← Тафсир

Тафсир · id 1787

أيسر التفاسير لأسعد حومد

أسعد حومد

Полный текст (6 113 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

﴿الخاسرين﴾ (٦٤) - وَيُقَرِّعُهُمُ اللهً، جَلَّ شَأْنُهُ، عَلَى كُفْرِهِمْ، وَيَقُولُ لَهُمْ: إِ، َّهُم تَوَلَّوْا عَنْ طَاعَةِ اللهِ، وَنَقَضُوا العَهْدَ وَالمِيثَاقَ، رَغْمَ جَمِيعِ مَا رَأَوْهُ مِ، ْ آيَاتِ اللهِ وَمُعْجِزَاتِهِ، وَرَغْمَ مَا أَخَذَهُ اللهُ عَلَيهِمْ مِنْ مِيثَاقٍ عَظِيمٍ، فَلَوْلا لُطْفُ اللهِ بِهِمْ، وَإِمْهَالُهُ إِيَّاهُمْ، وَتَوْبَتُهُ عَلَيْهِمْ، وإِرْسَالُهُ النَّبِيِّينَ والمُرْسَلِينَ إِلَيهِمْ، لَكَانُوا مِنَ الخَاسِرِينَ فِي الدُّنيا وَالآخِرَةٍ، بِسَبَبِ نَقْضِهِمْ ذلِكَ المِيثَاقَ، وَانْهِمَاكِهِمْ فِي المَعَاصِي. الخُسْرَانُ - هُوَ ضِيَاعُ رَأْسِ المَالِ كُلاً أَوْ بَعْضاً. التَّوَلِّي - الرُّجُوعُ إِلى الوَرَاءِ.

стр. 72

﴿خَاسِئِينَ﴾ (٦٥) - ويُذَكِّرهُمُ اللهُ بِمَا عَلِمُوهُ مِن، ْ أَمْرِ أَهْلِ القَرْيَةِ التِي كَانَتْ عَلَى سَاحِلِ البَحْرِ. وَكَانَ اللهُ تَعَالَى قَدْ أَخَذَ عَلَيهِم المِيثَاقَ بِتَعْظِيمِ حُرْمَةِ يَومِ السَّبْتِ، والقِيَامِ فِيهِ بِعِبَادَةِ اللهِ وَأَمْرِهِ، فَخَرَقُوا حُرْمَةَ السَّبْتِ بِاحْتِيالِهِمْ عَلَى صَيْدِ الحِيتَانِ، إِذْ كَانُوا يَنْصُبُونَ لَهَا الشِّبَاكَ والحَبَائِلَ قَبْلَ دُخُولِ السَّبْتِ، وَفي ظَنِّهِمْ أَنَّ، مِثْلَ هذَا التَّحَايلِ يُمْكِنُ أَنْ يَجُوزَ عَلَى اللهِ فَمَسَخَهُمْ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ عِقَاباً عَلَى كُفْرِهِمْ بِاللهِ. وَتَجَاوُزِهِمْ حُدُودَ مَا أَمَرَ. وَقَالَ بَعْضُ المُفَسِّرينَ إِنَّ اللهَ لَمْ يَمْسَخْ صُورَهُمْ، وَلَمْ يَجْعَلْهُمْ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ حَقِيقَةً، وَإِنِّمَا مَسَخَ قُلُوبَهُمْ فَجَعَلَهَا كَقُلُوبِ القِرَدَةَ وَالخَنَازِيرِ فِي شَهَوَاتِهَا بَعِيدِينَ عَنِ الفَضَائِلِ الإِنْسَانِيَّةِ يَأْتُونَ المُنْكَرَاتِ جِهَاراً وَعِياناً بِباَ حَيَاءٍ وَلاَ خَجَلٍ. (وَيَرَى الإِمَامُ مُحَمَّدٌ عَبْدُه أَنَّ سُنَّةَ اللهِ في خَلْقِهِ لَمْ تَجْرِ بِمَسْخِ كُلِّ عَاصٍ، وَبِإْخْرَاجِهِ عَنْ نَوْعِ الإِنْسَانِ، وَالعِبْرَةُ الكُبْرَى تَكْمُنُ فِي العِلْمِ بِأَنَّ مَنْ يَفْسُقُ عَنْ أَمْرِ اللهِ، وَيَتَنَكَّبُ الصِّرَاطَ الذِي شَرَعَهُ، يَنْزِلُ بِهِ عَنْ مَرْتَبَةِ الإِنْسَانِ إِلَى مَرْتَبَةِ العَجْمَاوَاتِ.

стр. 73

﴿فَجَعَلْنَاهَا﴾ ﴿نَكَالاً﴾ فَجَعَلَ اللهُ تَعَالَى هذِهِ العُقُوبَةَ نَكَالاً لَهُمْ، وَعِبْرَةً لِغَيرِهِمْ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ المَقْصُودَ بِضَمِيرِ (فَجَعَلْنَاهَا) هُوَ القَرْيَةُ أَيْ فَجَعَلَ اللهُ العُقُوبَةَ التِي أَنْزَلَهَا بِهذِهِ القَرْيَةِ عِبْرَةً لِمَا حَوْلَهَا مِنَ القُرَى. وَكَانَتْ هذِهِ العُقُوبَةُ عِظَةً لِلْمُتَّقِينَ الذِينَ سَيَأْتُونَ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ لِيَتَّقُوا نَقْمَةَ اللهِ، وَلْيَحْذَرُوا مِنْ أَنْ يَحِلَّ بِهِمْ مِثْلُهَا، إِذا اعْتَدَوْا وَتَجَاوَزُوا حُدُودَ شَرْعِ اللهِ. نَكَالاً - أَيْ ينْكُلُ مَنْ يَعْلَمُ بِهَا وَيَمْتَنِعُ عَنْ إِتْيَانِ مِثْلِها.

стр. 74

﴿الجاهلين﴾ (٦٧) - كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائيِلَ رَجُلٌ كَثِيرُ المَالِ وَلاَ وَلَدَ لَهُ، وَكَانَ وَارِثَهُ الَوحِيدَ ابْنُ أَخِيهِ، فَاسْتَعْجَلَ ابْنُ الأَخِ المِيرَاثَ. وَقَتَلَ عَمَّهُ، ثُمَّ حَمَلَهُ وَأَلْقَاهُ عَلَى بَابِ رَجُل مِنْهُمْ. وَادَّعَى عَلَى صَاحِبِ البَيْتِ أَنَّهُ قَاتِلُهُ، وَتَسَلَّحَ النَّاسُ، وَتَثَاوَرُوا حَتَّى كَادَ الشَّرُّ أَنْ يَقَعَ بَيْنَهُمْ. فَدَعَاهُمْ ذَوُو الرَّأْيِ فِيهِمْ أَنْ يَذْهَبُوا إِلى مُوسَى يَسْأَلُونَهُ الرَّأْيَ، فَقَالَ لَهُمْ مُوسَى: إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً. فَقَالُوا لَهُ: أَتَسْخَرُ مِنَّا، وَتَتَّخِذُنا مَوْضِعاً لِلْهٌزْءِ وَالسُّخْرِيَةِ؟ فَقَالَ لَهُمْ مُوسَى: أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الجَاهِلِينَ الذِينَ يَسْخَرُونَ مِنَ النَّاسِ، أَوْ يَأْمُرُونَ بِشَيءٍ لاَ فَائِدَةَ مِنْهُ. الهُزْءُ - السُّخْرِيَةُ. عَاذَ - اعْتَصَمَ وَلاَذَ. الجَهْلً - فِعْلُ مَا لاَ يَنْبَغِي.

стр. 75

(٦٨) - وَفِي هذِهِ الآيَةِ وَالآيَاتِ التَّالِيَاتِ يُبيِّنُ اللهُ سُبْحَانَهُ مَدَى تَعَنُّتِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ لِرَسُولِهِمْ، فَضَيَّقُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَضَيَّقَ اللهُ عَلَيْهِمْ. قَالُوا لَهُ: ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ هذِهِ البَقَرَةنُ، وَأيُّ شَيءٍ وَصْفُها؟ فَقَالَ لَهمْ مُوسَى، إِنَّ اللهَ يَقُولُ: إِنَّها بَقَرةٌ لا مُسِنَّةٌ هَرِمَةٌ انْقَطَعَتْ وِلاَدَتُها (فَارِضٌ) ، وَلاَ صَغِيرَةٌ لَمْ يَلْحًقْها الفَحْلُ بَعْدُ، وَإِ، َّما هِيَ نَصَفٌ بَيْنَ الكَبِيرَةِ والصَّغِيرَةِ (عَوانٌ) ، فَهذِهِ تَكُونُ أَحْسَنَ الدَّوَابَِ وَأَقْوَاهَا، فَاذْبَحُوها وَافْعَلُوا مَا أَمَرَكُمُ اللهُ. الفَارِضُ - المُسِنَّةُ التِي انْقَطَعَتْ وِلاَدَتُها. البِكْرُ - الصَّغِيرَةُ التِي لَمْ تَحْمِلْ بَعْدُ. العَوَانُ - النَّصَفُ أَيْ لَيْسَتْ بِالصَّغِيرَةٍ وَلا الكَبِيرَةِ.

стр. 76

﴿الناظرين﴾ (٦٩) - فَأَلَحُّوا فِي السُّؤالِ، وَطََلَبُوا أَنْ يُبَيِّنَ اللهُ لَهُمْ لَوْنَهَا، فَرَدَّ اللهُ عَلَيهِمْ قَائِلاً: إِنَّها بَقَرةُ صَفْراءُ صَافِيَةُ اللَّونِ، تُعْجِبُ النَّاظِرِينَ إِلَيهَا، وَتَسُرُّهُمْ بِحُسْنِ مَنْظَرِهَا. فَاقِعٌ لَوْنُها - لَوْنُهَا صَافٍ أَوْ شَدِيدُ الصُّفْرَةِ.

стр. 77

﴿تَشَابَهَ﴾ (٧٠) - فَعَادُوا إِلى السُّؤالِ، وَطَلَبُوا مِنْ مُوسَى أَنْ يَسْأَلَ رَبَّهُ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ مَا هِيَ صِفَاتُ هذِهِ البَقَرَةِ، لأَنَّ البَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيهِمْ، فَلَمْ يَعْرِفُوا أَيَّها المقصودَ، وَإِنَّهُمْ سَيَهْتَدُونَ إِلَيهَا بِمَشِيئَةِ اللهِ.

стр. 78

﴿الآن﴾ (٧١) - فَرَدَّ عَلَيهِمْ مُوسَى قَائِلاَ: إِنَّ اللهً تَعَالَى يَقُولُ لَهُمْ: إِنَّها بَقَرَةٌ لَيْسَتْ مُذَلَّلَةً بِالحِرَاثَةِ، وَلاَ مُعَدَّةً للسِّقَايَةِ، وَهِيَ سَالِمَةٌ مِنَ العُيُوبِ والأَمْرَاضِ، لَوْنُها وَاحِدٌ، وَلَيْسَ فِيها لَوْنٌ آخَرُ. فَقَالَ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: الآنَ قُلْتَ الحَقَّ وَبَيَّنْتَهُ، فَبَحَثُوا عَنْها، وَاشْتَرَوهَا مِنْ صَاحِبِها، وَذّبَحُوهَا وَكَادُوا آَنْ لا يَقُومُوا بِمَا أُمِرُوا بِهِ مِنْ ذَبْحِهًا، لِمَا لاَحَظُوهُ مِنْ غَلاَءِ ثَمنِهَا. الذَّلُولُ - المُذَلَّلَةُ والمُرَوَّضَةُ التِي زَالَتْ صُعُوبَتُها. الحَرْثَ - الأَرْضَ المُهَيَّأَةَ لِلزِّرَاعَةِ. مُسَلَّمَةٌ - سَالِمَةٌ مِنَ الأَمْرَاضِ وَالعُيُوبِ. لاَشِيَةَ فِيها - لَوْنُها وَاحِدٌ، وَلاَ لَوْنَ آخَرَ مَعَ لَوْنِهَا. تُثِيرُ الأَرْضَ - تَقْلِبُها لِلزِّرَاعَةِ.

стр. 79

﴿فادارأتم﴾ (٧٢) - وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَاخْتَلَفْتُمْ وَتَخَاصَمْتُمْ فِيها، وَاللهُ مُظْهِرٌ مَا تَكْتُمُونَ فِي سَرَائِرِكُمْ مِنْ أَمْر حَادِثِ القَتْلِ، وَمَعْرِفَة القَاتِلِ. ادَّارِأْتُمْ - تَدَافَعْتُمْ، وَاخْتَلَفْتُمْ فِيهَا.

стр. 80

﴿آيَاتِهِ﴾ ﴿يُحْيِي﴾ (٧٣) - فَأَمَرَهُمُ اللهُ تَعَالَى بِضَرْبِ المَيْتِ بِأَيِّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ البَقَرَةِ التِي أَمَرَهُمُ اللهُ بِذَبْحِهَا فَفَعَلُوا، وَحَصَلَتِ المُعْجِزَةُ بِخَرْقِ العَادَةِ، فَأَحْيَا اللهُ المَيْتَ، وَذَكَرَ اسْمَ قَاتِلِهِ، ثَمَّ أَمَاتَهُ اللهُ فَسَكَنَتِ الفِتْنَةُ، بَعْدَ أَنْ كَشَفَ اللهُ القَاتِلَ. وَهَكَذَا يُحْيِي اللهُ المَوْتَى، وَيُرِي بَنِي إِسْرِائِيلَ آيَاتِهِ، لَعَلَّهُمْ يَعْقِلُونَ بِأَنَّ اللهَ قَادِرٌ عَلَى بَعْثِهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَأَنَّ عَلَيهِمْ إِطَاعَةَ أَوَامِرِ رَبِهِمْ، وَالانْتِهَاءِ عَمَّا نَهَاهُمْ عَنْهُ، وَحَرَّمَهُ عَلَيهِمْ.

стр. 81

﴿الأنهار﴾ ﴿بِغَافِلٍ﴾ (٧٤) - يُقَرِّعُ اللهُ، جَلَّ شَأْنُهُ، بَنِي إِسْرَائِيلَ الذِينَ شَهِدُوا قُدْرَةَ اللهِ أَكْثَرَ مِنْ مَرَةٍ، وَتَحَقَّقُوا مِنْ آيَاتِهِ وَعِبَرِهِ، ثُمَّ عَادُوا إِلى الكُفْرِ وَالجُحُودِ وَالفَسَادِ، فَيَقُولُ لَهُمْ تَعَالَى: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ وَأَصْبَحَتْ كَالحِجَارَةِ قَسْوَةً. وَيَسْتَدْرِكُ تَعَالَى، فَيَقُولُ: إِنَّ بَعْضَ الحِجَارَةِ أَكْثَرُ لِيناً مِ، ْ قُلُوبِ بَني إِسْرَائِيلَ، فَبَعْضَ الحِجَارَةِ تَنْشَقُّ فَتَفَجَّرُ مِنْها المِيَاهُ، وَتَسِيلُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَإِنَّهَا لاَ تَتَأَثَّرُ بِمَوْعِظَةٍ، وَلاَ تَلِينُ لِذِكْرِ اللهِ، وَلا يَزْدَادُونَ إلا فَسَاداً وَعُتُوّاً فِي الأَرْضِ، فَلَهُمُ الوَيْلُ عَلَى ذلِكَ، فَاللهُ لَيْسَ بِغَافِلٍ عَنْ أَعْمَالِهِمْ، وَسَيَجْزِيهِمْ عَلَيهَا الجَزَاءَ الأَوْفى، يَوْمَ القِيَامَةِ. يَتفَجَّرُ - يَتَفَتَّحُ بِسَعَةٍ وَكَثْرَةٍ. يَشَّقَّقُ - يَتَصَدَّعُ بِطُولٍ وَعَرْضٍ.

стр. 82

﴿كَلاَمَ ا﴾ (٧٥) - كَانَ النَّبِيُّ ﷺ وَالمُسْلِمُونَ شَدِيدِي الحِرْصِ عَلَى دُخُولِ اليَهُودِ في الإِسْلاَمِ، لأَنَّ شَرِيعَة مُوسَى - كَمَا نَزَلَتْ مِنْ عِنْدَ اللهِ - تَدْعُو مِثْلَ الإِسْلاَمِ إِلى التَّوْحِيدِ الخَالِصِ، وَإِلى الإِيمَانِ بِالبَعْثِ وَالنُّشُورِ وَالجَزَاءِ عَلَى الأَعْمَالِ، وَكِتَابُهُمُ التَّورَاةُ يُبَشِّرُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ وَبِعْثَتِهِ وَرِسَالَتِهِ، وَيُصَدِّقُُ القُرآنَ فِيمَا جَاءَ بِهِ، فَكَشَفَ اللهُ لِنَبِيَّهِ الكَرِيمِ وَلِلْمُسْلِمِينَ حَالَ اليَهُودِ وَعِنادَهُمْ وَكُفْرَهُمْ، فَقَالَ تَعَالَى مُخَاطِباً النَّبِيَّ وَالمُسْلِمينَ: أَتَطْمَعُونَ أَنْ يَنْقَادَ اليَهُودُ إِليكُمْ بِالطَّاعَةِ، وَقَدْ شَاهَدَ آباؤهم مِنْ آيَاتِ اللهِ وَمُعْجِزَاتِهِ الكَثِيرَ، ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ بَعْدَ ذلِكَ، وَكَانَ فَرِيقٌ مِنْ أَحْبَارِهِمْ وَعُلَمَائِهِمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللهِ ثُمَّ يَتَأوَّلُونَهُ، وَيُعْطُونَهُ مَعْنىً آخَرَ غَيْرَ مَعْنَاهُ الصَّحِيحِ (يُحَرِّفُونَهُ) مِنْ بِعْدِ مَا عَرَفُوهُ، وَفَهِمُوا مَعْنَاه عَلَى حَقِيقَتِهِ. وَمَعَ ذلِكَ فَإِنَّهُمْ يُخَالِفُونَ عَنْ عِلْمٍ وَبَصِيرَةٍ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ أّنَّهُمْ عَلَى غَيْرِ الحَقِّ فِيمَا ذَهَبُوا إِليهِ مِنْ تَأوُّلٍ وَتَحْرِيفٍ. الطَّمَعُ - تَعَلُّقُ النَّفْسِ بِإِدْرَاكِ مَا تُحِبُّ تَعَلُّقاً قَوِيّاً. يُحَرِّفُونَهُ - يُعْطُونَهُ مَعنىً غَيرَ مَعْنَاهُ الصَّحِيحِ.

стр. 83

﴿آمَنُواْ﴾ ﴿اْ آمَنَّا﴾ (٧٦) - وَكَانَتْ فِئَةٌ مِنَ اليَهُودِ إِذَا التَقَوْا بِالمُسْلِمِينَ قَالُوا لَهُمْ: إِنَّ صَاحِبَكُمْ رَسُولُ اللهِ حَقًاً، وَلكِنَّهُ مُرْسَلٌ إِلَيْكُمْ خَاصَّةً. وَإِذا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضِ، قَالَتْ فِئَةٌ مِنْهُمْ لاَ تُحَدِّثُوا العَرَبَ بِهذا. فَإِنَّكُمْ كُنْتُم تَسْتَفْتِحُونَ بِهِ عَلَيهِمْ، وَتَقُولُونَ لَهمْ إِنَّ نَبِيّاً سَيُبْعَثُ قَريباً، وَقَدْ أَظَلَّ زَمَانُهُ، وَإِنَّكُمْ سَوْفَ تُقَاتِلُونَ العَرَبَ تِحْتَ لِوائِهِ، وَتَنْتَقِمونَ مِنْهُمْ، فَكَانَ النَّبِيُّ مِنْهُم، فَإِذا أَقْرَرْتُمْ بِنُبُوَّتِهِ قَامَتْ عَلَيكُمُ الحُجَّةُ، فَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ اللهَ أَخَذَ لَهُ المِيثَاقَ عَلَيكُم بِاتِّبَاعِهِ وَتَصْدِيقِهِ وَنَصْرِهِ، وَأَنَّهُ يُخْبِرُهُمْ أّنَّهُ هُوَ النَّبِيُّ الذِي كُنَّا نَنْتَظِرُ بِعْثَتَهُ، وَنَجِدُهُ فِي كُتُبِنا؛ وَأَنَّهُ يُخْبِرُهُمْ أَنَّهُ هُوَ النَّبِيُّ الذِي كُنَّا نَنْتَظِرُ بِعْثَتَهُ، وَنَجِدُهُ فِي كُتُبِنا؛ فَاجْحَدُوهُ وَلاَ تُقِرُّوا بِهِ. (وَقَالَ مُفَسِّرُونَ آخَرُونَ إِنَّ المَقْصُودَ بِهذِهِ الآيَةِ أُنَاسٌ مِنَ اليَهُودِ آمَنُوا ثُمَّ نَافَقُوا، وَكَانُوا يَقُولُونَ إّذا دَخَلُوا المَدِينَةَ: نَحْنُ مُسْلِمُونَ لِيَعْلَمُوا خَبَرَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَالمُسْلِمِينَ. فَإِذا رَجَعُوا إِلى قَوْمِهِمْ رَجَعُوا إِلى الكُفْرِ. وَكَانَ بَعْضُ المُسْلِمِينَ يَظُنُّ أَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ. فَيَقُولُونَ لَهُمْ أَلَيْسَ اللهُ قَدْ قَالَ بَعْضَ المُسْلِمِينَ يَظُنُّ أَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ. فَيَقُولُولنَ لَهُمْ أَلَيْسَ اللهُ قَدْ قَالَ لَكُمْ كَذا وكَذا. . . فَيَقُولُونَ: بَلى. فَقَالَ بَعْضُ اليَهُودِ لِبَعْضٍ أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فِي كُتُبِكُمْ مِنْ بَعْثِ النَّبِيِّ وَصِفَاتِهِ، أَفَلاَ تَعْقِلُونَ أَنَّ هذَا خَطَأٌ فَاحِشٌ مِنْكُمْ، وَأَنَّ ذلِكَ يَكُونُ حُجَّةً عَلَيكُمْ؟) . خَلاَ بَعْضُهُمْ - مَضَى إِلَيهِ أَوِ انْفَرَدَ بِهِ. فَتَحَ اللهُ عَلَيكُمْ - حَكَمَ بِهِ أَوْ قَصَّهُ عَلَيكُمْ فِي كُتُبِكُمْ.

стр. 84

(٧٧) - وَاسْتَنْكَرَ اللهُ تَصَرُّفَهُمْ هذَا لأَنَّهُمْ أَهْلُ كِتَابٍ، وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ السِّرَّ وَالعَلاَنِيَةَ، وَيَعْرِفُ مَا يَقُولُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَمَا يُبَيِّتُونَ، فَإِذَا كَانُوا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيءٍ عِلْمًا، فَلِمَ لا يَخْشَونَ بَأْسَهُ وَنَقْمَتِهِ، وَهُوَ المُطَّلِعُ عَلَى الظَّاهِرِ، وَيَعْلَمُ مَا يَجُولُ فِي الضَّمَائِرِ؟

стр. 85

﴿الكتاب﴾ (٧٨) - وَمِنْ بَيْنِ الذِينَ يَتَحَدَّثُ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ أُنَاسٌ أُمِّيُّونَ لا يَعْرِفُونَ القِرَاءَةَ وَلاَ الكِتَابَةَ، وَهُمْ لاَ يَعْرِفُونَ مَا فِي كُتُبِهِمْ، وَكَانُوا يَتَكَلَّمُونَ بِالظَّنِّ بِغَيرِ عِلْمٍ صَحِيحٍ عَمَّا فِي كِتَابِهِمُ الذِي أَنْزَلَهُ اللهُ، وَيَقُولُونَ هُوَ مِن الكِتَابِ وَهذَا الذِي يَقُولُونَهُ إِنْ هُو إِلاَّ ظَنٌّ وَتَخْمِينٌ وَتَخَرُّصٌ لِلكَذِبِ. مِنْ غَيْرِ فَهْمٍ لِلْمَعْنَى، وَلاَ تَدَبُّرٍ وَلاَ عِلْمٍ. (أَمَانيَّ يَتَمَنَّونَها) . أُمِّيُّونَ - لا يَقْرَؤُونَ. أَمَانِيَّ - أَكَاذِيبَ تَلَقَّوهَا عَنْ أَحْبَارِهِمْ.

стр. 86

﴿الكتاب﴾ (٧٩) - وَهؤَلاَءِ صِنْفٌ مِنَ اليَهُودِ هُمُ العُلَمَاءُ، وَالدُّعَأةُ إِلى الضَّلاَلَةِ بِالكَذِبِ وَالبُهْتَانِ والزُّورِ، وَقَوْلِ غَيْرِ الحَقِّ عَلَى اللهِ، وَأَكْلِ أَمْوالِ النَّاسِ بِالبَاطِلِ، وَهُمْ أَحْبَارُ اليَهُودِ الذِينَ كَتَبُوا بِأَيْدِيهِمْ كِتَاباً مُحَرَّفاً وَمُلَفْقاً مِنْ عِنْدِهِمْ، يِبِيعُونَهُ لِعَوامِّهِمْ زَاعِمِينَ أَنَّهُ التَّورَاةُ المُنْزَلَةُ مِنْ عِنْدِ اللهِ، لِيَأْخُذُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً مِنْهُمْ. وَيُُحَََذِّرُ اللهُ هؤَلاءِ المُفْتَرِينَ عَلَى اللهِ، وَيَقُولُ لَهُمْ: الوَيْلُ لَهُمْ - أَيِ الهَلاَكُ وَالدَّمَارُ لَهُمْ وَشِدَّةُ الشَّرِّ - مِمَّا أَكَلُوا مِنْ هذا الكَسْبِ الحَرَامِ. وَقَدِ ارْتَكَبَ هؤُلاءِ بِعَمَلِهِمْ هذا ثَلاثَ جِنَايَاتٍ: أُولاَهَا - كِتْمَانُ مَا فِي كِتَابِهِمْ مِنْ صِفَةِ النَّبِيِّ وَتَغْيِيرِهَا. وَثَانِيَتُها - الافْتِراءُ عَلَى اللهِ وَنِسْبَةُ شَيءٍ إِلَيهِ لَمْ يَقُلْهُ. وَثَالِثُهَا - الكَسْبُ الحَرَامُ ثَمَناً لِهذا الكَذِبِ وَالتَّحْرِيفِ وَالإِفْكِ. فَوَيلٌ - هَلاكٌ أَوْ شِدَّةُ عَذابٍ.

стр. 87

(٨٠) - كَانَ اليَهُودُ يَقُولُونَ: إِنَّهُم أَبْنَاءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ، يُؤَاخِذهُمْ مُؤَاخَذَةَ الأَبِ لابْنِهِ، بِرْفْقٍ وَحَنَانٍ، وَإِنَّهُمْ لَنْ يُعَذَّبُوا فِي النَّارِ يَوْمَ القِيَامَةِ إِلاَّ أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ، ثُمَّ يَرْضى الله عَنْهُم فَيَنْجُونَ مِنَ العَذَابِ وَمِنْ نَارِ جَهَنَّمَ، مَهْمَا كَانَتْ ذَنَوبُهُمْ عَظِيمَةً. وَيَرُدُّ اللهُ تَعَالَى عَلَيهِمْ قَائِلاً: أَحَصَلْتُمْ عَلَى عَهْدٍ وَوَحْيٍ وَخَبرٍ صَادِقٍ بِذلِكَ مِنَ اللهِ؟ فَإِنْ كُنْتُمْ حَصَلْتُمْ عَلَى عَهْدٍ فَإِنَّ اللهَ لا يُخْلِف عَهْدَهُ وَوَعْدَهٌ أَبَداً، وَلكِنَّ ذلِكَ لَمْ يَقَعْ، وَلَمْ يَصْدُرْ مِنَ اللهِ عَهْدٌ لِلْيَهُودِ، وَإِنَّكُمْ مُفْتَرُونَ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ شَيئاً لاَ عِلْمَ لَكُمْ بِهِ. مَعْدُودَةً - مَحْصُورَةَ العَدَدِ.

стр. 88

﴿وَأَحَاطَتْ﴾ ﴿فأولئك﴾ ﴿أَصْحَابُ﴾ ﴿خَالِدُونَ﴾ (٨١) وَيَقُولُ تَعَالَى لِلْيَهُود: لَيْسَ الأَمْرُ كَمَا تَمَنَّيتُم، وَلاَ كَمَا تَشْتَهُونَ، بَلِ الأَمْرُ أَنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ قَضَى بِأَنَّ كُلَّ مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً، وَأَتَى رَبَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَقَدْ أَثْقَلَتْهُ خَطَايَاهُ وَآثَامُهُ، وَلَيْسَتْ لَهُ حَسَنَاتٌ، وَلاَ أَعْمَالٌ صَالِحَةٌ، وَلَمْ يَتُبْ مِنْ خَطَايَاهُ إِلَى اللهِ، فَيَكُونُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَيَبْقَى فِيهَا خَالِداً. وَقَالَ ابْنً عَبَّاسٍ: إِنَّ السَّيِّئَةَ هُنَا تَعْنِي الشِّرْكَ، لأَنَّ المُشْرِكَ خَالِدٌ فِي النَّارِ.

стр. 89

﴿آمَنُواْ﴾ ﴿الصالحات﴾ ﴿أولئك﴾ ﴿أَصْحَابُ﴾ ﴿خَالِدُونَ﴾ (٨٢) - أَمَّا الذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَبِاليَومِ الآخِرِ، وَعَمِلُوا الأَعْمَالَ الصَّالِحَاتِ، فَأَدَّوُا الوَاجِبَاتِ، وانتَهَوا عَنِ المَعَاصِي فَهؤُلاءِ هُمْ أَصْحَابُ الجَنَّةِ يَخْلُدُونَ فِيها أَبَداً. فَدُخُولُ الجَنَّةِ مَنُوطٌ بِالإِيمَانِ الصَّحِيحِ، وَالعَمَلِ الصَّالِحِ مَعاً.

стр. 90

﴿مِيثَاقَ﴾ ﴿اإِسْرَائِيلَ﴾ ﴿وبالوالدين﴾ ﴿الصلاة﴾ ﴿وَآتُواْ﴾ ﴿الزكاة﴾ ﴿اليتامى﴾ ﴿المساكين﴾ (٨٣) - ويُذَكِّرُ اللهُ تَعَالَى بَني إَسْرَائِيلَ بِأَوَامِرِهِ إِلَيهِمْ، وَبِالمِيثَاقِ الذِي أَخَذَهُ عَلَيهِمْ عَلَى لِسَانِ مُوسَى وَغَيرِهِ مِنْ أَنْبِيَائِهِمْ أَلاَّ يَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ وَحْدَهُ، لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَلاَّ يُشْرِكُوا بِهِ شَيئاً، وَأَنْ يُحْسِنُوا مُعَامَلَةَ الوَالِدَينِ، وَأَنْ يُحسِنُوا إِلَى ذَوِي قُربَاهُمْ، وَإِلَى اليَتَامَى الذِين مَاتَ آبَاؤُهُمْ، وإِلى المَسَاكِينِ الذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَهُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَعِيَالِهِمْ، وَأَنْ يُحْسِنُوا مُعَامَلَةَ النَّاسِ وَمُعَاشَرَتَهُمْ، وَأَنْ يَقُولُوا لَهُمْ كَلِمَاتٍ طَيِّبَاتٍ (وَيدخُلُ فِي ذلِكَ الأَمرُ بِالمَعْروفِ والنَّهيُ عَنْ المُنْكَرِ) وَأَنْ يُقِيموا الصَّلاَةَ، وَأَنْ يُؤَدُّوا الزَّكَاةَ. وَلكِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ تَوَلَّوْا عَنْ ذلِكَ، وَأَعْرَضُوا عَنْهُ عَنْ عَمْدٍ، بَعْدَ العِلْمِ بِهِ، وَلَمْ يَقُمْ مِنْهُمْ بِأَمْرِ اللهِ إِلاَّ قَلِيلُونَ، أَقَامُوا الشَّرِيعَةَ عَلَى وَجْهِهَا الصَّحِيحِ فِي زَمَنِ مُوسَى وَبَعْدَهُ، وَدَخَلُوا فِي الإِسْلامِ حِينَمَا أَدْرَكُوهُ كَعَبْدِ اللهِ بْنِ سَلاَّمٍ وَثَعْلَبَةَ بْنِ سعيدٍ. المِيثَاقَ - هُوَ العَهْدُ الشَّدِيدُ المُؤَكَّدُ.

стр. 91

﴿مِيثَاقَكُمْ﴾ ﴿دِيَارِكُمْ﴾ (٨٤) - يَذَكِّرُ اللهُ تَعَالَى فِي هذِهِ الآيَةِ اليَهُودَ بِأَهَمِّ مَا نَهَأهُمْ عَنْهُ، وَأّخَذَ المِيثَاقَ عَلَيهِمْ لاجْتِنَابِهِ، فَيَقُولُ تَعَالَى: إَنَّهُ أَخَذَ المِيثَاقَ فِي التَّورَاةِ عَلَى بَنِي إِسْرِائِيلَ أَنْ لاَ يَسْفِكَ بعضُهُمْ دَمَ بَعْضٍ، وَأَنْ لا يُخْرِجَ بَعْضُهُم بَعْضاً مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَوْطََانِهِمْ، وَإِنَّ يَهُودَ المَدِينَةِ يُقِرُّونَ بِذلِكَ، وَيَشْهَدُونَ عَلَى صِحَّةِ مَا جَاءَتْ بِهِ دِيَانَتهمْ فِي ذلِكَ، فَالحَجَّةُ قَائِمَةٌ عَلَيهِمْ. لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ - أَي لاَ يَسْفِكُ بَعضُكُمْ دَمَ بَعْضٍ عَلَى اعْتِبَارِ أَنَّ بَعْضَ أَفرادِ الجَمَاعةِ هُمْ مِنْ نَفْسِها. السَّفْكُ - الصَّبُّ والإِرَاقَةُ.

стр. 92

﴿دِيَارِهِمْ﴾ ﴿تَظَاهَرُونَ﴾ ﴿وَالْعُدْوَانِ﴾ ﴿أسارى﴾ ﴿تُفَادُوهُمْ﴾ ﴿الكتاب﴾ ﴿الحياة﴾ ﴿القيامة﴾ ﴿بِغَافِلٍ﴾ (٨٥) - كَانَ فِي المَدِينَةِ ثَلاَثَ قَبَائِلَ مِنَ اليَهودِ: بَنُو قَيْنُقَاعَ وَبَنُو النَّضِيرِ، وَهُمْ حُلَفَاءُ الخَزْرَجِ، وَبَنُو قُرَيْظَةَ وَهُمْ حُلَفَاءُ الأَوْسِ، وَكَانُوا إِذَا وَقَعَتِ الحَرْبُ بَيْنَ الأَوْسِ وَالخَزْرَجِ انتَصَرَ كُلُّ فَرِيقٍ مِنَ اليَهُودِ لِحُلَفَائِهِ، وَانْضَمَّ إِلَيِهِمْ يُقَاتِلُ خُصُومَهمْ. وَكَثيراً مَا كَانَ اليَهودِيُّ يَقْتُلُ اليَهُودِيُّ فِي الحَرْبِ، وَيُخْرِجُهُ مِنْ بَيْتِهِ، وَيَنْتَهِبُ مَالَهُ وَأَثَاثَ مَنْزِلِهِ، وَكلُّ ذلِكَ محَرَّمٌ عَلَيهِمْ فِعْلُهُ بِنَصِّ التَّورَاةِ. وَلكِنَّهُمْ كَانُوا إِذا وَضَعَتِ الحِرْبُ أَوْزَارَهَا يَقُومُونَ بِافْتِكَاكِ الأَسْرَى وَمُفَادَاتِهِمْ، عَمَلاً بِنَصِّ التَّورَاةِ، فَاسْتَنْكَرَ اللهُ تَعَالَى أَفْعَالَهُمْ هذِهِ، فَهُمْ يَقتُلُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً خِلاَفاً للنَّصِّ، وَلكِنَّهُمْ يَفْتَكُّونَ الأَسْرَى وَيُفَادُونَهُمْ عَمَلاً بِنَصِّ التَّورَاةِ. وَيَقُولُ اللهُ تَعَالَى لَهُمْ مُسْتَنْكِراً تَصَرُفَاتِهِمْ هذِهِ: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتَابِ وَتَعْمَلُونَ بِهِ، وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضِهِ وَتُخَالِفُونَهُ؟ وَتَوَعَّدَ اللهُ تَعَالَى مَنْ يُؤْمِنُ بِبَعْضِ الكِتَابِ، وَيَكْفُرُ بِبَعْضِهِ الآخَرِ بِالخِزْيِ وَالمَذَلَّةِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيا، وَبِالعَذابِ الأَلِيمِ الشَّدِيدِ يَوْمَ القِيَامَةِ. ثُمَّ يُذَكِّرُهُمْ اللهُ بِأَنَّهُ غَيْرُ غَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ. تَظَاهَرُونَ - تَتَعَاوَنُونَ. الإِثْمُ - الفِعْلُ الذِي يَسْتَحِقُّ فَاعِلَهُ اللَّومَ (العِقَابَ) . العُدْوَانِ - تَجَاوُزِ الحَدَِّ فِي الظُّلْمِ. خِزْيٌ - ذُلٌّ وَفَضِيحَةٌ.

стр. 93

﴿أولئك﴾ ﴿الحياة﴾ (٨٦) - وَهؤُلاءِ الذِينَ يُخَالِفُونَ أَوَامِرَ التَّورَاةِ، وَيَعْمِلُونَ بِبَعْضِ مَا جَاءَ فِيهَا، هُمُ الذِينَ اسْتَحَبُّوا الحَيَاةَ الدُّنيا، وَآثَروها وَفَضَّلُوهَا عَلَى الآخِرَةِ، بِمَا أَهْمَلُوا مِنَ الشَّرَائِعِ، وَبِمَا تَرَكُوا مِنْ أَوَامِرِهَا التِي يَعْرِفُونَها (كَالانتِصَارِ لِلحَلِيفِ المُشْرِكِ وَمُظَاهَرَتِهِ عَلَى قَوْمِهِمْ فِي الدِّينِ وَالنَّسَبِ، وَإِخْرَاجِ أَهْلِهِمْ مِنْ دِيَارِهِم ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ ذلِكَ الحَلِيفِ المُشْرِكِ) ، فَكَانُوا كَمَنِ اشْتَرَى الحَيَاةَ الدُّنيا بِالآخِرَةِ. وَهؤلاءِ لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذَابُ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَلاَ يَجِدُونَ لَهُم نَاصِراً يُنْقِذُهُمْ مِنَ العَذَابِ، وَلا مُجِيراً يُجِيرُهُمْ. اشتَرَوْا - هِيَ هُنَا بِمَعْنى آثَرُوا، أوِ اسْتَبْدَلُوا.

стр. 94

﴿آتَيْنَا﴾ ﴿الكتاب﴾ ﴿وَآتَيْنَا﴾ ﴿البينات﴾ ﴿وَأَيَّدْنَاهُ﴾ (٨٧) - يَصِفُ اللهُ تَعَالَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِالعُتُوِّ والعِنَادِ وَالاسْتِكْبَارِ عَلَى الأَنْبِيَاءِ، وَيَقُولُ تَعَالَى: إِنَّهُم يَتَبِعُونَ فِي ذلِكَ أَهْوَاءَهُمْ. وَيُذَكِّرهُمُ اللهُ تَعَالَى بِأَنَّهُ آتى مُوسَى التَّوراةَ فَحرَّفُوهُ وَبَدَّلُوهُ، وَخَالَفُوا أَوَامِرَهُ وَأَوَّلُوها. ثُمَّ أَرْسَلَ مِنْ بَعْدِهِ النَّبِيِّينَ وَالرُّسُلَ، يَحْكُمُونَ بِشَرِيعَتِهِ، وَيُذَكِّرُونَ النَّاسَ بِمَا فِي كِتَابِهِمْ، وَيَأْمُرُونَ بِالالتِزَامِ بِأَحْكَامِهِ، وَلِذلِكَ لَمْ يَكُنْ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ عُذْرٌ فِي نِسْيَانِ الشَرَائِعِ وَتَحْرِيفِهَا. وَخَتَمَ اللهُ تَعَالَى أَنْبِيَاءَ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِعِيسَى بْنِ مَرْيَمَ، فَجَاءَ بِمُخَالَفَةِ بَعْضِ أَحْكَامِ التَّورَاةِ، وَلِهذَا أَيَّدَهُ اللهُ بِالبَيِّنَاتِ وَالمُعْجِزَاتِ، تَأْكِيداً لِنُبُوَّتِهِ، وَلِمَا أَتَى بِهِ، وَأَيَّدَهُ بِجِبْرِيلَ ﵇. وَكَان بَنُو إِسْرَائِيلَ يُعَامِلُونَ الأَنْبِيَاءَ أَسْوَأَ مُعَامَلَةٍ، فَكَانُوا يُكَذِّبُونَ بَعْضَهُمْ كَعِيسَى وَمُحَمَّدٍ، وَيَقْتُلُونَ بَعْضاً آخَرَ كَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى، وَكُلُّ ذلِكَ لأَنَّ هؤُلاءِ الأَنْبِيَاءَ والرُّسُلَ كَانُوا يُطَالِبُونَهُمْ بِالالْتِزَامِ بِأَحْكَامِ التَّوْرَاةِ، وَكَانُوا يَأْتُونَ بِمَا يُخَالِفُ أَهْوَاءَهُمْ، وَلِذلِكَ فَلاَ عَجََبَ إِنْ هُمْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِمُحَمَّدٍ وَرِسَالَتِهِ، لأَنَّ العِنَادَ وَالجُحُودَ مِنْ صِفَتِهِمْ. قَفَّاهُ بِهِ - أَتْبَعَهُ بِهِ. الكِتاَبَ - التَّوْرَاةَ. رُوحِ القُدُسِ - جِبْرِيلَ، ﵇.

стр. 95

(٨٨) - وَقَالَ اليَهُودُ لِلرَّسُولِ ﷺ حِينَ دَعَاهُمْ إِلى الإِسْلامِ: إِنَّ قُلُوبَهُمْ مُغَطَّاةٌ بِأَغْشِيَةٍ خِلْقِيَّةٍ تَمْنَعُهَا مِنْ تَفَهُّمِ مَا جَاءَهُمْ بِهِ النَّبِيُّ، فَهِيَ لاَ تَعِي، وَلاَ يَصِلُ إِليهَا شَيءٌ مِمَّا يَقُولُهُ. وَيَرُدُّ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ مُكَذِّباً: إِنَّ الأَمرَ لَيسَ كَمَا يَدَّعُونَ، فَقُلُوبُهم خُلِقَتْ مُسْتَعِدَّةً، بِحَسَبِ الفِطْرَةِ، لِلنَّظَر الذِي يُوصِلُ إِلى الحَقِّ، وَلكِنَّ اللهَ أَبْعَدَهُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ، بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ بِالأَنبِيَاءِ السَّابِقِينَ، وَبِالكِتَابِ الذِي تَرَكُوا العَمَلَ بِهِ وَحَرَّفُوهُ اتِّبَاعاً لأَهْوَائِهِمْ، فَهُمْ يُؤْمِنُونَ إِيمَاناً قَليلاً، وَهُوَ إِيمَانُهُمْ بِبَعْضِ الكِتَابِ، وَتَحْرِيفُ بَعْضِهِ الآخَرِ، وَتَرْكُ العَمَلِ بِهِ. (وَقِيلَ إِنَّ المَعْنَى هُوَ أَنَّ الذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالنَّبِيِّ مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَبِمَا جَاءَ بِهِ قَلِيلُونَ مِنْهُمْ) . الغُلْفُ - وَاحِدُها أَغْلَفُ - هُوَ الذِي لا يَفْقَهُ مَا يُقَالُ لَهُ أَوْ هُوَ الذِي غُلِّفَ قَلْبهُ بِأَغْطِيَةٍ خِلْقِيَّةٍ.

стр. 96

﴿كِتَابٌ﴾ ﴿الكافرين﴾ (٨٩) - وَلَمَّا جَاءَ اليَهُودَ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ، هُوَ مُحَمَّدٌ ﵇، وَمَعَهُ كِتَابٌ مُنْزَلٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ، هُوَ القُرآنُ، يُصَدِّقُ التَّورَاةَ وَأَحْكَامَهَا، وَيُوَافِقُها فِي التَّوحِيدِ، وَأُصُولِ الدِّينِ وَمَقَاصِدَهُ، كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ وَبِالقُرآن، مَعْ أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ رِسَالَةَ مُحَمَّدٍ حَقٌّ، وَأَنَّ القُرآنَ صِدْقٌ، وَقَدْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ، يَقُولُونَ لِمُشْرِكِي المَدِينَةِ إِنَّ كُتُبَهُمْ تُشِيرُ إِلى مَبْعَثِ نَبِيٍّ قَدْ أَظَلَّ زَمَانُهُ، وَإِنَّهُم سَيُحَارِبُونَ المُشْرِكِينَ تَحْتَ لِوائِهِ، وَيَنْتَقِمُونَ مِنْهُمْ، أَيْ إِنَّ اليَهُودَ كَانُوا يَسْتَنْصِرُونَ بِالنَّبِيِّ ﷺ المُنْتَظَرِ، وَيَسْتَفْتِحُونَ بِهِ عَلَى المُشْرِكِينَ، فَلَمَّا بُعِثَ رَسُولَ اللهِ اتَّبَعَهُ عَرَبُ المَدِينةِ، وَكَفَرَ بِهِ اليَهُودُ، وَمَا حَمَلَهُمْ عَلَى الكُفْرِ إِلاَ الحَسَدُ وَالجُحُودُ، وَالعِنَادُ وَالطَّمَعُ بِمَتَاعِ الدُّنْيَا الحَقِيرِ فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى اليَهُودِ الكَافِرِينَ. يَسْتَفْتِحُونَ - يَسْتَنْصِرُونَ بِبَعْثِةِ نَبِيٍّ.

стр. 97

﴿فَبَآءُو﴾ ﴿وَلِلْكَافِرِينَ﴾ (٩٠) - يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: بِئْسَمَا اخْتَارَهُ هؤُلاءِ اليَهُودُ لأَنْفُسِهِمْ مِنَ الكُفْرِ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ، فَبَدَلاً مِنْ أَنْ يُؤْمِنُوا بِهِ، وَيُصَدِّقُوهُ وَيَنْصُرُوهُ، كَفَرُوا بِهِ وَكَذَّبُوهُ. وَمَا حَمَلَهُمْ عَلَى ذلِكَ إِلاَّ البَغْيُ وَالحَسَدُ وَالكَرَاهِيَةُ لاخْتِيارِ اللهِ النَّبِيِّ الذِي يُنَزِّلُ عَلَيهِ رِسَالَتَهُ مِنْ غَيْرِهِمْ، فَاسْتَحَقُّوا بِذلِكَ غَضَباً مِنَ اللهِ لِكُفْرِهِمْ بِمُحَمَّدٍ وَقُرْآنِهِ، كَمَا اسْتَحَقُوا مِنْ قَبْلُ غَضَبَ اللهِ لِكُفْرِهِمْ، وَلإِعْنَاتِهِمْ مُوسَى، ﵇، ثُمَّ لِكُفْرِهِمْ بِعِيسَى وَإِنْجِيلِهِ، وَبِذلِكَ يَكُونُونَ قَدِ استَحَقُّوا غَضَباً عَلَى غَضَبٍ. وَقَدْ أَعَدَّ اللهُ تَعَالَى لِهؤلاءِ اليَهُودِ الكَافِرينَ عَذاباً مُهِيناً لَهُمْ، يَتَمَثَّلُ فِي الدُّنيا بالخِزْي والنَّكَالِ وَسُوءِ الحَالِ، وَيَتَمَثَّلُ فِي الآخِرَةِ بِالخُلُودِ في نَارِ جَهَنَّمَ. اشْتَرَوا - بِمَعْنَى بَاعُوا. بَاءَ - رَجَعَ أَوْ حَمَلَ. مُهِينٌ - فِيهِ إِهَانَةٌ وَذِلَّةٌ.

стр. 98

﴿آمِنُواْ﴾ (٩١) - يَقُولُ اللهُ تَعَالَى إنَّ اليَهُودَ إذا قيلَ لَهُمْ: آمنُوا بِمُحَمَّدٍ وَصَدِّقُوهُ وَاتَّبِعُوهُ، قَالُوا: يَكْفِينَا الإِيمَانُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا (التَّورَاةُ) وَلا يُقِرُّونَ بِغَيْرِ ذلِكَ (وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَ ذلِكَ) مِمَّا جَاءَ بَعْدَهُ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ أنَّ مَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ هُوَ الحَقُّ، وَهُوَ يُصَدِّقُ مَا جَاءَتْ بِهِ التَّورَاةُ، وَأنَّ كُفْرَهُمْ بِالقُرْآنِ وَبِمُحَمَّدٍ هُوَ كُفْرٌ بِكِتَابِهِمْ نَفْسِهِ. وَيَرُدُّ اللهُ تَعَالَى عَلَيهِمْ قَائِلاً: إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَدَّعُونَ الإِيمَانَ بِمَا جَاءَكُمْ مِنْ عِنْدِ اللهِ عَلَى لِسَانِ أَنْبِيَائِكُمْ، فَلِمَاذَا كُنْتُمْ تَقْتُلُونَ أنبيَاءَ اللهِ، وَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيكُمْ ذلِكَ في كُتُبِكُمْ وَقَدْ أَمَرَكُمْ بِاتِبَاعِهِمْ؟ وَقَتْلُكُمُ الأنْبِيَاءَ دَلِيلٌ واضِحٌ عَلَى أَنَّكُمْ لَمْ تُؤْمِنُوا بِرِسَالَةِ رَبِكُمْ. (وَقَدْ نَسَبَ اللهُ تَعَالَى القَتْلَ للْيَهُودِ الذِينَ كَانُوا في زَمَنِ مَحَمَّدٍ ﵇، مَعَ أَنَّ القَتْلَ ارْتَكَبَهُ أسْلاَفُهُمْ، وَهذَا يُقْصَدُ بِهِ وَحْدَةُ الأُمَّةِ وَتَكَافُلُها، وَأنَّها في الطَّبَائِعِ وَالأخْلاَقِ المُشْتَرَكَةِ كَالشَّخْصِ الوَاحِدِ) . وَرَاءَ - سِوَى أوْ غَيْرَ.

стр. 99

﴿بالبينات﴾ ﴿ظَالِمُونَ﴾ (٩٢) - لَقَدْ كَفَرْتُمْ يَا أيُّهَا اليَهُودُ بِكِتابِكُمْ، وَرَجْعتُمْ إلى الشِّرْكِ فِي عَهْدِ مُوسَى، فَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بالآيَاتِ الوَاضِحَاتِ، والمُعْجِزَاتِ (البَيِّنَاتِ) ، وَالدَّلائِلِ القَاطِعَاتِ عَلى وَحْدَانِيَّةِ اللهِ، وَعَلَى أنَّهُ لا إلهَ إلاَّ هُوَ، وَعَلَى أَنَّهُ رَسُولُ اللهِ، وَلَكِنَّكُمُ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ مَعْبُوداً مِنْ دُونِ اللهِ بَعْدَ أَنْ ذَهَبَ مُوسَى لِمُنَاجَاةِ رَبِّهِ فِي جَبَلِ الطُّورِ، وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ لاَ إلهَ إلاَّ اللهُ، فِعِبَادَتُكُمْ غَيْرَهَ ظُلْمٌ كَبِيرٌ، وَكُفْرانٌ بِالنِّعَمِ. (والآيَاتُ التي جَاءَ بِهَا مُوسَى ﵇: هِيَ العَصَا وَاليَدُ وَالطُّوفَانُ وَالجَرَادُ وَالقُمَّلُ وانبِجَاسُ المَاءِ مِنَ الحَجَرِ وانفِلاقُ البَحْرِ، والغَمَامُ والمَنَّ والسَّلْوى والدَّمُ) .

стр. 100

﴿مِيثَاقَكُمْ﴾ ﴿ءاتيناكم﴾ ﴿إِيمَانُكُمْ﴾ (٩٣) - وَحِينَما جَاءَكُمْ مُوسَى بالتَّورَاةِ، وَرَأيْتُمْ مَا فِيهَا مِنْ تَكالِيفَ، شَقَّتْ عَلَيْكُمْ، واسْتَثْقَلْتُمْ أعْبَاءَهَا، فَأَرِادَ اللهُ أنْ يُريَكُمْ آيةً عَلَى صِدْقِ التَّورَاةِ، وبُرْهَاناً عَلَى أنَّهَا كِتَابُ اللهِ، فَرَفَعَ فَوْقَكُمْ جَبَلَ الطُّورِ حَتَّى صَارَ فَوْقَكُمْ كَالمِظَلَّةِ، وَهَدَّدَكُمْ بِإسْقَاطِهِ عَلَيكُمْ إنْ لَمْ تُعْلِنُوا قَبُولَكُمْ بِالمِيثَاقِ الذِي وَاثَقَكُمُ اللهُ بِهِ، وَهُوَ ألاَّ يَأخُذَكُمْ هَوًى فِي الامتِثَالِ لِمَا جَاءَ فِي كِتَابِ اللهِ وَأَلاَّ تُقَصِّرُوا فِي الأخْذِ بِمَا فِيهِ، فَقُلْتُمْ آمنَّا وَسَمِعْنَا وَأَطَعْنَا قَوْلاً، وَلكِنَّكُمْ عُدْتُّمْ إلى مُخَالَفَته عَمَلاً فَكُنْتُم وَكَأَنَّكُمْ قَلْتُمْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ شَعَرُوا بِحُبِّ العِجْلِ يَخْلُصُ إِلَى قُلُوبِهِمْ، وَيَنْفُذُ إِليها كَمَا يَنْفُذُ المَاءُ فِيمَا يَدْخُلُ فِيهِ فَيَمْلِكُهَا عَلَيْهِمْ، فَكَيْفَ يَدْعُونَ الإِيمَانَ لأَنْفُسِهِمْ بَعْدَ أَنْ قَامُوا بِجَمِيعِ هذِهِ الأعْمَالِ المُنْكَرَةِ، مِنْ نَقْضِ مَوَاثِيقِ اللهِ، وَالكُفْرِ بآيَاتِهِ، وَمِنْ عَبَادَتِهِمُ العِجْلَ، وَقَتْلِهمِ الأنْبِيَاءَ؟ وَيَأَمُرُ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ ﷺ بِأَنْ يَقُولَ لِلْيَهُودِ تَوبِيخاً بَعْدَ أَنْ عَلِمُوا أحُوالَ أَسْلاَفِهِمْ الذِينَ يَقْتَدُونَ بِهِمْ فِي كُلِّ مَا يَأْتُونَ وَمَا يَذَرُونَ: إِنْ كُنْتُمْ مُخْلِصِينَ في إِيمَانِكُمْ بِالتَّورَاةِ، فَبِئْسَ هذَا الإِيمَانُ الذِي يَأْمُرُكُمْ بِالأَعْمَالِ التِي تَعْمَلُونَها، كَعِبَادَةِ العِجْلِ، وَقَتْلِ الأَنْبِيَاءِ، وَالإِيمَانِ بِبَعْضِ الكِتَابِ، وَتَرْكِ العَمَلِ بِبَعْضِهِ الآخَرِ. أُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ العِجْل - شَعَرُوا بِحُبِّ العِجْلِ يَخْلُصُ إلى قُلُوبِهِمْ وَيَنْفُذُ إِلَيْها كَمَا يُنْفُذُ المَاءُ فِيمَا يَدْخُلُ فِيهِ.

стр. 101

﴿صَادِقِينَ﴾ (٩٤) - قُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ: إِنْ كُنْتُمْ تَعْتَقِدُونَ صِدْقاً أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءَ اللهِ وَأَحبَّاؤُهُ مِنْ دُونِ النَّاس، وَأَنَّ النَّارَ لَنْ تَمسَّكُمْ إِلاَّ أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ، وأنَّ لَكُمُ الجَنَّةَ وَحْدَكُمْ وَمَنْ عَدَاكُمْ مِنَ الخَلْقِ فِي النَّارِ، فَتَمَنَّوُا المَوْتَ الذِي يُوصِلُكُمْ إِلى ذلِكَ النَّعِيمِ الخَالِصِ الدَّائِمِ الذِي لا يُنَازِعُكُمْ فِيهِ أَحَدٌ، وَاطْلُبُوا المَوْتَ مِنَ اللهِ. فَإِذَا لَمْ يَتَمَنَّوْهُ كَانُوا غَيْرَ صَادِقِينَ في إِيمَانِهِمْ. تَمَنَّوا المَوْتَ - اجْعلوا أَنْفُسكُمْ تَرْتَاحُ إِليهِ.

стр. 102

﴿بالظالمين﴾ (٩٥) - وَلَنْ يَتَمَنَّى هَؤُلاءِ الكَافِرُونَ بِكَ يا مُحَمَّدُ أنْ يَنْزِلَ بِهِم المَوتُ أبَداً، لأَنَّهُمْ مَا قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ، ومَا أسْلَفَتْ مِنْ سَيِّئِ الأعْمَالِ، فَهُمْ يَخَافُونَ عِقَابَ الله عَلَيها، وَاللهُ يَعْلَمُ أنَّهُمْ ظَالِمُونَ في قَوْلِهِمْ: إِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ خَالِصَةٌ لَهُم مِنْ دُونِ النَّاسِ.

стр. 103

(٩٦) - وَلَتَجِدَنَّ يَا مُحَمَّدُ اليَهُودَ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى البَقَاءِ فِي الحَيَاةِ، حَتَّى لَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ مِنَ المُشْرِكِينَ الذِينَ لاَ كِتَابَ لَهُمْ، وَلاَ يَعْتَقدُونَ بِوُجُودِ بَعْثٍ وَحَشْرٍ وَحِسْابٍ عَلَى الأعْمَالِ، وَلِذلِكَ حَصَرُوا هَمَّهُمْ في الحَيَاةِ الدُّنيَا أَمَّا اليَهُودُ فِإِنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ وَالحِسَابِ، وَيَعْلَمُونَ مَا قَدَّمَتْ أَيْدِيْهِمْ مِنْ كُفْرٍ وَخُرُوجٍ عَنْ أَمْرِ اللهِ، وَقَتْلٍ لأَنْبِيَائِهِ، وَيَعْلَمُونَ مَا يَنْتَظِرُهُمْ فِي الآخِرَةِ مِنْ مَقْتِ اللهِ وَغَضَبِهِ وَشدِيدِ عَذَابِهِ، وَلِذلِكَ فَإِنَّهُمْ يَتَمَنَّونَ أنْ يَكُونَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ يَوْمِ القِيَامَةِ أمَدٌ بَعِيدٌ، وَأنْ يَعِيشُوا دَهْراً طَوِيلاً لِكَيْلا يَصِلُوا إلى العَذَابِ الذِي يَنْتَظِرُهُمْ في الآخِرَةِ. ويَرُدُّ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ قَائِلاً: وَلَوْ عَاشَ أحَدُهُمْ ألْفَ سَنَةٍ، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُنْجِيهِ مِنَ العَذَابِ، مَا دَامَ مُقِيماً عَلَى كُفْرِهِ، وَمُصِراً عَلَى الإِتْيَانِ بِالأَعْمَالِ السَّيِّئَةِ، وَاللهُ مُبْصِرٌ وَمُشَاهِدٌ مَا يَعْمَلُونَ. (رُويَ في سَبَبِ نُزُولِ هذِهِ الآيةِ: أنَّ اليُهُودَ زَعَمُوا أَنَّهُمْ أَبْنَاءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ، وَقَالُوا: إنَّهُ لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلا مَنْ كَانَ يَهُودِيّاً. فَدَعَاهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلى المُبَاهَلَةِ، وَالدُّعَاءِ بِالمَوْتِ وَاللَّعْنَةِ على أكْذَبِ الطَّائِفَتَينِ مِنْهُمْ وَمِنَ المُسْلِمينَ. فَنَكَلَ اليَهُودُ عَنْ ذَلِكَ وَظَهَرَ كَذِبُهُمْ فِيمَا يَدَّعُونَ) . وَرَوَى ابنُ عَبَّاس أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لليَهُودِ " إَنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فِي مَقَالَتِكُم فَقُولُوا: اللَّهُمَّ أمِتْنَا فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لاَ يَقُولُهَا رَجُلٌ مِنْكُمْ إِلاَ غُصَّ بِرِيقِهِ وَمَاتَ مَكَانَهُ " وَهَذَا تَحَدٍّ آخَرَ لِليَهُودِ قَائِمٌ فَوْقَهُمْ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ.

стр. 104

(٩٧) - نَاظَرَ اليَهُودُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي أَمْرِ نُبُوَّتِهِ، فَقَالُوا لَهُ: يَا أَبَا القَاسِمِ أَخْبِرْنَا عَنْ خَمْسَةِ أَشْيَاءَ فَإِن أنْبَأَتَنَا بِهَا عَرَفْنَا أَنَّكَ نَبِيٌّ وَاتّبَعْنَاكَ فَأَخَذَ النَّبِيُّ عَلَيهِمِ المِيثَاقَ إِذْ قَالَ: (وَاللهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ) . ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: هَاتُوا. فَسَألُوهُ أَسْئِلَةً أَرْبَعَةً أَجَابَهُمْ عَلَيْها، ثُمَّ قَالُوا لَهُ: لَيْسَ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَ وَلَهُ مَلَكٌ يَأتِيهِ بِالخَبَرِ، فَأخْبِرْنَا مَنْ صَاحِبُكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: (صَاحِبِي جِبْرِيلُ ﵇ . قَالُوا جِبْرِيلُ ذَاكَ الذِي يَنْزِلُ بِالحَرْبِ وَالقِتَالِ وَالعَذَابِ عَدُوُّنَا، وَإِنَّهُ أنْذَرَ اليَهُودَ بِخَرَابِ بَيْتِ المَقْدِسِ، فَكَانَ مَا أنْذَرَ بِهِ، لَوْ قُلْتَ: إنَّ صَاحِبَكَ مِيكَائِيلُ لاتَّبَعْنَاكَ، لأَنَّهُ المَلَكُ الذِي يَنْزِلُ بِالرَّحْمَةِ وَالغَيْثِ. فَأَنزَلَ اللهُ تَعَالَى هذِهِ الآيَةَ الكَرِيمَةَ. وَمَعْنَى الآيَةِ: إنَّ مَنْ عَادَى جِبْرِيلَ فَإنَّ جِبْرِيلَ هُوَ الرُّوحُ الأمَينُ الذَي أنْزَلَ القُرآنَ عَلَى قَلبِكَ يَا مُحَمَّدُ، بأمْرِ اللهِ، مُصَدِّقاً لِمَا سَبَقَهُ مِنَ الكُتُبِ المَنَزَّلةِ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَمِنْهَا التَّورَاةُ، وَهُوَ هُدًى لِلْمُؤْمِنينَ وَبُشْرَى لِقُلُوبِهِمْ بِالجَنَّةِ.

стр. 105

﴿وملائكته﴾ ﴿وَمِيكَالَ﴾ ﴿لِّلْكَافِرِينَ﴾ (٩٨) - أعْلَمَ اللهُ تَعَالَى اليَهُودَ بِأنَّ مَنْ عَادَى اللهَ بِالكُفْرِ بِهِ وَمُخَالَفةِ أوَامِرِهِ، أوْ عَادَى أحَداً مِنْ مَلاَئِكَتِهِ، أوْ أحَداً مِنْ رُسُلِهِ أوْ جِبْرِيلَ أوْ مِيكَائِيلَ، فَإنَّهُ يَكُونُ عَدُوّاً للهِ، لأنَّهُ يَكُونُ كَافِراً، وَاللهُ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ، وَمَنْ عَادَاهُ اللهُ خَسِرَ الدُّنيا وَالآخِرَةَ.

стр. 106

﴿آيَاتٍ﴾ ﴿بَيِّنَاتٍ﴾ ﴿الفاسقون﴾ (٩٩) - يَذْكُرُ اللهُ تَعَالَى لِنَبيِّهِ الكَرِيمِ ﷺ أَنَّهُ، جَلَّ شَأنُهُ، أَنْزَلَ إِليهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ، تَدُلُّ عَلَى صِدْقِ نُبُوَّتِهِ، وَتِلْكَ الآيَاتُ هِي مَا حَوَاهُ كِتَابُ اللهِ مِنْ خَفَايَا عُلُومِ اليَهُودِ، وَمَكْنُونَاتِ سَرَائِرِهِمْ وَأَخْبَارِهِمْ، وَمَا حَرَّفَهُ أَوَائِلُهُمْ وَأَوَاخِرُهُمْ، وَمَا بَدَّلُوهُ مِنَ الأَحْكَامِ التِي كَانَتْ فِي التَّورَاةِ، وَمَا يَكْفُرُ بِهذَهِ الآيَاتِ البَيِّنَاتِ، وَلاَ يَجْحَدُ بِهَا إلاّ الفَاسِقُونَ الخَارِجُونَ عَن الطَّاعَةِ، الذِينَ استَحَبُّوا العَمَى عَلَى الهُدَى حَسَداً لِلنَّبِيِّ، وَعِنَاداً وَمُكَابَرَةً مِنْهُمْ. الفَاسِقُونَ - الخَارِجُونَ عَنْ طَاعَةِ اللهِ.

стр. 107

﴿عَاهَدُواْ﴾ (١٠٠) - وَكَانَ اليَهُودُ قَدْ قَالُوا حِينَمَا بَعَثَ اللهُ رَسُولَهَ مُحُمَّداً ﷺ : وَاللهِ، مَا عَهدَ إلينَا في مُحَمَّدٍ، وَمَا أَخَذَ عَلَينَا مِيثَاقاً. فَأنْزَلَ اللهُ هذِهِ الآيةَ. (وَقَالَ مُفَسِرُونَ: إنَّ العُهودَ المَقْصُودَةَ هُنَا هِيَ عُهُودُهُمْ للنَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ فِي المَدِينة) . وَمَعْنَى الآيَةِ: إِنَّ اليَهُودَ كُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْداً نَقَضَهُ (نَبَذَهُ) فَرِيقٌ مِنْهُمْ، وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ بِمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ ، وَلا يُؤْمِنُونَ بِحُرْمَةِ العُهُودِ وَالمَوَاثِيقِ.

стр. 108

﴿الكتاب﴾ ﴿كِتَابَ الله﴾ (١٠١) - فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُحَمَّدٌ ﷺ بِالقُرآنِ مِنْ عِنْدِ اللهِ تَعَالَى، وَهُوَ يُصَدِّقُ التَّورَاةَ التي بَيْنَ أيدِيهِمْ بِمَا فِيهِ مِنْ أصُولِ التَّوحيدِ، وَقَوَاعِدِ التَّشْرِيعِ، وَأخْبَارِ الأمَمِ الغَابِرَةِ، نَبََذَ فَرِيقٌ مِنَ اليَهُودِ التَّورَاةَ وَأَهْمَلُوهَا، وَكَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ بِمَا فِيها، مَعَ أنَّها حَوَتْ صِفَاتِ مُحَمَّدٍ، وَبَشَّرَتْ بِرِسَالَتِهِ، وَلَكِنَّهُمْ كَتَمُوا ذلِكَ وَجَحَدُوهُ، وَاليَهُودُ حِينَ كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ، وَبِالقُرْآنِ المُصَدِّقِ لِلتَّورَاةِ، يَكُونُونَ قَدْ نَبَذُوا التَّورَاةَ التِي جَاءَ فِيها: إنَّ اللهَ سَيَبْعَثُ رَسُولاً لِلنَّاسِ مِنْ وُلْدِ إسْمَاعِيلَ. نَبَذَ - طَرَحَ وَأَلْقَى. الفَرِيقُ - العَدَدُ القَلِيلُ.

стр. 109

﴿الشياطين﴾ ﴿سُلَيْمَانَ﴾ ﴿هَارُوتَ﴾ ﴿وَمَارُوتَ﴾ ﴿اشتراه﴾ ﴿خَلاَقٍ﴾ ﴿تَتْلُواْ﴾ (١٠٢) - وَلَقَدْ صَدَّقُوا مَا تَتَقَوَّلُه الشَّيَاطِينُ وَالفَجَرَةُ مِنُهُمْ عَلَى مَلْكِ سُلَيْمَانَ، إِذْ زَعَمُوا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيّاً وَلاَ رَسُولاً يَنْزِلُ عَلَيهِ الوَحْيُ مِنَ اللهِ، بَلْ كَانَ سَاحِراً يَسْتَمِدُّ العَوْنَ مِن سِحْرِهِ، وَأنَّ سِحْرَهُ هَذا هُوَ الذِي وَطَّدَ لَهُ المُلْكَ، وَجَعَلَهُ يُسَيْطِرُ عَلَى الجِنِّ وَالطَّيْرِ وَالرِّيَاحِ، فَنَسَبُوا بِذَلِكَ الكُفْرَ لِسُلَيْمَانَ، وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ، وَلَكِنَّ هَؤُلاءِ الشَّيَاطِينَ الفَجَرَةَ هُمُ الذِينَ كَفَرُوا، إِذْ تَقَوَّلُوا عَلَيْهِ الأَقَاوِيلَ، وَأَخَذُوا يُعَلِمُونَ النَّاسَ السِحْرَ مِنْ عِنْدِهِمْ، وَمِنْ آثَارِ مَا أُنْزِلَ بِبَابِلَ عَلَى المَلَكِين هَارُوتَ وَمَارُوتَ. مَعَ أنَّ هذينِ المَلَكِينِ مَا كَانَا يُعَلِّمَانِ أَحَداً حَتَّى يَقُولا لَهُ: إِنَّمَا نُعَلِّمُكَ مَا يُؤَدِّي إلَى الفِتْنَةِ وَالكُفْرِ فَاعْرِفْهُ وَاحْذَرْهُ، وَتَوَقَّ العَمَلَ بِهِ. وَلَكِنَّ النَّّاسَ لَمْ يَأْخُذُوا بِهَذِهِ النَّصِيِحَةِ، فَاسْتَخْدَمُوا، مِمَّا تَعَلَّمُوهُ مِنْهُمَا، مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ المْرِءِ وَزَوْجِهِ. لَقَدْ كَفَرَ هَؤُلاءِ الشَّياطِينُ الفَجَرَةُ إِذْ تَقَوَّلُوا هَذِهِ الأقَاوِيلَ، وَاتَّخَذُوا مِنْ أَقَاوِيلِهِمْ وَأَسَاطِيرِهِمْ ذَرِيعَةً لِتَعْلِيمِ اليَهُودِ السِّحْرَ، وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِسِحْرِهِمْ هذا أحَداً، وَلَكِنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ الذِي يَأْذَنُ بِالضَّرَرِ إنْ شَاءَ، وَأنَّ مَا يُؤَخَذُ عَنْهُمْ مِنْ سِحْرٍ لَيَضُرُّ مَنْ تَعَلَّمَهُ في دِينِهِ وَدُنْيَاهُ، وَلاَ يُفِيدُهُ شَيْئاً، وَهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَعْلَمُونَ حَقَّ العِلْمِ أَنَّ مَنِ اتَّجَهَ هذا الاتِّجَاهَ لَنْ يَكُونَ لَهُ حَظٌّ أوْ نَصِيبٌ فِي نَعِيمِ الآخِرَةِ، وَلَبِئْسَ مَا اخْتَارَهُ هُؤُلاءِ لأنْفُسِهِمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ. السِّحْرَ - الخَدْعَ. شَرَوْا - بَاعُوا. الإِنْزالُ - الإِلْهَامُ. عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَان - فِي عَهْدِ سُلَيْمَانَ.

стр. 110

﴿آمَنُواْ﴾ (١٠٣) - وَلَوْ أنَّهُمْ آمَنُوا الإِيمَانَ الحَقَّ بِاللهِ وَرَسُولِهِ، وَبِكِتَابِهِمُ الذِي يُبَشِّرُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ وَاتَّقَوا اللهَ بِالمُحَافَظَةِ عَلَى أوَامِرِهِ وَاجْتِنَابِ نَوَاهِيهِ لَكَانَ ثَوَابُ اللهِ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ خَيْراً لَهُمْ مِمَّا اخْتَارُوا لأنْفُسِهِمْ، وَرَضُوا بِهِ مِنَ المَنَافِعِ والمَصَالِحِ الدُّنْيَوِيَّةِ، لَوْ أنَّهُمْ كَانُوا عَلَى شَيءٍ مِنَ العِلْمِ الصَّحِيحِ. المَثُوبةُ - الثَّوابُ العَظِيمُ.
следующие страницы →