← Тафсир

Тафсир · id 1787

أيسر التفاسير لأسعد حومد

أسعد حومد

Полный текст (6 113 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

﴿ظَالِمَةٌ﴾ (١٠٢) - وَمِثْلُ ذلِكَ الأَخْذِ بِالعَذَابِ الذِي أَخَذَ بِهِ رَبُّكَ القُرَى الظَّالِمَةَ المُكَذِّبَةَ لِرُسُلِهِ، يَفْعَلُهُ اللهُ بِأَشْبَاهِهِمْ فِي الكُفْرِ وَالعُتُوِّ عَنْ أَمْرِهِ، وَإِنَّ أَخْذَهُ تَعَالَى لَمُؤْلِمٌ شَدِيدٌ.

стр. 1577

﴿لآيَةً﴾ ﴿الآخرة﴾ (١٠٣) - إِنَّ فِيمَا قَصَّهُ اللهُ مِنْ إِهْلاكِ أُولئِكَ الأُمَمِ، وَبَيانِ سُنَّتِهِ فِي عَاقِبَةِ الظَّالِمِينَ، لَحُجَّةً بَيِّنَةً، وَعِبْرَةً ظَاهِرَةً لِمَنْ يَخَافُ عَذَابَ الآخِرَةِ فَيَعْتَبِرُ بِهَا، وَيَتَّقِي الظُّلْمَ فِي الدُّنيا، إِذْ يَعْلَمُ أَنَّ مَنْ عَذَّبَ الظَّالِمِينَ فِي الدُّنيا، لَقَادِرٌ عَلَى أَنْ يُعَذِّبَهُمْ فِي الآخِرَةِ. وَيَوْمُ القِيَامَةِ هُوَ يَوْمٌ عظِيمٌ تَجْتَمِعُ فِيهِ الخَلائِقُ كُلُّها لِلْحِسَابِ، وَتَشْهَدُهُ المَلاَئِكَةُ الكِرَامُ، وَتَجْتَمِعُ فِيهِ الرُّسُلُ، وَتُحْشَرُ الخَلاَئِقُ، وَيَحْكُمُ فِيهِ المَلِكُ العَادِلُ، الذِي لاَ يَظْلِمُ أَحَداً مِنْ خَلْقِهِ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ.

стр. 1578

(١٠٤) - وَمَا يُؤَخِّرُ اللهُ تَعَالَى إِقَامَةِ ذَلِكَ اليَوْمِ (يَوْمِ القِيَامَةِ) إِلاَّ لِمُدَّةٍ مُؤَقَّتَةٍ مَعْلُومَةٍ فِي عِلْمِ اللهِ، لاَ يُزادُ عَلَيْهَا وَلاَ يُنْقَصُ مِنْهَا.

стр. 1579

(١٠٥) - وَحِينَ يَأْتِي يَوْمُ القِيَامَةِ بِأَهْوالِهِ، لاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَتَكَلَّمَ إِلاَّ بِإذْنِ اللهِ، فَمِنْ أَهْلِ الجَمْعِ شَقِيٌّ بِمَا يَنْتَظِرُهُ مِنَ العَذَابِ، وَمِنْهُمْ سَعِيدٌ بِمَا يَنْتَظِرُهُ مِنَ النَّعِيمِ الذِي أَعَدَّهُ اللهُ لِلْمُتَّقِينَ.

стр. 1580

(١٠٦) - أَمَّا الأَشْقِيَاءُ، الذِينَ شَقُوا بِمَا يَنْتَظِرُهُمْ مِنَ العَذَابِ بِسَبَبِ أَعْمَالِهِمِ السَّيِّئَةِ فِي الدُّنْيا، فَيَصِيرُونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ، وَتَضِيقُ صُدُورُهُمْ بِثِقْلِ العَذَابِ، فَيُصْبِحُ تَنَفُّسُهُمْ زَفِيراً، وَأَخْذُهُمُ النَّفَسَ شَهِيقاً. زَفِيرٌ - إِخْرَاجٌ شَدِيدٌ لِلنَّفَسِ مِنَ الصَّدْرِ. شَهِيقٌ - رَدُّ النَّفَسِ إِلَى الصَّدْرِ.

стр. 1581

﴿خَالِدِينَ﴾ ﴿السماوات﴾ (١٠٧) - وَيَبْقُونَ فِي النَّارِ خَالِدِينَ، مَا دَامَتْ هُنَاكَ سَمَاوَاتٌ تُظِلُّ المَخْلُوقَاتِ، وَأَرْضٌ يَقِفُونَ عَلَيها، إِلاَّ مَا شَاءَ اللهُ، إِذْ يُخْرِجُ اللهُ مِنَ النَّارِ بِرَحْمَتِهِ العُصَاةَ مِنْ أَهْلِ التَّوْحِيدِ، ثُمَّ يَمْتَنُّ عَلَى الآخَرِينَ فَيُخْرِجُ مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِقْدَارُ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ، وَهُوَ القَادِرُ والفَعَّالُ لِمَا يُرِيدُ.

стр. 1582

﴿خَالِدِينَ﴾ ﴿السماوات﴾ (١٠٨) - أَمَّا السُّعَدَاءُ الذِينَ اتَّبَعُوا الرُّسُلَ، وَآمَنُوا بِاللهِ، وَعَمِلُوا صَالِحاً، فَيَصِيرُونَ إِلى الجَنَّةِ، وَيَمْكُثُونَ فِيهَا خَالِدِينَ أَبداً، مَا دَامَتْ هُنَاكَ سَمَاوَاتٌ وَأَرْضٌ، إِلاَّ مَا شَاءَ اللهُ. غَيْرَ مَجْذُوذٍ - غَيْرَ مَقَطُوعٍ عَنْهُمْ.

стр. 1583

﴿آبَاؤُهُم﴾ (١٠٩) - فَلاَ تَكُ فِي شَكٍّ (مِرْيَةٍ) مِنْ أَنَّ مَا يَعْبُدُهُ هؤُلاَءِ المُشْرِكُونَ بِاطِلٌ وَظَلاَلٌ، فَإِنَّهُمْ إِنَّمَا يَعْبُدُونَ مَا عَبَدَ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ، لَيْسَ لَهُمْ مُسْتَنَدٌ فِيمَا هُمْ فِيهِ، إِلاَّ اتِّبَاعَ الآبَاءِ فِي الضَّلاَلِ وَالجَهْلِ، وَسَيَجْزِيهِمُ اللهُ عَلَيهِ أَتَمَّ الجَزَاءِ. (فَأَعْمَالُ الخَيْرِ التِي يَعْمَلُونَها فِي الدُّنْيَا: كَبِرِّ الوَالِدَينِ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ، وَإِغَاثَةِ المَلْهُوفِ. . . يُوَفَّوْنَ جَزَاءَهُمْ عَلَيْهَا فِي الدُّنْيا بِسِعَةِ الرِّزْقِ، وَكَشْفِ الضُّرِّ. . .، وَلاَ يُجْزَونَ عَلَيهَا فِي الآخِرَةِ) .

стр. 1584

﴿آتَيْنَا﴾ ﴿الكتاب﴾ (١١٠) - يَذْكُرُ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُ أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى (الكِتَابَ) فَاخْتَلَفَ قَوْمُهُ فِي تَفْسِيرِهَا، وَفَهْمِ مَعْنَاهَا، حَسَبَ أَهْوَائِهِمْ وَشَهَوَاتِهِمْ، فَتَفَرَّقُوا شِيَعاً، وَابْتَعَدَ الكَثِيرُونَ مِنْهُمْ عَنِ الحَقِّ، وَلَوْلاَ مَا تَقَدَّمَ مِنَ اللهِ تَعَالَى مِنْ وَعْدِهِ بِتَأْجِيلِ العَذَابِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ (أَجَلٍ مَعْلُومٍ) ! لَقَضَى اللهُ بَيْنَهُمْ. وَهَؤُلاَءِ الذِينَ وَرِثُوا التَّورَاةَ لَفِي شَكٍّ مُحَيِّرٍ مِنْ أَمْرِهَا. (وَقَدْ يَكُونُ المَعْنَى هُوَ: وَلَوْلاَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى قَضَى بِأَنْ لاَ يُعَذِّبَ أَحَداً إِلاَّ بَعْدَ قِيَامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِ، وَإِرْسَالِ الرُّسُلِ لَقَضَي بَيْنَهُمْ) . مُرِيبٍ - مُثِيرٍ لِلرِّيبَةِ وَقَلَقِ النَّفْسِ أَوْ مُوقِعٍ فِي الرِّيْبَةِ.

стр. 1585

﴿أَعْمَالَهُمْ﴾ (١١١) - وَإِنَّ أُولَئِكَ المُخْتَلِفِينَ، الذِينَ سَرَدْنَا عَلَيْكَ قَصَصَهُمْ، لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ جَزَاءَ أَعْمَالِهِمْ، فَهُوَ خَبِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ، وَلاَ يَخْفَى عَلَيْهِ شَيءٌ مِنْ أَعْمَالِهِمْ.

стр. 1586

(١١٢) - فَالزَمِ الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ الذِي لاَ عِوَجَ فِيهِ، وَاثْبَتْ عَلَيهِ. وَكَذلِكَ فَلْيَسْتَقِمْ مَنْ تَابَ مِنَ الشِّرْكِ، وَآمَنَ مَعَكَ، وَلاَ تَنْحَرِفُوا عَمَّا رُسِمَ لَكُمْ، وَلاَ تَتَجَاوَزُوا حُدُودَ الاعْتِدَالِ، فَتُكَلِّفُوا أَنْفُسَكُمْ مَا لاَ تُطِيقُونَ، فَالإِفْرَاطُ فِيهِ كَالتَّفْرِيطِ، كِلاَهُمَا زَيْغٌ عَنِ الصِّرَاطِ المُسْتَقِيمِ. لاَ تَطْغَوْا فِيهِ - لاَ تَتَجَاوَزُوا مَا حَدَّهُ اللهُ لَكُمْ.

стр. 1587

(١١٣) - وَلاَ تَسْتَعِينُوا بِالظَّالِمِينَ، وَلاَ تَعْتَمِدُوا عَلَيْهِمْ، وَلاَ تَعْتَزُّوا بِهِمْ، وَلاَ تَسْتَحْسِنُوا طَرِيقَتَهُمْ (لاَ تَرْكَنُوا) فَتَكُونُوا كَأَنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِأَعْمَالِهِمْ، فَإِنْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ أَصَابَتْكُمُ النَّارُ التِي هِيَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ، وَلَنْ تَجِدُوا يَوْمَئِذٍ مَنْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ عَذَابِ اللهِ. (وَالآيَةُ عَامَّةٌ تَشْمَلُ الظَّالِمِينَ دُونَ تَفْرِيقٍ بَيْنَ مُسْلِمٍ وَكَافِرٍ) . لاَ تَرْكَنُوا - لاَ تَمِلْ قُلُوبُكُمْ بِالمَحَبَّةِ.

стр. 1588

﴿الصلاة﴾ ﴿الليل﴾ ﴿الحسنات﴾ ﴿لِلذَّاكِرِينَ﴾ (١١٤) - وَأَدِّ الصَّلاَةَ عَلَى الوَجْهِ القَوِيمِ، وَأَدِمْهَا فِي طَرَفَي النَّهَارِ مِنْ كُلِّ يَوْمٍ، فِي الغَدَاةِ وَالعَشِيِّ، وَفِي أَوَائِلِ الليْلِ، لأَنَّ الأَعْمَالَ الحَسَنَةَ تُزَكِّى النُّفُوسَ وَتُصْلِحُها، وَتُذْهِبُ السَّيِّئَاتِ المُؤَاخَذَ عَنْهَا. وَفِي الوَصَايَا التِي أَوْصَاكَ اللهُ بِهَا مِنَ الاسْتِقَامَةِ، وَالنَّهْيِ عَنِ الطُّغْيَانِ، وَإِقَامَةِ الصَّلاَةِ. . . عِبْرَةٌ لِلْمُعْتَبِرِينَ، الذِينَ يُرَاقِبُونَ اللهَ، وَلاَ يَنْسَوْنَهُ. الزُّلْفَةُ - الطَّائِفَةُ مِنْ أَوَّلِ الليْلِ لِقُرْبِهَا مِنَ النَّهَارِ. ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ - عِظَةً لِلْمُتَّعِظِينَ.

стр. 1589

(١١٥) - وَوَطَّنْ نَفْسَكَ عَلَى الصَّبْرِ وَاحْتِمَالِ المَشَقَّةِ فِي سَبِيلِ مَا أُمِرْتَ بِهِ، وَمَا نُهِيتَ عَنْهُ، فِي هذِهِ الوَصَايَا وَفِي غَيْرِهَا، فَإِنَّ اللهَ لاَ يُضَيِّعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً.

стр. 1590

﴿أُوْلُواْ﴾ (١١٦) - لَقَدْ كَانَ مِنَ الوَاجِبِ أَنْ يَكُونَ مِنَ الأُمَمِ السَّابِقَةِ التِي أَهْلَكَهَا اللهُ بِظُلْمِهَا، جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ أُولُو عَقْلٍ، وَرَأيٍ، وَصَلاحٍ، يَنْهَوْنَ المُفْسِدِينَ عَنِ الإِفْسَادِ فِي الأَرْضِ، وَيَأخُذُونَ عَلَى أَيْدِيهِمْ لِكَيْلاَ يَنْزِلَ بِهِمْ عَذَابُ اللهِ، لأَنَّ مِنْ سُنَّةِ اللهِ أَنْ لاَ يُهْلِكَ قَوْماً إِلاَّ إِذَا عَمَّ الفَسَادُ وَالظُّلْمُ أَكْثَرَهُمْ. وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ هَؤُلاَءِ الأَقْوَامِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ قِلَّةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ أَكْثَرَهُمْ مِنَ الضُّعَفَاءِ الذِينَ لاَ يُؤْخَذُ بِرَأْيهِمْ، وَلاَ تُسْمَعُ كَلِمَتُهُمْ، وَلا يُقْبَلُ أَمْرُهُمْ وَنَهْيُهُمْ. أَمَّا الأَكْثَرُونَ فَكَانُوا مِنَ الظَّالِمِينَ المُسْتَكْبِرِينَ المُعَانِدِينَ، فَأَصَرُّوا عَلَى ظُلْمِهِمْ وَكُفْرِهِمْ، وَاتَّبَعُوا حَيَاةَ التَّرَفِ وَالفَسَادِ، فَحَالَ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الانْتِفَاعِ بِدَعْوَةِ الحَقِّ، فَبَطَرُوا وَاسْتَكْبَرُوا، وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ، وَقَدْ أَغْرَقُوا أَنْفُسَهُمْ فِي الجَرَائِمِ التِي وَلَّدَهَا النَّعِيمُ وَالتَّرَفُ، وَاسْتَسْلَمُوا لَهَا، وَلِذَلِكَ رَجَّحُوا مَا أَتَوا بِهِ عَلى اتِّبَاعِ الرُّسُلِ وَطَاعَةِ اللهِ فَأَهْلَكَهُمُ اللهُ، وَتِلْكَ سُنَّةُ اللهِ فِي خَلْقِهِ. القُرُونِ - الأُمَمِ. أُوْلُو بَقِيَّةٍ - أَصْحَابُ فَضْلٍ وَخَيْرٍ. مَا أُتْرِفُوا فِيهِ - مَا أُنْعِمُوا فِيهِ مِنَ الخَصْبِ وَالسَّعَةِ.

стр. 1591

(١١٧) - لَيْسَ مِنْ سُنَّةِ اللهِ تَعَالَى، وَلاَ مِنْ عَدْلِهِ فِي خَلْقِهِ، أَنْ يُهْلِكَ القُرَى بِشِرْكِ أَهْلِهَا، مَا دَامُوا مُصْلِحِينَ فِي أَعْمَالِهِم الاجْتِمَاعِيَّةِ، وَالعُمْرَانِيَّةِ وَالمَدَنِيَّةِ، فَلاَ يَبْخَسُونَ النَّاسَ حُقُوقَهُمْ، وَلاَ يَبْطِشُونَ بِالنَّاسِ، وَلاَ يُذِلُّونَ لِمُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ كَقَوْمِ فِرْعَوْنَ، وَلاَ يَرْتَكِبُونَ الفَوَاحِشَ وَلاَ يَقْطَعُونَ السَّبِيلَ، وَلاَ يَأْتُونَ فِي نَادِيهِمُ المُنْكَرَ، بَلْ لاَ بُدَّ لَهُمْ، لِيَحِقَّ عَلَيْهِمُ العَذَابَ وَالهَلاَكَ، مِنْ أَنْ يَجْمَعُوا إِلى الشِّرْكِ الإِفْسَادِ فِي الأَرْضِ، وَالاسَاءَةِ فِي الأَعْمَالِ وَالأَحْكَامِ، وَأَنْ يَفْعَلُوا الظُّلْمََ المُدَمِّرَ لِلْعُمْرَانِ. وَأَخْرَجَ الطَبَرَانِيُّ وَالدَّيْلَمِيُّ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ فَقَالَ: " وَأَهْلُهَا يُنْصِفُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً ") . فَالأُمَّةُ التِي يَقَعُ فِيهَا الفَسَادُ بِتَعْبِيدِ النَّاسِ لِغَيْرِ اللهِ بِصُورةٍ مِنْ صُوَرِهِ فَيَكُونُ فِيهَا مَنْ يَنْهَضُ لِدَفْعِهِ هِيَ أُمَمٌ نَاجِيَةٌ لاَ يَأْخُذُهَا اللهُ بِالعَذَابِ وَالتَّدْمِيرِ. أَمَّا الأُمَمُ التِي لاَ يَجِدُ فِيهَا الظَّالِمُونَ مَنْ يَرْدَعُهُم وَيَنْهَاهُمء عَنِ الفَسَادِ فِي الأَرْضِ فَإِنَّ سُنَّةَ اللهِ تَعَالَى تُحِقُّ عَلَيْهَا إِمَّا بِهَلاَكِ الاسْتِئْصَالِ، وَإِمَّا بِهَلاَكِ الانْحِلاَلِ وَالاخْتِلاَلِ؟

стр. 1592

(١١٨) - يَا أَيُّها النَّبِيُّ إِنَّكَ حَرِيصٌ عَلَى إِيمَانِ قَوْمِكَ، وَحَزِينٌ لإِعْرَاضِهِمْ، أَوْ إِعْرَاضِ أَكْثَرِهِمْ، عَنْ إِجَابَةِ دَعْوَتِكَ، وَاللهُ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَجْعَلَ النَّاسَ كُلَّهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً، عَلَى دِينٍ وَاحِدٍ، بِمُقْتَضَى الغَرِيزَةِ وَالفِطْرَةِ، وَلَكِنَّهُ تَعَالَى خَلَقَهُمْ مُتَفَاوِتِينَ فِي الاسْتِعْدَادِ، وَكَسْبِ العِلْمِ. وَكَانُوا فِي أَطْوَارِهِمُ الأُولَى لاَ اخْتِلاَفَ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ كَثُرَتْ حَاجَاتُهُمْ وَتَنَوَّعَتْ، وَكَثُرَتْ مَطَالِبُهُمْ، فَظَهَرَ فِيهِم الاسْتِعْدَادَ لِلاخْتِلاَفِ، وَهُمْ لاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ فِي شُؤُونِهِمِ الدِّينِيَّةِ وَالدَّنْيَوِيَّةِ، تَبَعاً لِمُيُولِهِمْ وَشَهَوَاتِهِمْ، وَاسْتِعْدَادِهِم الفِطْرِيِّ، يَتَعَصَّبُ كُلُّ فَرِيقٍ لِرَأْيِهِ، وَلِمَا وَجَدَ عَلَيْهَ آبَاءَهُ.

стр. 1593

(١١٩) - إِلاَّ الذِينَ ﵏ فَإِنَّهُمْ يَبْقَوْنَ مُتَمَسِّكِينَ بِمَا جَاءَتْهُمْ بِهِ الرُّسُلُ، وَغَيْرَ مُخْتَلِفِينَ، وَلَقَدْ سَبَقَ عِلْمُ اللهِ أَنَّ النَّاسَ سَيَكُونُونَ مُخْتَلِفِينَ، وَأَنَّ مِنْهُمْ فَرِيقاً سَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَسَتَكُونُ الجَنَّةَ مَصِيرَهُمْ وَمَأْوَاهُمْ، وَقَدْ قَضَى اللهُ، لِحِكْمَةٍ يَرَاهَا هُوَ، أَنَّهُ سَيَمْلأُ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنِّ وَمِنَ البَشَرِ جَمِيعاً. تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ - وَجَبَتْ وَثَبَتَتْ.

стр. 1594

(١٢٠) - كُلُّ مَا قَصَصْنَاهُ عَلَيكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ المُتَقَدِّمِينَ، وَمَا جَرَى لَهُمْ مَعَ أَقْوَامِهِمْ، وَمَا احْتَمَلَهُ كُلُّ نَبِيٍّ مِنَ الأَذَى وَالتَّكْذِيبِ، وَكَيْفَ نَصَرَ اللهُ حِزْبَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وَخَذَلَ أَعْدَاءَهُ مِنَ الكَافِرِينَ. . . إِنَّمَا قَصَصْنَاهُ عَلَيْكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ، وَنُقَوِّيَ عَزْيمَتَكَ، وَلِتَتَأَسَّى بِإِخْوَانِكَ المُرْسَلِينَ. وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ، المُشْتَمِلَةِ عَلَى قَصَصِ الأَنْبِيَاءِ، وَتَفَاصِيلِ مَا جَرَى لَهُمْ مَعْ أَقْوَامِهِمْ، القَصَصُ الحَقُّ، وَالنَّبَأُ الصِّدْقُ، وَالمَوْعِظَةُ التِي يَرْتَدِعُ بِهَا الكَافِرُونَ، وَيَتَذَكَّرُ بِهَا المُؤْمِنُونَ.

стр. 1595

﴿عَامِلُونَ﴾ (١٢١) - يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ ﷺ بِأَنْ يَقُولَ - عَلَى وَجْهِ التَّهْدِيدِ وَالوَعِيدِ - لِلَّذِينَ أَصَرُّوا عَلَى الكُفْرِ وَالاسْتِكْبَارِ: اعْمَلُوا عَلَى طَرِيقَتِكُمْ وَمَنْهَجِكُمْ، وَمَا هُوَ مُسْتَطَاعُكُمْ وَإِمْكَانُكُمْ (عَلَى مَكَانَتِكُمْ) ، وَإِنَّنَا سَنَعْمَلُ عَلَى طَرِيقَتِنَا وَمَنْهَجِنَا، وَمَا يُقَدِّرُهُ اللهُ لَنَا، وَنَحْنُ مَاضُونَ فِي طَرِيقِنَا، ثَابِتُونَ عَلَى عَمَلِنَا. مَكَانَتِكُمْ - طَرِيقَتِكُمْ، أَوْ غَايَةَ مَا يُمْكِنُكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ.

стр. 1596

(١٢٢) - وَانْتَظِرُوا، وَنَحْنُ مَعَكُمْ مُنْتَظِرُونَ، لِمَنْ تَكُونُ عَاقِبَةُ الدَّارِ. فَمِنْ سُنَّةِ اللهِ تَعَالَى أَنْ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ. وَقَدْ أَنْجَزَ اللهُ تَعَالَى وَعْدَهُ لِرَسُولِهِ ﷺ ، وَنَصَرَهُ وَأَيَّدَهُ، وَجَعَلَ كَلِمَةَ اللهُ العُلْيا، وَكَلِمَةَ الذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى.

стр. 1597

﴿السماوات﴾ ﴿بِغَافِلٍ﴾ (١٢٣) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُ وَحْدَهُ الذِي يَعْلَمُ الغَيْبَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَأَنَّ المَرْجِعَ وَالمَآبَ إِلَيْهِ، وَأَنَّهُ سَيُؤْتِي كُلَّ عَامِلٍ جَزَاءَ عَمَلِهِ يَوْمَ الحِسَابِ، فَلَهُ الخَلْقُ وَلَهُ الأَمْرُ كُلُّهُ. ثُمَّ يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ ﷺ بِعِبَادَتِهِ وَحْدَهُ وَالتَّوَكُّلُ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ كَافٍ مَنْ تَوَكَّلَ عَلَيهِ وَأَنَابَ إِلَيْهِ، وَيَقُولُ لَهُ: إِنَّهُ لاَ يَخْفَى عَلَى رَبِّكَ حَالُ مُكَذِّبِيكَ يَا مُحَمَّدُ، فَهُوَ عَالِمٌ، بِأَقْوَالِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ، وَسَيَجْزِيهِمْ عَلَى ذَلِكَ أَتَمَّ الجَزَاءِ، فِي الدُّنْيا وَالآخِرَةِ، وَسَيَنْصُرُكَ وَحِزْبَكَ عَلَيْهِمْ فِي الدُّنْيا وَالآخِرَةِ.

стр. 1598

﴿آيَاتُ﴾ ﴿الكتاب﴾ (١) - أَلِفْ، لَامْ رَا - وَتُقْرأُ مُقَطَّعَةً، كُلُّ حَرْفٍ عَلَى حِدَةٍ، اللهُ أَعْلَمُ بِمُرَادِهِ. هذِهِ الآيَاتُ هِيَ آيَاتُ القرآنِ (الكِتَابِ) الجَلِيِّ الوَاضِحِ، الذِي يُفصِحُ عَنِ الأَشْيَاءِ المُبْهَمَةِ مِنْ حَقَائِقِ الدِّينِ، وَأَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ وَيُفَسِّرُها، وَيُبَيِّنُها لِمَنْ يُريدُ أَنْ يِسْتَرْشِدَ بِهَا.

стр. 1599

﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ ﴿قُرْآناً﴾ (٢) - لَقَدْ أَنْزَلْنَا هَذَا القُرْآنِ بِاللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، لُغَةِ القَوْمِ الذِينَ أَنْزَلَ إِلَيْهِمْ، لِيَفْهَمُوهُ، وَيَتَدَبَّرُوهُ، وَيَعْقِلُوهُ.

стр. 1600

﴿القرآن﴾ ﴿الغافلين﴾ (٣) - قَالَ بَعْضُ المُؤْمِنِينَ: يَا رَسُولَ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْكَ وَسَلَّمَ، لَوْ قَصَصْتَ عَلَينا؟ فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ هذِهِ الآيَةَ فِيهَا عَلَى أَحْسَنِ القَصَصِ، مِمَّا يَحْوِيهِ القُرْآنُ مِنْ قَصَصِ الأَنْبِيَاءِ الكِرَامِ، وَمِنْ أَخْبَارِ الأُمَمِ السَّالِفَةِ، وَمِنْ أَحْكَامِ الدِّينِ وَالإِيمَانِ بِاللهِ. . . وَقَدْ كُنْتَ يَا مُحَمَّدُ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ إِليكَ هذا القُرَآنُ فِي زُمْرَةِ الغَافِلِينَ عَنْهُ مِنْ قَوْمِكَ الأُمِّيِّينَ. نَقُصُّ عَلَيْكَ - نُحَدِّثُكَ، أَوْ نُبَيِّنُ لَكَ يَا مُحَمَّدُ.

стр. 1601

﴿ياأبت﴾ ﴿سَاجِدِينَ﴾ (٤) - اذْكُرْ، يَا مُحَمَّدُ، لِقَوْمِكَ فِي قَصَصِكَ عَلَيْهِمْ، قِصَّةَ يُوسُفَ إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يَعْقُوبَ، ﵉، إِنِّي رَأَيْتُ فِي مَنَامِي أَنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ وَأَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً تَسْجُدُ لِي. فَفَسَّرَهَا يَعْقُوبُ أَنَّ ابْنَهُ يُوسُفَ سَيَحْتَلُّ مَرْكَزاً رَفِيعاً مَرْمُوقاً، وَأَنَّهُ وَزَوْجَتَهُ أُمَّ يُوسُفَ، وَإِخْوَتِهِ الأَحَدَ عَشَرَ، سَيَكُونُونَ مِمَّنْ يُعَظِّمُونَ مَرْكَزَهُ تَعْظِيماً زَائِداً، حَتَّى لَيَصِلُوا إِلَى حَدِّ السُّجُودِ لَهُ إِجْلاَلاً وَاحْتِرَاماً.

стр. 1602

﴿يابني﴾ ﴿رُؤْيَاكَ﴾ ﴿الشيطان﴾ ﴿لِلإِنْسَانِ﴾ (٥) - فَخَشِيَ يَعْقُوبُ أَنْ يُحَدِّثَ يُوسُفُ أَحَداً مِنْ إِخْوَتِهِ لأَبِيهِ بِرُؤْيَاهُ هذِهِ فَيَحْسِدُوهُ عَلَيْهَا، وَيَأَخْذُوا فِي الكَيْدِ لَهُ لإِهْلاَكِهِ، لِذَلِكَ طَلَبَ إِلَيْهِ أَنْ لاَ يَقُصَّ عَلَى أَحَدٍ مِنْ إِخْوَتِهِ شَيْئاً مِنْ رُؤْيَاهُ، مَخَافَةَ أَنْ يُغْرِيَهُمُ الشَّيْطَانُ بِالإِسَاءَةِ إِلَيْهِ، لأنَّ الشَّيْطَانِ عَدُوٌّ لِلإِنْسَانِ، بَيْنَ العَدَاوَةِ وَوَاضِحُها.

стр. 1603

﴿آلِ﴾ ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ ﴿إِسْحَاقَ﴾ (٦) - وَكَمَا اخْتَارَكَ اللهُ رَبُّكَ وَأَرَاكَ هذِهِ الكَواكِبَ سَاجِدَةً مَعَ الشَّمْسِ والقَمَرِ، كَذَلِكَ يَخْتَارُكَ رَبُّكَ وَيَصْطَفِيكَ لِلنُّبُوَّةِ (يَجْتَبِيكَ) ، وَيُعَلِّمُكَ تَعْبِيرَ الرُّؤْيَا (تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ) ، وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ، وَيَجْعَلُكَ رَسُولاً بِالإِيحَاءِ إِلَيْكَ، كَمَا أَتَمَّ نِعْمَتَهُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ أَبَوَيْكَ، إِنَّ رَبَّكَ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ، وَهُوَ حَكِيمٌ فِي تَدْبِيرِهِ. يَجْتَبِيكَ - يَصْطَفِيكَ لأُمُورٍ عِظَامٍ. تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ - تَعْبِيرِ الرُّؤْيا وَتَفْسِيرِهَا.

стр. 1604

﴿آيَاتٌ﴾ ﴿لِّلسَّائِلِينَ﴾ (٧) - لَقَدْ كَانَ فِي قِصَّةِ يُوسُفَ، وَخَبَرِهِ مَعَ إِخْوَتِهِ لأَبِيهِ، عِبْرَةٌ دَالَّةٌ عَلَى قُدْرَةِ اللهِ، وَعَظِيمِ حِكْمَتِهِ، وَتَوْفِيقِ أَقْدَارِهِ، وَلُطْفِهِ بِمَنِ اصْطَفَى مِنْ عِبَادِهِ، وَعِظَةُ لِلسَّائِلِينَ عَنْ ذَلِكَ (آيَاتٌ) لأَنَّهُ خَبَرٌ عَجِيبٌ، يَسْتَحِقُّ أَنْ يُرْوَى، وَيُخْبَرَ عَنْهُ.

стр. 1605

﴿ضَلاَلٍ﴾ (٨) - إِذْ قَالَ إِخْوَةُ يُوسُفَ لأَبِيهِ، فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَهُمْ عَشَرَةُ رِجَالٍ، إِنَّ يُوسُفَ وَأَخَاهُ لأُمِّهِ وَأَبِيهِ، أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا، وَنَحْنُ أَنْفَعُ لَهُ مِنْهُمَا لأَنَّنَا جَمَاعَةُ كَبِيرَةُ العَدَدِ (عُصْبَةٌ) ، وَإِنَّ أَبَانَا لَعَلَى خَطَأٍ وَاضِحٍ فِي تَفْضِيلِ هَذِينِ الأَخَوَيْنِ، وَتَقْدِيمِهِمَا عَلَيْنَا، وَقَدْ ضَلَّ طَرِيقَ العَدَالَةِ وَالمُسَاوَاةِ ضَلاَلاً مُبِيناً لاَ يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ، فَكَيْفَ يُفَضِّلُ غُلاَمِينِ ضَعِيفَيْنِ لاَ يَقُومَانِ بِخِدْمَةٍ نَافِعَةٍ، عَلَى العُصْبَةِ أُولي القُوَّةِ وَالبَأْسِ؟ نَحْنُ عُصْبَةٌ - نَحْنُ جَمَاعَةٌ كَبِيرَةُ العَدَدِ، كُفَاة لِلقِيَامِ بِمَا يَأْمُرُنَا بِهِ أَبُونَا. ضَلالٍ مُبِينٍ - خَطَأِ بَيِّنٍ فِي إِيثَارِهِمَا عَلَيْنَا.

стр. 1606

﴿صَالِحِينَ﴾ (٩) - فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: إِنَّ يُوسُفَ يُزَاحِمُكُمْ فِي حُبِّ أَبِيكُمْ لَكُمْ، فَأَبْعِدُوهُ عَنْ وَجْهِهِ لِيَخْلُو لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَحْدَكُمْ، إِمَّا بِقَتْلِهِ، وَإِمَّا بِطَرْحِهِ فِي أَرْضٍ أُخْرَى. وَبَعْدَ أَنْ تَزَيلُوا يُوسُفَ - الذِي يَقِفُ حَائِلاً دُونَ مَحَبَّةِ أَبِيكُمْ، تَتُوبُونَ إِلَى اللهِ، وَتَنْصَلِحُ الأُمُورُ، وَتَكُونُونَ قَوْماً صَالِحِينَ. اطْرَحُوهُ أَرْضاً - أَلْقُوهُ فِي أَرْضٍ بَعِيدَةٍ عَنْ أَبِيهِ. يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ - يَخْلُصُ لَكُمْ حُبُّ أَبِيكُمْ وَإِقْبَالُهُ عَلَيْكُمْ.

стр. 1607

﴿قَآئِلٌ﴾ ﴿غَيَابَةِ﴾ ﴿فَاعِلِينَ﴾ (١٠) - فَقَالَ أَحَدُهُمْ، لاَ تَبْلُغُوا فِي كُرْهِكُمْ يُوسُفَ حَدَّ القَتْلِ، وَاكْتَفُوا بِإِلْقَائِهِ فِي أَعْمَاقِ بِئْرٍ (غَيَابَةِ الجُبِّ) ، فَتَمُرُّ قَافِلَةٌ مِنَ المُسَافِرِينَ، مِمَّنْ أَلِفُوا الاسْتِقَاءَ مِنْ هذِهِ البِئْرِ، فَتَلْتَقِطُهُ، وَتَأْخُذُهُ بَعِيداً، فَتَرْتَاحُونَ مِنْهُ بِدُونِ ارْتِكَابِ جَرِيمَةِ قَتْلِ أَخِيكُمْ، هَذَا إِنْ كُنْتُمْ مُصِرِّينَ عَلَى أَنْ تَفْعَلُوا ذَلِكَ. وَبِمَا أَنَّ مَشِيئَةَ اللهِ قَضَتْ بِأَنْ يَكُونَ يُوسُفُ ذَا شَأْنٍ عَظِيمٍ فَقَدْ قَبِلَ الآخَرُونَ الاقْتِرَاحَ، لِيَبْلُغَ الكِتَابُ أَجَلَهُ. غَيَابَةِ الجُبِّ - مَا غَابَ وَأَظْلَمَ مِنْ قَعْرِ الجُبِّ. السَّيَّارَةِ - المُسَافِرِينَ.

стр. 1608

﴿ياأبانا﴾ ﴿لَنَاصِحُونَ﴾ (١١) - وَبَعْدَ أَنِ اتَّفَقُوا عَلَى الخُطَّةِ، جَاؤُوا إلى أبِيهِمْ يَعْقُوبَ، ﵇، يَسْأَلُونَهُ أَنْ يَعْهَدَ إِلَيهِمْ بِأَخِيهِمْ يُوسفُ، لِيُنَفِّذُوا فِيهِ مَا اسْتَقَرَّ عَلَيهِ رَأْيُهُمْ مِنْ إِلْقَائِهِ فِي البِئْرِ، وَهُمْ يَتَطَاهَرُونَ بِالنُّصْحِ وَالمَحَبَّةِ لأَخِيهِمْ يُوسُفَ.

стр. 1609

﴿لَحَافِظُونَ﴾ (١٢) - وَقَالُوا لأَبِيهِمْ: لِمَاذَا لاَ تَأَمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَنَحْنُ لَهُ نَاصِحُونَ؟ أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَداً إِلَى البَرِّيَّةِ لِيَسْتَمْتِعَ بِرِفْقَتِنَا وَيَلْعَبَ، وَإِنَّنَا نَتَكَفّّلُ بِحِفْظِهِ وَرِعَايَتِهِ. يَرْتَعْ - يَتَّسِعْ فِي أَكْلِ مَا لَذَّ وَطَابَ. يَلْعَبْ - يُسَابِقْ وَيَرْمِ بِالسِّهَامِ.

стр. 1610

﴿غَافِلُونَ﴾ (١٣) - قَالَ يَعْقُوبُ لِبَنِيهِ: إِنَّهُ لَيَشُقُّ عَلَيْهِ مُفَارَقَةُ يُوسُفَ مُدًَّةَ ذَهَابِهِمْ بِهِ لِلرَّعْيِ لِفَرْطِ تَعَلُّقِهِ بِهِ، وَلِمَا يَتَوَسَّمُهُ فِيهِ مِنَ الخَيْرِ العَظِيمِ، ثُمَّ إِنَّهُ يَخْشَى أَنْ يَنْشَغِلُوا عَنْهُ فَيَأَتِيَهُ الذِئْبُ وَيَأْكُلَهُ، وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ.

стр. 1611

﴿لَئِنْ﴾ ﴿لَّخَاسِرُونَ﴾ (١٤) - فَرَدُّوا عَلَى أَبِيهِمْ قَائِلِينَ: إِنَّهُمْ عُصْبَةٌ وَافِرَةُ العَدَدِ، فَإِذَا تَمَكَّنَ الذِئْبُ مِنْ أَكْلِ أَخِيهِمْ يُوسُفَ وَهُوَ فِي حِرَاسَتِهِمْ فَإِنَّهُمْ يَكُونُونَ خَاسِرِينَ عَاجِزِينَ لاَ غَنَاءَ فِيهِمْ.

стр. 1612

﴿غيابت﴾ (١٥) - فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ بَعِيداً عَنْ أَبِيهِ، وَعَزَمُوا عَزْماً أَكِيداً عَلَى أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الجُبِّ، أَتَوْا بِهِ إِلَى البِئْرِ، فَرَبَطُوهُ بِحَبْلٍ، وَدَلَّوْهُ فِيهَا إِلَى قَاعِهِا (غَيَابَةِ الجُبِّ) . وَيَقُولُ تَعَالَى إِنَّهُ أَوْحَى، وَحْيَ إِلْهَامٍ، إِلَى يُوسُفَ، وَهُوَ فِي تِلْكَ الحَالِ مِنَ الكَرْبِ وَالضِّيقِ، تَطْيِّيباً لِقَلْبِهِ، وَتَثْبِيتاً لَهُ: أَنْ لاَ تَحْزَنْ مِمَّا أَنْتَ فِيهِ مِنَ الكَرْبِ وَالشِّدَّةِ، فَإِنَّ لَكَ مِنْ ذَلِكَ مَخْرَجاً حَسَناً، وَسَيَنْصُرُكَ اللهُ، وَيُعْلِي قَدْرَكَ، وَيَرْفَعُكَ دَرَجَةً، وَسَتُخْبِرُ إِخْوَتَكَ بِمَا فَعَلُوا مَعَكَ مِنْ سُوءِ الصَّنِيعِ، وَهُمْ لاَ يَعْرِفُونَكَ، وَلاَ يَشْعُرُونَ بِكَ، لأَنَّهُمْ ظَنُّوا أَنَّهُمْ تَخَلَّصُوا مِنْكَ. أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ - عَزِمُوا وَصَمَّمُوا.

стр. 1613

﴿وجآءوا﴾ (١٦) - وَبَعْدَ أَنْ أَلْقَوْا يُوسُفَ فِي الجُبِّ رَجَعُوا فِي ظُلْمَةِ الليْلِ، وَقْتَ العِشَاءِ، إِلَى أَبِيهِمْ وَهُمْ يَبْكُونَ وَيُظْهِرُونَ الجَزَعَ وَالحُزْنَ عَلَى يُوسُفَ.

стр. 1614

﴿ياأبانآ﴾ ﴿مَتَاعِنَا﴾ ﴿صَادِقِينَ﴾ (١٧) - وَقَالُوا لأَبِيهِمْ مُعْتَذِرِينَ عَمَّا وَقَعَ: إِنَّهُمْ ذَهَبُوا يَتَسَابَقُونَ فِي الرَّمِي، وَتَرَكُوا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِهِمْ لِيَحْرُسَهُ، فَأَكَلَهُ الذِئْبُ، ثُمَّ قَالُوا لَهُ: إِنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّكَ لاَ تُصَدِّقُنا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ فِيمَا نَقُولُ، فَكَيْفَ وَأَنْتَ تَتَّهِمُنَا فِي ذَلِكَ، لأَنَّكَ خَشِيتَ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِئْبُ فَأَكَلَهُ، فَأَنْتَ مَعْذُورٌ فِي تَكْذِيبِكَ إِيَّانَا. نَسْتَبِقُ - نَنْتَضِلُ بِالسِّهَامِ. مَتَاعِنَا - ثِيَابِنَا وَعُدَّتِنَا.

стр. 1615

﴿وَجَآءُوا﴾ (١٨) - وَيُقَالُ إِنَّ إِخْوَةَ يُوسُفَ عَمَدُوا إِلَى جَدْيٍ فَذَبَحُوهُ، وَلَطَّخُوا بِدَمِهِ ثِيَابَ يُوسُفَ التِي حَمَلُوهَا إِلَى أَبِيهِمْ لِيُوهِمُوهُ أَنَّ هذا هُوَ قَمِيصُهُ الذِي أَكَلَهُ الذِئْبُ وَهُوَ يَلْبِسُهُ. وَيُقَالُ إِنَّ إِخْوَةَ يُوسُفَ نَسُوا أَنْ يَخْرِقُوا القَمِيصَ، لأنَّ الذِئْبَ لَوْ أَكَلَهُ لَمَزَّقَ ثِيَابَهُ. وَلاَحَظَ نَبِيُّ اللهِ يَعْقُوبُ ذَلِكَ، فَأَدْرَكَ أَنَّ أَوْلاَدَهُ كَاذِبُونَ، فَقَالَ لَهُمْ مُكَذِّباً: بَلْ حَسَّنَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرَ الجَرِيمَةِ، وَسَهَّلَتْهُ عَلَيْكُمْ، فَارْتَكَبْتُمْ أَمْراً مُنْكَراً، فَسَأَصْبِرُ صَبْراً جَمِيلاً لاَ شَكْوَى فِيهِ عَلَى مَا اتَّفَقْتُمْ عَلَيْهِ، حَتَّى يُفَرَّجَهُ اللهُ بِكَرَمِهِ وَمِنِّهِ، وَاللهُ المُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَذْكُرُونَ مِنَ الكَذِبِ وَالبُهْتَانِ. سَوَّلَتْ لَكُمْ - زَيََّنَتْهُ لَكُمْ وَسَهَّلَتِ ارْتِكَابَهُ عَلَيْكُمْ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ - لاَ شَكْوَى فِيهِ لِغَيْرِ اللهِ تَعَالَى. مَا تَصِفُونَ - مَا تَذْكُرُونَ مِنَ الكَذِبِ وَالبُهْتَانِ.
следующие страницы →