← Тафсир

Тафсир · id 1787

أيسر التفاسير لأسعد حومد

أسعد حومد

Полный текст (6 113 стр.). Показаны 3256–3295 · переход к 3261.

стр. 3256

(٣٤) - وَقَالَ المَلاَئِكَةُ لِلُوطٍ - إِنَّنا سَنُنْزِلُ عَلَى أَهْلِ هذِهِ القَرْيَةِ عَذَاباً مِنَ السَّمَاءِ تَنْخَلِعُ لَهُ قُلُوبُهُم (رِجْزاً) ، جَزَاءً لَهُمْ عَلَى فِسْقِهِمْ وَفَسَادِهِمْ. فَتَزَلْزَلَتِ الأَرضُ بِهِمْ، وَغَارَتِ القَريَةُ في بَاطِنِ الأََرضِ، وَتَسَاقَطَتْ عَلَيهِم الحِجَارَةُ، فَأَصْبَحَ عَالِيها سَافِلَها وَلَمْ يَنْجُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِها، وَقَامَتْ مَكَانَها بُحَيْرَةٌ خَبِيثَةٌ مُنِتنَةٌ هي بُحَيْرَةُ لُوطٍ، وَجَعَلَهُمْ عِبْرَةً لِغيرِهِمْ.

стр. 3257

﴿آيَةً﴾ (٣٥) - وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا هذِهِ القَريَةَ، وَتَرَكْنَا مِنْها آثاراً ظَاهِرَةً لِيَكُونَ مَا فَعَلْنَاهُ عِبْرَةً بَيِّنةً، وَعِظَةً زَاجِرَةً لِقَومٍ يُبْصِرُونَ فَيُدْرِكُونَ، وَيَنْتَفِعُونَ بِعُقُولِهِمْ (يَعْقِلُونَ) .

стр. 3258

﴿ياقوم﴾ ﴿الأخر﴾ (٣٦) - وَأَرْسَلْنَا رَسُولَنا شُعَيْباً إِلى مَدْيَنَ فَقَالَ لَهُمْ: يَا قَوْم اعْبُدُوا الله وَحْدَهُ، وأًَخلِصُوا العِبَادَةِ لَهُ، وَارْجُوا بِعِبَادَتِكُمْ إِيَّاهُ اليَومَ الآخِرَ وثَوابَهُ، وَلا تُفْسِدُوا في الأَرْضِ، وَلاَ تَبغُوا عَلى أَهْلِهَا، فَتُنْقِصُوا المِكْيَالَ والمِيزَانَ، وَتَقْطَعُوا الطَّرِيقَ عَلَى المَارَّةِ - كَمَا جَاءَ في آيةٍ أُخْرى-. العَيْثُ - الفَسَادُ والبَغْيُ.

стр. 3259

﴿جَاثِمِينَ﴾ (٣٧) - فَكَذَّبُوهُ فِيمَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ عِندِ اللهِ، فَأَهْلَكَهُمْ اللهُ بِزَلْزَلَةٍ عَظِيمَةٍ ارْتَجَّتْ لَها الأَرضُ، وارْتَجَفَتْ لهَا القُلُوبُ، وهَلَكُوا جَميعاً، فَأَصْبَحُوا في دِيَارِهِمْ مَوْتَى، لاَ حَرَاكَ بِهِمْ. أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ - الزَّلْزَلَةُ الشَّدِيدَةُ، بِسَبَبِ الصَّيْحَةِ. جَاثِمِينَ - هَامِدِينَ، مَيِّتِينَ، لاَ حَرَاكَ بِهِمْ.

стр. 3260

﴿ثَمُودَاْ﴾ ﴿مَّسَاكِنِهِمْ﴾ ﴿الشيطان﴾ ﴿أَعْمَالَهُمْ﴾ (٣٨) - يُخِبِرُ اللهُ تَعَالَى عَنِ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ، وَكَيْفَ أَهْلَكَهُمْ وانْتَقَمَ مِنْهُمْ بِأَنْواعٍ مِنَ العَذَابِ، فَعَادٌ، قومُ هُودٍ (وَكَانُوا يَسْكُنُونَ في الأحْقَافِ، في مِنْطَقَةِ حَضرَمَوتَ) ، أًهْلَكَهُمُ اللهُ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيةٍ، سَخَّرَهَا عَلَيهِمْ سَبْعَ لِيالٍ مُتَواصِلَةٍ فَلَمْ يَتْرُكْ لَهُمْ مِنْ بَاقِيةٍ. وثَمُودُ قُومُ صَالحٍ (وَكَانُوا يَسْكُنُونَ الحِجْرَ قُربَ وَادي القُرَى) أَهْلَكَهُمُ اللهُ جَمِيعاً بالصِّيْحَةِ، وبزَلزَلَةِ الأَرْضِ بِهِمْ، لَمَّا عَقَرُوا النَّاقَةَ التي أَخْرَجَهَا اللهُ لَهُم، بِنَاءً عَلَى طَلَبِهِمْ مِنْ صَخْرَةٍ صَمَّاءَ. وَكَانَتِ العَرَبُ تَعرِفُ مَسَاكِنَ قَومِ عَادٍ، وَقَومِ ثَمُودَ، وَتَمُرُّ بِها في تَرْحَالِها، وَتَرى آثَارَ الدَّمَارِ والهَلاَكِ الذي نَزَلَ بِهَا وبأَهلها. وَكَانَ سَبَبُ إِهْلاكِهِمْ هُوَ مَا زَيَّنهُ لَهُم الشَّيْطَانُ مِنْ أعمالٍ سَيِّئةٍ، وَعِبَادَةٍ غيرِ اللهِ تَعَالى، مَعَ أَنَّهُمْ كَانُوا قَادِرِينَ عَلى الإِدِراكِ والاستبْصَارِ، والتَّميِيز بَيْنَ الحَقِّ والبَاطِلِ، وَلِذَلِكَ فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ عُذْرٌ في الغَفْلَةِ، وَعَدَمِ التَّبَصُّرِ في العَواقِبِ. مُسْتَبَصِرِينَ - عُقَلاَءَ مُتَمَكِّنِينَ مِنَ التَّدَبُّرِ.

стр. 3261

﴿قَارُونَ﴾ ﴿هَامَانَ﴾ ﴿بالبينات﴾ ﴿سَابِقِينَ﴾ (٣٩) - واذْكُر لِهؤلاءِ المُغْتَرِّينَ بأَمْوالِهِمْ مِنْ قُريشٍ كَيفَ أَهْلَكَ اللهُ قَارُونَ صَاحِبَ الأموالِ الكثيرةِ، إِذْ خَسَفَ بهِ وبِدَارِهِ وكُنُوزِهِ الأَرْضَ، كَمَا أَهْلَكَ فِرْعَوْنَ مَلِكَ مِصْرَ وَوَزِيرَهُ هَامَانَ، فَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بالحُحَجِ والبَيِّنَاتِ الدَّالَّةِ عَلى صِدْقِ رِسَالتِهِ، فاسْتَكْبَرُوا في الأرضِ بغيرِ الحَقِّ، وأََبَوا أَنْ يُصَدِّقُوهُ وأَنْ يُؤمِنُوا لَهُ، وَلَمْ يَكُونُوا فَائِتينَ الله، وَلاَ نَاجِينَ مِنْ عِقَابِهِ، فَهُوَ تَعَالَى قَادِرٌ عَليهِمْ في كُلِّ حِينٍ، وَهُوَ عَزيزٌ ذُو انتِقَامٍ. سَابِقينَ - فَائِتينَ مِنْ عَذَاب اللهِ.

стр. 3262

(٤٠) - وَقَدْ أَرسَلَ اللهُ تَعَالى عَلَى كُلِّ فِئَةٍ لوناً مِنْ ألوانِ العَذَابِ يَتَنَاسَبُ مَعَ عُتَوِّهِمْ وَجَرَائِمِِهِمْ: - فَقَومُ عَادٍ كَانُوا يَقُولُونَ: (مَنْ أَشَدُّ مِنّا قُوَّةً) ، فَأَرْسَلَ اللهُ عَلَيهِمْ، رِيحاً شَدِيدَةَ البُرُودَةِ (صَرْصَراً) ، بَالِغَةَ العُنفِ والعُتُوِّ (عَاتِيَةً) ، تَحْمِلُ الحَصْبَاءَ، وَترِمِيهِمْ بِها، فَأَهْلَكَنْهُمْ جَمِيعاً. - وقَومُ ثَمودَ كَذَّبُوا رَسُولَهُم صَالِحاً، وَتَهَدَّدُوهُ وَعَقَرُوا النَّاقَةَ، فَأَرْسَلَ اللهُ عَلَيهِمْ صَيْحَةً أًَخْمَدَتْ أَنفَاسَهُمْ، وَلَمْ تَتْرُكْ مِنْهُمْ أَحَداً. - وَقَارُونُ طًغَى وَبَغَى وعَصَى اللهَ، وَمَشَى في الأَرْضِ، مَرَحاً فَخَسَفَ اللهُ بهِ وبِدَارِهِ الأَرضَ، وأَهلَكَهُ وكُنُوزَهُ. - وَفِرْعَوْنُ وهَامَانُ وقَومُهُما مِنَ القِبطِ أَغرَقَهُمُ اللهُ في صَبيحَةٍ وَاحِدَةٍ، وَكانَتْ هذهِ العَقُوبَةُ جَزَاءً عَلَى مَا اجتَرَحُوهُ مِنَ الإِجْرامِ، ولمْ يَظْلِمْهُمُ اللهُ فيما فَعَلَ بِهِمْ، ولَكِنَّهُمْ هُمُ الذينَ كَانُوا يَظْلِمُونَ أَنَفُسَهُمْ بِالكُفْرِ، والبَطَرِ والعُتُوِّ والطُّغيَانِ، فَأَوْصَلُوها إِلى العَذَابِ والبَلاَءِ الذي حَلَّ بِها. حَاصباً - رِيحاً عَاصِفاً تَرمِيهِم بالحَصْبَاءِ. أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ - صَوْتٌ مِنَ السَّمَاءِ مُهْلِكٌ مُرْجِفٌ.

стр. 3263

(٤١) - ثُمَّ ضَرَبَ اللهُ تَعَالَى مَثَلاً لِلْمُشرِكِينَ الذينَ اتَخَذُوا آلِهَةٌ مِنْ دُونِ اللهِ، يَرْجُونَ نَفْعَهُمْ وَنَصْرَهُمْ وَرِزْقَهُمْ فَقَالَ: إِنَّ مَثَلَ عَمَلِ هؤُلاءِ المُشرِكِينَ، مَثَلُ العَنْكَبُوتِ التِي اتَّخَذَتْ بَيتاً تَحْتمي بهِ، مَعَ أَنَّ بيتَها هُوَ أَوْهَى البُيُوتِ، وأَضْعَفُها، وأَبْعَدُها عَن الصَّلاحِ لِتَأْمِين الحِمَايَةِ، وَلَوْ علِمَ المُشْرِكُونَ حَقيقَةَ حَالِهِمْ لَمَا اتَّخَذَوا مِنْ دُونِ اللهِ أوْلِياءَ لا يُغْنُونُ عنهُمْ شَيئاً، لكِنَّ الجَهْلَ بَلَغَ مِنْ هؤُلاءِ حَداً لا يَسْتَطِيعُونَ مَعَهُ التَّميِيزَ بينَ الخَيرِ والشَّرِّ.

стр. 3264

(٤٢) - واللهُ تَعَالَى يَعْلَمُ حَالَ مَا يَعْبُدُهُ هؤُلاءِ مِنْ دُونِ اللهِ مِنَ الأَصْنَامِ والأَوثَانِ والأًَندَادِ، وَيَعلَمُ أَنَّ عِبَادَتَها لا تَنْفَعُهُمْ شَيئاً وَلا تَضُرُّهُمْ إِنْ أَرادَ اللهُ بهِمْ نَفْعاً أَوْ ضَرّاً، وَمَثَلُها في قِلَّةِ نَفْعِها كَمَثَلِ بَيْتِ العَنْكَبُوتِ في ضَعْفِهِ، وَقِلَّةِ نَفْعِهِ. واللهُ تَعالى هُوَ العَزيزُ في انتِقَامِهِ ممَّنْ كَفَرَ، وَهُوَ الحَكِيمُ في شَرعِهِ، وَتَدِبيرِهِ أُمُورَ خَلْقِهِ.

стр. 3265

﴿الأمثال﴾ ﴿العالمون﴾ (٤٣) - وَهذا المَثَلُ، وَمَا مَاثَلَهُ مِنَ الأمثَالِ التِي اشْتَمَلَ عَلَيها القُرآنُ الكَريمُ، إِنَّما ضَرَبَها اللهُ تَعَالى لِلنَّاسِ لِيُقَرِّبَ مِنْ أَفهَامِهِمْ مَا بَعُدَ عَنْها، وَلِيُوضِّحَ لهُم مَا أَشْكَلَ عَلَيهِمْ أَمْرُهُ، واسْتَعصَى عَليهِمْ فَهْمُهُ، وهذه الأَمثالُ التي يَضْرِبُها اللهُ للناسِ لا يَفْهَمُها، ويُدْرِكُ مَعنَاهَا ومَغْزَاهَا، إلا الرَّاسِخُونَ في العِلمِ، المُتَدَبِّرُونَ في عَواقِبِ الأُمُورِ.

стр. 3266

﴿السماوات﴾ ﴿لآيَةً﴾ (٤٤) - يَقُولُ اللهُ تَعَالَى إنَّهُ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ والأَرضَ بالحَقِّ، وَهُوَ إِنَّما خَلَقَها لِحِكْمَةٍ وفَوائِدَ يُقَدِّرُهَا هُوَ سُبحَانَهُ، وَلَمْ يَخْلُقْها لِلْعَبَثِ، وَلا لِلَّعِبِ والتَّسلِيةِ، وَلاَ يَفْهَمُ هذهِ الأسْرَارَ إلا الذينَ آمنُوا باللهِ، وَصَدَّقُوا رَسُولَهُ، لأَنَّهُم هُمُ الذِينَ يستَدِلُّونَ بالآثارِ عَلَى مُؤَثِّراتِها، وبِالخَلقِ عَلى خَالِقِهِ.

стр. 3267

﴿الكتاب﴾ ﴿الصلاة﴾ (٤٥) - يَأْمُرُ اللهُ تَعالى المُؤمنينَ، وَهُوَ يُوَجِّهُ خِطَابَهُ لِرَسُولِهِ ﷺ ، بِتِلاَوَةِ القُرآنِ، وإِقَامَةِ الصَّلاةِ، فَقَالَ تَعَالى: وَأدِمْ تِلاَوَةَ القُرآنِ تَقَرُّباً إِلى اللهِ تَعَالى بِتلاَوتِهِ، وَتَذكُّراً لمَا فيهِ منَ الأَسْرَارِ والفَوائِدِ، واعْمَلْ بمَا فيهِ من الأوامرِ والآداب وَمَحاسِنِ الأخْلاَقِ، وأقِمِ الصَّلاةَ، وأدِّهَا عَلَى الوَجهِ الأكمْلِ بخُشُوعِها وَرُكُوعِها وسُجُودِهَا، لأَنَّ الصَّلاَةَ إِنْ تَمَّتْ عَلَى الوَجهِ الأكْمَلِ كَانَتْ لَها فَائِدَتَانِ: - أَنها تَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ والمُنْكَرِ والبَغْيِ وَتَحْمِلُ المُؤْمِنَ عَلى مُجَانِبَتِها، وَتركِها لِمُنَافَاةِ الصَّلاةِ لفِعْلِ الفَاحِشَةِ والمُنكَر والبَغْيِ. - وفِيها فَائِدَةٌ أَعْظَمُ، أَلا وهي ذِكرُ اللهِ لِعِبَادِهِ الذينَ يذكُرُونَهُ، ويُؤدُّونَ الصّلاةَ بشُرُوطِها، ويُسَبِّحُونه ويَحْمَدُونَهُ، واللهُ تَعَالى يَعلَمُ ما تَفْعَلُونَ مِنْ خَيرٍ وشَرٍ، وهوَ مُجَازِيكُمْ بهِ.

стр. 3268

﴿تجادلوا﴾ ﴿الكتاب﴾ ﴿آمَنَّا﴾ ﴿وَاحِدٌ﴾ (٤٦) - قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ إِنَّ هذهِ الآيةَ مَنْسُوخَةٌ بآيةِ السَّيفِ. وقالَ آخَرون إنها بَاقِيةٌ مُحْكَمَةٌ. وفي هذهِ الآيةِ يَأمرُ اللهُ المُؤمنينَ بمُجَادَلةِ اليَهودِ والنَّصَارَى (أَهْلِ الكِتَابِ) الذينَ يُريدُونَ المَعرِفَةَ والاستِبصَارَ في الدِّين، بِاللينِ والرِّفْقِ، أَما الذينَ ظَلَمُوا، وعَانَدُوا، وأَرَادُوا بمُجَادَلَتِهِم الإِسَاءَةَ إِلى الإِسْلامِ، وإِيذَاء المُسلِمينَ فَهؤُلاءِ يُجَادَلُونَ بالسَّيفِ. (وقَالَ سَعيدُ بْنَ جَبَيرٍ: المَقْصُودُ بالذِينَ ظَلَمُوا هُنا: الذينَ عَادوا الرَّسُولَ، وقاَتَلُوهُ، وآذوْهُ، فَيُحَارَبُونَ بالسَّيفِ حَتَّى يُسْلِمُوا، أَوْ يُعطُوا الجِزْيَةَ) . ثمّ يقُولُ اللهُ تَعَالَى لِلمُؤمِنينَ: إِذا جَادَلَكُمْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ بِمَا في دِينِهِمْ وكِتَابِهِمْ، وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ صِدْقَ مَا يَقُولُ فقُولُوا لهُ: آمَنَّا بِمَا أَنزَلَ اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ رَسُولِنا، وَمَا أَنزَلَ اللهُ عَلَى رُسُلِ اللهِ إليكُم، وَإِنَّ إِلهَنا وَإِلهَكُمْ وَاحِدٌ، وقَدْ أَسْلَمْنَا إِليهِ وُجُوهَنَا، وَخَضَعْنَا لهُ خُضُوعاً تاماً. (وَقَالَ أَبو هُرَيْرَة: " كَانَ أَهْلُ الكِتَابَ يَقْرَؤُونَ التَّورَاةَ بالعِبْرَانِيَّةِ، وَيُفَسِّرُونَها بالعَرَبيَّةِ لأََهْلِ الإِسْلاَمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لاَ يُصَدِّقُوا أَهلَ الكِتَابِ وَلا تُكَذِّبُوهُمْ، وَقُولُوا: آمَنَّا بِالذِي أُنْزِلَ إِلَينا. . . " (الآية) .

стр. 3269

﴿الكتاب﴾ ﴿آتَيْنَاهُمُ﴾ ﴿بِآيَاتِنَآ﴾ ﴿الكافرون﴾ (٤٧) - كَمَا أَنْزَلْنَا الكُتُبَ السَّابِقَةَ عَلَى مَنْ جَاءَ قَبْلَكَ مِنَ الرُّسُلِ، كَذَلك أنزلنَا عَلَيكَ القُرآانَ يَا مُحَمَّدُ، فَالذينَ آتَيْنَاهُمُ الكِتَابَ مِنَ اليَهُودِ والنَّصَارَى، يُؤْمِنُونَ بأَنَّ القُرآنَ مُنْزَل مِنْ عِنْدِ اللهِ، لأَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ مِن كُتُبِهِمْ أَنَّ الله سَيُنزِلُ قُرآناً عَرَبياً عَلَى رَسُولِهِ. وَمِنْ كُفَّارِ قُريشٍ، وَمِنْ غَيرِهِمْ، مَنْ يؤمن بِهِ، وَلا يُكَذِّبُ بآيَاتِ اللهِ إلاَّ مَنْ يَجْحَدُ بِنِعْمَةِ اللهِ عَليهِ، وَيكفُرُ باللهِ، ويُنْكِرُ وحدَانِيَّتَهُ عِنَاداً واسْتِكْبَاراً.

стр. 3270

﴿تَتْلُواْ﴾ ﴿كِتَابٍ﴾ (٤٨) - لَقَدْ لِبِثْتَ فِي قَوْمِكَ يَا مُحَمَّدُ عُمْراً طَويلاً قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ عَلَيكَ القُرآنُ، وأَنْتَ لاَ تَقْرأُ كِتاباً، وَلاَ تَعرِفُ كِتَابَةً، وكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ قَوْمِكَ يعرفُ أَنَّكَ رَجُلٌ أُمِّيٌّ - وَكَذلِكَ كَانَتْ صِفَةُ الرَّسُولِ، ﵇، في الكُتُبِ المَتَقَدِّمَةِ - لَمْ تَعْرِفِ القِراءَةَ وَلا الكِتَابَةَ. ولَوْ أنَّكًَ كُنْتَ تَعْرِفُ القِرَاءةَ والكِتَابَةَ لارْتَابَ أَهلُ البَاطِلِ مِنْ جَهَلَةِ النَّاسِ، ولَقَالُوا: إنهُ رُبَّما اقْتَبَسَ ما يَقُولُ مِنْ كُتُبِ الأَنبياءِ السَّابِقينَ. وَلكِنْ لَمّا كُنتَ أُمِّياً فإِنَّهُ لمْ يَعُدْ لارتِيَابِهِمْ وَجْهٌ مَقْبُولٌ.

стр. 3271

﴿آيَاتٌ﴾ ﴿بَيِّنَاتٌ﴾ ﴿بِآيَاتِنَآ﴾ ﴿الظالمون﴾ (٤٩) - وَهذا القُرآنُ آياتٌ بَيِّنَاتٌ، وَاضِحَاتُ الدَّلاَلَةِ عَلَى الحَقِّ، يَحْفَظُهُ العُلَمَاءُ، وَقَدْ يَسَّرَهُ اللهُ حِفْظاً وَتِلاَوَةً، وَمَا يُكَذِّبُ بِآيَاتِ اللهِ وَيرْفُضُها، وَيَبْخَسُهَا حَقَّها إلا المُعْتَدُونَ الظَّالِمُونَ، الذِينَ يَعْلَمُونَ الحَقَّ وَيَحيدُونَ عَنْهُ.

стр. 3272

﴿آيَاتٌ﴾ ﴿الآيات﴾ (٥٠) - وقَالَ كُفَّارُ قُريشٍ تَعَنُّتاً: هَلاَّ أُنزِلَ عََلَى مُحَمَّدٍ آيةٌ منَ الآياتِ التي أُنزِلَ مِثْلُهَا عَلَى رُسُلِ اللهِ السَّابِقِينَ، كَنَاقَةِ صَالِحٍ، وَعَصَا مُوسَى. . فَيَكُونُ ذَلِكَ حُجَّةً وبُرْهَاناً على صِدْق مَا جَاءَ بهِ مُحَمَّدٌ. وقَدْ أَمَرَ اللهُ تَعَالى رَسُولَه ﷺ بأَنْ يُجِيبَهُمْ: إِنَّ أَمْرَ حُدُوثِ المُعْجِزَاتِ (الآيَاتِ) يَرْجِعُ إِلى اللهِ تَعَالى، ولوْ أَنَّهُ عَلِمَ أنَّكُمْ سَأَلتُمُ اسْتِبْصَاراً وتَعَلُّماً، وَطَلَباً لِزيَادَةِ اليَقينِ، لأَجَابَكُم إِلى مَا سَأَلتُمْ، لأَنَّ ذَلِكَ سَهْلٌ يَسِيرٌ عَلَيهِ، ولكِنَّهُ تَعَالَى يَعْلَمُ أََنَّكُمْ إنَّما قَصَدْتُم بِذلِكَ التَّعَنُّت والتَّعْجِيز، وَلِذلِكَ فإِنَّهُ لا يُجِيبُكُم إِلى مَا سَأَلتُمْ. ثُمَّ أَمَر اللهُ تَعالى رَسُولَهُ بأنْ يَقُولَ لِكْفَّارِ قُرَيشٍ: إِنَّهُ رَسُولٌ مَهَمَّتُهُ إٍِبلاَغُ رِسَالةِ رَبِّهِ إِلى مَنْ أُرِسلَ إِليهِمْ، وأَنْ يُنذِرَهُمْ عَذَابَ اللهِ وَبَأسَهُ، إِن استَمَرُّوا عَلَى كُفرِهِمْ وعِنَادِهِمْ، وليسَ مِنْ مَهَمَّتِهِ أَنْ يَحْمِلَهُمْ عَلى الإِيمَانِ حَمْل

стр. 3273

﴿الكتاب﴾ (٥١) - أََمَا كَفَاهُمْ آيةً ودَليلاً عَلَى صِدْقِكَ أَنَّا أَنزَلْنَا عَليكَ القُرآانَ العَظِيمَ، وفيهِ خَبَرُ مَنْ قَبْلَهُمْ، وفيهِ أًَخْبَارُ مَا في الكُتُبِ السَّابِقَةِ عَلى الوَجهِ الصَّحِيحِ كَمَا أَنزَلَهَا اللهُ تَعَالَى، وفيهِ بَيَانٌ لمَا اخْتَلَفُوا فيهِ مِنْها، وأنتَ رَجُلٌ أُميٌّ لا تَقْرَأُ ولاَ تَكْتَبُ، ولمْ تُخَالِطْ أهلَ الكِتابِ. وَقَدْ جَاءَ القُرآنُ لرحمةِ النَّاسِ، ولِبَيانِ الحَقِّ، وإِزْهَاقِ البَاطِل، وَجَاءَ فيهِ تَذكِرَةٌ بِعِقَابِ اللهِ الذي حَلَّ بِالمُكَذِّبينَ قَبْلَهُم، وَبِمَا سَيَحِلُّ بِالكُفَّارِ المُعَانِدِينَ الظَّالِمِينَ.

стр. 3274

﴿السماوات﴾ ﴿آمَنُواْ﴾ ﴿بالباطل﴾ ﴿أولئك﴾ ﴿الخاسرون﴾ (٥٢) - وقُلْ لَهُم حَسْبي وَحَسْبُكُمْ أَنْ يكُونَ اللهُ تَعَالى عَالِماً بِمَا صَدَرَ مِني مِنْ تَبليغِ رِسَالاَتِهِ، وَنُذُرِهِ إِليكُمْ، وَبِمَا صَدَرَ مِنْكُمْ مِنْ مُقَابَلة ذلك بالتَّكَذِيبِ والجُحُودِ، وهُوَ يَجزِي كُلاًّ بِمَا يَسْتَحِقٌّهُ. وإِني لَوْ كُنتُ كَاذِباً لانتَقَمَ مِني. وَلكِنِّي صَادِقٌ فيمَا أقُولُهُ عَن رَبّي، وَلِذَلِكَ فَإِنَّهُ يُؤَيِّدُني بالمُعَجْزَاتِ والدَّلاَئلِ عَلَى صِدْق نُبُوَّتي، وَهُوَ تَعَالَى يَعْلَمُ جَمِيعَ مَا في السَّمَاوَاتِ والأَرضِ، وَيَعْلَمُ مَا تَنْسُبُونَهُ إِلَيَّ مِنَ التَّقَوُّل عليهِ. والذين َيَعبُدُونَ الأَوثَانَ والأَصْنَامَ، وَيَكْفُرُونَ باللهِ، مَعَ تَظَاهُرِ الأًَدِلَّةِ عَلَى وُجُوبِ الإِيمانِ بِهِ، ويَكْفُرُونَ بِرَسُولِهِ مَعَ تَعَاضُدِ البَراهِينِ عَلَى صِدْقِهِ، فَهَؤُلاءِ هُمُ الأَخْسَرُونَ أَعْمَالاً، وَسَيلْقَوْنَ جَزَاءَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ.

стр. 3275

(٥٣) - وَيَتَحَدَّاكَ كُفَّارُ قُرَيْش أَنْ تُعَجِّلَ لَهُمْ بِنُزُولِ العَذَابِ بِهِمْ. وَقَدْ قَالُوا مَرَّةً: ﴿متى هَذَا الوعد﴾ وَقَالُوا مَرَّةً أُخرَى: ﴿هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السمآء أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ. . .﴾ وَيَرُدُّ اللهُ تَعَالَى عَلَيهِمْ قائلاً: إِنَّ حِكْمَتَهُ تَعَالى قَدِ اقْتَضَتْ أَنْ يُحَدَّدَ لَهُمْ أَجَلاً مُعَيّناً لِعَذَابِهِم، وَلَوْلاَ ذَلِكَ لأَنزَلَ بِهِم العَذَابَ حِينَ اسْتِعْجَالِهِمْ بهِ، وَسَيأْتِيهِم العَذَابُ، دُونَ شَكٍّ، بصُورةٍ مُفَاجِئَةٍ لَهُمْ، وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ بمَجِيئِهِ. أََجَلٍ مُسَمى - هُوَ يَوْمُ القِيَامَةِ. بَغْتَةً - فَجْأَةً.

стр. 3276

﴿بالكافرين﴾ (٥٤) - يَسْتعَجِلُونَكَ بإِنزَالِ العَذَابِ بِهِم، وَهُوَ واقِعٌ بِهِمْ، لاَ مَحَالَةَ، ولو عَلِمُوا مَا هُم صَائِرونَ إِليهِ لَمَا تَمَنَّوا اسْتِعْجَالَ العَذابِ، وَلَعَمِلُوا جُهْدَهُمْ لِلخَلاَصِ مِنْهُ، وَإِنَّ جَهَنَّمَ سَتُحِيطُ يَوْمَ القِيامَةِ بِالكافِرِينَ المُسْتَعْجِلِينَ بالعَذَابِ.

стр. 3277

﴿يَغْشَاهُمُ﴾ (٥٥) - وفي يَومِ القِيَامَةِ يَغْشَاهُمُ العَذَابُ، وَيُحِيطُ بِهِمْ مِنْ كُلِّ جَانِب: مِنْ فَوْقِهِمْ، وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُِلِهِمْ، وَعَنْ مَيَامِنِهِمْ، وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ، وَيقَالُ لَهُمْ عَلَى سَبيلِ التَّقْرِيعِ: ذُوقُوا العَذَابَ الذِي أَوْصَلَكُمْ إِليه سُوءُ عَمَلِكُمْ. يَغْشَاهُمُ العَذَابُ - يُجَلِّلُهُمْ وَيُحِيطُ بِهِمْ.

стр. 3278

﴿ياعبادي﴾ ﴿آمنوا﴾ ﴿وَاسِعَةٌ﴾ ﴿فَإِيَّايَ﴾ (٥٦) - يَأْمُرُ اللهُ تَعَالى عِبَادَهُ المُؤمِنينَ بالهِجْرَةِ مِنْ كُلِّ بَلَدٍ لا يَقْدِرُونَ فيهِ عَلَى إِقَامَةِ الشَّعائِرِ الدِّينِيَّةِ إِلى مَكَانٍ آخَرَ مِنْ أَرْضِ اللهِ الوَاسِعَةِ، يَسْتَطِيعُونَ فِيهِ إِقَامَةَ شَعائِرِ دِينِهِمْ كَمَا أًَمَرَهُمْ رَبُّهُمْ. (وَجَاءَ فِي الحَديثِ: " البِلاَدُ بِلاَدُ اللهِ، وَالعِبَادُ عِبَادُ اللهِ، حَيْثُما أَصَبْتَ خَيْراً فإَقِمْ " (أَخْرَجَهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ) .

стр. 3279

﴿ذَآئِقَةُ﴾ (٥٧) - وَأَيْنَمَا كُنْتُمْ يُدْرِككُمُ المَوْتُ، فَكُونُوا فِي طَاعَةِ اللهِ، وَحَيْثُ أَمَرَكُمْ اللهُ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ، فَالمَوْتُ آتٍ لا مَحَالَةَ، وَلا مَفَرَّ مِنْهُ وَلا مَهْرَبَ، ثُمّ تُرْجَعُونَ إِلى اللهِ يَوْمَ القِيَامَةِ وَعِنْدَهُ الحِسَابُ والجَزَاءُ.

стр. 3280

﴿آمَنُواْ﴾ ﴿الصالحات﴾ ﴿الأنهار﴾ ﴿خَالِدِينَ﴾ ﴿العاملين﴾ (٥٨) - وَالذِينَ آمَنُوا باللهِ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَصَدَّقُوا رَسُولَهُ فِيمَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ، وَعَمِلُوا بِمَ أَمَرهُمُ اللهُ فَأَطَاعُوهُ فِيهِ، وانْتَهَوا عَمَّا نَهَاهُمْ عَنْهُ، فإِنّهُ تَعَالى يَعِدُهُمْ وَعْداً حَقّاً أَنَّهُ سَيُنْزِلُهُمْ في الجَنَّةِ قُصُوراً، وأَمَاكِنَ مُرتَفِعَةً (غُرَفاً) تَجْرِي في أَرْضِها الأَنْهَارُ وَسَيبْقَونَ فِيها خَالدِين، أَبداً، جَزَاءً لَهُمْ عَلَى مَا عَمِلُوا. وَمَا حَصَلُوا عَلَيهِ مِنْ جَزاءٍ كَرِيمٍ هُوَ نِعْمَ الأَجْرُ لِمَنْ عَمِلَ صَالِحاً. لَنُبوئَنَّهُمْ - لَنُنْزِلَنَّهُمْ عَلَى وَجْهِ الإِقَامَةِ. غُرَفاً - مَنَازِلَ رَفيعَةً عَالِيةً.

стр. 3281

(٥٩) - وَهؤُلاءِ العََامِلُون، الذينَ فَازُوا بِغُرفاتِ الجَنَّةِ، هُمُ الذِينَ صَبَرُوا عَلَى أَذَى المُشْرِكِينَ، وَعَلَى شَدَائِدِ الهِجْرَةِ، وَعَلَى الجِهَادِ في سَبِيل اللهِ، وَتًَوَكَّلُوا عَلَى رَبِّهِمُ في جَمِيعِ أَعْمَالِهِم.

стр. 3282

﴿وَكَأَيِّ﴾ (٦٠) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالى أَنَّ الرِزْقَ لا يَخْتَصُّ بِبُقْعَةٍ دُونَ غَيرها، وأَنَّ رِزْقَ اللهِ لِخَلْقِهِ يَصِلُ إِليهم حَيثَما كَانوا، فَكَمْ مِنْ دَابَّةٍ فِي حَاجَةٍ إِلى الغِذَاءِ وَالمَطْعَمِ، وَهِيَ لا تَسْتَطِيعُ جَمْعَ قُوتِها، وَلاَ حَمْلَةُ ولا ادِّخَارَهُ إلى غَدِها، اللهُ يرزُقُها وَإِيَّاكُمْ يَوْماً بِيَومٍ، وَهُوَ السَّميعُ لأَقوَالِ العِبَادِ، العَليمُ بَحَرَكَاتِهِمْ وَسَكَنَاتِهِمْ. (رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لِلْمُؤْمِنينَ بِمَكَّةَ حِينَ آذاهُمُ المُشْرِكُونَ: اخْرُجُوا إِلى المَدِينةِ وَهَاجَرُوا وَلا تُجَاوِرُوا الظَّلَمَةَ. قَالُوا: لَيْسَ لَنا دَارٌ وَلاَ عَقَارٌ، وَلاَ مَنْ يَسْقِينَا، فَأَنْزَلَ اللهُ هذهِ الآيَةَ الكَرِيمَة) .

стр. 3283

﴿لَئِن﴾ ﴿السماوات﴾ (٦١) - وَلئِنْ سَأَلَتْ هَؤُلاَءِ المُشْرِكِينَ بِاللهِ: مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ والأَرضَ فَسَوَّاهُنَّ، وَسَخَّرَ الشَّمسَ والقَمَرَ يَجْرِيَانِ دَائِبَيْنِ لِمَصَالِحِ خَلْقِهِ؟ لَيَقُولُنَّ: الذِي خَلَقَ ذَلكَ كُلَّهُ هُوَ اللهُ ، وَلاَ يَذِكُرُونَ أحداً سِوَاهُ. وإِذا كَانُوا قَدِ اعْتَرَفُوا بأَنَّ اللهَ هُوَ الخَالِقُ لِكُلِّ شَيءٍ، فَكَيفَ يُصْرِفُونَ عَنِ الهُدى والحَقِّ، وَعِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ له؟ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ - فَكَيْفَ يُصْرَفُونَ عَن تَوْحِيدِهِ.

стр. 3284

(٦٢) - إِنَّ اللهَ يُوَسِّعُ الرِّزْقَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ خَلْقِهِ، وَيَقْتُرُهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ (يَقْدِرُ) ، حَسْبَما يَقْتَضِيهِ عِلْمُهُ بالمَصَالِحِ، فالأَرْزَاقِ وقِسْمَتُها بِيَدِ اللهِ، لا بِيَدِ أًَحَدٍ سِوَاهُ، فَلا يُؤَخِّرَنَّكُمْ عَنت الهِجْرةِ وَجِهَادِ أَعدَاءِ اللهِ خَوْفُ الفقْرِ والفَاقَةِ، فَمَنْ خَلَقَ الكَائِنَاتِ لاَ يَعْجَزُ عَنْ أرْزَاقِها، وَهُوَ تَعالى العَلِيمُ بِمَصالِح العِبادِ، فَيَعْلَمُ مَنْ يُصْلِحُهُ بَسْطُ الرِّزْقِ، وَمَنْ يُفْسِدُهُ يَقْدِرُ لَهُ - يُضيِّقُهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ.

стр. 3285

﴿لَئِن﴾ (٦٣) - وَإِذا سَأَلتَ هؤُلاءِ المُشْرِكِينَ: مَنْ يُنْزِلُ مِنَ السَّحَابِ المَطَرَ، فًيُحْيِي بِهِ الأًَرْضَ المَوَاتَ، فَتُصْبحُ خَضْرَاءَ بالنَّبْتِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ فيها شَيءٌ مِنَ النَّبَاتِ، لَيقُولُنَّ: اللهُ هُوَ المُوجِدُ لِسَائِرِ المَخْلُوقَاتِ، وَلكِنَّهم، مَعَ اعتِرَافِهِم بِهَذا، يُشْرِكُونَ باللهِ بعضَ مَخْلُوقَاتِه، التي لاَ تَقْدِرُ عَلى شَيءٍ مِنَ الخَلْقِ. فَقُلْ لَهُمْ: الحَمْدُ للهِ عَلى إِظْهَارِ الحًُجَّةِ، وَعَلى اعتْرِفِهِمْ بأنَّ النَّعَمَ كُلَّها مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَلكِنَّ أكثَرَ المُشْرِكِينَ لا يَعْقِلُونَ مَا يَقَعُون فيهِ مِنْ تَنَاقَضٍ، وأَنَّ الأَصْنًَامَ التي يَعْبُدُونها لاَ تَمْلِكُ لَهُمْ نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً، وَلاَ تَسْتَحِقُّ أَنْ يَعْبُدَهَا البَشَرُ.

стр. 3286

﴿الحياة﴾ ﴿الآخرة﴾ (٦٤) - يُخبِرُ تَعَالى عَنْ حَقَارَةِ الدُّنيا وَزَوَالِهَا، فَيَقُولُ: إِنَّ الحَيَاةَ الدُّنيا شَيءٌ مُنْقَضٍ زَائِلٌ عَمَّا قَريبٍ، وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ هيَ دَارُ الحَيَاة الدَّائِمَةِ، التِي لا زَوَال لَهَا، وَلا انقِطَاعَ، ولَو كَانُوا يَعْلَمُونَ هذِهِ الحَقيقَةَ لَمَا آثرُوا الحَيَاةَ الفَانِيةَ عَلَى الحَياةِ الدّائِمةِ. لَهْوٌ وَلَعِبٌ - لَذَائِذُ مُتَصَرِّمَةٌ، وَعَبَثٌ بَاطِلٌ. لَهِيَ الحَيَوانُ - لَهِيَ دَارُ الحَيَاةِ الدَّائِمَةِ الخَالِدَةِ.

стр. 3287

﴿نَجَّاهُمْ﴾ (٦٥) - وَالمُشْرِكُونَ يُؤْثِرُونَ حَيَاةَ العَبَثِ وَاللَهْوِ في الرَّخَاءِ، ولَكِنَّهُمْ حِينَ ابْتِلائِهِمْ بالشَّدَائِدِ: كَرُكُوبِهِمُ البَحْرَ، وخَوْفِهِمْ مِنَ الغَرَقِ فيهِ، فإِنَّهُمْ يَرْجِعُونَ إِلى اللهِ، وَيُعْلِنونَ أنّهُ لا إِله إلا هُوَ، وَلا قَادِرَ عَلى حِفْظِهِمْ وإِنْجَائِهِمْ مِنَ المَهَالِكِ غَيرُهُ، فيَدْعُونَهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ، وَلَكِنَّهُمْ إِذا خَرَجُوا مِنَ البَحرِ عَادُوا إِلى مَا كَانُوا عَلَيهِ مِنَ الشِّرْكِ، وَالعَبَثِ والبَاطِلِ. الدِّينَ - العِبَادَةَ والطَّاعَةَ.

стр. 3288

﴿آتَيْنَاهُمْ﴾ (٦٦) - وَلْيَكْفُرَ هؤلاءِ بِمَا أَفَاءَ اللهُ عَلَيِهِمْ مِنَ النَّعَمِ، وَلْيَجْحَدُوا فَضْلَ اللهِ عَلَيِهِمْ بإِنْجَائِهِمْ مِنَ الغَرَقِ، ولْيَتَمَتَّعُوا بِاجْتِمَاعِهِم عَلى عِبَادَةِ الأَصْنَامِ، وَتَوادِّهِمْ عَلَيْها، فَسَيَعلمُونَ عَاقِبةَ ذَلِكَ حِينَ يَنْزِلُ بِهِمُ العَذَابُ والعِقَابُ يَوْمَ القِيَامَةِ.

стр. 3289

﴿آمِناً﴾ ﴿أفبالباطل﴾ (٦٧) - أَوَ لَمْ هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ مِنْ قُرَيِشٍ مَا خَصَصْنَاهُمْ بهِ مِنَ النِّعَمِ، فَأَسْكَنَّاهُمْ بَلَداً حَرَّمْنَا عَلى النَّاسِ أَنْ يَدْخُلُوه لِغَارَةٍ أَوْ لِحَربٍ، وَجَعَلَنَا مَنْ سَكَنَهُ آمِنا عَلَى نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ وَمَالِهِ، والنَّاسُ مِنْ حَوِلِهِمْ خَائِفُونَ، يَقْتَلُونَ ويُسْبَوْنَ، وتُسْلَبُ أَمْوالُهُمْ، فَكَيفَ لاَ يَشْكُرُونَ رَبَّهُمْ عَلَى هذِهِ النِّعْمَةِ الكُبْرَى بالإِيمان والطَّاعَةِ، والإِقلاَعِ عَمَّا هُمْ فِيهِ مِنَ البَاطِلِ وَالشِّرْكِ، وَعِبَادَةِ الأَوْثَانِ والأَصْنَامِ مِنْ دُونِ اللهِ؟ يُتَخَطَّفُ الناسُ - يُسْتَلَبُونَ قتلاً وأَسراً.

стр. 3290

﴿لِّلْكَافِرِينَ﴾ (٦٨) - وَلاَ أَحَدَ أَكْثَر ظُلْماً مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللهِ، فَقَالَ إِنَهُ أُوحِيَ إليهِ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يُوحَ إِليهِ شيءٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ، أَوْ زَعَمَ أَنَّ للهِ شَريكاً، أَوْ قَالَ - 'ِذا فَعَلَ فَاحِشَةً - إِنَّ الله أَمَرَهُ بِها، أَوْ كَذَّبَ بِكِتَابِ اللهِ الذِي أَنْزَلَهُ عَلى رَسُولِهِ ﷺ دُونَ أَنْ يَتَمَعَّنَ فِيهِ، وَدُونَ أَنْ يُحَاوِلَ فَهْمَ مَقَاصِدِهِ وَمَعَانِيهِ، وَلِذَلِكَ فَإِنَّهُ لَنْ يَكُونَ أَحَدٌ أَحَقَّ بالعِقَابِ وَالعَذَابِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ مِنْ هَؤُلاءِ المُكَذِّبِينَ المُفْتَرِينَ. مَثْوى لِلْكَافِرِينَ - مَكَانٌ يَثْوُونَ فِيهِ وَيُقِيمُونَ.

стр. 3291

﴿جَاهَدُواْ﴾ (٦٩) - أَمَّا الذِينَ قَاتَلُوا في سَبيلِ اللهِ، وَجَاهَدُوا الكُفَّارَ، وَبَذَلُوا دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ في سَبيلِ نُصْرَةِ دِين الله، فإِنَّ الله يَعِدُهُم بأَنْ يَزِيدَهُمْ هِدَايةً إِلى سَبِيلِ الخَيْر، وَتَوفِيقاً لسُلُوكِها. واللهُ تَعَالى مَعَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلَهُ مِنْ عِبَادِه، يُعِينُه وَيَنْصُرُهُ.

стр. 3292

(ألِف. لاَمْ. مِيمْ) (١) - وَتُقْرَأُ مُقَطَّعَةً كُلُّ حَرْفٍ عَلَى حِدَةٍ. اللهُ أَعْلَمُ بِمُرَادِهِ.

стр. 3293

(٢) - فِي أَوَّلِ عَهْدِ الإِسْلاَمِ، وَقَبْلَ الهِجْرَةِ، جَرَتْ حَرْبٌ بَيْنَ الفُرْسِ والرُّومِ في أَر ْضِ فِلَسْطِينَ، انْتَصَرَ فِيها الفُرْسً انِتْصَاراً سَاحِقاً، وَتَابِعُوا مُطَارَدَةَ الرُّومِ حَتَّى حَاصَرُوا القْسِطَنْطِنِيَّةَ، وَقَدْ حَزِنَ المُسْلِمُونَ لانْكِسَارِ الرُّومِ لأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الكِتابِ، وَفَرِحَ المُشْرِكُونَ وَأَظْهَرُوا الشَّمَاتَةَ بالمُسْلِمينَ، وَقَالُوا لَهُمْ: أَنْتُم أَهْلُ كِتابٍ والرُّومُ أَهْلُ كِتَابٍ، وَإِنَّكُمْ إِنْ قَاتَلتُمونَا لَنَظْهَرَنَّ عَلَيكُمْ، فَأَنْزَلَ اللهُ هذِهِ الآيَاتِ.

стр. 3294

بِلاَد العَرَبِ (أَدْنى الأَرْض - وَكَانَتِ المَعْرَكَةُ بَينَ الأُرْدُنِّ وفِلَسْطِين) وَلكِنَّ الرُّومَ سَيَغْلِبُونَ الفُرسَ، خِلاَلَ بِضْعِ سِنينَ (وَالبِضْعُ تَسْتَعْمِلُهَا العَرَبُ لِمَا بَيْنَ الثَّلاث وَالتِّسْعِ) ، وَكَانَتْ غَلَبَةُ الرُّومِ للفُرْسِ خِلاَلَ تِسْعِ سَنَواتٍ كَمَا جَاءَ في القُرآن. وَقَدْ تَرَاهَن أَبُو بَكْرٍ مَعَ أُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ (وَهُوَ مِنَ المُشرِكِينَ) عَلَى تَحَقٌّقِ غَلَبِ الرُّومِ خِلاَلَ تِسْعِ سَنَواتٍ، كَمَا جَاءَ في القُرآن، عَلَى مِئَةِ نَاقَةٍ، فَرَبحَ أَبُو بَكْرٍ الرِّهَانَ، وَكَانَ ذَلِكَ دَليلاً عَلَى صِدْقِ مُحَمذَدٍ ﷺ فِيمَا جَاءَ بِهِ مِنْ رَبِّهِ. أَدْنَى الأَرْضِ - أَقْرَبِ أرْضِ الرُّومِ إِلى بِلاَدِ العَرَبِ.

стр. 3295

﴿يَوْمَئِذٍ﴾ (٤) - وَللهِ الأَمرُ مِنْ قَبْلِ غَلَبِ الرُّومِ عَلَى فَارِسَ، وَمِنْ بَعْدِهِ، فَمَنْ غَلَبَ فَإِنَّهُ يَغْلِبُ بأَمرِ اللهِ تَعَالى وَقَضَائِهِ، وَيومَ تَغْلِبُ الرُّومُ الفُرسَ يَفْرَحُ المُؤمِنُونَ بِنَصْرِ اللهِ لَهُ كِتَابٌ عَلَى أَهلِ الشِّرْكِ، وَسَيكُونُ ذَلِكَ فَألاً حَسَناً لِغَلَبةِ المُسْلِمِينَ عَلَى الكَافِرينَ.
следующие страницы →