Полный текст (6 113 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.
стр. 1436
﴿ياقوم﴾ ﴿بِآيَاتِ﴾
(٧١) - يُسَلِّي اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ ﷺ عَمَّا يُلاَقِيهِ مِنْ إِيذَاءِ قَوْمِهِ، وَتَكْذِيبِهِمْ بِمَا يَقُصُّهُ عَلَيْهِ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ السَّابِقِينَ. وَيَبْدَأُ تَعَالَى بِقِصَّةِ نُوحٍ ﵇، فَيَقُولُ تَعَالَى: أَخْبِرْ يَا مُحَمَّدُ كُفَّارَ مَكَّةَ الذِينَ يُكَذِبُونَكَ خَبَرَ نُوحٍ مَعْ قَوْمِهِ الذِينَ كَذَّبُوهُ، كَيْفَ أَهْلَكَهُمُ اللهُ، وَدَمَّرَهُمْ بِالغَرَقِ أَجْمَعِينَ، وَلَيْحَذَرْ هَؤُلاَءِ أَنْ يُصِيبَهُمْ مِنَ البَلاَءِ وَالهَلاَكِ وَالدَّمَارِ مَا أَصَابَ أُوْلَئِكَ.
لَقَدْ قَالَ نُوحٌ لِقَوْمِهِ: يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ ثَقُلَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي بَيْنَكُمْ (كَبُرَ) ، وَإِنْ شَقَّ عَلَيْكُمْ تَذْكِيرِي إِيَّاكًُمْ بِآيَاتِ اللهِ، وَحُجَجِهِ وَبَرَاهِينِهِ، فَإِنِّي قَدْ وَكَّلْتُ أَمْرِي إِلَى اللهِ الذِي أَرْسَلَنِي، وَاعْتَمَدْتُ عَلَيْهِ وَحْدَهُ، وَإِنِّي لاَ أُبَالِي بِكُمْ، وَلاَ أَكُفُّ عَنْكُمْ، سَوَاءَ عَظُمَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي أَوْ لاَ، فَاجْتَمِعُوا أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ، مِنَ الأَصْنَامِ الذِينَ تَدْعُونَهُمْ، وَلاَ تَتْرُكُوا أَمْرَكُمْ مُلْتَبَساً عَلَيْكُمْ (غَمَّةً) ، بَلْ كُونُوا عَلَى بَصِيرَةٍ مِنْهُ، لِكَيْلا تَتَحَوَّلُوا عَنْهُ، وَافْصِلُوا أَمْرَكُمْ مَعِيَ، فَإِنْ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّكُمْ مُحِقُّونَ فَاقْضُوا إِلَيَّ، وَافْعَلُوا مَا تَسْتَطِيعُونَ، وَلاَ تُؤَخِرُونِي سَاعَةً وَاحِدَةً (وَلاَ تُنْظِرُونَ) .
كَبُرَ عَلَيْكُمْ - إَقَامَتِي بَيْنَكُمْ دَهْراً طَوْيلاً.
فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ - اعْزِمُوا وَصَمِّمُوا عَلَى كَيْدِكُمْ.
وَشُرَكَاءَكُمْ - مَعَ شُرَكَائِكُمْ.
غَمَّةً - ضِيقاً شَدِيداً، أَوء مُلْتَبَساً مُبْهَماً.
стр. 1437
(٧٢) - فَإِنْ أَعْرَضْتُمْ عَنْ تَذْكِيرِي، وَأَدْبَرْتُمْ عَنِ الطَّاعَةِ (تَوَلَّيْتُمْ) ، فَلاَ يَضُرُّنِي ذَلِكَ لأَنَّنِي لَمْ أَطْلُبْ مِنْكُمْ أَجْراً عَلَى نُصْحِي لَكُمْ، وَإِنَّمَا أَطْلُبُ الأَجْرَ مِنَ اللهِ رَبِّ العَالَمِينَ الذِي أَمَرَنِي بِأَن أَكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ، المُؤْمِنِينَ العَابِدِينَ القَائِمِينَ بِأَمْرِ رَبِّهِمْ.
стр. 1438
﴿فَنَجَّيْنَاهُ﴾ ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ﴾ ﴿خَلاَئِفَ﴾ ﴿بِآيَاتِنَا﴾ ﴿عَاقِبَةُ﴾
(٧٣) - فَلَمَّا أَصَرُّوا عَلى تَكْذِيبِهِ، بَعْدَ أَنْ قَامَتْ عَلَيهِمُ الحُجَّةُ، نَجَّى اللهُ نُوحاً وَالمُؤْمِنِينَ مَعَهُ فِي السَّفِينَةِ، وَجَعَلَهُمْ خُلَفَاءَ يَرِثُونَ الأَرْضَ، وَيَتَوَارَثُونَ الإِيمَانَ بِاللهِ، وَأَغْرَقَ اللهُ تَعَالَى الذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَآيَاتِهِ، وَكَذَّبُوا رَسُولَهُ، فَانْظُرْ يَا مُحَمَّدُ كَيْفَ كَانَتْ عَاقِبَةُ هَؤُلاَءِ الذِينَ جَاءَهُمُ النَّذِيرُ مِنْ رَبِّهِمْ، فَاستَخَفُّوا بِهِ.
جَعَلْنَاهُمْ خَلائَِف - خُلَفَاءَ يَخْلُفُونَ الأُمَمَ التِي أَهْلَكَهَا اللهُ.
стр. 1439
﴿بالبينات﴾
(٧٤) - ثُمَّ ضَلَّ النَّاسُ الذِينَ أَتَوْا بَعْدَ نُوحٍ، وَعَبَدُوا الأَصْنَامَ وَالأَوْثَانَ، فَأَرْسَلَ اللهُ إِلَيهِمْ رُسُلاً بِالحِجَجِ وَالآيَاتِ الدَّالَةِ عَلَى صِدْقِ نُبُوَّتِهِمْ، وَعَلَى مَا جَاءَهُمْ بِهِ الأَنْبِيَاءُ، فَمَا اسْتَقَامَ لِقَوْمٍ مِنْ أُوْلَئِكَ الأَقْوَامِ أنْ يُؤْمِنَ المُتَأَخِّرُ مِنْهُمْ بِمَا كَذَّبَ بِهِ المُتَقَدِّمُ، لأنَّ التَّكْذِيبَ سَبَقَ التَّبَصُّرَ وَالاعْتِبَارَ. وَكَمَا طَبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِ مَنْ سَبَقَهُمْ مِنَ الأُمَمِ، حَتَّى حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ العَذَابِ، كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلَى قُلُوبِ المُعْتَدِينَ مِمَّنْ خَلَفُوا قَوْمَ نُوحٍ، وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً.
نَطْبَعُ - نَخْتِمُ.
стр. 1440
﴿وَهَارُونَ﴾ ﴿وَمَلَئِهِ﴾ ﴿بِآيَاتِنَا﴾
(٧٥) - ثُمَّ اللهُ بَعَثَ الرُّسُلَ، الذِينَ أَتَوا بَعْدَ نُوحٍ، مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَأَشْرَافِ قَوْمِهِ (مَلَئِهِ - وَقَدْ خَصَّ اللهُ تَعَالَى الأَشْرَافَ بِالذِّكْرِ لأنَّ الدَهْمَاءَ كَانُوا تَبَعاً لَهُمْ) . وَكَانُوا قَوْماً رَاسِخِينَ فِي الإِجْرَامِ وَالظُّلْمِ وَالفَسَادِ، وَقَدْ أَيَّدَ اللهُ تَعَالَى مُوسَى وَهَارُونَ بِآيَاتٍ وَحُجَجٍ وَبَرَاهِينَ، عَلَى وَحْدَانِيَّةِ اللهِ، وَعَلَى صِدْقِ نُبُوَّتِهِمَا، فَاسْتَكْبَرُ فِرْعَوْنُ وَمَلَؤُهُ عَنِ اتِّبَاعِ الحَقِّ، وَالانْقِيَادِ لَهُ، وَقَدْ ارْتَكَبُوا بِرَفْضِهِم الاسْتِجَابَةِ لِدَعْوَّةِ اللهِ إِثْماً عَظِيماً.
стр. 1441
(٧٦) - فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى وَهَارُونُ بِالحَقِّ الوَاضِحِ، وَالدَّلِيلِ القَاطِعِ، عَلَى صِدْقِ نُبُوَّتِهِمَا، قَالُوا: إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ وَاضِحٌ لِمَنْ رَآهُ وَعَايَنَهُ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ فِي قَرَارَةِ نُفُوسِهِمْ أَنَّهُمْ كَاذِبُونَ، وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يَجِدُوا شَيْئاً آخَرَ يَنْسُبُونَ إِلَيْهِ المُعْجِزَاتِ التِي أَرْسَلَ اللهُ بِهَا مُوسَى إِلَيْهِمْ.
стр. 1442
﴿الساحرون﴾
(٧٧) - وَقَالَ لَهُمْ مُوسَى مُوَّبِخاً، وَمُسْتَنْكِراً قَوْلَهُمْ َاتِّهَامَهُمْ إِيَّاهُ بِالسِّحْرِ: أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ الوَاضِحِ الظَّاهِرِ، لَمَّا جَاءَكُمْ، إنَّهُ سِحْرٌ، فَهَلْ هَذَا سِحْرٌ، وَإِنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ فِي قَرَارَةِ نُفُوسِكُمْ أَنَّهُ لَيْسَ بِسِحْرٍ، وَلاَ يَنْجَحُ السَّاحِرُونَ وَلاَ يُفْلِحُونَ، لأَنَّ السِّحْرَ بَاطِلٌ.
стр. 1443
﴿آبَاءَنَا﴾
(٧٨) - وَقَالَ لِمُوسَى: أَجِئْتَنا لِتَصْرِفَنَا عَنِ الدِّينِ الذِي وَجَدْنَا آبَاءَنَا يَتِّبِعُونَهُ، لِتَكُونَ، لَكَ وَلأَخِيكَ هَارُونَ، العَظَمَةُ وَالرِّئَاسَةُ وَالسُّلْطَانُ، وَمَا يَتْبَعُهُمَا مِنْ كِبْرِيَاءِ المُلْكِ، وَالعَظَمَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ التَّابِعَةِ لَهَا، فِي أَرْضِ مِصْرَ كُلِّها، فَنَحْنُ لَنْ نُؤْمِنَ بِمَا جِئْتَنا بِهِ.
لِتَلْفِتَنَا - لِتَصْرِفَنَا وَتَلْوِينَا.
стр. 1444
﴿سَاحِرٍ﴾
(٧٩) - وِإِذِ ادَّعى فِرْعَوْنُ عِنَاداً وَعُتُوّاً أَمَامَ قَوْمِهِ، أَنَّ مَا جَاءَ بِهِ مُوسَى هُوَ سِحْرٌ، وَذَلِكَ لِيُزِيلَ مِنْ نُفُوسِهِمْ أَثَرَ مَا جَاءَهُمْ بِهِ مُوسَى مِنَ المُعْجِزَاتِ وَالآيَاتِ، قَالَ لَهُمْ فِرْعَوْنُ: إِنَّهُ سَيَرُدُّ عَلَى سِحْرِ مُوسَى بِسِحْرٍ مِثْلِهِ، وَأَمَرَ مَنْ حَوْلَهُ أَنْ يَجْمَعُوا لَهُ كُلَّ سَاحِرٍ عَالِمٍ مُتَعَمِّقٍ فِي فُنُونِ السِّحْرِ (عَلِيمٍ) .
стр. 1445
(٨٠) - فَلَمَّا اجْتَمَعَ السَّحَرَةُ إِلَى فِرْعَونَ، سَأَلُوا فِرْعَوْنَ إِنْ كَانَ سَيَمْنَحُهُمْ أَجْراً جَزِيلاً إِنْ تَغَلَّبُوا عَلَى سِحْرِ مُوسَى، فَقَالَ لَهُمْ نَعَمْ إِنَّهُ سَيَفْعَلُ ذَلِكَ، وَإِنَّكُمْ سَتَكُونُونَ مِنَ المُقَرَّبِينَ. فَأَقْسَمُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ أَنَّهُمْ سَيَكُونُونَ هُمُ الغَالِبِينَ (كَمَا جَاءَ فِي آيَةٍ أُخْرَى) . وَأَرَادَ مُوسَى أَنْ يُرِى النَّاسَ أَوْلاً مَا يُقَدِّمُهُ سَحَرَتُهُمْ مِنْ سِحْرٍ عَظِيمٍ، ثُمَّ يَأْتِي هُوَ بِالحَقِّ مِنْ عِنْدِ اللهِ فَيُبْطِلَ مَا يُكَذِّبُونَ بِهِ عَلَى النَّاسِ، وَلِذَلِكَ قَالَ لَهُمْ: أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ مِنْ سِحْرٍ.
стр. 1446
(٨١) - فَلَمَّا أَلْقُوا مَا عِنْدَهُمْ مِنْ أَبْوَابِ السِّحْرِ وَفُنُونِهِ، سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ، وَأَخَافُوهُمْ وَجَاؤُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ، فَشَعَرَ مُوسَى بِشَيءٍ مِنَ الخَوْفِ فِي نَفْسِهِ، مِنْ عِظَمِ مَا رَأَى، فَأَوْحَى اللهُ إِلَيْهِ مُثَبِّتاً فَقَالَ لِلسَّحَرَةِ: إِنَّ مَا جِئْتُمْ بِهِ سِحْرٌ، وَإِنَّ اللهَ سَيُبْطِلَهُ، لأنَّ اللهَ لاَ يَنْصُرُ المُفْسِدِينَ الذِينَ يُضِلُّونَ النَّاسَ.
стр. 1447
﴿بِكَلِمَاتِهِ﴾
(٨٢) - وَسَيُحِقُّ اللهُ الحَقَّ بِإِرَادَتِهِ، وَيُثَبِّتَهُ وَيَنْصُرَهَ، وَلَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ ذَلِكَ.
стр. 1448
﴿آمَنَ﴾ ﴿مَلَئِهِمْ﴾
(٨٣) - وَأَظْهَرَ اللهُ الحَقَّ عَلَى البِاطِلِ، فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَالْتَقَفَتْ جَمِيعَ مَا أَلْقَاهُ السَّحَرَةُ، وَمَوَّهُوا بِهِ عَلَى النَّاسِ. وَكَانَ ذَلِكَ نَصْراً عَظِيماً لِمُوسَى مِنْ رَّبِهِ، وَلَكِنَّ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ اسْتَمَرُّوا فِي كُفْرِهِمْ وَعِنَادِهِمْ. وَلَمَّا أُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ للهِ اسْتِغْفَاراً وَتَوْبَةً، وَرَجَاءً أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ ذُنُوبَهُمْ، قَالَ لَهُمْ فِرْعَوْنُ: إِنَّهُ سَيُعَاقِبُهُمْ عَلَى ذَلِكَ بِتَقْطِيعِ أَيْدِيْهِمْ وَأَرْجُلِهِمْ مِنْ خِلاَفٍ، وَسَيَصْلِبَهُمْ عَلَى جُذُوعِ النَّخْلِ، لأَنَّهُمْ آمَنُوا لِمُوسَى قَبْلَ أَنْ يَأَذْنَ هُوَ لَهُمْ بِذَلِكَ - كَمَا جَاءَ فِي آيَاتٍ أُخَرَ -. وَيُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُ لَمْ يُؤْمِنْ لِمُوسَى إِلاَّ جَمَاعَةٌ مِنَ الشَّبَابِ مِنْ قَوْمِهِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَقَدْ آمَنُوا بِهِ وَهُمْ خَائِفُونَ مِنْ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ أَنْ يَضْطَرُّوهُمْ بِالعَذَابِ وَالنَّكَالِ إِلَى الرُّجُوعِ عَنِ الإِيمَانِ بِرَبِّهِمْ (يَفْتِنَهُمْ) ، وَذَلِكَ لأَنَّ فِرْعَوْنَ كَانَ مُسْتَكْبِراً مُتَعَالِياً فِي الأَرْضِ، مُسْرِفاً فِي كُفْرِهِ، وَفِي أَمْرِهِ كُلِّهِ، وَمُبَالِغاً فِيهِ، فَهُوَ جَدِيرٌ بِأَنْ يَخَافَ مِنْهُ.
أَنْ يَفْتِنَهُمْ - أَنْ يَبْتَلِيَهُمْ وَيُعَذِّبَهُمْ.
ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ - طَائِفَةٌ مِنْ شَبَابِ قَوْمِهِ بَنِي إِسْرَائِيلَ.
стр. 1449
﴿ياقوم﴾ ﴿آمَنتُمْ﴾
(٨٤) - وَلَمَّا أَعْلَنَ جَمَاعَةُ مُوسَى لَهُمْ إِيمَانَهُمْ بِاللهِ وَبِرِسَالاَتِهِ، وَهُمْ خَائِفُونَ مِنَ العَذَابِ وَالفِتْنَةِ، قَالَ لَهُمْ مُوسَى: إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ إِيمَاناً حَقّاً، فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا، وَبِوُعُودِهِ ثِقُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ مُذْعِنِينَ، إِذْ إِنَّ الإِيمَانَ لاَ يَكُونُ يَقِيناً إِلاَّ إِذَا صَدَّقَهُ العَمَلُ، وَهُوَ الإِسْلاَمُ للهِ وَحْدَهُ.
стр. 1450
﴿الظالمين﴾
(٨٥) - فَرَدُّوا عَلَيْهِ قَائِلِينَ: بِأَنَّهُمْ يَتَوَكَّلُونَ عَلَى اللهِ. ثُمَّ تَوَجَّهُوا بِالدُّعَاءِ إِلَى اللهِ قَائِلِينَ: رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا عُرْضةً لِفِتْنَةِ هَؤُلاَءِ الظَّالِمِينَ، وَلاَ تُظْفِرْهُمْ بِنَا فَيُمَارِسُوا عَلَيْنَا ضَغْطاً لِرَدِّنَا عَنْ دِينِنَا (وَالتَّوَكُّلُ عَلَى اللهِ لاَ يُكْمِلُ إِلاَّ بِالصَّبْرِ عَلَى الشَّدَائِدِ، وَالدُّعَاءِ لاَ يُسْتَجَابُ إِلاَّ إِذَا كَانَ مَقْرُوناً بِاتِّخَاذِ الأَسْبَابِ، بِأَنْ يَعْمَلَ الإِنْسَانُ جَمِيعَ مَا يَسْتَطِيعُ عَمَلَهُ) .
لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً - لاَ تَجْعَلْنَا مَوْضِعَ اخْتِبَارٍ بِالعَذَابِ.
стр. 1451
﴿الكافرين﴾
(٨٦) - وَأَنْقِذْنَا يَا رَبُّ بِرَحْمَتِكَ وَلُطْفِكَ وَإِحْسَانِكَ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ، الذِينَ كَفَرُوا بِالْحَقِّ وَجَحَدُوهُ، وَنَحْنُ قَدْ آمَنَّا بِكَ وَتَوَكَّلْنَا عَلَيْكَ. (وَكَانَ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ يَسْتَعْبِدُونَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَيُكَلِّفُونَهُمْ بِأَشَقِّ الأَعْمَالِ وَأَحَطِّهَا وَأَقْذَرِهَا) .
стр. 1452
﴿الصلاة﴾ ﴿تَبَوَّءَا﴾
(٨٧) - قَالَ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِنَّهُمْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ إِظْهَارَ صَلاَتِهِمْ خَوْفاً مِنْ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ، فَأَوْحَى اللهُ تَعَالَى إِلَى مُوسَى وَهَارُونَ، ﵉، أَنْ يَتَّخِذَا لِقَوْمِهِمِا بُيُوتاً فِي مِصْرَ، وَأَنْ يَجَعَلَ بَنُو إِسْرَائِيلَ بُيُوتَهُمْ قِبَلَ القِبْلَةِ، لِيُصَلُّوا فِيهَا، وَهُمْ مُتَجِّهُونَ جَمِيعاً جِهَةً وَاحِدَةً، لأَنَّ الاتِّحَاَد فِي الاتِجَاهِ يُسَاعِدُ عَلَى اتِّحَادِ القُلُوبِ. ثُمَّ يَأْمُرُهُمُ اللهُ بِإِقَامَةِ الصَّلاَةِ، وَيُبَشِّرُ المُؤْمِنِينَ بِحِفْظِ اللهِ إِيَّاهُمْ وَبِالثَّوَابِ وَالنَّصْرِ القَرِيبِ وَالفَرَجِ.
تَبَوَّأَا لِقَوْمِكُمَا - اتَّخِذَا وَاجْعَلاَ لَهُمْ.
قِبْلَةً - مَسَاجِدَ أَوْ مُصَلَّى جِهَةَ القِبْلَةِ.
стр. 1453
﴿آتَيْتَ﴾ ﴿وَأَمْوَالاً﴾ ﴿الحياة﴾ ﴿أَمْوَالِهِمْ﴾
(٨٨) - بَعْدَ أَنْ أَعَدَّ مُوسَى قَوْمَهُ مَا اسْتَطَاعَ لِلْخُرُوجِ بِهِمْ مِنْ مِصْرَ، وَغَرَسَ فِي قُلُوبِهِمْ الإيمَانَ، وَالثِّقَةَ بِاللهِ، وَحُبَّ العِزَّةِ وَالكَرَامَةِ وَغَيْرَ ذَلِكَ، تَوَجَّهَ إِلَى اللهِ تَعَالَى بِالدُّعَاءِ أَنْ يُتِمَّ أَمْرَهُ، وَدَعَا عَلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ، لِمَا أَظْهَرُوهُ مِنَ الكُفْرِ وَالعُتُوِّ وَالضَّلاَلِ، وَلَمَّا رَفَضُوهُ مِنِ اتِّبَاعِ الحَقِّ وَالهُدَى، فَقَالَ: رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ مِنْ أَثَاثِ الدُّنْيا، وَمَتَاعِهَا وَزُخْرُفِها، وَمِنَ الأَمْوَالِ الجَزِيلَةِ، فَكَانَتْ عَاقِبَةُ ذَلِكَ إِسْرَافَهُمْ فِي الضَّلاَلِ، وَافْتِتَانِ الجَهَلَةِ بِمَا أَعْطَيتَ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ إِذْ ظَنُّوا أَنَّكَ إِنَّمَا أَعْطَيْتَهُمْ هذا لأَنَّكَ تُحِبُّهُمْ. رَبَّنَا أَهْلِكْ أَمْوَالَهُمْ وَامْحَقْها (اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ) ، وَاطْبَعْ عَلَى قُلُوبِهِمْ، وَزِدْهَا قَسْوَةً حَتَّى لاَ تَلِينَ، وَلاَ يَصِلَ إِلَيْهَا الإِيمَانُ، لِيَسْتَحِقُّوا عَذَابَكَ الشَّدِيدَ.
اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ - أَهْلِكْ أَمْوَالَهُمْ وَأَذْهِبْهَا وَامْحَقْهَا.
اشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ - اطْبَعْ عَلَيْهَا.
стр. 1454
(٨٩) - فَرَدَّ اللهُ تَعَالَى عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ: إِنَّ دَعْوَتَكُمَا عَلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ قَدْ أُجِيبَتْ، فَامْضِيَا لأَمْرِي، وَاثْبُتَا عَلَى مَا أَنْتُمَا عَلَيْهِ مِنَ الدَّعْوَةِ إِلَى الحَقِّ، وَمِنْ إِعْدَادِ شَعْبِكُمَا لِلْكِفَاحِ وَالجِلاَدِ وَالخُروجِ مِنْ مِصْرَ. وَلاَ تَسْلُكَا سَبِيلَ الذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ سُنَنِي فِي خَلْقِي، الذِينَ يَسْتَعْجِلُونَ الأَمْرَ قَبْلَ مِيقَاتِهِ، وَيَسْتَبْطِئُونَ وَقُوعَهُ فِي حِينِهِ.
стр. 1455
﴿وَجَاوَزْنَا﴾ ﴿اإِسْرَائِيلَ﴾ ﴿آمَنتْ﴾ ﴿بنوا إِسْرَائِيلَ﴾ ﴿آمَنتُ﴾
(٩٠) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عَنْ خُرُوجِ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ مِصْرَ، فَإِنَّهُمْ لَمَّا خَرَجُوا بِدُونِ إِذْنِ فِرْعَوْنَ اشْتَدَّ حَنَقُهُ عَلَيْهِمْ، فَأَرْسَلَ إِلَى المَدَائِنِ حَاشِرِينَ يَجْمَعُونَ لَهُ الجُيُوشَ مِنْ أَقَالِيمِ مَمْلَكَتِهِ، فَرَكِبَ وَرَاءَهُمْ فِي أُبَّهَةٍ عَظِيمَةٍ، وَجُيُوشٍ كَثِيفَةْ، فَلَحِقُوا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ عِنْدَ شُرُوقِ الشَّمْسِ، وَهُمْ عَلَى سَاحِلِ البَحْرِ، فَلَمَّا تَرَاءَى الجَمْعَانِ، قَالَ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: إِنَّهُمْ مُدْرِكُونَ. فَقَالَ لَهُمْ مُوسَى: لاَ. وَأَوْحَى اللهُ إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بَعَصَاكَ البَحْرَ، فَضَرَبَهُ فَانْفَلَقَ، وَمَرَّ مُوسَى وَقَوْمُهُ بَيْنَ طَرَفَيِّ المَاءِ. فَلَمَّا خَرَجُوا مِنَ المَاءِ مِنَ الطَّرَفِ الآخَرِ مِنَ البَحْرِ، وَصَلَ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ إِلَى حَافَةِ البَحْرِ، فَاقْتَحَمَ المَمَرَّ وَرَاءَهُمْ، فَلَمَّا أَصْبَحُوا جَمِيعاً فِي البَحْرِ أَطْبَقَ عَلَيْهِمُ المَاءَ فَأَغْرَقَهُمْ جَمِيعاً.
وَلَمَّا غَشِيَ المَوْجُ فِرْعَوْنَ، وَشَعَرَ بِدُنُوِّ أَجَلِهِ، وَأنَّهُ لاَ مُنْقِذَ لَهُ قَالَ إِنَّهُ آمَنَ أَن لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهَ، الذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ، وَفِي ذَلِكَ اسْتِجَابَةً لِدَعْوَةِ مُوسَى ﵇، أَنْ يَشَُّد عَلَى قَلْبِ فِرْعَوْنَ فَلاَ يُؤْمِنْ حَتَّى يَرَى العَذَابَ الأَلِيمَ.
بَغْياً وَعَدْواً - ظُلْماً وَاعْتِدَاءً.
стр. 1456
﴿آلآنَ﴾
(٩١) - وَيَرُدُّ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ قَائِلاً: أَتُؤْمِنُ الآنَ حِينَمَا أَدْرَكَكَ الغَرَقُ، وَقَدْ جَاءَتْكَ البَيِّنَاتُ مِنْ قَبْلُ، وَرَأَيْتَ مِنْ مُعْجِزَاتِ اللهِ، فَعَصَيْتَ وَكُنْتَ مِنَ المُسْتَكْبِرِينَ المُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ؟ فَدَعْوَاكَ الإِسْلاَمَ الآنَ لاَ تُقْبَلُ مِنْكَ، وَلاَ تَنْفَعُكَ.
الآنَ - الآنَ تُؤْمِنُ حِينَ أَيْقَنْتَ بِالهَلاَكِ.
стр. 1457
﴿آيَةً﴾ ﴿آيَاتِنَا﴾ ﴿لَغَافِلُونَ﴾
(٩٢) - قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ شَكُّوا فِي مَوْتِ فِرْعَوْنَ، فَأَمَرَ اللهُ البَحْرَ أَنْ يُلْقِيهِ بِجَسَدِهِ سَوِيّاً بِلاَ رُوحٍ، لِيَتَحَقَّقَ بَنُو إِسْرَائِيلَ مِنْ مَوْتِهِ وَهَلاَكِهِ، فَتَكُونَ تِلْكَ آيَةً لَهُمْ عَلَى قُدْرَةِ اللهِ، وَصِدْقِ وَعْدِهِ لِرَسُولِهِ، وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ غَافِلُونَ عَنْ آيَاتِ اللهِ، لاَ يَتَّعِظُونَ بِهَا، وَلاَ يَعْتَبِرُونَ.
(وَكَانَ هَلاَكُ فِرْعَونَ وَنَجَاةُ بَنِي إِسْرَائِيلَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، " فَلَمَّا جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى المَدِينَةِ وَجَدَ اليَهُودَ يَصُومُونَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَسَأَلَ النَّبِيُّ: مَا هَذا الذِي تَصُومُونَهُ؟ فَقَالُوا يَوْمَ ظَهَرَ مُوسَى عَلَى فِرْعَوْنَ. فَقَالَ النَّبِيُّ لأَصْحَابِهِ أَنْتُمْ أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْهُمْ فَصُومُوهُ ") . (رَوَاهُ البُخَارِيُّ) .
آيَةً - عِبْرَةً وَعِظَةً وَنَكَالاً.
стр. 1458
﴿اإِسْرَائِيلَ﴾ ﴿وَرَزَقْنَاهُمْ﴾ ﴿الطيبات﴾ ﴿القيامة﴾
(٩٣) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عَمَّا أَنْعَمَ بِهِ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ النَّعَمِ فِي الدُّنْيا، فَيَقُولُ تَعَالَى: إِنَّهُ هَيَّأَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ مُلْكَ فِلَسْطِينَ، وَانْتِزَاعِهَا مِنْ أَيْدِي العَمَالِيقِ الجَبَابِرَةِ، بَعْدَ أَنْ نَكَلُوا عَنْ قِتَالِهِمْ، وَتَاهُوا فِي صَحَرَاءِ التِّيْهِ (سِينَاءَ) أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَرَزَقُهْمِ فِي هَذِهِ الأَرْضِ مِنَ الطَّيِّبَاتِ، وَهِيَ الرِّزْقُ الحَلاَلُ النَّافِعُ، فَمَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ مِنَ المَسَائِلِ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ العِلْمُ بِقِرَاءَةِ التَّوْرَاةِ، وَالوُقُوفِ عَلَى أَحْكَامِهَا، أَنَّ نَبِيّاً مِنْ وِلْدِ إِسَمَاعِيلَ سَيُبْعَثُ. فَقَبْلَ بِعْثَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ كَانُوا مُجْتَمِعِينَ عَلَى نُبُوَّتِهِ، وَعَلَى الإِقْرَارِ بِهِ وَبِبِعْثَتِهِ. فَلَمَّا بُعِثَ رَسُولُ اللهِ، كَفَرَ بِهِ بَعْضُهُمْ، وَآمَنَ بِهِ آخَرُونَ، وَسَيَقْضِي اللهُ بَيْنَهُمْ، يَوْمَ القِيَامَةِ، فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَيُبَيِّنُ المُحِقَّ مِنَ المُبْطِلَ، لأنَّ هَذا الاخْتِلاَفَ لاَ سَبِيلَ إِلَى إِزَالَتِهِ فِي الدُّنْيَا.
المُبَوَّأُ - مَكَانَ الإِقَامَةِ.
بَوَّأْنَا - أَنْزَلْنَا وَأَسْكَنَّا.
مَبَوَّأَ صِدْقٍ - مَنْزِلاً صَالِحاً مُرْضِياً.
стр. 1459
﴿فَاسْأَلِ﴾ ﴿الكتاب﴾ ﴿يَقْرَءُونَ﴾
(٩٤) - فَإِنَّهُ كَانَ فِي نَفْسِكَ شَكٌّ، مِمَّا أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ، مِنَ القُرْآنِ، وَمَا جَاءَ فِيهِ مِنَ الشَّوَاهِدِ، مِنْ قِصَّةِ هُودٍ وَنُوحٍ وَمُوسَى وَغَيْرِهِمْ فَرْضاً وَتَقْدِيراً، فَاسْأَلْ مَنْ لَهُمْ عِلْمٌ بِالكُتُبِ التِي جَاءَتْ قَبْلَكَ، فَهُمْ يَعْلَمُونَ مَا جَاءَ فِي هَذِه ِالكُتُبِ مِنَ البِشَارَةِ بِبَعْثِكِ رَسُولاً مِنَ اللهِ إِلَى النَّاسِ، وَحِينَئِذٍ تَعْلَمُ يَقِيناً أَنَّ الذِي جَاءَكَ مِنْ رَّبِكِ هُوَ الحَقُّ، فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المُتَشَكِّكِينَ.
(وَقَدْ جَرَتْ عَادَةُ العَرَبِ أَنْ يُقَدِّرُوا الشَّكَّ فِي الشَّيءِ لِيَبْنُوا عَلَيْهِ مَا يَنْفِي احْتِمَالَ وُقُوعِهِ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمْ لابْنِهِ: إنْ كُنْتَ ابْنِي فَكُنْ شُجَاعاً) .
المُمْتَرِينَ - المُتَشَكِّكِينَ، المُتَزَلْزِلِينَ.
стр. 1460
﴿بِآيَاتِ﴾ ﴿الخاسرين﴾
(٩٥) - لَقَدْ جَاءَكَ الحَقُّ الوَاضِحُ بِأَنَّكَ رَسُولُ اللهِ، وَأَنَّ هَؤُلاَءِ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى يَعْلَمُونَ صِحَّةَ ذَلِكَ، وَيَجِدُونَ نَعْتَكَ وَصِفَتَكَ فِي كُتُبِهِمْ، فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المُتَشَكِّكِينَ فِي صِحَّةِ ذَلِكَ، فَتَكُونَ مِنَ الخَاسِرِينَ الذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ.
стр. 1461
﴿كَلِمَتُ﴾
(٩٦) - الذِينَ قَضَى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ، لِمَا عَلِمَ مِنْ عِنَادِهِمْ وَتَعَصُّبِهِمْ، لَن يُؤْمِنُوا مَهْمَا أَجْهَدْتَ نَفْسَكَ فِي دَعْوَتِهِمْ إِلَى الإِيمَانِ.
стр. 1462
﴿آيَةٍ﴾
(٩٧) - حَتَّى وَلَوْ جِئْتَهُمْ بِجَمِيعِ الآيَاتِ الكَوْنِيَّةِ وَالمُعْجِزَاتِ، فَإِنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ. وَهَؤُلاَءِ الكَفَرَةُ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يَرَوْا العَذَابَ بِأَعْيُنِهِمْ، وَيُحِسُّوا بِهِ، كَمَا تَمَّ عَلَى فِرْعَوْنَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ كَلِمَةَ الإِيمَانِ حَتَى أَدْرَكَهُ الغَرَقُ.
стр. 1463
﴿آمَنَتْ﴾ ﴿إِيمَانُهَا﴾ ﴿آمَنُواْ﴾ ﴿الحياة﴾ ﴿وَمَتَّعْنَاهُمْ﴾
(٩٨) - لَمْ تُوجَدْ قَرْيَةٌ آمَنَ أَهْلُهَا جَمِيعاً بِنَبِيِّهِمْ، مِمَّنْ سَلَفَ مِنَ القُرْى، إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ، وَهُمْ أَهْلُ نِينَوَى، وَمَا كَانَ إِيمَانُهُمْ إِلاَّ تَخَوُّفاً مِنْ أَنْ يَحِلَّ بِهِمُ العَذَابُ الذِي أَنْذَرَهُمْ بِهِ نَبِيُّهُمْ، فَبَعْدَ أَنْ خَرَجَ عَنْهُمْ نَبِيِّهِمْ مُغَاضِباً، وَعَايَنُوا أَسْبَابَ العَذَابِ، جَأَرُوا إِلَى اللهِ بِالدُّعَاءِ، وَاسْتَغَاثُوا وَتَضَرَّعُوا إِلَى رَبِّهِ، وَأَحْضَرُوا أَطْفَالَهُمْ وَمَوَاشِيهِمْ وَدَوَابَّهُمْ، وَسَأَلُوا اللهَ أَنْ يَرْفَعَ عَنْهُمُ العَذَابَ الذِي أَنْذَرَهُمْ بِهِ نَبِيُّهُمْ، فَعِنْدَمَا ﵏، وَكَشَفَ عَنْهُمُ العَذَابَ، وَمَتَّعَهُمُ اللهُ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيا إِلَى زَمَنٍ مَعْلُومٍ، وَهُوَ الوَقْتُ الذِي يَعِيشُ فِيهِ كُلٌّ مِنْهُمْ بِحَسَبِ سُنَنِ اللهِ.
عَذَابُ الخِزْي - الذُّلُّ وَالهَوَانُ.
стр. 1464
(٩٩) - وَلَوْ شَاءَ اللهُ أَنْ يُؤْمِنَ أَهْلُ الأَرْضِ جَمِيعاً لَفَعَلَ، إِمَّا بِأَنْ يُلْجِئَهُمْ إِلَى الإِيمَانِ قَسْراً، وَإِمَّا بِأَنْ يَخْلُقَهُمْ مُؤْمِنِينَ طَائِعِينَ، وَلَكِنَّ حِكْمَتَهُ تَعَالَى اقْتَضَتْ بِأَنْ يَخْلُقَ الإِنْسَانَ وَفِيهِ القُدْرَةُ عَلَى أَنْ يُوَازِنَ بِاخْتِيَارِهِ بَيْنَ الإِيمَانِ وَالكُفْرِ، فَيُؤْمِنُ بَعْضُ النَّاسِ، وَيَكْفُرُ آخَرُونَ.
وَأَنْتَ يَا مُحَمَّدُ لاَ تَسْتَطِيعَ إِكْرَاهَ النَّاسِ عَلَى الإِيمَانِ، وَلاَ هُوَ مِنْ خَصَائِصِ الرِّسَالَةِ التِي بَعَثَكَ اللهُ بِهَا.
стр. 1465
(١٠٠) - وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ، بِمُقْتَضَى مَا أَعْطَاها اللهُ مِنَ الاخْتِيَارِ والاسْتِقْلاَلِ فِي الأَفْعَالِ، أَنْ تًؤْمِنَ إِلا بِإِرَادَةِ اللهِ، وَمُقْتَضَى سُنَنِهِ فِي التَّرْجِيحِ بَيْنَ المُتَقَابِلِينَ: فَالنَّفْسُ مُخْتَارَةٌ فِي دَائِرَةِ الأَسْبَابِ وَالمُسَّبَبَاتِ، وَلَكِنَّهَا غَيْرُ مُسْتَقِلَّةٍ فِي اخْتِيَارِهَا اسْتِقْلاَلاً تَامّاً، بَلْ هِيَ مُقَيَّدَةٌ بِنِظَامِ السُّنَنِ، وَالأَقْدَارِ الإِلهِيَّةِ. وَإِذَا كَانَ كُلُّ شَيءٍ بِإِذْنِ اللهِ وَتَيْسِيرِهِ وَمَشِيئَتِهِ التِي تَجْرِي بِقَدْرِهِ فَهُوَ يَجْعَلُ الإِذْنَ، وَيُيَسِّرُ الإِيمَانَ لِلَّذِينَ يَعْقِلُونَ آيَاتِهِ، وَيُوَازِنُونَ بَيْنَ الأُمُورِ فَيَخْتَارُونَ خَيْرَ الأَعْمَالِ، وَيَتَّقُونَ شَرَّهَا، وَيُرَجِّحُونَ أَنْفَعَهَا عَلَى أَضَرِّهَا بِإِذْنِ اللهِ وَتَيْسِيرِهِ، وَيَجْعَلُ الخِزْيَ وَالخُذْلاَنَ المُرجِّحَ لِلْكُفْرِ وَالفُجُورِ عَلَى الذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ الحُجَجَ الوَاضِحَةَ، وَلاَ يَتَدَبَّرُونَهَا.
стр. 1466
﴿السماوات﴾ ﴿الآيات﴾
(١٠١) - يُرْشِدُ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ إِلَى التَّفَكُّرِ فِيمَا خَلَقَ اللهُ تَعَالَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنَ الآيَاتِ التِي لاَ تُحْصَى، وَالتِي يَعْقِلُهَا ذَوُو الأَلْبَابِ، وَكُلُّها تَدُلُّ عَلَى أُلُوهِيَّةِ اللهِ، وَوُجُودِهِ وَوَحْدَانِيَّتِهِ. وَلَكِنَّ مَا هِيَ فَائِدَةُ الرُّسُلِ وَالآيَاتِ وَالحُجَجِ وَالبَرَاهِينِ لِقَوْمٍ جِاحِدِينَ، لاَ يُتَوَّقَعُ إِيمَانُهُمْ، لأَنَّهُمْ لَنْ يُوَجِّهُوا أَنْظَارَهُمْ إِلَى الاعْتِبَارِ بِالآيَاتِ، وَالاسْتِدْلاَلِ بِهَا عَلَى مَا تَدِلُّ عَلَيْهِ مِنْ وَحْدَانِيَّةِ اللهِ وَقُدْرَتِهِ (وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ) .
стр. 1467
(١٠٢) - فَهَلْ يَنْتَظِرُ هَؤُلاَءِ المُكَذِّبُونَ لَكَ يَا مُحَمَّدُ إِلاَّ أَنْ يَنَالَهُمْ مِنَ الأَيَّامِ الشِّدَادِ مِثْلُ مَا أَصَابَ أَسْلاَفَهُمُ المَاضِينَ، الذِينَ كَانُوا عَلَى مِثْلِ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ وَالشِّرْكِ، وَالتَّكْذِيبِ لِرُسُلِهِمْ، فَقُلْ لَهُمْ: إِنْ كُنْتُمْ تَنْتَظِرُونَ غَيْرَ ذَلِكَ فَانْتَظِرُوا، فَإِنِّي أَنْتَظِرُ أَنْ يُهْلِكَكُمُ اللهُ بِالعُقُوبَةِ لأَنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ صِدْقِ وَعْدِ اللهِ لِلْمُرْسَلِينَ.
стр. 1468
﴿آمَنُواْ﴾
(١٠٣) - ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالذِينَ آمَنُوا، وَنُهْلِكَ المُكَذِّبِينَ بِالرُّسُلِ. وَإِنْجَاءُ الرُّسُلِ وَالمُؤْمِنِينَ مِنَ العَذَابِ وَالهَلاَكِ، الذِي يُنْزِلُهُ اللهُ بِالكَافِرِينَ المُكَذِّبِينَ، حَقٌّ أَوْجَبَهُ اللهُ تَعَالَى عَلَى نَفْسِهِ الكَرِيمَةِ، وَهَذِهِ هِيَ سُنَّتُهُ.
стр. 1469
﴿ياأيها﴾ ﴿يَتَوَفَّاكُمْ﴾
(١٠٤) - قُلْ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لِلنَّاسِ: إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ صِحَّةِ الدِّينِ الذِي أَدْعُو إِلَيْهِ، وَلَمْ يَتَبَيَّنَ لَكُمْ أَنَّهُ الحَقُّ، فَاسْمَعُوا وَصْفَهُ، وَاعْرِضُوهُ عَلَى عُقُولِكُمْ، وَانْظُرُوا فِيهِ، لِتَعْلَمُوا أَنَّهُ لا مَدْخَلَ فِيهِ لِلشَّكِّ: إِنِّي لاَ أَعْبُدُ الحِجَارَةَ التِي تَعْبُدُونَهَا مِنْ دُونِ اللهِ رَبِّكُمْ وَخَالِقِكُمْ، بَلْ أَعْبُدُ اللهَ الذِي يَتَوَفَّى الخَلْقَ إِذَا شَاءَ، وَيَنْفَعُهُمْ وَيَضُرُّهُمْ إِذَا أَرَادَ، وَمِثْلُ هَذا الإلهِ حَقِيقٌ بِأَنْ يُعْبَدَ، وَأَنْ يُخَافَ مِنْهُ وَيُتَّقَى، وَقَدْ أُمِرْتُ بِأَنْ أَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ المُسْتَسْلِمِينَ لأَمْرِهِ تَعَالَى.
стр. 1470
(١٠٥) - كَمَا أَمَرَنِي رَبِّي أَنْ أَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وَأَنْ أُخْلِصَ العِبَادَةَ لَهُ وَحْدَهُ، حَنِيفاً مُخْلِصاً لَهُ، مُنْحَرِفاً عَنِ الشِّرْكِ وَالبَاطِلِ.
أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ - اصْرِفْ ذَاتَكَ كُلَّهَا لِلدِّينِ الحَنِيفِيِّ.
حَنِيفاً - مُنْحَرِفاً عَنِ الشِّرْكِ.
стр. 1471
﴿الظالمين﴾
(١٠٦) - وَلاَ تَدْعُ إلهاً غَيْرَ اللهِ تَعَالَى دُعَاءَ عِبَادَةٍ، لاَ عَلَى سَبِيلِ الاسْتِقْلاَلِ، وَلاَ عَلَى سَبِيلِ الاشْتِرَاكِ، فَغَيْرَ اللهِ لاَ يَنْفَعُ وَلاَ يَضُرُّ، فَإِنْ فَعَلْتَ هَذَا، وَدَعَوْتَ غَيْرَهُ، كُنْتَ إِذَاً مِنَ الذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ، وَلاَ ظُلْمَ لِلنَّفْسِ أَكْبَرُ مِنْ ظُلْمِ الشِّرْكِ بِاللهِ.
وَهَذا النَّهْيُ مُوَجَّهُ لِلأُمَّةِ لأَنَّهُ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ مَعْصُومٌ مِنْ مِثْلِ هَذِهِ الأُمُوِر.
стр. 1472
(١٠٧) - يُبَيِّنُ اللهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ ﷺ أَنَّ الخَيْرَ وَالشَّرَّ، وَالنَّفْعَ وَالضُّرَّ مِنْ عِنْدِهِ تَعَالَى وَحْدَهُ، لاَ شَرِيكَ لَهُ فِيهِ، وَإِنْ يُرِدِ اللهُ أَحَداً بِخَيْرٍ فَلاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَرُدَّ فَضْلَهُ وَيَمْنَعَهُ عَنْهُ، وَاللهُ غَفُورٌ لِمَنْ تَابَ إِلَيْهِ مِنْ ذَنْبِهِ، حَتَّى وَلَوْ كَانَ الذَّنْبُ شِرْكاً بِهِ، فَإِنَّهُ تَعَالَى يَتُوبُ عَلَى التَّائِبِينَ، وَهُوَ رَحِيمٌ بِالنَّاسِ.
стр. 1473
﴿ياأيها﴾
(١٠٨) - يَأْمُرُ اللهُ رَسُولَهُ ﷺ بِأَنْ يُخْبِر النَّاسَ جَمِيعاً، أَنَّ الذِي جَاءَهُمْ بِهِ هُوَ الحَقُّ الذِي لاَ مِرْيَةَ فِيهِ، فَمَنْ اهْتَدَى وَاتَّبَعَهُ، فَإِنَّمَا يَعُودُ نَفْعُهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَمَنْ ضَلَّ عَنْهُ، فَإِنَّمَا يَرْجِعُ وَبَالَ ذَلِكَ عَلَيْهِ. كَمَا أَمَرَهُ اللهُ تَعَالَى بِأَنْ يَقُولَ لِلنَّاسِ: أِنَّهُ رَسُولُ اللهِ إِلَى الخَلْقِ كَافَّةً، وَإِنَّهُ نَذِيرٌ لَهُمْ غَيْرُ مُوَكَّلٍ بِهِدَايَتِهِمْ، وَلاَ بِمُسَيْطِرٍ عَلَيْهِمْ، وَإِنَّمَا الهَادِي هُوَ اللهُ.
بِوَكِيلٍ - بِحَفِيظٍ مَوْكُولٍ إِلَيْهِ أَمْرُكُمْ.
стр. 1474
﴿الحاكمين﴾
(١٠٩) - وَتَمَسَّكْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَيْكَ، وَأَوْحَاهُ إِلَيْكَ، وَاصْبِرْ عَلَى مُخَالَفَةِ مَنْ خَالَفَكَ مِنَ النَّاسِ، حَتَّى يَقْضِيَ اللهَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ، وَهُوَ خَيْرُ الفَاتِحِينَ وَالقَاضِينَ بِعَدْلِهِ وَحِكْمَتِهِ.
стр. 1475
(١) - أَلِفْ. لاَمْ. را - الله أعلم بمراده.
﴿كِتَابٌ﴾ ﴿آيَاتُهُ﴾
هَذَا كِتَابٌ عَظِيمُ الشَّأْنِ جُعِلَتْ آيَاتُهُ مُحْكَمَةَ النَّظْمِ، مُتْقَنَةَ البُنْيَانِ وَالتَّأْلِيفِ، وَاضِحَةَ المَعَانِي، وَجُعِلَتْ فُصُولاً مُتَفَرِّقَةً فِي سُوَرِهِ، ثُمَّ فُصِلَّتْ أَحْكَامُها، وَقَدْ أُنْزِلَتْ مِنْ عِنْدِ آلهٍ حَكِيمٍ يُقَدِّرُ حَاجَةَ العَبِيدِ، خَبِيرٌ يَضَعُ الأُمُورَ فِي مَوَاضِعِهَا.
أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ - نُظِمَتْ نَظْماً مُحْكَماً رَصِيناً.
فُصِّلَتْ - فُرِّقَتْ فِي التَّنْزِيلِ نُجُوماً بِالحِكْمَةِ.
следующие страницы →