← Тафсир

Тафсир · id 1787

أيسر التفاسير لأسعد حومد

أسعد حومد

Полный текст (6 113 стр.). Показаны 3396–3435 · переход к 3401.

стр. 3396

﴿نَاكِسُواْ﴾ ﴿صَالِحاً﴾ ﴿رُءُوسِهِمْ﴾ (١٢) - وَإِنَّكَ لَتَرى عَجَباً يَا مُحَمَّدُ لَوْ أُتيحَ لَكَ أَنْ تَرَى هؤلاءِ المُجْرِمينَ القَائِلِينَ: (أَئِذا مِتْنَا وَتَفَرَّقَتْ أَجْسَامُنا فِي الأَرضِ سَنُخْلَقُ خَلْقاً جَديداً) ، وَهُمْ وَاقِفونَ بَيْنَ يديِ اللهِ، وَهُمْ نَاكِسُو رُؤُوسِهِمْ حَيَاءً وخَجَلاً مِنْهُ، لِمَا سَلَفَ مِنْهُمْ مِنْ مَعَاصٍ في الدُّنيا، وَيَقُولُونَ: رَبَّنا أَبْصَرْنَا الحَشْرَ، وَسَمِعْنا قَولَ الرَّسُولِ، وَصَدَّقْنَا بهِ، فَارْجِعْنا إِلى الدُّنيا، وَيَقُولُونَ: رَبَّنَا أَبْصَرْنَا الحَشْرَ، وَسَمِعْنا قَولَ الرَّسُولِ، وَصَدَّقْنَا بهِ، فَارْجِعْنا إِلى الدُّنيا نَعْمَلْ صَالِحاً، فَإِنَّنا أَيْقَنَّا الآنَ مَا كُنَّا نَجْهَلُهُ في الدُّنيا مِنْ وَحدَانِيَّتِكَ، وَأَنَّهُ لاَ يَصْلُحُ لِلْعِبَادَةِ، سِوَاكَ. ولكِنَّ اللهَ تَعَالى يَعْلَمُ أنهُ لَوْ أَعَادَهُمْ إِلى الدُّنيا لَعَادُوا إِلى مَا كَانُوا فيهِ مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ بآياتِ اللهِ. ناكِسُو رُؤُوسِهِمْ - مُطْرِقُوهَا خِزياً وَنَدَماً.

стр. 3397

﴿لآتَيْنَا﴾ ﴿هُدَاهَا﴾ (١٣) - وَلَوْ أَرادَ اللهُ أَنْ يُلْهِمَ كُلَّ نَفْسٍ مَا تَهْتَدِي بهِ، إِلى الإِيمانِ، والعَمَلِ الصَّالِحِ، لَفَعَلَ، وَلكِنَّ تَدْبيرَهُ تَعَالى لِلْخَلقِ، وَحِكْمَتَهُ، قَضَيَا بِأَنَّ تُوضَعَ كُلُّ نَفْسٍ في المَرْتَبةِ التِي هِيَ أَهْلٌ لَها، بِحَسَبِ اسْتِعْدَادِها وَقَدْ سَبَقَ الوَعيدُ مِنَ اللهِ تَعَالى بِأَنَّهُ سَيَمْلأُ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنَّاسِ لِعِلْمِهِ تَعَالى أَنَّ أَكْثَرَهُمْ سَيَخْتَارُونَ الضَّلاَلَة عَلَى الهُدَى. حَقَّ القَوْلُ - ثَبَتَ وَتَحَقَّقَ وَنَفَذَ قَضَاءُ اللهِ. الجِنَّةِ -الجِنِّ.

стр. 3398

﴿نَسِينَاكُمْ﴾ (١٤) - وَيُقَالُ لأَهْلِ النَّارِ، عَلَى سَبيلِ التَّقْرِيعِ، وَالتَّوبِيخِ: ذُوقُوا هذا العَذابَ بِسَبَب كُفْرِكُمْ وَتَكْذِيبكُمْ بِهذا اليَومِ، واسْتِبْعَادِكُمْ وَقُوعَهُ. وَسَيُعَامِلُكُمْ رَبُّكُمْ مُعَامَلَةَ مَنْ نَسِيَكُمْ لأَنَّكُمْ نَسِيتُمْ رَبَّكُمْ، وَنَسِتُمْ لِقَاءَهُ فَذُوقُوا عَذاباً تَخْلُدُونَ فِيهِ أبداً، وَذلِكَ جَزَاءٌ لَكُمْ عَلى كُفرِكُمْ وَمَعَاصِيكُمْ.

стр. 3399

﴿بِآيَاتِنَا﴾ (١٥) - إِنَّمَا يُصَدِّقُ بآياتِ اللهِ الذِينَ إِذا وُعِظُوا بها استَمَعوا إِليها خَاشِعين، وأَطَاعُوها مُمْتَثِلينَ، وَخُرُّوا سُجَّداً للهِ خُضُوعاً وَخَشْيَةً، وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ عن اتِّبَاعِها، وَالانِقِيَادِ إِِليها.

стр. 3400

﴿رَزَقْنَاهُمْ﴾ (١٦) - وَهُمْ يَهْجُرونَ مَضَاجِعَهُمْ لِيَقُومُوا في اللِّيلِ إِلى الصَّلاةِ والنَّاسُ نِيَامٌ، وَلِيَدْعُوا رَبَّهُمْ تَضَرُّعاً إِليهِ، وَخَوْفاً مِنْ سَخطِهِ وَطَمَعاً فِي عَفْوِهِ عَنْهُمْ، وَمَغْفِرَتِهِ لَهُمْ، وَيُنْفِقُونَ مِمَّا رَزَقَهُمُ مِنْ مَالٍ. (وَقَالَ الرَّسُولُ ﷺ تَتَجَافَى جنُوبَهُمْ عَنِ المَضَاجِع هِي قِيامُ العَبْدِ أَوَّلَ اللَّيلِ) . تَتَجَافى - تَرْتَفِعُ وَتَتَنَحَّى لِلعِبَادَةِ. المَضَاجِعِ - الفُرُشِ التي يُضْطَجَعُ عَلَيها.

стр. 3401

(١٧) - وَلاَ يَعْلَمُ أَحَدٌ عَظَمَةَ مَا أَعَدَّهُ اللهُ تَعَالى لِهؤلاءِ الكِرامِ البَرَرَةِ وَأَخْفَاهُ فِي الجَنَّاتِ مِنَ النًَّعيمِ المُقِيمِ، واللذَائِذِ التِي لَمْ يَطَّلِعْ أَحَدٌ عَلى مِثْلِها، جَزَاءً وِفَاقاً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، لَقَدْ أَخْفَوا أَعْمَالَهُمْ فَأَخْفَى اللهُ لَهُمْ مَا لَمْ تَرَهُ عَيْنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى قَلبِ بَشَرٍ. مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ - مِنْ مُوجِبَاتِ المَسَرَّةِ وَالفَرَحِ.

стр. 3402

﴿يَسْتَوُونَ﴾ (١٨) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالى أَنَّهُ لاَ يَسْتَوِي فِي حُكْمِهِ يومَ القِيَامَةِ مَنْ كَانَ مُؤْمِناً باللهِ مُتَّبِعاً رَسُولَهُ، مَعَ مَنْ كَانَ خَارِجاً عَنْ طَاعَةِ اللهِ (فَاسِقاً) ، مُكَذِّباً رُسُلَهُ.

стр. 3403

﴿آمَنُواْ﴾ ﴿الصالحات﴾ ﴿جَنَّاتُ﴾ (١٩) - أَمَّا الذِينَ آمَنُوا باللهِ وَرُسُلِهِ، وَعَمِلُوا الأَعْمَالَ الصَّالِحَاتِ، وَعَمِلُوا بِمَا أَمَرَ اللهُ، وَانْتَهَوْا عَمَّا نَهَاهُمْ عَنْهُ. . فَهؤلاءِ لَهُمْ الجَنَّاتُ التِي فِيها المَسَاكِنُ، والدُّورُ، وَالغُرَفُ العَالِيَاتُ (جَنَّاتُ المَأْوَى) يَحُلُّونَ فِيها نُزَلاَءَ فِي ضِيَافَةٍ وَكَرَامَةٍ، جَزَاءً لَهُمْ مِنَ اللهِ تَعَالى عَلَى إِيمَانِهِمْ وَطَاعَتِهِمْ، وَصَالِحِ أَعْمَالِهِمْ. نُزُلاً - ضِيَافَةً وَعَطَاءً وَتَكْرُمَةً.

стр. 3404

﴿فَمَأْوَاهُمُ﴾ (٢٠) - وَأَمَّا الذِينَ خَرَجُوا عَنْ طَاعَةِ رَبِّهِمْ (فَسَقُوا) وَكَفَرُوا بِهِ وَبِرُسُلِهِ، واجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ. . فَإِنَّ مَأْوَاهُمْ سَيَكُونُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، وَكُلَّما حَاوَلوا الخُرُوجَ مِنَ النَّارِ يُرَدُّونَ إليها، وَيُقَالُ لَهُمْ تَوْبِيخاً وَتَقْرِيعاً: ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ، بِمَ كُنْتُم تُكَذِّبُونَ بِهِ فِي الحَيَاةِ الدُّنيا، وَلا تَعْتَقِدُونَ أَنَّكُمْ صَائِرُونَ إِليهِ.

стр. 3405

(٢١) - وَسَيبتَلِيهِمُ اللهُ تَعَالَى بالمَصَائِبِ في الحَيَاةِ الدُّنيا، مِنَ القَتْلِ، والأَسْرِ والثَّكْلِ، وَفَقْدِ المَالِ، وَالمَرَضَ والمَصَائِبِ الأُخْرَى، لَعَلَّهُمْ يَتُوبُونَ إٍِلى اللهِ، وَيَثُوبُونَ إِلى رُشْدِهِمْ، وَيُقْلِعُونَ عَنِ الكُفْرِ وَالمَعَاصِي، وَهَذا العَذابُ الأَدْنى يَحِلَّ بِهِمْ قَبْلَ أَنْ يَصِلُوا إِلى العَذابِ الأَكْبَرِ في نَارِ جَهَنَّمَ.

стр. 3406

﴿بِآيَاتِ﴾ (٢٢) - وَلاَ أَحَدَ أَكْثَرُ ظُلْماً مِنْ إِنسَانٍ ذَكَّرَهُ اللهُ تَعَالى بآياتِهِ، وَبَيَّنَها لَهُ وَوَضَّحَها، ثُمَّ جَحَدَها وَأَعْرَضَ عَنْها وَتَنَاسَاهَا كَأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْهَا، وَلَمْ يَعْرِفْها. وَيَقُولُ اللهُ تَعَالى إِنَّهُ سَيْنَتَقِمُ مِنَ المُجْرِمينَ الذينَ كَفَروا واجتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَشَدَّ الانْتِقَامِ. (وَجَاءَ فِي الحَدِيثِ: " ثَلاَثٌ مَنْ فَعَلَهُنَّ فَقَدْ أَجْرَمَ: مَنْ عَقَدَ لِواءً فِي غَيْرِ حَق، أَوْ عَقَّ وَالِدَيهِ، أَوْ مَشَى مَعَ ظَالِمٍ يَنْصُرُهُ " يَقُولُ الله تَعَالى: إِنَّا مِنَ المُجْرِمينَ مُنْتَقِمُونَ) .

стр. 3407

﴿آتَيْنَا﴾ ﴿الكتاب﴾ ﴿لِّقَآئِهِ﴾ ﴿َجَعَلْنَاهُ﴾ ﴿اإِسْرَائِيلَ﴾ (٢٣) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالى رَسُولَه ﷺ أَنَّهُ آتَى مُوسَى التَّوْرَاةَ (الكِتَابَ) ، لِتَكُونَ هُدىً وعِظَةً لِبني إِسْرائيلَ، كَمَا آتَى عَبْدَهُ مُحَمَّداً القُرآنَ، وأَمَرهُ بأَلاَّ يَكُونَ في شَكٍّ وَرِيبَةٍ مِنْ صِحَّةِ مَا آتاهُ اللهُ مِنَ الكِتَابِ، فَمُحَمَّدٌ لَيْسَ بِدْعاً في الرُّسُلِ، فَقَدْ آتى الله غَيْرَهُ مِنَ الأنبياءِ كُتُباً. في مِرْيَةٍ - فِي شَكٍّ. مِنْ لِقَائِهِ - مِنْ تَلَقِّيهِ إِيَّاهُ بِالرِّضَا وَالقَبُولِ.

стр. 3408

﴿أَئِمَّةً﴾ ﴿بِآيَاتِنَا﴾ (٢٤) - وَجَعَلَ اللهُ مِنْ بَني إِسْرَائيلَ أَئِمَّةً فِي الدُّنيا، يَهْدُونَ أَتْبَاعَهُمْ إِلى الخَيْرِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ، لأَنَّهُم صَبَروا عَلى طَاعَتِهِ، وَعَزَفَتْ نُفُوسُهُمْ عَنْ لَذَّاتِ الدُّنيا وَشَهَواتِها، وَكَانُوا مُؤْمِنينَ بآياتِ اللهِ وَحُجَجِهِ، وَبِمَا اسْتَبَانَ لَهُمْ مِنَ الحَقِّ.

стр. 3409

﴿القيامة﴾ (٢٥) - واللهُ تَعَالى يَقْضِي بَينَ خَلْقِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ في الدُّنيا مِنْ أُمورِ الدِّينِ والثَّوابِ والعِقَابِ. . وَيُجَازِي كُلَّ وَاحِدٍ بما يَسْتَحِقُّ.

стр. 3410

﴿مَسَاكِنِهِمْ﴾ ﴿لآيَاتٍ﴾ (٢٦) - أَوْ لَمْ يَتَبَيَّنْ لِهؤُلاءِ المُكَذِّبِينَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ، طَريقُ الحَقِّ مِنْ كَثْرَةِ مَا أَهْلَكَ اللهُ قَبْلَهُمْ مِن الأُمَمِ السَّالِفَةِ التِي كَذَّبَتْ رُسُلَهَا، وَخَالَفَتْهُمْ فِيما جَاؤُوهُمْ بِهِ، فَلَمْ يُبْقِ مِنْهُمْ بَاقِيَةً. وهؤُلاءِ المُكَذِّبُونَ يَرَوْنَ بِأُمِّ أَعْيُنِهِمْ ذَلِكَ، وَهُمْ يَمْشُونَ فِي أرضِ البَائِدينَ، وَيَرَوْنَ مَسَاكِنَهُمْ خَاوِيَةً خَالِيةً، أَفَلا يَسْمَعُونَ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لِيَتَّعِظُوا وَيَعْتَبِرُوا؟ أَوْ لَمْ يَهِدِ لَهُمْ - اَغَفَلُوا وَلَمْ يَتَبَيِّنْ لَهُمْ مَآلُهُمْ. القُرُونِ - الأُمَمِ الخَالِيَةِ.

стр. 3411

﴿أَنْعَامُهُمْ﴾ (٢٧) - أَوْ لَمْ يُشَاهِدْ هَؤُلاَءِ المُكَذِّبُونَ بِالبَعْثِ والنُّشٌورِ، كَيْفَ يُوَجِّهُ اللهُ تَعَالى بِقُدْرَتِهِ (يَسُوقُ) إِلَى الأَرْضِ القَاحِلَةِ المُجْدِبَةِ التي لاَ نَبَاتَ فِيها (الجُرُزِ) فَتَرتَوِي وَتُنْبِتُ الزُّرُوعَ، فَيَأْكُلُ مِنْهَا الإِنْسَانُ وَالحَيَوانُ، أَفَلا يُبْصِرُونَ ذَلكَ بِأْمِّ أَعْيُنِهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ القَادِرَ عَلَى إِحْياءِ الأَرْضِ بَعْدَ مَوَاتِها، لَقَادِرٌ عَلَى إِحياءِ الأَمواتِ، وَنَشْرِهِمْ مِن قُبُورِهِمْ؟ الأَرْضِ الجُرُزِ - اليَابِسَةِ الجَرْدَاءِ.

стр. 3412

﴿صَادِقِينَ﴾ (٢٨) - وَيَقُولُ هؤُلاءِ المُكَذِّبُونَ اسْتِبْعَاداً لِحُلُولِ غَضَبِ اللهِ بِهِمْ، وَنِقْمَتِهِ عَلَيْهِمْ، وَتَكْذِيباً لِمَا جَاءَهُمْ بهِ رَسُولُ رَبِّهِمْ: مَتَى يَكُونُ هذا النَّصْرُ (الفَتْحُ) الذِي تَقُولُ يَا مُحَمَّدُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكَ بهِ عَلَينا، إِنْ كُنْتَ صَادِقاً فِيما تَقُولُ مِنْ أَنَّنا مُعَاقَبُونَ عَلَى تَكْذِيبِنا الرَّسُولَ، وأَنَّ الله سَيَنْصُرُ دِينَه، وَيُظْهِرُ المُؤْمِنِينَ عَلَى المُشْرِكِينَ؟ هذَا الفَتْحُ - النّصْرُ عَلَينَا - الفَصْلُ فِي الخُصُومَةِ.

стр. 3413

﴿إِيَمَانُهُمْ﴾ (٢٩) - قُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ: إِذا حَلَّ يَوْمُ الفَتْحِ الذِي سَيَنْصُرُ اللهُ فيهِ رَسُولَهُ والمُؤْمِنينَ، وَيُحِلُّ فيهِ عَذَابَهُ وَنقْمَتَهُ بِالمُشْرِكِينَ، فلا يَنْفَعُ المُشْرِكِينَ حِينَئِذٍ إِيمَانٌ يُحْدِثُونَهُ فيهِ، وَلاَ يُؤَخَّرُونَ لِيَتُوبُوا مِنْ شِرْكِهِمْ وَكُفْرِهِمْ، وَلِيَعْمَلُوا صَالِحاً غيرَ الذِي كَانُوا يَعْمَلُونَهُ في الدُّنيا مِنْ أَعْمَالٍ وَلا يُمْهَلُونَ لَحْظَةً عَنِ العَذابِ الذِي يَسْتَحِقُّونَهُ. يُنْظَرُونَ - يُمْهَلُونَ لِيُؤْمِنُوا.

стр. 3414

(٣٠) - فَأَعْرِضْ يَا مُحَمَّدُ عَنْ هؤُلاءِ المُشْرِكِينَ المُسْتَهْزِئِينَ، وَبَلِّغْ رِسَالَتَكَ كَمَا أَمَرَكَ بهِ رَبُّكَ، وَلاَ تُبَالِ بِهِمْ، وانْتَظِرْ مَا سَيَفْعَلُه اللهُ بِهِمْ، فإِنَّ الله سَيَنْصُرُكَ عَلَى مَنْ خَالَفَكَ وَعَانَدَكَ، واللهُ لا يُخْلِفُ وَعْدَهُ أَبَداً.

стр. 3415

﴿ياأيها﴾ ﴿الكافرين﴾ ﴿المنافقين﴾ (١) - يَا أَيُّها النبيُّ اسْتَمِرَّ على ما أنْتَ عليهِ مِن تَقْوَى اللهِ، والعَمَلِ بِطَاعَتِهِ، رَجَاءَ ثَوَابِهِ، وَاجْتَنَبْ مَعْصِيَتَهُ مَخَافَةَ عِقَابِهِ وعذابِهِ، ولا تُطِعِ الكَافِرينَ والمُنافِقينَ فيمَا يَطْلُبُونَهُ مِنْكَ، وَلاَ تَسْمَعْ مِنْهُمْ، ولا تَسْتَشِرْهُمْ، واللهُ تَعالى عَليمٌ بما تُضْمِرُهُ نُفوسُهُمْ، وما تَنْطَوِي عليهِ جَوانِحُهُمْ - وَهُمْ يُظْهِرُون لَك النُّصحَ - من الحِقْدِ والعَدَاوَةِ. واللهُ تَعَالى حِكَيمٌ في شَرْعِهِ وتَدْبِيرِهِ. (وَرُوِيَ فِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِه الآيةِ أَنَّ بعضَ سَرَاةِ قريشٍ عَرَضُوا على النبيِّ ﷺ أنْ يُعْطُوه نِصْفَ أموالِهِمْ على أنْ يَرْجِعَ عنْ دَعْوَتِهِ، وَهَدَّدَهُ اليهودُ والمُنافقونَ بالقَتْلِ إِنْ لَمْ يَكُفَّ عَنْ هَذِهِ الدَّعوةِ، فأَنْزَلَ اللهُ تَعَالى هذِه الآية) . اتَّقِ الله - دُمْ على تَقْوَاهُ أو ازْدَدْ مِنْها.

стр. 3416

(٢) - واعْمَلْ بِمَا يُوحِيهِ إليكَ رَبُّكَ، ولا تَلْتَفِتْ إِلى أقْوَالِ الكَافِرِينَ والمُنَافِقين وتَهْدِيدَاتِهِمْ، فاللهُ خبيرٌ بما تَعْمَلُهُ أنتَ وأَصْحَابُكَ، وبِما يَعْمَلُهُ، الكُفَّارُ والمُنَافِقُون، ولا يَخْفَى عليهِ شيءٌ منْهُ، ثُمَّ يَجْزِيكُم على أَعْمَالِكُمْ يومَ القِيَامَةِ، إِنْ خَيْراً فَخَيْراً وَإِنْ شَراً فَشَرّاً.

стр. 3417

(٣) - واتَّكِلْ عَلى اللهِ وَحْدَهُ، وَاعْتَمِدْ عَلَيهِ في جَمِيعِ أُمُورِكَ وَأَحْوَالِكَ، وَكَفَى باللهِ حَافِظاً لِمَنْ يُوكِلُ إليهِ شُؤُونَهُ. وَكِيْلاً - حَافِظاً مَفَوَّضاً إِليهِ كُلُّ أَمْرٍ.

стр. 3418

﴿أَزْوَاجَكُمُ﴾ ﴿اللائي﴾ ﴿تُظَاهِرُونَ﴾ ﴿أُمَّهَاتِكُمْ﴾ ﴿بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ (٤) - وَكَما أنَّ اللهَ تَعَالى لمْ يَجْعَلْ لإِنْسَانٍ قَلْبَينِ فِي صَدْرِه، وكَمَ أَنَّ زوْجَةَ الرجُلِ لا تَصِيرُ أُمَّهُ بمُجَرِّدِ مُظَاهَرَتِهِ منْها، وقولِهِ لَها: (أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي) ، كَذَلِكَ لا يَصِيرُ الدَّعِيُّ ابْناًَ لمَنْ تَبَنَّاهُ، بِمُجَرَّدِ ادِّعَاءِ الرجلِ المُتَبَنِّي أَنَّ الوَلَدَ المُتَبَنَّي (الدَّعِيَّ) ابنُهُ بالتَّبَنِّي. وَقَوْلُ الرَّجُلِ لِزَوْجَتِه: أنتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، ودعوةُ الرجلِ الولدَ المُتَبنّى أنَّهُ ابنُهُ، إنَّما هوَ قَولُ هؤلاءِ القَائِلين بأفَواهِهِمْ، ولا حَقيِقَةَ لَهُ في الوَاقِعِ ولا حُكْمَ، فَلا تَصِيرُ الزوجةُ أُمّاً لِزَوْجِها، ولا يَثْبُتُ بِدَعْوى البُنُوَّةِ نَسَبِ الوَلَدِ المُتَبَنَّى لمَنْ تَبَنَّاهُ. واللهُ يقولُ الحقَّ والصِّدْقَ، ويَهْدِي عِبَادَهُ إلى سبيلِ الرَّشَادِ، فَدَعُوا ما تَقُولونَ أنْتُمْ وما تَدَّعُونَ، وخُذُوا بقولِهِ تَعَالى. تُظَاهِرُونَ منْهُنَّ - تُحَرِّمُونَهُنَّ كَحُرْمَةِ أُمَّهاتِكُمْ. أَدْعِيَائِكُمْ - مَنْ تَتَبَنَّوْنَهُمْ من أبْنَاءِ غَيْرِكُمْ.

стр. 3419

﴿لآبَآئِهِمْ﴾ ﴿آبَاءَهُمْ﴾ ﴿فَإِخوَانُكُمْ﴾ ﴿مَوَالِيكُمْ﴾ (٥) - يَنْسَخُ اللهُ تَعالى في هذهِ الآيةِ حُكْم التَّبَنِّي الذِيْ كَانَ مَعْمُولاً بهِ في الجاهليةِ، فقدْ كانَ التَّبَنِّي جَائزاً وظَلَّ حُكْمُ التَّبَنِّي سَارياً في ابْتِدَاءِ أَمْرِ الإِسْلامِ، فكانَ الرَّجُلُ يتبنَّى وَلَدَ غيرِهِ، فَيُصْبِحُ حُكْمُهُ حُكْمَ الوَلَدِ مِنَ الصُّلْبِ، في أمورِ النَّسَبِ والمِيراثِ. . . ولكنَّ اللهَ تَعَالى نَسَخَ حُكْمَ التَّبَنِّي في هذهِ الآيةِ. وأمَرَ المؤمنينَ بِرَدِّ نِسْبَةِ الأدْعِيَاءِ (الأَولادِ بالتَّبَنِّي) إلى آبائِهِمْ الحَقِيقِيِّينَ، لأنَّ هذَا هُوَ العَدْلُ والقِسْطُ والبِرُّ. (فَعَلَيْهِمْ أَن يَقُولُوا زَيْدُ بنُ حَارِثَة لا زَيْدُ بنُ محمدٍ) ، أمَّا إذا كَانَ الولدُ المُتَبَنَّى لا يُعرَفُ أبُوه لِيُنْسَبَ إليهِ، فَعَلى المؤمنينَ أنْ يَعُدُّوا هؤلاءِ الأدْعياءِ إخْوَاناً لَهُمْ في الدِّينِ - إنْ كَانُوا قَدْ دَخَلُوا في الإِسْلامِ - وأنْ يَعُدُّوهُمْ موالِيَهُمْ إن كانُوا مُحَرَّرِينَ (فيُقَالُ سَالِمُ مَوْلَى أبِي حُذَيْفَةَ) . وَلاَ حَرَجَ على المُؤْمِنِين فيما اخْطَؤُوا فيهِ من نِسْبَةِ بَعْضِ هؤُلاءِ الأَدْعياءِ إلى غَيْرِ آبَائِهِمْ، بَعْدَ اسْتِفْرَاغِ الجهْدِ في البَحْثِ والاسْتِقْصَاءِ، أو فيما يَسْبِقُهُمْ بهِ لِسَانُهُمْ، ولكنَّ الحَرَجَ والإِثمَ والمُؤاخَذَةَ تَقَعُ على منْ يَفْعَلُونَهُ مُتَعَمِّدينَ بهِ الباطِلَ، واللهُ غفورٌ لذَنْبِ مَنْ تَابَ أو أخْطَأ عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ، وهو رحيمٌ بهِ فَلا يُعاقِبُهُ مِنْ بَعْدِ التًَّوْبَةِ. أقْسَطُ - أَعْدَلُ. مَوالِيكُمْ - أولياؤُكُمْ في الدِّينِ.

стр. 3420

﴿أَزْوَاجُهُ﴾ ﴿أُمَّهَاتُهُمْ﴾ ﴿أُوْلُو﴾ ﴿كِتَابِ﴾ ﴿المهاجرين﴾ ﴿اأَوْلِيَآئِكُمْ﴾ (٦) - جَعَلَ اللهُ الرَّسُولَ ﷺ أَوْلى بِالمُؤْمِنينِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، وَولاَيَتَهُ مُقَدَّمَةً عَلَى وِلاَيَتِهِمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، لأَنَّهُ ﵇ لاَ يَأَمُرُهُمْ إِلاَّ بِمَا فِيهِ خَيْرُهُمْ وَصَلاَحُهُمْ، أَمَّا النَّفْسُ فَأَمَّارَةٌ بالسُّوءِ، وَقَدْ تَجْهَلُ بَعْضَ المَصَالِحِ. وَجَعَلَ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ فِي مَقَامِ الأُمّهَاتِ لِلْمُؤْمِنينَ فِي الحُرْمَةِ والاحتِرَامِ. وَكَانَ التَّوَارُثُ فِي بَدْءِ الإِسْلامِ بِالحِلْفِ وَالمُؤَاخَاةِ بَينَ المُسلِيِمينَ، فَكَانَ المُتآخِيَانِ يَتَوَأرَثَانِ (وَإِنْ كَانَا مُخْتَلِفَينِ نَسَباً) دُونَ سَائِرِ الأَقْرِبَاءِ، فَأَبْطَلَ اللهُ تَعَالى هذا التَّعَامُلَ فِي هذهِ الآيةِ، وَرَدَّ المِيرَاثَ إِلى أَقْرِبَاءِ النَّسَبِ، فَجَعَلَ أُولِي الأَرْحَامِ بِحَقِّ القَرَابَةِ، أَولى بالمِيراثِ مِنَ المُؤمِنينَ بِحَقِّ الدِّينِ، والمُهَاجِرِينَ بِحَقِّ الهِجْرَةِ. واسْتَثْنَى اللهُ تَعَالَى مِنْ هذا الحُكْمِ الوَصِيَّةَ (المَعْرُوفَ) ، التي يُريدُ أَحَدُهُمْ أَنْ يُوصِيَ بِها إِلى أَحَدِ المُهَاجِرِينَ والمُؤْمِنينَ (أَوْلِيَائِكُمْ) فَإِنَّهُ فِي هذِهِ الحَالِ يَسْتَحِقُّها دُونَ ذَوِي الحُقُوقِ فِي المِيراثِ مِنْ أَقْرِبَاءِ النّضسَبِ. ثُمَّ قَالَ تَعَالى: إِنَّ جَعْلَ ذَوِي الأَرْحَامِ بَعْضَهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ في المِيراثِ هُوَ حُكْمٌ قَدَّرَهُ الله تَعَالَى، وَأَثْبَتَهُ فِي كِتَابِهِ الذِي لاَ يُبَدِّلُ وَلاَ يُغَيَّرُ. أَوْلى بالمُؤْمِنينَ - أَرْأفُ بِهِمْ، وأَنْفَعُ لَهُمْ. أَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ - مِثْلُهُنَّ في تَحْرِيمِ نِكَاحِهِنَّ وَتَعْظِيمِ حُرْمَتِهِنَّ. أُولُوا الأَرْحَامِ - ذَوُو القَرَابَاتِ.

стр. 3421

﴿النبيين﴾ ﴿مِيثَاقَهُمْ﴾ ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ ﴿مِّيثَاقاً﴾ (٧) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ ﷺ أَنَّ أولي العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ هُمْ خَمْسَةٌ: نُوحٌ وَإِبراهيمُ وَمُوسَى وَعِيسَى وُحَمَّدٌ وَأَنَّهُ تَعَالَى أَخَذَ العَهْدَ والمِيثَاقَ عَلَى هؤلاءِ الرُّسُلِ، وَعَلَى سَائِرِ الرُّسُلِ وَالأَنْبِيَاءِ فِي إِبلاغِ رِسَالَةِ اللهِ لِلنَّاسِ، وَإِقَامَةِ دِين اللهِ، وفي التَّعاوُنِ والتَّنَاصُر ﴿أَنْ أَقِيمُواْ الدين وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ﴾ وَأَعْلَمَ اللهُ تَعَالى الرُّسُلَ والأَنبياءَ أَنَّهُ سَيَْأَلُهُمْ عَمَّا فَعَلُوهُ فِي إِبلاغِ الرِّسَالةِ ﴿وَلَنَسْأَلَنَّ المرسلين﴾ فَاعْتَبَرَ ذَلِكَ مِيثاقاً غَلِيظاً، عَظِيمَ الشَّأْنِ. مِيثَاقَهُمْ -العَهْدَ عَلَى الوَفَاءِ بِمَا حَمَلُوا. مِيثَاقاً غَلِيظاً - عَهْداً وَثيقاً قَوِياً عَلَى الوَفَاءِ.

стр. 3422

﴿لِّيَسْأَلَ﴾ ﴿الصادقين﴾ ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ (٨) - وَقَدْ أَخَذَ اللهُ تَعَالى المِيثَاقَ عَلَى الأَنبياءِ لِيَسْأَلَهُمْ عَمَّا أَجَابَتْهُمْ بِهِ الأُمَمُ التي أُرسِلُوا إِليها، وَعَمّا فَعَلَتْهُ الأُمَمُ فِيما بَلَّغَهُ المُرْسَلونَ إِليها مِنْ رِسَالَةِ رَبِّهِمْ، وَلِيَسْأَلْ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ، لِيُكَافِئَهُمْ عَلَيهِ، وَلِيَسْأَلَ الكَاذِبينَ عَنْ كَذِبِهِمْ، لِيُعاقِبَهُمْ عَلَيهِ، وَقَدْ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً فِي نَارِ جَهَنَّمَ.

стр. 3423

(٩) - وَبَعْدَ أَنْ أَمَرَ اللهُ تَعَالى عِبَادَهُ بِتَقْوَاهُ، وَبِعَدَمِ الخَوْفِ مِنْ سِوَاهُ، ذَكَّرَ عِبَادَهُ المُؤْمِنينَ بِمَا تَفَضَّلَ بِهِ عَلَيِْهِمْ مِنْ نِعَمٍ، وَمِنْ تَحْقِيقِ مَا وَعَدَهُمْ بهِ مِنْ نَصْرٍ، وَذَلِكَ حِينَمَا جَاءَتْهُمْ جُنُودُ الأَحْزَابِ، فَأْرْسَلَ اللهُ عَلَيهِمْ رِيحاً كَفَأَتْ قُدُورَهُمْ، واقْتَلَعَتْ خِيَامَهُمْ، وأَرْسَلَ إِليهِمْ مَلائِكَةً مِنْ عِنْدِهِ - وَهُمْ جُنُودُهُ، وَلَمْ يَرَهُمْ المُسْلِمُونَ - يُوقِعُونَ الخَوْفَ والرُّعْبَ والخِذْلاَنَ في نُفُوسِ المُشْرِكينَ، فَارْتَحلُوا فِي ليلةٍ شَاتِيةٍ شَديدَةِ البَرْدِ، وَكَانَ اللهُ بَصِيراً بِأَعْمَالِ المُؤْمِنينَ، وَصِدْقِ نِيَّاتِهِمْ، فَتَوَلَّى الدِفاعَ عَنْهُمْ. وَقِصَّةُ الأَحْزابِ كَمَا رَوَتْها كُتُبُ السِّيرَةِ كَانَتْ كَمَا يَلِي: إِنَّ نَفَراً مِنْ يَهُودِ المَدِينةِ جَاؤُوا إِلى قُرَيشٍ في مَكَّةَ، فِي شَوَّالٍ مِنْ سَنَةِ خَمْسٍ لِلْهِجْرَةِ يُحَرِّضُونَ المُشْرِكِينَ عَلى حَرْبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ جَاؤُوا إِلى قَبَائِل غَطْفَانَ وَقَيْسِ عَيْلاَنَ وَأَسَدٍ وَحَالَفُوهُمْ عَلَى أَنْ يَكُونُوا مَعَهُمْ عَلى الرِّسُولِ والمُسلِمينَ يَداً واحِدةً، فَخَرَجَتْ هذِهِ القَبَائِلُ إِلى المَدِينَةِ. وَلَمَّا عَلِمَ الرَّسُولَ بِمَسِيرِهِمْ إِليهِ، اسْتَشَارَ أَصْحَابَهُ، فَأَشَارَ عَليهِ سَلْمَانُ الفَارِسِيُّ بِحَفْرِ خَنْدَقٍ حَوْلَ المَدِينَةِ يُسَاعِدُ المُسْلِمينَ فِي مَنْعِ تَقَدَّمِ المُشركِينَ إلى دَاخِلها، فَقَامَ المُسْلِمُونَ بِذَلِكَ. وَلَمّا وَصَلَتِ القَبَائِلُ المُتَحَالِفَةُ إلى المَدِينةِ وَجَدُوا الخَنْدَقَ، فَحَاصَرُوا المَدِينَة، وَنَشِبَتْ مُنَاوشَاتٌ بينَ المُسْلِمينَ والمُشْرِكينَ. وَفي أثناءِ الحِصَارِ نَقَضَ بَنُو قُرَيْظَةَ عَهْدَهُمْ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ ، بِمَسْعَى مِنْ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ سَيِّدِ يَهُودِ بَنِي النَّضِيرِ الذِينَ أجْلاَهُمُ الرَّسُولُ إِلى خَيَبَر، فَشَّقَّ ذلكَ على المُسْلِمِينَ. ثُمَّ جَاءَ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ، وَهُوَ مِنْ غَطْفَانَ، إِلَىرَسُولِ اللهِ يُعْلِمُهُ أَنَّهُ أَسْلَمَ وَأَنَّ قَوْمَهُ لاَ يَعْلَمُونَ بإِسْلاَمِهِ، وَيَسْأَلُهُ أَنْ يَأْمُرَهُ بِمَا يَرَى فِيهِ، المَصْلَحَةَ لِلمُسْلِمِينَ. فَقَالَ لَهُ الرَّسُولُ إِنَّما أَنْتَ فِينَا رَجُلٌ وَاحِدٌ، والحَرْبُ خُدْعَةٌ فَخَذِّلْ عَنَّا مَنِ اسْتَطَعْتَ، فَذَهَبَ إِلى بَنِي قُرَيْظَةٍ - وَكَانَ يُخالِطُهُمْ في الجَاهِلِيَّةِ - فَقَالَ لَهُمْ: لَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ قُريشاً وَمَنْ مَعَها مِنَ القَبَائِلِ لَيْسَ لَهُمْ مُقَامٌ فِي المَدِينَةِ، وأَنَّهُمْ إِذا مَا عَضَّتْهُمُ الحَرْبُ انْسَحَبُوا إِلى بِلادِهِمْ، وَتَبْقَوْنَ أَنْتُم وَحْدَكُمْ مَعَ مُحَمَّدٍ، وَأَنْتُمْ لاَ قِبَلَ لَكُمْ بِهِ وَحْدَكُمْ، وَالرَّأيُ أَنْ تَطْلُبُوا رَهَائِنَ مِنْ هذِهِ القَبَائِلِ التِي تُحَاصِرُ المَدِينَةَ لِكَيْلا يَنْسَحِبُوا وَيَتَرَاجَعُوا عَنْ قِتالِ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ قَبْلَ القَضَاءِ عَلَيْهِمْ، فَفَعَلُوا. وَذَهَبَ إلى قُرَيشٍ وَغَطْفَانَ وَالقَبَائِلِ الأُخْرَى يَقُولُ لَهُمْ إِنَّ بَنِي قُرَيْظَةَ نَدِمُوا عَلَى نَقْضِ عَهْدِهِمْ مَعَ مُحَمَّدٍ، وَإِنَّهُمْ وَعَدُوهُ بِأَنْ يُسَلِّمُوهُ وُجُوهَ القَبَائِلِ لِيَضْرِبَ أَعْنَاقَهُمْ، عَلَى أَنْ يَعُودَ الَعهْدُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ إِلى مَا كَانَ عَلَيهِ مِنْ قَبْلُ. فَدَبَّ الخِلافُ والخِذْلانُ، وَسَادَ التَّشَكُّكُ بَيْنَ القَبَائِلِ وَبَيْنَ بَنِي قُرَيْظَةَ، وَاسْتَشْعَر كُلُّ فَريقٍ الحَذَرَ مِنَ الآخَرِ. وفِي لَيلَةٍ شَاتِيةٍ هَبَّتْ رِيحٌ شَدِيدةٌ بَارِدَةٌ أَخَذَتْ تَكْفَأُ القُدُورَ، وَتَقْتَلِعُ الخِيَامَ، فَنَادَى أَبُو سُفَيَانَ بِالرَّحِيلِ في النَّاسِ فَارْتَحَلُوا. جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ - الأَحْزَابُ يَومَ الخَنْدَقِ.

стр. 3424

﴿الأبصار﴾ ﴿جَآءُوكُمْ﴾ (١٠) - حِينَ جَاءَتْكُمْ الأَحْزَابُ مِنْ أَعْلَى الوَادِي (مِنْ جِهَةِ المَشْرِقِ) ، وَمِنْ أَسْفَلِهِ (مِنْ جِهَةِ المَغْرِبِ) ، وَحينَ زَاغَتِ الأَبْصَارُ واضْطَرَبَتِ الرُّؤيةُ مِنَ الخَوْفِ والفَزَعِ الذي اعْتَرى المُسْلِمينَ، وَبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَنَاجِرَ (وَهُوَ تَعْبيرٌ عَنِ الضِّيقِ وشِدَّةِ الخَوْفِ وَالفَزَعِ واليَأْسِ الذي اعْتَرَى المُسْلِمِينَ) وَنَشَطَ المُنَافِقُونَ يُرْجِفُونَ في المَدِينةِ، وَيُثِيرُونَ الشُّّكُوكَ بالإِشَاعَاتِ الكَاذِبَةِ المُثَبِّطَةِ التِي كَانُوا يَنْشُرُونَها لإِضْعَافِ ثِقةِ المُؤْمِنينَ بِأَنْفُسِهِمْ، وَبِقُدْرَتِهِمْ عَلى القِتَالِ، حَتَّى ظَنَّ بَعْضُ ضِعَافِ النُّفُوسِ والإِيمَانِ أَنَّ الأًَحزَابَ سَيَسْتَأْصِلُونَ شَأْفَةَ المُسْلِمينَ. وَقَالَ مَعْتِبُ بَنْ قُشَيْرٍ: كَانَ مُحَمَّدٌ يَعِدُنا أَنْ نَأْكُلَ كُنُوزَ كِسْرَى وَقَيْصَرَ، وأَحَدُنا لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَذْهَبَ إِلى الغَائِطِ. أَمَّا المُؤمِنُونَ المُخْلِصُونَ فَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ مَا وَعَدَهُمُ اللهُ وَرَسُولَهُ حَقٌّ، وَأَنَّ الله سَيَنْصُرُ المُسْلِمِين، وَسَيَنْصُرُ دِينَهُ وَيُظْهِرُهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ. زَاغَتِ الأَبْصَارُ -مَالَتْ عَنْ سَمْتِهَا حِيرَةً وَدَهْشَةً. بَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ - تَمْثِيلٌ لِشِدَّةِ الخَوْفِ.

стр. 3425

(١١) - وَفِي ذَلِكَ الحِينِ امْتَحَنَ اللهُ المُؤْمِنينَ وَمَحَّصَهُمْ أَشَدَّ التَّمْحِيصِ، فَظَهَرَ المُخْلِصُ الرَّاسِخُ الإِيمَانِ، مِنَ المُنَافِقِ المُتَزَلْزِلِ، واضْطَرَبُوا اضْطِراباً شَديداً مِنَ الخَوْفِ الذِي أَصَابِهُمْ. ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ - اخْتُبِرُوا بالشَّدَائِدِ وَمُحِّصُوا. زُلْزِلُوا -اضْطَرَبُوا كَثِيراً مِنْ شِدَّةِ الفَزَعِ.

стр. 3426

﴿المنافقون﴾ (١٢) - أَمَّ المُنَافِقُونَ فَظَهَرَ نِفَاقُهُمْ، فَقَالَ مُعْتِبُ بْنُ قُشَيْرٍ مَا قَالَ، وَقَالَ ضِعَافُ الإِيمَانِ وَالذِينَ فِي أًنْفُسِهِمْ رِيبَةٌ وَشَكٌ، لِقُرْبِ عَهْدِهِمْ بالإِسْلامِ - ﴿الذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ : ﴿مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً﴾ ، أَيْ لَمْ يكَنْ مَا وَعَدَنا بِهِ اللهُ مِنَ النَّصْرِ وَالظَّفِرِ بِالعَدُوِّ إِلا وَعْداً يَغُرُّنَا وَيَخْدَعُنا. غُرُوراً - خِدَاعاً وَبَاطِلاً.

стр. 3427

﴿طَّآئِفَةٌ﴾ ﴿ياأهل﴾ ﴿يَسْتَأْذِنُ﴾ (١٣) - وَاذْكُرْ يَا مُحَمَّدُ حِينَ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنَ المُنَافِقينَ (كَعَبدِ اللهِ بْنِ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولٍ وأَصْحَابِه) : يَا أَهْلَ المَدينةِ (يَثْرِبَ) لَيْسَ هذا المُقَامُ، الذي تُقِيمُونَهُ مُرَابِطِينَ مَعَ النَّبِيِّ، بِمُقَامٍ صَالِحٍ لَكُمْ، فَارْجِعُوا إِلى مَنَازِلِكُمْ لِتَحْمُوهَا، وَلِتُدَافِعُوا عَنْها وعَنْ عِيَالِكُمْ. واسْتَأْذَنَ فَريقٌ منْهُمُ النَّبِيَّ ﷺ طَالِبينَ السَّمَاحَ لَهُمْ بِالعَوْدَةِ إِلى مَنَازِلِهِمْ (وَهُمْ بَنُو حَارِثَةَ) ، وَقَالُوا إِنَّهُمْ يَخَافُونَ عَلى بُيُوتِهِمِ السُّرَّاقَ، وأَ، َّ بُيُوتَهُمْ ليسَ لَهَا مَنْ يَحْمِيها (عَوْرَةٌ) . وَيَرُدُّ اللهُ تَعَالى عَلَى هؤُلاءِ قَائِلاً: إِنَّ بُيُوتِهم لَيْسَتْ عَوْرَةً، وَلاَ مُهَدَّدَةً مِنْ أَحَدٍ كَمَا يَزْعُمُونَ، وَإِنَّما يُريدُونَ الفِرَارَ وَالهَرَبَ مِنَ القِتَالِ، وَعَدَمِ إِعَانَةِ المُسْلِمِينَ فِي حَرْبِهِمْ أَعْدَاءَ اللهِ. يَثْرِبِ - اسْمُ المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ قَدِيماً. لاَ مُقَامَ لَكُمْ - لا إِقَامَةَ لَكُمْ هَهُنَا. بُيُوتَنا عَوْرَةٌ - قَاصِيَةٌ، يُخْشَى عَلَيها العَدُوُّ. فِراراً - هَرَباً مِنَ القِتَالِ مَعَ المُؤْمِنِينَ.

стр. 3428

﴿سُئِلُواْ﴾ (١٤) - وَلَوْ دَخَلَ عَلَيهِمُ الأَعْدَاءُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ مِنْ جَوانِبِ المَدِينَةِ، وكُلِّ قُطْرِ مِنْ أَقْطَارِها (وَقيلَ بَلِ المَقْصُودُ بُيُوتُهُمْ) وَطَلبُوا إِليهِم الارْتِدَادَ عَنِ الإِسْلامِ، والعَوْدَةَ إِلى الشِّرْكِ، (لَو سُئِلُوا الفِتْنَةَ) لَفَعَلُوا ذَلِكَ سَرِيعاً دُونَ تَرَدُّدِ مِنْ شِدَّةِ الهَلَعِ وَالجَزَعِ، وَهذا دَلِِيلٌ عَلَى ضَعْفِ إِيمَانِهِمْ. مِنْ أَقْطَارِها - مِنْ نَوَاحِيها وَجَوانِبِها. سُئِلُوا الفِتْنَةَ - طُلِبَ مِنْهُمْ مُقَاتَلَةُ المُسْلِمِينَ أَوِ الارتِدادُ عَنِ الإِسْلاَمِ. مَا تَبَبِّثُوا بِهَا - مَا تَأَخَّرُوا عَنِ القِيَامِ بِمَا يُطْلَبُ مِنْهُمْ.

стр. 3429

﴿الأدبار﴾ (١٥) - وَكَانَ هؤلاءِ المُسْتَأْذِنُونَ - وَهُمْ بَنُوا حَارِثَةَ - قَدْ هَرَبُوا مِنَ القِتَالِ يَوْمَ أُحُدٍ، وَفَرُّوا مِنْ لِقَاءِ العَدُوِّ، ثُمَّ تَابُوا وَعَاهَدُوا اللهَ عَلَى أَلاَّ يَعُودُواإِلى مِثْلِها، وَلاَ يَنْكُصُوا عَلَى أَعْقَابِهِمْ، وَمَنْ عَاهَدَ اللهَ فإِنَّ اللهَ سَيَسْأَلُهُ عَنْ عَهْدِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَيَجْزِيهِ بِه.

стр. 3430

(١٦) - فَقُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهؤلاءِ المُسْتَأْذِنِينَ الهَارِبينَ مِنْ قِتَالِ العَدُوِّ وَلِقَائِهِ: إِنَّ الفرَارَ مِنَ القِتَالِ لَنْ يَنْفَعَكُمْ وَلَنْ يَدْفَعَ عَنْكُمْ مَا قَضَاهُ اللهُ عَلَيْكُمْ مِنْ مَوْتٍ أَوْ قَتْلٍ، وَإِذا نَفَعَكُمْ الفِرَارُ فَلَمْ تُقْتَلُوا فِي سَاحَةِ الحَرْبِ، فَإِنَّ بَقَاءَكُمْ فِي الدُّنيا مَحْدُودُ الأًَجْلِ، وَمَتَاعَكُمْ فِيها مَتَاعٌ قَليلٌ، وَسَيَأْتي المَوْتُ في الموعِدِ المُحَدَّدِ لاً يَتَأَخَّرُ وَلاَ يَتَقَدَّمُ.

стр. 3431

(١٧) - وَقُلْ لَهُمْ: لَيْسَ فِي الأَرْضِ أَحَدُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَمْنَعَ قَضَاءَ اللهِ مِنْ أَنْ يَصِلَ إِليكُمْ، فَإِنْ أَرَاد اللهُ بِكُمْ شَراً فَلاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَرُدَّهُ عَنْكُمْ، وَلاَ أَنْيَحُولَ دُونَ وَقُوعِهِ بِكُمْ: وَإِنْ أَرَادَ بِكُمْ خَيْراً وَرَحْمَةً، فَلا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَحُولَ دُونَ وَصُولِ ذلك إِلَيْكُمْ، فَالأَمْرُ كُلُّهُ بِيَدِ اللهِ، يُصَرِّفُهُ كَيْفَ يَشَاءُ. وَلَنْ يَجِدَ هؤلاءِ المُنَافِقُونَ وَلِيّاً لَهُمْ غيرَ اللهِ، وَلاَ نَاصِراً يَدْفَعُ عَنْهُمْ مَا قَضَاهُ اللهُ، وَمَا قَدَّرَهُ عَلَيهِمْ مِنْ سُوءٍ وَبَلاَء. يَعْصِمُكُمْ - يَمْنَعُكُمْ مِنْ قَدَرِ اللهِ.

стр. 3432

﴿القآئلين﴾ ﴿لإِخْوَانِهِمْ﴾ (١٨) - إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ حَقَّ العِلْمِ الذينَ يَقُومُونَ بِتَثْبِيطِ هِمَمِ النَّاسِ عَنِ القِتَالِ والثَّبَاتِ مَعَ رَسُولِ اللهِ، وَيَصْرِفُونَهُمْ عَنْ شُهُودِ الحَربِ مَعَهُ، وَيَعْلَمُ الذينَ يَقُولُونَ لأَصْحَابِهِمْ وَعُشَرائِهِمْ: أَسْرِعُوا إِلينا، وأَقبِلُوا عَلَى مَا نَحْنُ فيهِ مِنْ طَيبِ المَقَامِ فِي الظِّلالِ والثِّمَارِ (هَلُمَّ إِلينا) ، وَهُمْ لاَ يَحْضُرُون إِلى مُعْسَكَرِ المُسْلِمِينَ إِلا وَقْتاً قَصِيراً يُثْبِتُونَ فيهِ وُجُودَهُم أمَامَ النَّاسِ، ثُمَّ يَخْتَفُونَ مُتَسَلِّلِينَ إِذا غَفَلَ النَّاسُ عَنْهُمْ. المُعَوِّقِينَ - المُثَبِّطِينَ مِنْكُمْ عَنِ الرَّسُولِ. هَلُمَّ إلينا - أقْبِلُوا أَوْ قَرَّبُوا أًَنْفُسَكُمْ إِلينا. البَأْسَ - الحَرْبَ والقِتَالَ.

стр. 3433

﴿أولئك﴾ ﴿أَعْمَالَهُمْ﴾ (١٩) - وَهُمْ بُخَلاء شَحِيحُونَ، لا يَمُدُّونَ المُؤْمِنِينَ بِالنَّفَقَةِ وَالمَالِ، وَلا يُقَدِّمُونَ لَهُمُ العَوْنَ والنُّصْرَةَ بالنَّفْسِ. فَإِذا بَدَأَتِ الحَرْبُ، والتَحَمَ المُقَاتِلُونَ رَأَيْتَهُمْ وَقَدِ اعْتَراهُم الخَوْفُ والهَلَعُ يَنْظُرُونَ إِليكَ يَا مُحَمَّدُ وَأَعْيُنُهُمْ تَدُورَ خَوْفاً وَفَرقاً، كَدَوَرانِ عَيْنِ الذِي غَشِيَهُ المَوْتُ، وَقَرُبَ مِنْهُ، فَتَجْمدُ عَيْنُهُ وَلا تَطْرِفُ. أَمَّا إِذَا ذَهَبَ الخَوْفُ وَأَسْبَابُهُ، وَعَادَ الأَمْنُ إِلى النُّفُوسِ، فَإِنَّهُمْ يَرْفَعُونَ أَصْواتَهُمْ، وَيَتَكَلَّمُونَ عَنِ النَّجْدَةِ والشَّهَامَةِ، والبُطُولاتِ التي أَظْهَرُوها في مَيدَانِ المَعْرَكَةِ، وَهُمْ في هذا كَاذِبُونَ. وَإِذا ظَهَرَ المُؤْمِنُونَ في الحَرْبِ فهُمْ بُخَلاَءُ حَرِيصُونَ عَلَى أَلاَّ يَفُوتَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ المَغَانِمِ، فَهُمْ حِينَ البَأسِ جُبَنَاءُ، وَحِينَ الغَنِيمَةِ أَشِحَّاءٌ (وَقيلَ بَلِ المَعْنَى هُو: فَإِذا ذَهَبَ الخَوْفُ بَالُوا في شَتْمِكُمْ وَذَمِّكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ مَشْحُوذَةٍ قَاطِعَةٍ) . وَهؤُلاءِ، الذِينَ بَسَطَ اللهُ تَعَالى أَوْصَافَهُمْ، لَمْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ إِيمَاناً صَادِقاً، وَلَمْ يُخْلِصُوا العَمَلَ لأَنَّهُمْ أهْلُ نِفَاقٍ فَأَهْلَكَ اللهُ أَعْمَالَهُمْ، وَأَبْطَلَها، وَأَذْهَبَ ثَوَابَها وأُجُورَها، وَجَعَلَهَا هَبَاءً مَنْثُوراً، وَكَانَ إِحْبَاطُ أَعْمَالِهِمْ أَمراً يَسِيراً عَلَى اللهِ. يُغْشَى عَلَيهِ مِنَ المَوْتِ - تُصِيبُهُ عَشْيَةٌ مِنْ سَكَراتِ المَوْتِ. سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ - اسْتَقْبَلُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ. أَشِحَّةً على الخَيْرِ - لَيْسِ فِيهِمْ خَيْرٌ، جَمَعُوا الجُبْنَ وَالكَذِبَ، وَالحِرْصَ وَقِلَّةَ الخَيْرِ.

стр. 3434

﴿يَسْأَلُونَ﴾ ﴿أَنبَآئِكُمْ﴾ ﴿قاتلوا﴾ (٢٠) - وَهُمْ مِنْ شِدَّةِ دَهْشَتِهِمْ، وَضَعْفِ إِيمَانِهِمْ لاَ يَزَالُونَ يَظُنُّونَ أَنَّ الأَحزابَ مِنْ قُرَيشٍ وغَطْفَانَ. . لَمْ يَرْحَلُوا عنِ المَدِينةِ، وَقَدْ هَزَمَهُمُ اللهُ وَرَحَلُوا. وإِذا عَاد الأَحْزَابُ مَرَّةً أُخْرى لِقتَالِ المُسْلِمِينَ فِي المَدينةِ وَحِصَارِها، تَمَنُّوا لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا مُقِيمِينَ فِي البَادِيةِ بينَ الأعرابِ بَعِيداً عن المَدينةِ، حَتَّى لا يَلْحَقَ بِهِمْ مَكْرُوهٌ، وَيَكْتَفُونَ بالسُّؤَالِ عنْ أًَخْبَارِكُمْ كُلَّ قَادِمٍ إِليهِمْ مِنْ جِهَةِ المَدينةِ. وَلَوْ أَنَّ هؤُلاءِ المُنَافِقِينَ كَانُوا بَيْنَكُمْ أَثْنَاءَ القِتَالِ لمَا قَاتَلُوا مَعَكُمْ إِلاَّ قِتَالاً يَسيراً رِيَاءً وَخَوْفاً مِنَ المَعْرَكَةِ، لا قِتَالاً يَرْجُونَ بِهِ ثَوابَ اللهِ في الآخِرَةِ. بَادُونَ في الأعْرَابِ - كَانُوا مَعَ الأعْرابِ فِي البَادِيَةِ.

стр. 3435

﴿يَرْجُو﴾ (٢١) - يَحُثُّ اللهُ تَعَالى المُؤْمِنينَ عَلَى الاقْتِدَاءِ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ والتَّأَسِّي بِهِ فِي صَبْرِهِ وَمَصَابَرَتِهِ وَمُرَابِطَتِهِ وَمُجَاهَدَتِهِ فَقَالَ لِلَّذِينَ أَظْهَرُوا الضَّجَرَ وَتَزَلْوَلُوا واضْطَربُوا فِي أَمْرِهِمْ يَوْمَ الأَحْزابِ: هَلاَّ اقْتَدَيْتُمْ بِرَسُولِ اللهِ، وتَأَسَّيْتُمْ بِشَمَائِلِهِ فَلَكُمْ في رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ إِنْ كُنْتُمْ تَبْتَغُونَ ثَوابَ اللهِ، وَتَخَافُونَ عِقَابَهُ، وَتَذْكُرونَ اللهَ ذِكْراً كَثيراً، فَذِكْرُ اللهِ يُؤَدِّي إِلى أُسْوَةٌ حَسَنٌ - قُدْوَةٌ صَالِحَةٌ فِي كُلِّ أَمْرٍ.
следующие страницы →