← Тафсир

Тафсир · id 1787

أيسر التفاسير لأسعد حومد

أسعد حومد

Полный текст (6 113 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

﴿لَئِنْ﴾ ﴿لَّخَاسِرُونَ﴾ (١٤) - فَرَدُّوا عَلَى أَبِيهِمْ قَائِلِينَ: إِنَّهُمْ عُصْبَةٌ وَافِرَةُ العَدَدِ، فَإِذَا تَمَكَّنَ الذِئْبُ مِنْ أَكْلِ أَخِيهِمْ يُوسُفَ وَهُوَ فِي حِرَاسَتِهِمْ فَإِنَّهُمْ يَكُونُونَ خَاسِرِينَ عَاجِزِينَ لاَ غَنَاءَ فِيهِمْ.

стр. 1612

﴿غيابت﴾ (١٥) - فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ بَعِيداً عَنْ أَبِيهِ، وَعَزَمُوا عَزْماً أَكِيداً عَلَى أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الجُبِّ، أَتَوْا بِهِ إِلَى البِئْرِ، فَرَبَطُوهُ بِحَبْلٍ، وَدَلَّوْهُ فِيهَا إِلَى قَاعِهِا (غَيَابَةِ الجُبِّ) . وَيَقُولُ تَعَالَى إِنَّهُ أَوْحَى، وَحْيَ إِلْهَامٍ، إِلَى يُوسُفَ، وَهُوَ فِي تِلْكَ الحَالِ مِنَ الكَرْبِ وَالضِّيقِ، تَطْيِّيباً لِقَلْبِهِ، وَتَثْبِيتاً لَهُ: أَنْ لاَ تَحْزَنْ مِمَّا أَنْتَ فِيهِ مِنَ الكَرْبِ وَالشِّدَّةِ، فَإِنَّ لَكَ مِنْ ذَلِكَ مَخْرَجاً حَسَناً، وَسَيَنْصُرُكَ اللهُ، وَيُعْلِي قَدْرَكَ، وَيَرْفَعُكَ دَرَجَةً، وَسَتُخْبِرُ إِخْوَتَكَ بِمَا فَعَلُوا مَعَكَ مِنْ سُوءِ الصَّنِيعِ، وَهُمْ لاَ يَعْرِفُونَكَ، وَلاَ يَشْعُرُونَ بِكَ، لأَنَّهُمْ ظَنُّوا أَنَّهُمْ تَخَلَّصُوا مِنْكَ. أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ - عَزِمُوا وَصَمَّمُوا.

стр. 1613

﴿وجآءوا﴾ (١٦) - وَبَعْدَ أَنْ أَلْقَوْا يُوسُفَ فِي الجُبِّ رَجَعُوا فِي ظُلْمَةِ الليْلِ، وَقْتَ العِشَاءِ، إِلَى أَبِيهِمْ وَهُمْ يَبْكُونَ وَيُظْهِرُونَ الجَزَعَ وَالحُزْنَ عَلَى يُوسُفَ.

стр. 1614

﴿ياأبانآ﴾ ﴿مَتَاعِنَا﴾ ﴿صَادِقِينَ﴾ (١٧) - وَقَالُوا لأَبِيهِمْ مُعْتَذِرِينَ عَمَّا وَقَعَ: إِنَّهُمْ ذَهَبُوا يَتَسَابَقُونَ فِي الرَّمِي، وَتَرَكُوا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِهِمْ لِيَحْرُسَهُ، فَأَكَلَهُ الذِئْبُ، ثُمَّ قَالُوا لَهُ: إِنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّكَ لاَ تُصَدِّقُنا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ فِيمَا نَقُولُ، فَكَيْفَ وَأَنْتَ تَتَّهِمُنَا فِي ذَلِكَ، لأَنَّكَ خَشِيتَ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِئْبُ فَأَكَلَهُ، فَأَنْتَ مَعْذُورٌ فِي تَكْذِيبِكَ إِيَّانَا. نَسْتَبِقُ - نَنْتَضِلُ بِالسِّهَامِ. مَتَاعِنَا - ثِيَابِنَا وَعُدَّتِنَا.

стр. 1615

﴿وَجَآءُوا﴾ (١٨) - وَيُقَالُ إِنَّ إِخْوَةَ يُوسُفَ عَمَدُوا إِلَى جَدْيٍ فَذَبَحُوهُ، وَلَطَّخُوا بِدَمِهِ ثِيَابَ يُوسُفَ التِي حَمَلُوهَا إِلَى أَبِيهِمْ لِيُوهِمُوهُ أَنَّ هذا هُوَ قَمِيصُهُ الذِي أَكَلَهُ الذِئْبُ وَهُوَ يَلْبِسُهُ. وَيُقَالُ إِنَّ إِخْوَةَ يُوسُفَ نَسُوا أَنْ يَخْرِقُوا القَمِيصَ، لأنَّ الذِئْبَ لَوْ أَكَلَهُ لَمَزَّقَ ثِيَابَهُ. وَلاَحَظَ نَبِيُّ اللهِ يَعْقُوبُ ذَلِكَ، فَأَدْرَكَ أَنَّ أَوْلاَدَهُ كَاذِبُونَ، فَقَالَ لَهُمْ مُكَذِّباً: بَلْ حَسَّنَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرَ الجَرِيمَةِ، وَسَهَّلَتْهُ عَلَيْكُمْ، فَارْتَكَبْتُمْ أَمْراً مُنْكَراً، فَسَأَصْبِرُ صَبْراً جَمِيلاً لاَ شَكْوَى فِيهِ عَلَى مَا اتَّفَقْتُمْ عَلَيْهِ، حَتَّى يُفَرَّجَهُ اللهُ بِكَرَمِهِ وَمِنِّهِ، وَاللهُ المُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَذْكُرُونَ مِنَ الكَذِبِ وَالبُهْتَانِ. سَوَّلَتْ لَكُمْ - زَيََّنَتْهُ لَكُمْ وَسَهَّلَتِ ارْتِكَابَهُ عَلَيْكُمْ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ - لاَ شَكْوَى فِيهِ لِغَيْرِ اللهِ تَعَالَى. مَا تَصِفُونَ - مَا تَذْكُرُونَ مِنَ الكَذِبِ وَالبُهْتَانِ.

стр. 1616

﴿يابشرى﴾ ﴿غُلاَمٌ﴾ ﴿بِضَاعَةً﴾ (١٩) - وَمَرَّتْ بِالبِئْرِ قَافِلَةٌ (سَيَّارَةٌ) مُجْتَازَةٌ فَأَرْسَلُوا رَجُلاً مِنْهُمْ إِلَى البِئْرِ لِيَسْتَقِي لَهُمُ المَاءَ، فَأَدْلَى دَلْوَهُ فِي البِئْرِ، فَتَعَلَّقَ يُوسُفُ بِالدَّلْوِ، فَأَخْرَجَهُ الرَّجُلُ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الوَارِدِينَ عَلَى المَاءِ، وَاسْتَبْشَرُوا بِرِؤْيَتِهِ، وَعَادُوا إِلَى القَافِلَةِ بِهِ، وَقَالُوا لِمَنْ مَعَهُمْ إِنَّهُمْ اشْتَرَوْهُ مِنْ وَارِدِينَ عَلَى المَاءِ لِكَيْلاَ يُشَارِكُهُمُ الآخَرُونَ مِنْ رِفَاقِهِمْ فِي القَافِلَةِ فِيهِ إِنْ عَلِمُوا حَقِيقَةَ خَبَرِهِ. وَأَخْفَوْهُ عَنْ أَعْيُنِ النَّاسِ لِكَيْلاَ يَدَّعِيهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ المَكَانْ، لِيَكُونَ بِضَاعَةً مِنْ جُمْلَةِ تِجَارَتِهِمْ، وَاللهُ يَعْلَمُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ. (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ إِخْوَةَ يُوسُفَ كَانُوا يُرَاقِبُونَ البِئْرَ لِيَعْلَمُوا مَا الذِي سَيَكُونُ عَلَيهِ حَالُ يُوسُفَ، وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَذَكَرُوا خَبَرَهُ لِوَارِدِها، فَنَادَى أَصْحَابَهُ وَقَالَ: يَا بُشْرَى هَذا غُلاَمٌ يُبَاعُ، فَبَاعَهُ إِخْوَتُهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ قَلِيلٍ إِلَى وَارِدِ السَّيَّارَةِ، وَلَمْ يَقُولُوا إِنَّهُ أَخُوْهُمْ، وَلَمْ يَقُلْ هُوَ إِنَّهُمْ إِخْوَتُهُ، مُفَضِّلاً الرِّقَّ وَالبَيْعَ عَلَى أَنْ يَقْتُلَهُ إٍخْوَتُهُ، وَكَانَ الإِخْوَةُ مِنَ الزَّاهِدِينَ فِي يُوسُفَ وَلَوْ سَأَلَهُمْ أَحَدٌ أَنْ يُعْطُوهُ إِيَّاهُ بِغَيْرِ ثَمَنٍ لَفَعَلُوا) . سَيَّارَةٌ - رِفْقَةٌ مُسَافِرُونَ مِنْ مَدْيَنَ إِلَى مِصْرَ. فَأَدْلَى دَلْوَهُ - فَأَرْسَلَ دَلْوَهُ فِي الجُبِّ. أَسَرُّوهُ بِضَاعَةً - أَخْفَاهُ الوَارِدُ عَنْ أَصْحَابِهِ فِي القَافِلَةِ، أَوْ أَخْفَى إٍخْوَتُهُ أَمْرَهُ لِيَكُونَ مَتَاعاً لِلتِّجَارَةِ (بِضَاعَةً) .

стр. 1617

﴿دَرَاهِمَ﴾ ﴿الزاهدين﴾ (٢٠) - وَبَاعَهُ رِجَالُ السَّيَّارَةِ فِي مِصْرَ بِثَمَنٍ بَخْسٍ قَلِيلٍ نَاقِصٍ، عَنْ ثَمَنِهِ الحَقِيقِي، وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ دَرَاهِمَ مَعْدُودَاتٍ (وَكَانُوا قَدِيماً يَعُدُّونَ ثَمَنَ مَا يَشْتَرُونَ عَدّاً إِذَا لَمْ يَبْلُغِ المَبْلَغُ الأُوِقِيَّةَ - أَيْ أَرْبَعِينَ دِرْهَماً - أَمَّا إِذَا جَاوَزَ المَبْلَغُ الأَرْبَعِينَ دِرْهَماً فَكَانُوا يَدْفَعُونَهُ بِالمِيزَانِ) . وَكَانَ الذِينَ بَاعُوهُ يَرْغَبُونَ فِي الخَلاَصِ مِنْهُ لِئَلاَّ يَظْهَرَ مَنْ يُطَالِبُهُمْ بِهِ، لأَنَّهُ حُرٌّ، وَلِذَلِكَ قَنَعُوا بِالثَّمَنِ البَخْسِ. شَرَوْهُ - بَاعُوهُ. بِثَمَنٍ بَخْسٍ - نَاقِصٍ عَنِ القِيمَةِ نَقْصاً ظَاهِراً.

стр. 1618

﴿اشتراه﴾ ﴿مَثْوَاهُ﴾ (٢١) - يَقُولُ تَعَالَى: إِنَّ السَّيَّارَةِ بَاعَتْ يُوسُفَ لِرَجُلٍ مِنْ مِصْرَ (هُوَ عَزِيزُهَا أَو الوَزِيرِ الأَوَّلِ فِيهَا) فَأَكْرَمَهُ هَذا الرَّجُلِ، مُتَوًّسِماً فِيهِ الخَيْرَ، وَأَوْصَى أَهْلَهُ بِهِ. وَهَكَذَا مَكَّنَ اللهُ لِيُوسُفَ فِي أَرْضِ مِصْرَ، وَعَلَّمَهُ تَعْبِيرُ الرُّؤْيَا (تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ) ، وَاللهُ إِذَا أَرَادَ أَمْراً فَلاَ يُرَدُّ وَلاَ يُمَانَعُ، بَلْ هُوَ الغَالِبُ لِمَا سِوَاهُ، وَالفَعَّالُ لِمَا يَشَاءُ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ حِكْمَتَهُ فِي خَلْقِهِ، وَتَلَطُّفُهُ فِي فِعْلِهِ مَا يُرِيدُ. أَكْرِمِي مَثْوَاهُ - اجْعَلِي مَحَلَّ إِقَامَتِهِ كَرِيماً مُرْضِياً. غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ - لاَ يَقْهَرُهُ شَيْءٌ وَلاَ يَدْفَعُهُ عَنْهُ أَحَدٌ.

стр. 1619

﴿آتَيْنَاهُ﴾ (٢٢) - وَلَمَّا اسْتَكْمَلَ يُوسُفُ عَقْلَهُ، وَتَمَّ خَلْقُهُ (بَلَغَ أَشُدَّهُ) ، آتَاهُ اللهُ النُّبُوَّةَ (حُكْماً وَعِلْماً) ، وَحَبَاهُ بِهَا، مِنْ بَيْنِ أُولئِكَ القَوْمِ، فَقَدْ كَانَ ﵇ مُحْسِناً فِي عَمَلِهِ، عَامِلاً بِطَاعَةِ رَبِّهِ، وَكَذَلِكَ يَجْزِي اللهُ المُحْسِنِينَ. بَلَغَ أَشُدَّهُ - بَلَغَ مُنْتَهَى قُوَّةِ جِسْمِهِ.

стр. 1620

﴿وَرَاوَدَتْهُ﴾ ﴿الأبواب﴾ ﴿الظالمون﴾ (٢٣) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عَنْ مُحَاوَلَةِ امْرَأَةِ العَزِيزِ - التِي أَوْصَاهَا زَوْجُهَا بِيُوسُفَ - اسْتِغَوَاءَهُ، وَطَلَبِهَا مِنْهُ فِعْلَ الفَاحِشَةَ، بَعْدَ أَنْ أَحَبَّتْهُ حُبّاً شَدِيداً، لِجَمَالِهِ وَبَهَائِهِ، فَحَمَلَهَا ذَلِكَ عَلَى أَنْ تَجَمَّلَتْ لَهُ ذَاتَ يَوْمٍ وَأَغْلَقَتِ الأَبْوَابَ، وَدَعَتْهُ إِلَى نَفْسِهَا، قَائِلَةً لَهُ: (هِيتَ لَكَ - أَيْ هَلُمَّ إِلَيَّ) ، فَامْتَنَعَ يُوسُفُ عَنِ الاسْتِجَابَةِ إِلَيْهَا، وَقَالَ لَهَا إِنَّ بَعْلَكِ هُوَ سَيِّدُ البَيْتِ الذِي أُقِيمُ فِيهِ (رَبِّي) ، وَقَدْ أَحْسَنَ إِلَيَّ، فَلاَ يَنْبَغِي لِي أَنْ أُقَابِلَهُ عَلَى ذَلِكَ بِفِعِلِ الفَاحِشَةِ مَعْ أَهْلِهِ. وَالظَّالِمُونَ النَّاكِرُونَ لِلْجَمِيلِ لاَ يُفْلِحُونَ أَبَدَاً. رَاوَدَتْهُ - تَمَحَّلَتْ لِمُوَاقَعَتِهِ إِيَّاهَا. هِيتَ لَكَ - هَلُمَّ إِلَيَّ، أَسْرِعْ. مَعَاذَ اللهِ - أَعُوذُ بِاللهِ مِمَّا دَعَوْتَنِي إِلَيْهِ.

стр. 1621

﴿رَّأَى﴾ (٢٤) - وَيَقُولُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إِنَّ نَفْسَ يُوسُفَ حَدَّثَتْهُ بِالمَرْأَةِ فَرَأَى شَيْئاً مِنْ آيَاتِ اللهِ أَعَادَهُ إِلَى عَقْلِهِ، وَتَرَاجَعَ عَمَّا هَمَّتْ بِهِ نَفْسُهُ، وَبِذَلِكَ صَرَفَ اللهُ عَنهُ السُّوءَ، وَعَمَلَ الفَاحِشَةِ، لأَنَّهُ مِنْ عِبَادِ اللهِ المُخْلَصِينَ. (وَاخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ حَوْلَ الآيَاتِ التِي رَآهَا يُوسُفُ فَأَيْقَظَتْهُ، فَقِيلَ إِنَّهُ رَأَى صُورَةَ أَبِيهِ يَعْقُوبَ يُحَذِّرُهُ، وَقِيلَ إِنَّهُ رَأَى صُورَةَ رَبِّ البَيْتِ، وَقِيلَ أَيْضاً إِنَّهُ رَأَى بَعْضَ آيَاتِ اللهِ مَكْتُوباً عَلَى الجِدَارِ. . .) . وَلكِنَّ أَكْثَرَ المُفَسِّرِينَ عَلَى أَنَّ يُوسُفَ لَمْ يَقَعْ مِنْهُ هَمٌّ بِهَا وَيَسْتَدِلُّونَ عَلَى مَا يَذْهَبُونَ إِلَيهِ مِنِ اسْتِعْمَالِ النَّصِّ (لَوْلا) التِي هِيَ فِي اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ بُرْهَانَ رَبَّهُ لَهَمَّ بِهَا، فَوُجُودُ الهَمِّ مِنْهُ يَقُومُ عَلَى انْتِفَاءِ رُؤْيَةِ البُرْهَانِ وَلكِنْ وُجِدَتْ رُؤْيَةُ البُرْهَانِ فَانْتَفَى الهّمُّ مِنْ جَانِبِهِ) . وَقَدْ بَرَّأَ اللهُ يُوسُفَ، ﵇، فِي الآيةِ وَقَالَ إِنَّهُ صَرَفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالفَحْشَاءَ لأَنَّهُ مِنْ عِبَادِ اللهِ الذِينَ أَخْلَصَهُمْ رَبُّهُمْ لِطَاعَتِهِ عَنْ فِعْلِ مَا يَشِينُهُمْ مِنَ المَعَاصِي.

стр. 1622

﴿لَدَى﴾ (٢٥) - وَهَرَبَ يُوسُفُ مِنَ المَرْأَةِ نَحْوَ البَابِ لِيَنْجُوَ بِنَفْسِهِ مِنْهَا، فَلَحِقَتْ بِهِ لِتُرْجِعَهُ إِلَيْهَا، وَأَمْسَكَتْ بِهِ مِنْ قَمِيصِهِ مِنْ خَلْفِهِ فَقَدَّتْهُ وَمَزَّقَتْهُ، وَوَجَدَا (أَلْفَيَا) زَوْجَ المَرْأَةِ عِنْدَ البَابِ، فَأَرَادَتْ أَنْ تَخْرُجَ مِنْ هَذا المَوْقِفِ المُحْرِجِ بِكَيْدِهَا وَمَكْرِهَا، فَاتَّهَمَتْ يُوسُفَ بِأَنَّهُ رَاوَدَهَا عَنْ نَفْسِهَا، فَقَالَتْ لِزَوْجِهَا: مَا جَزَاءُ الذِي يُرِيدُ بِزَوْجَتِكَ السُّوءَ وَالفَاحِشَةَ، إِلاَّ أَنْ يُسْجَنَ فِي السِّجْنِ، أَوْ أَنْ يُوقَعَ عَلَيْهِ عَذَابٌ أَلِيمٌ، عُقُوبَةً لَهُ عَلَى مَا جَنَتْهُ يَدَاهُ؟ اسْتَبَقَا البَابَ - تَسَابَقَا إِلَيْهِ هُوَ يُرِيدُ الخُرُوجَ وَهِيَ تُرِيدُ مَنْعَهُ. قَدَّتْ قَمِيصَهُ - مَزَّقَتْهُ وَشَقَّتْهُ. أَلْفَيَا سَيِّدَهَا - وَجَدَا زَوْجَهَا.

стр. 1623

﴿رَاوَدَتْنِي﴾ ﴿الكَاذِبِينَ﴾ (٢٦) - فَتَبَرَّأَ يُوسُفُ مِنَ التُّهْمَةِ التِي رَمَتْهُ بِهَا المَرْأَةُ مِنْ مُرَاوَدَتِهِ إِيَّاهَا عَنْ نَفْسِهَا، وَقَالَ: هِيَ التِي رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي، وَطَلَبَتْنِي لِفِعْلِ الفَاحِشَةِ. ثُمَّ قَالَ: إِنَّهُ هَرَبَ مِنْهَا نَحْوَ البَابِ، وَلَكِنَّهَا لَحِقَتْ بِهِ، وَأَمْسَكَتْ بِقَمِيصِهِ مِنَ الخَلْفِ فَتَمَزَّقَ. وَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ المَرْأَةِ: إِنْ كَانَ قَمِيصَ يُوسُفَ تَمَزَّقَ مِنْ قِبَلِهِ (أَيْ مِنَ الأَمَامِ) ، فَتُكُونُ المَرْأَةُ هِيَ الصَّادِقَةَ وَيَكُونَ هُوَ الكَاذِبُ، لأَنَّهُ يَكُونُ قَدْ دَعَاهَا إَلَى نَفْسِهِ، وَأَبَتْ هِيَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَهَاجَمَهَا فَدَفَعَتْهُ عَنْ نَفْسِهَا، وَأَخَذَتْ بِتَلاَبِيبِهِ فَتَمَزَّقَ قَمِيصُهُ فَيَصِحُّ مَا قَالَتْ هِيَ.

стр. 1624

﴿الصَّادِقِينَ﴾ (٢٧) - وَإِنْ كَانَ قَمِيصُ يُوسُفَ تَمَزَّقَ مِنَ الخَلْفِ (مِنْ دُبُرٍ) فَيَكُونُ هُوَ الصَّادِقَ وَهِيَ الكَاذِبَةَ، لأَنَّهَا تَكُونُ هِيَ التِي لَحِقَتْ بِهِ، وَهُوَ هَارِبٌ مِنْهَا، فَجَذَبَتْهُ مِنْ قَمِيصِهِ مِنَ الخَلْفِ فَتَمَزَّقَ، فَيَصِحُّ مَا قَالَهُ يُوسُفُ.

стр. 1625

﴿رَأَى﴾ (٢٨) - فَلَمَّا تَحَقَّقَ زَوْجُ المَرْأَةِ مِنْ صِدِقِ يُوسُفَ، وَكَذِبِ المَرْأَةِ، إِذْ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ قَمِيصَ يُوسُفَ قَدْ تَمَزَّقَ مِنَ الخَلْفِ قَالَ لَهَا: إِنَّ هَذَا البُهْتَ، وَمَا حَاوَلَتْ بِهِ تَلْطِيخَ سُمْعَةِ الشَّابِّ، هُوَ مِنْ كَيْدِ النِّسَاءِ العَظِيمِ.

стр. 1626

(٢٩) - ثُمَّ أَمَرَ صَاحِبَ البَيْتِ يُوسُفَ بِكِتْمَانِ مَا وَقَعَ لَهُ، فَقَالَ لَهُ: اضْرِبْ صَفْحاً عَنْهُ فَلا تَذْكُرُهُ لأَحَدٍ لِكَيْلاَ يَشِيعَ خَبَرُهُ، وَيَنْتَشِرَ بَيْنَ النَّاسِ. وَقَالَ لامْرَأَتِهِ اسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ الذِي وَقَعَ مِنْكِ مِنْ إِرَادَةِ الفَاحِشَةِ بِالشَّابِّ، ثُمَّ اتْهَامُهُ بِمَا لَمْ يَفْعَلْ، لأَنَّكَ كُنْتِ بِفِعْلِكِ هَذَا مِنَ الذِينَ يَرْتَكِبُونَ الخَطِيئَةَ عَنْ عَمْدٍ وَتَصْمِيمٍ.

стр. 1627

﴿امرأة﴾ ﴿تُرَاوِدُ﴾ ﴿فَتَاهَا﴾ ﴿لَنَرَاهَا﴾ ﴿ضَلاَلٍ﴾ (٣٠) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى أَنَّ قِصَةَ يُوسُفَ مَعَ المَرْأَةِ قَدْ شَاعَ خَبَرُهَا فِي المَدِينَةِ (مِصْرَ) ، حَتَّى تَحَدَّثَ النَّاسُ بِهَا، فَقَالَتْ نِسَاءُ الكُبَرَاءِ وَالأُمَرَاءِ يُنْكِرْنَ عَلَى امْرَأَةِ العَزِيزِ (وَهُوَ الوَزِيرُ الأَوَّلُ) فِعْلَهَا، وَيَعِبْنَ عَلَيْهَا مَسْلَكَهَا فِي مُرَاوَدَةِ غُلاَمِهَا (فَتَاهَا) وَعَبْدِهَا عَنْ نَفْسِهِ، وَدَعْوَتِهِ إِلَى نَفْسِهَا، وَقُلْنَ إِنَّهُ قَدْ سَلَبَ لُبَّهَا مِنَ الحُبِّ، وَإِنَهُنَّ يَرَيْنَهَا فِي ضَلاَلٍ وَاضِحٍ بَيِّنٍ فِي تَصَرُّفِهِا هَذَا. (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الشَّغَفُ هُوَ الحُبُّ القَاتِلُ، وَالشَّغَافُ هُوَ حِجَابُ القَلْبِ، أَيْ إِنَّ حُبَّهُ قَدْ مَسَّ شَغَافَ قَلْبِهَا) . شَغَفَهَا حُبّاً - شَقَّ حُبُّهُ سُوَيْدَاءَ قَلْبِهَا.

стр. 1628

﴿مُتَّكَئاً﴾ ﴿وَآتَتْ﴾ ﴿وَاحِدَةٍ﴾ ﴿حَاشَ﴾ (٣١) - فَلَمَّا سَمِعَتْ امْرَأَةُ العَزِيزِ مَقَالَةَ نِسْوَةِ الكُبَرَاءِ التِي أَرَدْنَ بِهَا إِغْضَابَهَا، وَمَا يَتَحَدَّثْنَ بِهِ عَنْ ذَهَابِ الحُبِّ بِهَا كُلَّ مَذْهَبٍ، أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ تَدْعُوهُنَّ إِلَى مَنْزِلِهَا لِتُضَيِّفَهُنَّ، وَأَعَدَّتْ لَهُنَّ مَفَارِشَ وَأَرَائِكَ، وَطَعَاماً مِمَّا يُقَطَّعُ بِالسَّكَاكِينِ، وَأَعَطْتَ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِيناً لِتَسْتَعْمِلَهُ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْهَا مَكِيدَةً، وَمُقَابَلَةً مِنْهَا لَهُنَّ عَلَى كَيْدِهِنَّ. ثُمَّ دَعَت يُوسُفَ إِلَى الدُّخُولِ عَلَيْهِنَّ. فَلَمَّا رَأَتْهُ النِّسْوَةُ أَعْظَمْنَ شَأْنَهُ، وَأَجْلَلْنَ قَدْرَهُ، وَجَعَلْنَ يَجْرَحْنَ أَيْدِيهِنَّ دَهَشاً بِرُؤْيَتِهِ. وَلَمَّا شَكَوْنَ لَهَا مِمَّا أَصَابَهُنَّ، قَالَتْ لَهُنَّ: أَنْتُنَّ فَعَلْتُنَّ هَذا مِنْ نَظْرَةٍ وَاحِدَةٍ، فَكَيْفَ أُلاَمُ أَنَا؟ فَقُلْنَ لاَ لَوْمَ عَلَيْكِ بَعْدَ الذِي رَأَيْنَا، فَهَذَا لَيْسَ بَشَراً مِنَ النَّاسِ، وَإِنَّمَا هُوَ أَحَدُ مَلائِكَةِ اللهِ المُكْرَمِينَ. قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ - جَرَحْنَ أّيْدِيَهُنَّ. حَاشَ للهِ - تَنْزِيهاً عَنِ العَجْزِ عَنْ خَلْقِ مِثْلِهِ.

стр. 1629

﴿رَاوَدتُّهُ﴾ ﴿وَلَئِن﴾ ﴿آمُرُهُ﴾ ﴿لَيَكُوناً﴾ ﴿الصاغرين﴾ (٣٢) - وَقَالَتْ امْرَأَةُ العَزِيزِ لِلنِّسْوَةِ تُدَافِعُ عَنْ نَفْسِهَا: هَذَا هُوَ الغُلاَمُ الذِي لُمْتُنَّنِي لأَنَّنِي شُغِفْتُ بِهِ حُبّاً، وَهَا قَدْ رَأَيْتُنَّ جَمَالَهُ وَبَهَاءَهُ بِأَعْيُنِكُنَّ، فَكَيْفَ لاَ يَتَعَلَّقُ قَلْبِي بِهِ، وَمِثْلُ هَذَا الجَمَالِ خَلِيقٌ بِأَنْ يُفْتَتَنَ بِهِ؟ وَاعْتَرَفَتْ لَهُنَّ بِأَنَّهَا رَاوَدَتْهُ فِعْلاً عَنْ نَفْسِهِ، وَلَكِنَّهُ اسْتَعْصَمَ وَامْتَنَعَ، وَإِنَّهُ إِذَا لَمْ يَفْعَلْ مَا أَمَرَتْهُ بِهِ، وَيَخْضَعْ لأَرَادَتِهَا، وَإِذَا لَمْ يَسْتَجِبْ لِرَغْبَتِهَا، فَإِنَّهُ سَيُسْجَنُ وَسَيَكُونُ مِنَ المَنْبُوذِينَ المُسْتَكِينِينَ (الصَّاغِرِينَ) . فَاسْتَعْصَمْ - امْتَنَعَ امْتِنَاعاً شَدِيداً وَأَبَى.

стр. 1630

﴿الجاهلين﴾ (٣٣) - فَاسْتَعَاذَ يُوسُفُ بِاللهِ مِنْ شَرِهِنَّ، وَمِنْ كَيْدِهِنَّ، فَقَالَ: يَا رَبِّ، السِّجْنُ أَهْوَنُ عَلَيَّ مِنَ الاسْتِجَابَةِ إِلَى مَا يَطْلُبْنَهُ مِنِّي مِنْ فِعِلِ الفَاحِشَةِ (وَفِي هَذَا القَوْلِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ النَّسْوَةَ اشْتَرَكْنَ مَعَ امْرَأَةِ العَزِيزِ فِي تَهْدِيدِ يُوسُفَ وَتَخْوِيفِهِ مِنْ عَاقِبَةِ إِصْرَارِهِ عَلَى الامْتِنَاعِ عَنْهَا، وَرَغَبْنَّهُ فِي مُسَايَرَتِهَا، وَالاسْتِجَابَةِ لَهَا) ، وَإِنْ وَكَّلْتَنِي يَا رَبُّ إِلَى نَفْسِي فَلَيْسَ لِي مِنْهَا قُدْرَةٌ، وَلاَ أَمْلِكُ لَهَا ضُرّاً وَلاَ نَفْعاً إِلاَّ بِحَوْلِكِ وَقُوَّتِكَ، فَإِنْ لَمْ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ، وَتَعْصِمُنِي مِنَ الفَاحِشَةِ، أَسْتَجِبْ لَهُنَّ، وَأَكُنْ بِذَلِكَ مِنَ الجَّاهِلِينَ الذِي تَسْتَخِفُّهُمُ الشَّهَوَاتُ، فَيَجْنَحُونَ إِلَى ارْتِكَابِ المُوبِقَاتِ، وَاجْتِرَاحِ السَّيِّئَاتِ. أَصْبُ إِلَيْهِنَّ - أَمِلْ إِلَى إِجَابَتِهِنَّ إِلَى مَا يَطْلُبْنَهُ.

стр. 1631

(٣٤) - فَاسْتَجَابَ اللهُ تَعَالَى لِدُعَائِهِ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ، إِذْ كَفَّتِ المَرْأَةُ عَنْ مُلاَحَقَتِهِ وَمُطَالَبَتِهِ بِالفَاحِشَةِ، وَعَصَمَهُ اللهُ مِنْهُنَّ، وَاللهُ تَعَالَى سَمِيعٌ لِمَنْ يَدْعُوهُ وَيَتَضَرَّعُ إِلَيْهِ، عَلِيمٌ بِصِدْقِ إِيمَانِهِ، وَبِمَا يُصْلِحُ أَحْوَالَهُ.

стр. 1632

﴿الآيات﴾ (٣٥) - وَلَمَّا قَامَتْ الأَدِلَّةُ عَلَى صِدْقِ يُوسُفَ وَعِفَّتِهِ، وَبَرَاءَتِهِ مِمَّا رَمَتْهُ بِهِ امْرَأَةُ العَزِيزِ، رَأَوا أَنَّهُ مِنَ المَصْلَحَةِ أَنْ يَسْجُنُوهُ بَعْضَ الوَقْتِ (حَتَّى حِينٍ) ، إِِيهَاماً بِأَنَّهُ هُوَ الذِي رَاوَدَ امْرَأَةُ العَزِيزِ عَنْ نَفْسِهَا، وَأَنَّهَا كَانَتْ صَادِقَةً فِيمَا قَالَتْهُ عَنْهُ، وَإِبْعَاداً لَهُ مِنَ الدَّارِ التِي فَتَنَ رَبَّتَهَا وَصَدَيقَاتِهَا، وَاسْتَخَفَّهُنَّ حُبّاً وَشَغَفاً، دُونَ أَنْ يَتْرُكَ لَهُنَّ فِيهِ مَطْمَعاً، وَقَطْعاً لأَلْسِنَةِ السُّوءِ التِي أَخَذَتْ فِي اللَّغْطِ فِي قِصَّةِ المُرَاوَدَةِ.

стр. 1633

﴿أراني﴾ ﴿نَرَاكَ﴾ (٣٦) - وَدَخَلَ السِّجْنَ مَعَ يُوسُفَ عَبْدَانِ مَمْلُوكَانِ لِمَلِكِ مِصْرَ (فَتَيَانِ) ، قِيلَ إِنَّ أَحَدَهُمَا سَاقِي المَلِكِ، وَالآخَرَ خَبَّازُهُ، وَقَدْ أتُّهِمَا بِمُحَاوَلَةِ دَسِّ السُّمِّ لِلْمَلِكِ لِلْفَتْكِ بِهِ. وَقَدْ شَاعَ فِي السِّجْنِ مَا عَلَيْهِ يُوسُفُ مِنَ الصِدْقِ وَالصَّلاَحِ، وَمَعْرِفَةِ تَعْبِيرِ الأَحْلاَمِ وَقَدْ رَأَى كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الغُلاَمَيْنِ مَنَاماً قَصَّهُ عَلَى يُوسُفَ، وَرَجَاهُ أَنْ يُفَسِرَهُ لَهُ. وَكَانَ السَّاقِي قَدْ رَأَى فِي نَوْمِهِ أَنَّهُ يَعْصِرُ عِنَباً وَيَصْنَعُ مِنْهُ خَمْراً، وَرَأَى الآخَرُ أَنَّهُ يَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِهِ خُبْزاً فَتَأْتِي الطَّيْرُ فَتَأْكُلُ مِنْهُ. وَطَلَبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ يُوسُفَ أَنْ يُفَسِرَ لَهُ رُؤْيَاهُ، لأَنَّهُ يَرَاهُ مِنَ الذِينَ يُحْسِنُونَ تَفْسِيرِ الأَحْلاَمِ وَتَأْوِيلِهَا. أَعْصِرُ خَمْراً - أَعْصِرُ عِنَباً يَؤُولُ إِلَى خَمْرٍ أَسْقِيهِ المَلِكَ.

стр. 1634

﴿بالآخرة﴾ ﴿كَافِرُونَ﴾ (٣٧) قَالَ لَهُمَا يُوسُفُ: إِنَّهُ يَعْرِفُ تَفْسِيرَ مَا رَآهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ حُلُمٍ وَسَيُخْبِرُهُمَا بِتَأْوِيلِهِ. ثُمَّ قَالَ لَهُمَا إِنَّهُمَا لاَ يَأْتِيهِمَا طَعَامٌ إِلاَّ أَخْبَرَهُمَا بِهِ، وَهُوَ عِنْدَ أَهْلِهِ، وَبِمَا يُرِيدُونَ مِنْ إِرْسَالِهِ. (وَقِيلَ إِنَّ مُدَبِّرِي المُؤَامَرَةِ عَلَى المَلِكِ مِنْ رِجَالِ الدَّوْلَةِ كَانُوا يُحَاوِلُونَ إِرْسَالَ طَعَامٍ مَسْمُومٍ إِلى الغُلاَمَينِ لِقَتْلِهِمَا لِكَيْ لاَ يُقِرَّا بِشَيءٍ عَنِ اشْتِرَاكِهِمْ بِالمُؤَامَرَةِ) وَهذِهِ القُدرَةُ عَلَى تَفْسِيرِ الأَحْلاَمِ، وَوَحْيِ الإِلْهَامِ الذِي تَمَتَّعَ بِهِ، هُمَا مِمَّا عَلَّمَهُ اللهُ رَبُّهُ بِوَحْيٍ مِنْهُ، لأّنَّهُ تَرَكَ مُشَارَكَةَ القَوْمِ الكَافِرِينَ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ وَفَلَسْطِينَ فِي عِبَادَةِ مَا يَعْبُدُونَ مِنْ أَصْنَامٍ وَآلِهَةٍ مِنْ دُونِ اللهِ تَعَالَى، وَيَكْفُرُونَ بِالآخِرَةِ وَبِالحِسَابِ وَالجَزَاءِ. وَأَنَّهُ آمَنَ بِاللهِ وَحْدَهُ إلهاً وَاحِداً وَالإِخْبَارُ بِمَا يَأْتِي.

стр. 1635

﴿آبآئي﴾ ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ ﴿وَإِسْحَاقَ﴾ (٣٨) - وَقَالَ يُوسُفُ، ﵇، لِلْغُلاَمَينِ: إِنَّهُ تَرَكَ طَرِيقَ الكُفْرِ وَالشِّرْكِ، وَاتَّبَعَ سَبِيلَ المُرْسَلِينَ المُهْتَدِينَ مِنْ آبَائِهِ، صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ، وهذا التَّوْحِيدُ وَالاعْتِرَافُ بِأَنَّهُ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ، هُوَ مِنْ فَضْلِ اللهِ عَلَى النَّاسِ أّنَّهُ جَعَلَ يُوسُفَ وَآبَاءَهُ دُعَاةً لِلنَّاسِ إِلى الخَيْرِ، وَإِلَى سَبيلِ اللهِ القَّويمِ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْهِمْ بِإِرْسَالِ الرُّسُلِ، وَلا يَشْكُرُونَهُ تَعَالَى عَلَى هَذِهِ النِّعْمَةِ بِالطَّاعَةِ وَالإِيمَانِ وَحُسْنِ العَمَلِ.

стр. 1636

﴿ياصاحبي﴾ ﴿أَأَرْبَابٌ﴾ ﴿الواحد﴾ (٣٩) - وَسَأَلَ يُوسُفُ، ﵇، الفَتَيَيْنِ، وَهُوَ يَدْعُوهُمَا إِلَى الإِيمَانِ بِاللهِ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ: هَلْ عِبَاَدُة أَرْبَابٍ مُتَفَرِّقِينَ لاَ يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً، خَيْرٌ أَمْ عِبَادَةُ اللهِ وَحْدَهُ، وَهُوَ الإِلهُ الوَاحِدُ الذِي لاَ يُقْهَرُ وَلاَ يُغَالَبُ، وَقَدْ ذَلَّ لِعِزَّتِهِ وَجَلاَلِهِ كُلُّ شَيءٍ. (أَشَارَ يُوسُفُ إِلَى الآلِهَةِ المُتَفَرِّقِينَ، لأنَّ التَّفَرُّقِ يَقْتَضِي التَّنَازُعَ وَالاخْتِلاَفَ فِي الأَعْمَالِ وَالتَّدْبِيرِ وَيَقتَضِي إِفْسَادَ نِظَامِ الكَوْنِ) .

стр. 1637

﴿آبَآؤُكُمْ﴾ ﴿سُلْطَانٍ﴾ (٤٠) - ثُمَّ قَالَ لَهُمَا: إِنَّ مَا يَعْبُدُونَهُ هُمْ وَآبَاؤُهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ الحَقِّ مِنْ آلِهَةٍ أُخْرَى، كَالأَصْنَامِ وَالأَوْثَانِ. . . هِيَ أَسْمَاءٌ سَمَّوْهَا مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِهِمْ، تَلَقَّاهَا خَلَفُهُمْ عَنْ سَلَفِهِمْ، وَلَيْسَ لِذلِكَ مُسْتَندٌ عِنْدَ اللهِ، وَلاَ حُجَّةٌ وَلاَ بُرْهَانٌ. ثُمَّ أَخْبَرَهُمْ أَنَّ الحُكْمَ وَالمَشِيئَةَ وَالمُلْكَ، كُلُّ ذَلِكَ للهِ وَحْدَهُ، وَقَدْ أَمَرَ اللهُ سُبْحَانَهُ عِبَادَهُ قَاطِبَةً، أَنْ لاَ يَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ. ثُمَّ قَالَ لِلْغُلاَمَيْنِ: إِنَّ مَا يَدْعُوهُمَا إِلَيْهِ مِنْ عِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ، هُوَ الدَّينُ القَوِيمُ المُسْتَقِيمُ الذِي أَمَرَ اللهُ بِهِ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ هَذِهِ الحَقِيقَةَ لِذلِكَ كَانُوا مُشْرِكِينَ. الدِّينُ القَيِّمُ - الدِّينُ القَوِيمُ المُسْتَقِيمُ بِالبَرَاهِينِ.

стр. 1638

﴿ياصاحبي﴾ (٤١) - ثُمَّ قَالَ يُوسُفُ ﵇ يُفَسِّرُ حُلْمَ الشَّابَّينِ: إِنَّ أَحَدَهُمَا، وَهُوَ الذِي رَأَى نَفْسَهُ فِي المَنَامِ يَعْصِرُ خَمْراً، سَيَخْرُجُ مِنَ السِّجْنِ، وَسَيَسْقِي سَيِّدَهُ المَلِكَ (رَبَّهُ) الخَمْرَ، وَإِنَّ الآخَرَ - وَهُوَ الذِي رَأَى أَنَّهُ يَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِهِ خُبْزاً تَأْتِي الطَّيْرُ فَتَأْكُلُ مِنْهُ - فَإِنَّهُ سَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ لَحْمِ رَأْسِهِ. ثُمَّ قَالَ لَهُمَا إِنَّ كُلَّ مَا قَالَهُ سَيَقَعُ بِتَمَامِهِ، وَإِنَّهُ أَمْرٌ مَقْضِيٌّ مِنَ اللهِ.

стр. 1639

﴿فَأَنْسَاهُ﴾ ﴿الشيطان﴾ (٤٢) - ثُمَّ قَالَ يُوسُفُ لِلسَّاقِي الذِي تَوَقَّعَ أَنَّهُ سَيَخْرُجُ ِمَن السَّجْنِ: اذْكُرْ حَالِي وَقِصَّتِي عِنْدَ سَيِّدِكَ المَلِكِ، لَعَلَّهُ يُنْصِفُنِي، وَيُخْرِجُنِي مِنَ السِّجْنِ، فَنَسِيَ الشَّابُ يُوسُفَ وَمَا قَالَهُ، فَبَقِيَ يُوسُفُ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ. (وَالبِضْعُ تُسْتَعْمَلُ فِي الأَعْدَادِ لِمَا بَيْنَ الثَّلاثِ وَالتِّسْعِ، وَأَكْثَرُ مَا يُطْلَقُ عَلَى السَّبْعِ) .

стр. 1640

﴿بَقَرَاتٍ﴾ ﴿سُنْبُلاَتٍ﴾ ﴿يَابِسَاتٍ﴾ ﴿ياأيها﴾ ﴿رُؤْيَايَ﴾ ﴿لِلرُّؤْيَا﴾ (٤٣) - وَرَأَى المَلِكُ رُؤْيَا هَالَتْهُ، وَتَعَجَّبَ مِنْ أَمْرِهَا، فَجَمَعَ الكَهَنَةَ، وَكِبَارَ رِجَالِ الدَّوْلَةِ فَقَصَّ عَلَيْهِمْ رُؤْيَاهُ، وَطَلَبَ إِلَيْهِمْ تَفْسِيرَهَا فَلَمْ يَعْرِفُوا ذَلِكَ. وَقَدْ رَأَى المَلِكُ فيِ مَنَامِهِ سَبْعَ بَقَرَاتٍ عِجَافٍ هَزِيلاَتٍ يَأْكُلْنَ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ، وَرَأَى سَبْعَ سَنَابِلَ قَمْحٍ عِجَافٍ يَابِسَاتٍ، وَسَبْعَ سَنَابِلَ خُضْرٍ سِمَانٍ. عِجَافٍ - مَهَازِيلُ جِدّاً. تَعْبُرُونَ - تَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهَا وَتَفْسِيرَهَا.

стр. 1641

﴿أَضْغَاثُ﴾ ﴿أَحْلاَمٍ﴾ ﴿الأحلام﴾ ﴿بِعَالِمِينَ﴾ (٤٤) - فَرَدَّ الكَهَنَةُ وَرِجَالُ الدَّوْلَةِ عَلَى المَلِكِ قَائِلِينَ لَهُ: هَذِهِ الرُّؤْيَا هِيَ مِنَ الأَحْلاَمِ المُخْتَلَطَةِ، مِنْ خَوَاطِرٍ وَخَيَالاَتٍ، يَتَصَوَّرُهَا الدِّمَاغُ فِي النَّوْمِ، وَتَهْجُسُ بِهَا النَّفْسُ، فَلاَ تَعْنِي شَيْئاً مَقْصُوداً بِذَاتِهِ، وَإِنَّهُمْ لاَ قُدْرَةَ لَهُمْ عَلَى تَفْسِيرِ وَتَأْوِيلِ مِثْلِ هذِهِ الأَحْلاَمِ المُضْطَرِبَةِ، وَإِنَّمَا هُمْ يَعْلَمُونَ تَفْسِيرَ الأَحْلاَمِ المَفْهُومَةِ المَعْقُولَةِ. (وَقَدْ يَكُونُ المَعْنَى: إِنَّهُمْ يَنْفُونَ مَعْرِفَتَهُمْ بِتَفْسِيرِ الأَحْلاَمِ عُمُوماً لأَنَّهَا صُوَرٌ وَخَيَالاَتٌ تُعْرَضْ لِلمُخَيِّلَةِ فِي النَّوْمِ) . أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ - تَخَالِيطُ أَحْلاَمٍ وَأَبَاطِيلُهَا، أَوْ بَاقَاُت أَحْلاَمٍ.

стр. 1642

(٤٥) - وَتَذَكَّرَ الغُلاَمُ، الذِي كَانَ مَعَ يُوسُفَ فِي السِّجْنِ ثُمَّ نَجَا، أَمْرَ يُوسُفَ، وَقُدْرَتِهِ عَلَى تَفْسِيرِ الأَحْلاَمِ، وَتَذَكَّرَ مَا كَانَ قَدْ أَوْصَاهُ بِهِ يُوسُفُ مِنْ رَفْعِ أَمْرِهِ إِلى المَلِكِ، فَنَسِيَ ذَلِكَ، وَبَقِيَ يُوسُفُ فِي السِّجْنِ عَدَداً مِنَ السِّنِينِ. فَرَجَا المَلِكَ أَنْ يَسْمَحَ لَهُ بِالذَّهَابِ إِلَى يُوسُفَ فِي السِّجْنِ لِيَسأَلَهُ عَنْ تَفْسِيرِ حُلْمِ المَلِكْ، وَقَالَ لَهُ إْنَّهُ سَيَأْتِيهِ بِالجَّوَابِ. ادَّكَرَبَعْدَ أُمَّةٍ - تَذَكَّرَ بَعْدَ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ.

стр. 1643

﴿بَقَرَاتٍ﴾ ﴿سُنبُلاَتٍ﴾ ﴿يَابِسَاتٍ﴾ (٤٦) - وَجَاءَ الشَّابُّ إلى يُوسُفَ، وَسَأَلَهُ عَنْ تَفْسِيرِ حُلْمِ المَلِكِ، وَنَعْتِهِ بِالصَّدِّيقِ، لِمَا عَرَفَهُ فِيهِ مِنَ الصَّلاَحِ وَالصِّدْقِ، وَرَجَاهُ أَنْ يُعَرِّفَهُ تَفْسِيرَ حُلْمٍ رَأَى فِيهِ المَلِكُ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ مَهَازِيلُ، وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَسَبْعَ سُنْبُلاَتٍ يَابِسَاتٍ، لَعَلَّهُ يَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ بَالتَّفْسِيرِ الصَّحِيحِ لِيَعْلَمَ النَّاسُ مَعْنَى هَذَا الحُلْمِ، وَلِيَعْرِفُوا لِيُوسُفَ فَضْلَهُ وَعِلْمَهُ.

стр. 1644

(٤٧) - فَقَالَ يُوسُفُ مُفَسِّراً الحُلْمَ: إِنَّهُمْ سَتَأْتِيهِمْ سَبْعُ سِنِينَ مِنَ الخَصْبِ وَالمَطَرِ مُتَوَالِياتٍ، فَعَلَيْهِمْ أَنْ يَتْرُكُوا الغَلَّةَ فِي سَنَابِلِهَا لِيَكُونَ ذَلِكَ أَحْفَظَ، وَأَبْعَدَ عَنْ إِسْرَاعِ الفَسَادِ إِلَيْهَا، إِلاَّ القَلِيلَ مِمَّا يَأْكُلُونَهُ. (فَقَدْ أَوْصَاهُمْ بِالاقْتِصَادِ وَالتَّوْفِيرِ، وَالأَكْلِ دُونَ إِسْرَافٍ لِيَبْقَى لَهُمْ وَفْرٌ كَافٍ لِسِنِيِّ الجَدْبِ التَّالِيَةِ) . دَأَباً - دَائِبِينَ كَعَادَتِكُمْ فِي الزِّرَاعَةِ.

стр. 1645

(٤٨) ثُمَّ تَأْتِي بَعْدَ هذِهِ السِّنِينَ، مِنَ الخَصْبِ وَالخَيْرِ، سَبْعُ سِنِينَ فِي الجَدْبِ وَالشِّدَّةِ، يَزْرَعُونَ فِيهَا وَلاَ يَحْصُدُونَ غَلَّةً، فَتَسْتَهْلِكُ هَذِهِ السِّنُونَ السَّبْعُ الشِّدَادُ مَا جَمَعُوهُ فِي سِنِيِّ الخَصْبِ، إِلاَّ القَلِيلَ الذِي أَحْصَنُوهُ، وَاحْتَاطُوا لَهُ. تُحْصِنُونَ - تُخَبِّئُونَ مِنَ البَذْرِ لِلزِّرَاعَةِ.

стр. 1646

(٤٩) - وَبَعْدَ هَذِهِ السِّنِينَ السَّبْعِ الشِّدَادِ يَأْتِي عَامُ خَصْبٍ وَخَيْرٍ، فَتُمْطِرُ السَّمَاءُ، وَتُغِلُّ الأَرْضُ، وَيَعْصِرُ النَّاسُ مَا كَانُوا يَعْصِرُونَهُ عَلَى عَادَتِهِمْ مِنْ سُكَّرٍ وَعِنَبٍ وَزَيْتٍ. يُغَاثُ النَّاسُ - يُمْطَرُونَ فَتُخْصِبُ أَرْضُهُمْ. يَعْصِرُونَ - مَا شَأْنُهُ أَنْ يُعْصَرَ كَالزَّيْتُونِ وَقَصَبِ السُّكَّرِ.

стр. 1647

﴿فَاسْأَلْهُ﴾ ﴿اللاتي﴾ (٥٠) - فَعَرَفَ المَلِكُ فَضْلَ يُوسُفَ، ﵇، وَعِلْمَهُ وَحُسْنَ اطِّلاَعِهِ عَلَى رُؤْيَاهُ، فَقَالَ لأَصْحَابِهِ أَخْرِجُوهُ مِنَ السِّجْنِ، وَأَحْضِرُوهُ إِليَّ، وَذَلِكَ لِيَسْتَمِعَ مِنْهُ، وَيَتَحَقَّقَ مِنْ صِدْقِهِ. فَلَمًَّا جَاءَ رَسُولُ المَلِكِ إِلَى يُوسُفَ امْتَنَعَ مِنَ الخُرُوجِ مِنَ السِّجْنِ، حَتَّى يَتَحَقَّقَ المَلِكُ، وَمَنْ حَوْلَهُ، مِنْ بَرَاءَتِهِ وَنَزَاهَةِ عرْضِهِ مِمَّا نُسِبَ إِلَيْهِ مِنْ قِبَلِ امْرَأَةِ العَزِيزِ. فَقَالَ يُوسُفُ لِرَسُولِ المَلِكِ: قُلْ لِلْمَلِكِ لِيَسْأَلَ النِّسْوَةَ اللاتي قَطعْنَ أَيْدِيَهُنَّ حِينَمَا كُنَّ عِنْدَ امْرَأَةِ العَزِيزِ، لِمَاذَا فَعَلْنَ ذَلِكَ، وَفِي جَوَابِهِنَّ مَا يَكْشِفُ عَنْ بَرَاءَتِي مِنَ التُّهْمَةِ التِي أُلْصِقَتْ بِي، أَمَّا رَبِّي فَإِنَّهُ عَلِيمٌ بِكَيْدِهِنَّ وَاحْتِيَالِهِنَّ. مَا بَالُ النِّسْوَةِ - مَا حَالُهُنَّ وَمَا شَأْنُهُنَّ.

стр. 1648

﴿رَاوَدتُّنَّ﴾ ﴿حَاشَ﴾ ﴿امرأت﴾ ﴿الآن﴾ ﴿رَاوَدْتُّهُ﴾ ﴿الصادقين﴾ (٥١) - فَجَمَعَ المَلِكُ النِّسْوَةَ اللاتِي قَطَعْنَ أَيْدِيَهُنَّ، وَمَعَهُنَّ امْرَأَةُ العَزِيزِ التِي كَانَ يُوسُفُ فِي بَيْتِهَا، وَاتَّهَمَتْهُ بِمُرَاوَدَتِهَا عَنْ نَفْسِهَا، وَسَأَلَهُنَّ المَلِكُ عَنْ حَالِهِنَّ مَعَ يُوسُفَ، وَمَا اتَّهَمْنَهُ بِهِ مِنْ مُرَاوَدَتِهِ إِيَّاهُنَّ عَنْ أَنْفُسِهِنَّ (وَهُوَ إِنَّمَا يَقْصِدُ بِسُؤَالِهِ امْرَأَةَ العَزِيزِ) . فَقُلْنَ: حَاشَ للهِ لَمْ نَعْرِفْ عَلَيْهِ سُوءاً، وَمَا عَرَفْنَا مِنْهُ إِلاَّ طُهْراً وَعِفَّةً وَوَقَاراً. وَهُنَا اعْتَرَفَتْ امْرَأَةُ العَزِيزِ بِفِعْلِهَا، فَقَالَتْ لَقَدْ حَانَ الوَقْتُ لإِظْهَارِ الحَقِّ، وَجَلاَءِ مَا خَفِيَ، وَإِنَّهَا هِيَ التِي رَاوَدَتْ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ، وَهُوَ صَادِقٌ فِيمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّهَا هِيَ التِي رَاوَدَتْهُ عَنْ نَفْسِهِ، فَاسْتَمْسَكَ بِعِصْمَتِهِ، وَأَنَّهُ هَرَبَ مِنْهَا نَحْوَ البَابِ.

стр. 1649

﴿الخائنين﴾ (٥٢) - وَقَالَ يُوسُفُ ﵇: إِنَّهُ إِنَّمَا رَدَّ الرَّسُولَ، وَرَجَا المَلِكَ سُؤَالَ النِّسْوَةِ، وَالتَّحَقُّقَ مِمَّا جَرَى، لِتَظْهَرَ بَرَاءَتُهُ، وَأَنَّهُ لَمْ يَخُنْ مَوْلاَهُ العَزِيزَ فِي أَهْلِهِ، وَهُوَ الذِي رُبِّيَ فِي بَيْتِهِ، وَاللهُ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الخَائِنِينَ. وَهَذا مَا نَقَلَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَ بِهِ مُجَاهِدٌ وَالحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَالسُّدِّي، وَهُوَ الأَقْرَبُ إِلَى مَضْمُونِ النَّصِّ الذِي يَسْتَعْمِلِ القَائِلُ فِيهِ اسْمَ اللهِ، وَعِبَارَاتٍ لاَ يَقُولُها غَيْرُ المُؤْمِنِينَ وَالإِيمَانُ لَمْ يَكُنْ قَدْ دَخَلَ حَتَّى ذَلِكَ الحِينِ أَرْضَ مِصْرَ. ثُمَّ إِنَّ القَوْلَ - إِذَا كَانَتِ المَرْأَةُ هِيَ قَائِلَتُهُ - قِيلَ فِي حَضْرَةِ المَلِكِ وَهُوَ كَافِرٌ يَفْرِضُ عَلَى الشَّعْبِ عِبَادَةَ نَفْسِهِ، فَلَمْ يَكُنْ مِنَ المَعْقُولِ أَنْ تَتَجَرَّأَ المَرْأَةُ عَلَى ذِكْرِ اسْمِ اللهِ أَمَامَ المَلِكِ. (وَقِيلَ إِنَّ هَذا الكَلامَ قَالَتْهُ امْرَأَةُ العَزِيزِ لِتُظْهِرَ بَرَاءَتَهَا أَمَامَ زَوْجِهَا، وَأَنَّهَا إِنَّمَا رَاوَدَتْ يُوسُفَ مُرَاوَدَةً فَقَطْ. وَلَكِنَّ السِّيَاقَ يَدْعُو إِلَى الأَخْذِ بِالقَوْلِ الأَوَّلِ: ١ - لأنَّ يُوسُفَ هُوَ الذِي طَرَحَ السُّؤَالَ وَرَفَضَ الخُرُوجَ مِنَ السِّجْنِ قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ بَرَاءَتَهُ، وَيَثْبُتَ أَنَّهُ لَمْ يَخُنْ سَيِّدَهُ فِي أَهْلِهِ. ٢ - لأنَّ المَرْأَةَ خَانَتْ زَوْجَهَا فِعْلاً بِمُرَاوَدَةِ يُوسُفَ. أَمَّا القَوْلَ بِأَنَّهَا إِنَّمَا قَصَدَتْ بِقَوْلِهَا (لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ. .) يُوسفَ وَلَيْسَ زَوْجَهَا. فَإِنَّ النَّصَ لاَ يَحْتَمِلْ هَذا التَّأْوِيلَ الذِي لاَ سَنَدَ لَهُ. ٢ - لأنَّ المَرْأَةَ كَافِرَةٌ لاَ تَعْرِفُ اللهَ وَلاَ تُؤْمِنُ بِهِ حَتَّى تَقُولَ: (إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الخَائِنِينَ) وَ (وَإِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةُ بِالسُّوءِ إلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي) . ٤ - أَمَّا القَوْلُ بِأَنَّ المَرْأَةَ آمَنَتْ فَإِنَّ النَّصَّ لاَ يَحْتَمِلُهُ. وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَإِنَّهُ لاَ يَتَرَتَّبُ عَلَى الأَخْذِ بِهَذا القَوْلِ أَوْ ذَاكَ كَبِيرُ أَثَرٍ لأَنَّ القِصَّةَ إِنَّمَا سِيقَتْ لِيَعْتَبِرَ النَّبِيُّ وَالمُؤْمِنُونَ بِأَنَّ اللهَ إِذَا أَرَادَ أَمْراً هَيَّأَ لَهُ أَسْبَابَهُ وَتَلَطَّفَ بِهِ بِبَالِغِ حِكْمَتِهِ حَتَّى تَأْتِيَ النَّتَائِجُ كَمَا أَرَادَهَا تَعَالَى.

стр. 1650

(٥٣) - ثُمَّ قَالَ يُوسُفُ ﵇: وَإِنِّي لاَ أُبْرِيءُ نَفْسِي مِنَ التَّفْكِيرِ بِالسُّوءِ، لأَنَّ النَّفْسَ أَمَّارَةٌ بِهِ، وَكُلُّ نَفْسٍ تُفَكِّرُ بِالسُّوءِ إِلاًّ النَّفْسَ التِي عَصَمَهَا اللهُ مِنْ ذَلِكَ، وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
следующие страницы →