← Тафсир

Тафсир · id 1787

أيسر التفاسير لأسعد حومد

أسعد حومد

Полный текст (6 113 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

﴿أَمْوَالَهُمْ﴾ ﴿بالليل﴾ (٢٧٤) - وَيَمْدَحُ اللهُ تَعَالَى الذِينَ يُنْفِقُونَ فِي جَميعِ الأوْقَاتِ وَالأحْوالِ، فِي السِّرِّ وَالعَلاَنِيَةِ، وَهُمْ لاَ يَبْتَغُونَ مِنْ وَراءِ إنْفَاقِهِمْ إلا مَرْضَاةَ اللهِ فَهَؤُلاءِ لَهُمْ أجْرُهُمْ عَنْدَ رَبِّهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَلا يَخَافُونَ هَوْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ، وَلاَ يَحْزَنُونَ عَلَى مَا تَرَكُوا مِنْ لَذَائِذِ الدُّنيا.

стр. 282

﴿الربا﴾ ﴿الشيطان﴾ ﴿فأولئك﴾ ﴿أَصْحَابُ﴾ ﴿خَالِدُونَ﴾ (٢٧٥) - بَعْدَ أنْ ذَكَر اللهُ تَعَالَى الإِنفَاقَ فِي سَبيلِ اللهِ، وَالتَّصَدُّقَ عَلَى عِبَادِهِ، وَإخْراجَ الزَّكَاةِ، شَرَعَ فِي عَرْضِ حَالِ أكِلِي الرِّبا، وَأمْوالِ النَّاسِ بِالبَاطِلِ، وَأَنْوَاعِ الشُّبُهَاتِ، فَأخْبَرَ عَنْ حَالِهِمْ يَوْمَ خُرُوجِهِمْ مِنْ قُبُورِهِمْ، يَوْمَ البَعْثِ وَالنُّشُورِ، فَقَالَ عَنْهُم: إنَّهُم لاَ يَقُومُونَ مِنْ قُبُورِهِمْ إلاّ قِياماً مُنْكَراً، كَمَا يَقُومُ المَصْرُوعُ حَالَ صَرَعِهِ وَأكْلُهُمُ الرِّبَا هَذا قائِمٌ عَلى اسْتِحلاَلِهِمْ لَهُ، وَجَعْلِهِ كَالبَيْعِ، فَيَقُولُونَ: كَمَا يَجُوزُ أنْ يَبيعَ الإِنْسَانُ سِلعَتَهُ التِي ثَمَنُهَا عَشَرَةُ دَراهِمَ عَلَى أنْ يَرُدَّهَا عَلَيهِ عِشْرِينَ دِرْهَماً بَعْدَ سَنَةٍ، فَالسَّبَبُ فِي رَأيِهِمْ وَاحِدٌ فِي كُلٍّ مِنَ الزِّيَادَتَيْنِ، وَهُوَ الأجَلُ. هَذِهِ هِيَ حُجَّةُ آكِلِي الرِّبا وَهُمْ وَاهِمُونَ فِيمَا قَالُوهُ، وَقِيَاسُهُمْ فَاسِدٌ، لأنَّ البَيْعَ فِيهِ مَا يَقْتَضِي حِلَّهُ لأَنَّهُ يُلاحَظُ فِيهِ انْتِفاعُ المُشْتَرِي بِالشَّيْءِ انْتِفَاعاً حَقِيقيّاً. أمَّا الرِّبا فَهُوَ إعْطَاءُ الدَّراهِم وَالْمِثْلِيَّاتِ وَأخْذُها مُضَاعَفَةً فِي وَقْتٍ آخَرَ. فَمَا يُؤخَذُ مِنَ المَدِينِ زِيَادَةً في رَأسِ المَالِ لاَ مُقَابِلَ لَهُ مِنْ عَيْنٍ وَلاَ عَمَل. فَمَنْ بَلَغَهُ نَهْيُ اللهِ عَنِ الرِّبا، فَانْتَهى عَنِ الرِّبا فَلَهُ مَا سَلَفَ مِمَّا أكَلَهُ مِنَ الرِّبا قَبْلَ التَّحْرِيم، وَمَا سَبَقَ لَهُ أنْ أخَذَهُ أَيَّامَ الجَاهِلِيَّةِ، وَأمْرُه مَرْدُودٌ إلى اللهِ. وَمَنْ عَادَ إلى الرِّبا، بَعْدَ أنْ بَلَغَهُ النَّهْيُ عَنْهُ، فَقَدِ اسْتَوْجَبَ العُقُوبَةَ مِنَ اللهِ، وَالخُلُودَ في نَارِ جَهَنَّمَ. الذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ - أي المَصْرُوعُ. وَكَانَتِ العَرَبُ تَعْتَقِدُ أنَّ الشَيْطَانَ يَخْبِطُ الإِنْسَانَ فَيَصْرَعُهُ. جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ - بَلَغَهُ أمْرُ نَهْيِ اللهِ عَنْ أكْلِ الرِّبا. المَسِّ - الجُنُونِ وَالخَبَلِ. مَرَاحِلُ تَحْرِيمِ الرِّبا فِي القُرْآنِ: كَمَا مَرَّ تَحْرِيمُ الخَمْرِ فِي مَرَاحِلَ، كَذَلِكَ مَرَّ تَحْرِيمُ الرِّبا فِي أرْبَعِ مَرَاحِلَ مُتَدَرِّجَةٍ: ١- فِي المَرْحَلَةِ الأولى - قَالَ الله تَعَالَى فِي الآيةِ المَكِّيَّةِ ﴿وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ الناس فَلاَ يَرْبُو عِندَ الله﴾ أيْ إنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ فِي هَذِهِ الآيةِ إنَّ الرِّبا لاَ ثَوَابَ فِيهِ عِنْدَ اللهِ. ٢- وَفِي المَرْحَلَةِ الثَّانِيَةِ - ألْقىَ اللهُ تَعَالَى عَلَى المُسْلِمِينَ دَرْساً وَعِبْرَةً مِنْ سِيرَةِ اليَهُودِ الذِينَ حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِمْ أكْلَ الرِّبَا فَأكَلُوهُ، فَعَاقَبَهُمُ اللهُ بِمَعْصِيَتِهِمْ. فَقَدْ جَاءَ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ ﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ الله كَثِيراً.﴾ كَمَا جَاءَ بَعْدَهَا ﴿وَأَخْذِهِمُ الربا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ الناس بالباطل وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً.﴾ وَهَذِهِ العِبْرَةُ لاَ يَكُونُ لَهَا أثَرٌ إلاَّ إذَا كَانَ مِنْ وَرَائِهَا نَوْعٌ مِنْ تَحْرِيمِ الرِّبا عَلَى المُسْلِمينَ. وَلَمْ يَكُنْ فِي هَذا المَوْضِعِ نَهْيٌ صَرِيحٌ عَنِ الرِّبا، وَلكِنَّهُ أُلْمِحَ إلَيهِ. ٣- المَرْحَلَةُ الثَّالِثَةُ - وَلَمْ يَجِيءِ النَّهْيُ الصَّرِيحُ إلاَّ فِي المَرْحَلَةِ الثَّالِثَةِ، وَلَمْ يَكُنْ إلاَّ نَهْياً جزْئِياً عَنِ الرِّبا الفَاحِشِ الذِي يَتَزَايَدُ حَتَّى يَصِيرَ أضْعَافاً مُضَاعَفَةً.

стр. 283

﴿يَآ أَيُّهَا الذين آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الربا أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً.﴾ - المَرْحَلَةُ الرَابِعَةُ - وَفِي المَرْحَلَةِ الرَابِعَةِ وَالأخِيرَةِ خُتِمَ التَّشْرِيعُ القُرْآنِيُّ كُلُّهُ بِالنَّهِي الحَاسِمِ عَنْ كُلِ مَا يَزِيدُ عَلَى رَأسِ مَالِ الدَّيْنِ. ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ اتقوا الله وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الربا إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ، فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ الله وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ.﴾ وَجَاءَ فِي الحَدِيثِ: " إيَّاكَ وَالذُّنوبَ التِي لاَ تُغْفَرُ: الغُلُولُ فَمَنْ غَلًّ شَيْئاً أَتَى بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ والرِّبا، فَمَنْ أكَلَ الرِّبا بُعِثَ يَوْمَ القِيَامَةِ مُجْنُوناً يُتَخَبَّطُ ". وَاللهُ تَعَالَى لاَ يُحِبُّ الذِينَ يُصِرُّونَ عَلَى ارتِكَابِ المُحَرَّمَاتِ وَعَلَى تَحْلِيلِها، وَلاَ يُحِبُّ الذِينَ لاَ يُنْفِقُونَ أمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِهِ.

стр. 284

﴿الربا﴾ ﴿الصدقات﴾ (٢٧٦) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ أنَّهُ يَمْحَقُ الرِّبا، وَيُذْهِبُ مِنْ يَدِ آكِلِهِ بَرَكَةَ مَالِهِ، وَيُهْلِكُ المَالَ الذِي دَخَلَ فِيهِ الرِّبا، فَلاَ يَنْتَفِعُ بِهِ أحَدٌ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَنَّهُ يُضَاعِفُ ثَوَابَ الصَّدَقَاتِ، وَيَزِيدُ المَالَ الذي أُخْرِجَتْ مِنْهُ، وَيُعَاقِبُ آكِلَ الرِّبا يَوْمَ القِيَامَةِ. وَاللهُ لا يُحِبُّ الكَفُورَ المُتَمَادِي فِي كُفْرِ مَا أَنْعَمَ اللهُ بِهِ عَلَيهِ مِنْ مَالٍ، لأنَّهُ لا يُنْفِقُ مِنْهُ فِي سَبيلِهِ، وَلاَ يُحِبُّ الذِينَ يُصِرُّونَ عَلَى تَحْليلِ المُحَرَّمَاتِ، وَلاَ الذِينَ يَسْتَمِرُّونَ عَلَى ارْتِكَابِها. يَمْحَقُ - يُهْلِكُ المَالَ الذِي يَدْخُلُ فِيهِ الرِّبا.

стр. 285

﴿آمَنُواْ﴾ ﴿الصالحات﴾ ﴿الصلاة﴾ ﴿وَآتَوُاْ﴾ ﴿الزكاة﴾ (٢٧٧) - يَمْدَحُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنيِنَ المُصَدِّقِينَ بِمَا جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمْ، المُقِيمِينَ الصَّلاَةَ، وَعَامِلِي الصَّالِحَاتِ وَالمُزَكِّينَ، وَيُخْبرُ عَنْهُمْ أنَّهُ يَحْفَظُ لَهُمْ أَجْرَهُمْ، وَأَنَّهُمْ لاَ خَوْفَ عَلَيهِمْ، وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ عَلَى مَا فَاتَهُمْ فِي الدُّنيا.

стр. 286

﴿ياأيها﴾ ﴿آمَنُواْ﴾ ﴿الربا﴾ (٢٧٨) - يَأمُرُ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ المُؤْمِنينَ، المُصَدِّقِينَ بِمَا أَمَرَهُمْ بِهِ، بِالتَّقْوى، فَيَقُولُ لَهُمْ: اتَّقُوا اللهَ وَاتْرُكُوا مَا لَكُمْ عِنْدَ النَّاسِ مِنَ الرِّبا (أَيْ مَا يَزيدُ عَلَى رُؤُوسِ أَمْوالِكُمْ) إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ حَقّاً بِمَا شَرَعَ اللهُ لَكُمْ مِنْ تَحْلِيلِ البَيْعِ، وَتَحْرِيمِ الرِّبا، وَغَيْرَ ذَلِكَ.

стр. 287

﴿أَمْوَالِكُمْ﴾ (٢٧٩) - وَأنْذَرَ اللهُ تَعَالَى الذِينَ لاَ يَمْتَثِلُونَ لأَمْرِهِ مِنْ تَرْكِ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا عِنْدَ النَّاسِ، بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ لخُرُوجِهِمْ عَنِ الشَّرْعِ، وَعَدَمِ خَضُوعِهِمْ لَهُ، فَإنْ تَابُوا فَلَهُمْ رُؤُوسُ أمْوَالِهِمْ بِدُونِ زِيَادَةٍ، لاَ يَظْلِمُونَ بِأخْذِ زِيادَةٍ، وَلاَ يُظْلَمُونَ بِوَضْعِ شَيءٍ مِنْ رَأسِ المَالِ. حَرْبُ اللهِ - غَضَبُهُ وَانْتِقَامُهُ مِمَّنْ يَأكُلُ الرِّبا. حَرْبُ رَسُولِهِ - مُقَاوَمَتُهُ لَهُمْ بِاعْتِبارِهِمْ خَارِجِينَ عَنِ الإِسْلاَمِ. فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ - فَأَيْقِنُوا بِحَرْبٍ.

стр. 288

(٢٨٠) - فَإنْ كَانَ المَدِينُ مُعْسِراً لاَ يَجِدُ وَفَاءَ دَيْنِهِ، فَإنَّ اللهَ يَأمُرُ الدَّائِنَ بِنَظِرَتِهِ إلى حِينِ مَيْسَرَتِهِ، وَتَمَكُّنِهِ مِنْ دَفْعِ مَا عَلَيهِ. وَإِنْ تَصَدَّقَ الدَّائِنُ عَلَى المَدِينِ المُعْسِرِ بِشَيءٍ مِنْ رَأسِ المَالِ، أوْ بِرَأسِ المَالِ كُلِّهِ، فَذَلِكَ خَيْرٌ لَهُ. وَقَدْ وَرَدَتْ أحَادِيثُ كَثِيرةٌ فِي الحَثِّ عَلَى تَنْفِيسِ كُرْبَةِ المُكْرُوبِ وَالتَّجَاوُزِ عَنِ المُعْسِرِ.

стр. 289

(٢٨١) - وَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ ذَلِكَ اليَوْمَ العَظِيمَ، يَوْمَ القِيَامَةِ الذِي تَتَفَرَّغُونَ فِيهِ مِنْ مَشَاغِلِكُمُ الجَسَدِيَّة وَالدُّنْيَويَّةِ التِي كَانَتْ تَصْرِفُكُمْ عَنْ رَبِّكُمْ فِي هَذِهِ الحَيَاةِ الدُّنيا، وَيُجَازِي اللهُ كُلا ًبِعَمَلِهِ، إنْ خَيْراً فَخَيْراً، وَإِنْ شَرّاً فَشَرّاً، وَلا تُنْقَصُ نَفْسٌ مِنْ ثَوَابِها، وَلاَ يُزَادُ فِي عِقَابِهَا.

стр. 290

﴿ياأيها﴾ ﴿آمنوا﴾ ﴿ْإِحْدَاهُمَا﴾ ﴿تسأموا﴾ ﴿لِلشَّهَادَةِ﴾ ﴿تِجَارَةً﴾ (٢٨٢) - يُرْشِدُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ إذا تَعَامَلُوا بِمُعَامَلات مُؤَجَّلَةٍ فَإنَّ عَلَيهِمْ أنْ يَكْتُبُوها، لِيَكُونَ ذَلِكَ أحْفَظَ لِمِقْدارِهَا وَمِيقَاتِهَا، وَأضْبَطَ لِلشَّهَادَةِ فِيها، وَلْيَكْتُبْ بَيْنَهُمْ كَاتِبٌ بِالقْسِطِ وَالحَقِّ (بِالعدْلِ) ، وَلاَ يَجُرْ فِي كِتَابَتِهِ عَلَى أحدٍ، وَلاَ يَعْرِفُ الكِتَابَةَ أنْ لاَ يَمْتَنِعَ عَنِ الكِتَابَةِ إذا مَا سُئِلَ الكِتَابَةَ لِلنَّاسِ، وَلاَ ضَرَرَ عَلَيهِ فِي ذَلِكَ، فَكَمَا عَلَّمَهُ اللهُ مَا لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ فَلْيَتَصَدَّقْ عَلَى غَيْرِهِ مِمَّنْ لاَ يُحْسِنُ الكِتَابَةَ. وَجَاءَ فِي الحَدِيثِ: " مَنْ كَتَمَ عِلْماً يَعْلَمُهُ أُلْجِمَ يَوْمَ القِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ " وَلْيُمْلِلِ الذِي عَليهِ الدَّيْنُ عَلَى الكَاتِبِ مُقْرّاً بِمَا فِي ذِمَّتِهِ مِنَ الدَّيْنِ، لِيَكُونَ إمْلالُهُ حُجَّةً عَليهِ تَحْفَظُهَا الكِتَابَةُ، وَلْيَتَّقِ اللهَ فِي ذَلِكَ، وَلاَ يَكْتُمْ مِنْهُ شَيْئاً وَلاَ يُنْقِصْ (لاَ يَبْخَسْ) . أمَّا إذا كَانَ المَدِينُ سَفِيهاً مَحْجُوراً عَلَيهِ لِتَبْذِيرِهِ، أوْ كَانَ ضَعِيفاً أيْ صَغِيراً أوْ مَجْنُوناً، أوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أنْ يُقَرِّرَ وَيُمْلِيَ عَلَى الكَاتِبِ لِعِيٍّ أوْ لِجَهْلٍ. . . فَلْيَتَوَلَّ ذَلِكَ وَلِيُّهُ بِالعَدْلِ. وَاسْتَشْهِدُوا شَاهِدَينِ زِيَادَةً فِي الاسْتِيثَاقِ: رَجُلَينِ أوْ رَجُلاً وامْرَأتينِ مِنَ الشُّهُودِ العُدُولِ الذِينَ تَرْضَوْنَ شَهَادَتَهُمْ. وَإذَت دُعِيَ الشُّهُودُ لأَدَاءِ الشَّهَادَةِ فَعَلَيْهِمء ألاَّ يَمْتَنِعُوا. وَيَحُثُّ اللهُ المُؤْمِنِينَ عَلَى عَدَمِ إهْمَالِ الكِتَابَةِ فِي الدَّين، صَغِيراً كَانَ أوْ كَبِيراً، لأنَّ ذَلِكَ أعْدَلُ عِنْدَ اللهِ (أَقْسَطُ) وَأَثْبَتُ لِلشَّهَادَةِ، فَإِنَّ الشَّاهِدَ حِينَ يَضَعُ خَطَّهُ عَلَى السَّنَدِ ثُمَّ يَرَاهُ فَيَذْكُرُ الشَّهَادَةَ، وَهُوَ أقرَبُ إلى عَدَمِ الرِّيِبَةِ إذْ تَرْجِعُونَ عِنْدَ التَّنَازُعِ إلى الكِتَابَةِ وَمَا جَاءَ فِيهَا. أمَّا إذا كَانَ البَيْعُ بِالحَاضِرِ يَداً بِيَدٍ (تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا) فَلاَ بأسَ فِي تَرْكِ الكِتَابَةِ، لاِنْتِفَاءِ المَحْذُورِ في تَرْكِهَا. وَلاَ يَجُوزُ أنْ يَلْحَقَ ضَرَرٌ بَالكَاتِبِ أوْ بِالشَّاهِدِ لِمَا يَقُومَانِ بِهِ. وَمَنْ يُخَالِفْ أمْرَ اللهِ فِيمَا أمَرَ بِهِ مِنْ عَدَمِ إيذَاءِ الكَاتِبِ وَالشَّاهِدِ فَإِنَّ ذَلِكَ فِسْقٌ وَخُرُوجٌ عَنْ شَرْعِ اللهِ. وَاتَّقُوا اللهَ وَراقِبُوهُ، واللهُ يُعَلِّمُكُمْ وَاجِبَاتِكُمْ، وَيُرْشِدُكُمْ إلى خَيْرِكُمْ، وَاللهُ علِيمٌ بِكُلِّ شَيءٍ. وَلْيُمْلِلْ - وَلْيُمْلِ وَلُيُقِرَّ. لاَ يَبْخَسْ مِنْهُ - لاَ يُنْقِصْ مِنْهُ. أنْ يُمِلَّ - أنْ يُمْلِيَ بِنَفْسِهِ وَيُقِرَّ. لا يَأبَ - لاَ يَمْتَنِعْ. لاَ تَسْأمُوا - لاَ تَملُّوا وَلاَ تَضْجَرُوا. أقْوَمُ للشَّهَادَةِ - أَثْبَتُ لَهَا وَأعْونُ عَلَى أَدَائِها. أدْنَى - أقْرَبُ.

стр. 291

﴿فَرِهَانٌ﴾ ﴿أَمَانَتَهُ﴾ ﴿الشهادة﴾ ﴿آثِمٌ﴾ (٢٨٣) - فَإِنْ كُنْتُمْ مُسَافِرِينَ وَتَدايَنْتُمْ بِدِينٍ إلى أجَلٍ مُعَيَّنٍ (مُسَمَّى) ، وَلَمْ تَجِدُوا مَنْ يَكْتُبُ، أَوْ لَمْ تَجِدُوا أَدَواتِ الكِتَابَةِ، فَلْيَكُنْ مَقَامَ الكِتَابَةِ رَهْنٌ يُسَلِّمُهُ المَدِينُ إلى صَاحِبِ الحَقِّ، فَإذَا وَثِقَ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ فَلاَ بَأسَ فِي ألاَّ تَكْتُبُوا، أَوْ ألاَّ تَشْهَدُوا شَاهِدِينَ، وَلْيَتَّقِ المُؤْمِنُ اللهَ رَبَّهُ، وَعَلَيْكُمْ أنْ لاَ تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ، وَأنْ لاَ تَمْتَنِعُوا عَنْ أَدَائِهَا، إذا دُعِيتُم إلى أَدَائِها، وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَإِنَّهً يَكُونُ آثِمَ القَلْبِ، وَقَدِ ارْتَكَبَ إِثْماً وَذَنْباً. وَلاَ يَخْفَى عَلَى اللهِ مِنْ أعْمَالِكُمْ شَيءٌ.

стр. 292

﴿السماوات﴾ (٢٨٤) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ أنَّهُ مَالِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، لا شَرِيكَ لَهُ فِي شَيءٍ مِنْهُنَّ، وَأنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلَى مَا فِيهنَّ، لاَ تَخْفَى عَليهِ السَّرَائِرُ وَلاَ الظَّوَاهِرُ، وَأنَّهُ سَيُحَاسِبُ عِبَادَهُ عَلَى مَا فَعَلُوهُ، وَمَا أَخْفَوْهُ فِي صُدُورِهِمْ، فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ، وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَيءٍ، .

стр. 293

﴿آمَنَ﴾ ﴿وملائكته﴾ (٢٨٥) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِأنَّهُ صَدَّقَ بِمَا جَاءَهُ مِنَ الوَحْي، وَآمَنَ بِمَا أَنْزَلَ إِليهِ مِنْ رَبِّهِ. وَالمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ كَذَلِكَ بِوُجُودِ اللهِ وَوَحْدَانِيَّتِهِ وَتَمَامِ حِكْمَتِهِ فِي نِظَامِ خَلِيقَتِهِ، وَيْؤْمِنُونَ بِوُجُودِ مَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، وَيُصَدِّقُونَ بِجَميعِ الأَنْبياءِ وَالرُّسُلِ وَالكُتُبِ المُنَزَّلَةِ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى المُرْسَلِينَ وَالأنبِياءِ، لا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الرُّسُلِ وَالأنبياءِ، وَيَعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ جَمِيعاً صَادِقُونَ، هَادُونَ إلى سَبيلِ الخَيْرِ، وَإنْ كَانَ بَعْضُهُمْ يَنْسَخُ شَرِيعَةَ بَعْضٍ بِإذْنِ اللهِ. وَقَالُوا: سَمِعْنَا قَوْلَكَ يَا رَبَّنَا وَفَهِمْنَاهُ، وَامْتَثَلْنَا لِلْعَملِ بِمُقْتَضَاهُ، نَسْألُكَ المَغْفِرَةَ وَالرَّحْمَةَ وَإليكَ نَحْنُ صَائِرُونَ. غُفْرَانَكَ - نَسْألُكَ المَغْفِرَةَ.

стр. 294

﴿مَوْلاَنَا﴾ ﴿الكافرين﴾ (٢٨٦) - لاَ يُكَلِّفُ اللهُ أحَداً فَوْقَ طَاقَتِهِ، وَهذا مِنْ لُطْفِ اللهِ بِخَلْقِهِ. وَللنَّفْسِ مَا كَسَبَتْ مِنْ خَيْرٍ. وَعَلَيهَا مَا اكْتَسَبَتْ مِنْ شَرٍّ، مِنْ قَوْلٍ أوْ فِعْلٍ. وَأرْشَدَ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ إِلى دُعَائِهِ وَاسْتِرْحَامِهِ، وَالضَّرَاعَةِ إليهِ، وَذَلِكَ بِأنْ يَقُولُوا: رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إنْ تَرَكْنا فَرْضَنَا وَنَحْنُ نَاسُونَ أوِ ارْتَكَبْنَا مُحَرَّماً وَنَحْنُ نَاسُونَ أوْ مُخْطِئُونَ، أوْ عَنْ جَهْلٍ بِوَجْهِهِ الشَّرْعِيِّ، رَبَّنا وَلا تُكَلِّفْنا مِنَ الأَعْمَالِ الشَّاقَّةِ وَإنْ أَطَقْنَاهَا، كَمَا شَرَّعْتَهُ لِلأمَمِ السَّالِفَةِ مِنَ الأغْلاَلِ وَالآصَارِ، رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ مِنَ التَّكْلِيفِ وَالمَصَائِبِ وَالبَلاَءِ، وَاعْفُ عَنَّا فِيمَا بَيْنَنا وَبَيْنَكَ وَاغْفِرْ لَنَا فِيمَا بَيْنَنا وَبَيْنَ العِبَادِ، فَلاَ تُظْهِرْهُمْ عَلَى أَعْمَالِنا القَبِيحَةِ وَمَسَاوئِنا، وَارْحَمْنَا لِكَيْلاَ نَقَعَ مُسْتَقْبَلاً فِي ذَنبِ، أنْتَ وَلِيُّنا وَمَوْلاَنا، فَانْصُرْنا عَلَى القَوْمِ الذِينَ كَفَرُوا بِكَ، وَجَحَدُوا دِينك. وُسْعَهَا - طَاقَتَها وَمَا تَقْدِرُ عَلَيهِ. إِصْراً - عِبْئاً ثَقِيلاً وَهُوَ التَّكَالِيفُ الشَّاقَّةُ. لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ - لاَ قُدْرَةَ لَنَا عَلَى القِيَامِ بِهِ.

стр. 295

﴿ألِف. لاَم. مِيم﴾ . (١) - وَتُقْرَأ مُقَطَّعَةً كُلُّ حَرْفٍ عَلَى حِدَةٍ. سَبَقَتِ الإِشَارَةُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ البَقَرَةِ إلى شَرْحِ مَعَانِي الحُروفِ الوَارِدَةِ فِي أوَائِلِ السُّورِ، وَنَعُودُ فَنَقُولُ إنَّهُ مِنَ الأفْضَل أنْ نَقُولَ: اللهُ أعْلَمُ بِمُرَادِهِ.

стр. 296

(٢) - يُخْبِرِ اللهُ تَعَالَى بِأنَّهُ مُتَفَرِّدُ بِالألُوهِيَّةِ لِجَميعِ خَلْقِهِ، وَهُوَ الحَيُّ فِي نَفْسِهِ الذِي لاَ يَمُوتُ أبَداً، القَيِّمُ عَلَى أَمْرِ العَالَمِ، يُدَبِّرُهُ وَيُصَرِّفُهُ. الحَيُّ - الدَّائِمُ الحَيَاةِ بِلا زَوَالٍ. القَيُّومُ - الدَّائِمُ القِيَامِ بِتَدْبِيرِ خَلْقِهِ.

стр. 297

﴿الكتاب﴾ ﴿التوراة﴾ (٣) - وَهُوَ تَعَالَى الذِي أنْزَلَ عَلَيكَ القُرْآنَ، يَا مُحَمَّدُ، مُشْتَمِلاً عَلَى الحَقِّ فِي كُلِّ مَا تَضَمَّنَهُ مِنْ أصُولِ الشَّرائِعِ التِي تَضَمَّنَتْهَا الكُتُبُ السَّابِقَةُ، وَمُصَدِّقاً لها. فَهِيَ تُصَدِّقُه بِمَا أخْبَرَتْ عَنْهُ، وَبَشَّرَتْ بِهِ، مِنَ الوَعْدِ بِإرْسَالِ مُحَمَّدٍ ﷺ رَسُولاً مِنْ عِنْدِ اللهِ تَعَالَى، وَبِإنْزالِ القُرْآنِ عَلَيْهِ. وَهُوَ يُصَدِّقُهَا لأَنَّهُ وَافَقَ مَا أَخْبَرَتْ عَنْهُ. وَاللهُ هُوَ الذِي أنْزَلَ التَّورَاةَ عَلَى مُوسَى، وَالإِنْجِيلَ عَلَى عِيسَى، ﵉.

стр. 298

(٤) - وَقَدْ أنْزَلَهُمَا اللهُ مِنْ قَبلِ هذا القُرآنِ لِهدَايَةِ النَّاسِ إلى الحَقِّ، وَمِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ الإِيمَانُ بِمُحَمَّدٍ وَرِسَالَتِهِ، حِينَ يُبْعَثُ. وَأنْزَلَ الفُرْقَانَ - وَهُوَ مَا يُفْرَقُ بِهِ بَيْنَ الهُدَى والضَّلاَلَةِ، وَالحَقِّ وَالبَاطِلِ، بِمَا يَذْكُرُهُ اللهُ مِنَ الحُجَجِ وَالبَيِّنَاتِ القَاطِعَاتِ - (وَيَرَى بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّ المُرَادَ بِالفُرْقَانِ (التَوْرَاةُ) . وَإنَّ الذِينَ كَفَروا، وَجَحَدُوا بِآيَاتِ اللهِ النَّاطِقَةِ بِتَوْحِيدِهِ، وَتَنْزِيهِهِ عَمَّا لاَ يَلِيِقُ بِعِزَّةِ جَلاَلِهِ، فَكَذَّبُوا بِالقُرْآنِ، ثُمَّ بِسَائِرِ الكُتُبِ تَبْعاً لِذَلِكَ، وَأنْكَرُوها، لُهُمْ عَذَابٌ شَديدٌ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَاللهُ مَنيعٌ، عَزِيزُ الجَانِبِ، يَنْتَقِمُ مِمَّنْ جَحَدَ بِآيَاتِهِ، وَكَذَّبَ رَسُلَهُ. الفُرْقَانَ - مَا يَفْرُقُ بَيْنَ الحَقِّ وَالبَاطِلِ.

стр. 299

(٥) - يُعْلِمُ اللهُ النَّاسَ أنَّهُ عَلِيمٌ لاَ يَخْفَى عَليهِ شَيءٌ مِنْ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ، وَأنَّهُ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَجَهْرَهُمْ، فَلاَ يَخْفَى عَلَيهِ حَالُ الصَّادِقِ فِي إِيمَانِهِ، وَلاَ حَالُ الكَافِرِ، وَلاَ حَالُ المُنَافِقِ.

стр. 300

(٦) - وَاللهُ تَعَالَى هُوَ الذِي يَخْلُقُكُمْ فِي الأرْحَامِ، وَيَجْعَلُكُمْ عَلَى صُوَرٍ مُتَغَايرَةٍ: مِنَ النُّطَفِ إلى العَلَقِ إلى المُضَغِ. . . وَمِنْ ذَكَرٍ وَأنْثَى، وَجَميلٍ وَقبيحٍ، وَشَقيٍّ وَسَعِيدٍ. . لاَ إلهَ إلاَّ هُوَ، وَلاَ رَبَّ غَيْرُهُ، وَهُوَ العَزِيزُ الذِي لاَ شَرِيكَ لَهُ، المُتَفَرِّدُ بِالخَلْقِ وَالتَّصْوِيرِ، وَهُوَ الحَكِيمُ فِي تَدْبِيرِهِ.

стр. 301

﴿الكتاب﴾ ﴿آيَاتٌ﴾ ﴿مُّحْكَمَاتٌ﴾ ﴿مُتَشَابِهَاتٌ﴾ ﴿تَشَابَهَ﴾ ﴿الراسخون﴾ ﴿آمَنَّا﴾ ﴿أُوْلُواْ﴾ ﴿الألباب﴾ (٧) - وَاللهُ تَعَالَى هُوَ الذِي أنْزَلَ القُرآنَ عَلَى عَبْدِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَكَانَ مِنْ حِكْمَتِهِ أنْ جَعَلَ مِنْهُ آيَاتِ مُحْكَمَاتٍ مُحَدَّدَةَ المَعْنَى، بَيِّنَةَ المَقَاصِدِ، هِيَ الأصْلُ وَإليهَا المَرْجِعُ (أمُّ الْكِتَابِ) . وَجَعَلَ مِنْهُ آيَاتٍ مُتَشَابِهَاتٍ، يَدِقُّ فَهْمُ مَعْنَاهَا عَلَى كَثيرٍ مِنَ النَّاسِ، وَتَشْتَبِهُ عَلَى غَيْرِ الرَّاسِخِينَ فِي العِلْمِ. فَيَأخُذُونَ المُتَشَابِهَ الذِي يَسْتَطِعُونَ تَحْرِيفَهُ لِيَسْتَخْدِمُوهُ فِي الوُصُولِ إلى أغْراضِهِم الفَاسِدَةِ مِنْ إضْلاَلِ النَّاسِ لاحْتِمَالِ لَفْظِهِ لِمَا يَصْرِفُونَهُ إلَيْهِ. امَّا المُحْكَم فَإنَّهُمْ لاَ يَسْتَطِعُونَ الإفَادَةَ مِنْهُ لأنَّهُ دَامِغٌ لَهُمْ، وَحُجَّةٌ عَلَيهِم. امَّا الذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ عَنِ الحَقِّ، فَإنَّهُمْ يَتَّبِعُونَ المُتَشَابِهَ رَغْبَةً مِنْهُمْ فِي إثَارَةِ الفِتْنَةِ، وَيَسْتَعِينُونَ فِي ذَلِكَ بِمَا فِي غَرَائِزِ النَّاسِ وَطِبَاعِهِمْ مِنْ شَكٍّ فِيمَا لَمْ يَصْل إليهِ عِلْمُهُمْ، وَلاَ يَنَالُهُ حِسُّهُمْ. كَالإِحْيَاءِ بَعْدَ المَوْتِ، وَجَميعِ شُؤُونِ الَعالَمِ الآخَر. وَيَأخُذُونَ المُتَشَابِهَ عَلَى ظَاهِرِهِ دُونَ نَظَرٍ إلى المُحْكَمِ، وَيَرْجِعُونَ فِي تَفْسِيرِ المُحْكَمِ إلى أهْوَائِهِمْ، دُونَ نَظَرٍ إلى المُحْكَمِ، وَيَرْجِعُونَ فِي تَفْسِيرِ المُحْكَمِ إلى أهْوَائِهِمْ، وَتَقَالِيدِهِمْ، لاَ إلى الأصْلِ المُحْكَمِ الذِي بُنِيَ عَلَيهِ الاعْتِقَادُ. وَتَأوِيلُ المُتَشَابِهِ مِنَ القُرَآنِ لاَ يَعْلَمُهُ إلاَّ اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ، المُتَمَكِّنُونَ مِنْهُ. (وَقَالَ بَعْضُ المُفَسِرينَ المُتَقَدِّمِينَ: إنَّ المَفْهُومَ مِنْ هَذِهِ الآيَةِ: أنَّه لاَ يَعْلَمُ تَفْسِيرَ المَتَشَابِهِ إلاّ اللهُ. أمَّا الرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ فَعِبَارَةٌ مُسْتَأنَفَةٌ) . وَهَؤُلاءِ الرَّاسِخُونَ فِي العِلْمَ يَرُدُّونَ المُتَشَابِهَ إلى المُحْكَمِ، وَيُؤْمِنُونَ بِهذَا وَهذا عَلَى حَقٌّ وَصِدْقٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَلاَ يُفَرِّقُونَ بَينَ مُحْكَمِ القُرَآنِ وَمُتَشَابِهِهِ. وَلاَ يَعْقِلُ ذَلِكَ وَلاَ يَفْهَمُهُ إلاّ أصْحَابُ العُقُولٍ السَّلِيمَةِ التِي لاَ تَخْضَعُ لِتَأثِيرِ الهَوَى والشَّهَواتِ. وَسُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الرَّاسِخِينَ فِي العِلْمِ فَقَالَ عَنْهُمْ: " مَنْ بَرَّتْ يَمِينُهُ، وَصَدَقَ لِسَانُهُ، وَاسْتَقَامَ قَلْبُهُ، وَمَنْ عَفَّ بَطْنُهُ وَفَرْجُهُ، فَذَلِكَ مِنَ الرَّاسِخِينَ فِي العِلْمِ " (أَخْرَجَهُ ابْنُ أبي حَاتِمٍ) .

стр. 302

(٨) - وَهَؤُلاَءِ الرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ، مَعَ إيمَانِهِمْ بِالمُتَشَابِهِ، فَإنَّهُمْ يَسْألُونَ اللهَ أنْ يَحْفَظَهُمْ مِنَ الزَّيْغِ بَعْدَ الهِدَايَةِ، وَأنْ يَهَبَهُمْ الثَّبَاتَ عَلَى مَعْرِفَةِ الحَقِيقَةِ، وَالاسْتِقَامَةَ عَلَى الطَّرِيقَةِ، وَيَقُولُونَ: رَبَّنا لا تُحِلْ قُلُوبَنا عَنِ الهُدَى بَعْدَ أنْ أقَمْتَها عَلَيْهِ، وَامْنَحْنَا مِنْ عِنْدِكَ رَحْمَةً تُثَبِّتُ بِهَا قُلُوبَنَا، وَتَزِيدُنا بِهَا إيمَاناً وَيَقِيناً، إنَّكَ يَا رَبِّ أنْتَ المُعْطِي الوَهَّابُ. الوَهَّابُ - الكَثِيرُ العَطَاءِ. لاَتُزِغْ قُلُوبَنا - لاَ تُمِلْها عَنِ الحَقِّ وَالهُدَى.

стр. 303

(٩) - وَيُتَابعُ الرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ دُعَاءَهُمْ قَائِلِينَ: يَا رَبِّ إنَّكَ سَتَجْمَعُ النَّاسَ لِلْجَزاءِ، يَوْمَ المَعَادِ الذِي لاَ رَيْبَ فِي أنَّهُ وَاقِعٌ وَآتٍ، وَتَفْصِلُ بَيْنَهُمْ، وَتَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ، وَتَجْزِي كُلاً مِنْهُمْ عَلَى عَمَلِهِ، وَإنَّكَ يَا رَبّ لاَ تُخْلِفُ المِيعَادَ.

стр. 304

﴿أَمْوَالُهُمْ﴾ ﴿أَوْلاَدُهُم﴾ ﴿وأولئك﴾ (١٠) - إنَّ الذِينَ كَفَروا بِاللهِ، وَبِآيَاتِهِ وَرُسُلِهِ، وَجَحَدُوا مَا عَرَفُوهُ مِنْ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، لَنْ تُفِيدَهُمْ شَيْئاً عِنْدَ اللهِ يَوْمَ القِيَامَةِ أمْوالُهُمْ (التِي يَبْذلُونَهَا فِي جَلْبِ المَنَافِعِ، وَدَفْعِ المَضَارِّ) وَلاَ أوْلاَدُهُمُ (الذِينَ يَتَنَاصَرُونَ بِهِمْ فِي الدُّنيا) ، وَسَيَكُونُونَ حَطَباً تُوْقَدُ بِهِ جَهَنَّمُ.

стр. 305

﴿آلِ فِرْعَوْنَ﴾ ﴿بِآيَاتِنَا﴾ (١١) - وَسَيَكُونُ حَالُ هَؤُلاَءِ المُكَذِّبِينَ وَشَأنُهُمْ (دَأبُهُمْ) مِثْلَ حَالِ قَوْمِ فِرْعُوْنَ (آلِ فِرْعَونَ) ، وَمَنْ قَبْلَهُمْ مِمَّنْ كَذَّبُوا الرُّسُلَ فِيمَا جَاؤُوهُمْ بِهِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، فَعَاقَبَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ، وَبِمَا ارْتَكَبُوهُ مِنْ كُفْرٍ وَآثامٍ، واللهُ شَدِيدُ العَذابِ ألِيمُهُ، لاَ يَمْتَعُ عليهِ أحَدٌ مِنْ خَلْقِهِ. الدَّأبُ - العَادَةُ وَالحَالُ. آلِ فِرعَوْنَ - قَوْمِ فِرْعَوْنَ. أَخَذَهُمْ - عَاقَبَهُمْ وَأهْلَكَهُمْ.

стр. 306

(١٢) - قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِلْكَافِرينَ - وَهُمْ هُنَا اليَهُودُ -: إنَّهُمْ سَيُغْلَبُونَ فِي الدُّنيا وَيُحْشَرونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَيُسَاقُونَ إلى جَهَنَّمَ، لِتَكُونَ لَهُمْ مَهْداً وَفِرَاشاً، وَبِئْسَ المَهْدُ وَالفِرَاشُ. (هَذِهِ الآيةُ نَزَلَتْ فِي يَهُودِ بَني قَيْنُقَاع. فَبَعْدَ أنْ نَصَرَ اللهُ المُسْلِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، جَمَعَ الرَّسُولُ ﷺ يَهُودَ المَدِينةِ، وَقَالَ لَهُمْ: يَا مَعْشَرَ اليَهُودِ أسْلِمُوا قَبْلَ أنْ يُصِيبَكُمْ اللهُ بِمَا أصَابَ بِهِ قُرَيْشاً. فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ لاَ يَغُرَّنَّكَ مِنْ نَفْسِكَ أنَّكَ قَتَلْتَ نَفَراً مِنْ قُرَيشٍ لاَ يَعْرِفُونَ القِتَالَ، إنَّكَ وَاللهِ لَوْ قَاتَلْتَنَا لَعَرَفْتَ أنَّا نَحْنُ النًّاسُ، وَأنَّكَ لَمْ تَلْقَ مِثْلَنَا. فَأنَزَلَ اللهُ تَعَالَى هذِهِ الآيَةَ والتي بَعْدَهَا، وَقَدْ صَدَقَ اللهُ وَعْدَهُ فَقَتَلَ المُسْلِمُونَ بَنِي قُرَيْظَةَ، وَأجْلَوا بَنِي النَّضِيرِ وَبَنِي قَيْنُقَاع، وَفَتُحُوا خَيْبَرَ) . المِهَادُ - الفِرَاشُ.

стр. 307

﴿آيَةٌ﴾ ﴿تُقَاتِلُ﴾ ﴿الأبصار﴾ (١٣) - ثُمَّ حَذَّرَهُمُ اللهُ تَعَالَى وَأنْذَرَهُمْ بَألاَّ يَعْتَرُّوا بِكَثْرَةِ العَدَدِ وَالعُدَّةِ، فَلَهُمْ فِيمَا يُشَاهِدُونَهُ عِبْرَةٌ. فَأمَرَ رَسُولَهُ بِأنْ يَقُولَ للَهُودِ الذِينَ قَالُوا لَهُ مَا قَالُوا: إنَّ اللهَ مُعِزٌّ دِنيَهُ، وَنَاصِرٌ رَسُولَهُ، وَإنَّ الدَّلِيلَ عَلَى ذَلِكَ مَا أظْهَرَهُ اللهُ يَوْمَ بَدْرٍ، إذِ التَقَتْ فِئَتَانِ فِي سَاحَةِ الحَرْبِ فِئةٌ مُؤْمِنَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبيلِ إعلاءِ كَلِمَةِ اللهِ، وَنَصْرِ دِينهِ، (وَهُمُ المُسْلِمُونَ) ، وَفِئَةٌ أخْرَى كَافِرَةٌ (وَهُمْ مُشْرِكُو قُرَيشٍ) . وَقَدْ أرَى اللهُ تَعَالَى المُشْرِكينَ المُسْلِمِينَ فِي مِثْلَي عَدَدِ المُشْرِكِينَ (أيْ قَرِيباً مِنْ ألْفَي مُقَاتِلٍ) بَصُورَةٍ جَلِيَّةٍ وَاضِحَةٍ، وَهُمْ إنَّما كَانُوا فِي الحقِيقَةِ ثَلاَثَمِئَةٍ وَسَبْعَةَ عَشَرَ رَجُلاً، وَكَانَ ضّلِكَ إضْعَافاً لِقُلُوبِ المُشْرِكِينَ، وَلِيَهَابُوا المُسْلِمِينَ، وَلِيَجْبُنُوا عَنْ قِتَالِهِمْ، وَكَانَ ذَلِكَ مَدَداً مِنَ اللهِ، كَمَا أمَدَّهُمْ بِالمَلاَئِكَةِ. وَقَدْ أرَى اللهُ المُسْلِمِينَ المُشْرِكِينَ قَلِيلِي العَدَدِ لِيَجْتَرِئُوا عَلَيهِمْ. وَدَارَتِ المَعْرَكَةُ فَانْتَصَرَ جُنْدُ اللهِ، وَأعَزَّ اللهُ دِينَهُ، وَقُتِلَ رُؤوسُ الكُفْرِ. وَفي ذَلِكَ عِبْرَةٌ لأولِي البَصَائِرِ لِيَهْتَدُوا إلى حِكَمِ اللهِ وَأفْعَالِهِ وَقَدَرِهِ الجَارِي بِنَصْرِ عِبَادِهِ المُؤْمِنِينَ الذِينَ يَمْتَثِلُونَ لِمَا أوْصَاهُمْ بِهِ رَبُّهُمْ بِقَدَرِ طَاقَتِهِمْ، فَيُقَاتِلُونَ ثَابِتِينَ وَاثقِينَ بِنَصْرِ اللهِ. لَعِبْرَةً - لَعِظَةً وَدَلاَلَةً.

стр. 308

﴿الشهوات﴾ ﴿والقناطير﴾ ﴿والأنعام﴾ ﴿مَتَاعُ﴾ ﴿الحياة﴾ ﴿المآب﴾ (١٤) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى أنَّهُ فَطَرَ النَّاسَ عَلَى حُبِّ الشَّهَواتِ فِي هَذِهِ الحَيَاةِ الدُّنْيَا، مِنْ أنْواعٍ المَلَذَّاتِ مِنَ النِّسِاءِ وَالبَنِينَ، وَالأَمْوَالِ وَالخَيْلِ وَالأنْعَامِ وَالحَرْث، وَهِيَ زَهْرَةُ الحَيَاةِ الدُّنيا الفَانِيَةِ، وَزِينَتُهَا الزَّائِلَةُ، وَهِيَ لاَ تُقَاسُ بِمَا ادَّخَرَهُ اللهُ لِعِبَادِهِ المُؤْمِنينَ الصَّالِحِينَ فِي الآخِرَةِ، وَعِنْدَ اللهِ حُسْنُ المَرْجِعِ، وَعِنْدَهُ حُسْنُ الثَّواب. الشَّهْوَةُ - رَغْبَةُ النًّفْسِ. الحَرْثِ - الزَّرْعِ وَالنَّبَاتِ. المُسَوَّمةِ - المُطْلَقَةِ لِتَرْعَى فِي أرْضِ اللهِ، أوِ المُعَلَّمَةِ. المَآبِ - المَرْجِعِ. المُقَنْطَرَةِ - المُضَاعَفَةِ أوِ المُحْكَمَةِ، المُحَصَّنَةِ.

стр. 309

﴿جَنَّاتٌ﴾ ﴿الأنهار﴾ ﴿خَالِدِينَ﴾ ﴿وَأَزْوَاجٌ﴾ ﴿وَرِضْوَانٌ﴾ (١٥) - قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِلنَّاسِ أتُرِيدُونَ أنْ أُخْبِرَكُمْ بِخَيْرٍ مِمّا زُيِّنَ للنَّاسِ فِي الحَيَاةِ الدُّنيا مِنْ نَعِيمِها الزَّائِلِ؟ هُوَ مَا أعَدَّهُ اللهُ تَعَالَى لِلْمُتَّقِينَ مِنْ عِبَادِهِ، الذِينَ أخْبَتُوا إلى رَبِّهِمْ وَأنَابُوا إليهِ، مِنْ جَنَّاتٍ تَتَفَجَّرُ فِي أرْضِها الأنْهَارُ، مُخَلَّدِينَ فِيها لا تَزُولُ عَنْهُمْ أبداً، وَلاَ يَبْغُونَ عَنْهَا تَحَوُّلاً، وَلَهُمْ فِيها أزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ مِنَ الدَّنَسِ وَالخُبْثِ وَالكَيْدِ وَسُوءِ الخُلُقِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَعْتَرِي النِّسَاءَ. وَيَغْمُرُهُمْ رِضْوَانُ اللهِ فَلاَ يَسْخَطُ عَلَيهِمْ رَبُّهُمْ أبداً، وَاللهُ بَصِيرٌ بِالعِبَادِ، يُعْطِي كُلَّ وَاحِدٍ بِحَسَبِ مَا يَسْتَحِقُّ مِنَ العَطَاءِ. الرِّضْوانُ - الرِّضَا. التَّقْوى - الإخْبَاتُ للهِ.

стр. 310

﴿آمَنَّا﴾ (١٦) - وَعِبَادُ اللهِ المُتَّقُونَ الذِينَ يَسْتَحِقُونَ نَعِيمَ الآخِرَةِ، وَرِضْوَانَ اللهِ، هُمُ الذِينَ تَتَأَثَّرُ قُلُوبُهُمْ بِثَمَرَاتِ إِيمَانِهِمْ فَتَفِيضُ أَلْسِنَتُهُمْ بِالاعْتِرَافِ بِهَذَا الإِيمَانِ حِينَ الدُّعَاءِ وَالابْتِهَالِ إلى اللهِ فَيَقُولُونَ: رَبَّنا إنَّنا آمَنَّا بِكَ، وَبِكُتُبِكَ، وَبِرُسُلِكَ، فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنا، وَامْحُها بِفَضْلِكَ وَرَحْمَتِكَ، وَادْفَعْ عَنَّا عَذابَ النَّارِ، إنَّكَ أنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.

стр. 311

﴿الصابرين﴾ ﴿والصادقين﴾ ﴿والقانتين﴾ (١٧) - وَهؤلاءِ العِبَادُ المُتَّقُونَ هُمُ: الصَّابِرُونَ عَلَى قِيَامِهِمْ بِطَاعَةِ رَبِّهِمْ، وَتَرْكِ مُحَرَّمَاتِهِ، وَهُمُ الصَّادِقُونَ فِيمَا أَخْبَرُوا بِهِ مِنْ إيمَانِهِمْ بِمَا التَزَمُوا بِهِ مِنَ الأعْمَالِ الشَّاقَّةِ، والمُلْتَزِمُونَ بِطَاعَةِ اللهِ، وَالخُضُوعِ لَهُ (القَانِتُونَ) ، وَهُمْ المُنْفِقُونَ مِنْ أمْوالِهِمْ فِي جَمِيعِ مَا أُمِرُوا بِهِ مِنَ الطَّاعَاتِ، وَصِلَةِ الأرْحَامِ وَمُوَاسَاةِ ذَوِي الحَاجَاتِ، وَهُمُ المُسْتَغْفِرُونَ رَبَّهُمْ فِي أوْقَاتش السَّحَرِ، حِينَما يَكُونُ النَّاسُ نَائِمِينَ. وَجَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " يَنْزِلُ اللهُ ﵎ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ إلى السَّمَاءِ الدُّنْيا حِينَ يَبْقَى اللَّيْلِ الأخِيرِ فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ سَائِلٍ فَأُعْطِيَهُ؟ هَلْ مِنْ دَاعٍ فَأسْتَجِيبَ لَهُ؟ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأغْفِرَ لَهُ؟ "

стр. 312

﴿والملائكة﴾ ﴿وَأُوْلُواْ﴾ ﴿قَآئِمَاً﴾ (١٨) - يُبَيِّنُ الله ُ تَعَالَى أنَّهُ الوَاحِدُ، الذِي لاَ إِلهَ إلاّ هُوَ، وَأنَّهُ قَائِمٌ عَلَى شُؤونِ خَلْقِهِ بِالعَدْلِ، وَقَدْ أقَامَ الدَّلاَئِلَ عَلَى ذَلِكَ فِي الأَنْفُسِ وَالآفَاقِ، وَفِي إنْزالِ التَّشْرِيعَاتِ النَّاطِقَةِ بِذَلِكَ. وَأخْبَرَ المَلاَئِكَةُ الرُّسُلَ بِهَذَا، وَشَهِدُوا بِهِ شَهَادَةً مُؤَيَّدَةً بِعِلْمٍ ضَرُورِيٍّ - وَهُوَ عِنْدَ الأَنْبِياءِ أقْوَى مِنْ جَمِيعِ اليَقِينِّياتِ - وَأولُو العِلْمِ أخْبَرُوا بِذَلِكَ وَبَيَّنُوهُ، وَشَهِدُوا بِهِ شَهَادَةً مَقْرُونَةً بِالدَّلائِلِ وَالحُجَجِ لأنَّ العَالِمَ بِالشَّيءِ لاَ تُعْوِزُهُ الحُجَّةُ عَلَيهِ. وَقَوَامَةُ اللهِ فِي تَدْبِيرِ هَذَا الكَوْنِ، وَأمُورِ الخَلْقِ، تَتَّصِفُ دَائِمًا بِصِفَةِ العَدْلِ (قَائِماً بِالقِيْطِ) . وَجَعَلَ اللهُ تَعَالَى سُنَنَ الخَلْقِ قَائِمَةً عَلَى أسَاسِ العَدْلِ. ثُمَّ أكَّدَ تَعَالَى كَوْنَهُ مُنْفَرِداً بِالألُوهِيَّةِ، وَقَائِماً بِالعَدْلِ (لاَ إلهَ إلاَّ هُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ) . وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " يُجَاءُ بِصَاحِبها - أيْ بِمَنْ شَهِدَ بِمَا شَهِدَ اللهُ تَعَالَى بِهِ - يَوْمَ القِيَامَةِ فَيَقُولُ اللهُ : عَبْدِي عَهِدَ إلَيَّ وأنَا أحَقُّ مَنْ وَفَى بِالعَهْدِ، أدْخِلُوا عَبْدِي الجَنَّةَ " (رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ) .

стр. 313

﴿الإسلام﴾ ﴿الكتاب﴾ ﴿بِآيَاتِ (١٩) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى بِأنَّهُ لاَ يَقْبَلُ دِيناً مِنْ أحَدٍ غَيْرَ دَينِ الإِسْلاَمِ. وَالإِسْلاَمُ هُوَ الاسْتِسْلاَمُ الكَامِلُ للهِ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، واتِّبَاعُ الرُّسُلِ فِيمَا بَعَثَهُمُ اللهُ بِهِ فِي كُلِّ حِينٍ، وَآخِرُهُمْ مُحَمَّدٌ ﷺ ، فَمَنْ لَقِيَ اللهَ بَعْدَ بِعْثَةِ مُحَمًّدٍ عَلَى غَيْرِ شَرِيْعَتِهِ فَلا يُقْبَلُ مِنْهُ مَا جَاءَ بِهِ، وَجَاءَتِ الرُّسُلُ أقْوَامَهُمْ مِنْ أهْلِ الكِتَابِ، يَطْلُبُونَ مِنْهُمُ اتِّبَاعَ سَبيلِ اللهِ هذا، وَيَحُثُّونَهُمْ عَلَى تَوْحِيدِ اللهِ وَلكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِسمَا بَيْنَهُمْ، وَخَرَجُوا عِنِ الإِسْلاَمِ الذِي جَاءَهُمْ بِهِ الأنْبِيَاءُ، وَتَفَرَّقُوا شِيَعاً وَطَوَائِفَ مُتَنَاحِرَةً مَتَقَاتِلَةً. وَلَمْ يَكُنْ سَبَبُ ذَلِكَ الاخْتِلافِ جَهْلاً بِحَقِيقَةِ الدِّينِ، فَالدِّينُ وَاحِدٌ لا مَجَالَ لِلاخْتِلاَفِ فِيهِ، وَلكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا اعْتِداءً وَظُلْماً وَبَغْياً وَتَبَاغُضاً بَيْنَهُمْ (بَغْياً بَيْنَهُمْ) ، وَاتِّبَاعاً للرُّؤَسَاءِ الذِينَ تَجَاوَزُوا الحُدُودَ، وَلَوْلا بَغْيُهُمْ وَنَصْرُهُمْ مَذْهَباً على َذْهَبٍ، وَتَضْلِيلُهُمْ مَنْ خَالَفهُمْ بِتُفْسِيرِ نُصُوصِ الدِّينِ بِالرَّأيِ وَالهَوَى، وَتَأوِيلُ بَعْضِهِ أوْ تَحْرِيفُهُ، لَمَا حَدَثَ هَذا الاخْتِلافُ. وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللهِ الدَّالَةِ عَلى وُجوبِ الاعْتِصَامِ بِالدِّينِ وَوَحْدَتِهِ، فَإنَّ اللهَ يجَازِيهِ عَلَى مَا اجْتَرحَ مِنَ السَّيِّئاتِ، واللهُ سَريعُ الحِسَابِ. أولُو العِلْمِ - أهْلُ البُرْهَانِ القَادِرُونَ عَلَى الإِقْنَاعِ. بِالقِسْطِ - بِالعَدْلِ. بَغْياً - اعْتِدَاءً وَتَجَاوُزاً لِلْحُدُودِ. الدِّينَ - الطَّاعَةَ وَالانْقِيادَ للهِ، أوِ المِلَّةَ.

стр. 314

﴿الكتاب﴾ ﴿والأميين﴾ ﴿أَأَسْلَمْتُمْ﴾ ﴿البلاغ﴾ (٢٠) - فَإنْ جَادَلَكَ أهْلُ الكِتَابِ أوْ غَيْرُهُمْ (حَاجُّوكَ) يَا مُحَمَّدُ فِي التَّوْحِيدِ، بَعْدَ أنْ أقَمْتَ لَهُمُ البَيِّنَاتِ وَالبَرَاهِينَ، وَبَعْدَ أَنْ جِئْتَهُمْ بِالحَقِّ، فَقُلْ لَهُمْ: إنَّني أخْلَصْتُ عِبَادَتِي للهِ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَلا نِدَّ، وَلاَ وَلَدَ وَلاَ صَاحِبَةَ: وَمَنِ اتًَّبَعَني عَلى دِينِي يَقُولُ كَمَقَالَتِي. وقُلْ لأَهْلِ الكِتَابِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصَارَى وَللأمِّيينَ (مُشْرِكِي العَرَبِ) أأسْلَمْتُمْ وَآمنْتُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى نَبِيِّهِ، كَمَا أسْلَمْتُ أنا. فَإنْ أسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا إلى الخَيْرِ وَالرَّشَادِ، وَإنْ رَفَضُوا الدُّخُولَ فِي الإِسْلاَمِ، وَآثَرُوا البَقَاءَ عَلَى مَا هُمْ عَليهِ، فَأنْتَ مُكَلَّفٌ بِبَلاغِهِمْ وَدَعْوتِهِمْن وَإلى اللهِ مَرْجِعُهُمْ، وَعَليهِ حِسَابُهُمْ، وَاللهُ عَليمٌ بِمَنْ يَسْتَحِقُّ الهِدَايَةَ، مِمَّنْ يِسْتَحِقُّ الضَّلاَلَ.

стр. 315

﴿بِآيَاتِ﴾ ﴿النبيين﴾ (٢١) - يَذُمُّ اللهُ تَعَالَى أَهْلَ الكِتَابِ الذِينَ ارْتَكَبُوا المَآثِمَ وَالمَحَارِمَ بِكُفْرِهُمْ بِاللهِ وَآيَاتِهِ، وَقَتَلُوا الأَنْبِيَاءَ وَالصَّالِحِينَ الذِينَ يَدُعُونَ إلى اللهِ وَإِلى اتِّبَاعِ الحَقِّ. وَالمَقْصُودُونَ فِي هَذِهِ الآيَةِ هُمُ اليَهُودُ بَنُو إِسْرَائِيلَ، الذِينَ قَتَلُوا عَدَداً مِن أنْبِياءِ اللهِ فِي يَومٍ وَاحِدٍ اسْتِكْباراً، فَعَاقَبَهُمُ اللهُ عَلَى ذَلِكَ بِالذِّلَّةِ وَالصَّغَارِ فِي الدُّنْيا، وَبَشَّرَهُمْ بِعَذَابٍ أليمٍ مُهِينٍ فِي الآخِرةِ، لأنَّ هَذَا هُوَ جَزَاءُ جُرْمِهِمْ وَصَنِيعِهِمْ.

стр. 316

﴿أولئك﴾ ﴿أَعْمَالُهُمْ﴾ ﴿نَّاصِرِينَ﴾ (٢٢) - قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لأبي عُبَيْدَةَ بْنِ الجَرَّاحِ: " يَا أبَا عُبَيْدَةَ قَتَلَتْ بَنُو إسْرائيل ثَلاَثَةً وَأرْبَعينَ نَبِياً أوَّلَ النَّهَارِ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ. فَقَامَ مِئَةٌ وَسَبْعُونَ رَجُلاً مِنْ عُبَّادِ بَني إسْرَائيلَ فَأمَروا القَتَلَةَ بِالمَعْرُوفِ، وَنَهَوْهُمْ عَنِ المُنْكَرِ، فَقُتِلُوا جَمِيعاً مِنْ أخِرِ ذَلِكَ اليَوْمِ فَهُمْ الذِينَ ذَكَرَ اللهُ " (أخْرَجَهُ ابْنُ أبي حَاتِمٍ) . وَيَقُولُ تَعَالَى إنَّ الذِينَ يَرْتَكِبُونَ هَذِهِ المُنْكَرَاتِ يُهْلِكُ اللهُ أعْمَالَهُمْ وَيُبْطِلُها فِي الدُّنْيا، فَلاَ يَنَالُونَ عَليها حَمْداً، وَلا ثَنَاءً مِنَ النَّاس. وَقَدْ لَعَنَهُمُ اللهُ، وَهَتَكَ أسْتَارَهُمْ وَأبْدَى مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبَائِحِ أعْمَالِهِمْ، عَلَى ألْسِنَةِ أنْبِيائِهِ وَرُسُلِهِ. وَقَدْ أعَدَّ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ، العَذَابَ الألِيمَ وَالخُلُودَ فِي جَهَنَّمَ، وَلَنْ يَجِدُوا لَهُمْ مَنْ يَنْصُرُهُمْ مِنْ بَأسِ اللهِ.

стр. 317

﴿الكتاب﴾ ﴿كِتَابِ﴾ (٢٣) - يُنكِرُ اللهُ تَعَالى اليَهُودِ رَفْضَهُمُ الأخْذَ بِمَا جَاءَ فِي كُتُبِهِم - التِي يَزْعُمُونَ أنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ بِهَا - حِينَمَا يَكُونُ الحُكْمُ فِيها لاَ يُوافِقُ أهْوَاءَهُمْ. فَقَدْ زَنَى أحَدُ أشْرَافِ اليَهُودِ فَجَاؤُوا إلى النَّبِيِّ ﷺ يَسْألُونَهُ الحُكْمَ فِي الأمْرِ، فَحَكَمَ بَيْنَهُمْ بِمِثْلِ مَا جَاءَ فِي كُتُبِهِمْ. وَحُكْمُ الزِّنَا فِي التَّورَاةِ هُوَ الرَّجْمُ، فَتَولُّوْا عَنْهُ مُعْرِضِينَ. وَلَمْ يَقْبَلُوا حَكْمَهُ. فَهُمْ إنَّمَا جَاؤُوا إليهِ لِيَجِدُوا لَدَيهِ حُكْماً أخَفَّ مِمَّا فِي التَّورَاةِ، وَكَانَ مِنْ المَفْرُوضِ فِيهِمْ ألاَّ يَتَرَدَّدُوا فِي إجَابَةِ الدَّعْوَةِ إلى كِتَابِهِمْ، إذْ أنَّهُ أصْلُ دِينِهِمْ، وَعَلَيْهِ بُنِيَتْ عَقِيدَتُهُمْ. وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿الذين أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ الكتاب﴾ إشَارَةٌ إلى أنَّهُمْ يَحْفَظُونَ طَرَفاً مِنْ كِتَابِهِمْ الذِي أوْحَاهُ اللهُ إليهِمْ. وَقَدْ فَقَدُوا سَائِرَهُ، وَأنَّهُمْ لا يُحْسِنُونَ فَهْمَهُ، وَلاَ يَلْتَزِمُونَ العَمَلَ بِهِ. النَّصِيبُ - الحَظُّ وَهُوَ هُنَا طَرَفٌ مِنَ التَّورَاةِ وَشَيءٌ مِنْهُ. التَّوَلِّي - الإعْراضُ بِالبَدَنِ.

стр. 318

﴿مَّعْدُودَاتٍ﴾ (٢٤) - وَمَا حَمَلَهُمْ عَلَى مُخَالَفََةِ الحَقِّ، وَعَلَى العِنَادِ إلاَّ افْتِراؤُهُمْ عَلَى اللهِ فِيمَا ادَّعَوْهُ لأنْفُسِهِمْ مِنْ أنَّهُمْ لَنْ يُعَذَّبُوا فِي النَّارِ، إلاَ أياماً مَعْدَوداتٍ (قِيلَ: إنَّهَا سَبْعَةُ أيَّامٍ، عَنْ كُلِّ ألْفِ سَنَةٍ مِنْ عُمْرِ الدُّنْيَا يَوْمٌ مِنَ العَذَابِ) . وَقَدْ خَدَعَهُمْ هذا الاعْتِقَادُ البَاطِلُ وَغَرَّهُمْ، فَاسْتَمَرُّوا فِي غَيِّهِمْ وَضَلاَلِهِمْ، وَأقَامُوا عَلَى ارْتِكابِ المَعاصِي وَالذُّنُوبِ. لَنْ تَمسَّنَا النَّارُ - لَنْ نُعَذِّبَ فِي النَّارِ. الافْتِراءُ - اخْتِلاقُ الكَذِبِ. غَرَّهُ - خَدَعَهُ.

стр. 319

﴿جَمَعْنَاهُمْ﴾ (٢٥) - فَكَيْفَ يَكُونُ حَالُهُمْ - وَقَدْ كَذَّبُوا وَافْتَرَوْا عَلَى اللهِ الكَذِبَ - إذَا جَمَعَهُمُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَهُوَ يَوْمٌ لاَ شَكَّ فِي أنَّهُ آتٍ وَوَاقِعٌ، وَرَأتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ مُحْضَراً لاَ نَقْصَ فِيهِ، ثُمَّ جُوزِيتْ عَلَيهِ؟ وَاللهُ لاَ يَظْلِمُ أحَداً. وَفَّي - مِنَ الوَفَاءِ وَهُوَ تَسْدِيدُ الدَّيْنِ.

стр. 320

﴿مَالِكَ﴾ (٢٦) - قُلْ يَا مُحَمَّدُ مُعَظِّماً رَبَّكَ، وَشَاكِراً لَهُ أَنْعُمَهُ عَلَيكَ: اللَّهُمَّ لَكَ المُلْكُ وَالسُّلْطَانُ الأَعْلَى، وَالتَّصَرُّفُ التَّامُّ فِي تَدْبِيرِ الأمُورِ، تُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ، وَتُعْطِي المُلْكَ مَنْ تَشَاءُ، وَتَمْنَعُهُ وَتَنْزِعُهُ عَمَّنْ تَشَاءُ، إِنَّكَ أَنْتَ الفَعَّالُ لِمَا تُرِيدُ، بِيَدِكَ الخَيْرُ وَحْدَكَ، وَأَنْتَ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَيءٍ، لاَ يُعْجِزُكَ شَيْءٌ عَنْ تَنْفِيذِ مُرَادِكَ.
следующие страницы →