← Тафсир

Тафсир · id 1787

أيسر التفاسير لأسعد حومد

أسعد حومد

Полный текст (6 113 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

(١٦٩) - والشَّيطَانُ العَدُوُّ يُوَسْوِسُ لِلْكَفَرَةِ وَالمُشْرِكِينَ، وَيَحثُّهُمْ عَلَى الإِتيانِ بِالأَعْمَالِ السَّيِّئَةِ المُنْكَرَةِ، وَالفَوَاحِشِ، وَالقَوْلِ عَلَى اللهِ في دِينِهِ مَا لا يُعْلَمُ عِلْمَ اليَقِين أَنَّهُ شَرَعَهُ للناَّسِ، مِنْ عَقَائِدَ وَشَعَائِرَ دِينِيَّةٍ، أَوْ تَحْلِيلِ مَا الأَصْلُ فِيهِ التَّحْرِيمُ. يَأمُرُكُمْ بِالسُّوءِ - بِالمَعَاصِي. الفَحْشاءِ - مَا عَظُمَ قُبْحُهُ مِنَ الذُّنُوبِ.

стр. 177

﴿آبَآءَنَآ﴾ ﴿آبَاؤُهُمْ﴾ (١٧٠) - وَإِذَا قِيلَ لِلْكَفَرَةِ الذِينَ يَتَّبِعُونَ خُطُواتِ الشَّيْطَانِ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ، وَاتْرُكُوا مَا أَنْتُمْ عَلَيهِ مِنَ الجَهْلِ وَالضَّلاَلِ، أَجَابُوا قَائِلِينَ: بَلْ نَتَّبعُ مَا وَجَدْنا آبَاءَنا عَلَيهِ مِنْ عِبَادَةِ الأَصْنَامِ وَالأَنْدَادِ. وَيَرُدُّ اللهُ سُبْحَانَهُ عَلَيهِمْ قَائِلاً: أَيَتَّبِعُونَ آبَاءَهُمْ حَتَّى وَلَوْ كَانُوا لاَ يَعْْقِلُونَ شَيْئاً مِنْ عَقَائِدِ الدِّينِ وَعِبَادَاتِهِ، وَلاَ يَهْتَدُونَ إِلَى سَبيلِ الحَقِّ وَالرَّشَادِ؟ أَلفَينا - وَجَدْنَا.

стр. 178

(١٧١) - وَمَثَلُ الذِينَ كَفَرُوا فِيمَا هُمْ فِيهِ مِنَ الغَيِّ والضَّلاَلِ، وَالجَهْلِ وَتَقْلِيدِ الآبَاءِ والرُّؤَسَاءِ، كَمَثَلِ الدَّوَابِّ السَّارِحَةِ التِي لاَ تَفْقَهُ شَيْئاً مِمَّا يُقَالُ لَهَا، فَإِذَا نَعَقَ فِيها رَاعِيها فَإِنَّها تَسْمَعُ صَوْتَهُ، وَلكِنَّها لاَ تَفْقَهُ مَا يَقُولُ وَلاَ تَفْهَمُهُ، فَهُمْ صُمٌّ عَنْ سَمَاعِ الحَقِّ، وَبُكْمٌ لاَ يَتَفَوَّهُونَ بِهِ، وَعُمْيٌ عَنْ رُؤْيَةِ طَرِيقِهِ وَمَسْلَكِهِ، لاَ يَعْقِلُونَ شَيئاً وَلاَ يَفْهَمُونَ. يَنْعِقُ - يَصِيحُ. بُكْمٌ - خُرْسٌ عَنِ النُّطْقِ بِالحَقِّ.

стр. 179

﴿ياأيها﴾ ﴿آمَنُواْ﴾ ﴿طَيِّبَاتِ﴾ ﴿رَزَقْنَاكُمْ﴾ (١٧٢) - كَانَ المُشْرِكُونَ وَأَهْلُ الكِتَابِ قَبْلَ الإِسْلامِ فِرَقاً وَأَصْنَافا: فَمِنْهُمْ مَنْ حَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ أَْشْياءَ كَالبَحِيرَةِ وَالسَّائِبَةِ عِنْدَ العَرَبِ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَرَّمَ بَعْضَ الحَيَوانِ، وَكَانَ الشَّائِعُ عِنْدَ النَّصَارَى الافْتِتَانُ فِي حِرْمَانِ النَّفسِ مِنَ الطَّيِّبَاتِ، فَقَدْ حَرَّمُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ اللَّحْمَ وَالسَّمْنَ فِي بَعْضِ أنوَاع صَوْمِهِمْ، وَحَرَّمُوا السَّمَكَ وَالَّلبَنَ وَالبَيْضَ فِي بَعْضِهَا الآخَرِ. وَهذِهِ الأَحْكَامُ وَضَعَهَا الرُّؤَسَاءُ، وَلا وُجُودَ لَهَا فِي التَّورَاةِ، وَلا نُقِلَتْ عَنِ المَسِيحِ، ﵇. وَكَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّ التَّقَرُّبَ إِلى اللهِ لاَ يَكُونُ إِلاَّ بِتَعْذِيبِ النَّفْسِ، وَتَرْكِ حُظُوظِ الجَسَدِ، وَقَدْ جَعَلَ اللهُ المُسْلِمِينَ أُمَّةً وَسَطاً تُعطِي الجَسَدَ حَقَّهُ، وَالرُّوحَ حَقَّهَا. وَقَدْ أَبَاحَ اللهُ لِلْمُؤْمِنينَ الأَكْلَ مِنَ الطَّيِّبَاتِ، وَحَثَّهُمْ عَلَى شُكْرِهِ عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيهِمْ.

стр. 180

(١٧٣) - يُبَيِّنُ اللهُ تَعَالَى لِلمُؤْمِنِينَ مَا حَرَّمَهُ عَلَيهِمْ مِنَ المآكِلِ: المَيْتَةَ (وَهيَ الحَيَوانُ الذِي مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ مِنْ غَيرِ تَذْكِيَةٍ وَلاَ ذَبْحٍ) والدَّمَ المَسْفُوحَ، وَلَحْمَ الخِنْزِيرِ، وَمَا ذُبِحَ مِنَ الأَنْعَامِ عَلَى غَيْرِ اسْمِ اللهِ كَالأَصْنَامِ، وَالأَوْثَانِ، فَهذا كُلُّهُ حَرَامٌ. أَمَّا الذِينَ يُضْطَرُّونَ إِلَى أَكْلِ شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ المُحَرَّمَاتِ، وَهُمْ لاَ يَجِدُونَ وَسِيلَةً أُخْرَى لِلْحُصُولِ عَلَى مَا يَسُدُّ رَمَقَهُمْ مِنَ الطَّعَامِ الحَلاَلِ، مِنْ دُونِ أَنْ يَكُونَ فِيهِمْ مَيْلٌ إِلَى تَعَدِّي الحَلاَلِ إِلَى الحَرَامِ، وَهُمْ يَجِدُونَ عَنْ أَكْلِ الحَرَامِ مَنْدُوحَةً (غَيْرَ بَاغٍ) ، وَدُونَ أَنْ يُجَاوِزُوا فِيمَا يَأْكُلُونَ حُدَودَ الضَرُورَةِ الَّتِي تَكْفِي لِسَدِّ الرَّمَقِ، وَحِفْظِ الحَيَاةِ، حَتَّى يَجِدُوا الطَّعَامَ الحَلالَ (عَادٍ) ، فَهؤُلاءِ لا إِثْمَ عَلَيهِمْ وَلا مَسْؤولِيَّةَ. وَاللهُ تَعَالَى غَفُورٌ لَهُمْ لِما أَكَلُوا مِنَ الحَرَامِ، رَحِيمٌ بِهِمْ إِذ أَحَلَّ لَهُمُ الحَرَامَ فِي حَالَةِ الاضْطِرَارِ. وَلاَ عَادٍ - غَيْرَ مُتََجَاوِزٍ مَا يَسُدُّ الرَّمَقَ. غَيْرَ بَاغٍ - غَيْرَ طَالِبٍ لِلحَرَامَ لِلَذَّةٍ أَوِ اسْتِئْثَارٍ عَلَى مُضْطَرٍّ آخَرَ.

стр. 181

﴿الكتاب﴾ ﴿أولئك﴾ ﴿القيامة﴾ (١٧٤) - يَقُولُ تَعَالَى إِنَّ الذِينَ يُخْفُونَ مَا أَنْزَلَ اللهُ مِنْ وَحْيِهِ عَلَى رُسُلِهِ، أَوْ يُؤَوِّلُونَهُ أَوْ يُحَرِّفُونَهُ وَيَضَعُونَهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، بِرَأْيِهِمْ وَاجْتِهَادِهِمْ، فِي مُقَابِلِ الثَّمَنِ الحَقِيرِ مِنْ حُطَامِ الدُّنيا، كَالرَّشْوَةِ عَلَى ذلِكَ، وَالجُعْلِ (الأجْرِ عَلَى الفَتَاوَى البَاطِلَةِ) وَنَحْوِ ذَلِكَ. . . وَالذِينَ يَكْتُمُونَ مَا وَرَدَ فِي كُتُبِهِمْ عَنْ صِفَاتِ مُحَمَّدٍ ﷺ (وَهُمُ اليَهُودُ) ، وَعَنْ رِسَالَتِهِ وَنُبُوَّتِهِ لِئَلاَ تَذْهَبَ زَعَامَاتِِهِمْ، وَرِيَاسَاتُهُمْ إِنْ صَدَّقُوا مُحَمَّداً، وَآمَنُوا بِهِ، وَاتَّبَعَهُ النَّاسُ، وَلِئَلاَّ يَخْسَرُوا مَا كَانَ يَصِلُ إِليهِمْ مِنْ أَموالٍ وَهَدَايَا، وَهُوَ شَيءٌ تَافِهٌ يَسِيرٌ إِذا مَا قُورِنَ بِمَا وَعَدَ اللهُ بِهِ المُؤْمِنِينَ الصَّادِقِينَ مِنْ جَزيلِ الثَّوَابِ. . فَهؤُلاءِ إِنَّمَا يَأْكُلُونَ مَا يَأْكُلُونَهُ فِي مُقَابِلِ كِتْمَانِ الحَقِّ نَاراً تَتَأَجَّجُ فِي بُطُونِهِمْ يَومَ القِيَامَةِ، وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ لغَضَبِهِ عَلَيهِمْ، وَلاَ يُزَكِّيهم، وَلا يَمْدَحُهُمْ وَلا يُثْنِي عَلَيهِمْ، وَيُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً أَلِيماً. (وَقِيلَ أَيْضاً في تَفْسِيرِ: مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ: إِنَّهُمْ لاَ يَأْكُلُونَ مِنْ ثَمَنِهِ إِلاَّ مَا يَكُونُ سَبَباً لِدُخُولِهِمْ نَارَ جَهَنَّمَ) . ثَمَناً قَلِيلاً - عِوَضاً يَسِيراً. لا يُزَكِّيهِمْ - لاَ يُطَهِّرُهُمْ مِنْ دَنَسِ المَعَاصِي.

стр. 182

﴿أولئك﴾ ﴿الضلالة﴾ (١٧٥) - وَهؤُلاءِ الآثِمُونَ الذِينَ أَنْذَرَهُمُ اللهُ بِالعَذَابِ، اعْتَاضُوا عَنِ الهُدَى الذِي يَقْتَضِيهِمْ نَشْرَ مَا وَرَدَ فِي كُتُبِهِمْ عَنْ صِفَةِ مُحَمَّدٍ، وَذِكْرِ مَبْعَثِهِ، وَوُجُوبِ اتِّباعِهِ وَتَصْدِيقِهِ، بِالضَّلاَلِ وَهُوَ تَكْذِيبُهُ، وَالكُفْرُ بِهِ، وَكِتْمَانُ صِفَاتِهِ، وَاعْتَاضُوا عَنِ المَغْفِرَةِ، التِي وَعَدَ اللهُ بِها المُؤْمِنينَ العَامِلِينَ السَّاعِينَ فِي الخَيْراتِ، بِالعَذَابِ الذِي سَيحِلُّ بِهِمْ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ، وَكِتْمَانِ مَا وَرَدَ في كُتُبِهِمْ. فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (أَيْ إِنَّ مَنْ يَرَاهُمْ فِي نَارِ جَهَنَّمَ يَتَعَجَّبُ مِنْ صَبْرِهِمْ عَلَى احتِمَالِها، مَعَ مَا هُمْ فِيهِ مِنْ شِدَّةِ العَذَابِ) . أَوْ إِنَّ المَعْنَى هُوَ: (أَنَّ انْهِمَاكَهُمْ فِي العَمَلِ الذِي يُوصِلُهُمْ إِلى النَّار هُوَ مَثَارُ العَجَبِ، فَسَيْرُهُمْ فِي الطَّرِيقِ المُوصِلَةِ إِليها، وَعَدَمُ مُبَالاتِهِمْ بِمَآلِ أَْعْمَالِهِمْ هُوَ مَثَارُ العَجَبِ) .

стр. 183

﴿الكتاب﴾ ﴿الكتاب﴾ (١٧٦) - وَإِنَّما استَحَقَّ هؤلاءِ العَذابَ لِكُفْرِهِمْ بِكِتاَبِ اللهِ الذِي أَنْزَلَهُ اللهُ بِالحَقِّ وَالصِّدْقِ لِجَمْعِ الكَلمَةِ عَلَى اتِّبَاعِ الحَقِّ، وَإِزَالَةِ الاخْتِلاَفِ، فَاخْتَلَفُوا فِيهِ اخْتِلاَفاً كَبيراً دَفَعَ إِليهِ حُبُّ الجَدَلِ، وَمُجَانَبَةُ الحَقِّ، وَالانْقِيادُ إِلَى الهَوَى، فَحَرَّفُوهُ وَأَفْسَدُوهُ وَفَسَّرُوهُ بِغيرِ مَعَانِيهِ. شِقَاقٍ بَعِيدٍ - خِلافٍ وَنِزاعٍ بَعيدٍ عَن الحَقِّ.

стр. 184

﴿آمَنَ﴾ ﴿والملائكة﴾ ﴿والكتاب﴾ ﴿والنبيين﴾ ﴿وَآتَى﴾ ﴿واليتامى﴾ ﴿والمساكين﴾ ﴿والسآئلين﴾ ﴿الصلاة﴾ ﴿وَآتَى﴾ ﴿الزكاة﴾ ﴿عَاهَدُواْ﴾ ﴿والصابرين﴾ ﴿وأولئك﴾ ؤؤ (١٧٧) - بَعْدَ أَن حَوَّلَ اللهُ قِبْلَةَ المُسْلِمِينَ مِنْ بَيْتِ المَقْدِسِ إِلى البَيتِ الحَرامِ، شَقَّ ذلِكَ عَلَى نُفُوسِ طَائِفَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، وَأَخَذَ اليَهُودُ فِي الدَّسِّ والنَّقْدِ بُغْيَةَ زَعْزَعَةِ ثِقةِ المُسِلِمِينَ بِرَبِّهِمْ وَنَبِيِّهِمْ ﷺ ، فَأَوْضَحَ اللهُ فِي عَدَدٍ مِنَ الآيَاتِ حِكْمَتِهِ مِنْ ذلِكَ، وَهِيَ: أَنَّ المُرَادَ أَسَاساً هُوَ طَاعَةُ اللهِ ، وَامْتِثَالُ أَوَامِرِهِ، وَالتَّوَجُّهِ حَيثُما أَمَرَ وَوَجَّهَ، فَهذا هُوَ البِرُّ وَالتَّقوَى وَالإِيمَانُ الكَامِلُ، وَليسَ فِي التَّوجُّهِ نَحْوَ المَشْرِقِ أَوِ المَغْرِبِ بِحَدِّ ذَاتِهِ طَاعَةٌ ولا بِرٌّ إِنْ لَمْ يَكُنْ عَنْ شَرْعِ اللهِ وَأَمْرِهِ. فَالبِرُّ يَقُومُ بِالإِيمَانِ بِاللهِ، وَاليَومِ الآخِرِ وَالمَلاَئِكَةِ، وَالكِتَابِ المُنْزَلِ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَالإيمَانِ بِالنَّبِيِّينَ الذِينَ أَرْسَلَهُمُ اللهُ إِلى النَّاسِ، وَبِإِنْفَاقِ المَالِ فِي طَاعَتِهِ - وَالإِنْسَانُ حَيٌ سَلِيمٌ صَحِيحٌ يَأْملُ العَيْشَ، وَيَخْشَى الفَقْرَ - عَلَى ذَوِي قُرْبَاهُ، وَعَلَى اليَتَامَى الذِينَ مَاتَ آبَاؤُهُمْ، وَهُمْ صِغَارٌ غَيْرُ قَادِرِينَ عَلَى الكَسْبِ، وَعَلى المَسَاكِينِ الذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يَكْفِيهِمْ فِي قُوتِهِمْ وَمَسْكِنِهِمْ وَكُسْوَتِهِمْ، وَعَلَى ابنِ السَّبيلِ - وَهُوَ المُسَافِرُ المُجْتَازُ الذِي نَفَدَتْ نَفَقَتُهُ - وَعَلَى مَنْ يُريدُ سَفَراً فِي طَاعَةِ اللهِ فَيُعطَى مَا يَكْفِيهِ فِي ذَهَابِهِ وَإِيَّابِهِ، وَعَلَى السَّائِلِينَ الذِينَ يَتَعرَّضُونَ لِلسُّؤالِ، وَعَلَى العَبيدِ المُكَاتَبِينَ الذِين لاَ يَجِدُونَ مَا يُؤَدُّونَهُ في كِتَابَتِهِمْ. كَمَا أَنَّ البِرَّ يَقُومُ: بِإِقَامَةِ الصَّلاَةِ (وَإِتمَامِ أَفْعَالِهَا بِخُشُوعٍ تَامِّ فِي أَوْقَاتِهَا وَإِتْمَامِ رُكُوعِهِا وَسُجُودِها) ، وَبِدَفْعِ الزَّكَاةِ، وَبِالتَّمسُّكِ بالعُهُودِ والمَواثِيقِ وَعَدَمِ النَّكْثِ بِها، وَبِالصَّبرِ فِي البَأْسَاءِ - أَيْ فِي حَالِ الفَقْرِ - وَفِي الضَّرَّاءِ - أَيْ فِي حَالِ المَرَضِ -، وَالصَّبرِ حِينَ البَأْسِ - أَيْ فِي حَالَةِ القِتالِ وَلِقَاءِ الأَعْدَاءِ-. فَالذِينَ اتَّصَفُوا بِالصِّفَاتِ المُتَقَدِّمَةِ هُمُ البَرَرَةُ الذِينَ صَدقُوا فِي إِيمَانِهِمْ، وَفَازُوا بِرِضَا اللهِ. (وَقَدْ نَصَبَ اللهُ تَعَالَى الصَّابِرينَ عَلَى المَدْحِ والثَّناءِ عَلَى الصَّبرِ، وَالحَثِّ عَليهِ لِشِدَّتِهِ، وَصُعُوبَةِ احِتِمَالِهِ عَلَى النُّفُوسِ) . البِرَّ - التَّوسُّعَ فِي الطَّاعَاتِ وَفِعْلِ الخَيْرِ. ابْنَ السَّبِيلِ - المُسَافِرَ الذِي انْقَطَعَ عَنْ أَهْلِهِ. فِي الرِّقَابِ - فِي تَحْرِيرِ الرِّقاَبِ مِنَ الأَسْرِ والرِّقِ. الصَّابِرِينَ - أَخُصُّ الصَّابِرِينَ لِمَزِيدِ فَضْلِهِمْ. البَأْسَاءِ - البُؤْسِ وَالفَقْرِ. الضَّرَّاءِ - السَّقمِ وَالأَلَمِ. حِينَ البَأْسِ - وَقْتَ القِتَالِ.

стр. 185

﴿ياأيها﴾ ﴿آمَنُواْ﴾ ﴿بِإِحْسَانٍ﴾ (١٧٨) - يَقُولُ اللهُ تَعَالَى لِلْمُؤْمِنِينَ إِنَّهُ قَدْ فَرَضَ (كَتَبَ) عَلَيْهِمُ العّدْلَ وَالمُسَاوَاةِ فِي القِصَاصِ، فَالحُرُّ يُقْتَلُ بِالحُرِّ، إِذا كَانَ القّتْلُ عَمْداً، وَالعَبْدُ يُقْتَلُ بِالعَبْدِ، وَالأُنْثَى تُقْتَلُ بِالأُنْثَى (وَقَدْ جَرَى العَمَلُ مِنْ لَدُنِ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى قَتْلِ الرَّجُلِ بِالمَرْأَةِ، وَالحُرِّ بِالعَبْدِ إِنْ لَمْ يَكُنِ القَاتِلُ سَيِّدَ العَبْدِ، فَإِذا كَانَ سَيِّدَهُ عُزِّرَ بِشِدَّةٍ) ، وَأَمَرَهُمُ اللهُ بِأَلاَّ يَعْتَدُوا وَلا يَتَجَاوَزُوا، كَمَا اعْتَدَى اليَهُودُ مِنْ قَبْلِهِمْ، وَغَيَّرُوا حُكْمَ اللهِ، فَكَانَتْ قَبِيلَةُ بَنِي قُرَيْظَة ضَعْيفةً، وَقَبِيلَةَ بَنِي النَّضِيرِ قَوِيَّةً، فَكَانًوا إِذَا قَتِلَ أَحَدٌ مِنْ بَنِي النَّضِيرِ أَحَداً مَنْ بَنِي قُرَيْظَةَ لَمْ يَكُنْ يُقْتَلُ بِهِ بَلْ يُفَادَى، وَإِذَا قَتَلَ القُرَظِيُّ نَضِيرِيّاً كَانَ يُقْتَلُ بِهِ، وَإِذَا فَادَوْهُ كَانَ يُفَادَى بِمِثْلَيْ مَا يُفَادَى بِهِ النَّضِيْرِيُّ. وَكَانَ حَيَّانِ مِنَ العَرَبِ قَدْ اقْتَتَلا فِي الجَاهِليَّةِ قُبَيْلَ الإِسْلامِ، فَكَانَ بَيْنَهُمْ قَتْلَى وَجِرَاحَاتٌ حَتَّى قَتَلُوا العَبيدَ والنِّسَاءَ، فَكَانَ أَحَدُ الحَيَّينِ لاَ يَرْضَى حَتَّى يَقْتُلَ بِالعَبْدِ مِنهُ الحُرَّ مِنْ خُصُومِهِ، وَبِالمَرْأَةِ مِنْهُ الرَّجلَ. وَكَانَ هؤُلاءِ لاَ يَقْتُلونَ الرَّجُلَ الذِي يَقْتُلُ المَرْأَةَ عَمْداً، وَلكِنْ كَانُوا يَقْتُلُونَ الرَّجُلَ بِالرَّجُلِ، وَالمَرْأَةَ بِالمَرْأَةِ، فَأَنْزَلَ اللهُ: النَّفْسُ بِالنَّفْسِ وَالعَيْنُ بِالعَيْنِ مُبْطِلاً ذلِكَ التَّعَامُلَ، فَإِذا قَبِلَ وَلِيُّ الدَّمِ أَنْ يَأَخُذَ الدِّيَةَ، وَيُعْفُو عَنِ القَاتِلِ، فَعَليهِ أَنْ يَتَّبعَ ذلِكَ بِالمَعْرُوفِ، وَأَنْ يَطْلُبَ الدِّيَةَ بِرِفْقٍ، وَأَنْ لاَ يُرْهِقَ القَاتِلَ مِنْ أَمْرِهِ عُسْراً. وَعَلَى القَاتِلِ أَنْ يُؤَدِّيَ المَطْلُوبَ مِنْهُ بإِحسَانٍ، وَأَنْ لا يَمْطُلَ وَلاَ يَنْقُصَ، وَلا يُسيء فِي كَيْفيَّةِ الأَدَاءِ. وَيَقُولُ اللهُ تَعَالَى: أَنَّهُ شَرَعَ للناَّسِ أَخْذَ الدِّيَةِ فِي حَالَةِ القَتْلِ العَمْدِ تَخْفِيفاً مِنْهُ، وَرَحْمَةً بِالمُسْلِمِينَ، إِذْ كَانَ يَتَوَجَّبُ عَلَى الأُمَمِ السَّالِفَةِ القَتْلُ أَوِ العَفْوُ. وَإِذَا تَعَدَّدَ أَوْلِياءُ الدَّمِ وَعَفَا أَحَدُهُمْ وَجَبَ اتِّبَاعُهُ، وَسَقَطَ القِصَاصُ. . وَيَجُوزُ العَفْوُ فِي الدِّيَةِ أَيْضاً. (وَقِيلَ إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَ مَفْرُوضاً عَلَيهِمُ القَتْلُ لاَ غَيْرَ، وَأَهْلَ الإِنْجِيلِ أُمِرُوا بِالعَفْوِ، وَلَيسَ لَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا مُقَابِلَ العَفْوِ دِيَةً) . وَيُهَدِّدُ اللهُ تَعَالَى مَنْ يَعْتَدِي بِالقَتْلِ عَلَى القَاتِلِ - بَعْدَ العَفْوِ وَالرِّضَا بِالدِّيَةِ - بِالعَذَابِ الشَّدِيدِ مِنْ رَبِّهِ يَوْمَ القِيَامَةِ. كُتِبَ عَلَيكُمُ - فُرِضَ عَلَيْكُمُ. عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ - تُرِكَ لَهُ مِنْ وَلِيِّ المَقْتُولِ.

стр. 186

﴿حَيَاةٌ﴾ ﴿ياأولي﴾ ﴿الألباب﴾ (١٧٩) - فِي القِصَاصِ رَاحَةُ البَالِ، وَصِيَانَةُ النَّاسِ مِنِ اعتِدَاءِ بَعْضِهمْ عَلَى بَعْضِهِم الآخَرِ، لأَنَّ مَعْرِفَةَ النَّاسِ أَنَّ مَنْ قَتَلَ يُعَاقَبُ بِالقَتْلِ، تَحْمِلُهُمْ عَلَى الارتِداعِ عَنِ القَتْلِ، فَتُصَانُ حَيَاةُ النَّاسِ، وَحَيَاةُ مَنْ يُفَكِّرُ بِالقَتْلِ. وَخَصَّ اللهُ تَعَالَى بِالنِّداءِ أَرْبَابَ العُقُولِ لِلدَّلاَلَةِ عَلَى أَنَّ الذِينَ يَفْهَمُونَ قِيمَةَ الحَيَاةِ، وَيُحَافِظُونَ عَلَيهَا هُمُ العُقَلاَءُ. وَإِذا تَدَبَّرَ أُولًو الأَلبَابِ الحِكْمَةَ مِنْ شَرْعِ القِصَاصِ حَمَلَهُمْ ذلِكَ عَلَى اتِّقَاءِ الاعتِدَاءِ، وَالكَفِّ عَنْ سَفْكِ الدِّمَاءِ.

стр. 187

﴿لِلْوَالِدَيْنِ﴾ (١٨٠) - فَرَضَ اللهُ تَعَالَى عَلَيكُمْ يَا مَعْشَرَ المُؤْمِنينَ أَنَّهُ إذا حَضَرَتْ أَسْبَابُ المَوْتِ وَعِلَلُهُ، وَتَرَكْتُمْ مَالاً كَثِيراُ لِوَرَثَتِكُمْ أَنْ تُوصُوا لِلوَالِدَينِ وَذَوي القُرْبَى بِشَيءٍ مِنْ هذا المَالِ (لا يَزِيدُ عَلَى الثُّلُثِ إِذا لَمْ يَكُنِ المُوصَى لّهُمْ مِنَ الوَارِثِينَ فِي بَعْضِ المَذَاهِبِ، وَجَوَّزَ بَعْضُ الأَئِمَّةِ الوَصِيَّةَ لِلْوَارِثِ بِأَنْ يَخُصَّ بِها بَعْضَ مَنْ يَرَاهُ أَحْوَجَ مِنَ الوَرَثَةِ) . وَإِذا أَسْلَمَ الكَافِرُ وَحَضَرَتْهُ الوَفَاةُ، ووالدَاهُ كَافِرَانِ، فَلَهُ أَنْ يُوصِيَ لَهُمَا بِشَيءٍ يَتَأَلَّفُ بِهِ قُلُوبَهُما. وَقَدْ جَعَلَ اللهُ ذلِكَ الإِيصَاءَ حَقّاً عَلَى المُتَّقِينَ الذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ. (وَقِيلَ إِنَّ هذِهِ الآيَةَ مَنْسُوخَةٌ بِآيةِ المَوَارِيثِ) . تَرَكَ خَيراً - مَالاَ كَثيراً. الوَصِيَّةُ - نُسِخَ وُجُوبُها بِآيةِ المَوارِيثِ.

стр. 188

(١٨١) - وَإِذا صَدَرَتِ الوَصِيَّةُ عَنِ المُوصِي كَانَتْ حَقّاً وَاجِباً لاَ يُجُوزُ تَغْيِيرُهُ وَلاَ تَبْدِيلُهُ، إِلاَ إِذَا كَانَتِ الوَصِيَّةُ مُجَافِيةً لِلعَدْلِ، فَمَنْ بَدَّلَ الوَصِيَّةَ - سَواءٌ أَكَانَ وَصِيّاً أَوْ شَاهِداً - أَوْ حَرَّفَها فَغَيَّرَ فِي حُكْمِها وَزَادَ فِيها أوْ أَنْقَصَ أَوْ كَتَمَها، فَإِثْمُ التَّبدِيلِ يَقَعُ عَلَى الذِينَ يَقُومُونَ بِهِ، وَيَقَعُ أَجْرُ المَيِّتِ عَلَى اللهِ، لأَنَّهُ اطَّلَعَ عَلَى مَا أَوْصَى بِهِ المَيِّتُ، وَعَلِمَ بِهِ وَبِمَا بَدَّلَهُ المُوصَى إِلَيهِمْ. وَاللهُ سَمِيعٌ لأَقْوالِ المُبَدِّلِينَ وَالمُوصِينَ، وَيَعْلَمُ نِيَّاتِهِمْ، وَيُجَازِيهِمْ عَلَيهَا.

стр. 189

(١٨٢) - فَإِذا خَافَ الوَصِيُّ خُرُوجَ المُوصِي فِي وَصِيَّتِهِ عَنْ نَهْجِ الشَّرْعِ وَالعَدْلِ خَطَأً أَوْ عَمْداً، بِأَنْ زَادَ فِي حِصَّةٍ، أَوْ أَنْقَصَ فِيها. . . وَتَنَازَعَ المُوصَى لَهُمْ بِالمَالِ فِيما بَيْنَهُمْ،: أَوْ تَنَازَعُوا مَعَ الوَرَثَةِ، فَتَوسَّطَ بَيْنَهُمْ مَنْ يَعْلَمُ بِذلِكَ، وَأَصْلَحَ بِتَبْدِيلِ هذا الحَيْفِ وَالجَنَفِ، فَلا إِثْمَ عَلَيهِ فِي هذا التَّبدِيلِ، لأَنَّهُ تَبْدِيلُ بَاطِلٍ بِحَقٍّ، وَاللهُ يَغْفِرُ لَهُ، وَيُثِيبُهُ عَلَى عَمَلِهِ. جَنَفاً - خُرُوجاً عَنْ نَهْجِ الشَّرْعِ. إِثْماً - ارْتِكَاباً لِلظُّلمِ عَمْداً أَوْ جَوْراً خَطَأً أَوْ جَهْلاً.

стр. 190

﴿ياأيها﴾ ﴿آمَنُواْ﴾ (١٨٣) - أَمَرَ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنينَ بِالصَّومِ تَهْذِيباً لِنُفُوسِهِمْ، وَقَالَ تَعَالَى: إِنَّهُ أَوْجَبَ الصَّومَ عَلَى الأُمَمِ السَّابِقَةِ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، لِذلِكَ فَإِنَّهُ يُوجِبُهُ عَلَى المُسلِمِينَ، وَقَدْ فَرَضَ اللهُ الصَّوْمَ عَلَى المُؤْمِنينَ لِيُعِدَّهُمْ لِتَقْوَى اللهِ، بِتَرْكِ الشَّهَوَاتِ المُبَاحَةِ المَيْسُورَةِ امتِثالاً لأَمْرِهِ، وَاحتِسَاباً لِلأَجْرِ عِنْدَهُ، فَتُرَبَّى بِذلِكَ العَزِيمَةُ وَالإِرَادَةُ عَلَى ضَبْطِ النَّفْسِ.

стр. 191

﴿مَّعْدُودَاتٍ﴾ (١٨٤) - وَقَدْ فَرَضَ اللهُ الصِّيَامَ عَلَيْكُمْ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ، وَلَمْ يُكَلِّفْكُمْ فِي الصَّومِ مَا لاَ تُطِيقُونَ، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَريضاً مَرَضاً يَضُرُّ الصَّومُ مَعَهُ، أَوْ كَانَ عَلَى سَفَرٍ فَلَهُ أَنْ يَفْطرَ وَيَقْضِيَ الأَيَّامَ التِي أَفْطَرَهَا بَعْدَ بُرْئِهِ مِنَ المَرَضِ، أَوْ رُجُوعِهِ مِنَ السَّفَرِ. أَمَّا المُقيمُ غَيرُ المَريضِ الذِي لاَ يَسْتَطِيعُ الصَّومَ إِلاَّ بِمَشَقَّةٍ لِعُذْرٍ دَائِمٍ كَشَيخُوخَةٍ أو مَرَضٍ لا يُرْجَى بُرْؤُُهُ فَلَهُ أَنْ يُفْطِرَ، وَعَليهِ أَنْ يُطْعِمَ مِسْكيناً عَنْ كُلِّ يَومٍ، وَمَنْ صَامَ مُتَطَوِّعاً زِيَادَةً عَنْ الفَرْضِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ. الإِطَاقَةُ - هِيَ الاحْتِمَالُ مَعَ الجُهْدِ الشَّدِيدِ. تَطَوَّعَ خَيْراً - زَادَ فِي الفِدْيَةِ.

стр. 192

﴿القرآن﴾ ﴿وَبَيِّنَاتٍ﴾ ﴿هَدَاكُمْ﴾ (١٨٥) - وَالأَيَّامُ المَعْدُودَاتُ التِي أَمَرَ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنينَ بِصِيامِهَا هِيَ شََهْرُ رَمَضَانَ. وَيَمْدَحُ اللهُ تَعَالَى شَهْرَ رَمَضَانَ وَيُشِيدُ بِفَضْلِهِ، وَهُوَ الشَّهْرُ الذِي أَنْزَلَ فِيهِ القُرآنُ الذِي يَهْدِي الذِينَ آمَنُوا بِهِ، وَفِيهِ دَلائِلُ وَحُجَجٌ وَاضِحَةٌ جَلِيَّةٌ لِمَنْ فَهِمَهَا وَتَدَبَّرَهَا، تَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَا جَاءَ بِهِ مِنَ الهُدَى المُنَافِي لِلضَّلاَلَةِ، فَمَنْ شَهِدَ اسْتِهْلاَلَ الشَّهْرِ وَجَبَ عَلَيهِ الصَّوْمُ إِنْ كَانَ مُقِيماً فِي البَلَدِ، وَهُوَ صَحِيحٌ فِي بَدَنِهِ، وَيُكَرِّرُ تَعَالَى ذِكْرَ الرُّخْصَةِ فِي الإِفْطَارِ لِلْمَرْضَى وَالمُسَافِرِينَ بِشَرْطِ قَضَاءِ الأَيَّامِ التِي يُفْطِرُونَهَا إِكْمَالاً لِلعِدَّةِ، وَمَتَى أنْهَى المُؤْمِنُ عِبَادَتَهُ مِنْ صِيَامٍ وَصَلاَةٍ، كَبَّرَ اللهُ، وَذَكَرَهُ وَشَكَرَهُ عَلَى مَا هَدَاهُ، لَعَلَّهُ إِنْ فَعَلَ ذلِكَ أَنْ يَكُونَ مِنَ الشَّاكِرِينَ للهِ عَلَى مَا أَعَانَهُ عَلَيهِ مِنَ القِيَامِ بِطَاعَتِهِ، وَحُسْنِ عِبَادَتِهِ، وَاجْتِنَابِ مَعَاصِيهِ.

стр. 193

(١٨٦) - قَالَ أَعْرَابِيٌّ: يَا رَسُولَ اللهِ: أَقَرِيبٌ رَبُّنا فَنُنَاجِيهِ، أَمْ بَعِيدٌ فَنُنَادِيهِ؟ فَسَكَتَ الرَّسُولُ ﷺ ، فَأَنْزَلَ اللهُ هذِهِ الآيَةَ، وَفِي الحَدِيثِ: " القُلُوبُ أَوْعِيَةٌ وَبَعْضُهَا أَوْعَى مِنْ بَعْضٍ، فَإِذا سَأَلْتُمُ اللهَ أَيُّهَا النَّاسُ فَاسْأَلُوهُ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالإِجَابَةِ فَإِنَّهُ لاَ يَسْتَجِيبُ لِعَبْدٍ دَعَاهُ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ غَافِلٍ " ثُمَّ يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ بِالاسْتِجَابَةِ إِليهِ، وَبِالقِيَامِ بِمَا أَمَرَهُمْ بِهِ مِنَ الِإيمَانِ وَالعِبَادَاتِ، كَالصَّوْمِ وَالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ. . لَعَلَّهُمْ يَكُونُونَ مِنَ المُهْتَدِينَ الرَّاشِدِينَ.

стр. 194

﴿انِسَآئِكُمْ﴾ ﴿فالآن﴾ ﴿بَاشِرُوهُنَّ﴾ ﴿الليل﴾ ﴿وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ﴾ ﴿عَاكِفُونَ﴾ ﴿المساجد﴾ ﴿آيَاتِهِ﴾ (١٨٧) - (فِي ابْتِدَاءِ أَمْرِ الإِسْلاَمِ كَانَ المُسْلِمُ إِذا أَفْطَرَ يَحِلُّ لَهُ الأَكْلُ والشَّربُ والجِمَاعُ حَتَّى صَلاةِ العِشَاءِ، أَوْ إِلَى أَنْ يَنَامَ قَبْلَ ذلِكَ، فَإِذَا صَلَّى العِشَاءَ، أَوْ نَامَ قَبْلَ صَلاةِ العِشَاءِ حَرُمَ عَلِيهِ الطَّعَامُ وَالشَّرابُ وَالجِمَاعُ إِلَى اللَيْلَةِ القَابِلَةِ. فَوَجَدُوا فِي ذلِكَ مَشَقَّةً كَبيرةً بِسَبَبِ اخْتِلاطِهِمْ فِي المَبِيتِ وَالحيَاةِ فَخَفَّفَ اللهُ عَنْهُمْ) . وَفِي هذِهِ الآيَةِ يَقُولُ اللهُ تَعَالَى لِلمُؤْمِنينَ: أُحلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الجِمَاعُ (الرَّفَثُ) ، أَنْتُمْ سَكَنٌ (لِبَاسٌ) لِنِسَائِكُمْ وَهُنَّ سَكَنٌ لَكُمْ، فَقَدْ عَلِمَ اللهُ أَنَّ بَعْضَ المُؤْمِنينَ كَانَ يُخَالِفُ الأَمْرَ الدِّينِيَّ فَيَخْتَانُ نَفْسَهُ، إِذْ يَعْتَقِدُ شَيْئاً ثُمَّ لاَ يَلْتَزِمُ العَمَلَ بِهِ، فَيَأْكُلُ وَيَشْرَبُ وَيُجَامِعُ بَعْدَ صَلاَةِ العِشَاءِ أَوْ بَعْدَ نَوْمِهِ إِنْ نَامَ قَبْلَ الصَّلاةِِ، فَتَابَ اللهُ عَلَيْكُمْ، وَعَفَا عَنْكُمْ، وَتَجَاوَزَ عَنْ أَخْطَائِكُمْ. ثُمَّ أَعْلَمَهُمُ اللهُ تَعَالَى بِأَنَّهُ سَمَحَ لَهُمْ بِالطَّعَامِ والشَّرابِ وَمُبَاشَرَةِ نِسَائِهِمْ حَتَّى الفَجْرِ (أَيْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ ضِيَاءُ الصُّبْحِ مِنْ سَوادِ اللَيْلِ) . فَمَتَى ظَهَرَ الفَجْرُ امْتَنَعَ عَلَى الصَّائِمِ مَا كَانَ مُبَاحاً لَهُ فِي اللَيْلِ، وَيَسْتَمِرُّ صَوْمُهُ حَتَّى مَغِيبِ الشَّمْسِ، وَظُهُورِ أَوَّلِ اللَيْلِ. وَكَانَ المُسْلِمُونَ يَعْتَكِفُونَ فِي المَسَاجِدِ أَوْ غَيْرِهَا فِي رَمَضَان، أَوْ فِي غَيْرِهِ لِلنُّسْكِ وَالعِبَادَةِ، فَحَرَّمَ اللهُ عَلَيهِمْ مُبَاشَرَةَ النِّسَاءِ، مَا دَامُوا مُعْتَكِفِينَ، حَتَّى وَلَوْ أّتَوْا إِلى مَنَازِلِهِمْ لِقَضَاءِ بَعْضِ حَوَائِجِهِمْ لِيَعُودُوا بَعْدَها إِلى الاعْتِكَافِ فِي المَكَانِ الذِي يَعْتَكِفُونَ فِيهِ. وَيَقُولُ تَعَالَى إِنَّ مَا بَيَّنَهُ وَفَرَضَهُ وَحَدَّدَهُ مِنَ الصِّيَامِ، وَمَا أَبَاحَهُ وَمَا حَرَّمَهُ. هِيَ الحُدُودُ التِي شَرَعَهَا اللهُ لِعِبَادِهِ، وَكَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ، عَلَى لِسَانِ أَنْبِياَئِهِ وَرُسُلِهِ، آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لِيَعْرِفُوا كَيْفَ يََهْتَدُونَ، وَكَيْفَ يُطِيعُونَ (لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) . الرَّفَثُ - الوِقَاعُ - أَوْ هُوَ كَلامٌ يَكُونُ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَقْتَ الوِقَاعِ. هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ - هُنَّ سَكَنٌ أَو سِتْرٌ لَكُمْ عَنِ الحَرَامِ. حُدُودُ اللهِ - مَا نَهَاكُمْ عَنْهُ وَحَرَّمَهُ عَلَيكُمْ.

стр. 195

﴿أَمْوَالَكُمْ﴾ ﴿بالباطل﴾ ﴿أَمْوَالِ﴾ (١٨٨) - يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ بِأَلاَّ يَأْكُلَ بَعْضُهُمْ مَالَ بَعْضٍ بِالبَاطِلِ، وَبِغَيْرِ وَجْهِ حَقٍّ: كَالسَّرِقَةِ، وَالغِشِّ، وَالتَّعَدِّي عَلَى النَّاسِ، وَالكَسْبِ عَنْ طَريقٍ غَيْرِ مَشْرُوعٍ. . وَبِأَلاَّ يُلْقُوا بِأَمْوَالِهِمْ رَشْوَةً إِلى الحُكَّامِ لِيَحْصُلُوا عَلَى أَحْكَامٍ لِمَصْلَحَتِهِمْ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ يَقِيناً أَنَّهُمْ لاَ حَقَّ لَهُمْ، وَأَنَّهُمْ آثِمُونَ آكِلُوا حَرَامٍ. وَحُكْمُ الحَاكِمِ لاَ يُحِلُّ حَراماً، وَلا يحُرَمِّ ُحَلاَلاً، وَإِنَّمَا هُوَ مُلْزِمٌ فِي الظَّاهِرِ. أَمَّا مَنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ ظَالِمٌ، وَأَنَّهُ يَأْكُلُ مَالَ النَّاسِ بِالبَاطِلِ فَإِنَّهُ يَأْكُلُ حَرَاماً، وَإِنْ قَضَى بِهِ حَاكِمٌ. وَهُوَ قِطْعَةٌ مِنْ نَارٍ فَليَحْمِلْها أَوْ لِيَذَرْهَا - كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ الشَّرِيفِ-. تُدْلُوا بِهَا - تُلْقُوا بِالخُصُومَةِ فِيهَا ظُلْماً وَبَاطِلاً.

стр. 196

﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ ﴿مَوَاقِيتُ﴾ ﴿أَبْوَابِهَا﴾ (١٨٩) - سَأَلَ بَعْضُ المُسْلِمينَ الرَّسُولَ ﷺ عَنِ اخْتِلافِ الهِلاَلِ: يَكُونُ صَغِيراً فَيَكْبُرُ، ثُمَّ يَعُودُ فَيَصْغُرُ. فَنَزَلَتْ هذِهِ الآيَةُ. وَفِيهَا يُجِيبُهُمُ اللهُ تَعَالَى: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الحِكْمَةِ فِي اخْتِلافِ الأَهِلَّةِ وَفَائِدَتِهِ، فَأَجِبْهُمْ: بِأَنَّهَا مَعَالِمُ للنَّاسِ، يُوَقِّتُونَ بِهَا أُمُورَ دُنْيَاهُمْ، فَيَعْلَمُونَ أَوْقَاتَ زُرُوعِهِمْ، وَأَجَلَ عقُودِهِمْ، وَهِيَ مَعَالِمُ لِلْعِبَادَاتِ المُوَقَّتَةِ، فَيَعْرِفُونَ بِهَا أَوْقَاتَها كَالصِّيَامِ، وَالإِفْطَارِ وَالحَجِّ. . وَلَوْ كَانَ الهِلاَلُ مُلاَزِماً حَالاً وَاحِداً لَمَا تَيَسَّرَ التَّوْقِيتُ بِهِ. وَكَانَ العَرَبُ إِذَا أَحْرَمُوا فِي الجَاهِلِيَّةِ أَتَوا البَيْتَ مِنْ ظَهْرِهِ، وَقِيلَ أَيْضاً إِنَ أَحَدَهُمْ إِذا أَرَادَ سَفَراً وَخَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ لِسَفَرِهِ، ثُمَّ بَدَا لَهُ بَعْدَ خُرُوجِهِ أَنْ يُقيمَ وَيَدَعَ السَّفَرَ، لَمْ يَدْخُلْ بَيْتِهِ مِنْ بَابِهِ، وَإِنَّمَا كَانَ يَتَسَوَّرُهُ مِنْ ظَهْرِهِ. فَأَمَرَهُمُ اللهُ تَعَالَى بِدُخُولِ البُيُوتِ مِنْ أَبْوابَها. وَيَقُولُ تَعَالَى لِلْمُؤْمِنينَ إِنَّ البِرَّ هُوَ التَّقْوَى، وَلَيسَ فِي إِتْيانِ البُيُوتِ مِنْ ظُهُورِها بِرٌّ، وَلاَ تَقْوَى. فَاتَّقُوا الله، وَافْعَلُوا مَا أَمَرَكُمْ بِهِ، وَاتْرُكُوا مَا نَهَاكُمْ عَنْهُ، لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِذا وَقَفْتُمْ فِي الآخِرَةِ بَيْنَ يَدَيهِ لِلْحِسَابِ. الأَهِلَّةِ - جَمْعُ هِلالٍ، وَهُوَ القَمَرُ يَكُونُ لِلَيْلَتَينِ أَوْ ثَلاثاً مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ لأَنَّ النَّاسَ يَرْفَعُونَ أَصْوَتهُمْ بِالذِّكْرِ حِينَ رُؤْيَتِهِ. وَأَهَلَّ القَوْمُ بِالحَجِّ إِذا رَفَعُوا أَصْواتَهُمْ بِالتَّلْبِيَةِ.

стр. 197

﴿وَقَاتِلُواْ﴾ ﴿يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ (١٩٠) - هذِهِ أَوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ فِي القِتَالِ فِي المَدِينَةِ. قَالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إِنَّ رَسُولَ الله ﷺ لَبِثَ بَعْدَ هذِهِ الآيَةِ يُقَاتِلُ مَنْ قَاتَلَهُ، وَيَكُفَّ عَمَّنْ كَفَّ عَنْهُ، حَتَّى نَزَلَتْ سُورَةُ التَّوْبَةِ، وَجَاءَ فِيها: ﴿فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ وَهذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ فِي صُلْحِ الحُدَيْبِيَّةِ، فَقَدْ خَافَ المُسْلِمُونَ أَنْ لا تَفِيَ لَهُمْ قُرَيْشٌ بِمَا اتَّفَقَتْ عَلَيهِ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَتَصُدَّهُمْ عَنِ المَسْجِدِ الحَرَامِ بِالقُوَّةِ وَتُقَاتِلَهُمْ، وَكَرِهَ المُسْلِمُونَ القِتَالَ فِي الشَّهْرِ الحَرَامِ، وَفِي البَلَدِ الحَرَامِ. وَفِي هذِهِ الآيَةِ يَأْذَنُ اللهُ لِلْمُؤْمِنينَ فِي قِتَالِ المُشْرِكِينَ إِعْزَازاً لِدِينِ اللهِ، وَإِعلاءً لِكَلِمَتِهِ، وَيَأْمُرُهُمْ بِأَلاَّ يَعْتَدُوا فِي ذلِكَ، وَأَنْ لا يَبْدَؤُوهُمْ بِالقِتَالِ. (وَيَدْخُلُ فِي الاعْتِدَاءِ ارْتِكَابُ مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ كَالمُثْلَةِ فِي القَتْلِى، وَالغُلُولِ (وَهُوَ إِخْفَاءُ شَيءٍ مِنَ المَغْنَمِ) ، وَقَتْلِ النِّسِاءِ وَالصِّبْيَانِ وَالشُّيوخِ، وَأَصْحَابِ الصَّوامِعِ، وَتَحْرِيقِ الأَشْجَارِ، وَقَتْلِ الحَيَوانِ لِغَيرِ مَصْلَحَةٍ) .

стр. 198

﴿وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ﴾ ﴿حتى يُقَاتِلُوكُمْ﴾ ﴿فَإِن قَاتَلُوكُمْ﴾ ﴿الكافرين﴾ (١٩١) - الجِهَادُ فِي سَبيلِ اللهِ فِيهِ إِزْهَاقٌ لِلأَنْفُسِ، وَقَتْلٌ لِلرِّجَالِ، لِذلِكَ نَبَّهَ اللهُ المُؤْمِنينَ إِلى أَنَّ مَا اشتَمَلَ عَليهِ الكَافِرونَ مِنَ الكُفْرِ بِاللهِ، وَالصَّدِّ عَنْ سَبيلهِ، هُوَ أَعْظَمُ مِنَ القَتْلِ، لِذلِكَ قَالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: (الشِّرْكُ أَشَدُُُّ مِنَ القَتْلِ) . وَنَهَى اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنينَ عَنْ قِتَالِ المُشْرِكِينَ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرَامِ لِحُرْمَتِهِ، إِلاَّ إِذَا بَدَأَهُمُ المُشْرِكُونَ بِالقِتَالِ. فَإِذا نَشِبَتِ الحَرْبُ كَانَ عَلَى المُؤْمِنينَ قِتَالُهُمْ وَقَتْلُهُمْ حَيْثُمَا وَجَدُوهُمْ، لأَنَّ هذا القِتَالَ هُوَ دَفْعٌ لِلاعْتِدَاءِ، وَجَزَاءٌ عَلَى نَكْثِ العَهْدِ، وَعَلَى مُبَاشَرَتِهِمْ بِالاعْتِدَاءِ عَلَى المُسْلِمِينَ، وَلَوْ كَانَ ذلكَ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرَامِ. وَيَأْمُرُ اللهُ المُؤْمِنينَ - إِذَا بَدَأَ المُشْرِكُونَ بِالاعتِدَاءِ عَلَى المُسْلِمِينَ، وَقَاتَلُوهُمْ لِيَصُدُّوهُمْ عَنْ زِيَارةِ المَسْجِدِ الحَرَامِ - بِأَنْ يُخْرِجَ المُسْلِمُونَ المُشِرْكِينَ مِنْ مَكَّةَ، كَمَا أَخْرَجُوا الرَّسُولَ وَالمُؤْمِنينَ مِنْها، لأنَّ فِتْنَتَهُم المُسْلِمِينَ عَنْ دِينِهِمْ بِالإِيذَاءِ وَالتَّعذِيبِ وَالإِخْرَاجِ مِنَ الوَطَنِ، وَمُصَادَرَةُ الأَمْوَالِ. . . كُلُّ ذلِكَ أَشَدُّ قُبْحاً مِنَ القَتْلِ فِي البَلَدِ الحَرَامِ. وَاسْتَثْنَى اللهُ مِنْ قَتْلِ المُشْرِكِينَ، فِي كُلِّ مَكَانٍ أَدْرَكَهُمْ فِيهِ المُسْلِمُونَ، المَسْجِدَ الحَرَامَ، فَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً، إِلاَّ أَنْ يُقَاتِلَ فِيهِ وَيَنْتَهِكَ حُرْمَتَهُ، فَحِينَئذٍ لاَ يَكُونُ لَهُ أَمَانٌ، وَذلِكَ جَزَاءُ الكَافِرِينَ المَعْتَدِينَ. ثَقِفْتُمُوهُمْ - وَجَدْتُمُوهُمْ وَأَدْرَكْتُمُوهُمْ. الفِتْنَةُ - الشِّرْكُ.

стр. 199

(١٩٢) - فَإِذا تَرَكَ الكَافِرُونَ الكُفْرَ، وَأَسْلَمُوا وَتَابُوا فَإِنَّ الإِسْلاَمَ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ، وَإِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ التِي ارْتَكَبُوهَا مِنْ قَبْلُ، وَلَوْ كَانُوا قَتَلُوا المُسْلِمِينَ فِي الحَرَمِ، لأَنَّهُ تَعَالَى لا يَتَعَاظَمُهُ ذَنْبٌ.

стр. 200

﴿وَقَاتِلُوهُمْ﴾ ﴿عُدْوَانَ﴾ ﴿الظالمين﴾ (١٩٣) - وَأَمَرَ اللهُ تَعَالَى بِقِتَالِ الكُفَّارِ حَتَّى لاَ تَكُونَ لَهُمْ قُوَّةٌ يَفْتِنُونَ بِهَا المُسْلِمِينَ عَنْ دِينِهِمْ، وَيَمْنَعُونَهُمْ مِنْ إِظْهَارِهِ، وَالدَّعْوَةِ إِلَيهِ، وَحَتَّى لاَ يَكُونَ هُنَاكَ شِرْكٌ، وَحَتَّى تَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ العُلْيَا، وَدِينُهُ هُوَ الظَّاهِرَ العَاليَ عَلَى سَائِرِ الأَدْيَانِ. فَإِنِ انْتَهَى المُشْرِكُونَ عَمَّا هُمْ فِيهِ مِنَ الشِّرْكِ، وَكَفُّوا عَنْ قِتَالِ المُسْلِمِينَ، فَلاَ سَبيلَ لِلْمُسْلِمِينَ إِلى قِتَالِهِمْ، لأَنَّ القِتَالَ إِنَّما شُرِعَ لِرَدْعِ الكُفْرِ وَالظُّلْمِ وَالفِتْنَةِ. وَالعُدْوَانُ لاَ يَكُونُ إِلاَّ عَلَى مَنْ ظَلَمَ نَفْسَهُ بِالكُفْرِ وَالمَعَاصِي، وَتَجَاوَزَ العَدْلَ.

стр. 201

﴿والحرمات﴾ (١٩٤) - يُبَيِّنُ اللهُ تَعَالَى حُكْمَ القِتَالِ فِي الأَشْهُرِ الحُرُمِ، وَهِيَ رَجَبٌ وَذُو القِعْدَةِ وَذُو الحِجَّةِ وَالمُحَرَّمُ، فَالذِي يَنْتَهِكُ حُرْمَةَ الشَّهْرِ الحَرَامِ جَزَاؤُهُ أَنْ يُحْرَمَ الضَّمَانَاتِ التِي كَفِلَهَا لَهُ الشَّهْرُ الحَرَامُ، فَقَدْ جَعَلَ اللهُ الأَشْهُرَ الحُرُمَ وَاحَةَ أَمْنٍ تُصَانُ فِيها الدِّماءُ وَالأَمْوَالُ وَالحُرُمَاتُ، وَلكِنْ مَنْ أَرَادَ العُدْوَانَ عَلَى المُسْلِمِينَ فِي الأَشْهُرِ الحُرُمِ، فَقَدْ أَجَازَ اللهُ لِلْمُسْلِمِينَ الرَّدَّ عَلَيهِ بِمِثْلِ عُدْوَانِهِ، بِدُونِ تَجَاوُزٍ وَلاَ مُغَالاَةٍ فِي المُجَازَاةِ وَالقِصَاصِ إِذْ أَمَرَهُمُ اللهُ بِالتَّقْوى، وَذَكَّرهُمْ بِأَنَّهُ مَعَ المُتَّقِينَ. وَبِمَا أَنَّ المُشْرِكِينَ مَنَعُوا الرَّسُولَ ﷺ مِنْ دُخُولِ مَكَّةَ مُعْتَمِراً فِي شَهْرِ ذِي القِعْدَةِ مِنْ سَنَةِ سِتٍ لِلْهجْرَةِ، وَهُوَ شَهْرٌ حَرَامٌ فَإِنَّهُمْ يَكُونُونَ قَدِ انْتَهَكُوا حُرْمَةَ الشَّهْرِ الحَرَام بِالصَّدِّ عَنِ البَيْتِ الحَرَامِ، فَرَجَعَ النَّبِيُّ بَعْدَ أَنِ اتَّفَقَ مَعَهُمْ، وَجَازَاهُمْ عَلَى انْتِهَاكِ حُرْمَةِ الشَّهْرِ الحَرَامِ. الحُرُمَاتُ قِصَاصٌ - أَيْ يَجِبُ مُقَاصَّةُ المُشْرِكِينَ عَلَى انْتِهَاكِ حُرْمَةِ الشَّهْرِ الحَرَامِ، وَالحُرُمَاتُ هِيَ مَا تَجِبُ المُحَافَظَةِ عَلَيهِ.

стр. 202

(١٩٥) - بَذَلَ الأَنْصَارُ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبيلِ اللهِ، وَنُصْرَةِ دِينِهِ، وَأوَوا المُهَاجِرِينَ وَسَاعَدُوهُمْ، فَلَمَّا أَعَزَّ اللهُ الإِسْلامَ، وَكَثُرَ نَاصِرُوهُ، قَالَ بَعْضُ الأَنْصَارِ لِبَعْضٍ: لَوْ أَنَّهُمْ أَقْبَلُوا عَلَى أَمْوَالِهِمْ فَأَصْلَحُوهَا. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هذِهِ الآيَةَ. وَفِيها يُبَيِّنُ اللهُ لَهُمْ أَنَّ الإِقَامَةَ عَلَى الأَمْوَالِ، وَإِصْلاَحَهَا، وَتَرْكَ الغَزْوِ وَالجِهَادِ وَالإِنْفَاقِ فِي سَبيل الله. . . فِيهِ التَّهْلُكَةُ. فَعَادُوا إِلى الجِهَادِ، وَإِلى إِنْفَاقِ أَمْوالِهِمْ فِي سَبيلِ اللهِ، وَإِعْلاَءِ كَلِمَتِهِ، وَفِي وُجُوهِ الطَّاعَاتِ. وَأَخْبَرَ اللهُ المُؤْمِنينَ بِأَنَّ تَرْكَ الجِهَادِ، وَتَرْكَ الإِنْفَاقِ فِيهِ هَلاَكٌ وَدَمَارٌ لِمَنْ لِزِمَهُ وَاعْتَادَهُ، فَإِذا بَخِلَ المُؤْمِنُونَ، وَقَعَدُوا عَنِ الجِهَادِ رَكِبَهُمْ أًعْدَاؤُهُمْ وَأَذَلُّوهُمْ، فَكَأَنَّهُمْ إِنَّمَا أَلْقَوا بِأَيْدِيهِمْ إِلى التَّهْلُكَةِ. ثُمَّ أَمَرَ اللهُ المُسْلِمِينَ بِأَنْ يُحْسِنُوا كُلَّ أَعْمَالِهِمْ، وَأَنْ يُجَوِّدٌوهَا، وَيَدْخُلُ فِي ذلِكَ التَّطَوُعُ بِالإِنْفَاقِ فِي سَبيلِ اللهِ لِنَشْرِ الدَّعْوَةِ. التَّهْلُكَةِ - الهَلاَكِ بِتَرْكِ الجِهَادِ وَالإِنْفَاقِ فِيهِ.

стр. 203

﴿ثَلاثَةِ﴾ ﴿رُؤُوسَكُمْ﴾ (١٩٦) - يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ بِإِكْمَالِ أَفْعَالِ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ، بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِما، وَذلِكَ بِأَدَاءِ المَنَاسِكِ عَلَى وَجْهِهَا التَّامِ الصَّحِيحِ، وَبِالإِخْلاَصِ للهِ تَعَالَى دُونَ قَصْدِ الكَسْبِ وَالتِّجَارَةِ. فَإِنْ مُنِعْتُمْ مِنَ الوُصُولِ إِلى البَيْتِ (أُحْصِرْتُمْ) وَتَعَذَّرَ عَلَيْكُمْ إِتْمَامُهَا، بِسَبَبِ عَدُوٍّ أَوْ مَرَضٍ أَوْ غَيرِ ذلِكَ، فَقَدْ رَخَّصَ اللهُ لَكُمْ بِأَنْ تَتَحَلَّلُوا مِنْ إِحْرَامِكُمْ، بِأَنْ تَذْبَحُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الهَدْيِ، ثُمَّ تَحْلقُوا رُؤُوسَكُمْ. أَمَّا الذِينَ لاَ يَعْتَرِضُهُمْ مَانِعٌ فَعَلَيهِمْ أَنْ يُتمُّوا أَفْعَالِ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ. وَأَمَرَهُمُ اللهُ بِأَنْ لا يَحْلقُوا رُؤُوسَهُمْ حَتَّى يَفْرَغُوا مِنْ أَفْعَالِ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ، وَيَنْحَرُوا هَدْيَهُمْ فِي المَكَانِ الذِي يَحِلُّ فِيهِ ذَبْحُهُ، وَهُوَ مَكَانُ الإِحْصَارِ أَوِ الكَعْبَةِ. فَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ مِنْ قُمَّلٍ وَغَيْرِهِ، فَقَدْ أَبَاحَ اللهُ لَهُ حَلْقَ شَعْرِهِ قَبْلَ أَنْ يُتِمَّ أَفْعَالَ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ، عَلَى أَنْ يَفْتَدِيَ مِنْ ذلِكَ بِصِياَمِ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ، أَوْ إِطْعَامِ سِتَّةِ مَسَاكِينَ، أَوْ ذَبْحِ شَاةٍ (نُسُكٍ) وَتَوْزِيعِ لَحْمِهَا عَلَى الفُقَرَاءِ. وَالمَرِيضُ مُخَيَّرٌ بِأَنْ يَفْعَلَ أَيَّها شَاءَ. فَإِذَا تَمَكَّنَ المُسْلِمُونَ مِنْ أَدَاءِ مَنَاسِكَهِمْ (آمِنْتُمْ) فَمَنْ كَانَ مُتَمَتِّعاً بِالعُمْرَةِ إِلى الحَجِّ (أَيْ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَمْتِعَ وَيَنْتَقِلَ بِالتَّقَرُّبِ إِلَى اللهِ بِالعُمْرَةِ إِلَى وَقْتِ الانتِفَاعِ بِأَعْمَالِ الحَجِّ) - وَهذا يَشْمَلُ مَنْ أَحْرَمَ بِهِمَا، أَوْ أَحْرَمَ بِالعُمْرَةِ أَولاً، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهَا أَحْرَمَ بِالحَجِّ - فَلْيَذْبَحْ مَا قَدِرَ عَلَيهِ مِنَ الهَدْيِ وَأَقَلُّهُ شَاةٌ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْياً، أَوْ مَنْ لَمْ يَجِدْ ثَمَنَهُ، فَلْيَصُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ فِي الحَجِّ (أَيْ فِي المَنَاسِكِ) ، وَالأَوْلَى أَنْ يَصُومَهَا قَبْلَ يَوْمِ عَرَفَةَ. وَمِنَ الفُقَهَاءِ مَنْ يُجِيزَ صَوْمَها مِنْ أَوَّلِ شَوَّالٍ، ثُمَّ يَصُومُ سَبْعَةَ أَيَّامٍ إِذا رَجَعَ إَلَى أَهْلِهِ. وَالتَّمَتُّعُ بِالعُمْرَةِ إِلَى الحَجِّ خَاصٌ بِأَهْلِ الآفَاقِ، أَما أَهْلُ مَكَّةَ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِمْ إِذا تَمَتَّعُوا. وَأَمَرَ اللهُ المُؤْمِنينَ بِالتَّقْوَى فِيمَا أَمْرَهُمْ بِهِ وَنَهَاهُمْ عَنْهُ، وَأَعْلَمَهُمْ بِأَنَّه شَدِيدُ العِقَابِ لِمَنْ خَالَفَ أَمْرَهُ، وَارْتَكَبَ مَا نَهَي عَنْهُ. الهَدْيُ - هُوَ مَا يُهْدَى إِلَى الكَعْبَةِ مِنَ الذَّبَائِحِ، بَعيرٍ أَوْ بَقَرَةٍ أَوْ شَاةٍ، وَيتُصَدَّقُ بِاللَحْمِ عَلَى المَسَاكِينِ. أُحْصِرْتُمْ - مُنِعْتُمْ مِنْ إِتْمامِ مَنَاسِكِ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ. فَمَا اسْتَيْسَرَ - مَا تَيَسَّرَ. لاَ تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ - لاَ تَتَحَلَّلُوا مِنْ إِحْرَامِكُمْ بِحَلْقِ شُعُورِكُمْ. يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ - مَكَانَ وُجُوبِ ذَبْحِهِ وَهُوَ الحَرَمُ أَوْ مَكَانُ الإِحْصَارِ. نُسُكٍ - ذَبِيحَةٍ وَيُرادُ بِهَا هُنَا شَاةٌ.

стр. 204

﴿مَّعْلُومَاتٌ﴾ ﴿ياأولي الألباب﴾ (١٩٧) - لأَدَاءِ فَرِيضَةِ الحَجِّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ لَدَى النَّاسِ هِيَ شَوَّال وَذُو القِعْدَةِ وَذُو الحِجَّةِ. فَلاَ يَنْبَغِي لأَحَدٍ أَنْ يُحرِمَ بِالحَجِّ إَلا فِي هذِهِ الشُّهُورِ. فَمَنْ أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ حَجّاً بِإِحْرَامِهِ - وَالفَرَضُ هُنا هُو الإِحْرَامُ - فَعَليهِ أَنْ يَتَجَنَّبَ الجِمَاعَ وَدَواعِيَهُ (الرَّفَثَ) ، وَالمَعَاصِيَ (الفُسُوقَ) ، وَعَلَيهِ أَنْ يَتَجَنَّبَ الجِدَالَ وَالمُخَاصَمَةَ وَالمُلاحَاةَ فِي الحَجِّ. وَيَحُثُّ اللهُ المُؤْمِنِينَ عَلَى فِعْلِ الجَمِيلِ، وَتَرْكِ الرَّفَثِ والفُسُوقِ وَالجِدَالِ، لِتَصْفُوَ نُفُوسُهُمْ، وَتَتَخَلَّى عَنِ الرَّذَائِلِ، وَتَتَحَلَّى بِالفَضَائِلِ. ثُمَّ أَخْبَرَهُمْ تَعَالَى بِأَنَّهُ عَالِمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ، وَأَنَّهُ سَيَجْزِيهِمْ عَلَيهِ الجَزَاءَ الأَوْفَى يَوْمَ القِيَامَةِ. وَأَمَرَ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ. الذِينَ يُرِيْدُونَ الحَجَّ بِالتَّزَوُّدِ لِلطَّرِيقِ لِكَي يَكُفُّوا وُجُوهَهُمْ عَنْ سُؤَالِ النَّاسِ، لأَنَّ أُناساً مِنْ أَهْلِ اليَمَنِ وَغَيْرِهِمْ كَانُوا يَحُجُّونَ مِنْ غَيرِ زَادٍ. وَأَعْلَمَهُمُ اللهُ تَعَالَى أَنَّ خَيْرَ زَادِ المُؤْمِنِ لِلآخِرَةِ هُوَ التَّقْوَى، وَفِعْلُ الجَمِيلِ. ثُمَّ حَذَّرَ اللهُ ذَوِي العُقُولِ وَالأَفْهَامِ مِنْ عِقَابِهِ وَنَكَالِهِ لِمَنْ خَالَفَ أَمْرَ رَبِّهِ. فَرَضَ - أَلْزَمَ نَفْسَهُ بِالإِحْرَامِ. فَلاَ رَفَثَ - لاَ وِقَاعَ وَلاَ فُحْشَ فِي القَوْلِ.

стр. 205

﴿عَرَفَاتٍ﴾ ﴿هَدَاكُمْ﴾ (١٩٨) - ظَنَّ المُسْلِمُونَ فِي بَادِئِ أَمْرِهِمْ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِي اتِّجَارِهِمْ أَيَّامَ مَوْسِمِ الحَجِّ إِثْمٌ. إَذْ كَانَ العَرَبُ يَتْجُرونَ فِي أَسْوَاقِ عُكَاظٍ وَمَجَنَّةَ وَذِي المجَازِ. فَنَزَلَتْ هذِهِ الآيَةُ لإِشْعَارِ المُسْلِمِينَ بِأَنَّهُ لا إِثْمَ، وَلاَ حَرَجَ عَلَيهِمْ، إِنِ اتَّجَرُوا وَابْتَغوا فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ. (أَيْ رِبْحاً مِنْ رَبِّهِمْ بِالتِّجَارَةِ، عَلَى أَنْ لاَ يَكُونَ الكَسْبُ وَالرِّبْحُ هُمَا المَقْصُودَينِ بِالذَّاتِ) . فَإِذَا أَفَاضَ المُسْلِمُونَ مِنْ عَرَفَاتٍ، بَعْدَ الوُقُوفِ بِهَا مِنْ زَوَالِ اليَوْمِ التَّاسِعِ إِلى مَا قَبْلَ طُلُوعِ الفَجْرِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ (وَالوُقُوفُ بِعَرَفَةَ هُوَ عُمْدَةُ الحَجِّ) ، فَيَتَوقَّفُونَ، وَهُمْ فِي طَرِيقِهِمْ إِلى مِنًى، فِي المُزْدَلِفَةِ - وَهِيَ المَشْعَرُ الحَرَامُ، (وَالمَشَاعِرُ هِيَ المَعَالِمُ الظَّاهِرَةُ) - لِيَذْكُرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاهُمْ إِلى مَعْرِفَةِ أُمُورِ دِينِهِمْ، وَمَشَاعِرِ حَجِّهِمْ، وَقَدْ كَانُوا قَبْلَ هُدَى اللهِ لَهُمْ مِنَ الضَّالِينَ. الجُنَاحُ - الحَرَجُ أَوِ الإِثْمُ - وَالجُنَاحُ مِنَ الجُنُوحِ وَهُوَ المَيْلُ عَنِ القَصْدِ. فَضْلاً - رِزْقاً بِالتِّجَارَةِ أَفَضْتُمْ - دَفَعْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَسِرْتُمْ. المَشْعَرُ الحَرَامُ - المُزْدَلِفَةُ.

стр. 206

(١٩٩) - رَوَتْ عَائِشَةُ أُمُّ المُؤْمِنينَ ﵂، أَنَّ قُرَيْشاً وَمَنْ وَالاَهَا مِنْ كِنَانَةَ وَجُدَيْلَةَ وَقَيْسٍ، كَانُوا يَقِفُونَ بِالمُزْدَلِفَةِ تَرَفُّعاً عَنْ الوُقُوفِ مَعَ النَّاسِ فِي عَرَفَاتٍ، وَكَانُوا يُسَمَّوْنَ بِالحُمُسِ، أَيِ الشَّدِيدِي التَّصَلُّبِ فِي الدِّينِ، أَمَّا سَائِرُ العَرَبِ فَتَقِفُ فِي عَرَفَاتٍ، فَلَمَّا جَاءَ الإِسْلاَمُ أَمَرَ اللهُ نَبِيَّهُ الكَرِيمَ أَنْ يَأْتِيَ عَرَفَاتٍ ثُمَّ يَقِفَ بِهَا مَعَ النَّاسِ، ثُمَّ يُفِيضَ مِنْهَا. وَيَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ وَالمُؤْمِنينَ بِالاسْتِغْفَارِ، وَبِذِكْرِ اللهِ فِي هذِهِ الأَمَاكِنِ المُبَارَكَةِ.

стр. 207

﴿مَّنَاسِكَكُمْ﴾ ﴿آبَآءَكُمْ﴾ ﴿آتِنَا﴾ ﴿خَلاَقٍ﴾ (٢٠٠) - يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ ﷺ وَالمُؤْمِنِينَ بِالإِكْثَارِ مِنْ ذِكْرِ اللهِ بَعْدَ قَضَاءِ المَنَاسِكِ وَالفَرَاغِ مِنْهَا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِنَّ العَرَبَ فِي الجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يَقِفُونَ فِي المَوْسِمِ فَيَقُولُ الرَّجُلُ مِنْهُمُ: كَانَ أَبِي يُطْعِمُ وَيَحْمِلُ الدِّيَاتِ. . . إِلخ لَيْسَ لَهُمْ هَمٌّ غَيْرُ ذِكْرِ فِعَالِ آبَائِهِمْ فَأَنْزَلَ اللهُ هذِهِ الآيَةَ، وَأَرْشَدَ المُسْلِمِينَ إِلَى دُعَائِهِ بَعْدَ ذِكْرِهِ كَثِيراً، لِمَا فِي ذلِكَ مِنْ مَظنَّةٍ إِجَابَةِ الدُّعَاءِ وَذَمَّ اللهُ الذِينَ لا يَسْأَلُونَ إِلاَّ فِي أَمْرِ دُنْيَاهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ عَنْ أَمْرِ آخِرَتِِهِمْ، غَيْر مُهْتَمِّينَ بِهِ. الخَلاَقُ - النَّصِيبُ أَوِ الحَظُّ. المَنَاسِكُ - مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الحَاجِّ القِيَامُ بِهِ مِنْ أَعْمَالٍ.

стр. 208

﴿آتِنَا﴾ ﴿الآخرة﴾ (٢٠١) - وَإِلى جَانِبِ أُولَئِكَ المُهْتَمِّينَ بِأَمْرِ الدُّنْيا فَقَطْ، آخَرُون يَهْتَمُونَ بِأَمْرِ الآخِرَةِ إِلى جَانِبِ اهْتِمَامِهِمْ بِأَمْرِ الدُّنيا فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنيا حَسَنَةً (وَتَشْمَلُ كُلَّ مَطْلَبٍ دَنْيَويِّ) وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً (وَتَشْمَلُ دُخُولَ الجَنَّةِ وَالنَّجَاةَ مِنَ النَّارِ) ، وَهَذا يَقْتَضِي تَيْسِيرَ أَسْبَابِهِ فِي الدُّنْيا: مِنِ اجِتِنَابِ المَحَارِمِ وَالآثَامِ، وَتَرْكِ الشُّبُهَاتِ وَالمُحَرَّمَاتِ.

стр. 209

﴿أولئك﴾ (٢٠٢) - وَهؤلاءِ لَهُمْ نَصِيبٌ مَضْمُونٌ مِمَّا كَسَبُوهُ بِالطَّلَبِ وَالرُّكُونِ إِلَى اللهِ، لا يُبْطِئُ عَلَيْهِمْ، فَاللهُ تَعَالَى سَرِيعُ الحِسَابِ، وَهُوَ يَجْزِي كُلاً بِمَا يَسْتَحِقُّهُ.

стр. 210

﴿مَّعْدُودَاتٍ﴾ (٢٠٣) - الأَيَّامُ المَعْدُودَاتُ هِيَ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ (يَوْمُ النَّحْرِ وَثَلاَثَةُ أَيَّامٍ بَعْدَهُ - وَهِيَ أَيَّامُ رَمْيِ الجِمَارِ) فَكَبِّرُوا اللهَ بَعْدَ صَلَواتِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ. ثُمَّ أَشَارَ ، إِلَى النَفْرِ مِنْ مِنىً فِي اليَوْمِ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ - أَيْ ثَالِثِ أَيَّامِ العِيدِ - قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فِي ذلِكَ اليَوْمِ، عَلَى قَوْلِ الأَئِمَّةِ الثَّلاَثَةِ، وَقَبْلَ فَجْرِ اليَوْمِ الثَّالِثِ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ عَلَى قَوْلِ الإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَبِذلِكَ يَسْقُطُ عَنْهُ، رَمِيُ الجِمَارِ فِي اليَوْمِ الأَخِيرِ مِنْ أَيَّامِ العِيدِ، وَلا إِثْمَ عَلَيهِ فِي ذلِكَ، وَمَنْ بَقِيَ إِلَى اليَوْمِ الرَّابعِ فَلا إِثْمَ عَلَيهِ. فَالمُهِمُّ فِي الأَمْرِ مَرَاقَبَةُ المَرْءِ تَقْوَى اللهِ. ثُمَّ يَأْمُرُ اللهُ المُؤْمِنينَ بِتَقْوَاهُ، وَيُعَلِمُهُمْ أَنَّهُمْ إِليهِ رَاجِعُونَ يَوْمَ الحَشْرِ.

стр. 211

﴿الحياة﴾ (٢٠٤) - وَهُنَاكَ أُنَاسٌ مُنَافِقُونَ تُعْجِبُ المَرْءَ حَلاَوةُ أَلْسِنَتِهِمْ، وَيَتَظَاهَرُونَ بِالوَرَعِ وَطِيبِ السَّرِيرَةِ، وَيُشْهِدُونَ اللهَ عَلَى صِدْقِ طَوِيَّتِهِمْ وَقُلُوبِهِمْ، وَقُلُوبُهُمْ فِي الحَقِيقَةِ هِيَ أَمَرُّ مِنَ الصَّبْرِ، فَهُمْ يَقُولُونَ حَسَناً، وَيَفْعَلُونَ سَيِّئاً، وَهُمْ شَدِيدُو الجَدَلِ، لا يُعْجِزُهُمْ أَنْ يَغُشُّوا النَّاسَ بِمَا يَظْهَرُ عَلَيهِمْ مِنَ المَيْلِ إِلى الإِصْلاَحِ. أَلَدُّ الخِصَامِ - شَدِيدُ الخُصُومَةِ فِي البَاطِلِ.

стр. 212

(٢٠٥) - فَإِذَا انْصَرَفَ الوَاحِدُ مِنْ هؤُلاءِ إِلى العَمَلِ، أَوْ إِذا تَوَلَّى وَلاَيَةً يَكُونُ لَهُ فِيهَا سُلْطَانٌ، اتَّجَهَ إَلَى الشَّرِّ وَالفَسَادِ فِي قَسْوَةٍ وَجَفْوَةٍ، تَتَمَثَّلُ فِي إِهْلاَكِ النَّبَاتِ وَالحَرْثِ، وَإِتْلافِ النَّسْلِ الذِي يُمَثِّلُ امْتِدَادَ الحَيَاةِ، وَاللهُ تَعَالَى يَكْرَهُ الفَسَادَ وَالمُفْسِدِينَ. الحَرْثَ - الزَّرْعَ.

стр. 213

(٢٠٦) - فَإِذَا أَخْرَجَ هذَا المُنَافِقُ حِقْدَهُ عَنْ طَرِيقِ التَخْرِيبِ وَالفَسَادِ، وَقِيلَ لَهُ: لاَ تَفْعَلْ ذلِكَ وَاتَّقِ اللهَ، وَاسْتَحِ مِنْهُ، اسْتَعَزَّ بِالإِثْمِ وَالخَطِيئَةِ، وَرَفَعَ رَأْسَهُ فِي وَجْهِ الحَقِّ. فَإِنْ يَفْعَلْ هذا المُنَافِقُ ذلِكَ فَجَهَنَّمُ حَسْبُهُ، وَفِيهَا الكِفَايَةُ لَهُ، وَهِيَ بِئْسَ المَقَرُّ وَالمِهَادُ لَهُ، وَهِي الجَزَاءُ الأَوْفَى عَلَى أَفْعَالِهِ وَآثَامِهِ. حَسْبُهُ - يَكْفِيهِ نَارُ جَهَنَّمَ جَزَاءً.

стр. 214

﴿مَرْضَاتِ﴾ ﴿رَؤُوفٌ﴾ (٢٠٧) - وَهُنَاكَ آخَرُونَ بَاعُوا أَنْفُسَهُمْ للهِ، وَلاَ غَايَةَ لَهُمْ مِنْ هذَا البَيْعِ إِلاَّ مَرْضَاةُ اللهِ، فَمَا أَبْعَدَ الفَرْقَ بَيْنَ هؤُلاءِ المُنَافِقِينَ وَبَيْنَ المُؤْمِنينَ الصَّادِقِينَ، وَاللهُ رَؤُوفٌ بِعِبَادِهِ. وَيُرْوَى أَنَّ هذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي صُهَيبٍ الرُّوميِّ ﵁ حِينَ خَرَجَ مُهَاجِراً مِنْ مَكَّةَ إِلى النَّبِيِّ ﷺ فِي المَدِينةِ، فَلَحِقَتْ بِهِ قُرَيْشٌ، وَقَالُوا لَهُ: أَتَيتَنا صُعْلُوكاً لاَ مَالَ لَكَ، وَتَخْرُجُ عَنَّا أَنْتَ وَمَالُكَ، فَهذا لَنْ يَكُونَ. فَقالَ لَهُمْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ تَرَكْتُ لَكُمْ مَالِي أَتُخَلُّونَ عَنِّي؟ فَقَالُوا نَعَمْ. فَدَلَّهُمْ عَلَى مَالِهِ فِي مَكَّةَ، وَتَرَكُوهُ يَذْهَبُ. فَلَمَّا وَصَلَ المَدِينَةَ وَأُخبرَ الرَّسُولُ بِأَمْرِهِ قَالَ: رَبحَ البَيْعُ، رَبحَ البَيْعُ. الشِّراءُ هُنا - بِمَعْنَى البَيْعِ.

стр. 215

﴿آمَنُواْ﴾ ﴿خُطُوَاتِ﴾ ﴿الشيطان﴾ ﴿ياأيها﴾ (٢٠٨) - يَدْعُو اللهُ المُؤْمِنينَ إِلَى الأَخْذِ بِجَمِيعِ عُرَى الإِسْلاَمِ وَشَرَائِعِهِ، وَالعمَلِ بِجَمِيعِ أَوَامِرِهِ، وَتَرْكِ زَوَاجِرِهِ، وَيُرشِدُهُمْ تَعَالَى إِلَى أَنَّهُ مِنْ شَأنِ المُؤْمِنينَ الاتِّفَاقُ والاتِّحَادُ، لاَ التَّفَرُّقُ وَالانْقِسَامُ. (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً، أَيْ ادْخُلُوا فِي الإِسْلاَمِ) . ثُمَّ يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنينَ بِأَنْ يَجْتَنِبُوا مَا يَأْمُرُهُمْ بِهِ الشَّيْطَانُ لأَنَّهُ يَأْمُرُ بِالسُّوءِ وَالفَحْشَاءِ، وَيَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ، وَلِهذَا كَانَ الشَّيْطَانُ عَدُوّاً بَيِّنَ العَدَاوَةِ لِلإِنْسَانِ. فِي السِّلْمِ كَافَّةً - فِي الإِسْلاَمِ وَشَرَائِعِهِ كُلِّهَا. خُطُواتِ الشَّيْطَانِ - طُرُقَهُ وَأَعْمَالَهُ.
следующие страницы →