← Тафсир

Тафсир · id 1787

أيسر التفاسير لأسعد حومد

أسعد حومد

Полный текст (6 113 стр.). Показаны 3291–3330 · переход к 3296.

стр. 3291

﴿جَاهَدُواْ﴾ (٦٩) - أَمَّا الذِينَ قَاتَلُوا في سَبيلِ اللهِ، وَجَاهَدُوا الكُفَّارَ، وَبَذَلُوا دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ في سَبيلِ نُصْرَةِ دِين الله، فإِنَّ الله يَعِدُهُم بأَنْ يَزِيدَهُمْ هِدَايةً إِلى سَبِيلِ الخَيْر، وَتَوفِيقاً لسُلُوكِها. واللهُ تَعَالى مَعَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلَهُ مِنْ عِبَادِه، يُعِينُه وَيَنْصُرُهُ.

стр. 3292

(ألِف. لاَمْ. مِيمْ) (١) - وَتُقْرَأُ مُقَطَّعَةً كُلُّ حَرْفٍ عَلَى حِدَةٍ. اللهُ أَعْلَمُ بِمُرَادِهِ.

стр. 3293

(٢) - فِي أَوَّلِ عَهْدِ الإِسْلاَمِ، وَقَبْلَ الهِجْرَةِ، جَرَتْ حَرْبٌ بَيْنَ الفُرْسِ والرُّومِ في أَر ْضِ فِلَسْطِينَ، انْتَصَرَ فِيها الفُرْسً انِتْصَاراً سَاحِقاً، وَتَابِعُوا مُطَارَدَةَ الرُّومِ حَتَّى حَاصَرُوا القْسِطَنْطِنِيَّةَ، وَقَدْ حَزِنَ المُسْلِمُونَ لانْكِسَارِ الرُّومِ لأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الكِتابِ، وَفَرِحَ المُشْرِكُونَ وَأَظْهَرُوا الشَّمَاتَةَ بالمُسْلِمينَ، وَقَالُوا لَهُمْ: أَنْتُم أَهْلُ كِتابٍ والرُّومُ أَهْلُ كِتَابٍ، وَإِنَّكُمْ إِنْ قَاتَلتُمونَا لَنَظْهَرَنَّ عَلَيكُمْ، فَأَنْزَلَ اللهُ هذِهِ الآيَاتِ.

стр. 3294

بِلاَد العَرَبِ (أَدْنى الأَرْض - وَكَانَتِ المَعْرَكَةُ بَينَ الأُرْدُنِّ وفِلَسْطِين) وَلكِنَّ الرُّومَ سَيَغْلِبُونَ الفُرسَ، خِلاَلَ بِضْعِ سِنينَ (وَالبِضْعُ تَسْتَعْمِلُهَا العَرَبُ لِمَا بَيْنَ الثَّلاث وَالتِّسْعِ) ، وَكَانَتْ غَلَبَةُ الرُّومِ للفُرْسِ خِلاَلَ تِسْعِ سَنَواتٍ كَمَا جَاءَ في القُرآن. وَقَدْ تَرَاهَن أَبُو بَكْرٍ مَعَ أُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ (وَهُوَ مِنَ المُشرِكِينَ) عَلَى تَحَقٌّقِ غَلَبِ الرُّومِ خِلاَلَ تِسْعِ سَنَواتٍ، كَمَا جَاءَ في القُرآن، عَلَى مِئَةِ نَاقَةٍ، فَرَبحَ أَبُو بَكْرٍ الرِّهَانَ، وَكَانَ ذَلِكَ دَليلاً عَلَى صِدْقِ مُحَمذَدٍ ﷺ فِيمَا جَاءَ بِهِ مِنْ رَبِّهِ. أَدْنَى الأَرْضِ - أَقْرَبِ أرْضِ الرُّومِ إِلى بِلاَدِ العَرَبِ.

стр. 3295

﴿يَوْمَئِذٍ﴾ (٤) - وَللهِ الأَمرُ مِنْ قَبْلِ غَلَبِ الرُّومِ عَلَى فَارِسَ، وَمِنْ بَعْدِهِ، فَمَنْ غَلَبَ فَإِنَّهُ يَغْلِبُ بأَمرِ اللهِ تَعَالى وَقَضَائِهِ، وَيومَ تَغْلِبُ الرُّومُ الفُرسَ يَفْرَحُ المُؤمِنُونَ بِنَصْرِ اللهِ لَهُ كِتَابٌ عَلَى أَهلِ الشِّرْكِ، وَسَيكُونُ ذَلِكَ فَألاً حَسَناً لِغَلَبةِ المُسْلِمِينَ عَلَى الكَافِرينَ.

стр. 3296

(٥) - وَيَومَ تَنْتَصِرُ الرُّومُ عَلَى الفُرسِ المُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللهِ إخْوانَهُمْ أَهْلَ الكِتابِ عَلى المُشْرِكِينَ المَجُوسِ، والله يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ، وَهُوَ الرَّحيمُ بِعِبادِهِ فَلاَ يُعَاجِلُهُمْ بِالعُقُوبَةِ والانْتِقَامِ، وَإِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ عَيَّنَهُ وَحَدَّدَهُ لَعَلَّهُمْ يَتُوبُونَ إِليهِ، وَيَرجِعُونَ عَمَّا كَانُوا يَجْتَرِحُونَهُ مِنَ السَّيِّئَاتِ.

стр. 3297

(٦) - وَهذا الذِي أَخْبَرَكَ بهِ رَبُّكَ يَا مُحَمَّدُ مِنْ أَنَّهُ سَيَنْصُرُ الرُّومَ عَلَى الفُرسِ، هُوَ وَعْدٌ حَقٌّ مِنَ اللهِ تَعَالى، واللهُ لا يُخْلِفُ وَعْدَهُ أَبَداً، لأَنَّ سُنَّتَهُ قَدْ جَرَتْ بأَنْ يَنْصُرَ أَقْرَبَ الطَّائِفَتَيِنِ إِلى الحَقِّ، وَيَجْعَلَ لَهَا العَاقِبَةَ. ولكِنَّ أَكثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ذلِكَ لِجْهْلِهِمْ، وَعَدَمِ تَفَكُّرِهِمْ في النَّوامِيسِ التِي وَضَعَهَا اللهُ في الكَوْنِ.

стр. 3298

﴿ظَاهِراً﴾ ﴿الحياة﴾ ﴿غَافِلُونَ﴾ (٧) - وَأَكْثَرُ النَّاسِ لَيْسَ لَهُمْ عِلْمٌ إلاَّ بالأُمُورِ الدُّنْيا: كَتَدْبيرِ مَعَايِشِهِمْ، وَتَنْمِيَةِ مَتَاجِرِهِمْ، واسْتِثْمَارِ مَزَارِعِهِمْ. . وَهُمْ غَافِلُونَ عَنْ أُمُورِ الدِّينِ، وما يَنْفَعُهُمْ في الآخِرَةِ، كَأَنَّ أَحَدَهُمْ مُغَفَّلٌ لا عَقْلَ لَهُ.

стр. 3299

﴿السماوات﴾ ﴿بِلِقَآءِ﴾ ﴿لَكَافِرُونَ﴾ (٨) - أَوَ لَمْ يَتَفَكَّرْ هؤلاءِ المُكَذِّبونَ بِالبَعْثِ، مِنْ قَوْمِكَ، فِي خَلْقِ اللهِ لَهُمْ، وَلَمْ يَكُونُوا شَيئاً، وَتَعَهُّدِهِ لَهُم، حَتَّى صَارُوا كَامِلِي الخَلْقِ وَالعَقْلِ. إِنَّ الذِي فَعَلَ ذَلِكَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُعِيدَهُمْ بَعْدَ فَنَائِهِمْ خَلْقاً جَدِيداً، ثُمَّ يَبْعَثُهُم لُيَجَازِيَ كُلَّ عَامِلٍ بِعَمَلِهِ، واللهُ تَعَالى لاَ يظْلِمُ أَحَداً، فَلاَ يُعَاقِبُ مَنْ لَمْ يَرْتَكِبْ ذَنْباً، وَهُوَ تعالى لَمْ يَخْلُقِ السَّماوَاتِ والأَرْضِ إِلاَ بالعَدْلِ، وَإِقَامَةِ العَدْلِ وَالحَقِّ، إِلى أَجَلٍ مُسَمَّى. فإذا جَاءَ الأَجَلُ أَفْنَى اللهُ ذَلِكَ الخَلْقَ كُلَّهُ، وَبَدَّلَهُ، فَأَصْبَحَتِ الأَرْضُ غَيرَ الأَرْضِ، وحَشَرَ النَّاسَ لِلحِسَابِ، وَلكِنَّ كَثيراً مِنَ النَّاسِ غَفَلُوا عَن الآخِرَةِ وَمَا فِيها مِنْ حِسَابٍ وَجَزَاءٍ، لأَنَّهم لَمْ يَتَفكَّرُوا فِي أَنفُسِهِم، وَلَوْ تَفَكَّرُوا فِيها، وَدَرَسُوا عَجَائِبَها لأَيقَنُوا بِلِقَاءِ اللهِ. أَجَلٍ مُسَمّى - وَقْتٍ مُقَدَّرٍ لِبَقَائِهَا.

стр. 3300

﴿عَاقِبَةُ﴾ ﴿بالبينات﴾ (٩) - أَوَ لَمْ يَسِرْ هؤلاءِ المُكَذِّبُونَ بِوُجُودِ اللهِ وَوحْدَانِيَّتِهِ، وَبِرسَالَةِ الرُّسُلِ، الغَافِلُونَ عَنِ الآخِرَةِ، في البِلاَدِ التي يَقْصَدُونَها للتِّجَارَةِ، فَيَنظُرُوا إِلى آثارِ عِقَابِ اللهِ لِمَنْ كَانَ قَبْلَهُمْ مِنَ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ: كَيْفَ كَانَتْ عَاقِبَةُ تَكْذِيبِهِمْ وَكُفْرِهِمْ، وَقَدْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْ قَومِكَ قُوَّةً، وَحَرَثُوا الأَرْضَ وَعَمَّرُوها أَكثرَ مِمَّا عَمَّرَها كُفَّارُ قُريشٍ، ثُمَّ أَهْلَكَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ وَتَكْذِيبِهِمْ، وَمَا كَانَ اللهُ بِظَالِمٍ لَهُمْ، وَلكِنَّهُمْ هُمُ الذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَعْصِيتَهِمْ رَبَّهُمْ. أَثَارُوا الأَرضَ - حَرثُوهَا وَقَلُبوهَا لِلزِّرَاعةِ.

стр. 3301

﴿عَاقِبَةَ﴾ ﴿أَسَاءُوا﴾ ﴿بِآيَاتِ﴾ ﴿يَسْتَهْزِئُونَ﴾ (١٠) - وَكَانَتْ عَاقِبَةُ هؤلاءِ المُسِيِئِينَ المُكَذِّبِينَ، الظَّالِمِينَ أًَنْفُسَهُمْ سَيِّئَةً في الدُّنيا والآخِرَةِ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ بِاللهِ، وَتَكْذِيبِهِمْ بِآيِاتِهِ وَرُسُلِهِ، وَاسْتِهْزَائِهِمْ بِرُسِلِهِمْ عُتُوّاً واسْتِكْبَاراً. السُّوأَى - العُقُوبَةَ المُتَناهِيَةَ فِي السُّوءِ - وَهِيَ النَّارُ.

стр. 3302

﴿يَبْدَأُ﴾ (١١) - لَقَدْ أَنْشَأَ اللهُ تَعَالى الخَلْقَ وأَوْجَدَهُ بِقُدْرَتِهِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ شَيئاً قَبْلَ ذَلِكَ، وَلاَ شَرِيكَ لَهُ فِيهِ، وَلا مُعِين لَهُ فِي ذَلِكَ، ثُمَّ يُعِيدُ خَلْقَهُ مِنْ جَديدٍ بَعْدَ فَنَائِهِ وَإِعْدَامِهِ. ثُمَّ يَحْشُرُ اللهُ الخَلْقَ وَيُرجِعُهُمْ إِليهِ لِيُحَاسِبَهُمْ على أَعْمَالِهِمْ، وليَجْزِيَ كُلاًّ بِعَمَلِهِ.

стр. 3303

(١٢) - وَيَومَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُحْشَرُ المُجْرِمُونَ إِلى اللهِ تَعَالى، وَيَقِفُونَ بين يَدَيهِ سَاكِتينَ، وَهُمْ يَشْعُرُونَ بِاليَأْسِ والخِزْيِ، لأَنَّهُمْ لاَ يَجِدُونَ ما يَقُولُونَ دِفَاعاً عَنْ أَنْفُسِهِمْ. أَبْلَسَ - سَكَتَ وَانْقَطَعَتْ حُجَّتُهُ -أَوْ يَئِسَ، كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ.

стр. 3304

﴿شُرَكَآئِهِمْ﴾ ﴿شُفَعَاءُ﴾ ﴿كَافِرِينَ﴾ (١٣) - وَلَمْ يَجِدُوا أَحَداص مِنَ الآلِهَةِ التي كَانُوا يَعْبُدُونَها، وَيُشْرِكُونَها بِالعِبَادَةِ مَعَ اللهِ، يَتَقَدَّمُ لِيَشْفَعَ لَهُمْ عِنْدَ اللهِ، وَيُنْقِذَهُمْ مِنْ عذَابِ اللهِ، وَحِينَئِذٍ يَكْفُرُ المُجْرِمُونَ بِالشُّرَكاءِ، وَيَتَبَرُؤونَ مِنْهُمْ. (أَوْ أَنَّ المَعْبُودِينَ يَكْفُرونَ بِعِبَادَةِ المُجْرِمِينَ إيَّاهُمْ) .

стр. 3305

﴿يَوْمَئِذٍ﴾ (١٤) - وَحِينَمَا تَقُومُ السَّاعَةُ، وَيَتمُّ الحِسَابُ، يُوَجَّهُ كُلُّ وَاحِدٍ إلى ما يَسْتَحِقُّهُ مِنْ نَعِيمٍ أَوْ عَذَابٍ، فَيَفْتَرِقُ أَهْلُ الإِيمَانِ عَنْ أهلِ الكُفْرِ، فَلاَ لِقَاءَ بَيْنَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ أَبداً.

стр. 3306

﴿آمَنُواْ﴾ ﴿الصالحات﴾ (١٥) - فَأَمَّا الذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، وَعَمِلُوا الأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ في الدُّنيا، فَإِنَّهُمْ يَكُونُونَ في رِيَاضِ الجِنَّاتِ يَنْعَمُونَ وَيَتَمَتَّعُونَ. يُحْبَرُونَ - يَنْعَمُونَ أَو يَتَمَتَّعُونَ.

стр. 3307

﴿بِآيَاتِنَا﴾ ﴿لِقَآءِ﴾ ﴿الآخرة﴾ ﴿فأولئك﴾ (١٦) - وَأَمّا الذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَآياتِهِ وَكَذَّبُوا رُسُلَهُ، وَأَنْكَرُوا البَعْثَ والنُّشُورَ والحِسَابَ في الآخِرَةِ، فَيَكُونُونَ حَاضِرِينَ في العَذابِ لا يَغِيبُونَ عَنْهُ أبداً. مُحْضَرُونَ - تُحْضِرُهُمُ المَلائِكَةُ إِلى العَذَابِ وَلاَ يغِيبُونَ عَنْهُ أَبداً.

стр. 3308

﴿فَسُبْحَانَ﴾ (١٧) - هُنَا يُوَجِّهُ اللهُ تَعَالى أَنْظَارَ العِبَادِ إِلى تَسْبِيحِهِ، وَتَنْزِيهِهِ عَمَّا لاَ يَلِيقُ بِجَلاَلِهِ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ وَآخِرِهِ.

стр. 3309

﴿السماوات﴾ (١٨) - وَهُوَ الحَقِيقُ بالحَمْدِ، والشُّكْرِ، والثَّنَاءِ، مِنْ جَميعِ خَلْقِهِ، أَهْلِ السَّماوَاتِ وَألأَرْضِ، فاحْمَدُوهُ وَنَزِّهُوهُ وَقتَ اشْتِدَادِ الظَّلاَمِ في اللَّيلِ (عَشِيّاً) ، وَوَقْتَ الظَّهِيرَةِ حِينَ اشْتِدَادِ الضّيَاءِ.

стр. 3310

﴿يُحْيِي﴾ (١٩) - فَهُوَ تَعَالى القَادِرُ عَلَى خَلْقِ الأَشْيَاءِ وأَضْدَادِها، لِيَدلَّ بذلِكَ عَلى كَمَالِ قُدْرَتِهِ وقُوَّتِهِ، فَمِنْ ذَلِكَ إخْراجُهُ النَّبَاتَ الحَيَّ مِنَ الحَبِّ المَيِّتِ، وَإِخْراجُهُ الحَبَّ المَيِّتَ مِنَ النَّبَاتِ الحَيِّ، وَيُحْيِي الأَرْضَ المَوَاتَ بِمَاءِ المَطَرِ الذي يُنْزِلُهُ مِنَ السَّحَابِ، فَتُخْرِجُ الأَرضُ النَّبَاتَ الرَّطبَ الغَضَّ بَعدَ أَنْ كَانَتْ صَعِيداً جُرُزاً. وَكَما أَحْيَا اللهُ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها، وَأَخْرَجَ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ، كَذَلِكَ يُحْيِي اللهُ المَوْتَى، وَيَبْعَثُهُم مِنْ قُبُورِهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ لِلحِسَابِ والجَزَاءِ.

стр. 3311

﴿آيَاتِهِ﴾ (٢٠) - وَمِنْ حُجَجِهِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّهُ الخَالِقُ القَادِرُ عَلَى مَا يَشَاءُ مِنْ إِفْنَاءٍ وَإِيَجَادٍِ، أَنَّهُ خَلَقَ أَبَاكُمْ آدَمَ مِنْ تُرابٍ لا حَيَاةَ فِيهِ، ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ يُخْلَقُونَ مِنْ نُطْفَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ، ضَعِيفٍ، ثُمَّ يُقَلِّبُهُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِهِمْ فِي أَطْوارٍ شَتَى إِلى يَخْرُجُوا أَطْفَالاً، ثُمَّ يَتَطوَّرُونَ في نُمُوِّهِمْ، ثُمَّ يَنْتَشِرُونَ فِي الأَرضِ لِلْعَمِلِ فِيها كَسْباً لِمَعَاشِهِمْ، وإِعْمَاراً لها. تَنْتَشِرُونَ - تَتَصَرَّفُونَ فِي شُؤُونِ حَيَاتِكُمْ وَمَعَايِشِكُمْ.

стр. 3312

﴿آيَاتِهِ﴾ ﴿أَزْوَاجاً﴾ ﴿لآيَاتٍ﴾ (٢١) - وَمِنْ آيَاتِهِ الدَّالَّةِ عَلَى قُدْرَتِهِ تَعَالَى عَلَى البَعْثِ والإِعَادَةِ، أَنَّهُ خَلَقَ لِلبَشَرِ أَزْواجاً مِنْ جِنْسِهِمْ، لِيأْنَسُوا بِهِنَّ، وَجَعَل بَينَهُمْ وَبَينَ أَزْوَاجِهِمْ مَحَبّةً ورَأفَةً (مَوَدَّةً وَرَحْمَةً) ، لِتَدُومَ الحَيَاةُ المَنْزِلِيَّةُ. وَفِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ خَلْقٍ مِنْ تُرابٍ، وَخَلْقٍ للأَزْواجِ مِنَ الأَنْفُسِ. . . وَجَعْلِ المَوَدَّةِ والرَّحْمَةِ تَسُودُ عَلاَقَاتِ الأَزْوَاجِ بعضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ. . . لَعِبْرَةٌ لِمَنْ تَأَمَّلَ في ذلك مِنْ ذَوِي العَقُولِ وَالأَفْهَامِ. لتَسْكُنُوا إليها - لِتَمِيلُوا إِليَها وَتَأَلَفُوهَا.

стр. 3313

﴿آيَاتِهِ﴾ ﴿السماوات﴾ ﴿اختلاف﴾ ﴿أَلْوَانِكُمْ﴾ ﴿لآيَاتٍ﴾ ﴿لِّلْعَالَمِينَ﴾ (٢٢) - ومِنْ آياتِهِ الدَّالَّةِ عَلَى قُدْرَتِهِ العَظِيمَةِ، أَنَّهُ تَعَالى خَلقَ السَّماوَاتِ في ارْتِفَاعِهَا واتِّسَاعِها، وَخَلَقَ فِيها النُّجُومَ والكَواكِبَ، وَخَلقَ الأَرضَ وَمَا فِيها مِنْ بِحَارٍ وَمياهٍ ومخلُوقَاتٍ وَنَبَاتَاتٍ وجِبَالٍ، وجَعَلَ أَلسِنَةَ البَشَرِ مُخْتَلِفَةً مُتَمَايِزَةً، كَما جَعَلَ ألوانَ البَشَرِ مُخْتِلفةً، وإِن تَشَابِهُوا جَمِيعاً في الخُطُوطِ الكُبرى مِنْ مَلاَمِحِهِم، وَفي ذَلك آياتٌ تَدُلُّ عَلى عَظَمَةِ الخَالِقِ لأُولِي العِلْمِ الذِينَ يَتَفَكَّرُونَ فِيمَا خَلَقَ اللهُ.

стр. 3314

﴿آيَاتِهِ﴾ ﴿بالليل﴾ ﴿لآيَاتٍ﴾ (٢٣) - ومِنْ عَلاَمَاتِ قُدْرَتِهِ عَلَى الخَلقِ أَنَّكُم تَنَامُون في اللَيْلِ، وتَهْدَؤُونَ، لِتَرتَاحَ أَبدانُكُم مِنْ عَنَاءِ العَمَلِ في النَّهارِ، وأَنَّكُم تَنْبَعِثُونَ في النَّهارِ لِلعَمَلِ وطَلَبِ الرِّزْقِ، وفي ذلِكَ عِبَرٌ وأَدِلَّةٌ لِمَنْ يَسْمَعُونَ المَوْعِظَةَ وَيَتَّعِظُونَ بِها.

стр. 3315

﴿آيَاتِهِ﴾ ﴿فَيُحْيِي﴾ ﴿لآيَاتٍ﴾ (٢٤) - وَمِنْ آيَاتِهِ الدَّالَّةِ عَلَى عَظَمَتِهِ وَقُدْرَتِهِ، أَنَّهُ يُريكُمُ البَرْقَ فَتَخَافُونَ مِنْ صَوَاعِقِهِ، وَتَرْجُونَ أَن يَأْتِيَكُمْ بَعدَهُ المَطَرُ، ليُحْييَ الأَرْضَ، فَتَغْزُرَ المِيَاهُ، وَتَنْبُتَ الأَرضُ بالكَلأَِ والنَّبَاتِ، وفي ذلِكَ دَلاَلاَتٌ، وَعِبَرٌ وَاضِحَةٌ لِمَنْ يَتَبَصَّرونَ وَيَعْقِلُونَ، عَلى قُدْرَةِ اللهُ تَعالى عَلَى بَعْثِ الخَلاَئِقِ في الآخِرَة، وَنَشْرِهِمْ لِلْحِسَابِ والجَزَاءِ.

стр. 3316

﴿آيَاتِهِ﴾ (٢٥) - ومِنَ الحُجَجِ الدَّالَّةِ عَلَى قُدْرَةِ اللهِ تَعَالَى عَلَى مَا يَشَاءُ، قِيَامُ السَّمَاءِ والأَرض بِلاَ عَمَدٍ تَحْمِلُها، وَلا أَرْبِطَةٍ تَشُدُّها، وإِنَّما تَقُومَانِ بأمرِهِ وَتدبِيرِهِ، بِمَوْجِبِ نِظَامٍ قَدَّرَهُ وَأَقَامَهُ فِي الوُجُودِ، وَلاَ يَزَالُ الأمرُ كَذَلِكَ حتَّى يَنْتَهيَ أجلُ العالمِ في المَوعِدِ الذي حَدَّدَهُ اللهُ لانتِهَائِهِ، فَتُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ، وتُدَكُّ الجِبَالُ، وَحِنَئِدٍ يَأْمُرُ اللهُ فَيُنْفَخُ في الصُّورِ، فَيَخْرُجُ البَشَرُ مِنَ الأَجْدَاثِ سِرَاعاً إِلى رَبِّهِمْ مُسْتَجِيبِينَ لِدَعْوَتِهِ تَعَالى.

стр. 3317

﴿السماوات﴾ ﴿قَانِتُونَ﴾ (٢٦) - وَجَميعُ مَنْ خَلَقَهُمُ اللهُ فِي السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ يَخْشَعُونَ لِرَبِّهِمْ، وَيَخْضَعُونَ لَهُ، طَوْعاً أَوْ كَرْهاً. قَانِتُونَ - مُطِيعُونَ مُنْقَادُونَ لإِرَادَتِهِ.

стр. 3318

﴿يَبْدَأُ﴾ ﴿السماوات﴾ (٢٧) - وَهُوَ تَعَالى الذي بَدَأَ خَلْقَ السَّمَاواتِ والأَرْضِ عَلَى غَيرِ مِثَالٍ، سَبَقَ، ثُم يقضِي بِفَنَائِها وَزَوالِها، ثُمّ يُعيدُ خَلْقَها، وَكُلُّ ذَلِكَ هَيِّنٌ عَليه. ثُمَّ لَفَتَ اللهُ تَعَالى نَظَرَ البَشَرِ إِلى أَنَّ إِعَادَةَ الخَلْقِ والصُّنْعِ أهوَنُ عَلَيهِ منْ ابتِدَائِهِ، فإِذَا كَانَ اللهُ هُوَ الذي بَدَأ الخَلْقِ بعدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ شَيئاً، فَمِنَ المَفْرُوضِ في البَشَرِ أَنْ يُدْرِكُوا أَنَّ إِعَادَةَ خَلْقِ الكَائِنَاتِ أهوَنُ مِنْ خَلْقِهَا ابْتَداءً، وَأَنَّ ذَلكَ لَنْ يُعْجِزَ اللهَ تَعَالى، فَبَعْثُ البَشَرِ يومَ القيامةِ أَسْهَلُ عَلى اللهِ مِنْ خَلْقِهِمْ، وللهِ الوَصْفُ البَدِيعُ في السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ، وَهُوَ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ ليسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وهُوَ العَزيزُ الذي لا يُغَالَبُ ولا يُضَامُ، وهُوَ الحَكِيمُ في خَلْقِهِ وَتدبِيرِهِ، فَلا يَخْلُقُ شَيئاً عَبَثاً لا فَائِدةَ مِنْهُ. لهُ المَثَلُ الأعلَى - لَهُ الوَصْفُ الأَعلَى في الجَلاَلِ والكَمَالِ.

стр. 3319

﴿مِمَّا﴾ ﴿أَيْمَانُكُمْ﴾ ﴿رَزَقْنَاكُمْ﴾ ﴿الآيات﴾ (٢٨) - وَهَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللهُ تَعَالَى لِلْمُشْرِكين الذينَ يَجْعَلُونَ للهِ شُرَكَاءَ، فَيَعْبُدُونَ مَعَ اللهِ آلهةً غَيْرَهُ، وَهُمْ مَعَ ذَلك مُعْتَرِفُونَ أًَنْ شُرَكَاءَهُمْ مِنَ الأَصْنَامِ عِبيدٌ للهِ، وَمُلْكٌ لَهُ، كَمَا كَانُوا يَقُولُونَ في طَوَافِهِمْ حَوْلَ الكَعْبَةِ: (لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ إِلا شَرِيكاً هُوَ لَكَ تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ) ، فَقَالَ تَعَالى لَهَمْ: إِنَّ اللهَ يَضْرِبُ لَكُم مَثَلاً مُنْتَزَعاً مِنْ أَحوالِ أَنْفُسِكُمْ وَأَوْطَارِها، وَهِيَ أقربُ الأَشياءِ إِليكُم، وَبِهِ يَسْتبِينُ مِقْدَارُ مَا أَنْتُمْ فِيهِ مِنَ الضَّلاَلَةِ بِعِبَادَتِكُمُ الأَصْنَامَ والأَوثَانَ. وَهذا المَثَلُ هُوَ: هَلْ يَرْضَى أَحَدُكُمْ أَنْ يَكُونَ عَبْدُهُ شَرِيكاً لَهُ فِي مَالِهِ فَيَكُونَ مَعَهُ عَلى السَّواءِ في التَّصَرّفِ فِي المَالِ، فيَحْسبُ حِسَابَهُ مَعَهُ، فَلا يَتَصَرَّفُ في شَيءٍ مِمَّا يَملِكُ مِنْ دُونِ إِذْنِهِ، كَمَا يَحْسبَ حِسَابَ الشَّريكِ الحُرِّ المُمَاثِلِ، ويَخْشَى أَنْ يَجُورَ عليهِ شَرِيكُهُ، كَمَا يَتَحَرَّجُ هُوَ مِنَ الجَوْرِ عَلَى شَرِيكِهِ لأنَّهُ كُفْءٌ لَهُ وَنِدٌّ (تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُم) ، فَهلُ يَقَعُ شَيءٌ مِنْ ذَلكَ فِي مُحِيطِكُمُ القَرِيبِ وشَأْنِكُمُ الخَاصِّ؟ فَإِذا كَانَ شَيءٌ مِنْ ذَلكَ لاَ يَقَعُ، فَكَيفَ تَرْضَونَهُ في حَقِّ اللهِ تَعَالى ولَهُ المَثَلُ الأَعلَى؟ ثُمَّ قَالَ تَعَالى إٍنَّهُ يُفَصِّلُ الآياتِ مثلَ هذا التَّفْصِيلِ البَديعِ بِضَربِ الأَمثَالِ الكَاشِفَةِ للمَعَاني، ليُقَرِّبَها مِنْ أفهَامِ مَنْ يَسْتَعْمِلُونًَ عُقُولَهُمْ في تَدَبٌّرِ الأَمثالِ، واستِخراجِ المَعَاني لِلوُصُولِ إِلى الأَغْراضِ التي تَرْمي إِليها.

стр. 3320

﴿نَّاصِرِينَ﴾ (٢٩) - وَلكِنَّ الذِينَ ظَلمُوا أَنْفُسَهَمْ بكُفْرِهِمْ باللهِ، قَدِ اتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ جَهْلاً مِنهُمْ بحَقِّ اللهِ عَلَيهِمْ، وَعَظَمَتهِ، فَأَشْرَكُوا الأَصْنَامَ والأَوْثَانَ مَعَهُ في العِبَادَةِ، وَلا حُجَّةَ وَلا دَليلَ لَهُم في عَبَادَتِها، فَمَنْ ذَا الذِي يَسَْتَطِيعُ أَنْ يَهْدِيَ بَشَراً قَدْ خَلَقَ اللهُ فيهِ الاسْتِعْدَادَ لِلضَّلاَلَةِ؟ وَهؤلاءِ الظَّالِمُونَ لأنفُسِهِمْ ليسَ لًَهُمْ مَنْ يَنْصُرهُمْ مِنْ قَضَاءِ اللهِ وقدَرِهِ، وَلا مَنْ يُجِيرُهُمْ مِنْ بَأْسِهِ وَعِقَابِهِ.

стр. 3321

﴿فِطْرَتَ﴾ (٣٠) - فَوَجِّهْ وَجْهَكَ إِلى الدِّينِ شَرَعَهُ اللهُ لَكَ، وَهُوَ الحَنِيفيّةُ مِلَّةُ إبراهيمَ التي هَدَاكَ اللهُ إليها، وَفَطَرَكَ عَليها، كَمَا فَطَر الخَلْقَ عَلَيهَا، وبهذهِ الفِطروِ السَّلِيمةِ يَهْتَدِي البَشَرُ إِلى مَعرِفَةِ رَبِّهِمْ وخَالِقِهِمْ تَعَالى وَتَقَدَّسَ، وأنَّهُ وَاحدٌ لا شَريكَ لهُ. وَقَدْ سَاوَى اللهُ تَعَالى بينَ خَلْقِهِ كُلِّهِمْ في الفِطْرَةِ، لا تَفَاوُتَ بينَ النَّاسِ في ذَلِكَ، وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ في مَعْنَى (لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ) : إِن ذَلكَ يَعنِي لاَ تَبدِيلَ لِدِينِ اللهِ. وَجَاءَ فِي الصَّحِيحَينِ: (" كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ حَتَّى يَكُونَ أَبَواهُ هُمَا اللذانِ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنْصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ كَمَا تُنْتِجُ البَهِمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ. هَلْ تُحِسّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ ") (البُخَارِي وَمُسْلِمٌ) . ثُمَّ قَالَ تَعالى: إِنَّ التّمَسُّكَ بالشَّرِيعَةِ، وبِالفِطْرَةِ السَّلِمَةِ، هُوَ الدِّينُ القَيِّمُ المُستَقِيمُ، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْرِفُونَ ذَلِكَ فَهُمْ عَنْهُ نَاكِبُونَ فَلإْقِمْ وَجْهَكَ - قَوِّمْهُ وَعَدِّلْهُ. لِلدِّينِ - دِينِ التَّوحِيدِ. حَنِيفاً - مَائِلاً إِليهِ مُسْتَقيماً عَلَيهِ. فِطْرَةَ اللهِ - الزَمُوها وَهِيَ دِينُ الإِسْلاَمِ. فَطَرَ النَّاسَ عَلَيها - جَبَلَهُمْ وَطَبَعَهُمْ عَليها. لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ - لدِينِهِ الذِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيهِ. الدِّينُ القَيِّمُ - المُسْتَقِيمُ الذِي لاَ عِوَجَ فِيهِ.

стр. 3322

﴿الصلاة﴾ (٣١) - فَأَقِمْ وَجْهَكَ أَيُّها الرَّسُولُ أَنْتَ وَمَنِ اتَّبَعَكَ لِلدِّينِ الصَّحِيحِ، حُنَفَاءَ مُنِيِبينَ إلى اللهِ تَعَالَى، وَخَافُوهُ، وحَاذِرُوا أَن تُفَرِّطُوا فِي طَاعَتهِ، وتَرْتَكِبُوا مَعْصِيَتَهُ، ودَاوِمُوا عَلى إِقَامَةِ الصَّلاةِ في أَوقَاتِها، وأَتِمُّوهَا بِخُشُوعِها وسُجُودِهَا وَرُكُوعِهَا وَبِحُضُورِ القَلْبِ، فَهِي عًَمُودُ الدِّينِ، وهِيَ تُذكِّرُ المُؤمِنَ بِرَبِّهِ في كُلِّ حِينٍ، وتَحُولُ بينَهُ وبَينَ الفَحْشَاءِ وَالمْنَكَرِ، وأَخْلِصُوا العِبَادَةَ للهِ وَحْدَهُ، وَلاَ تَكُونُوا مِنَ المُشْرِكِينَ. مُنِيبِينَ - رَاجِعِينَ إِليه بالتَّوبَةِ والإِخْلاَصِ.

стр. 3323

(٣٢) - وَلاَ تَكُونُوا مِنَ المُشْرِكِينَ الذِينَ بَدَّلوا دِينَهُمْ، وَغَيَّروا فيهِ، وآمَنُوا بِبَعضٍ، وكَفَرُوا بِبِعْضٍ، فَأَصْبَحُوا فِرَقاً وشِيَعاً، وَظَنَّ كُلُّ فَريقٍ مِنْهُمْ أنهُ عَلى شيءٍ منَ الدِّين الصَّحِيحِ، والهُدَى، فَفَرِحَ بِذَلِكَ كَانُوا شِيعَاً - فِرَقاً.

стр. 3324

مُخْتَلِفَةَ الأَهْواءِ والمَشَارِبِ. (٣٣) - وإِذا مَسَّ هؤلاءِ المُشْرِكِينَ ضُرٌّ كَقَحْطٍ وَبَلاءٍ وَمَرضٍ وَشِدَّةٍ. . دَعَوا اللهَ مُخِلِصِينَ لَهُ الدِّينَ والعِبَادَةَ وأَفْرَدُوهُ بالتَّضرُّعِ والاسْتِغَاثَةِ، وَرَجَوْهُ أَنْ يَكْشِفَ عَنْهُم مَا نَزَلَ بِهِمْ مِنْ شِدَّةٍ، وَلكِنَّهُمْ حِينَما يَكْشِفُ الله عَنْهُمْ ما بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ وَبَلاءٍ يَعودُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ إِلى مَا كَانُوا عَليهِ مِنَ الشِّرْكِ بِاللهِ.

стр. 3325

﴿آتَيْنَاهُمْ﴾ (٣٤) - فَلْيَكْفُرُوا بِنِعَمِ اللهِ وبِمَا آتَاهُمْ مِن فَضْلِهِ، ولْيَجْحَدُوا بِمَا تَفَضَّلَ بهِ عَلَيهِمْ مِنْ كَشْفِ الضُّرِّ والبَلاَءِ، ولْيَتَمتَّعُوا بمَا آتاهُمْ مِنَ الرَّخَاءِ والنِّعَمِ، فَإِنُّهُمْ سَيَعْلَمُونَ كَيفَ يأخُذُ اللهُ المشركينَ المُفْسِدِينَ، وكيفَ يَعَاقِبُهُمْ علَى كُفْرِهِمْ وإِفْسَادِهِمْ في الأرْضِ.

стр. 3326

(٣٦) - لَقَدْ رُكِّبَ فِي طَبْعِ الإِنسَانِ الفَرْحُ والبَطَرُ، وسُرعَةُ القُنُوطٍِ واليَأْسِ، فإِذا كَانَ الإِنسانُ في نِعمةٍ وَرَخاءٍ وأَمن فَرِحَ وَبَطِرَ، وَتَجَاوَزَ الحُدُودَ، وإِذا نَزَلتْ بهِ الشَّدائِدُ والمَصَائِبُ وأَلحَّتْ عليهِ الجَائِحَاتُ، بِسَببِ فَسَادِ رأْيهِ، وَسُوءِ أَعمَالِهِ، قَنِطَ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ، وَيئِسَ مِنَ الخَلاَصِ مِمّا هُوَ فيهِ. فَرِحُوا بِهَا - بَطرُوا وأَشِرُوا. يَقْنَطُونَ - يَيْئَسُونَ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ.

стр. 3327

﴿لآيَاتٍ﴾ (٣٧) - أَوَ لاَ يَعْلَمُ هؤلاءِ أَنَّ المُتَصَرِّفَ فِي الحَالَينِ: حَالِ الرَّخَاءِ وَحَالِ الشِّجَّةِ، هُوَ اللهُ تَعَالى، وَهُوَ يَفْعَلُ ذَلكَ بِعَدْلِهِ وَحِكْمَتِهِ، فَمَا لَهُمْ لَمْ يَشْكُرُوا رَبَّهُمْ في الرَّخَاءِ والنِّعْمَةِ، وَلَمْ يَحْتَسِبُوا وَيَصْبُروا في الضَّرَّاءِ والشِّدَّةِ؟ كَمَا يَفْعَلُ المُؤْمِنُونَ المُخْلِصُونَ؟ إِنَّهُمْ لَوْ عَلِمُوا أَنَّ حَالَيِ الرَّخَاءِ والشِّدَّةِ مِنَ اللهِ لَمَا ضَجُّوا وَقَنِطُوا، وَلَمَا فَرِحُوا وَبَطِرُوا، وَلَشَكَرُوا الله في الحَالينِ، فَاللهُ تَعَالى يُؤدِّبُ عِبَادَهُ، بالرَّحمة والنَّعْمَةِ، كَمَا يُربِّيهِمْ بالشِّدَّةِ والبَلاَءِ. يَقْدِرُ - يُضَيِّقُهُ عَلى مَنْ يَشَاءُ لِحِكْمةٍ.

стр. 3328

﴿فَآتِ﴾ ﴿أولئك﴾ (٣٨) - وإِذا كَانَ اللهُ تَعَالى هُوَ الذِي يُبْسُطُ الرِّزْقَ، وَيَقْدِرُهُ، فأَعطِ يا أَيُّها النَّبِيُّ أَنتَ والمُؤِمِنُونَ، مَا تَستَطِيعُونَ إِعطَاءَهُ مِنَ المَالِ لِلفُقَراءِ والمُحْتاجِينَ مِنَ الأَقَارِبِ والمَسَاكِينِ الذينَ لا مالَ لَهُمْ، ولِلْمُسَافرينَ أبناءِ السَّبيلِ الذينَ انْقَطَعَتْ نَفَقَتُهُمْ، وَهُمْ بَعيدُونَ عَنْ أَهْلِهِمْ وَأَوْطَانِهِمْ لِيتَمَكَّنُوا مِنَ العَوْدَةِ إِلى بَلَدِهِمْ. ثمَّ يَقُولُ تَعالى: إِنّ الإِعطَاءِ لهؤلاءِ المُحتاجِينَ فيهِ خيرٌ للمُعْطِينَ عندَ اللهِ، وهوَ الذِي يَتَقَبَّلُ العَملَ الصَّالِحَ، ويَجزِي بهِ فَاعِلَهُ الثَّوابَ الجَزيلَ، وَقَد رَبحَ هؤلاءِ المُعْطُونَ في صَفْقَتِهِمْ لأَنَّهُمْ أعْطَوا ما يَفْنَى، وَحَصَلُوا عَلى مَا يَبْقَى (وَقِيلَ إنَّ مَعْنَى: ﴿ذَلِكَ خَيرٌ لِمَنْ يُريدُ وَجْهَ اللهِ﴾ هُوَ: ذَلِكَ خيرٌ لِلذِينَ يُريدُون النَّظرَ إِلى وجهِ اللهِ يومَ القِيامة) .

стр. 3329

﴿آتَيْتُمْ﴾ ﴿لِّيَرْبُوَ﴾ ﴿أَمْوَالِ﴾ ﴿يَرْبُو﴾ ﴿زَكَاةٍ﴾ ﴿فأولئك﴾ (٣٩) - قَالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الرِّبا رِبَوانِ: رِباً لاَ يَصِحُّ وَهُوَ رِبَا الَبيْعِ، وَرِباً لا بَأْسَ بِِ وَهُوَ هَدِيَّةُ الرَّجلِ يُرِيدُ فَضْلَهَا وَإِضَعَافَهَا، وَتَلاَ هذِهِ الآيَةَ. وَكَذَلِكَ قَالَ عِكْرِمَةُ. فَمَنْ أًَعطَى عَطِيَّةً، أَو أَهْدَى هَدِيَّةً وهوَ يريدُ أَنْ يَرُدَّ عليهِ النَّاسُ بأكثرَ مِنها، فَلا ثَوابَ لهُ عليهِ عندَ اللهِ وَلكِنَّ هَذا الصَّنيعَ لا إِثمَ فيهِ، وَإِن كَانَ قَدْ نَهَى اللهُ رَسُولَه عنهُ حِينَمَا قَال: ﴿وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ﴾ أَمَّا مَنْ أَعطَى الصَّدَقَةَ يَبْتَغِي بِها وَجْهَ اللهِ تَعَالى خَالِصاً، فَأُولئِكَ الذِينًَ يُضَاعِفُ اللهُ لَهُمُ الثَّوابَ والجَزَاءَ (المُضْعِفُونَ) . (وَجَاءَ فِي الحَديثِ الصَّحِيحِ: " وَمَا تَصَدَّقَ أَحَدٌ بِعِدلِ تَمرةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ إِلاَّ أَخَذَها الرَّحْمَنُ بِيَمِينِه فَيُرَبِّيها لِصَاحِبِها كَمَ يُرَبِّي أَحَدُكُم فَلُوَّهُ أَوْ فَصِيلَهُ، حَتَّى تَصيرَ التَّمرةُ أعظمَ مِنْ أُحُدٍ ") . الرِّبا - هُوَ المُحَرَّمُ المَعْروفُ. لِيَرْبُو - لِيَزيدَ ذَلكَ الرِّبَا. فَلاَ يَرْبُوا - فَلاَ يَزْكُوْ وَلاَ يُبَارَكُ فِيهِ. المُضْعِفُونَ - ذُوُو الأَضْعَافِ مِنَ الحَسَناتِ.

стр. 3330

﴿شُرَكَآئِكُمْ﴾ ﴿سُبْحَانَهُ﴾ ﴿تعالى﴾ (٤٠) - اللهُ تَعَالى هُوَ الذي خَلَقَكُمْ ولَمْ تَكُونوا شَيئاً، يُخْرِجُ الإِنسانَ من بَطْنِ أُمِّهِ عُرْيَاناً، ثُمَّ يَرْزُقُهُ السَّمْعَ والبَصَرَ، والقُوَّةَ والِلِّبَاسَ، والعِلم والمَالَ، ومَا تَقُومُ بِهِ الحَياةُ، ثمَّ بعدَ هذه الحياةِ يُمِيتُكُم، ثُمّ يَعودُ فَيُحْيِيكُمْ يَومَ القِيَامَةِ، لِيُحَاسِبَكُمْ عَلَى أًَعْمَالِكُم كُلِّها. ثُمَّ يَسْأَلُ اللهُ تَعَالى المُشْرِكِينَ مُسْتَنْكِراً وَمُقَرِّعاً: هَلْ أَحَدٌ مِنَ الآلِهةِ التي يَعْبُدُونَها مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَصنامٍ وأوثانٍ وغيرِها. . . مَنْ يَسْتَطِيعُ أًَنْ يفعلَ ذَلك؟ وَبِمَا أَنَّ هذهِ الأَصنامَ والأَوثَانَ والآلهةَ المَزْغُومَةَ لاَ تَسْتَطِيعُ لأحدٍ ولا لِنَفْسِهَا نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً، وَكُفَّارٌ قُريشِ يَعْرِفُونَ ذَلكَ وَيَعْتَرِفُونَ بِهِ، لِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى: تَنَزَّهَ اللهَ وَتَعَاظَمَ عَنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ شَريكٌ أَوْ نَظِيرٌ أَوْ وَلَدٌ.
следующие страницы →