← Тафсир

Тафсир · id 1787

أيسر التفاسير لأسعد حومد

أسعد حومد

Полный текст (6 113 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

(٢٣٩) - وَلَمَّا شَدَّدَ اللهُ تَعَالَى عَلَى المُحَافَظَةِ عَلَى الصَّلَواتِ، وَأدَائِها فِي أوْقَاتِها، ذَكَرَ حَالةَ الخَوْفِ التِي لاَ يَتَمَكَّنُ فِيها المُسْلِمُونَ مِنْ أدَاءِ الصَّلاةِ بِخُشُوعِها وَقُنُوتِها، كَحَالَةِ القِتَالِ التِي يِشْتَغِلُ فِيهَا المَرْءُ عَنْ أدَاءِ الصَّلاَةِ عَلَى الوَجْهِ الأكْمَلِ، فَطَلَبَ إلى المُسْلِمينَ أنْ يُصَلُّوا عَلَى أيِّ حَالٍ سَوَاء كَانُوا رَاجِلِينَ أوْ رَاكِبينَ، مُسْتَقْبِلِي القِبْلَةَ أوْ غَيرَ مُسْتَقْبِلِيها. فَإذا أمِنَ المُسْلِمُونَ، وَزَالَ الخَوْفُ عَنْهُمْ فَعَلَيْهمْ إقَامَةُ الصَّلاةِ كَمَا أمَرَهُمُ اللهُ، وَإتْمامُ رُكُوعِهَا وَسُجُودِهَا، وَقِيَامِهَا وَخُشُوعِها. وَكَمَا هَدَاهُمُ اللهُ لِلإِيمَانِ، وَعَلَّمَهُمْ مَا يَنْفَعُهُمْ فِي الدُّنيا وَالآخِرَةِ، فَعَلَيهِمْ أنْ يُقَابِلُوا هَذِهِ النِّعْمَةَ بالشُّكْرِ وَالذِّكْرِ. رِجَالاً - أَيْ رَاجِلِينَ وَهُمُ الذِينَ يَسِيرُونَ عَلَى أَرْجُلِهِمْ. رُكْبَاناً - رَاكِبينَ.

стр. 247

﴿أَزْوَاجاً﴾ ﴿لأَزْوَاجِهِمْ﴾ ﴿مَّتَاعاً﴾ (٢٤٠) - أَكْثَرُ الصَّحَابَةِ مُتَّفِقُونَ عَلَى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنْسُوخَةٌ بِآيةِ عِدَّةِ الوَفَاةِ ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ ، فَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ إذا مَاتَ وَتَرَكَ امْرأةً عِنْدَهُ، اعتَدَّتْ سَنَةً فِي بَيْتِهِ يُنْفَقُ عَليها مِنْ مَالِهِ ثُمَّ نُسِخَتْ. وَفَسَّرَ بَعْضُهُمْ هَذِهِ الآيَةَ: إِنَّ عَلَى الأزْوَاجِ أنْ يُوصُوا لِزَوْجَاتِهِمْ بِشَيءٍ مِنْ المَالِ يُنْفِقْنَهُ مُدَّةَ الحَوْلِ، وَألاَّ يَخْرُجْنَ مِنَ البُيُوتِ سَنَةً كَامِلَةً. أمَّا إذا خَرَجْنَ قَبْلَ انْتِهَاءِ السَّنَةِ فَلا جُنَاحَ عَلَى الأوْلِياءِ أنْ يَتْرُكُوهنَّ يَتَصَرَّفْنَ فِي أنْفُسِهِنَّ بِمَا لاَ يُنْكِرُهُ الشَّرْعُ عَلَيهِنَّ. وَلاَ جُنَاحَ عَلَيهِنَّ فِي ذلِكَ. وَاللهُ قَوِيٌّ عَزيزٌ قَادِرٌ عَلَى الانْتِقَامِ، وَهُوَ حَكِيمٌ فِيمَا يُشَرِّعُ لِعِبَادِهِ.

стр. 248

﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ﴾ ﴿مَتَاعٌ﴾ (٢٤١) - اسَتَدَلَّ بَعْضُهُمْ بِهذِهِ الآيةِ عَلَة وُجُوبِ المُتْعَةِ لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ، وَجَعَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ المُتْعَةَ حَقّاً عَلَى الزَّوْجِ الذِي يَتَّقِي اللهَ وَيَخَافُهُ. وَالمُتْعَةُ وَاجِبَةٌ لِلزَّوْجَةِ غَيرِ المَدْخُولِ بِها، إذا لَمْ يَكُنْ قَدْ سُمِّي لَها مَهْرٌ، وَهِي مُسْتَحَبَّةٌ لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ غَيْرِها، جَبْراً لِخَاطِرِهَا. وَيَدْفَعُهَا الزَّوْجُ عَنْ رَضاً وَطِيبِ خَاطِرٍ لأنَّ ذَلِكَ مِمَّا تُوجِبُهُ عَليهِ تَقْوَى اللهِ. مَتَاعٌ - مُتْعَةٌ أوْ نَفَقَةُ العدَّةِ.

стр. 249

﴿آيَاتِهِ﴾ (٢٤٢) - وَيُبَيِّنُ اللهُ تَعَالَى لَكُمْ آيَاتِهِ (أَيْ الحُدُودَ وَالأَحْكَامَ وَالشَّرْعَ) مِثْلَ هَذَا البَيَانِ الجَلِيِّ الوَاضِحِ، لِتَتَدَبَّروها وَلِتَفْهَمُوها.

стр. 250

﴿دِيَارِهِمْ﴾ ﴿أَحْيَاهُمْ﴾ (٢٤٣) - يَقُولُ المُفَسِّرُونَ أنَّ قَوْماً خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ فِرَاراً مِنْ وَبَاءٍ أَوْ مَرَضٍ حَلَّ بِهَا أَوْ خَوْفاً مِنْ عَدُوٍّ مُهَاجِمٍ وَهُمْ أُلُوفٌ كَثِيرَةٌ تَدْعُو كَثْرَتُهُمْ إلى الشَّجَاعَةِ وَالاطْمِئْنانِ إلى القُدْرَةِ عَلَى الدِّفاعِ عَنِ الأهْلِ وَالوَطَنِ وَالعِرْضِ، لا إلى الهَلَعِ وَالخَوْفِ، الذي يَحْمِلُ الخَائِفَ عَلَى الهَرَبِ لا يَلْوِي عَلَى شَيءٍ. وَقِيلَ إنَّ هَؤُلاءِ الهَارِبينَ مِنْ دِيَارِهِمْ حَذَرَ المَوْتِ نَزَلُوا وَادِياً فَأمَرَهُمُ اللهُ بِالمَوْتِ فَمَاتُوا جَمِيعاً. ثُمَّ مَرَّ نَبِيٌّ فَدَعا اللهَ أنْ يُحْييَهُمْ عَلَى يَدَيهِ، فَأحيَاهُمْ لِيَكُونُوا عِظَةً وَعِبْرَةً لِمَنْ خَلْفَهُمْ، وَلِيَعْلَمَ النَّاسُ أنَّهُ لا يَنْفَعُ حَذَرٌ مِنْ قَدَرٍ. وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ فِيمَا يُرِيهِمْ مِنْ آيَاتِهِ وَحُجَجِهِ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَقُومُونَ بِشُكْرِ اللهِ عَلَى نِعَمِهِ، وَأَفْضَالِهِ. (وَقَالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إنَّ هَذَا مَثَلٌ لا قِصَّةٌ وَاقِعِيَّةٌ وَهُوَ يَعْنِي أَنَّ هَؤُلاءِ الأُلُوفُ الَّذِينَ دَبَّ الذُّعْرُ فِيهِمْ مِنْ أَعْدَائِهِمْ فَخَرجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ هَارِبينَ، فَجَاءَ أعْدَاؤُهم وَفَتكُوا بِهِمْ، وَفَرَّقُوا شَمْلَهُمْ، وَأصْبَحَ مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ خَاضِعاً لِلْغَالِبينَ، ثُمَّ أحْيَاهُمُ اللهُ بَعْدَ أنْ يَسَّرَ لَهُمْ جَمْعَ كَلِمَتِهِمْ، وَتَوْثيقَ رَوَابِطِهِمْ، فَقَامُوا بِمَا يَتَوَجَّبُ عَلَيهِمْ مِنْ مُجَاهَدَةِ أعْدَائِهِمْ، وَبَذْلِ الأنْفُسِ وَالأمْوَالِ فِي سَبيلِ الجَمَاعَةِ، فَخُرَجُوا مِنْ ذُلِّ العُبُودِيَّةِ إلى رِيَاضِ الحُرِّيَّةِ، وَكَانَ كُلُّ الذِي أصَابَهُمْ مِنَ البَلاَءِ تَأدِيباً لَهُمْ وَعِظَةً) .

стр. 251

﴿وَقَاتِلُواْ﴾ (٢٤٤) - وَيَحُثُّ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ عَلَى الجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ لإِعْلاَءِ كَلِمَةِ اللهِ، وَتَأمِينِ الدَّعْوَةِ وَالدِّفَاعِ عَنْ بلادِ الإِسْلاَمِ. وَيُذَكِّرُهُمْ بِأنَّ القُعُودَ عَنِ الجِهَادِ خَوفَ المَوْتِ لا يُطِيلُ عُمْراً، كَمَا أنَّ الجِهَادَ لاَ يُقَرِّبُ أجَلاً، فَلِكُلِّ أجَلٍ كِتَابٌ. وَأيْنَما كَانَ الإِنسَانُ فَالمَوْتُ مُدْرِكُهُ، وَاللهُ سَمِيعٌ لِمَا يَقُولُهُ العَبْدُ، عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُهُ، وَعَلى العَبْدِ أنْ يُحَاسِبَ نَفْسَهُ حَتَّى يَتَجَلَّى لهُ تَقْصِيرُهُ فَيُشَمِّرُ عَنْ سَاعِدِ الجِدِّ لِتَدارُكِ مَا فَاتَ.

стр. 252

﴿فَيُضَاعِفَهُ﴾ ﴿وَيَبْسُطُ﴾ (٢٤٥) - يَحُثُّ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنينَ عَلَى الإِنْفاقِ فِي سَبيلِ اللهِ، وَجَعَلَ ما يُنْفِقُهُ العَبْدُ لإِعْلاَءِ كَلِمَةِ اللهِ قَرْضاً يَرُدُّهُ اللهُ إلى أصْحَابِهِ أضْعَافاً مُضَاعَفَةً، وَاللهُ هُوَ الذِي يَقْبِضُ الرِّزْقَ وَيُضَيِّقُهُ عَلَى بَعْضِ عِبَادِهِ، لِحِكْمَةٍ لاَ يَعْلَمُها إلاَّ هُوَ، وَهُوَ الذِي يَبْسُطُ الرِّزْقَ وَيُوسعِهُ عَلى بَعْضِهِم الآخرِ وَفْقَ حِكْمَتِهِ، فَلَيسَ لِلْعِبَادِ أنْ يَخْشَوا إذَا أنْفَقُوا الفَاقَةَ. وَيَرْجِعُ الخَلْقُ إلى اللهِ فِي الآخِرَةِ فَيُجَازِيهِمْ عَلَى مَا بَذَلُوا مِنْ مَالٍ وَنَفْسٍ فِي سَبيلِ إِعْلاءِ كَلِمَةِ اللهِ. قَبَضَ الرِّزْقَ - ضَيَّقَهُ وَقَتَرهُ. بَسَطَ الرِّزْقَ - وَسَّعَهُ وَأفَاضَهُ. قَرْضاً حَسَناً - احْتِسَاباً بِهِ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ.

стр. 253

﴿اإِسْرَائِيلَ﴾ ﴿نُّقَاتِلْ﴾ ﴿تُقَاتِلُواْ﴾ ﴿نُقَاتِلَ﴾ ﴿دِيَارِنَا﴾ ﴿وَأَبْنَآئِنَا﴾ ﴿بالظالمين﴾ (٢٤٦) - قَالَ المُفَسِّرُونَ إنَّ بني إسرائيلَ كَانَوا فِي زَمَنِ مُوسَى عَلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ، وَلَبِثُوا عَلَى ذَلِكَ مُدَّةً مِنَ الزَّمَن. ثُمَّ تَضَعضَعَ أَمْرُهُمْ، وَعَبَدَ بَعْضُهُمُ الأوْثّانَ، وَضَاعَ المُلْكُ مِنْهُمْ. وَتَسَلَّطَ عَلَيهمْ أَعَداؤُهُمْ، فَأخْرَجُوهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ بِالقَهْرِ، فَأَرْسَلَ اللهُ إليْهِمْ نَبْيّاً، وَأمَرَهُ بِدِعْوَتِهِمْ إلى اللهِ، وَإلى عِبَادِةِ رَبِّهِمْ وَتَوْحِيدِهِ. فَدَعَاهُمُ النَّبِيُّ، فَطَلَبُوا مِنْهُ أنْ يُقِيمَ لَهُمْ مَلِكاً يُقَاتِلُونَ مَعَهُ أَعْدَاءَهُمْ. فَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ: لَعَلَّكمْ إنْ أقَامَ اللهُ لكُمْ مَلِكاً ألاَّ تُقَاتِلُوا فِي سَبيلِ اللهِ، وَألاَّ تُوفُوا بِمَا التَزَمْتُمْ بِهِ مِنَ القِتَالِ مَعَهُ. فَقَالُوا: كِيْفَ لا نُقَاتِلُ فِي سَبيلِ اللهِ وَقَدْ ضَاعَتْ بِلادُنَا، وَسُبيَتْ ذَرارِينا؟ فَلَمّا كُتِبَ عَلَيهِمُ القِتَالُ لَمْ يُوفُوا بِمَا وَعَدُوا، وَنَكَلُوا عَنِ الجِهَادِ وَاللهُ عَليمٌ بِالظَّالِمينَ النَّاكِلِينَ عَن الجِهَادِ دِفَاعاً عَنْ دِينِهِمْ وَأَرْضِهِمْ وَأمَّتِهِمْ. المَلأ - كُبَرَاءِ القَوْمِ. عَسَيْتُمْ - قَارَبْتُمْ.

стр. 254

﴿اصطفاه﴾ ﴿وَاسِعٌ﴾ (٢٤٧) - كَانَ مُلْكُ بَنِي إسْرَائِيلَ فِي سِبْطِ يَهُوذا وَلَمَّا قَالَ لَهُم النَّبِيُّ إنّ المَلِكَ سَيَكُونُ طَالُوتَ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ بَيْتِ يَهُوذا، احْتَجُّوا عَلَى ذَلِكَ، وَقَالُوا كَيْفَ يَكُونُ لَهُ المُلْكُ عَلَينا وَهُوَ لَيْسَ مِنْ بَيْتِ المَلِكِ، وَلَيْسَ مِنَ الأغْنِياءِ الذِينَ يَسْتَطِيعُونَ تَحَمُّلَ نَفَقَاتِ المُلْكِ؟ فَقَالَ لَهُمْ النَّبِيُّ: إنَ اللهَ اصْطَفَاهُ وَاخْتَارَهُ عَلَيْكُمْ، وَاللهُ أَعْلَمُ مِنْكُمْ بِهِ، وَزَادَهُ عِلْماً وَقُوَّةً في بَدَنِهِ، وَجَعَلَهُ أصْبَرَ مِنْكُمْ عَلَى الحُرُوبِ، وَاللهُ هُوَ الحَاكِمُ الذِي يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، وَلا يُسْأل عَمَّا يَفْعَلُ، وَهُوَ وَاسِعُ العِلْمِ وَالفُضْلِ، يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ، وَهُوَ عَليمٌ بِمنْ يَسْتَحِقُّ المُلْكَ مِمَّنْ لاَ يَسْتَحِقُّهُ. أنَّى يَكُونُ - مِنْ أيْنَ لَهُ أنْ يَكُونَ، أوْ كَيفَ لَهُ أنْ يَكُونَ؟ زَادَهُ بَسْطَةً - سَعَةً وامْتِداداً وَفضِيلَةً.

стр. 255

﴿آيَةَ﴾ ﴿آلُ موسى وَآلُ هَارُونَ﴾ ﴿الملائكة﴾ (٢٤٨) - كَانَ عِنْدَ بَنِي إِسْرَائِيلَ التَّوْرَاةُ وَتَابُوتُ العَهْدِ الذِي كَانَ عِنْدَهُمْ مُنْذُ مَطْلِعِ تَارِيخِهِمْ، وَكَانَ يَرِثُهُ خَلَفُهُمْ عَنْ سَلَفِهِمْ، وَكَانُوا يَتَبَرَّكُونَ بِهِ فِي حُرُوبِهِمْ. وَلَمَّا ضَلُّوا وَبَغَوْا سَلَّط اللهُ عَلَيْهِمْ مَنْ سَلَبَهُمْ إيَّاهُ (وَهُمُ العَمَالِيقُ الفِلَسْطِينِيُّونَ) ، وَقَدْ حَارَبُوا اليَهُودَ وَانْتَصَرُوا عَلَيهِمْ، فَأَخَذُوا التَّابُوتِ وَنَكَّلُوا بِهِمْ تَنْكِيلا شَدِيداً، فَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إنَّ عَلامَةِ رِضَا اللهِ عَلَى مُلْكِ طَالُوتَ هُوَ أنْ يَرُدَّ عَليكُمُ التَّابُوتَ فَيُورِثكُم رَدُّهُ عَلَيكُم السَّكِينَة والطُّمَأنِينَةَ. وَفِي التَّابُوتَ التَّورَاةُ وَبَقِيَّةُ مِمَّا تَرَكَ مُوسَى وَهَارُونُ وَمِنْهَا بَقَايَا الألْوَاحِ. فَجَاءَتِ المَلاَئِكَةُ تَحْمِلُ التَّابُوتَ وَوَضَعَتْهُ بَيْنَ يَدَي طَالُوتَ وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ. وَفِي ذَلِكَ آيةٌ لِبني إسْرَائِيلَ عَلَى صِدْقِ نُبُوَّةِ نَبِيِّهِمْ، وَعَلَى صِدْقِهِ فِيمَا أمَرَهُمْ بِهِ رَبُّهُمْ مِنْ وُجُوبِ إطَاعَةِ طَالُوتَ، هَذا إنْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَاليومِ الآخَرِ. التَّابُوتُ - صُنْدُوقٌ كَانَ بَنُو إِسْرَائيلَ يَضَعُونَ فِيهِ التَّورَاةَ. فِيهِ سَكِينةٌ - سُكُونٌ وَطُمَأنِينةٌ لِقُلُوبِكُمْ.

стр. 256

﴿آمَنُواْ﴾ ﴿مُلاَقُواْ﴾ ﴿الصابرين﴾ (٢٤٩) - وَلَمَّا خَرَجَ طَالُوتُ بِجَيْشِهِ مِنَ البَلَدِ مُتَّجِهاً إلى حَرْبِ الأَعْدَاءِ، وَكَانَ الوَقْتُ قَائِضاً، سَألَ بَنُو إِسْرائِيلَ طَالُوتَ المَاءَ، فَقَالَ لَهُمْ إنَّ اللهَ مُخْتَبِرُكُمْ بِنَهْرٍ سَتَمُرُّونَ بِهِ (وَهُوَ نَهْرُ الأُرْدُنِّ عَلَى قَوْلٍ) فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلا يُصَاحِبْنِي، وَمَنْ لَمْ يَشْرَبْ مِنْهُ فَلْيُصَاحِبْنِي، وَلَكِنْ لاَ بَأَسَ فِي أنْ يَغْتَرِفَ الوَاحِدُ غُرْفَةً بَيَدَيهِ يَبُلُّ بِهَا رِيقَهُ، فَتَمَرَّدَ أكْثَرُهُمْ، وَشَربُوا مِنَ النَّهْرِ، وَبَقِيَ طَالُوتُ فِي فِئةٍ قَليلَةٍ مِنْ جُنُودِهِ، فَاجْتَازَ بِهِم النَّهْرَ، فَلَمَا نَظَرَ أصْحَابُ طَالُوتَ إلى قِلَّةِ عَدَدِهِمْ، وَكَثْرَةِ عَدُوِّهِمْ، قَالُوا: إِنَّهُمْ لا يَسْتَطِيعُونَ مُحَارَبَةَ جَالُوتَ وَجُنُودِهِ لِقِلَّةِ عَدَدِهِمْ، فَشَجَّعَهُمْ عُلَمَاؤهُمْ، وَقَالُوا لَهُمْ: إنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ، وَإنَّ النَّصْرَ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَلَيْسَ بِكْثَرَةِ العَدَدِ وَالعُدَّةِ، وَكثيراً مَا غَلَبَتْ قُوَّةٌ صَغِيرةٌ مُؤْمِنَةٌ مُخْلِصَةٌ فِي قِتَالِهَا، فِئَةً كَثِيرَة العَدَدِ بِإذْنِ اللهِ، وَاللهُ يُؤَيِّدُ الصَّابِرِينَ وَيَنْصُرُهُمْ. فَصَلَ - انْفَصَلَ عَنِ المَدِينَةِ. مُبْتَلِيكُمْ - مُخْتَبِرُكُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ. اغْتَرَفَ - أَخَذَ بِيَدِهِ. لاَ طَاقَةَ لَنَا - لاَ قُدْرَةَ وَلاَ قُوَّةَ لَنَا. فِئَةٍ - جَمَاعَةٍ مِنَ النَّاسِ.

стр. 257

﴿الكافرين﴾ (٢٥٠) - وَلَمّا تَقَدَّمَ المُؤْمِنُون المُتَوَكِّلُونَ عَلَى اللهِ مَعَ طَالُوتَ لِقِتَالِ جَالُوتَ وَجُنُودِهِ، دَعَوا اللهَ وَرَجَوْهُ أنْ يُنْزِلَ عَلَيهِم الصَّبْرَ عَلَى الشِّدَّةِ، وَأنْ يُثَبِّتَ أقْدَامَهُم عِنْدَ لِقَاءِ أَعْدَائِهِمْ، وَأنْ يُجَنِّبَهُمُ العَجْزَ وَالفِرَارَ، وَأنْ يَمُنَّ عَلَيهِمْ بِالنَّصْرِ عَلَى القَوْمِ الكَافِرِينَ. بَرَزُوا - ظَهَرُوا وَانْكَشَفُوا.

стр. 258

﴿وَآتَاهُ﴾ ﴿العالمين﴾ (٢٥١) - فَهَزَمَ المُؤْمِنُونَ الذِينَ كَانُوا مَعَ طَالُوتَ أعْدَاءَهُمُ الكَافِرِينَ بِإذْنِ اللهِ، وَقَتَلَ دَاوُدُ (مِنْ جَيْشِ طَالُوتَ) جَالُوتَ مَلِكَ الكُفَّارِ، وَمَنَّ اللهُ عَلَى دَاوُدَ بِأنْ آتَاهُ المُلْكَ الذِي كَانَ بِيَدِ طَالُوتَ، وَالنُّبُوَّةَ (الحِكْمَةَ) ، وَعَلَّمَهُ اللهُ مِنَ العِلْمِ الذِي اخْتَصَّهُ بِهِ، وَلُوْلا أنَّ اللهَ يَدْفَعُ بَأسَ أهْلِ البَغْيِ وَالجَوْرِ وَالآثَامِ، بِأهْلِ الصَّلاَحِ وَالخَيْرِ، لِغَلَبَ أَهْلَ الفَسَادِ، وَبَغَوْا عَلَى الصَّالِحينَ، وَصَارَ لَهُمْ سُلْطَانٌ فَفَسَدَتِ الأرْضُ، فَكَانَ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ أنْ أذِنَ لِلْمُصْلِحِينَ بِقِتَالِ البُغَاةِ المُفْسِدِينَ. وَاللهُ يَمُنُّ عَلَى عِبَادِهِ وَيَرْحَمُهُمْ وَيَدْفَعُ عَنْهُمْ، وَلَهُ الحِكْمَةُ وَالحُجَّةُ عَلَى خَلْقِهِ فِي جَميعِ أقْوَالِهِ وَأفْعَالِهِ. الحِكْمَةَ - النُّبُوَّةَ.

стр. 259

﴿آيَاتُ﴾ (٢٥٢) - وَهَذِهِ القَصَصُ التِي قَصَّهَا اللهُ تَعَالَى عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ إِنَّما قَصَّها بِالحَقِّ (أيْ بِالوَاقِعِ الذِي كَانَ الأمرُ عَلَيهِ، وَهُوَ مُطَابِقٌ لِمَا بَيْنَ يَدَي أهْلِ الكِتَابِ مِنَ الحَقِّ) لِتَكًونَ لِلنَّبِيِّ ﷺ أُسْوةٌ يَتأسَّى بِها، وَلِتَكُونَ دَليلاً عَلَى صِدْقِ نُبُوَّتِهِ، وَلِيَعْلَمَ أنَّ الله سَيَنْصُرُهُ كَمَا نَصَرَ مَنْ جَاءَ قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ، وَلِيعَلْمَ أنَّهُ مِنَ المُرْسَلِينَ الذِينَ اصْطَفَاهُمُ اللهُ لِحَمْلِ رِسَالَتِهِ.

стр. 260

﴿دَرَجَاتٍ﴾ ﴿وَآتَيْنَا﴾ ﴿البينات﴾ ﴿وَأَيَّدْنَاهُ﴾ ﴿البينات﴾ ﴿آمَنَ﴾ (٢٥٣) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى أنَّ الرُّسُلَ الذِينَ ذَكَرَهُم قَدْ فَضَّلَ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي مَرَاتِبِ الكَمَالِ وَالشَّرَفِ، فَخَصَّ بَعْضَهُمْ بِمَآثِرَ جَلِيلةٍ خَلاَ عَنْها غَيْرُهُ مَعَ اسْتِوائِهِمْ جَمِيعاً فِي اخْتِيارِهِ تَعَالَى لإِبْلاغِ رِسَالَتِهِ، وَهدايَةِ خَلْقِهِ. فَمِنْهُم مُوسَى الذِي كَلَّمَهُ اللهُ مِنْ غَيْرِ سَفِيرٍ. وَمِنْهُمْ مَنْ رَفَعَهُ اللهُ مَرَاتِبَ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الرُّسُلِ، وَهُوَ مُحَمَّدٌ ﷺ عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَيُؤَيِّدُهُ السِّيَاقُ أيْضاً. وَمِنْ هذِهِ الدَّرَجَاتِ مَا هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِأخْلاَقِهِ الشَرِيفَةِ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّكَ لعلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ ، وَمِنْهَا مَا هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِكِتَابِهِ وَشَرِيعَتِهِ ﴿إِنَّ هذا القرآن يَِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ ، وَمُحَمَّدٌ ﷺ لَمْ يُؤْتَ مِنَ المُعْجِزَاتِ أَعْظَمَ مِنَ مُعْجِزَةِ القُرآنِ. وَمِنْهَا مَا هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِأمَّتِهِ الذِينَ اتَّبَعُوهُ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بالمعروف وَتَنْهَوْنَ عَنِ المنكر﴾ ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى الناس﴾ (وَرُوِيَ عَن الرَّسُولِ ﷺ قَوْلُهُ: " فُضِّلْتُ عَلَى الأَنْبِياءِ بِسِتٍّ: أوتِيتُ جَوَامِعَ الكَلِمِ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وَأحِلَّتْ لِيَ الغَنَائِمُ، وَجُعِلتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِداً وَطَهُوراً، وَأرْسِلْتُ إلى الخَلْقِ كَافَّةً، وَخُتِمَ بِيَ النَّبِيُّونَ ") . وَفَضَّلَ اللهُ تَعَالَى عَيسَى ﵇ بِأنْ آتَاهُ البَيِّنَاتِ (وَهِيَ مَا يُتََبَيَّنُ بِهِ الحَقُّ مِنَ الآيَاتِ وَالدَّلاَئِلِ) ، وَأيَدَّهُ بِرُوحِ القُدْسِ، (وَهُوَ جِبْرِيلُ ﵇ وَقَدْ خَصَّ اللهُ عِيسَى بِإيْتَاءِ البَيِّنَاتِ تَقْبِيحاً لإِفْرَاطِ اليَهُودِ فِي تَكْذِيبِهِ وَانْتِقَاصِهِ، وَلإِفْراطِ النَّصَارَى فِي تَعْظِيمِهِ حَتَّى أَخْرَجُوهُ مِنْ مَرْتَبَةِ الرِّسَالَةِ إلى مَرْتَبَةِ الأُلُوهِيَّةِ. وَكَانَ مِنْ مُقْتَضَى ذَلِكَ أنْ يُؤْمِنَ النَّاسُ جَمِيعاً، وَألاَّ يَخْتَلِفُوا وَلاَ يَقْتَتِلُوا. وَلَوْ شَاءَ اللهُ أَلاَّ يَقْتتِلَ النَّاسُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الرُّسُلُ بِالآيَاتِ الوَاضِحَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى الحَقِّ، لَمَا حَدَثَ اقْتِتَالٌ وَلاَ اخْتِلاَفٌ. وَلَكِنْ لَمْ يَشَأِ اللهُ ذَلِكَ، وَلِهَذَا اخْتَلَفُوا، فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ. وَقَدْ نَهَى اللهُ تَعَالَى المُسْلِمينَ عَنِ الاخْتِلافِ وَالتَّفَرُّقِ، وَأمَرَهُمْ بِالاتِّحَادِ وَالوِئَامِ، فَامْتَثَلُوا أمْرَهُ ثُمَّ عَادُوا إلى الاخْتِلاَفِ. وَلَوْ شَاءَ اللهُ جَمْعَهُمْ عَلَى الحَقِّ، لَفَعَلَ، وَلَكِنَّهُ تَعَالَى يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ لِحِكْمَةٍ لا يُقَدِّرُهَا إلاّ هُوَ. بِرُوحِ القُدسِ - جِبْرِيلُ، ﵇.

стр. 261

﴿ياأيها﴾ ﴿آمنوا﴾ ﴿رَزَقْنَاكُم﴾ ﴿شَفَاعَةٌ﴾ ﴿والكافرون﴾ ﴿الظالمون﴾ (٢٥٤) - يَأمُرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ بِالإِنْفَاقِ مِمَّا رَزَقَهُمْ فِي دَفْعِ زَكَاةِ أَمْوالِهِمْ، وَفِي سَبِيلِ الخَيْرِ فِي الحَيَاةِ الدُّنيا، لِيَكْسِبُوا ثَوَابَ اللهِ وَرِضْوَانَهُ فِي الآخِرَةِ، فَإِذَا جَاؤُوهُ يَوْمَ القِيَامَةِ - وَهُوَ يَوْمٌ لاَ يَنْفَعُ فِيهِ الإِنْسَانَ إلاّ عَمَلُهُ الصَّالِحُ الطَّيِّبُ فِي الحَيَاةِ الدُّنيا وَلا تَنْفَعُهُ فِيهِ صَدَاقَةٌ وَلا شَفَاعَةُ شفَيعٍ - وَجَدُوا ما أنْفَقُوا عَمَلاً صَالِحاً لَهُمْ يَنْفَعُهُمْ عِنْدَ اللهِ. وَلَيْسَ أَحَدٌ أَكْثَرَ ظُلْماً لِنَفْسِهِ مِمَّنْ يَأتِي اللهَ يَوْمَ القِيَامَةِ كَافراً بِرَبِّهِ، شَحِيحاً بَخِيلاً مُمْتَنِعاً عَنْ دَفْعِ زَكَاةِ مَالِهِ وَعَنِ الإِنْفَاقِ فِي سَبيلِ اللهِ. لاَ خُلَّةٌ - لا مَوَدَّةٌ وَلاَ صَدَاقَةٌ.

стр. 262

﴿السماوات﴾ ﴿يَؤُودُهُ﴾ (٢٥٥) - هَذِهِ آيةُ الكُرْسِيِّ، وَلَهَا شَأنٌ عَظِيمٌ، وَهِيَ تَشْتَمِلُ عَلَى عَشِرْ جُمَلٍ مُسْتَقِلَّةٍ: اللهُ لا إلهَ إلاَّ هُوَ - وَهُوَ إخْبَارٌ بِأنَّهُ تَعَالَى هُوَ المُتَفَرِّدُ بِالألُوهِيَّةِ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ، وَهُوَ الذِي يَسْتَحِقُّ أنْ يُعبَدَ دُونَ سِوَاهُ. الحَيُّ القَيُّومُ - الحَيُّ فِي نَفْسِهِ، الذِي لاَ يَمُوتُ أَبَداً. وَالقَيِّمُ عَلَى غَيْرِهِ، وَهُوَ القَائِمُ بِتَدْبِيرِ أمْرِ عِبَادِهِ، يَكْلُؤُهُمْ وَيَحْفَظَهمْ وَيَرَعَاهُمْ وَيَرْزُقُهُمْ، وَلا قِوَامَ لِلْمَخْلُوقَاتِ بِدُونِ أمْرِهِ. لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ - لاَ يَعْتَرِيهِ نَقْصٌ وَلا غَفْلَةٌ وَلا ذُهُولٌ عَنْ خَلْقِهِ، وَمِنْ تَمَامِ القَيُومَةِ أنْ لاَ يَعْتَرِيهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ، لأنَّ اعْتِراءَ النُّعَاسِ وَالوَسَن دَليلٌ عَلَى العَجْزِ وَالضُّعْفِ. لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ - وَهُوَ إِخْبَارٌ بِأَنَّ جَمِيعَ مَنْ فِي الكَوْنِ عَبيدٌ لَهُ وَفي مُلْكِهِ وَتَحْتَ قَهْرِهِ وَسُلْطَانِهِ، وَهُوَ المُتَصَرِّفُ بِشُؤونِهِمْ، الحَافِظُ لِوُجُودِهِمْ. مَنْ ذا الذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلاَّ بِإذْنِهِ - وَمِنْ عَظَمَتِهِ، جَلَّ شَأْنُهُ وَعَلا، لاَ يَجْرُؤْ أَحْدٌ عَلَى أنْ يَشْفَعَ لأَحَدٍ عِنْدَهُ إِلا إذا أذِنَ لَهُ بِالشَّفَاعَةِ، وَلا يَتَكَلَّمُ أَحَدٌ بِدُونِ إِذْنِهِ. يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ - وَهذا دَلِيلٌ عَلَى إِحَاطَتِهِ عِلْماً بِكُلِّ شَيءٍ فِي المَاضِي وَالحَاضِرِ وَالمُسْتَقْبَلِ، وَهُوَ يَعْلَمُ أُمُورَ الدُّنيا التِي خَلَّفُوهَا، وَأُمُورَ الآخِرَةِ التِي يَسْتَقْبِلُونَها. وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ - وَلاَ يَطَّلِعُ أحَدٌ مِنْ خَلْقِهِ عَلَى شَيءٍ مِنْ عِلْمِ اللهِ إِلاَّ مَا عَلَّمَهُ اللهُ، وَأطْلَعَهُ عَلَيهِ، وَأذِنَ لَهُ بِهِ. وَلا يُعرف إذْنُهُ تَعَالَى إِلاَّ بِوَحْيٍ مِنْهُ. وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ - وَالكُرْسِيُّ غَيْرُ العَرْشِ، وَهُوَ أَصْغَرُ مِنْهُ. وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَا الْكُرْسِيُّ فِي العَرْشِ إِلاَّ كَحَلَقَةٍ مِنْ حَدِيدٍ أُلْقَيَتْ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ فَلاَةٍ فِي الأَرْضِ. وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا - وَلاَ يُعْجِزُهُ حِفْظُ السَّماوَاتِ وَالأرْضَ وَما فِيهِمَا وَمَا بَيْنَهُمَا بَلْ هُوَ سَهْلٌ عَلَيهِ يَسِيرٌ؛ فَلاَ يَعْزِبُ عَنْ عِلْمِهِ شَيءٌ، وَلا يَغَيبُ عَنْهُ شَيءٌ. وَهُوَ العَلِيُّ العَظِيمُ - وَهُوَ الكَبِيرُ المَتَعَالِي عَنِ النَّقْصِ، العَظِيمُ بِجَلاَلِهِ وَسُلْطَانِهِ.

стр. 263

﴿الطاغوت﴾ (٢٥٦) - يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ بِألاَّ يُكْرِهُوا أَحَداً عَلَى الدُّخُولِ فِي الإِسْلامِ، لأنَّ الإِسْلاَمَ بَيِّنٌ وَاضِحٌ لاَ يَحْتَاجُ إلى أنْ يُكْرَهَ أحَدٌ عَلَى الدُّخُولِ فِيهِ. وَالإِيمانُ إذْعَانٌ وخُضُوعٌ، وَلا يَكُونَ ذَلِكَ بِالإِلْزامِ وَالإِكراهِ. وَإنما يَكونُ بِالحُجَّةِ وَالدَّليلِ وَالبُرْهَانِ، وَقَدْ ظَهَرَ أنَّ فِي هذا الدِّينِ الرُّشْدَ والصَّلاَحَ، وَأنَّ مَا خَالَفَهُ مِنَ المِلَلِ الأخْرى غَيٌّ وَضَلالٌ. فَمَنْ كَفَرَ بِالأَنْدَادِ وَالأَوْثَانِ وَمَا يَدْعُو إِلَيهِ الشَّيْطَانُ مِنْ عِبِادَةِ كُلِّ مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ (أَيْ وَمَنْ كَفَرَ بِمَا تَكُونُ عِبَادَتُهُ وَالإِيمَانُ بِهِ سَبَباً فِي الطُّغْيَانِ وَالخُرُوجِ عَنِ الحَقِّ مِنْ عِبَادَةِ مَخْلُوقٍ) فَقَدْ ثَبَتَ أَمْرُهُ، وَاسْتَقَامَ عَلَى الطَّرِيقَةِ المُثْلَى، وَأَمْسَكَ بِأوْثَقِ عُرَى النَّجَاةِ التي تَمْنَعُهُ مِنَ التَّرَدِّي فِي مَهَاوِي الضَّلاَلاَتِ. وَاللهُ سَمِيعٌ لأَقْوَالِ مَنْ يَدَّعِي الكُفْرَ بِالطَّاغُوتِ، وَالإِيمَانَ بِاللهِ. عَلِيمٌ بِمَا يُكِنُّهُ قَلْبُهُ مِمّا يُصَدِّقُ هَذا أوْ يُكَذِّبُهُ. الطَّاغُوتِ - هُوَ كُلُّ مَا كَانَ عَليهِ أهْلُ الجَاهلِيَّةِ مِنْ عِبَادَةِ الأَوْثَانِ وَالتَّحَاكُمِ إِلَيها، وَالاسْتِنْصَارِ بِهَا، وَقِيلَ أَيْضاً إِنَّ الطّاغُوتَ هُوَ الشَّيْطَانُ. تَبَيَّنَ الرُّشْدُ - تَمَيَّزَ الهُدَى وَالإِيمَانُ. مِنَ الغَيِّ - مِنَ الضَّلالِ وَالكُفْرِ. بِالعُرْوَةِ الوُثْقَى - بِالعَقِيدَةِ الوَثيقَةِ المُحْكَمَةِ. لا انْفِصَامَ لَهَا - لا انْقِطَاعَ وَلاَ زَوَالَ.

стр. 264

﴿آمَنُواْ﴾ ﴿الظلمات﴾ ﴿الطاغوت﴾ ﴿الظلمات﴾ ﴿أولئك﴾ ﴿أَصْحَابُ﴾ ﴿خَالِدُونَ﴾ (٢٥٧) - اللهُ وَليُّ الذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَهُ، فَيُخْرِجُهُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الكُفْرِ والشَّكِّ وَالرَّيبِ إلى نُورِ الحَقِّ الوَاضِحِ. وَالمُؤْمِنُ لاَ وَليَّ لَهُ، وَلاَ سُلْطَانَ لأَحَدٍ عَلَى اعْتِقَادِهِ إِلاَّ اللهُ تَعَالَى. أَمَّا الذِينَ كَفَرُوا فَوَلِيُّهُمُ الشَّيْطَانُ، يُزَيِّنُ لَهُمْ مَا هُمْ فِيهِ مِنَ الضَّلاَلَةِ وَالجَهَالَةِ، وَيُخْرِجَهُمْ عَنْ طُرِيقِ الحَقِّ وَنُورِهِ، إِلى الكُفْرِ وَظُلُمَاتِهِ، وَيُؤدِّي بِهِمْ إلى نَارِ جَهَنَّمَ لِيَبْقَوا فِيها خَالِدِينَ أَبدَاً. وَالنُّورُ هُوَ الحَقُّ، وَالحَقُّ وَاحِدٌ، أمَّا الظُّلُمَاتُ وَهِيَ الكُفْرُ فَهِيَ أجْنَاسٌ.

стр. 265

﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ ﴿آتَاهُ﴾ ﴿الظالمين﴾ ﴿يُحْيِي﴾ ﴿أُحْيِي﴾ (٢٥٨) - أَلَمْ يَنْتَهِ إِلَى عِلْمِكَ يَا مُحَمَّدُ نَبَأ المَلِكِ الذِي ادَّعى الرُّبُوبِيَّةَ، فَجَادَلَ إِبْرَاهِيمَ فِي وُجُودِ رَبِّهِ؟ وَمَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ إِلاَّ الطُغْيَانُ وَالكُفْرُ وَالتَّجَبُّرُ وَطُولُ مُدَّتِهِ في المُلْكِ، فَطَلَبَ مِنْ إِبْرَاهِيمَ دَليلاً عَلَى وُجُودِ اللهِ، الذِي يَدْعُو إليهِ. فَقَالَ إِبْراهِيمُ: إنَّ رَبِّي هُوَ الذِي يَخْلُقُ الحَيَاةَ، وَهُوَ الذِي يَعْدِمُها. فَقَالَ لَهُ المَلِكُ المُجَادِلُ المُدَّعِي الرُّبُوبِيَّة (وَقِيلَ إنَّهُ النَّمْرُودُ بْنُ كِنْعَانَ) ؛ إنَّهُ قَادِرٌ عَلَى أنْ يُحْيِيَ بِالعَفْوِ مَنْ حُكِمَ عَلَيهِ بِالإِعْدامِ، وَيُمِيتَ مَنْ شَاءَ إِماتَتَهُ بِأنْ يَأمُرَ بِقَتْلِهِ. فَقَالَ إِبرَاهيمُ: إِنَّ الذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَادِرٌ عَلَى التَّصرُّفِ فِي الوُجُودِ، وَتَسْخِيرِ الكَواكِبِ وَحَرَكَاتِهَا، فَإِنْ كُنْتَ كَمَا تَدَّعِي إلهاً فَبَدِّلْ حَرَكَةَ الشَّمْسِ التي تَطْلُعُ مِنَ المَشْرِقِ، فَاجْعَلْها تَطْلُعُ منَ المَغْرِبِ. فَبُهِتَ الذي كَفَرَ وَأُبْلِسَ، إذْ قَامَتْ عَلَيهِ الحُجَّةُ، وَاللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمينَ وَلا يُلْهِمُهُمْ حُجَّةً وَلاَ بُرْهَاناً. بُهِتَ - تَحَّيرَ وَانْقَطَعَتْ حُجَّتُهُ

стр. 266

﴿يُحْيِي﴾ ﴿آيَةً﴾ (٢٥٩) - واذْكُرْ يَا مُحَمَّدُ مَثَلاً مِنْ الأمْثَالِ البَالِغَةِ الغَرَابَةِ، وَهُوَ مَثَلُ الرَّجُلِ الذِي مَرَّ عَلَى قَرْيةٍ خَالِيَةٍ مِنْ سُكَّانِهَا (وَقِيلَ هِيَ بَيْتُ المَقْدِسِ بَعْدَ أَنْ خَرَّبَها بَخْتَنَصَّرُ) وَقَدْ خَرِبَتْ وَسَقَطَتْ سُقُوفُها عَلَى عَرْصَاتِها، فَأَخَذ يَتَفَكَّرُ فِيمَا آلَ إليهِ حَالُها، وَقَدْ كَانَتْ عَامِرَةً فِيمَا سَلَفَ مِنَ الأَزْمَانِ، وَسَأَلَ نَفْسَهُ كَيْفَ (أَنَّى) يَسْتَطِيعُ اللهُ أنْ يُحْيِيَ هَذِهِ القَرْيَةَ، وَيُعِيدَها إِلَى مَا كَانَتْ عَلَيهِ مِنْ عُمْرانٍ وَسُكْانٍ. فَأَمَاتَهُ اللهُ تَعَالَى مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ، وَقَدْ عَمَرَتِ المَدِينَةُ، وَتَكَامَلَ سَاكِنُوهَا. وَسَألَهُ اللهُ تَعَالَى كَمْ لَبِثْتَ؟ قَالَ: يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ. قَالَ اللهُ تَعَالَى: بَلْ لَبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ. فَانْظُرْ إِلَى مَا كَانَ مَعَكَ مِنْ طَعَامٍ وَشَرَابٍ وَفَاكِهَةٍ لَمْ يَتَعَطَّلْ مِنْهُ شَيءٌ وَلَمْ يَفْسُدْ. وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ الذِي نَخِرَتْ عِظَامُهُ، وَتَقَطَّعَتْ أَوْصَالُهُ، كَيْفَ يُحيِيهِ اللهُ، وَأَنْتَ تَنْظُرُ إِلَيهِ، وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً عَلَى قُدْرَتِنا عَلَى بَعْثِ العِبَادِ يَوْمَ المَعَادِ، وَنُزِيلَ بِذَلِكََ تَعَجُّبَكَ، وَنُرِيَكَ آيَاتِنا فِي نَفْسِكَ وَطَعَامِكَ وَشَرَابِكَ. وَانْظُرْ إلى عِظَامِ الحِمَارِ كَيْفَ نَرْفَعُها (نُنْشِزُها) فَيَرْكَبُ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، ثُمَّ نَكْسُو العِظَامَ لَحْماً. وَالقَادِرُ عَلَى أنْ يَكْسُوَ هَذِهِ العِظَامَ لَحْماً، وَيَمُدَّهَا بِالحَيَاةِ، وَيَجْعَلَها أَصْلاً لِجِسْمٍ حَيٍّ، قَادِرٌ عَلَى أنْ يُحيِيَ هَذِهِ القَرْيَةَ. فَلَمَّا رَأَى الرَّجُلُ ذَلِكَ بِعَينِهِ قَالَ: إِنَّنِي أَعْلَمُ بِأنَّ اللهَ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَيءٍ، وَقَدْ رَأيْتُ ذَلِكَ بِعَيْنِي. خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا - سَاقِطَةٌ عَلَى سُقُوفِها التِي سَقَطَتْ. أنَّى يُحْيِي - كَيْفَ أوْ مَتَى يُحْيِي. لَمْ يَتَسَنَّهْ - لَمْ يَتَغَيَّرْ مَعَ مُرُورِ الزَّمَنِ عَلَيهِ. نُنْشِزُهَا - نَرْفَعُهَا مِنَ الأَرْضِ لنُؤلِّفَهَا.

стр. 267

﴿إِبْرَاهِيمُ﴾ ﴿تُحْيِي﴾ ﴿لِّيَطْمَئِنَّ﴾ (٢٦٠) - وَاذكُرْ إِذْ سَأَل إبراهِيمُ رَبَّهُ أنْ يُرِيَهُ كَيفَ يُحْيي المَوْتَى لِيَطْمَئِنَّ قَلْبُهُ، فَسَأَلَهُ رَبُّهُ أوَ لَمْ تُؤْمِنْ بِي وَأنِّي قَادِرٌ عَلَى الإِحْيَاءِ كَيفَ أشَاءُ حَتَّى تَسْألَنِي إِرَاءَتَكَ إِيَّاهُ؟ قَالَ: بَلَى إِنّي مُؤْمِنٌ بِذَلِكَ، وَلَكِنَّنِي أرِيدُ زِيَادةً فِي اليقِينِ. . . فَقَالَ اللهُ تَعَالَى: خُذْ أرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَاذْبَحْهُنَّ وَقَطِّعْهُنَّ وَاخْلُطْ بَعْضَهُنَّ بِبَعْضٍ، ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزءاً. ثُمَّ أَمَرَهُ اللهُ تَعَالَى بِأنْ يَدْعُوَهُنَّ، فَدَعَاهُنَّ، فَأخَذَ يَنْظُرُ إلى الرِّيشِ يَطِيرُ إلى الرِّيشِ، وَالدَّمِ إِلَى الدَّمِ، وَاللَّحْمِ إِلَى اللَّحْمِ، وَالأجْزَاءِ مِنْ كُلِّ طَائِرٍ يَتَّصِلُ بَعْضُهَا بِبَعْضً، حَتَّى تَكَامَلَ كُلُّ طَائِرٍ عَلَى حِدَتِهِ، وَأتَيْنَهُ يَمْشِينَ سَعْياً لِيَكُونَ ذَلِكَ أَبْلَغَ فِي الرُّؤْيةِ التِي سَألَها. ثُمَّ قَالَ اللهُ تَعَالَى لإِبْرَاهِيمَ: اعْلَمْ يَا إبراهيمُ أنَّ اللهَ عَزِيزٌ لاَ يَغْلِبُهُ أَحَدٌ، وَلا يَمْتَنِعُ عَلَيهِ شَيءٌ، لأَنَّهُ القَاهِرُ لِكُلِّ شَيءٍ، الحَكِيمُ فِي قَوْلِهِ وَفِعْلِهِ وَشَرْعِهِ وَقَدَرِهِ. فَصُرْهُنَّ - اجْمَعْهُنَّ إِليَكَ وَقَطِّعْهُنَّ.

стр. 268

﴿أَمْوَالَهُمْ﴾ ﴿يُضَاعِفُ﴾ ﴿وَاسِعٌ﴾ (٢٦١) - يَحُثُّ اللهُ المُؤْمِنِينَ عَلَى إِنْفَاقِ أمْوالِهِمْ فِي سَبيلِ اللهِ، وَابْتِغاءِ مَرْضَاتِهِ (فِي الحَجِّ وفِي الجِهَادِ وَفِي الزَّكَاةِ وَالصَّدَقَاتِ) وَيَضْرِبُ لَهُمُ الزَّرْعَ مَثَلاً عَلَى تَنْمِيَتِهِ، ، الأعْمَالَ الصَّالِحَةَ لأِصْحَابِها، فَكَمَا يَنْمُو الزَّرْعُ لِمَنْ بَذَرَهُ، كَذَلِكَ يَتَضَاعَفُ العَمَلُ الصَّالِحُ عَنْدَ اللهِ، وَاللهُ يُضَاعِفُ الأجْرَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، فَيَزِيدُهُ زِيَادَةً لا حَصْرَ لَهَا بِحَسَبِ إخْلاصِ العَبْدِ فِي عَمَلِهِ، وَاللهُ وَاسِعُ الفَضْلِ لاَ يَنْحَصِرُ فَضْلُهُ، وَلا يُحَدُّ عَطَاؤُهُ، وَهُوَ عَلِيمٌ بِمَنْ يَسْتَحِقُّ هَذِهِ المُضَاعَفَةَ وَبِمَنْ لاَ يَسْتَحِقُّهَا.

стр. 269

﴿أَمْوَالَهُمْ﴾ (٢٦٢) - يَمْدَحُ الله تَعَالَى الذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبيلِ اللهِ، وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ إِنْفَاقَهُم مَنّاً عَلَى النَّاسِ بِفِعْلٍ أَوْ قَوْلٍ، وَلاَ يَفْعَلُونَ مَعَ مَنْ أَحْسَنُوا إِلَيْهِمْ مَكْرُوهاً أَوْ أَذًى يُحْبِطُونَ بِهِ مَا أَسْلَفُوهُ مِنَ الإِحْسَانِ، فَهَؤلاءِ ثَوَابُهُمْ عَلَى اللهِ لا عَلَى أَحَدٍ سِوَاهُ، وَلا خَوْفٌ عَلَيهِمْ فِيمَا يَسْتَقْبِلُونَهُ مِنْ أهْوالِ يَوْمِ القِيَامَةِ، وَلا يَحْزَنُونَ عَلَى مَا خَلَّفُوهُ فِي الدُّنْيا مِنَ الأوِلادِ وَالأمْوالِ، وَلا عَلَى مَا فَاتَهُمْ مِنَ الحَيَاةِ وَزِينَتِها، لأَنَّهُمْ صَارُوا إلى خَيْرٍ مِمَّا كَانُوا فِيهِ. مَنًّا - عَدّاً للإِحْسَانِ وَإِظْهَاراً لَهُ. أذىً - تَطَاوُلاً وَتَفَاخُراً بِالإِنْفَاقِ أوْ تَبَرُّماً بِهِ.

стр. 270

(٢٦٣) - كَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ، وَرَدٌّ جَميلٌ عَلَى سَائِلٍ، وَدُعَاءٌ لِمُسْلِمٍ، وَعَفْوٌ وَمَغْفِرَةٌ عَنْ ظُلْمٍ لَحِقَ بِالمُؤْمِنِ، خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يُتبعُها الإِنْسَانُ بِإيذاءِ مَنْ تَصَدَّقَ عَلَيهِ، وَاللهُ غَنِيٌّ عَنْ خَلْقِهِ، حَليمٌ يَغْفِرُ لَهُمْ ذُنُوبَهُمْ، وَيَصْفَحُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ.

стр. 271

﴿ياأيها﴾ ﴿آمَنُواْ﴾ ﴿صَدَقَاتِكُم﴾ ﴿الكافرين﴾ ﴿الآخر﴾ (٢٦٤) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ بأنَّ المَنَّ وَالأَذَى يُبْطِلانِ الفَائِدَةَ المَقْصُودَةَ مِنْ إِعْطَاءِ الصَّدَقَاتِ، كَمَا يُبْطِلُها إِعْطَاءُ الصَّدَقَةِ للتَّبَاهِي وَالمُرَاءَاةِ أمَامَ النَّاسِ بِها، كَمَنْ يَتَصَدَّقُ مُتَظَاهِراً بِأَنَّهُ يُرِيدُ وَجَهَ اللهِ، وَتَخْفِيفَ بُؤْسِ المُحْتَاجِينَ. وَهُوَ إِنَّمَا يُرِيدُ مَدْحَ النَّاسِ، وَالاشْتِهَارَ بَيْنَهُمْ بِأَنَّهُ مِنَ المُحْسِنِينَ. وَهؤُلاءِ المُرَاؤُونَ مَثَلُ أَعْمَالِهم مَثَلُ تُرابٍ عَلَى حَجَرٍ أَمْلَسَ، فَهَطَلَ مَطَرٌ فَغَسَلَ الحَجَرَ، وَلَمْ يَتْرُكْ عَلَيهِ شَيئاً مِنْ ذلِكَ التُرابِ، وَأَصْبَحَ الحَجَرُ صَلْداً لا تُرَابَ عَلَيهِ. وَكَذَلِكَ يَذْهَبُ عَمَلَ المُرائِينَ وَلا يَبْقَى مِنْهُ شَيءٌ، فَلا يَنْتَفِعُونَ بِشَيءٍ مِنْ عَمَلِهِمْ عِنْدَ اللهِ، وَإنَ ظَهَرَ أنَّ لَهُم أعْمَالاً حَسَنَةً، وَاللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الكَافِرِينَ المُنَافِقينَ المُرَائِينَ، إلى الخَيْرِ والرَّشَادِ. رِئَاءَ النَّاسِ - مُرَاءَاةً لَهُمْ وَطَلَباً لِلسُّمْعَةِ عِنْدَ النَّاسِ. صَفْوانٍ - حَجَرٍ أَمْلَسَ. وَابِلٌ - مَطَرٌ شَدِيدٌ عَظيمُ القَطْرِ. صَلْداً - أَجْرَدَ نَقْيّاً مِنَ التُّرابِ.

стр. 272

﴿أَمْوَالَهُمُ﴾ ﴿مَرْضَاتِ﴾ ﴿فَآتَتْ﴾ (٢٦٥) - أمّا المُؤْمِنُونَ الذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُم طَلَباً لِمَرْضَاةِ اللهِ عَنْهُمْ، وَهُمْ مُتَحَقِّقُونَ مِنْ أَنَّ الله سَيَجْزِيهِمْ عَلَى ذَلِكَ، فَمَثَلُهُمْ كَمَثَلِ بُسْتَانٍ (جَنَّةٍ) بِرَبْوَةٍ مُرْتَفِعَةٍ عَنِ الأَرْضِ، فَأَصَابَهَا مَطَرٌ شَدِيدٌ (وَابِلٌ) ، فَأَثْمَرَتْ ضِعْفَيْنِ مِمَّا أَثْمَرَتْهُ غَيْرُها مِنَ الجِنَانِ (أَوْ ضِعْفَينِ مِمَّا كَانَتَ تُثْمِرُهُ قَبْلاً) فَإنْ لَمْ يُصِبْهَا المَطَرُ الشَّدِيدُ، أصَابَهَا مَطَرٌ خَفِيفٌ يَكْفِيها لِجَوْدَةِ تُرْبَتِها، وَحُسْنِ مَوْقِعِها، فَهِي لاَ تُمْحِلُ أَبَداً. وَكَذَلِكَ عَمَلُ المُؤْمِنِ لا يَبُورُ أبداً، بَلْ يَتَقَبَّلُهُ اللهُ وَيُكَثِّرَهُ وَيُنَمِّيهِ. (وَقَدْ يَكُونُ المَعْنَى هُوَ: وَكَذَلِكَ الإِنْسَانُ الجَوَادُ البَرُّ إنْ أصَابَهُ خَيْرٌ كَثيرٌ أَغْدَقَ وَوَسَّعَ فِي الإِنْفَاقِ، وَإنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ قَليلٌ أَنْفَقَ بِقَدَرِهِ، فَخَيْرُهُ دَائِمٌ، وَبِرُّهُ لاَ يَنْقَطِعُ) . وَاللهُ لا يَخْفَى عَلَيهِ شَيْءٌ مِنْ أعْمَالِ العِبَادِ. الجَنَّةُ - البُسْتَانُ. الوَابِلُ - المَطَرُ الشَّدِيدُ. الطَّلُ - المَطَرُ الخَفِيفُ. الأُكُلُ - مَا تُعْطِيهِ الشَّجَرَةُ مِنْ ثِمَارٍ. تَثْبِيتاً - تَصْدِيقاً وَيَقِيناً بِثَوابِ الإِنْفَاقِ.

стр. 273

﴿الأنهار﴾ ﴿الثمرات﴾ ﴿الآيات﴾ (٢٦٦) - ضَرَبَ اللهُ فِي هَذهِ الآيةِ مَثلاً لِرَجُلٍ غَنِيٍّ يَعْمَلُ بِطَاعَةِ اللهِ، ثُمَّ بَعَثَ اللهُ إليهِ الشَّيْطَانَ فَعَمِلَ بِالمَعَاصِي حَتَّى أغْرَقَ أَعْمَالَهُ الصَّالِحَةَ وَأَبْطَلَهَا، وَاحْتَاجَ يَوْمَ القِيَامَةِ إلى شَيءٍ مِنْ عَمَلِهِ الصَّالِحِ فَلَمْ يَحْصَلْ مِنْهُ عَلَى شَيءٍ، لأَنَّهُ هَلَكَ وَبَطَلَ، وَعَزَّ عَليهِ وَهُوَ أشَدُّ مَا يَكُونُ احْتِياجاً إليهِ. فَمَثَلُ هذا الرَّجُلِ مَثَلُ إِنسَانٍ غَرَسَ بُسْتاناً فِي شَبِيبَتِهِ، وَأَجْرَى فِيهِ الأَنْهَارَ، فَكَبُرَتِ الأشْجَارُ وأثْمَرتْ، فَلَمَّا بَلَغَهُ الكِبَرُ كَانَ البُسْتَانُ فِي أفْضَلِ حَالاَتِهِ، وَكَانَ لَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ صِغَارٌ لاَ يَقٌوونَ عَلَى القِيَامِ بِعَمَلِ البُسْتَانَ، فَأرْسَلَ اللهُ إليهِ رِيحاً شدِيدةً (إعْصَارٌ) فِيهَا نَارٌ أَحْرَقَتِ البُسْتَانَ، فَلَمْ يَكُنْ في الرَّجِلِ قُوَّةٌ لِيُعيدَ غَرْسَ البُسْتَانِ بِالأشْجَارِ، وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ ذُرِّيَّةٌ قَادِرَةٌ عَلَى أنْ تَعُودَ عَليهِ بِالخَيْرِ. وَكَذَلِكَ حَالُ مِنْ يَفْعَلُ الخَيْرَ وَيَبْذُلُ المَالَ، ثُمَّ يُحْبِطُ عَمَلَهُ بِالرِّياءِ أوِ المَنِّ وَالأذَى. وَاللهُ يَسُوقُ الأمْثَالَ لِلنَّاسِ، وَيُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ، لَعَلَّهُمْ يَتَّعِظُونَ، وَيَفْهَمُونَ الأمْثَالَ وَالمَعَانِيَ وَيُنْزِلُونَها مَنْزِلَها. إعْصَارٌ - رِيحٌ عَاصِفَةٌ. فِيهِ نَارٌ - سَمُومٌ شَدِيدٌ أَوْ صَاعِقَةٌ.

стр. 274

﴿ياأيها﴾ ﴿آمنوا﴾ ﴿طَيِّبَاتِ﴾ ﴿بِآخِذِيهِ﴾ (٢٦٧) - يَأمُرُ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ المُؤْمِنينَ بِالإِنْفَاقِ مِنْ أَطْيَبِ المَالِ وَأَجْوَدِهِ، وَيَنْهَاهُمْ عَنِ التَّصَدُّقِ بِأرْذَلِ المَالِ وَأخَسِّهِ. لأنَّ اللهَ طَيِّبٌ لاَ يَقْبَلُ إلاّ طَيِّباً. وَيَقُولُ لَهُمْ لاَ تَقْصُدُوا المَالَ الخَبِيثَ لِتُنْفِقُوا مِنْهُ، وَهَذا المَالُ الخَبِيثُ لَو أنَّهُ أُعْطِيَ إِلَيْكُمْ لَمَا أخَذْتُمُوهُ، إِلاَّ عَنْ إِغْمَاضٍ وَحَيَاءٍ. وَلْيَعْلَمِ المُؤْمِنُونَ أنَّ اللهَ وَإِنْ أمَرَهُمْ بِالصَّدَقَاتِ فَإِنَّهُ غَنِيٌّ عَنْهُمْ وَعَنْ صَدَقَاتِهِمْ، وَهُوَ إنمَّا يَحُثُّهُمْ عَلَى التَّصَدُّقِ وَالإِنْفَاقِ لِيسَاوِيَ بَيْنَ الغَنِيِّ وَالفَقِيرِ، وَاللهُ حَمِيدٌ فِي جَميعِ أَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ وَشَرْعِهِ وَقَدرِهِ (وَيُرْوى أنَّ السَّبَبَ فِي نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ هُوَ أنَّ بَعْضَ المُسِلِمينَ كَانُوا يَأْتُونَ بِصَدَقَتِهِمْ مِنْ رَدِيء التَّمْرِ) . لا تَيَمَّمُوا - لاَ تًَقْصُدُوا. لَسْتُمْ بِآخِذِيهِ - لاَ تَأخُذُونَهُ لَوْ أَنَّهُ أعْطِيَ إِلَيكُمْ. إلاّ أنْ تُغْمِضُوا فِيهِ - إِلاّ عَنْ إغْمَاضٍ وَاسْتِحْيَاءٍ وَتَسَاهُلٍ. الخَبيثَ - المَالَ الرَّدِيءَ.

стр. 275

﴿الشيطان﴾ ﴿وَاسِعٌ﴾ (٢٦٨) - الشَّيطَانُ يُخَوّفُ المُتَصَدِّقِينَ مِنْكُمْ مِنَ الفَقْرِ، لِتمْسِكُوا مَا بِأيدِيكُمْ، وَلا تُنْفِقُوهُ فِي سَبِيلِ مَرْضَاةِ اللهِ، وَيَأمُرُكُمْ بِارْتِكَابِ المَعَاصِي وَالمَآثِمِ، وَمُخَالَفَةِ الأَخْلاَقِ، وَاللهُ يَعِدُكُمْ بِالخَيْرِ وَالمَغْفِرَةِ وَالرِّزْقِ، عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ، وَبِمَا أَوْدَعَهُ اللهُ فِي الفِطَرِ السَّلِيمَةِ مِنْ حُبِّ الخَيْرِ. وَاللهُ وَاسعُ الرِّزْقِ وَالعَطَاءِ وَالمَغْفِرَةِ. عَليمٌ بِأحْوَالِكُمْ وَمَا فِيهِ خَيْرُكُمْ. الفَضْلُ - الرِّزْقُ.

стр. 276

﴿أُوْلُواْ﴾ ﴿الألباب﴾ (٢٦٩) - اللهُ يُؤتِي مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ المَعْرِفَةَ بِالعِلْمِ النَّافِعِ وَالفِقْهِ وَالقُرْآنِ (الحِكْمَةَ) ، وَمَنْ يُؤْتِهِ اللهُ الحِكْمَةَ فَقَدْ آتَاهُ خَيْراً كَثِيراً فِي دِينِهِ وَدُنْياهُ، وَمَا يَنْتَفِعُ بِالذِّكْرِ وَالمَوْعِظَةِ إلاَّ مَنْ لَهُمْ عُقُولٌ سَلِيمَةٌ يَعُونَ بَهَا مَعْنَى الكَلامِ. الحِكْمَةَ - مَعْرِفَةَ العِلْمِ النَّافِعِ وَالفِقْهِ وَالقُرْآنِ.

стр. 277

﴿لِلظَّالِمِينَ﴾ (٢٧٠) - إنَّ اللهَ يَعْلَمُ جَميعَ مَا يَفْعَلُهُ العِبَادُ العَامِلُونَ مِنَ النَّفَقَاتِ وَالمَنْذُوراتِ، وَهُوَ يُجَازِي مَنْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِم الكَرِيمِ، أفْضَلَ الجَزَاءِ وَأكْرَمَهُ. أمَّا الظَّالِمُونَ الذِينَ يُخَالِفُونَ أمْرَ اللهِ، وَيُكَذِّبُونَ بِآيَاتِهِ وَاَخْبَارِهِ، وَيَعْبُدُونَ مَعَهُ آلِهَةً وَيَتَصَدَّقُونَ لِلرِّيَاءِ، أوْ يُؤْذُونَ مَنْ أَعْطَوْهُمُ الصَّدَقَاتِ. . . فَهؤُلاءِ لَيْسَ لَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ مَنْ يُنْقِذُهُمْ مِنْ عَذابِ اللهِ وَنَقْمَتِهِ.

стр. 278

﴿الصدقات﴾ (٢٧١) - إنْ أظْهَرْتُمُ الصَّدَقَاتِ فَلا بَأسَ فِي ذَلِكَ، وَإنْ أسْرَرْتُمُ الصَّدَقَاتِ فَذَلِكَ أفْضَلُ لأنَّهُ أبْعَدُ عَنِ الرِّيَاءِ، إلاّ أنْ يَتَرَتَّبَ عَلَى الإِظْهَارِ مَصْلَحَةٌ رَاجِحَةٌ، مِن اقْتِداءِ النَّاسِ بِهِ، فَيَكُونُ الإِظْهَارُ أفْضَلَ. وَيُجَازِي اللهُ عِبَادَهُ المُخْلِصِينَ المُتَصَدِّقِينَ عَلَى صَدَقَاتِهِمْ بَتَكْفِيرِ سَيِّئَاتِهِمْ، واللهُ لاَ يَخْفَى عَلَيهِ شَيءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَسَيَجْزِيهِمْ بِهِ. (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: صَدَقَةُ السِّرِّ فِي التَّطَوِّعِ تَفْضُلُ عَلاَنِيَتَهَا سَبْعِينَ مَرَّةً، وَصَدَقَةُ الفَرِيضَةِ عَلانِيتُها أفْضَلُ مِنْ سِرِّها بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ ضِعْفاً) .

стр. 279

﴿هُدَاهُمْ﴾ (٢٧٢) - كَانَ المُسْلِمُونَ يُريدُونَ أنْ يَتَصَدَّقُوا عَلَى أقْرِبَائِهِمِ المُشْرِكِينَ المُحْتَاجِينَ، وَلَكِنَّهُمْ كَانوا يَكْرَهُونَ ذَلِكَ حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيةُ. فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ المُؤْمِنِينَ بَعْدَهَا بالصَّدَقَةِ عَلَيهِمْ، وَعَلَى كُلِّ مَنْ سَألَهُمْ مِنْ كُلِّ دِينٍ، فَالمُؤْمِنُ غَيْرُ قَادرٍ عَلَى هِدَايةِ الآخَرِينَ، وَاللهُ هُوَ وَحْدَهُ القَادِرُ عَلَى هِدايَتِهِمْ. وَالإِنْفَاقُ عَمَلُ خَيْرٍ يَعُود نَفْعُهُ عَلَى المُنْفِقِ نَفْسِهِ، وَالمُؤْمِنُ لا يُنْفِقُ إلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ، وَمَتَى ابْتَغَى المُؤْمِنُ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى هِدَايةِ الآخَرِينَ، وَاللهُ هُوَ وَحْدَهُ القَادِرُ عَلَى هِدايَتِهِمْ. وَالإنْفَاقُ عَمَلُ خَيْرٍ يَعُود نَفْعُهُ عَلَى المُنْفِقِ نَفْسِهِ، وَالمُؤْمِنُ لا يُنْفِقُ إلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ، وَمَتَى ابْتَغَى المُؤْمِنُ مِنْ إنْفَاقِهِ وَجْهَ اللهَ فَقَدْ وَقَعَ أجْرُهُ عَلى اللهِ، لاَ يَهُمُّهُ مَنِ الذِي نَالَهُ الإنْفَاقُ بَرّاً كَانَ أوْ فَاجِراً. وَكُلُّ مَا تُنْفِقُونَهُ سَيُوفَّى إليكُمْ بِالتَّمَامِ، وَلا يَنْقُصُكُمْ مِنْهُ شَيءٌ (لاَ تُظْلَمُونَ) .

стр. 280

﴿بِسِيمَاهُمْ﴾ ﴿يَسْأَلُونَ﴾ (٢٧٣) - اجْعَلُوا مَا تُنْفِقُونَ لِلَّذِينَ ذَكَرَ اللهُ صِفَاتِهِم الخَمْسَ، التِي هِيَ أجَلُّ الأوْصَافِ قَدْراً، وَهِيَ: (الإِحْصَارُ، وَالعَجْزُ عَنِ الكَسْبِ، وَالتَّعَفُّفُ، وَمَعْرِفَتُهُمْ بِسِيمَاهُمْ، وَعَدَمُ سُؤَالِهِمْ شَيئاً مِمَّا فِي أيدِي النَّاسِ) . وَهؤُلاءِ هُمُ الفُقَرَاءُ مِنَ المُهَاجِرِينَ الذِينَ انْقَطَعُوا للهِ وَرَسُولِهِ، وَسَكَنُوا المَدِينةَ، وَلَيسَ لَهُمْ وَسيلةُ عَيْشٍ يُنْفِقُونَ مِنْها عَلَى أنْفُسِهِمْ، وَهُمْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَفَراً لِلْبَحْثِ عَن الرِّزْقِ، وَيَحْسَبُهُمْ مَنْ لاَ يَعْرِفُهُمْ، وَلا يَعْرِفُ حَقِيقَةَ حَالِهِمْ، أنَّهُمْ أغْنِيَاءُ مِنْ تَعَفَّفِهِمْ فِي لِبَاسِهِمْ وَحَالِهِمْ وَمَقَالِهِمْ، وَتَعْرِفُهُمْ بِمَا يَظْهَرُ لِذَوِي الألْبَابِ مِنْ صِفَاتِهِمْ: لاَ يُلِحُّونَ فِي المَسْألَةِ، وَلاَ يَطْلُبُونَ مِنَ النَّاسِ مَا لاَ يَحْتَاجُونَ إليهِ. وَجَميعُ مَا تُنْفِقُونَهُ مِنْ خَيرٍ فَإنَّ اللهُ عَالِمٌ بِهِ، وَسَيَجْزِيكُمْ عَلَيهِ أوْفَى الجَزَاءِ يَوَمَ القيَامَةِ. الإِحْصَارُ - هُوَ الانْقِطَاعُ إلَى اللهِ وَالرَّسُولِ. ضَرْباً فِي الأَرْضِ - سَفَراً فِي سَبِيْلِ الرِّزْقِ وَالتِّجَارَةِ. سِيمَاهُمْ - صِفَاتُهُمْ وَمَظْهَرُهُم الخَارِجِيُّ الدَّالُّ عَلَى الفَاقَةِ. إِلْحَافاً - لاَ يُلِحُّونَ فِي المَسْألَةِ. التَّعَفُّفِ - التَّنَزُّهِ عَنِ السُّؤَالِ.

стр. 281

﴿أَمْوَالَهُمْ﴾ ﴿بالليل﴾ (٢٧٤) - وَيَمْدَحُ اللهُ تَعَالَى الذِينَ يُنْفِقُونَ فِي جَميعِ الأوْقَاتِ وَالأحْوالِ، فِي السِّرِّ وَالعَلاَنِيَةِ، وَهُمْ لاَ يَبْتَغُونَ مِنْ وَراءِ إنْفَاقِهِمْ إلا مَرْضَاةَ اللهِ فَهَؤُلاءِ لَهُمْ أجْرُهُمْ عَنْدَ رَبِّهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَلا يَخَافُونَ هَوْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ، وَلاَ يَحْزَنُونَ عَلَى مَا تَرَكُوا مِنْ لَذَائِذِ الدُّنيا.

стр. 282

﴿الربا﴾ ﴿الشيطان﴾ ﴿فأولئك﴾ ﴿أَصْحَابُ﴾ ﴿خَالِدُونَ﴾ (٢٧٥) - بَعْدَ أنْ ذَكَر اللهُ تَعَالَى الإِنفَاقَ فِي سَبيلِ اللهِ، وَالتَّصَدُّقَ عَلَى عِبَادِهِ، وَإخْراجَ الزَّكَاةِ، شَرَعَ فِي عَرْضِ حَالِ أكِلِي الرِّبا، وَأمْوالِ النَّاسِ بِالبَاطِلِ، وَأَنْوَاعِ الشُّبُهَاتِ، فَأخْبَرَ عَنْ حَالِهِمْ يَوْمَ خُرُوجِهِمْ مِنْ قُبُورِهِمْ، يَوْمَ البَعْثِ وَالنُّشُورِ، فَقَالَ عَنْهُم: إنَّهُم لاَ يَقُومُونَ مِنْ قُبُورِهِمْ إلاّ قِياماً مُنْكَراً، كَمَا يَقُومُ المَصْرُوعُ حَالَ صَرَعِهِ وَأكْلُهُمُ الرِّبَا هَذا قائِمٌ عَلى اسْتِحلاَلِهِمْ لَهُ، وَجَعْلِهِ كَالبَيْعِ، فَيَقُولُونَ: كَمَا يَجُوزُ أنْ يَبيعَ الإِنْسَانُ سِلعَتَهُ التِي ثَمَنُهَا عَشَرَةُ دَراهِمَ عَلَى أنْ يَرُدَّهَا عَلَيهِ عِشْرِينَ دِرْهَماً بَعْدَ سَنَةٍ، فَالسَّبَبُ فِي رَأيِهِمْ وَاحِدٌ فِي كُلٍّ مِنَ الزِّيَادَتَيْنِ، وَهُوَ الأجَلُ. هَذِهِ هِيَ حُجَّةُ آكِلِي الرِّبا وَهُمْ وَاهِمُونَ فِيمَا قَالُوهُ، وَقِيَاسُهُمْ فَاسِدٌ، لأنَّ البَيْعَ فِيهِ مَا يَقْتَضِي حِلَّهُ لأَنَّهُ يُلاحَظُ فِيهِ انْتِفاعُ المُشْتَرِي بِالشَّيْءِ انْتِفَاعاً حَقِيقيّاً. أمَّا الرِّبا فَهُوَ إعْطَاءُ الدَّراهِم وَالْمِثْلِيَّاتِ وَأخْذُها مُضَاعَفَةً فِي وَقْتٍ آخَرَ. فَمَا يُؤخَذُ مِنَ المَدِينِ زِيَادَةً في رَأسِ المَالِ لاَ مُقَابِلَ لَهُ مِنْ عَيْنٍ وَلاَ عَمَل. فَمَنْ بَلَغَهُ نَهْيُ اللهِ عَنِ الرِّبا، فَانْتَهى عَنِ الرِّبا فَلَهُ مَا سَلَفَ مِمَّا أكَلَهُ مِنَ الرِّبا قَبْلَ التَّحْرِيم، وَمَا سَبَقَ لَهُ أنْ أخَذَهُ أَيَّامَ الجَاهِلِيَّةِ، وَأمْرُه مَرْدُودٌ إلى اللهِ. وَمَنْ عَادَ إلى الرِّبا، بَعْدَ أنْ بَلَغَهُ النَّهْيُ عَنْهُ، فَقَدِ اسْتَوْجَبَ العُقُوبَةَ مِنَ اللهِ، وَالخُلُودَ في نَارِ جَهَنَّمَ. الذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ - أي المَصْرُوعُ. وَكَانَتِ العَرَبُ تَعْتَقِدُ أنَّ الشَيْطَانَ يَخْبِطُ الإِنْسَانَ فَيَصْرَعُهُ. جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ - بَلَغَهُ أمْرُ نَهْيِ اللهِ عَنْ أكْلِ الرِّبا. المَسِّ - الجُنُونِ وَالخَبَلِ. مَرَاحِلُ تَحْرِيمِ الرِّبا فِي القُرْآنِ: كَمَا مَرَّ تَحْرِيمُ الخَمْرِ فِي مَرَاحِلَ، كَذَلِكَ مَرَّ تَحْرِيمُ الرِّبا فِي أرْبَعِ مَرَاحِلَ مُتَدَرِّجَةٍ: ١- فِي المَرْحَلَةِ الأولى - قَالَ الله تَعَالَى فِي الآيةِ المَكِّيَّةِ ﴿وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ الناس فَلاَ يَرْبُو عِندَ الله﴾ أيْ إنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ فِي هَذِهِ الآيةِ إنَّ الرِّبا لاَ ثَوَابَ فِيهِ عِنْدَ اللهِ. ٢- وَفِي المَرْحَلَةِ الثَّانِيَةِ - ألْقىَ اللهُ تَعَالَى عَلَى المُسْلِمِينَ دَرْساً وَعِبْرَةً مِنْ سِيرَةِ اليَهُودِ الذِينَ حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِمْ أكْلَ الرِّبَا فَأكَلُوهُ، فَعَاقَبَهُمُ اللهُ بِمَعْصِيَتِهِمْ. فَقَدْ جَاءَ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ ﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ الله كَثِيراً.﴾ كَمَا جَاءَ بَعْدَهَا ﴿وَأَخْذِهِمُ الربا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ الناس بالباطل وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً.﴾ وَهَذِهِ العِبْرَةُ لاَ يَكُونُ لَهَا أثَرٌ إلاَّ إذَا كَانَ مِنْ وَرَائِهَا نَوْعٌ مِنْ تَحْرِيمِ الرِّبا عَلَى المُسْلِمينَ. وَلَمْ يَكُنْ فِي هَذا المَوْضِعِ نَهْيٌ صَرِيحٌ عَنِ الرِّبا، وَلكِنَّهُ أُلْمِحَ إلَيهِ. ٣- المَرْحَلَةُ الثَّالِثَةُ - وَلَمْ يَجِيءِ النَّهْيُ الصَّرِيحُ إلاَّ فِي المَرْحَلَةِ الثَّالِثَةِ، وَلَمْ يَكُنْ إلاَّ نَهْياً جزْئِياً عَنِ الرِّبا الفَاحِشِ الذِي يَتَزَايَدُ حَتَّى يَصِيرَ أضْعَافاً مُضَاعَفَةً.

стр. 283

﴿يَآ أَيُّهَا الذين آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الربا أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً.﴾ - المَرْحَلَةُ الرَابِعَةُ - وَفِي المَرْحَلَةِ الرَابِعَةِ وَالأخِيرَةِ خُتِمَ التَّشْرِيعُ القُرْآنِيُّ كُلُّهُ بِالنَّهِي الحَاسِمِ عَنْ كُلِ مَا يَزِيدُ عَلَى رَأسِ مَالِ الدَّيْنِ. ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ اتقوا الله وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الربا إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ، فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ الله وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ.﴾ وَجَاءَ فِي الحَدِيثِ: " إيَّاكَ وَالذُّنوبَ التِي لاَ تُغْفَرُ: الغُلُولُ فَمَنْ غَلًّ شَيْئاً أَتَى بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ والرِّبا، فَمَنْ أكَلَ الرِّبا بُعِثَ يَوْمَ القِيَامَةِ مُجْنُوناً يُتَخَبَّطُ ". وَاللهُ تَعَالَى لاَ يُحِبُّ الذِينَ يُصِرُّونَ عَلَى ارتِكَابِ المُحَرَّمَاتِ وَعَلَى تَحْلِيلِها، وَلاَ يُحِبُّ الذِينَ لاَ يُنْفِقُونَ أمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِهِ.

стр. 284

﴿الربا﴾ ﴿الصدقات﴾ (٢٧٦) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ أنَّهُ يَمْحَقُ الرِّبا، وَيُذْهِبُ مِنْ يَدِ آكِلِهِ بَرَكَةَ مَالِهِ، وَيُهْلِكُ المَالَ الذِي دَخَلَ فِيهِ الرِّبا، فَلاَ يَنْتَفِعُ بِهِ أحَدٌ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَنَّهُ يُضَاعِفُ ثَوَابَ الصَّدَقَاتِ، وَيَزِيدُ المَالَ الذي أُخْرِجَتْ مِنْهُ، وَيُعَاقِبُ آكِلَ الرِّبا يَوْمَ القِيَامَةِ. وَاللهُ لا يُحِبُّ الكَفُورَ المُتَمَادِي فِي كُفْرِ مَا أَنْعَمَ اللهُ بِهِ عَلَيهِ مِنْ مَالٍ، لأنَّهُ لا يُنْفِقُ مِنْهُ فِي سَبيلِهِ، وَلاَ يُحِبُّ الذِينَ يُصِرُّونَ عَلَى تَحْليلِ المُحَرَّمَاتِ، وَلاَ الذِينَ يَسْتَمِرُّونَ عَلَى ارْتِكَابِها. يَمْحَقُ - يُهْلِكُ المَالَ الذِي يَدْخُلُ فِيهِ الرِّبا.

стр. 285

﴿آمَنُواْ﴾ ﴿الصالحات﴾ ﴿الصلاة﴾ ﴿وَآتَوُاْ﴾ ﴿الزكاة﴾ (٢٧٧) - يَمْدَحُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنيِنَ المُصَدِّقِينَ بِمَا جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمْ، المُقِيمِينَ الصَّلاَةَ، وَعَامِلِي الصَّالِحَاتِ وَالمُزَكِّينَ، وَيُخْبرُ عَنْهُمْ أنَّهُ يَحْفَظُ لَهُمْ أَجْرَهُمْ، وَأَنَّهُمْ لاَ خَوْفَ عَلَيهِمْ، وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ عَلَى مَا فَاتَهُمْ فِي الدُّنيا.
следующие страницы →