدِسِ، وَبَقِيَ عَلَى ذلِكَ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْراً. وَنَبَّه اللهُ رَسُولَهُ - وَقبلَ أَنْ يَقَعَ ذلِكَ - إِلى أَنَّ اليَهُودَ سَيَتَّخِذُونَ مِنْ ذلِكَ التَّحَوُّلِ ذَريعةً للدَّسِّ والتَّشْكِيكِ للادِّعَاءِ بِأَنَّ دِينَهُمْ هُوَ الدِّينُ الحَقُّ، لأنَّ مُحَمَّداً وَصَحْبَهُ كَانُوا اتَّجَهُوا إِلى قِبْلَتِهِمْ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِمْ، فَمَا الذِي صَرَفَهُمْ وَوَلاَّهُمْ عَنْ القِبْلَةِ التِي كَانُوا عَلَيها؟ وَقَدْ تَأَثَّر بِذلِكَ المُنَافِقُونَ وَالمُشْرِكُونَ وَمَنْ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ وَمَرَضٌ - وَهؤُلاءِ جَميعاً هُمُ السُّفَهَاءُ الذِينَ عَنَاهُمُ اللهُ تَعَالَى - فَقَالُوا: مَا وَلَّى المُسْلِمِينَ عَنْ قِبْلَتِهِمْ؟
وَيَرُدُّ اللهُ تَعَالَى عَلَى هؤلاءِ قَائِلاً: إِنَّ المَشْرِقَ وَالمَغْرِبَ للهِ وَلَهُ الأَمرُ كُلُّهُ، وَلا فَضْلَ لِجِهَةٍ عَلَى جِهَةٍ، وَحيثُما تَوَجَّهَ المُؤْمِنُ فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ، وَالمُهِمُّ أَنْ يَمْتثِلَ النَّاسُ لأَمرِ اللهِ مِنْ غَيرِ تَشَكُّكٍ، وَدُونَ ارتِيَابٍ، وَهُوَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلى الصَّلاحِ وَالطَّريقِ المُستَقِيمِ المُوصِلِ إِلى جَنَّةِ اللهِ تَعَالَى.
السَّفَهُ - هُوَ اضْطِرابُ الرَّأيِ وَالخُلُقِ. والسُّفَهَاءُ هُنَا هُمُ اليَهُودُ.
مَا وَلاَّهُمْ - مَا صَرَفَهُمْ.
стр. 150
﴿جَعَلْنَاكُمْ﴾ ﴿إِيمَانَكُمْ﴾ ﴿لَرَءُوفٌ﴾
(١٤٣) - كَانَ النَّاسُ، قَبْلَ الإِسْلاَمِ، فِئَتِينِ:
- فِئَةً مَادِّيَّةً لا هَمَّ لَهَا إِلاَّ تَحْقيقُ مَا يَتَطَلَّبُهُ الجَسَدُ وَلَذَائِذُهُ كَالمُشْرِكينَ وَاليَهُودِ، وَقَالُوا إِنْ هيَ إِلاَّ حَيَاتُنا الدُّنيا، وَمَا يُهْلِكُنا إِلاَّ الدَّهرُ.
وَفِئَةً طَغَتْ عَلَيها النَّزعَةُ الرُّوحَانِيَّةُ الخَالِصَةُ، وَسَيْطَرَتْ عَلَيهَا فِكْرَةُ تَرْكِ الدُّنيا وَمَا فِيها مِنَ اللَّذائِذِ الجَسَدِيَّةِ كَالنَّصَارَى وَالصَابِئَةِ وَبَعْضِ طَوَائِفِ الهُنُودِ.
فَجَاءَ الإِسلامُ لِيَجْعَلَ المُسْلِمِينَ وَسَطاً بَيْنَ هؤلاءِ وَهؤُلاءِ، فَقَالَ بِتَحقيقِ مَطَالِبِ الجَسَدِ بِلا إِسْرافٍ وَلاَ مُبَالَغَةٍ، مَعَ المُحَافَظَةِ عَلَى السُمُوِّ الرُّوحِيِّ، لأَنَّ الإِنسَانَ جَسَدٌ وَرُوحٌ.
وََقَدْ جَعَلَ اللهَ المُسْلِمِينَ أُمَّةً وَسَطاً لَِيَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى المَادِيِّينَ الذِينَ فَرَّطُوا في جَنْبِ اللهِ، وَأخلَدُوا إِلى اللَّذاتِ، وَصَرَفُوا أنفُسَهُمْ عَنْ قَضَايَا الرُّوحِ، وَشُهَداءَ عَلَى الغُلاةِ فِي الرُّوحَانِيَّةِ الذِينَ قَالُوا بِتَخَلِّي الإِنسَانِ عَن اللَّذاتِ الجَسَدِيَّةِ، وَبِحِرْمَانِ النَّفْسِ مِنْ جَميعِ مَا أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ فِي هذهِ الحَيَاةِ الدُّنيا.
وَلِيَكُونَ الرَّسُولُ ﷺ ، وَهُوَ القُدوَةُ والمَثَلُ الأَعلَى لِلمُؤْمِنينَ باللهِ، شَهِيداً عَلَى المُسلِمِينَ إِن كَانُوا اتَّبعُوا سِيرَتَهُ وَشَرْعَهُ، اوِ انحَرَفُوا وَحَادُوا عَنِ الاعتِدالِ.
وَيَقُولُ اللهُ تََعَالَى إِنَّهُ إِنَّما شَرَعَ لِلنَّبِيِّ التَّوَجُّهَ إِلى بَيْتِ المَقْدِسِ أَوَّلاً، ثُمَّ صَرَفَهُ إِلَى البَيتِ الحَرَامِ لِيَظْهَرَ مَنْ يَتَّبعُ النَّبِيَّ وَيُطِيعُهُ وَيَتَّجِهُ حَيثُما اتَّجَهَ، دُونَ تَشَكُّكٍ وَلا ارتِياب، ممَّن يَرْتَدُّ عَنْ دِينِهِ (يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ) ، وَإِنْ كَانَ فِي هذَا الصَّرفِ عَنْ بيتِ المَقْدِسِ مَشَقَّةٌ عَلَى النُّفُوسِ، غَيرَ النُّفُوسِ التِي هَدَاهَا اللهُ إِلى الإِيمَان، وَلِيَظْهَرَ مَنْ يُصَدِّقُ الرَّسُولَ وَمَا جَاءَ إِليهِ مِنْ رَبِّهِ بِصُورَةٍ مُطْلَقةٍ؛ وَهؤُلاءِ المُؤْمِنُونَ المُصَدِّقُونَ يَكُونُ الأَمْرُ عَلَيهِمْ سَهْلاً يَسِيراً.
وَرَدَّ اللهُ تَعَالَى عَلَى المُتَسَائِلينَ عَلَى أَحْوالِ قَومٍ مِنَ المُسلِمِينَ كَانُوا يُصَلُّونَ إِلى بيتِ المَقْدِسِ، ثُمَّ مَاتُوا قَبلَ أن تُحَوَّلَ القِبْلَةُ إِلى الكَعْبَةِ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ اللهُ لا يُضِيعُ أَجْرَ المُؤْمِنِينَ المُحْسِنينَ فَاللهُ تَعَالَى رَؤُوفٌ بِالنَّاسِ رَحِيمٌ.
أُمَّةً وَسَطاً: خِيَاراً أَوْ مُتَوَسِّطِينَ مُعْتَدِلِينَ.
يَنْقَلبُ عَلَى عَقِبَيْهِ - يَرْتَدُّ عَنْ الإِسْلاَمِ عِنْدَ تَحوِيلِ القِبْلَةِ إِلَى الكَعْبَةِ
لَكَبِيرَةٌ - لَشَاقَّةٌ عَلَى النُّفُوسِ.
стр. 151
﴿تَرْضَاهَا﴾ ﴿الكتاب﴾ ﴿بِغَافِلٍ﴾ ﴿َحَيْثُ مَا﴾
(١٤٤) - كَانَ الرَّسُولُ ﷺ حِينَما هَاجَرَ إِلى المَدِينَةِ يَسْتَقبلُ فِي صَلاتِهِ الصَّخرَة في بيتِ المَقْدسِ، فَفَرِحَ اليَهُودُ بِذلِكَ، وَكَانَ الرَّسُولُ يُحِبُّ قِبلةَ إِبْرَاهِيمَ - الكَعْبَةَ - فَكَانَ يَدْعُو اللهَ وَيَنْظُرُ إِلى السَّمَاءِ فَأَنزَلَ اللهُ هذهِ الآيةَ. وَقَدْ أَمَرَهُ فِيها بالتَّوجُّهِ إِلى الجِهَةِ التِي يَقَعُ فِيها المَسْجِدُ الحَرَامُ (شَطْرَهُ) ، وَأَمَرَ اللهُ المُسْلِِمِينَ بِأَنَّ يَتَّجِهُوا فِي صَلاَتِهِمْ جِهَةَ المَسْجِدِ الحَرَامِ أَيْنَمَا كَانُوا فِي بِقَاعِ الأَرْضِ. وَأَعْلَمَ اللهُ الرَّسُولَ ﷺ وَالمُؤْمِنينَ، بِأَنَّ اليَهُودَ الذِينَ أَنكَرُوا عَلَى المُسْلِمِينَ تَرْكَ الصَّلاَةِ إِلَى بَيْتِ المَقْدِسِ، يَعْلَمُونَ أَنَّ هذا التَّوَلِّيَ إِلى المَسْجِدِ الحَرَامِ هُوَ الحَقُّ المُنْزَلُ مِنَ اللهِ عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ ، وَأَنَّ آخِرَ نَبِيٍّ سَتَكُونُ قِبْلَتُهُ الكَعْبَةَ، وَلكِنَّهُمْ يَكْتُمُونَ ذلِكَ كُفْراً وَحَسَداً وَعِنَاداً، لِيَخْدَعُوا ضِعَافَ الإِيمَانِ، وَيُثيروا الفِتْنَةَ وَالشُّكُوكَ في نُفُوسِهِمْ، إِذْ هُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ أَمْرَ القِبْلَةِ أَمْرٌ مِنْ أُمورِ الدِّينِ كَغَيرِهِ، لاَ مَحِيصَ لِلمُؤمنِ عَنِ اتِّبَاعِهِ إِذا جَاءَ بِهِ الوَحْيُ الذِي لا شَكَّ فِيهِ.
ثَمَّ يُهَدِّدُهُمُ اللهُ تَعَالَى وَيَقُولُ لَهُمْ: إِنَّهُ عَالِمٌ بِحَالِهِمْ، وَإِنَّهُ غَيْرُ غَافِلٍ عَنْهُمْ فِيمَا يَعْمَلُونَ.
شَطْرَ - اتِجَاهَ وَتِلْقَاءَ.
стр. 152
﴿وَلَئِنْ﴾ ﴿الكتاب﴾ ﴿آيَةٍ﴾ ﴿الظالمين﴾
(١٤٥) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى، بِأَنَّ كُفْرَ اليَهُودِ هُوَ كُفْرُ عِنَادٍ وَمُكَابَرَةٍ، وَلِذلِكَ فَلاَ يُمْكِنُ أَنْ تُزيلَهُ الحُجَّةُ والدَّلِيلُ. وَيَقُولُ اللهُ تَعَالَى لِرَسُولِهِ الكَرِيمِ ﷺ : إِنَّهُ لَوْ جَاءَهُمْ بِكُلِّ حُجَّةٍ، وَكُلِّ دَلِيلٍ عَلَى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، وَعَلَى أَنَّ مَا جَاءَهُمْ بِهِ هُوَ الحَقُّ مِنْ رَبِّهم، لَمَا اتَّبَعُوهُ، وَلَمَا صَدَّقُوهُ، لأَنَّهُمْ إِنَّمَا خَالَفُوا الرَّسُولَ عِنَاداً وَمُكَابَرَةً وَحَسَداً، وَلِذلِكَ فَلاَ يُمْكِنُ أَنْ تُؤَثِّرَ فِيهِم الحُجَّةُ. وَيَقُولُ اللهُ لِنَبِيِّهِ: إِنَّكَ لاَ تَتْبَعُ قِبْلَةَ أَهْلِ الكِتَابِ لأَنَّكَ عَلَى قِبْلَةِ إِبْرَاهِيمَ، فَهِيَ الأَجْدَرُ بِالاتِّبَاعِ. وَأَهْلُ الكِتَابِ مِنَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى لاَ يَتبَعُ بَعْضُهُمْ قِبْلَةَ بَعْضٍ. فُاليَهُودُ لا يَتَّجِهُونَ إِلى الشَّرْقِ، وَالنَّصَارَى لاَ يُغَيِّرُونَ قِبْلَتَهُمْ وَيَتَّجِهُونَ إِلى بَيْتِ المَقْدِسِ، وَكُلٌّ مِنْهُمْ مُتَمَسّكٌ بِمَا هُوَ عَلَيهِ، مُحِقاً كَانَ أَوْ مُبطِلاً، غَيرَ نَاظِرٍ إِلى حُجَّةٍ وَلاَ إِلَى بُرْهَانٍ. وَلَئِنْ وَافَقْتَهُمْ فِيما يُريدُونَ فَصَلَّيتَ إِلى قِبْلَتِهِمْ مُداراةَ لَهُمْ، وَحِرْصاً عَلَى أَنْ يَتبَعُوكَ، وَيُؤْمِنُوا بِكَ بَعدَ مَا جَاءَكَ الحَقُّ اليَقِينُ، لَتَكُونَنَّ في جُملةِ الظَّالِمينَ، وَحَاشَاكَ أَنْ تَفْعَل ذلِكَ.
стр. 153
﴿آتَيْنَاهُمُ﴾ ﴿الكتاب﴾
(١٤٦) - يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: إِنَّ عُلَمَاءَ أَهْلِ الكِتَابِ يَعْرِفُونَ صِحَّةَ مَا جَاءَهُمْ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ ، كَمَا يَعْرِفُ أَحَدُهُمْ وَلَدَهْ مِنْ بَيْنِ أَوْلادِ النَّاسِ، لاَ يَشُكُّ فِيهِ وَلا يَمْتَري. وَلكِنَّ فَرِيقاً مِنْ أَهلِ الكِتَابِ يَكْتُمُونَ الحَقَّ، وَيُنْكِرُونَ وُجُودَ صِفَةِ الرَّسُولِ فِي كُتُبِهِمْ، مَعَ أَنَّ كُتُبِهِمْ أَشَارَتْ إِلى أَنَّ اللهَ سَيَبْعَثُ رَسُولاً مِنَ العَرَبِ مِنْ وِلْدِ إِسْمَاعِيلَ، وَأَنَّهُ سَيُحَوِّلُ القِبلَةَ إِلى الكَعْبَةِ، وَهِيَ قِبْلَةً إِبراهِيمَ، ﵇.
стр. 154
(١٤٧) - وَيُخبِرُ اللهُ تَعَالَى أَنَّ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ هُوَ الحَقُّ مِنْ رَبِّهِ، لاَ مَا يَقُولُهُ اليَهُودُ وَالنَّصَارَى، فَالقِبْلَةُ التِي وَجَّهَ اللهُ إِليها نَبِيَّهُ هِيَ القِبْلَةُ الحَقُّ التِي كَانَ عَلَيْهَا إِبْرَاهِيمَ، فَاعْمَلْ يَا مُحَمَّدُ بِمَا أَمَرَكَ بِهِ رَبُّكَ، وَلا تَلْتَفِتْ إِلى أَوهَامِ الجَاحِدينَ، وَلا تَمْتَرِ بِالحَقِّ، وَلاَ تَتَشَكَّكْ بَعدَ مَا تَبَيَّنَ لَكَ.
(وَالنَّهيُ فِي هذِهِ الآيةِ كَالوَعيدِ فِي الآيَةِ السَّابِقَةِ مُوَجَّهٌ الخِطَابُ فِيهِ إِلى النَّبِيِّ ﷺ ، وَالمُرَادُ بِهِ مَنْ كَانُوا غيرَ رَاسِخي الإِيمانِ مِنْ أُمَّتِهِ، مِمَّنْ يَخْشَى عَلَيهم الاغتِرارُ بِزُخْرُفِ القَوْلِ مِنَ المُخَادِعِينَ) .
المُمْتَرِينَ - المُتَشَكِّكِينَ.
стр. 155
﴿الخيرات﴾
(١٤٨) - لِكُلِّ أَمَّةٍ جِهَةٌ تَتَّجِهُ إِليهَا فِي صَلاَتِها، فَإِبرَاهِيمُ وَإِسْمَاعِيلُ كَانَا يُوَلِّيَانِ جِهَةَ الكَعْبَةِ، وَبَنُو إِسْرَائِيلَ كَانُوا يَسْتَقْبِلُونَ صَخْرَةَ بَيْتِ المَقْدِسِ، والنَّصَارَى كَانُوا يَسْتَقْبِلُونَ المَشْرِقَ، فَالقِبْلَةُ مِنَ المَسَائِلِ التِي اختَلَفَتْ بِاخْتِلاَفِ الأُمَمِ، وَلَيْسَتْ أَسّاً مِنْ أُسُسِ الدِّينِ كَتَوحِيدِ اللهِ، وَالإِيمَانِ بِالبَعْثِ. . . فَالوَاجِبُ فِيها التَّسلِيمُ لأمرِ الوَحيِ. فَبَادِرُوا إِلى فِعْلِ الخَيرَاتِ، وَليحرِصْ كُلٌّ مِنْكُمْ عَلَى أَنْ يَكُونَ سَبَّاقاً إِلَيهِ.
وَفِي أَيِّ مََكَانٍ تَكُونُونَ فَإِنَّ اللهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يأتِيَ بِكُمْ جَمِيعاً، وَيَجْمَعَكُمْ لِلْحِسَابِ، فَعَلَيكُمْ أَنْ تَسْتَبِقُوا لِفِعْلِ الخَيراتِ، فَالبِلادُ وَالجِهَاتُ لاَ شَأْنَ لَهَا فِي أمرِ الدِّينِ. وَاللهُ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَيءٍ، وَلا يُعْجِزهُ أَنْ يَحْشُرَ النَّاسَ يَوْمَ القِيَامَةِ مَهْمَا بَعُدَتْ بَيْنَهُمُ المَسَافَاتُ.
стр. 156
﴿بِغَافِلٍ﴾
(١٤٩) - وَيَعُودُ اللهُ تَعَالَى لِيُكَرِّرَ هُنَا أَمْرَهُ لِلَْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ فِي التَّوَجُّهِ إِلى البَيْتِ الحَرَامِ، وَيَقُولُ لِرَسُولِهِ ﷺ : إِنَّ التَّوَجُّهَ إِلى البَيْتِ الحَرَامِ هُوَ الحَقُّ مِنَ اللهِ، وَاللهُ لاَ يَغْفَلُ عَنْ أَعمَالِ النَّاسِ وَإِخْلاصِهِمْ، فِي مُتَابَعَةِ النَّبِيِّ فِي كُلِّ مَا يَجِيءُ بِهِ مِنْ أَمرِ الدِّينِ، وَسَيُجَازِيهِمْ عَلَيهِ أَوْفَى الجَزَاءِ.
стр. 157
(١٥٠) - وَيُكَرِّرُ اللهُ تَعَالَى أَمْرَهُ لِرَسُولِهِ الكَرِيمِ وَلِلمُؤْمِنِينَ حَيثُمَا كَانُوا بِالتَّوجُّهِ فَوْراً إِلى المَسْجِدِ الحَرَامِ لِكَيْلا يَكُونَ للنَّاسِ (وَهُمْ هُنَا أَهْلُ الكِتَابِ مِنَ اليَهُودِ) حُجًّةٌ عَلَى المُؤْمِنِينَ إِذَا تَرَكُوا قِبْلَتَهُم التِي أَمَرَهُمْ اللهُ بِالتَّوَجُّهِ إِلَيها. وَكَانَ اليَهُودُ قَدْ قَالُوا إِنَّ مُحَمَّداً اشْتَاقَ إِلَى بَيْتِ أَبِيهِ، وَدينِ قَوْمِهِ.
وَقَالَ بَعْضُ مُشْرِكِي قُرَيش (وَهُمْ الذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) : مَا دَامَ مُحَمَّدٌ وَأَصْحَابُهُ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ، وَإِنَّهُ تَوَجَّهَ إِلَى بَيْتِ المَقْدِسِ عَلَى مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ، فَلِمَ رَجَعَ عَنْهُ؟ فَأَجَابَهُمُ اللهُ تَعَالَى: إِنَّ مُحَمَّداً أَطَاعَ أَمْرَ رَبِّهِ فِي الأُولَى وَالثَّانِيَةِ. وَحَثَّ اللهُ نَبِيَّهُ وَالمُؤْمِنِينَ عَلَى عَدَمِ الخُوْفِ وَالخَشْيَةِ مِنْ قَوْلِ الظَالِمِينَ المُتَعَنِّتِينَ وَفِعْلِهِمْ، وَحَثَّهُمْ تَعَالَى عَلَى إِطَاعَةِ أَمْرِِهِ وَالخَشْيَةِ مِنْهُ. وَامْتِثَالِ المُؤْمِنِينَ لأَمْرِ اللهِ فِي الاتِّجَاهِ إِلى جِهَةِ البَيْتِ الحَرَامِ، يُبْطِلُ حُجَّةَ أَهْلِ الكِتَابِ في الطَّعْنِ عَلَى النُبُوَّةِ بِتَحْوِيلِ القِبْلَةِ عَنْ بَيْتِ المَقْدِسِ إِلَى الكَعْبَةِ، لأنَّ أَهلَ الكِتَابِ كَانُوا يَعْلَمُونَ مِنْ كُتُبِهِمْ أَنَّ النَّبِيَّ الذِي سَيُبْعَثُ مِنْ وِلْدِ إِسْمَاعِيلَ يَكُونُ عَلَى قِبْلَتِهِ، وَهِيَ الكَعْبَةُ، فَبَقاءُ بَيْتِ المَقْدِسِ قِبْلةً دَائِمَةً لَهُ حُجَّةً عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ النَّبِيُّ المُبَشَّرَ بِهِ، فَلَمَّا جَاءَ هذا التَّحوِيلُ عَرَفُوا أَنَّهُ الحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ.
стр. 158
﴿يَتْلُواْ﴾ ﴿آيَاتِنَا﴾ ﴿الكتاب﴾
(١٥١) - كَانَ إِبْرَاهِيمَ ﵇ قَدْ دَعَا رَبَّهُ، وَهُوَ يَرْفَعُ القَوَاعِدَ مِنَ البَيْتِ، أَنْ يَبْعَثَ اللهُ فِي أَهْلِ البَيْتِ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيهِم آيَاتِ اللهِ، وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالحِكْمَةَ، وَيُزَكِّيهم. فاستجَابَ اللهُ تَعَالَى لِدُعَائِهِ وَأَرْسَلَ مُحَمَّداً ﷺ رَسُولاً مِنْ نَسْلِ وِلْدِهِ إِسْمَاعِيلَ ﵇، وَأنزَلَ عَلَيهِ القُرْآنَ لِيَتْلُوهُ عَلَى النَّاسِ، وَجَعَلَ رَسُولَهُ عَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ، وَمَنْهَجٍ قَويمٍ، لِيَقْتَدِيَ بِهِ المُؤْمِنُونَ في أَعْمَالِهِمْ، يُعَلِّمُهُمْ أَحْكَامَ دِينِهِمْ، وَيُزَكِّي نُفُوسَهُمْ وَيُطَهِّرُهَا مِن رَذَائِلِ الأَخْلاَقِ وَانْحِرَافاتِ الجَاهِلِيّةِ، وَيُخْرِجُهُمْ مِنْ ظُُلُمَاتِ الجَهْلِ وَفَسَادِ الأَخْلاَقِ إِلى نُورِ الإِيمانِ وَالعِلْمِ وَسُمُوِّ الأَخْلاَقِ، وَهُوَ مَا صَارُوا إِليهِ فِي الإِسْلاَمِ.
وَقَدْ كَانَتْ سُنَّةُ الرَّسُولِ ﷺ العَمَلِيَّةُ، وَسِيرَتُهُ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ وَمَعَ أَصْحَابِهِ مُفَصِّلَةً لِمُجْمَلِ القُرآنِ، مُبَيِّنَةً لِمُبْهَمِهِ، كَاشِفَةً عَنِ المَنَافِعِ وَالأَسْرَارِ التِي تَنْطَوي عَلَيهَا الأَحْكَامُ، وَيُعَلِّمُهُمْ مَا كَانُوا يَجْهَلُونَهُ مِنْ قَبْلُ، مِمَّا جَاءَ بِهِ الوَحْيُ.
يُزَكِّيكُمْ - يُطَهِّرُكُم مِنَ الشِّرْكِ وَالمَعَاصِي.
الكِتَابَ - القُرآنَ.
الحِكْمَةَ - السُنَّنَ وَالفِقْهَ فِي الدِّينِ.
стр. 159
(١٥٢) - يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ بِأَنْ يَذْكُرُوهُ فِيمَا افْتَرَضَهُ عَلَيهِمْ مِنْ طَاعَةٍ وَحَمْدٍ وَتَسْبِيحٍ وَقِرَاءةِ قُرْآنٍ، لِيَذْكُرَهُمْ فِيمَا أُوْجَبَ لَهُمْ عَلَى نَفْسِهِ الكَرِيْمَةَ مِنْ إِدَامَةِ النِّعَمِ وَالفَضْلِ، وَلِيُجْزِلَ لَهُمُ الثَّوَابَ، وَيُفِيضَ عَلَيهمِ الخَيْرَاتِ (أَيِ اذكُرُونِي بِطَاعَتي، أَذْكُرْكُمْ بِمَغْفِرَتي) ، وَأَمَرَ اللهُ المُؤْمِنِينَ بِالشُّكْرِ لَهُ، وَوَعَدَ الشَّاكِرِينَ بِمَزِيدٍ مِنَ الخَيْرِ وَالبَرَكَاتِ، وَنَهَاهُمْ عَنِ الكُفْرِ بِالنِّعْمَةِ.
стр. 160
﴿يَآأَيُّهَا﴾ ﴿آمَنُواْ﴾ ﴿الصلاة﴾ ﴿الصابرين﴾
(١٥٣) - يُبَيِّنُ اللهُ تَعَالَى لِعِبَادِهِ أَنَّ خَيْرَ مَا يَسْتَعِينَُونَ بِهِ عَلَى إِقَامَةِ دِينِهِمْ، وَالدِّفَاعَ عَنْهُ، وَعَلَى سَائِرِ مَا يَشُقُّ عَلَيهِمْ مِنْ مَصَائِبِ الحَيَاةِ هُوَ التَّحَلِّي بِالصَّبْرِ، وَتَوْطِينُ النَّفْسِ عَلَى احتِمَالِ المَكَارِهِ، وَأَدَاءِ الصَّلاَةِ وَإِقَامَتِهَا حَقَّ إِقَامَتِهَا. فَالصَّبْرِ أَشَدُّ الأَعْمَالِ البَاطِنَةِ عَلَى النَّفْسِ، وَالصَّلاَةُ أَشَدُّ الأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ عََلَى البَدَنِ، وَاللهُ نَاصِرُ الصَّابِرِينَ، وَمُجِيبٌ لِدُعَائِهِمْ.
стр. 161
﴿أَمْوَاتٌ﴾
(١٥٤) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنينَ بِفَضْلِ الشَّهَادَةِ وَيَقُولُ لَهُمْ: إِنَّ الشُهَدَاء الذِينَ يُقْتَلُونَ فِي سَبيلِ اللهِ هُمْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ بِغَيرِ حِسَابٍ، وَلكِنَّ الأَحيَاءَ لاَ يَشْعُرُونَ بِذلِكَ، لأَنَّ حَيَاتَهُمْ لَيْسَتْ فِي عَالَمِ الحِسِّ الذِي يُدْرَكُ بِالمَشَاعِرِ.
стр. 162
﴿الأموال﴾ ﴿الثمرات﴾ ﴿الصابرين﴾
(١٥٥) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنينَ بِأَنَّهُ سَيَبْلُوهُمْ وَيَخْتَبِرُهُمْ بِقَليلٍ (بِشَيءٍ) مِنْ الخَوْفِ والجُوعِ، وَبِذَهَابِ بَعْضِ المَالِ، وَبِمَوتِ بَعْضِ الأَصْحَابِ وَالأَقَارِبِ وَالأَحْبَابِ، وَبِنَقْصِ غِلاَلِ المَزَارِعِ. . . فَمَنْ صَبَرَ عَلَى قَضَاءِ اللهِ وَحُكْمِهِ أَثَابَهُ، وَمَنْ قَنَطَ وَلَجَّ أَحَلَّ بِهِ عِقَابَهُ.
وَيُبَشِّرُ اللهُ الصَّابِرِينَ بِحُسْنِ العَاقِبَةِ فِي أُمُورِهِمْ.
لَنَبْلُوَنَّكُمْ - لَنَخْتَبِرَنَّكُمْ.
стр. 163
﴿أَصَابَتْهُم﴾ ﴿رَاجِعونَ﴾
(١٥٦) - أّمَّا الصَّابِرُونَ الذِينَ خَصَّهُمُ اللهُ بِالبُشْرَى فَهُمُ الذِينَ يُؤْمِنُونَ بِأَنَّ الخَيْرَ وَالشَّرَّ مِنَ اللهِ، وَإِذَا نَزَلَتْ بِهِمْ مُصِيبَةٌ صَبَرُوا، وَتَمَسَّكُوا بِقَولِهِمْ: إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِليهِ رَاجِعُونَ، أَيْ إِنَّهُم عَبيدُ اللهِ وَمُلْكُهُ، وَإِنَّهُمْ رَاجِعُونَ إِليهِ فِي الدَّارِ الآخِرَةِ. وَفي الحَدِيثِ: " مَنِ استَرجَعَ عِنْدَ المُصِيبَةِ جَبَرَ اللهُ مُصِيبَتَهُ، وَأَحْسَنَ عَاقِبَتَهُ، وَجَعَلَ لَهُ خَلَفاً صَالِحاً يَرْضَاهُ " (أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) .
стр. 164
﴿أولئك﴾ ﴿صَلَوَاتٌ﴾ ﴿وأولئك﴾
(١٥٧) - يُثنِي اللهُ جَلَّ شَأْنُهُ عَلَى هَؤُلاءِ الصَّابِرِينَ، وَيُخْبِرُ بَأَنَّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ، وَأَنَّهُمْ يَجِدُونَ أَثَرَهَا فِي بَرْدِ قُلُوبِهِمْ عِنْدَ نُزُولِ المُصِيبَةِ، وَأَنَّهُمْ هُمُ المُهْتَدُونَ إِلى طَريقِ الخَيْرِ، وَإِلى الحَقِّ والصَّوابِ، وَأَنَّهُمُ اسْتَسْلَمُوا لِقَضَاءِ اللهِ فَلَمْ يَسْتَحْوِذِ الجَزَعُ عَلَيهِمْ.
صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ - ثَنَاءٌ أَوْ مَغْفِرَةٌ.
стр. 165
﴿شَعَآئِرِ﴾
(١٥٨) - كَانَ الأَنْصَارُ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمُوا يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ الطَّاغِيَةِ عِنْدَ المُشَلِّلِ، وَكَانُوا يَتَحَرَّجُونَ أَنْ يَطُوفُوا بالصَّفَا والمَرْوَةِ، فَسَأَلُوا النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ذلِكَ، وَقَالُوا: إِنَّنا كُنَّا نَتحَرَّجُ أَنْ نَطُوفَ بِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ، فِي الجَاهِلِيَّة، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هذِهِ الآيَةَ.
وَقَدْ سَنَّ رَسُولُ الله ﷺ السَّعيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، فَلَيسَ لأَحَدٍ أَنْ يَتْرُكَ الطُّوافَ بِهِمَا سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ كَانَ الصَّنَمُ (أَسَاف) عَلَى الصَّفَا، وَكَانَتْ نَائِلَةُ (صَنَمٌ) عَلَى المَرْوَةِ، وَكَانُوا يَسْتَلِمُونَهُمَا، فَتَحَرَّجُوا بَعْدَ الإِسْْلامِ مِنَ الطَّوافِ بَيْنَهُما، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هذِهِ الآيَةَ. وَمَنْ تَطَوَّعَ للهِ فَزَادَ فِي طَوَافِهِ شَوْطاً ثَامِناً أوْ تَاسِعاً، أَوْ مَنْ تَطَوَّعَ فِي عِبَادَتِهِ فَزَادَ فِي سَائِرِ العِبَادَاتِ، فَإِنَّ اللهَ سَيُثِيبُهُ عَلَى ذلِكَ، وَلاَ يَبْخَسُ أَحَداً ثَوَابَ عَمَلٍ عَمِلَهُ.
الشَّعَائِرُ - هِيَ مَا شَرَعَهُ اللهُ لِمَصْلَحَةٍ لاَ يُعْرَفُ سِرُّهَا كَالحَجِّ وَالسَّعيِ.
فَلاَ جُنَاحَ عَليهِ - فَلا إِثْمَ وَلاَ حَرَجَ.
يَطَّوَّفَ بِهِمَا - يَسْعَى بَيْنَهُمَا.
стр. 166
﴿البينات﴾ ﴿بَيَّنَّاهُ﴾ ﴿الكتاب﴾ ﴿أولئك﴾ ﴿اللاعنون﴾
(١٥٩) - يُهَدِّدُ اللهُ تَعَالَى بِاللَّعْنَةِ الذِينَ يَكْتُمُونَ الحَقَّ وَمَا أَنْزَلَ اللهُ إِلى النَّاسِ فِي كُتُبِهِ مِنَ الدِّينِ الصَّحِيحِ، وَالهُدَى النَّافِعِ، وَيَقْصُدُ بِهِمْ أَهْلَ الكِتَابِ، الذِينَ كَتَمُوا صِفَةَ النَّبِيِّ التِي وَرَدَتْ في كُتُبِهِمْ، وَمَا بَشَّرَتْ بِهِ هذِهِ الكُتُبُ مِنْ قُربِ مَبْعَثِ نَبِيٍّ عَرَبيٍّ، يُؤْمِنُ بِاللهِ، وَيُؤْمِنُ لِلمُؤْمِنينَ. فَهؤُلاءِ الذِينَ يَكْتُمُونَ دِينَ اللهِ وَأَوامِرَهُ عَنِ النَّاسِ لِيُضِلُّوهُمْ، وَيَصْرِفُوهُمْ عَنِ الحَقِّ، فَإِنَّ الله يَلعَنُهُمُ، وَتَلْعَنُهُمُ المَلاَئِكَةُ والمُؤْمِنُونَ (الَّلاعِنُونَ) .
(وحُكْمُ هذِهِ الآيةِ يَشْمَلُ كُلَّ مَنْ كَتَمَ عِلْماً فَرَضَ اللهُ بَيَانَهُ لِلناسِ، وَلِذلِكَ قَالَ الأَئِمَّةُ: إِنَّ الذِي يَرَى حُرُمَاتِ اللهِ تُنْتَهَكُ أَمَامَ عَيْنَيْهِ، وَالدِّينَ يُداسُ جَهَاراً بَيْنَ يَدَيهِ، وَالضَّلاَلَ يَغْشَى الهُدَى، ثُمَّ هُوَ لاَ يَنْتَصِرُ لِدِينِ اللهِ يَكُونُ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّونَ وَعِيدَ اللهِ) .
يَلْعَنُهُمْ - يَطْرُدُهُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ.
стр. 167
﴿أولئك﴾
(١٦٠) - وَيَسْتَثْنِي اللهُ تَعَالى مِنَ الَّلعْنَةِ الذِينَ تَابُوا وَأَحْسَنُوا العَمَلَ، وَرَجَعُوا عَنْ كِتْمَانِ مَا أَنْزَلَ اللهُ، وَأَظْهَرُوا لِلنَّاسِ مَا عَلِمُوهُ مِنْ أَمْرِ الرَّسُولِ وَالرِّسَالَةِ، وَيَقُولُ تَعَالَى إِنَّهُ يَتَقَبَّلُ تَوْبَتَهُمْ، وَيَعْفُو عَنْهُمْ، وَيَمْحُو ذُنُوبَهُمْ.
стр. 168
﴿أُولَئِكَ﴾ ﴿والملائكة﴾
(١٦١) - إِنَّ الذِينَ كَفَروا بِاللهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، وَكَتَمُوا الحَقَّ وَلَمْ يُظْهِرُوهُ وَمَاتُوا وَهُمْ عَلَى تِلْكَ الحَالِ مِنَ الكُفْرِ وَالظُّلْمِ فَإِنَّهُمْ يَسْتَحِقُّونَ لَعْنََةَ اللهِ وَالمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، وَيَكُونُ مَصِيرُهُمْ فِي نَارِ جَهَنَّمَ لِيَخْلُدُوا فِيهَا أَبَداً.
стр. 169
﴿خَالِدِينَ﴾
(١٦٢) - وَيَبْقُونَ خَالِدينَ فِي هذِهِ الَّلعْنَةِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَتُصَاحِبُهُمُ الَّلعَنَةُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ شَيءٌ مِنَ العَذَابِ الذِي هُمْ فِيهِ، وَلا يُغَيَّرُ عَنْهُمْ سَاعَة وَاحِدَة، وَلا يُفَتَّرُ بَلْ يَكُونُ مُتَواصِلاً، وَإِذا طَلَبُوا الإِمْهَالَ وَالتَّأْخِيرَ لَمْ يُجَابُوا إِليهِ.
وَلاَ يُنْظَرُونَ - وَلاَ يُؤَخَّرُونَ عَنِ العَذَابِ لَحْظةً.
стр. 170
(١٦٣) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ بِأَنَّهُ مُتَفَرِّدٌ بِالأُلُوهِيَّةِ، وَأَنَّهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَلاَ عِدْلَ، وَأَنَّهُ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ، وَقَدْ وَسِعَتْ رَحْمَتُهُ كُلَّ شَيءٍ.
стр. 171
﴿السماوات﴾ ﴿واختلاف﴾ ﴿الليل﴾ ﴿الرياح﴾ ﴿لآيَاتٍ﴾
(١٦٤) - يَلْفِتُ اللهُ تَعَالَى أَنْظَارَ العُقَلاَءِ مِنَ النَّاسِ إِلى الآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى أُلُوهِيَّتِهِ، وَهِيَ الآيَاتُ التِي أَقَامَها فِي الكَوْنِ، وَمِنْ هذِهِ الآيَاتِ: خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا فِيهِمَا مِنْ عَجَائِبَ، وَارتِفَاعُ السَّمَاءِ وَكَوَاكِبُها، وَدَوَرَانُ فَلَكِهَا، وَاتِّسَاعُها، وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ بِحَارٍ وَجِبَالٍ وَأَنْهَارٍ وَعُمْرانٍ وَقِفَارٍ. . . . وَاختِلاَفُ الَّليلِ وَالنَّهَارِ وَتَعَاقُبُهُمَا، يَجيءُ هذا وَيَذْهَبُ، وَيَعْقُبُهُ الآخَرُ، وَاختِلاَفُهُما طُولاً وَقَصْراً. . وَتَسْخِيرُ البَحْرِ لِحَمْلِ السُّفُن (الفُلْكِ) لِيَنْتَقِلَ بِهَا النَّاسُ مِنْ جَانِب إِلى آخَرَ، وَإِنْزَالُ اللهِ المَاءَ مِنَ السَّمَاءِ ليُحْييَ بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ يَبَسِهَا (مَوْتِهَا) ، فَتَزْدَهِرَ وَتَنْبُتَ بِالخُضْرَةِ وَالزَّرْعِ وَالثِّمَارِ. وَمِنَ آيَاتِهِ بَثُ الدَّوَابِّ فِي الأَرْضِ عَلَى اخْتِلاَفِ أَنْوَاعِهَا وَأَشْكَالِهَا وَأَلْوَانِهَا، وَهُوَ يَعْلَمُ ذلِكَ الخَلْقَ كُلَّهُ وَيَرْزُقُهُ. وَمِنْها تَسْخِيرُ الرِّيَاحِ السَّائِرَةِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِلى مَشيئَةِ اللهِ تَعَالَى وَإِرَادَتِهِ، وَسَوْقُ الغُيُومِ حَيْثُ يَشَاءُ اللهُ. . . فَكُلُّ هذِهِ الآيَاتِ فِيها عِبَرٌ وَدَلاَلاَتٌ لِلنَّاسِ العُقَلاءِ عَلَى أُلُوهِيَّةِ اللهِ وَقُدْرَتِهِ وَوَحْدَانِيَّتِهِ.
بَثَّ - نَشَرَ وَفَرَّقَ فِيهَا بِالتَّوالُدِ، وَبَثَّ مَعْطُوفٌ عَلَى أَنْزََلَ.
تَصْرِيفِ الرِّيَاحِ- تَقْلِيبِهَا فِي مَهَابِّها، وَتَصْرِيفِ مَعْطوفٌ عَلَى خَلْقِ.
стр. 172
﴿آمَنُواْ﴾
(١٦٥) - وَمَعَ قِيَامِ الأَدِلَّةِ عَلَى قُدْرَةِ اللهِ وَوَحْدَانِيَّتِهِ وَعَظَمَتِهِ فَإِنَّ بَعْضَ النَّاسِ مِنَ الكُفَّارِ يَتَّخِذُونَ للهِ شُرَكَاءَ وَأَمْثَالاً (أَنْدَاداً) يَعْبُدُونَهُمْ مَعَهُ، وَيُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّهِ، وَهُوَ اللهُ الذِي لاَ مَثِيلَ لَهُ، وَلاَ شَرِيكَ مَعَهُ. أَمَّا الذِينَ آمَنُوا فَإِنَّهُم يَعْبُدُونَ اللهُ وَحْدَهُ، مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ، وَيُحِبُّونَهُ وَحْدَهُ، وَهُمْ أَشَدُّ حُبَاً للهِ مِنْ أَيِّ شَيءٍ آخَرَ. وَحِينَ يَرَى المُشْرِكُونَ العَذَابَ الشَّديدَ الذِي يُنْزِلُهُ اللهُ تَعَالَى يَوْمَ القِيَامَةِ بِالكُفَّارِ، فَتَتَقَطَّعُ بِهِمُ الأَسْبَابُ، وَلاَ تُغْنِي عَنْهُم الأَنْدَادُ، يُدْرِكُونَ حِينَئِذٍ أنَّ القُوَّةَ جَميعَهَا للهِ، وَأَنَّ الحُكْمَ لَهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ.
أَنْدَاداً - أَمْثَالاً وَأَشْبَاهاً مِنَ الأَوثَانِ.
стр. 173
(١٦٦) - وَيَوْمَ القِيَامَةِ يَتَبَرَّأُ الذِينَ كَانَ المُشْرِكُونَ يَعْبُدُونَهُمْ مِنْ دُونَ اللهِ - المَلائِكَةُ وَالجِنُّ وَالبَشَرُ - كَمَا يَتَبَرَّأُ الرُّؤَسَاءُ المُضِلُّونَ الذِينَ اتَّبَعَهُمُ الضُّعَفَاءُ وَالأَعْوَانُ، مِنْ أَتْبَاعِهِم الذِينَ أَغْوَوْهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنيا، وَيَتَنَصَّلُونَ مِنْ إِضْلاَلِهِمْ لأَنَّهُمْ قَدْ تَضَاعَفَ عَذَابُهُمْ، وَحَمْلُهُمْ أَوْزَاراً فَوْقَ أَوْزَارِهِمْ، وَتَتَقَطَّعُ الرَّوَابِطُ وَالصِّلاَتُ التِي كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنيا، وَيَصِيرُ بَعْضُهُم عَدُوّاً لِبَعْضٍ.
تَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ - تَصَرَّمَتِ الصِّلاَتُ التِي كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنيا مِنْ نَسَبٍ وَصَدَاقَةٍ.
стр. 174
﴿أَعْمَالَهُمْ﴾ ﴿حَسَرَاتٍ﴾ ﴿بِخَارِجِينَ﴾ ﴿تَبَرَّءُواْ﴾
(١٦٧) - وَيَقُولُ التَّابِعُونَ بَعْدَ أَنْ رَأَوْا أَنَّهُمْ كَانُوا فِي ضَلاَلٍ: لَوْ أَنَّ لَنَا رَجْعَةً إِلََى الدَّارِ الدُّنيا لِنَتَبَرَأَ مِنْ هؤُلاءِ، وَمِنْ عِبَادَتِهِمْ، فَلاَ نَلْتَفِتَ إِلَيهِمْ، بَلْ نُوَحِّدُ الله، وَنَهْتَدِي بِهَدْيِهِ. وَهُمْ كَاذِبُونَ فِي هذا القَوْلِ، إِذْ أَنَّهُمْ لوْ عَادُوا إِلى الدُّنيا لَعَادُوا إِلى مَا نُهُوا عَنْهُ. وَكَمَا أَرَاهُمُ الله العَذَابَ، كَذلِكَ سَيُرِيهِمْ أَعْمَالَهُمْ تَذْهَبُ وَتَضْمَحِلُّ فَيَتَحَسَّرُونَ عَلَى مَا فَرَّطُوا فِي جَنْبِ اللهِ، وَلاتَ سَاعَةَ مَنْدَمٍ، لأَنَّهُمْ لَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ، وَلَنْ يَعُودُوا إِلى الدُّنيا.
كَرَّةٌ - عَوْدَةٌ إِلى الدُّنيا.
حَسَرَاتٍ - نَدَامَاتٍ شَدِيدَةٍ.
стр. 175
﴿ياأيها﴾ ﴿حَلاَلاً﴾ ﴿خُطُوَاتِ﴾ ﴿الشيطان﴾
(١٦٨) - يَمْتَنُّ اللهُ تَعَالَى جَدُّهُ عَلَى النَّاسِ بِمَا أَبَاحَ لَهُمْ مِنَ الأَكْلِ مِمَّا فِي الأَرْضِ مِنْ أَصْنَافِ المَأْكُولاَتِ حَلاَلاً طَيِّباً وَيَنْهَاهُمْ عَنِ اتِّبَاعِ سِيرَةِ الشَّيطَانِ فِي الإِغْوَاءِ وَالإِضْلاَلِ، وَالوَسْوَسَةِ بِالسُّوءِ وَالفَحْشَاءِ، وَعَنِ اتِّبَاعِ مَسْلَكِهِ وَطَرَائِقِهِ فِيمَا أَضَلَّ بِهِ أَتْبَاعَهُ مِنْ تَحْرِيمِ البَحَائرِ وَالسَّوائِبِ وَالوَصَائِلِ وَغَيرِهَا مِمَّا كَانَ زَيَّنَهُ لِلْمُشْرِكِينَ فِي الجَاهِلِيَّةِ، لأَنَّ الشَّيطَانَ عَدُوٌّ مُبِينُ العَدَاوَةِ للإِنْسَانِ.
خُطُواِت الشَّيطَانِ - طُرُقَهُ وَأَسَالِيبَهُ.
стр. 176
(١٦٩) - والشَّيطَانُ العَدُوُّ يُوَسْوِسُ لِلْكَفَرَةِ وَالمُشْرِكِينَ، وَيَحثُّهُمْ عَلَى الإِتيانِ بِالأَعْمَالِ السَّيِّئَةِ المُنْكَرَةِ، وَالفَوَاحِشِ، وَالقَوْلِ عَلَى اللهِ في دِينِهِ مَا لا يُعْلَمُ عِلْمَ اليَقِين أَنَّهُ شَرَعَهُ للناَّسِ، مِنْ عَقَائِدَ وَشَعَائِرَ دِينِيَّةٍ، أَوْ تَحْلِيلِ مَا الأَصْلُ فِيهِ التَّحْرِيمُ.
يَأمُرُكُمْ بِالسُّوءِ - بِالمَعَاصِي.
الفَحْشاءِ - مَا عَظُمَ قُبْحُهُ مِنَ الذُّنُوبِ.
стр. 177
﴿آبَآءَنَآ﴾ ﴿آبَاؤُهُمْ﴾
(١٧٠) - وَإِذَا قِيلَ لِلْكَفَرَةِ الذِينَ يَتَّبِعُونَ خُطُواتِ الشَّيْطَانِ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ، وَاتْرُكُوا مَا أَنْتُمْ عَلَيهِ مِنَ الجَهْلِ وَالضَّلاَلِ، أَجَابُوا قَائِلِينَ: بَلْ نَتَّبعُ مَا وَجَدْنا آبَاءَنا عَلَيهِ مِنْ عِبَادَةِ الأَصْنَامِ وَالأَنْدَادِ. وَيَرُدُّ اللهُ سُبْحَانَهُ عَلَيهِمْ قَائِلاً: أَيَتَّبِعُونَ آبَاءَهُمْ حَتَّى وَلَوْ كَانُوا لاَ يَعْْقِلُونَ شَيْئاً مِنْ عَقَائِدِ الدِّينِ وَعِبَادَاتِهِ، وَلاَ يَهْتَدُونَ إِلَى سَبيلِ الحَقِّ وَالرَّشَادِ؟
أَلفَينا - وَجَدْنَا.
стр. 178
(١٧١) - وَمَثَلُ الذِينَ كَفَرُوا فِيمَا هُمْ فِيهِ مِنَ الغَيِّ والضَّلاَلِ، وَالجَهْلِ وَتَقْلِيدِ الآبَاءِ والرُّؤَسَاءِ، كَمَثَلِ الدَّوَابِّ السَّارِحَةِ التِي لاَ تَفْقَهُ شَيْئاً مِمَّا يُقَالُ لَهَا، فَإِذَا نَعَقَ فِيها رَاعِيها فَإِنَّها تَسْمَعُ صَوْتَهُ، وَلكِنَّها لاَ تَفْقَهُ مَا يَقُولُ وَلاَ تَفْهَمُهُ، فَهُمْ صُمٌّ عَنْ سَمَاعِ الحَقِّ، وَبُكْمٌ لاَ يَتَفَوَّهُونَ بِهِ، وَعُمْيٌ عَنْ رُؤْيَةِ طَرِيقِهِ وَمَسْلَكِهِ، لاَ يَعْقِلُونَ شَيئاً وَلاَ يَفْهَمُونَ.
يَنْعِقُ - يَصِيحُ.
بُكْمٌ - خُرْسٌ عَنِ النُّطْقِ بِالحَقِّ.
стр. 179
﴿ياأيها﴾ ﴿آمَنُواْ﴾ ﴿طَيِّبَاتِ﴾ ﴿رَزَقْنَاكُمْ﴾
(١٧٢) - كَانَ المُشْرِكُونَ وَأَهْلُ الكِتَابِ قَبْلَ الإِسْلامِ فِرَقاً وَأَصْنَافا: فَمِنْهُمْ مَنْ حَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ أَْشْياءَ كَالبَحِيرَةِ وَالسَّائِبَةِ عِنْدَ العَرَبِ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَرَّمَ بَعْضَ الحَيَوانِ، وَكَانَ الشَّائِعُ عِنْدَ النَّصَارَى الافْتِتَانُ فِي حِرْمَانِ النَّفسِ مِنَ الطَّيِّبَاتِ، فَقَدْ حَرَّمُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ اللَّحْمَ وَالسَّمْنَ فِي بَعْضِ أنوَاع صَوْمِهِمْ، وَحَرَّمُوا السَّمَكَ وَالَّلبَنَ وَالبَيْضَ فِي بَعْضِهَا الآخَرِ.
وَهذِهِ الأَحْكَامُ وَضَعَهَا الرُّؤَسَاءُ، وَلا وُجُودَ لَهَا فِي التَّورَاةِ، وَلا نُقِلَتْ عَنِ المَسِيحِ، ﵇. وَكَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّ التَّقَرُّبَ إِلى اللهِ لاَ يَكُونُ إِلاَّ بِتَعْذِيبِ النَّفْسِ، وَتَرْكِ حُظُوظِ الجَسَدِ، وَقَدْ جَعَلَ اللهُ المُسْلِمِينَ أُمَّةً وَسَطاً تُعطِي الجَسَدَ حَقَّهُ، وَالرُّوحَ حَقَّهَا. وَقَدْ أَبَاحَ اللهُ لِلْمُؤْمِنينَ الأَكْلَ مِنَ الطَّيِّبَاتِ، وَحَثَّهُمْ عَلَى شُكْرِهِ عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيهِمْ.
стр. 180
(١٧٣) - يُبَيِّنُ اللهُ تَعَالَى لِلمُؤْمِنِينَ مَا حَرَّمَهُ عَلَيهِمْ مِنَ المآكِلِ: المَيْتَةَ (وَهيَ الحَيَوانُ الذِي مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ مِنْ غَيرِ تَذْكِيَةٍ وَلاَ ذَبْحٍ) والدَّمَ المَسْفُوحَ، وَلَحْمَ الخِنْزِيرِ، وَمَا ذُبِحَ مِنَ الأَنْعَامِ عَلَى غَيْرِ اسْمِ اللهِ كَالأَصْنَامِ، وَالأَوْثَانِ، فَهذا كُلُّهُ حَرَامٌ.
أَمَّا الذِينَ يُضْطَرُّونَ إِلَى أَكْلِ شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ المُحَرَّمَاتِ، وَهُمْ لاَ يَجِدُونَ وَسِيلَةً أُخْرَى لِلْحُصُولِ عَلَى مَا يَسُدُّ رَمَقَهُمْ مِنَ الطَّعَامِ الحَلاَلِ، مِنْ دُونِ أَنْ يَكُونَ فِيهِمْ مَيْلٌ إِلَى تَعَدِّي الحَلاَلِ إِلَى الحَرَامِ، وَهُمْ يَجِدُونَ عَنْ أَكْلِ الحَرَامِ مَنْدُوحَةً (غَيْرَ بَاغٍ) ، وَدُونَ أَنْ يُجَاوِزُوا فِيمَا يَأْكُلُونَ حُدَودَ الضَرُورَةِ الَّتِي تَكْفِي لِسَدِّ الرَّمَقِ، وَحِفْظِ الحَيَاةِ، حَتَّى يَجِدُوا الطَّعَامَ الحَلالَ (عَادٍ) ، فَهؤُلاءِ لا إِثْمَ عَلَيهِمْ وَلا مَسْؤولِيَّةَ. وَاللهُ تَعَالَى غَفُورٌ لَهُمْ لِما أَكَلُوا مِنَ الحَرَامِ، رَحِيمٌ بِهِمْ إِذ أَحَلَّ لَهُمُ الحَرَامَ فِي حَالَةِ الاضْطِرَارِ.
وَلاَ عَادٍ - غَيْرَ مُتََجَاوِزٍ مَا يَسُدُّ الرَّمَقَ.
غَيْرَ بَاغٍ - غَيْرَ طَالِبٍ لِلحَرَامَ لِلَذَّةٍ أَوِ اسْتِئْثَارٍ عَلَى مُضْطَرٍّ آخَرَ.
следующие страницы →