Полный текст (6 113 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
﴿الحياة﴾
(٢٠٤) - وَهُنَاكَ أُنَاسٌ مُنَافِقُونَ تُعْجِبُ المَرْءَ حَلاَوةُ أَلْسِنَتِهِمْ، وَيَتَظَاهَرُونَ بِالوَرَعِ وَطِيبِ السَّرِيرَةِ، وَيُشْهِدُونَ اللهَ عَلَى صِدْقِ طَوِيَّتِهِمْ وَقُلُوبِهِمْ، وَقُلُوبُهُمْ فِي الحَقِيقَةِ هِيَ أَمَرُّ مِنَ الصَّبْرِ، فَهُمْ يَقُولُونَ حَسَناً، وَيَفْعَلُونَ سَيِّئاً، وَهُمْ شَدِيدُو الجَدَلِ، لا يُعْجِزُهُمْ أَنْ يَغُشُّوا النَّاسَ بِمَا يَظْهَرُ عَلَيهِمْ مِنَ المَيْلِ إِلى الإِصْلاَحِ.
أَلَدُّ الخِصَامِ - شَدِيدُ الخُصُومَةِ فِي البَاطِلِ.
стр. 212
(٢٠٥) - فَإِذَا انْصَرَفَ الوَاحِدُ مِنْ هؤُلاءِ إِلى العَمَلِ، أَوْ إِذا تَوَلَّى وَلاَيَةً يَكُونُ لَهُ فِيهَا سُلْطَانٌ، اتَّجَهَ إَلَى الشَّرِّ وَالفَسَادِ فِي قَسْوَةٍ وَجَفْوَةٍ، تَتَمَثَّلُ فِي إِهْلاَكِ النَّبَاتِ وَالحَرْثِ، وَإِتْلافِ النَّسْلِ الذِي يُمَثِّلُ امْتِدَادَ الحَيَاةِ، وَاللهُ تَعَالَى يَكْرَهُ الفَسَادَ وَالمُفْسِدِينَ.
الحَرْثَ - الزَّرْعَ.
стр. 213
(٢٠٦) - فَإِذَا أَخْرَجَ هذَا المُنَافِقُ حِقْدَهُ عَنْ طَرِيقِ التَخْرِيبِ وَالفَسَادِ، وَقِيلَ لَهُ: لاَ تَفْعَلْ ذلِكَ وَاتَّقِ اللهَ، وَاسْتَحِ مِنْهُ، اسْتَعَزَّ بِالإِثْمِ وَالخَطِيئَةِ، وَرَفَعَ رَأْسَهُ فِي وَجْهِ الحَقِّ. فَإِنْ يَفْعَلْ هذا المُنَافِقُ ذلِكَ فَجَهَنَّمُ حَسْبُهُ، وَفِيهَا الكِفَايَةُ لَهُ، وَهِيَ بِئْسَ المَقَرُّ وَالمِهَادُ لَهُ، وَهِي الجَزَاءُ الأَوْفَى عَلَى أَفْعَالِهِ وَآثَامِهِ.
حَسْبُهُ - يَكْفِيهِ نَارُ جَهَنَّمَ جَزَاءً.
стр. 214
﴿مَرْضَاتِ﴾ ﴿رَؤُوفٌ﴾
(٢٠٧) - وَهُنَاكَ آخَرُونَ بَاعُوا أَنْفُسَهُمْ للهِ، وَلاَ غَايَةَ لَهُمْ مِنْ هذَا البَيْعِ إِلاَّ مَرْضَاةُ اللهِ، فَمَا أَبْعَدَ الفَرْقَ بَيْنَ هؤُلاءِ المُنَافِقِينَ وَبَيْنَ المُؤْمِنينَ الصَّادِقِينَ، وَاللهُ رَؤُوفٌ بِعِبَادِهِ.
وَيُرْوَى أَنَّ هذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي صُهَيبٍ الرُّوميِّ ﵁ حِينَ خَرَجَ مُهَاجِراً مِنْ مَكَّةَ إِلى النَّبِيِّ ﷺ فِي المَدِينةِ، فَلَحِقَتْ بِهِ قُرَيْشٌ، وَقَالُوا لَهُ: أَتَيتَنا صُعْلُوكاً لاَ مَالَ لَكَ، وَتَخْرُجُ عَنَّا أَنْتَ وَمَالُكَ، فَهذا لَنْ يَكُونَ. فَقالَ لَهُمْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ تَرَكْتُ لَكُمْ مَالِي أَتُخَلُّونَ عَنِّي؟ فَقَالُوا نَعَمْ. فَدَلَّهُمْ عَلَى مَالِهِ فِي مَكَّةَ، وَتَرَكُوهُ يَذْهَبُ. فَلَمَّا وَصَلَ المَدِينَةَ وَأُخبرَ الرَّسُولُ بِأَمْرِهِ قَالَ: رَبحَ البَيْعُ، رَبحَ البَيْعُ.
الشِّراءُ هُنا - بِمَعْنَى البَيْعِ.
стр. 215
﴿آمَنُواْ﴾ ﴿خُطُوَاتِ﴾ ﴿الشيطان﴾ ﴿ياأيها﴾
(٢٠٨) - يَدْعُو اللهُ المُؤْمِنينَ إِلَى الأَخْذِ بِجَمِيعِ عُرَى الإِسْلاَمِ وَشَرَائِعِهِ، وَالعمَلِ بِجَمِيعِ أَوَامِرِهِ، وَتَرْكِ زَوَاجِرِهِ، وَيُرشِدُهُمْ تَعَالَى إِلَى أَنَّهُ مِنْ شَأنِ المُؤْمِنينَ الاتِّفَاقُ والاتِّحَادُ، لاَ التَّفَرُّقُ وَالانْقِسَامُ.
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً، أَيْ ادْخُلُوا فِي الإِسْلاَمِ) . ثُمَّ يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنينَ بِأَنْ يَجْتَنِبُوا مَا يَأْمُرُهُمْ بِهِ الشَّيْطَانُ لأَنَّهُ يَأْمُرُ بِالسُّوءِ وَالفَحْشَاءِ، وَيَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ، وَلِهذَا كَانَ الشَّيْطَانُ عَدُوّاً بَيِّنَ العَدَاوَةِ لِلإِنْسَانِ.
فِي السِّلْمِ كَافَّةً - فِي الإِسْلاَمِ وَشَرَائِعِهِ كُلِّهَا.
خُطُواتِ الشَّيْطَانِ - طُرُقَهُ وَأَعْمَالَهُ.
стр. 216
﴿البينات﴾
(٢٠٩) - فََإِنْ عَدَلْتُمْ عَنِ الحَقِّ، وَحِدْتُمْ عَنِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ الذِي دَعَاكُمُ اللهُ إِلَيهِ، وَهُوَ السِّلْمُ، وَسِرْتُمْ فِي طَرِيقِ الشَّيْطَانِ، وَهُوَ طَرِيقُ الخِلاَفِ وَالافْتِرَاقِ، بَعْدَمَا قَامَتِ الحُجَّةُ عَلَى أَنّ صِرَاطَ اللهِ هُوَ طَرِيقُ الحَقِّ، فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ فِي انتِقَامِهِ، لاَ يَفُوتُهُ هَارِبٌ، وَلاَ يَغْلِبُهُ غَالِبٌ، حَكِيمٌ فِي أَحْكَامِهِ، وَفِي نَقْضِهِ وَإِبْرَامِهِ.
زَلَلْتُمْ - وَقَعْتُمْ فِي الخَطَأِ، وَحِدْتُمْ عَنِ الصِّرَاطِ المُسْتَقِيمِ.
стр. 217
﴿والملائكة﴾
(٢١٠) - وَيُحَذِّرُ اللهُ تَعَالَى المُخَالِفِينَ مِنْ عَاقِبَةِ الانْحِرَافِ عَنْ الدُّخُولِ فِي السِّلْمِ، وَالاسْتِمْرارِ فِي اتِّبَاعِ خُطُواتِ الشَّيْطَانِ. ثُمَّ يَسْأَلُهُمْ، مُسْتَنْكِراً تَرَدُّدَهُمْ فِي الاسْتِجَابَةِ للهِ وَرَسُولِهِ: مَا الذِي يَنْتَظِرُونَ، وَمَاذَا يَتَرَقَّبُونَ؟ وَهَلْ سَيَبْقَوْنَ فِي تَرَدُّدِهِمْ حَتَّى يَوْمِ القِيَامَةِ وَالحَشْرِ يَوْمَ يَأْتِي اللهُ تَعَالَى فِي ظُلَلٍ مِنَ الغَمَامِ لِمُحَاسَبَةِ الخَلاَئِقِ عَلَى أَعْمَالِهِمْ، وَتَوْفِيَتِهِمْ جَزَاءَهُمُ العَادِلَ.
وَتَأْتي المَلائِكَةُ صَفّاً لِتَنْفِيذِ مَا قَضَاهُ اللهُ وَيَقِفُونَ لاَ يَتَكَلَّمُونَ.
وَفِي ذلِكَ اليَوْمِ يَجِدُ المُتَرَدِّدُونَ أَنَّ الأَمْرَ قُضِيَ، وَفَاتَتْ فُرْصَةُ التَّوْبَةِ إِلَى اللهِ، وَعَزَّتِ النَّجاةُ، وَوَقَفُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ سُبْحَانَهُ، وَإِلَيهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ كُلُّهَا فَيَضَعُ كُلَّ شَيءٍ فِي المَوْضِعِ الذِي قَضَاهُ.
ظُلَلٍ مِنَ الغَمَامِ - طَاقَاتٍ مِنَ السَّحَابِ الأَبْيَضِ الرَّقِيقِ.
стр. 218
﴿بني إِسْرَائِيلَ﴾ ﴿آتَيْنَاهُم﴾ ﴿آيَةٍ﴾
(٢١١) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ شَاهَدُوا مَعَ مُوسَى أَكْثَرَ مِنْ حُجَّةٍ قَاطِعَةٍ (آيةٍ تَشْهَدُ عَلَى صِدْقِهِ فِيمَا جَاءَهُمْ بِهِ، وَلكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ أَعْرَضُوا عَنْهَا، وَاسْتَبْدَلُوا بِالإِيمَانِ بِنِعْمَةِ اللهِ الكُفْرَ بِهَا، وَالإِعْرَاضَ عَنْهَا، وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الكُفْرَ بِالإِيمَانِ فَإِنَّ اللهَ ذُو عِقَابٍ شَدِيدٍ أَليمٍ) .
стр. 219
﴿الحياة﴾ ﴿آمَنُواْ﴾ ﴿القيامة﴾
(٢١٢) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُ زَيَّنَ الحَيَاةَ الدُّنيا، وَحَسَّنَها فِي أَعْيُنِ الكَافِرِينَ الذِينَ رَضُوا بِهَا، وَجَمَعُوا الأَمْوالَ، وَمَنَعُوا إِنْفَاقَهَا فِيمَا أَمَرَ اللهُ، وَسَخِرُوا مِنَ الذِينَ آمَنُوا، الذِينَ أَعْرَضُوا عَنِ الحَيَاةِ الدُّنيا وَزُخْرُفِهَا، وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللهُ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ رَبِّهِمْ، فَفَازُوا بِالمَقَامِ الأَوَّلِ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَكَانُوا بِذلِكَ فَوْقَ الذِينَ كَفَرُوا يَوْمَ القِيَامَةِ. وَيُعْطِي اللهُ مَنْ يُريدُ مِنْ خَلْقِهِ عَطَاءً جَزِيلاً بِلا حَصْرٍ وَلا تَعْدَادٍ فِي الدُّنيا، لأَنَّ الرِزْقَ لاَ يُقَدَّرُ عَلَى حِسَابِ الإِيمَانِ وَالكُفْرِ، بَلْ يَجْرِي تَبَعاً لِمَشِيئَةِ اللهِ، فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُزَادُ لَهُ الرِّزْقَ اسْتِدْراجاً، وَمِنْهُمْ مَنْ يُقْتَر عَليهِ اخْتِبَاراً.
بِغَيْرِ حِسَابٍ - بِلا تَحْدِيدٍ وَلاَ تَقْتِيرٍ.
стр. 220
﴿وَاحِدَةً﴾ ﴿النبيين﴾ ﴿الكتاب﴾ ﴿البينات﴾ ﴿آمَنُواْ﴾ ﴿صِرَاطٍ﴾
(٢١٣) - كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً مُتَّفِقَةً عَلَى مِلَّةِ آدَمَ ﵇، وَلَمَّا تَطَاوَلَ عَلَيهِمُ العَهْدُ تَطَرَّقَ الزَّيْغُ وَالشِّرْكُ إِلى عَقَائِدِهِمْ، وَاخْتَلَفُوا فِي المَذَاهِبِ وَالآرَاءِ وَالمُعْتَقَدَاتِ فَكَانَ مِنْ لًطْفِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرُّسُلَ مُبَشِّرِينَ بِالخَيْرِ وَالسَّعَادَةِ فِي الدُّنيا وَالآخِرَةِ، وَمُنْذِرِينَ بِحُبُوطِ عَمَلِ مَنِ اتَّبَعُوا خُطُواتِ الشَّيْطَانِ، وَلَمْ يَنْظُرُوا فِي العَاقِبَةِ وَاللهُ تَعَالَى يَبْعَثُ الأَنْبِيَاءَ لِيُنَبِّهُوا أَقْوَامَهُمْ إِلى مَا غَفَلُوا عَنْهُ، وَيُحَذِّرُهُمْ مِنْ عَاقِبَةِ مَا هُمْ فِيهِ مِنْ سَيِّئ ِالعَادَاتِ، وَقَبيحِ الأَعْمَالِ. وَكِتَابُ اللهِ هُوَ الذِي يَفْصِلُ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ. وَقَدْ قَامَ الاخْتِلاَفُ بَيْنَ النَّاسِ بِسَبَبِ الاخْتِلافِ الذِي وَقَعَ بَيْنَ الرُّؤَسَاءِ وَالأَحْبَارِ وَالعُلَمَاءِ القَائِمِينَ عَلَى الدَّينِ بَعْدَ الرُّسُلِ، وَكَانَ سَبَبَ الاخْتِلافِ هذا هُوَ البَغْيُ وَتَعَدِّي الحُدُودِ التِي أَقَامَهَا الدِّينُ حَوَاجِزَ بَيْنَ النَّاسِ.
وَقَدْ هَدَى اللهُ المُؤْمِنِينَ إِلى الحَقِّ الذِي اخْتَلَفَ فِيهِ النَّاسُ، فَوَصَلُوا إِلَى مَا يُرْضِي رَبَّهُمْ. فَالإِيمَانُ الصَّحِيحُ نُورٌ يَسْطَعُ فِي العُقُولِ فَيَهْدِيهَا فِي ظُلُمَاتِ الشُّبَهِ وَالضَّلاَلاَتِ، وَيُضِيءُ السَّبِيلَ إِلى الحَقِّ الذِي لاَ يُخَالِطُهُ بَاطِلٌ، فَالمُؤْمِنُ هَادِئُ القَلْبِ، مُطْمَئِنُ النَّفْسِ، وَالنَّاسُ حَوْلَهُ فِي اضْطِرَابٍ وَقَلَقٍ وَحُرُوبٍ، أَمَّا الذِينَ كَفَرُوا بِأَنْعُمِ اللهِ فَقَدْ عُوقِبُوا عَلَى هذا الكُفْرِ بِفَشْوِ الشَّرِّ، وَفَسَادِ الأَمْرِ، وَاضْطِرابِ النَّفْسِ.
بَغْياً بَيْنَهُمْ - حَسَداً وَظُلْماً بَيْنَهُمْ.
стр. 221
﴿آمَنُواْ﴾
(٢١٤) - يُخَاطِبَ اللهُ تَعَالَى الذِينَ هَدَاهُمْ إِلى السِّلْمِ، وَإِلَى الخُرُوجِ مِنْ ظُلْمَةِ الاخْتِلاَفِ، إِلى نُورِ الوِفَاقِ، بِاتِّبَاعِهِمْ هُدَى الكِتَابِ زَمَنَ التَّنْزيلِ، الذِينَ يَظُنُّونَ مِنْهُمْ أَنَّ انْتِسَابَهُمْ إِلى الإِسْلاَمِ فِيهِ الكِفَايَةُ لِدُخُولِ الجَنَّةِ دُونَ أَنْ يَتَحَمَّلُوا الشَّدَائِدَ وَالأَذَى فِي سَبيلِ الحَقِّ، وَهِدَايَةِ الخَلْقِ، جَهْلاً مِنْهُمْ بِسُنَّةِ اللهِ تَعَالَى فِي أَهْلِ الهُدَى مُنْذُ أَنْ خَلَقَهُمْ. فَيَقُولُ لَهُمْ: هَلْ تَحْسَبُونَ أَنَّكُمْ تَدْخُلُونَ الجَنَّةَ قَبْلَ أَنْ تُبْتَلَوا وَتُخْتَبَرُوا كَمَا فُعِلَ بِالذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الأُمَمِ الذِينَ ابْتُلُوا بِالفَقْرِ (البَأَسَاءُ) ، وَبِالأَسْقَامِ وَالأَمْرَاضِ (الضَّرَّاءُ) ، وَخُوِّفُوا وَهُدَّدُوا مِنَ الأَعْدَاءِ (زُلْزِلُوا) ، وَامتُحِنُوا امْتِحَاناً عَظِيماً، وَاشْتَدَّتِ الأُمُورُ بِهِمْ حَتَّى تَسَاءَلَ الرَّسُولُ وَالمُؤْمِنُونَ قَائِلِينَ: مَتَى يَأْتِي نَصْرُ اللهِ.
وَحِينَما تَثْبُتُ القُلُوبُ عَلَى مِثْلِ هذِهِ المِحَنِ المُزَلْزِلَةِ، حِينَئِذٍ تَتِمُّ كَلِمَةُ اللهِ، وَيَجِيءُ نَصْرُهُ الذِي يَدَّخِرُهُ لِمَنْ يَسْتَحِقُّهُ مِنْ عِبَادِهِ الذِينَ يَسْتَيْقِنُونَ أَنْ لاَ نَصْرَ إِلاَّ نَصْرُ اللهِ.
مَثَلُ الذِينَ خَلَوا - حَال الذِينَ مَضَوا مِنَ المُؤْمِنينَ.
البَأْسَاءُ - البُؤْسُ وَالفَقْرُ.
الضَّرَّاءُ - المَرَضُ وَالأَلَمُ.
زُلْزِلُوا - أُزْعِجُوا إِزْعَاجاً شَدِيداً.
стр. 222
﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ ﴿فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾ ﴿واليتامى﴾ ﴿والمساكين﴾
(٢١٥) - يَسْأَلُكَ المُؤْمِنُونَ: كَيْفَ يُنْفِقُونَ؟ وَبِأَيِّ شَيءٍ يَتَصَدَّقُونَ؟ وَعَلَى مَنْ يَتَصَدَّقُونَ؟ فَأَجِبْهُمْ يَا مُحَمَّدُ: أَنْ يُنْفِقُوا مَا تَيَسَّرَ لَهُمْ عَلَى الوَالِدينِ وَالأَقْرِبِينَ وَاليَتَامَى وَالمَسَاكِينَ وَأَبْنَاءِ السَّبِيلِ؛ وَأَيُّ فِعْلِ مَعْرُوفٍ، وَأَيَّةُ نَفَقَةٍ تُنْفِقُونَها فِي وُجُوهِ البِرِّ وَالطَّاعَةِ فَإِنَّ الله عَلِيمٌ بِها، وَسَيَجْزِي عَلَيها فَاعِلِيها أَوْفَرَ الجَزَاءِ، وَاللهُ لاَ يَظْلِمُ أَحَداً مِثْقَالَ ذَرَّةٍ. وَالإِنْفَاقُ إِنَّما يَكُونُ مِنَ المَالِ الطَّيِّبِ الحَلاَلِ.
стр. 223
(٢١٦) - كَمَا أَمَرَ اللهُ تَعَالَى بِالإِنْفَاقِ عَلَى اليَتَامَى وَالمَسَاكِينِ لِحِمَايَةِ المُجْتَمَعِ مِنْ دَاخِلِهِ، كَذلِكَ فَرَضَ اللهُ الجِهَادَ عَلَى المُسْلِمِينَ، وَمُحَارَبَةِ أَعْدَاءِ الدِّينِ، لِيَكُفُّوا عَنْ الجَمَاعَةِ المُسْلِمَةِ شَرَّ أَعْدَائِها. وَالجِهَادُ فَرْضُ كِفَايَة إِذَا قَامَ بِهِ بَعْضُ الأُمَّةِ سَقَطَ عَنِ البَاقِينَ، وَالجِهَادُ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ غَزا أَوْ قَعَدَ، فَالقَاعِدُ عَلَيهِ أَنْ يُعينَ إِذا اسْتَعَانَ بِهِ النَّاسُ، وَأَنْ يُغيثَ إِذَا اسْتَغَاثُوا بِهِ، وَأَنْ يَنْفِرَ إِذا اسُتُنْفِرَ.
وَيَذْكُرُ اللهُ تَعَالَى: أَنَّ الجِهَادَ فِيهِ كُرْهٌ وَمَشَقَّةٌ عَلَى الأَنْفُسِ، مِنْ تَحَمُّلِ مَشَقَّةِ السَّفَرِ، إِلَى مَخَاطِرِ الحُرُوبِ وَمَا فِيهَا مِنَ جَرْحٍ وَقَتْلٍ وَأَسْرٍ، وَتَرْكٍ لِلْعِيَالِ، وَتَرْكٍ لِلتِّجَارَةِ وَالصَّنْعَةِ وَالعَمَلِ. . إلخ، وَلكِنْ قَدْ يَكُونُ فِيهِ الخَيْرُ لأَنَّهُ قَدْ يَعْقُبُهُ النَّصْرُ وَالظَّفَرُ بِالأَعْدَاءِ، وَالاستِيلاءُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَبِلاَدِهِمْ. وَقَدْ يُحِبُّ المَرْءُ شَيئاً وَهُوَ شَرٌّ لَهُ، وَمِنْهُ القُعُودُ عَنِ الجِهَادِ، فَقَدْ يَعْقُبُهُ استِيلاءُ الأَعْدَاءِ عَلَى البِلادِ وَالحُكْمِ، وَاللهُ يَعْلَمُ عَوَاقِبَ الأُمُورِ أَكْثَرَ مِمَّا يَعْلَمُها العِبَادُ.
كُرْهٌ لَكُمْ - مَكْرُوهٌ لَكُم طَبْعاً.
стр. 224
﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ ﴿يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ ﴿اسْتَطَاعُواْ﴾ ﴿فأولائك﴾ ﴿أَعْمَالُهُمْ﴾ ﴿وأولائك﴾ ﴿أَصْحَابُ﴾ ﴿خَالِدُونَ﴾
(٢١٧) - بَعَثَ الرَّسُولُ ﷺ عَبْدَ اللهِ بْنَ جَحْشٍ عَلَى سَرِيَّةٍ وَأَمَرَهَا بِأَمْرٍ، فَلَقِيَتِ السَّرِيَّةُ ابْنَ الحَضْرَمِيِّ فَقَتَلَتْهُ، وَلَمْ يَعْرِفْ رِجَالُ السَّرِيَّةِ إِنْ كَانَ ذلِكَ اليَوْمُ مِنْ رَجَبٍ أَوْ مِنْ جُمَادَى الآخِرَةِ، فَقَالَ المُشْرِكُونَ لِلْمُسْلِمِينَ: قَتَلْتُمْ فِي الشَّهْرِ الحَرَامِ، فَأَنْزَلَ اللهُ هذِهِ الآيَةَ. وَفِيهَا يَقُولُ سُبْحَانَهُ لِلْمُشْرِكِينَ: إِنَّ القِتَالَ فِي الشَّهرِ الحَرَامِ أَمْرٌ كَبِيرُ فِي نَفْسِهِ، وَجُرْمٌ عَظِيمٌ، وَلكِنَّهُ إِذا ارتُكِبَ لإِزَالَةِ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ، كَانَ لَهُ مَا يُبَرِّرُهُ، وَإِنَّ مَا فَعَلَهُ المُشْرِكُونَ مِنَ الكُفْرِ بِاللهِ، وَالصَّدِّ عَنْ سَبِيلِهِ، وَمُحَاوَلَةِ فتْنَةِ المُسْلِمِينَ عَنْ دِينِهِمْ بِالتَّعْذِيبِ وَالتَّهْدِيدِ، وَإِخراجِ المُسْلِمِينَ مِنْ مَكَّةَ. كُلُّ ذلِكَ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ مِنَ القِتَالِ فِي الشَّهْرِ الحَرَامِ.
وَقَدْ كَانَ المُشْرِكُونَ يَفْتِنُونَ المُسْلِمِينَ عَنْ دِينِهِمْ بِالتَّعْذِيبِ وَالإِخَافَةِ ليَرُدُّوهُمْ إِلى الكُفْرِ، وَهذا أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ مِنَ القَتْلِ، وَهُمْ مَا زَالُوا مُقِيمِينَ عَلَى الكُفْرِ، وَعَلَى مُحَاوَلَةِ فِتْنَةِ المُسْلِمِينَ لِيَرُدُّوهُمْ عَنْ دِينِهِمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا، وَعَلَى مُحَاوَلَةِ مَنْعِ الإِسْلاَمِ مِنَ الانْتِشَارِ وَالقَضَاءَ عَلَيهِ، إِنْ أَمْكَنَهُم ذلِكَ، لاسْتِحْكَامِ عَدَاوَتِهِمْ للمُسْلِمِينَ. وَيُهَدِّدُ اللهُ مِنْ يَضْعُفُ مِنَ المُسْلِمِينَ أَمَامَ هَجَمَاتِهِمْ، وَمُحَاوَلاتِهِمْ وَإِغْراءَاتِهِمْ فَيَرْتَدُّ عَنْ دِينِهِ، ثُمَّ يَمُوتُ وَهُوَ كَافِرٌ، بِالعَذَابِ الأَلِيمِ الأَبَدِيِّ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، وَبِحُبُوطِ عَمَلِهِ فِي الدُّنيا وَالآخِرَةِ.
قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ - مُسْتَكْبَرٌ عَظِيمُ الوِزْرِ.
الفِتْنَةُ - الشِّرْكُ وَالظُّلْمُ وَالكُفْرُ بِاللهِ.
حَبِطَتْ - هَلَكَتْ وَبَطُلَتْ.
стр. 225
﴿آمَنُواْ﴾ ﴿وَجَاهَدُواْ﴾ ﴿أولائك﴾ ﴿رَحْمَتَ﴾
(٢١٨) - يَعِدُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنينَ الذِينَ دَفَعَهُمْ إِيمَانُهُمُ الصَّادِقُ إِلى الهِجْرَةِ، وَإِلى الجِهَادِ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ ، لِنَصْرِ دِينِ اللهِ، وَرَدِّ أَذَى الكُفَّارِ، وَإِلى الصَّبْرِ عَلَى مَا يُصِيبُهُمْ مِنْ أَذَى المُشْرِكِينَ فِي سَبيلِ عَقِيدَتِهِمْ وَإِيمَانِهِم، بِإِحْدَى الحُسْنَيَيْنِ: النَّصْرِ أَوِ الشَّهَادَةِ، وَهؤُلاءِ المُؤْمِنُونَ الصَّابِرُونَ هُمُ الذينَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ رَبِّهِمْ، وَاللهُ تَعَالَى لا يُخَيِّبُ رَجَاءَهُمْ، وَهُوَ وَاسِعُ المَغْفِرَةِ للتَّائِبِينَ المُسْتَغْفِرِينَ، عَظِيمُ الرَّحْمَةِ بِالمُؤْمِنِينَ.
стр. 226
﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ ﴿وَمَنَافِعُ﴾ ﴿وَيَسْأَلُونَكَ﴾ ﴿الآيات﴾
(٢١٩) - جَاءَ الرَّسُولُ ﷺ المَدِينَةَ وَكَانَ النَّاسُ يَشْرَبُونَ الخَمْرَ. وَالخَمْرُ عِنْدَ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ هِيَ كُلُّ مَا أسْكَرَ.
وَكَانَ العَرَبُ يَعْرِفُونَ لَعِبَ المَيْسِرِ (أي القِمَارِ) وَيُمَارِسُونَهُ، وَكَانوا يَجْعَلُونَهُ وَسيلةً لِمُسَاعَدَةِ الفُقَرَاء وَكَانَتِ العَرَبُ تَلْعَبُ المَيْسِرَ بِقِدَاحٍ (وَالقِدْحُ هُوَ قِطْعَةٌ مِنَ الخَشَبِ كَالقَلَمِ أوِ السَّهْمِ) وَالقِداحُ عَشَرَةٌ كُتِبَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا اسْمٌ، فَمِنْ هَذِهِ القِدَاحِ مَا يُرْبَحُ رِبْحاً عَظِيماً، وَمِنْهَا مَا يَرْبَحُ رِبْحاً مُتَوَسِّطاً، وَمِنْهَا مَا لاَ يَرْبَحُ وَهَي ثَلاَثَةُ قِدَاحٍ (المَنِيحُ وَالسَّفِيحُ وَالوَغْدُ) . فَمَنْ خَرَجَ لَهُ سَهْمٌ رَابِحٌ أَخَذَ نَصِيباً مِنَ الجَزُورِ (وَهُوَ البَعِيرُ المَذْبُوحُ) يُقَابِلُ الأسْهُمَ المُخَصَّصَةَ لِقِدْحِهِ.
وَمَنْ خَرَجَ لَهُ سَهْمٌ غَيْرُ رَابحٍ غَرِمَ ثَمَنَ الجَزُورِ، وَلاَ يَأْخُذُ شَيئاً. وَكَانَ المُقَامِرُونَ لاَ يَأْخُذَونَ شَيئاً مِنَ الرِّبْحِ لأنُفُسِهِمْ، وَإِنَّمَا يُوَزِّعُونَهُ عَلَى الفُقَراءِ. وَكَانَ العَرَبُ يَعِيبُونَ عَلَى مَنْ لا يُمَارِسُ القِمَارَ، وَيُسَمُّونَهُ الوَغْدَ. وَتَطَوَّرَ لَعِبُ المَيْسرِ فَشَمَلَ صُوراً أُخْرَى، وَأَصْبَحَتْ لَهُ غَايَاتٌ أُخْرَى غَيْرُ الإِنْفَاقِ عَلَى الفُقَرَاءِ، فَأَصْبَحَ المُقَامِرُ يَسَعَى وَرَاءَ نَفْعِ نَفْسِهِ. وَقَدْ سَأَلَ النَّاسُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ حُكْمِ تَنَاوُلِ الخَمْرِ وَبَيْعِها، وَعَنْ حُكْمِ لَعِبِ المَيْسِرِ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هذِهِ الآيَةَ.
أَمّا إثمُ الخَمْرِ وَالمَيْسِرِ فَهُوَ فِي الدِّين، أمَّا المَنَافِعُ فَهِيَ دُنْيَوِيَّةٌ، وَلَكِنَّ هَذِهِ المَنَافِعَ لاَ تُوَازِي المَضَارَّ الوَاضِحَةَ لِتَعَلُّقِهَا بِالعَقْلِ وَالدِّينِ (فَإثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا) .
وَسَأَلَ المُسْلِمُونَ الرَّسُولَ ﷺ مَاذَا يُنْفِقُونَ؟ فَأَجَابَهُمُ اللهُ تَعَالَى قَائِلاً: (العَفْوَ) أَيْ مَا يَسْهُلُ عَلَى الإِنْسَانِ إِنْفَاقُهُ مِمَّا يَفِيضُ عَنْ حَاجَةِ الإِنَسانِ، وَحَاجَةِ عِيَالِهِ وَذَوِي قُرْبَاهُ. (وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ " خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنىً، وَاليَدُ العُلْيا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلى، وَابَدَأْ بِمَنْ تَعُولُ ") . وَكَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ الآيَاتِ فِي أَحْكَامِهِ وَوَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ، لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي الدُّنيا وَالآخِرَةِ وَشُؤُونِهِما مَعاً، فَتَجْتَمِعَ مَصَالِحُ الجَسَدِ وَالرُّوحِ، وَتَكُونُوا أمَّةً وَسَطاً لاَ تَتَهَالَكُ عَلَى الدُّنيا وَتَنْسَى الآخِرَةَ، وَلاَ تَنْسَى الدُّنيا لأنَّ الدُّنيا مَزْرَعَةُ الآخِرَةِ.
المَيْسِرُ - القِمَارُ.
العَفْوَ - مَا فَضُلَ عَنِ الحَاجَةِ.
стр. 227
﴿الآخرة﴾ ﴿وَيَسْأَلُونَكَ﴾ ﴿اليتامى﴾ ﴿فَإِخْوَانُكُمْ﴾
(٢٢٠) - وَلَمَّا أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى قَوْلَهُ: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ اليتيم إِلاَّ بالتي هِيَ أَحْسَنُ﴾ وقوله: ﴿إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليتامى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً﴾ ، انْطَلَقَ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ يَتِيمٌ فَعَزَلَ طَعَامَهُ مِنْ طَعَامِهِ، وَشَرَابَهُ مِنْ شَرَابِهِ فَجَعَلَ يَفضُلُ لَهُ الشَّيءُ مِنْ طَعَامِهِ فَيَحْبِسُهُ لَهُ حَتَّى يَأكُلَهُ أَوْ يَفْسُدَ. فَاْشتَدَّ ذلِكَ عَلَى المُسْلِمِينَ، فَذَكَرُوهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَأَنْزَلَ اللهُ هذِهِ الآيَةَ. وَمَعْنَاهَا: إِنَّ عَزْلَ مَالِهِمْ خَيْرٌ، وَمُخَالَطَتَهُمْ خَيْرٌ، لأَنَّهُمْ إِخْوَانٌ فِي الدِّينِ، وَاللهُ يَعْلَمُ نَوَايَا النَّاسِ، مِنْ يَقْصُدُ الإِفْسَادَ مِنْهُمْ، وَمَنْ يَقْصُدُ الإِصْلاَحَ. وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَضَيَّقَ عَلَى النَّاسِ، وَلأَحْرَجَهُمْ، وَلَكِنَّهُ وَاسِعٌ فَوسَّعَ عَلَيهِمْ، وَخَفَّفَ عَنْهُمْ، وَأَبَاحَ لَهُمْ مُخَالَطَةَ اليَتَامَى بِالتِي هِيَ أَحْسَنُ، وَمُعَامَلَتَهُمْ مُعَامَلَةَ الإِخْوَةِ، وَعَفَا عَمَّا جَرَى العُرْفُ بِهِ مِنَ المُسَامَحَةِ فِيهِ، إِذْ أنَّ ذلِكَ لا يَسْتَغْنِي عَنْهُ الخُلَطَاءُ، وَوَكَّلَ ذلِكَ إلى ضَمَائِرِهِمْ. وَاللهُ مُرَاقِبٌ لأعْمَالِ النَّاسِ لاَ يَخْفَى عَليهِ مِنْهُمْ خَافِيةٌ، فَالمُهِمُّ فِي الأمرِ أنْ تَكُونَ نِيَّةُ الإِنْسَانِ مُنْصَرِفَةً إِلَى الخَيْرِ، وَإِلَى الحِفَاظِ عَلَى مَصْلَحَةِ اليَتِيمِ، وَمُرَاقَبةِ اللهِ فِي السِّرِّ وَالعَلَنِ.
стр. 228
﴿المشركات﴾ ﴿أولئك﴾ ﴿يدعوا﴾ ﴿آيَاتِهِ﴾
(٢٢١) - يُحَرِّمُ اللهُ تَعَالَى عَلَى المُؤْمِنينَ أَنْ يَتَزَوَّجُوا المُشْرِكَاتِ الْلَوَاتي لاَ كِتَابَ لَهُنَّ، طَمَعاً فِي مَالِهِنَّ وَجَمَالِهِنَّ وَحَسَبِهِنَّ، مَا دًمْنَ عَلَى شِرْكِهِنَّ، لأنَّ المُشْرِكَةَ لاَ دِينَ لَهَا يُحَرِّمُ عَلَيهَا الخِيَانَةَ، وَيَأْمُرُهَا بِالخَيْرِ، وَيَنْهَاهَا عَنِ الشَّرِّ، وَقَدْ تُفسِدُ عَقِيدَةَ أَوْلاَدِها. وَقيلَ: إنَّ هذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللهِ بْنِ رَواحَة، الأنْصَارِيِّ، فَقَدْ كَانَتْ عِنْدَهُ أمَةٌ سَوْدَاءُ فَغَضِبَ عَلَيهَا يَوْماً فَلَطَمَهَا، ثًمَّ جَاءَ النَّبِيَّ ﷺ يَعْتَذِرُ، ثُمَّ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : وَالذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لأُعْتِقَنَّها وَلأَتَزَوَّجَنَّها. فَعَابَ عَلَيهِ أنَاسٌ مِنَ المُسْلِمِينَ ذلِكَ. وَقَالُوا: نَكَحَ أَمَتَهُ. وَكَانُوا يُفَضِلُونَ نِكَاحَ المُشْرِكَاتِ، وَإنكَاحَ المُشْرِكِينَ بَنَاتِهِمْ طَمَعاً فِي أَحْسَابِهِمْ. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هذِهِ الآيَةَ.
وَكَذَلِكَ مَنَعَ اللهُ المُسْلِمينَ مِنْ أَنْ يُزوِّجُوا بَنَاتِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ مَا دَامُوا مُقِيمِينَ عَلَى شِرْكِهِمْ.
أَمّا زَوَاجُ الكِتَابِيِّ بِمُسْلِمَةٍ فَحَرَامٌ بِنَصِّ السُّنَّةِ، وإجماعِ المُسْلِمِينَ عَلَى ذلِكَ، إِذْ يُخْشَى أنْ يُزيغَها عَنْ دِينِها بِمَا لَهُ عَلَيهَا مِنْ سُلْطانٍ. وَقَالَ تَعَالَى: إِنَّ مُعَاشَرَةَ المُشْرِكِينَ تَدْعُو إلى حُبِّ الدُّنْيَا وَالافْتِتَانِ بِها، وَإلى التَّقْصِيرِ في أدَاءِ الوَاجِبَاتِ الدِّينِيةِ، وَعَاقِبةُ ذلِكَ وَخَيمَةٌ. وَاللهُ يَدْعُو إِلَى المَغْفِرَةِ بِمَا أمَرَ بِهِ فِي شَرْعِهِ، وَبِمَا نَهَى عَنْهُ. وَهُوَ يُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَ صَلاحَهُمْ وَرَشَادَهُمْ.
стр. 229
﴿وَيَسْأَلُونَكَ﴾ ﴿التوابين﴾
(٢٢٢) - قَالَ أَنسٌ: كَانَتِ اليَهُودُ إذا حَاضَتِ المَرْأةُ مِنْهُمْ لَمْ يُؤَاكِلُوهَا، وَلَمْ يَجْتَمِعُوا مَعَهَا فِي البَيْتِ، فَسَألَ الصَّحَابَةُ الرَّسُولَ ﷺ فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هذِهِ الآيَةَ.
وَسَألَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَمَّا يَحِلُ لَهُ مِنِ امْرَأتِهِ وَهِيَ حَائِضٌ. فَقَالَ: " مَا فَوْقَ الإِزَارِ وَالتَّعَفُّفُ عَنْ ذَلِكَ أَفْضَلُ "
وَقَدِ اتَّفَقَ الفُقَهَاءُ عَلَى أنَّ المَرَأةَ إذا انْقَطَعَ حَيْضُهَا لاَ تَحِلُّ حَتَّى تَغْتَسِلَ، أوْ تَتَيمَّمَ، إِنْ تَعَذَّرَ عَلَيهَا المَاءُ بِشُرُوطِهِ. فإذا طَهُرْنَ حَلَّ وَطْؤُهُنَّ فِي مَكَانِ الحَرْثِ، بَعْدَ أنْ كَانَ اللهُ قَدْ أمَرَ بِاعْتِزَالِهِنَّ فِي المَحِيضِ، وَاللهُ يُحِبُّ التَّوَابِينَ مِنَ الذُّنُوبِ، وَإنْ تَكَرَّرَ غِشْيَانُها، وَيُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ عَنِ الأقْذَارِ وَالأذَى وَالفَواحِش.
أذىً - قَذَرٌ يُؤْذِي.
стр. 230
﴿مُّلاَقُوهُ﴾
(٢٢٣) - كَانَ اليَهُودُ يَقُولُونَ لِلأنْصَارِ: إِنَّهُ مَنْ وَاقَعَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ مُدْبِرَةٌ أَوْ مُضْطَجِعَةٌ عَلَى جَنْبِهَا جَاءَ الوَلَدُ أَحْوَلَ العَيْنَيْنِ. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هذِهِ الآيَةَ مُبِيحاً فِيهَا لِلأزَوْاجِ إتْيَانَ نِسَائِهِمْ فِي مَكَانِ الحَرْثِ، وَإِنْجَابِ النَّسْلِ - وَهُوَ القُبُلُ - عَلَى أيَّةِ صُورَةٍ شَاؤُوا (عَلَى أنْ يَتَّقُوا الدُّبُرَ وَالحَيْضَةَ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ .
وَيَأمُرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنينَ بأنْ يُقَدِّمُوا لأنْفُسِهِمْ مِنَ الأَفْعَالِ الصَّالِحَاتِ، وَأنْ يَتْرُكُوا المُحَرَّمَاتِ، وَأَنْ يَتَّقُوا اللهَ، وَأَنْ يَعْلَمُوا أَنَّهُمْ مُلاَقُوهُ، يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيُحَاسِبُهُمْ عَلَى أَعْمَالِهِمْ جَمِيعِها. وَيُبَشِّرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنينَ المُطِيعينَ لَهُ فِيمَا أَمَرَهُمْ، وَالتَّارِكِينَ مَا زَجَرَهُمْ عَنْهُ بِأَنَّ لَهُمُ الثَّوَابَ الحَسَنَ.
стр. 231
﴿لأَيْمَانِكُمْ﴾
(٢٢٤) - لاَ تَجْعَلُوا أيْمَانَكُمْ بِاللهِ، وَحَلْفَكُمْ بِهِ مَانِعَةً لَكُمْ مِنَ البِرِّ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ، إذا حَلَفْتُمْ عَلَى تَرْكِها، فَالاسْتِمْرارُ عَلَى اليَمِينِ المَانِعَةِ لِلبِّر أَكْثَرُ إِثماً لِصَاحِبِها مِنَ الخُرُوجِ مِنْها بِالتَّكْفِيرِ عَنِ الحِنْثِ بِاليَمينِ. وَاللهُ لا يَرْضَى أَنْ يَكُونَ اسمُهُ حِجَاباً دُونَ الخَيْرِ. (وَقيلَ إِنَّ مَعْنَى الآيَةِ هُوَ: لاَ تَجْعَلُوا اسْمَ اللهِ مُعَرَّضاً لِكَثْرَةِ الحَلْفِ بِهِ، لأنَّ ذَلِكَ يَنْفِي تَعْظِيمَ اسْمِ اللهِ، وَلأنَّ التّصَوُّنَ عَنْ كَثْرةِ الحَلْفِ بِاسْمِ الله يُؤَدِّي إلى البِرِّ وَالتَّقْوَى، وَالقُدْرَةِ عَلَى الإِصْلاحِ بَيْنَ النَّاسِ، إِذْ يَكُونُ المُتَصَوِّنُ جَلِيلَ القَدْرِ فِي أَعْيُنِ النَّاسِ فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ) .
وَاللهُ سَمِيعٌ لأقْوَالِ العِبَادِ وَأَيمانِهِمْ، عَلِيمٌ بأَقْوالِهِمْ وَأَحْوَالِهِمْ وَنَوَايَاهُمْ.
عُرْضَةً لأيمانِكُم - مَانِعاً عَنِ الخَيرِ لحلْفِكُمْ بِهِ عَلَى تَرْكِهِ.
стр. 232
﴿اأَيْمَانِكُمْ﴾
(٢٢٥) - لا يُؤَاخِذُ اللهُ المُؤْمِنينَ وَلا يُعَاقِبُهُمْ عَمَّا صَدَرَ عَنْهُمْ مِنْ أيمَانٍ لاَغِيَةٍ لَمْ يُقْصَدْ بِها الحَلْفُ وَعَقْدُ اليَمِينِ، وَإِنَّمَا جَرَتْ عَلَى ألْسِنَتِهِمْ عَادَةً مِنْ غيرِ عَقْدٍ وَلاَ تَوْكِيدٍ (كَقَولِ الرَّجُلِ بَلَى وَاللهِ، وَلا وَاللهِ، فَذَلِكَ لاَ إِثْمَ فِيهَ وَلا كَفَّارَةَ) وَلكِنَّ اللهَ تَعَالَى يُؤَاخِذُ الذِي يَحْلِفُ عَلَى الشَّيءِ وَهُوَ يَقْصُدُ عَقْدَ اليَمِين، وَيَعْلَمُ أَنَّهُ كَاذِبٌ، وَاللهُ غَفُورٌ لِعِبَادِهِ التَّائِبينَ، حَليمٌ عَلَيهِمْ.
بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ - مَا يَجْرِي عَلَى الِلسَانِ مِمّا لاَ يُقْصَدُ بِهِ اليَمِينُ.
стр. 233
﴿نِّسَآئِهِمْ﴾ ﴿فَآءُو﴾
(٢٢٦) - الإِيلاءُ هُوَ الحَلْفُ، وَهُوَ مِنْ ضِرارِ أهْلِ الجَاهِلِيَّةِ، إذْ كانَ الرَّجُلُ لاَ يُحِبُّ امرَأَتَهُ، وَيَكْرَهُ أنْ يَتَزَوَّجَهَا غَيْرُهُ إنْ طَلَّقَها، فَيَحْلِفُ أنْ لاَ يَقْرَبَها أبداً، وَيَتْرُكَها لاَ هِيَ ذَاتُ زَوْجٍ، وَكَانَ المُسْلِمُونَ فِي ابتِداءِ أمرِ الإِسْلاَمِ يَفْعَلُونَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَأزَالَ اللهُ تَعَالَى بِهذِهِ الآيَةِ الضَّرَرَ عَنِ النِّسَاءِ.
فّإذا حَلَفَ الرَّجُلُ أنْ لاَ يُوَاقِعَ امْرَأَتَهُ كَانَتْ يَمِينُهُ لأقَلِّ مِنْ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ انْتَظَرَ انْقِضَاءَ المُدَّةِ ثُمَّ يَعُودُ إلى مُوَاقَعَتِها، وَلَيسَ لِلزَّوْجَةِ مُطَالَبَةُ الزَّوْجِ بالفَيْئَةِ (أيْ العَوْدَةِ إلى مُعَاشَرَتِها مُعَاشَرَةَ الأزْوَاجِ) خِلالَ ذَلِكَ. امَّا إذا كَانَ الإِيلاَءُ لأَكْثَرَ مِنْ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ، فَلِلزَّوْجَةِ مُطَالَبَةُ زَوْجِها بِالفَيْئَةِ عِنْدَ انْقِضَاءِ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ؛ وَهُوَ إمَّا أنْ يَعُودَ إلى مُعَاشَرَتِها مُعَاشَرَةَ الأزْوَاجِ، وَإِمَا أنْ يُطَلِّقَها. فَإِنْ عَادَ إلى مُعَاشَرَتِها، فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَحِيمٌ لِمَا سَلَفَ مِنَ التَّقْصِيرِ، وَعَلَى الزَّوْجِ فِي كُلِّ حَالٍ أنْ يُرَاقِبَ اللهَ فِيمَا يَخْتَارُهُ بِحَقِّ النِّسَاءِ. وَلِلزَّوَاجُ قَائِماً.
يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ - يَحْلِفُونَ عَلَى تَرْكِ مُوَاقَعَةِ نِسَائِهِمْ.
تَرَبُّصُ - انْتِظَارُ.
فَاؤُوا - رَجَعُوا فِي عَمَّ حَلَفُوا عَلَيه.
стр. 234
﴿الطلاق﴾
(٢٢٧) - أمَّا إذا مَضَتِ الأشْهُرُ الأرْبَعَةُ المُحَدَّدَةُ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الفُقَهَاءُ حَوْلَ مَسْأَلَةِ وُقُوعِ الطَّلاقِ بِمُجَرَّدِ انْقِضَاءِ المُدَّةِ، وَأكْثَرُهُمْ عَلَى أنَّ الطَّلاقَ لاَ يَقَعُ، فَإذا لَمْ يُطَلِّقْهَا أُلْزِمَ بالطَّلاَقِ. وَاللهُ سَمِيعٌ لأيْمَانِهِمْ، عَلِيمٌ بِأحْوَالِهِمْ، وَسَيُحَاسِبُهُمْ عَلَى ذَلِكَ يَوْمَ القِيَامَةِ.
стр. 235
﴿المطلقات﴾ ﴿ثَلاَثَةَ﴾ ﴿إِصْلاَحاً﴾
(٢٢٨) - يَأمُرُ اللهُ تَعَالَى المُطَلَّقَاتِ المَدْخُولَ بِهِنَّ أنْ يَتَرَبَّصْنَ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ (أيْ حَيْضَاتٍ - وَقَالَ بَعْضُ الفُقَهَاءِ إنَّ قُرُوءاً تَعْنِي الأطْهَارَ) اسْتِبْراءً لِلرَّحمِ، وفُسْحَةً لاحْتِمَالِ المُرَاجَعَةِ، وَبَعْدَ أنْ تَطْهُرَ المُطَلَّقَةُ مِنَ الحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ لها أنْ تَتَزَوَّجَ إنْ شَاءَتْ بِهِ. وَلاَ يَحِلُّ لِلْمُطَلَّقَةِ أنْ تَكْتُمَ مَا خَلَقَ اللهُ فِيهَا مِنْ حَمْلٍ إنْ عَلِمَتْ بِهِ. وَرَدَّ اللهُ الأمْرَ إليهَا، وَوَكَلَهُ إلى إيمَانِهَا، لأنَّ المُؤْمِنَةَ تُراعي أمْرَ اللهِ، وَلأنَّ أمْرَ الحَمْلِ لاَ يُعْلَمُ إلاَّ مِنْ جِهَتِهَا، وَتَتَعَذَّرُ إقَامَةُ البَيِّنَةِ عَلَيهِ، وَتَوَعَّدَهَا اللهُ بِالعِقَابِ إنْ أخْبَرَتْ بِغَيرِ الحَقِّ.
والزَّوجُ الذِي طَلَّقَ المَرْأَةَ هُوَ أحَقُ بِرَدِّهَا مَا دَامَتْ فِي عِدَّتِها، إنْ كَانَ يَبْغِي مِنْ وَرَاءِها رَدِّها الإِصْلاَحَ وَالخَيْرَ، وَمُعَاشَرَتَهَا بِالمَعْرُوفِ لا المَضَارَّةَ والإِيذَاءَ، وَلَمَّا كَانَتْ إِرَادَةُ الإِصْلاَحِ بِرَدِّ المَرْأةِ لاَ تُؤْتي ثِمَارَهَا إلاَّ إذَا قَامَ كُلٌّ مِنْهُمَا بِمَا عَلَيهِ مِنْ وَاجِبَاتٍ لِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى: إنَّ لِلْمَرْأةِ عَلَى الرَّجُلِ مِنَ الحُقُوقِ مِثْلَ مَا لَهُ عَلَيهَا مِنْهَا، فَلْيُؤَدِّ كُلُّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ بِالمَعْرُوفِ، وَلِلرِّجَالِ عَلَى النِّسَاءِ دَرَجَةٌ هِيَ الرِّئاسَةُ، وَالقِيَامُ عَلى المَصَالِحِ، كَمَا فَسَّرتْها الآيةُ: ﴿الرجال قَوَّامُونَ عَلَى النسآء بِمَا فَضَّلَ الله بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ وَبِمَآ أَنْفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ وَفَسَّرَ بَعْضُهُمْ (وَلِلرِّجَالِ عَلَيهِنَّ دَرَجَةٌ) بِأَنَّها حَقُّ الرَجُلِ فِي رَدِّ المُطَلَّقَةِ إلى عِصْمَتِهِ فِي فَتْرَةِ العِدَّةُ، وَقَدْ جَعَلَ اللهُ الحَقَّ فِي يَدِ الرَّجُلِ لأنَّهُ هُوَ الذِي طَلَّقَ. وَاللهُ عَزِيزٌ فِي انْتِقَامِهِ مِنَّنْ عَصَاهُ، حَكِيمٌ في شَرْعِهِ وَتدْبِيرِهِ.
قُرُوءٍ - حَيْضَاتٍ (أوْ أطَهَارٍ) .
بُعُولَتُهُنَّ - أزْوَاجُهُنَّ.
دَرَجَةٌ - مَنْزِلَةٌ أوْ فَضِيلَةٌ بِالرِّعَايَةِ وَالإنْفَاقِ.
стр. 236
﴿الطلاق﴾ ﴿بِإِحْسَانٍ﴾ ﴿آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ ﴿فأولئك﴾ ﴿الظالمون﴾
(٢٢٩) - لَمْ يَكُنْ لِلطَّلاقِ في أوَّلِ الإِسْلاَمِ وَقْتٌ وَلاً عَدَدٌ فَكَانَ الرَّجُلُ يُطَلِّقُ زَوْجَتَهُ ثُمَّ يُراجِعُهَا. وَقَال أنْصَارِيٌّ لِزَوْجَتِهِ فِي حَالٍ مِنْ خِصَامِهِمَا: إِنَّهُ سَيَتْركُهَا لاَ أيِّماً وَلا ذَاتَ زَوْجٍ. فَشَكَتْ أمْرَها لِلرَّسُولِ ﷺ فَأنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هذِهِ الآيَةَ. فَجَعَلَ الطَّلاَقَ ثَلاثاً لاَ رَجْعَةَ فِيهِ بَعْدَ الطَّلْقَةِ الثَّالِثَةِ، حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ، فَلَهُ أنْ يُطَلِّقَها مَرَّتَينَ وَفِي الثَّالِثَةِ إمَّا أنْ يُمْسِكَها وَيُعَاشِرَهَا بِالمَعْرُوفِ، وَإمّا أنْ يُفَارِقَهَأ بِإحْسَانٍ. فَالطَّلاَقُ الذِي يَثْبُتُ فِيهِ للزَّوْجِ حَقُّ مُرَاجَعَةِ زَوْ جَتِهِ وَهِيَ فِي العَدَّةِ، هُوَ أنْ يُوجَدَ طَلْقَتَانِ فَقَطْ، أمَّا فِي الثَّالِثَةِ فَلا يَثْبُتُ لِلزَّوْجِ حَقُّ المُرَاجَعَةِ، وَلا تَحِلُّ المَرْأةُ لَهُ 'لا بَعْدَ أنْ يَنْكِحَها زَوْجٌ آخَرُ.
وَسَاَلَ صَحَابيُّ النَّبِيَّ ﷺ قَائِلاً: سَمِعْتُ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ: الطَّلاقُ مَرَّتَانِ، فَأيْنَ الثَّالِثَةُ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ: أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسَانٍ. وَنَبَّهَ اللهُ تَعَالَى عِبَادَةِ المُؤْمِنينَ بِأنَّهُ لاَ يَحِلُّ لَهُمْ أَنْ يُضَاجِرُوا زَوْجَاتِهِمْ، وَلاَ أَنْ يُضَيِّقُوا عَلَيهِنَّ لِيَضْطَرُّوهُنَّ إلى الافْتِدَاءِ بِالتَّنَازُلِ عَمَّا أَعْطُوهُنَّ مِنَ المُهُورِ وَغَيْرِهَا، أَوْ عَنْ بَعْضِ مَا أَعْطُوهُنَّ. أَمَّا إِذا تَنَازَلْنَ عَنْ طِيب خَاطِرٍ فَلا بَأسَ فِي ذَلِكَ. أمَّا إذا وَقَعَ الشِّقَاقُ بَيْنَ الزَّوْجَينِ وَخَافَا أنْ لاَ يَسْتَطِيعا القِيَامَ بِمَا أَمَرَ اللهُ بِهِ كُلاًّ مِنْهُمَا مِنْ حُسْنِ المُعَاشَرَةِ إذا اسْتَمَرَا فِي الحَيَاةِ الزَّوْجِيَّةِ، فَلِلزَّوْجَةِ أنْ تَفتَدِيَ مِنَ الزَّوْجِ بِرَدِّ مَا أعْطَاهَا مِنْ مَهْرٍ وَغَيْرِهِ، وَلاَ حَرَجَ عَلَيْهَا فِي بَذْلِهَا لَهُ، وَلاَ حَرَجَ عَلَيهِ فِي قَبُولِهِ مِنْهَا. أَمَّا إذا لَمْ يَكُنْ لِلْمَرْأةِ عُذْرٌ، وَسَألَتْ زَوْجَهَا الافْتِدَاءَ مِنْهُ فَذَلِكَ حَرَامٌ. (وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا طَلاَقَهَا فِي غَيْرِ مَا بَاسٍ، فَحَرَامٌ عَلَيها رَائِحَةُ الجَنَّةِ ") . (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمَذِيُّ) . (وَقَالَ الرَّسُولُ أَيضاً. " المُخْتَلِعَاتُ هُنَّ المُنَافِقَاتُ ") (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرمَذِيُّ) . وَلا يَجُوزُ لِلزَّوْجِ عِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ أنْ يَأخُذَ مِنْ زَوْجَتِهِ غَيْرَ مَا أعْطَاهَا. أمَّا جُمْهُورُ الفُقَهَاءِ فَيُجِيزُونَ أنْ يَأخُذَ مِنْهَا مَا يَتَّفِقَانِ عَليهِ، وَلَوْ كَانَ أكْثَرَ مِمَّا أَعْطَاهَا. وَهَذا هُوَ شَرْعُ اللهِ وَحُدُودُهُ، فَلا يَحْلُّ لَمُؤْمِنٍ أَنْ يَتَجَاوَزَ حُدُودَ اللهِ وَشَرْعِهِ، وَمَنْ يَتَجَاوَزُها فَهُوَ مُعْتَدٍ ظَالِمٌ.
الطَّلاقُ مَرَّتَانِ - الطَّلاَقُ الرَّجْعِيُّ مَرَّة بَعْدَ مَرَّةٍ.
تَسرِيحٌ بِإِحْسَانٍ - طَلاَقٌ مَعَ أَدَاءِ الحُقُوقِ وَعَدَمِ المَضَارَّةِ.
تِلْكَ حُدُودُ اللهِ - أَحْكَامُهُ المَفْرُوضَةُ.
стр. 237
(٢٣٠) - فَإنْ طَلَّقَ الزَّوْجُ زَوْجَتَهُ طَلْقَةً ثَالِثَةً، بَعْدَ أنْ كَانَ قَدْ طَلَّقَهَا طَلْقَتَيْنِ سَابِقَتَيْنِ، فَإِنَّهَا تُحْرَمُ عَلَيهِ، وَلاَ يَحِلُّ لَهُ أنْ يَعُودَ إلى نِكَاحِها حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ. وَيُجْمِعُ الفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ المُرَادَ بِنَكَاحِ زَوْجٍ آخَرَ لَهَا لَيْسَ مُجَرَّدَ العَقْدِ، وَإِنَّما المُعَاشَرَةُ الزَّوْجِيَّةُ الكَامِلَةُ، لِيَكُونَ ذَلِكَ عِقَاباً لِذَوي النُّفُوسِ الضَّعِيفَةِ. وَإِنَّما المُعَاشَرَةِ الزَّوْجِيَّةُ الكَامِلَةُ، لِيَكُونَ ذَلِكَ عِقَاباُ لِذَوي النُّفُوسِ الضَّعِيفَةِ. وَلَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ المُحَلِّلَ وَالمُحَلَّلَ لَهُ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنِّسَائِيُّ) وَالمُحَلِّلُ هُوَ الرَّجُلُ الذِي يَتَقَدَّمُ لِلْعَقْدِ عَلَى الزَّوْجَةِ المُطَلَّقَةِ، وَكُلُّ قَصْدِهِ هُوَ أَنْ يُحِلَّها لِزَوْجِها الأوَّلِ، وَلا يُعَاشِرُهَا وَلا يَقْرَبُها. أمَّا إذا كَانَ الزَّوْجُ الثَّانِي قَدْ تَزَوَّجَها بِفِكْرَةِ المُعَاشَرَةِ المُسْتَمِرَّةِ، فَإذا طَلَّقَهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَى زَوْجِها الأوَّلِ أنْ يَعُودَ إليها، إذَا تَرَجَّحَ لَدَى كُلٍّ مِنْهُما أنْ يَقُومَ بِحَقِّ الآخَرِ عَلَى الوَجْهِ الأكْمَلِ، الذِي حَدَّدَهُ اللهُ مِنْ حُسْنِ العِشْرَةِ، وَسَلامَةِ النِّيَّةِ، فَإنْ خَافَا حِينَ المُراجَعَةِ نُشُوزاً مِنْها، أوْ إضْراراً مِنْهُ فَالرُّجُوعُ مَمْقُوتٌ. وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَشَرائِعهُ يُبَيِّنُها لِقَومٍ يَعْلَمُونَ.
стр. 238
﴿آيَاتِ﴾ ﴿نِعْمَتَ﴾ ﴿الكتاب﴾
(٢٣١) - يَأمُؤُ اللهُ تَعَالَى الرِّجَالَ المُؤْمِنينَ إذَا طَلَّقَ أحَدُهُمُ زَوْجَتَهُ طَلاَقاً، لَهُ عَليها رَجْعَةٌ فِيه، أنْ يُحْسِنَ فِي أمْرِها إذا قَارَبَتْ عِدَّتُهَا عَلَى الانْقِضَاءِ، وَلَمْ يَبْقَ فِيهَا إلاَّ مِقْدَارُ مَا يُمْكِنُهُ مِنْ مُراجَعَتِها، فَإمَّا أنْ يُمْسِكَها بِمَعْرُوفٍ (أيْ يُراجِعُها وَيُعيدُهَا إلى عِصْمَتِهِ) ، فَيُشْهِدَ عَلَى رَجْعَتِهَا، وَهُوَ يَنْوِي مُعَاشَرَتَها بِالمَعْرُوفِ، أوْ يُسَرِّحَهَا وَيَتْرُكَها تَنْقَضِي عِدَّتُها وَيُخْرِجَها مِنْ مَنْزِلِهِ بِالتِي هِيَ أحْسَنُ، بِدُونِ خِصَامٍ وَلا شِقَاقٍ. وَيُكَرِّرُ للهُ أمْرَهُ للرِّجَالِ بِأنْ لا يُمْسِكُوا زَوْجَاتِهِمْ للاضْرَارِ وَالاعْتِدَاءِ. (أيْ أنْ لا يُرَاجِعُوهُنَّ وَهُمْ يُرِيدُونَ مضَارًّتَهُنَّ وَإيذاءَهَُّ بِالحَبْسِ وَتَطْويلِ مُدَّةِ العِدَّةِ لِيُلْجِئُوهُنَّ إلى الافْتِدَاءِ) . وَحَذَّرَ اللهُ مَنْ يُخَالِفُ أمْرَه بِأنَّه يَكُونُ قَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ. وَنَهَى اللهُ المُؤْمِنينَ عَنِ التَّلاعُبِ فِي الطَّلاقِ والتَّسَلِّي فِيه، وَعَدَّ ذَلِكَ مِنْ قَبيلِ اتِّخَاذِ آياتِ اللهِ هُزْواً وسُخْرِيَةً. وَقَالَ تَعَالَى: اذْكُرُوا يَا أيُّها المُؤْمِنُونَ نِعْمَةَ اللهِ عَلَيكُمْ في إرْسَالِ الرَّسُولِ إليكُمْ بِالهُدَي وَالبَيِّنَاتِ وَمَا أنْزَلَ اللهُ عَلَيْكُمْ مِنَ الكِتَابِ وَالحِكْمَةِ (أي القُرآنِ وَالسُّنَّةِ) ، وَاللهُ يَعِظُكُمْ بِهِ فَيَأْمُرُكُمْ وَيَنْهَاكُمْ وَيَتَوعَّدُكُمْ عَلَى ارْتِكَابِ المُحَرَّمَاتِ، فَاتَّقُوا اللهَ في جَمِيعِ أَعْمَالِكُمْ وَأَحْوَالِكُمْ.
فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ - شَارَفْنَ انْقِضَاءَ عِدَّتِهِنَّ.
وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً - مضارَّةً لَهُنَّ.
هُزْواً - سُخْرِيَةً بِالتَّهَاوُنِ فِي المُحَافَظَةِ عَلَيْها.
الكِتَابِ وَالحِكْمَةِ - القُرآنِ وَالسُّنَّةِ وَمَعْرِفَةِ الأحْكَامِ.
стр. 239
﴿أَزْوَاجَهُنَّ﴾ ﴿تَرَاضَوْاْ﴾ ﴿الآخر﴾
(٢٣٢) - فَإذا طَلَّقَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَينِ، وَأرَادَ مُرَاجَعَتَهَا، وَرَغِبَتْ هِيَ فِي العَوْدَةِ إِلَيهِ، فَلَيْسَ لأَهْلِهَا أَنْ يَمْنَعُوهَا مِنْ ذَلِكَ إِذَا تَرَاضَيَا. وَاحْتِرامُ أمْرِ اللهِ هَذا يَأْتَمِرُ بِهِ، وَيَتَّعِظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤمِنُ بِاللهِ، وَبِاليَوْمِ الآخِرِ. وَاتِّبَاعُ المُؤْمِنينَ شَرْعَ اللهِ، وَرَدُّ المُؤْمِنَاتِ إلى أزْوَاجِهِنَّ، وَتَرْكُ الحَميَّةِ الجَاهِليَّةِ. . هُوَ أَزْكَى لِلْمُؤْمِنينَ، وَأَطْهَرُ لِقُلُوبِهِمْ. وَاللهُ يَعْلَمُ مَا فِيهِ الخَيْرُ وَالمَصْلَحَةُ فِيما يَأمُرُ بِهِ، وَيَنْهَى عَنْهُ. وَأنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ أَيْنَ يَكُونُ الخَيْرُ فِيمَا تَأتُونَ وَفِيمَا تَذَرُونَ.
لا تَعْضُلُوهُنَّ - لا تَمْنَعُوهُنَّ.
أزْكَى لَكُمْ - أَنْمَى لَكُمْ وَأَنْفَعُ.
стр. 240
﴿والوالدات﴾ ﴿أَوْلاَدَهُنَّ﴾ ﴿وَالِدَةٌ﴾ ﴿أَوْلاَدَكُمْ﴾ ﴿آتَيْتُم﴾
(٢٣٣) - يُرشدُ اللهُ تَعَالَى الوَالِدَاتِ إلى أنَّ كَمَالَ مُدَّةِ الرَّضَاعَةِ لِلطفْلِ هِيَ سَنَتَانِ. وَعَلَى وَالِدِ الطِّفْلِ نَفَقَةُ الوَالِدَاتِ المُطَلَّقَاتِ، وَكِسْوَتُهُنَّ بِمَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ أمْثَالِهِنَّ، مِنْ غَيْرِ إِسْرافٍ وَلا إقْتَارٍ، بِحَسَبِ قُدْرَةَ الزَّوْجِ وَيَسَارِهِ. وَيُنَبِّهُ اللهُ الوَالِدَاتِ والآباءَ إلى ضَرُورَةِ عَدَمِ التَّصَرُّفِ تَحْتَ شُعُورِ الرَّغْبة فِي الإِضْرارِ، فَلَيْسَ لِلزَّوْجَةِ أنْ تَتْرُكَ رَضَاعَة ابْنِها إلى مُدَّتِهَا (سَنَتَينِ) لِلإِضْرَارِ بِالزَّوْجِ. وَلَيْسَ لِلْزَّوْجِ أنْ يَنْتَزِعَ الوَلَدَ مِنْ أمِّهْ قَبْلَ أنْ تَتِمَّ مُدَّةَ رَضَاعَتِهِ لِلإِضْرَارِ بِهَا وَإيذَائِها. وَعَلَى وَارِثِ الطِّفْلِ - إنْ كَانَ وَالِدُهُ قَدْ مَاتَ، أَوْ كَانَ فَقِيراً، أَوْ عَاجِزاً عَنِ الكَسْبِ - أنْ يَقُومَ بِالإِنْفَاقِ عَلَى الطِّفْلِ وَأمِّهِ، وَعَليهِ عَدَمُ الإِضْرَارِ بِهَا. أمَّا إذا أرَادَ أبَوا الطِّفْلِ فِطَامَهُ، قَبْلَ مُضِيِّ الحَوْلَيْنِ، وَرَأيَا فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةً لَهُ، وَتَشَاوَرا فِي ذَلِكَ، وَاتَّفَقَا عَلَيهِ، فَلاَ جُنَاحَ عَلَيهِما، وَلاَ حَرَجَ وَلاَ بَأْسَ فِي ذَلِكَ.
وَإذا اتَّفَقَ الوَالِدَانِ عَلَى أنْ يَسْتَلِمَ الوَالدُ الوَلَدَ مِنْهَا، إمَّا لِعُذْرٍ مِنْهَا، أوْ لِعُذْرٍ مِنْهُ جُنَاحَ عَلَيْهِ فِي عَرْضِهِ عَلَيْها، وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهَا فِي قَبُولِهَا مِنْهُ، إذا دَفَعَ إليها أجْرَتَها عَنِ المُدَّةِ المَاضِيَةِ بِالمَعْرُوفِ، وَقَامَ بِدَفْعِ الوَلدِ إلى مُرْضِعَةٍ أُخْرَى. وَيَحُثُّ اللهُ المُؤْمِنينَ عَلَى التَّقْوى فِي جَميعِ الأحْوالِ، وَعَلَى تَرْكِ التَّصَرُّفِ بِرغبَةِ المضَارَّةِ وَالإِيذَاءِ، وَأنْ يَعْلَمُوا أنَّ اللهَ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَهُ، وَلاَ يَخْفَى عَليهِ مِنْهُ شَيءٌ، وَأنَّهُ سَيُحَاسِبُهُمْ عَلَيهِ.
وَعَلَى الوَارِثِ - وَارِثِ الوَلَدِ عِنْدَ عَدَمِ وُجُودِ الأبِ.
أرَادا فِصَالاً - فِطَاماً لِلْوَلَدِ قَبْلَ الحَوْلَينِ.
سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ - إذا دَفَعْتُمْ مَا التَزَمْتُمْ بِهِ.
стр. 241
﴿أَزْوَاجاً﴾
(٢٣٤) - يَأمُرُ اللهُ تَعَالَى النِّسَاءَ اللَّواتِي يُتَوفَّى عَنْهُنَّ أزْوَاجُهُنَّ بِأنْ يَعْتَدِدْنَ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وَعَشْرَ ليَالٍ (وَالحُكْمُ يَشْمَلُ الزَّوْجَاتِ المَدْخُولَ بِهِنَّ وَغَيْرَ المَدْخٌولِ بِهِنَّ) ، وَلا يَشُذُّ عَنْ هَذِهِ الحَالَةِ إِلاَّ المُتَوَّفَى عَنْهَا زَوْجُها وَهِيَ حَامِلٌ، فَإنَّ عِدَّتَهَا تَكُونُ بِوَضْعِ حَمْلِها. فَإذا انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ (بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ) ، فَلاَ جُنَاحَ عَلَيهِنَّ وَلا حَرَجَ في الزّينَةِ وَالتَّصَنُّعِ، وَالتَّعرُّضِ للتَّزْويجِ، وَلاَ فِي أنْ يَأتِينَ شَريفَ الأعْمَالِ التي يَرْضَاهَا الشَّرْعُ، لِيَصِلْن بِها إلى الزَّواجِ. واللهُ خَبيرٌ بِمَا يَفْعَلُهُ العِبَادُ.
(وَخِلالَ مُدَّةِ العِدَّةِ لاَ يَحِلُّ للزَّوْجَةِ أنْ تَتَعَرَّضَ لِلخِطْبَةِ وَلا للزَّوَاجِ، وَلا للخُرُوجِ مِنَ المَنْزِلِ إِلاَّ لعُذْرٍ شَرْعِيٍّ) .
стр. 242
﴿الكتاب﴾
(٢٣٥) - وَلا جُنَاحَ عَلَيكُمْ أيُّها الرِّجَالُ وَلا حَرَجَ وَلا إثْمَ فِي أنْ تُعَرِّضُوا بِخِطْبَةِ النِّسَاءِ وَهُنَّ في العِدَّةِ، مِنْ غَيرِ تَصْرِيحٍ، كَأنْ يَقُولَ أحَدُكُمْ أريدُ الزَّوَاجَ. . . وَلا جُنَاحَ عَليكُمْ فِيما أضْمَرْتُمُوهُ فِي أنفُسِكُمْ مِنْ خِطْبَتِهِنَّ. وَاللهُ يَعْلَمُ أنَّكُمْ سَتَذْكُرونَهُنَّ في أنْفُسِكُمْ سِرّاً، فَرَفَعَ عَنْكُمْ هذا الحَرَجَ، وَلَكِنْ لا تُعْطُوهُنَّ وَعْداً بالزَّواجِ، إلا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ إشَارَةً لا نُكْرَ فيها وَلا فُحْشَ وَلاَ تَقُولُوا لَهُنَّ إنَّكُمْ عَاشِقون مَثَلاً، وَلا تَطْلُبُوا مِنْهُنَّ الوَعْدَ بِعَدَمِ الزَّوَاجِ مِنْ غَيْرِكُمْ. . إلخ فَذلِكَ مِمَّا نَهَى اللهُ تَعَالَى عَنْهُ.
وَلاَ تَعْقدُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى تَنْقَضِيَ العِدَّةَ (يَبْلُغَ الكِتَابُ أجَلَهُ) وَإذَا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ مِن امْرأَةٍ وَهِيَ في العِدَّةِ، فَقَدْ أجْمَعَ الفُقَهَاءُ عَلَى أنَّ هذا الزَّوَاجَ بَاطِلٌ. وَلكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا حَوْلَ حُرْمَةِ المَرْأةِ عَلَى الرَّجُلِ أبَداً. فَقَالَ بَعْضُ الفُقَهَاءِ: إنَّها تَحْرُمُ عَلَيهِ أبَداً، وَقَالَ آخُرونَ إنَّها لاَ تَحْرُمُ عَلَيهِ أبَدَاً، وَلَهُ أنْ يَتَقَدَّمَ إلى خِطْبَتِها إذا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا، وَيَعْقِدَ عَلَيْهَا بَعْدَ ذَلِكَ.
ويُذَكِّر اللهُ المُؤْمِنينَ بِأنَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي نُفُوسِهِمْ، وَلِذَلِكَ فَإنَّهُ يُرِيدُهُمْ ألاَّ يُضْمِرُوا فِي أنْفُسِهِمْ إلاَّ الخَيْرَ. وَالذي تَخْطُرُ عَلَى بَالِهِ خَوَاطِرُ شِرِّيرَةٌ جَعَلَ اللهُ لَهُ بَاباً لِلتَّوبَةِ وَالاسْتِغْفَارِ مِمَّا خَطَرَ لَهُ، فَاللهُ كَثيرُ الحِلْمِ لاَ يُعَجِّلُ بِالعُقُوبَةِ لِمَنْ قَارَفَ المُحَرَّمَاتِ، لَعَلَّهُ يَتُوبُ وَيَسْتَغْفِرُ رَبَّهُ وَيَرْجِعُ إليهِ.
عَرَّضْتُمْ بِهِ - لَوَّحْتُمْ بِهِ وَأشَرْتُمْ إليْهِ.
أكْنَنْتُمْ - أسْرَرْتُمْ وَأخْفُيْتُمْ.
لاَ تُواعِدُهُنَّ سِرّاً - لاَ تَذْكُرُوا لَهُنَّ صَرِيحَ النِّكَاحِ.
يَبْلُغَ الكِتَابَ أجَلَهُ - يَنْتَهِيَ المَفْرُوضُ مِنَ العِدَّةِ.
стр. 243
﴿مَتَاعاً﴾
(٢٣٦) - فِي هَذِهِ الآيةِ يُبيحُ اللهُ تَعَالَى طَلاقَ المَرْأةِ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا (المَسَاسِ) ، فَإذا طَلَّقَها قَبْلَ أنْ يَدْخُلَ بِها، وَقَبْلَ أنْ يَفْرِضَ لَهَا مَهْراً، فَلا مَهْرَ لَهَا عَليهِ، وَلكِنْ عَلَيهِ إمْتَاعُها بِشَيءٍ يُطيِّبُ بِهِ قَلْبَهَا عَلَى حَسَبِ حَالِهِ (عَلَى المُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى المُقْتِرِ قَدَرُهُ) ، وَلَمْ يُحَدِّدِ اللهُ تَعَالَى مِقْدَارَ هَذِهِ المُتْعَةِ، بَلْ وَكَّلَها إلى اجْتِهَادِ الزَّوْجِ لأنَّهُ أدْرَى بِحَالِهِ، وَالإمتَاعُ عَمَلٌ مِنْ أعْمَالِ البِرِّ يَلْتَزِمُ بِهِ ذَوُو المُرُوءَاتِ وَأهْلُ الخَيْرِ.
(وَقَالَ أبُو حَنيفَةَ: إنَّ المُتْعَةَ مُسْتَحَبَّةٌ لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ لَقْولِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بالمعروف حَقّاً عَلَى المتقين﴾ وَهِيَ وَاجِبَةٌ لِلْمُطَلَّقَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ إذَا كَانَتْ لَمْ يُفْرَضْ لَهَا مَهْرٌ.
فَريضَةً - مَهْراً.
مَتِّعُوهُنَّ - أَعْطُوهُنَّ مَا يَتَمَتَّعْنَ بِهِ.
المُوسِعِ - قَدَرُ إمْكَانِهِ وَطَاقَتِهِ.
المُقْتِرِ - الفَقِيرِ الضَّيِّقِ الحَالِ.
стр. 244
﴿أَوْ يَعْفُوَاْ﴾
(٢٣٧) - إذا طَلَّقَ الزَّوْجُ زَوْجَتَهُ وَقَدْ فَرَضَ لَهَا مَهْراً قَبْلَ أنْ يَمَسَّها، فَعَلَيهِ نِصْفُ المَهْرِ، إلاَّ أنْ تَعْفُوَ الزَّوْجَةُ أوِ الوَليُّ الذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ، أوْ يَعْفُو الزَّوْجُ وَيَتْرُكَ مَا يَعُودُ إليهِ مِنْ نِصْفِ المَهْرِ الذِي سَاقَهُ عِنْدَ العَقْدِ إليها تَكُرُّماً مِنْهُ. وَحَثَّ اللهُ تَعَالَى الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ عَلَى العَفْوِ، وَجَعَلَ اللهُ أقْرَبَهُمْ للتَّقْوَى هُوَ الذي يَعْفُو، لاَ سِيَّما إذا كَانَ الطَّلاَقُ بِلا دَاعٍ مِنْ قِبَلِ أَحَدِهِمَا. وَيَحُثُّ اللهُ المُؤْمِنينَ عَلَى أنْ لاَ يُنْسَوْا أَنَّ الخَيْرَ فِي التَّفَضُّلِ وَحُسْنِ المُعَامَلَةِ، لأنَّ ذَلِكَ أجْلَبُ للمَوَدَّةِ وَالتَّحَابِّ بَيْنَ النَّاسِ، وَيُذَكِّرُهُمْ تَعَالَى بأنّه مُطَّلِعٌ عَلَى ضَمَائِرِهِمْ، وَأنَّهُ سَيُجَازِيهِمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ.
وَإذا مَاتَ أحَدُ الزَّوْجَينِ قَبْلَ الدُّخُولِ وَجَبَ المَهْرُ كُلُّهُ لأنَّ المُوْتَ كَالدُّخُولِ يُوجِبُ المَهْرَ كُلَّهُ.
стр. 245
﴿حَافِظُواْ﴾ ﴿الصلوات﴾ ﴿والصلاة﴾ ﴿قَانِتِينَ﴾
(٢٣٨) - يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ بِالحِرْصِ عَلَى إَقامَةِ الصَّلاَةِ فِي أَوْقَاتِهَا، وَحِفْظِ حُدُودِها، وَأَدَائِهَا بِخُشُوعِها. وَالصَّلاَةُ الوُسْطَى هِيَ صَلاةُ العَصْرِ عَلَى أَرْجَحِ الأَقْوَالِ. وَيَأمُرُهُمْ تَعَالَى بِالقِيَامِ خَاشِعِينَ مُسْتَكِينِينَ بَيْنَ يَدَيهِ، مُتَفَرِّغِينَ مِنْ كُلِّ فِكْرٍ وَعَمَلٍ يَشْغَلُ عَنْ حُضُورِ القَلْبِ وَخُشُوعِهِ.
قَانِتينَ - خَاشِعِينَ مُسْتَكِينِينَ بَيْنَ يَدَي اللهِ.
الصَّلاَةِ الوُسْطَى - صَلاَةِ العَصْرِ.
стр. 246
(٢٣٩) - وَلَمَّا شَدَّدَ اللهُ تَعَالَى عَلَى المُحَافَظَةِ عَلَى الصَّلَواتِ، وَأدَائِها فِي أوْقَاتِها، ذَكَرَ حَالةَ الخَوْفِ التِي لاَ يَتَمَكَّنُ فِيها المُسْلِمُونَ مِنْ أدَاءِ الصَّلاةِ بِخُشُوعِها وَقُنُوتِها، كَحَالَةِ القِتَالِ التِي يِشْتَغِلُ فِيهَا المَرْءُ عَنْ أدَاءِ الصَّلاَةِ عَلَى الوَجْهِ الأكْمَلِ، فَطَلَبَ إلى المُسْلِمينَ أنْ يُصَلُّوا عَلَى أيِّ حَالٍ سَوَاء كَانُوا رَاجِلِينَ أوْ رَاكِبينَ، مُسْتَقْبِلِي القِبْلَةَ أوْ غَيرَ مُسْتَقْبِلِيها. فَإذا أمِنَ المُسْلِمُونَ، وَزَالَ الخَوْفُ عَنْهُمْ فَعَلَيْهمْ إقَامَةُ الصَّلاةِ كَمَا أمَرَهُمُ اللهُ، وَإتْمامُ رُكُوعِهَا وَسُجُودِهَا، وَقِيَامِهَا وَخُشُوعِها. وَكَمَا هَدَاهُمُ اللهُ لِلإِيمَانِ، وَعَلَّمَهُمْ مَا يَنْفَعُهُمْ فِي الدُّنيا وَالآخِرَةِ، فَعَلَيهِمْ أنْ يُقَابِلُوا هَذِهِ النِّعْمَةَ بالشُّكْرِ وَالذِّكْرِ.
رِجَالاً - أَيْ رَاجِلِينَ وَهُمُ الذِينَ يَسِيرُونَ عَلَى أَرْجُلِهِمْ.
رُكْبَاناً - رَاكِبينَ.
стр. 247
﴿أَزْوَاجاً﴾ ﴿لأَزْوَاجِهِمْ﴾ ﴿مَّتَاعاً﴾
(٢٤٠) - أَكْثَرُ الصَّحَابَةِ مُتَّفِقُونَ عَلَى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنْسُوخَةٌ بِآيةِ عِدَّةِ الوَفَاةِ ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ ، فَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ إذا مَاتَ وَتَرَكَ امْرأةً عِنْدَهُ، اعتَدَّتْ سَنَةً فِي بَيْتِهِ يُنْفَقُ عَليها مِنْ مَالِهِ ثُمَّ نُسِخَتْ.
وَفَسَّرَ بَعْضُهُمْ هَذِهِ الآيَةَ: إِنَّ عَلَى الأزْوَاجِ أنْ يُوصُوا لِزَوْجَاتِهِمْ بِشَيءٍ مِنْ المَالِ يُنْفِقْنَهُ مُدَّةَ الحَوْلِ، وَألاَّ يَخْرُجْنَ مِنَ البُيُوتِ سَنَةً كَامِلَةً. أمَّا إذا خَرَجْنَ قَبْلَ انْتِهَاءِ السَّنَةِ فَلا جُنَاحَ عَلَى الأوْلِياءِ أنْ يَتْرُكُوهنَّ يَتَصَرَّفْنَ فِي أنْفُسِهِنَّ بِمَا لاَ يُنْكِرُهُ الشَّرْعُ عَلَيهِنَّ. وَلاَ جُنَاحَ عَلَيهِنَّ فِي ذلِكَ. وَاللهُ قَوِيٌّ عَزيزٌ قَادِرٌ عَلَى الانْتِقَامِ، وَهُوَ حَكِيمٌ فِيمَا يُشَرِّعُ لِعِبَادِهِ.
стр. 248
﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ﴾ ﴿مَتَاعٌ﴾
(٢٤١) - اسَتَدَلَّ بَعْضُهُمْ بِهذِهِ الآيةِ عَلَة وُجُوبِ المُتْعَةِ لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ، وَجَعَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ المُتْعَةَ حَقّاً عَلَى الزَّوْجِ الذِي يَتَّقِي اللهَ وَيَخَافُهُ. وَالمُتْعَةُ وَاجِبَةٌ لِلزَّوْجَةِ غَيرِ المَدْخُولِ بِها، إذا لَمْ يَكُنْ قَدْ سُمِّي لَها مَهْرٌ، وَهِي مُسْتَحَبَّةٌ لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ غَيْرِها، جَبْراً لِخَاطِرِهَا. وَيَدْفَعُهَا الزَّوْجُ عَنْ رَضاً وَطِيبِ خَاطِرٍ لأنَّ ذَلِكَ مِمَّا تُوجِبُهُ عَليهِ تَقْوَى اللهِ.
مَتَاعٌ - مُتْعَةٌ أوْ نَفَقَةُ العدَّةِ.
стр. 249
﴿آيَاتِهِ﴾
(٢٤٢) - وَيُبَيِّنُ اللهُ تَعَالَى لَكُمْ آيَاتِهِ (أَيْ الحُدُودَ وَالأَحْكَامَ وَالشَّرْعَ) مِثْلَ هَذَا البَيَانِ الجَلِيِّ الوَاضِحِ، لِتَتَدَبَّروها وَلِتَفْهَمُوها.
стр. 250
﴿دِيَارِهِمْ﴾ ﴿أَحْيَاهُمْ﴾
(٢٤٣) - يَقُولُ المُفَسِّرُونَ أنَّ قَوْماً خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ فِرَاراً مِنْ وَبَاءٍ أَوْ مَرَضٍ حَلَّ بِهَا أَوْ خَوْفاً مِنْ عَدُوٍّ مُهَاجِمٍ وَهُمْ أُلُوفٌ كَثِيرَةٌ تَدْعُو كَثْرَتُهُمْ إلى الشَّجَاعَةِ وَالاطْمِئْنانِ إلى القُدْرَةِ عَلَى الدِّفاعِ عَنِ الأهْلِ وَالوَطَنِ وَالعِرْضِ، لا إلى الهَلَعِ وَالخَوْفِ، الذي يَحْمِلُ الخَائِفَ عَلَى الهَرَبِ لا يَلْوِي عَلَى شَيءٍ. وَقِيلَ إنَّ هَؤُلاءِ الهَارِبينَ مِنْ دِيَارِهِمْ حَذَرَ المَوْتِ نَزَلُوا وَادِياً فَأمَرَهُمُ اللهُ بِالمَوْتِ فَمَاتُوا جَمِيعاً. ثُمَّ مَرَّ نَبِيٌّ فَدَعا اللهَ أنْ يُحْييَهُمْ عَلَى يَدَيهِ، فَأحيَاهُمْ لِيَكُونُوا عِظَةً وَعِبْرَةً لِمَنْ خَلْفَهُمْ، وَلِيَعْلَمَ النَّاسُ أنَّهُ لا يَنْفَعُ حَذَرٌ مِنْ قَدَرٍ. وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ فِيمَا يُرِيهِمْ مِنْ آيَاتِهِ وَحُجَجِهِ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَقُومُونَ بِشُكْرِ اللهِ عَلَى نِعَمِهِ، وَأَفْضَالِهِ.
(وَقَالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إنَّ هَذَا مَثَلٌ لا قِصَّةٌ وَاقِعِيَّةٌ وَهُوَ يَعْنِي أَنَّ هَؤُلاءِ الأُلُوفُ الَّذِينَ دَبَّ الذُّعْرُ فِيهِمْ مِنْ أَعْدَائِهِمْ فَخَرجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ هَارِبينَ، فَجَاءَ أعْدَاؤُهم وَفَتكُوا بِهِمْ، وَفَرَّقُوا شَمْلَهُمْ، وَأصْبَحَ مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ خَاضِعاً لِلْغَالِبينَ، ثُمَّ أحْيَاهُمُ اللهُ بَعْدَ أنْ يَسَّرَ لَهُمْ جَمْعَ كَلِمَتِهِمْ، وَتَوْثيقَ رَوَابِطِهِمْ، فَقَامُوا بِمَا يَتَوَجَّبُ عَلَيهِمْ مِنْ مُجَاهَدَةِ أعْدَائِهِمْ، وَبَذْلِ الأنْفُسِ وَالأمْوَالِ فِي سَبيلِ الجَمَاعَةِ، فَخُرَجُوا مِنْ ذُلِّ العُبُودِيَّةِ إلى رِيَاضِ الحُرِّيَّةِ، وَكَانَ كُلُّ الذِي أصَابَهُمْ مِنَ البَلاَءِ تَأدِيباً لَهُمْ وَعِظَةً) .
следующие страницы →