← Тафсир

Тафсир · id 1787

أيسر التفاسير لأسعد حومد

أسعد حومد

Полный текст (6 113 стр.). Показаны 3466–3505 · переход к 3471.

стр. 3466

﴿أَزْوَاجٍ﴾ (٥٢) - هذِهِ الآيةُ نَزَلَتْ مُكَافَأَةً النَّبِيِّ ﷺ عَلَى حُسْنِ صَنِيعِهِنّ في اخْتِيارِهِنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ والدَّارَ الآخِرَةَ حِينَما خَيَّرَهُنَّ الرَّسُولُ. فَلَمَّا اخْتَرْنَ الله وَرَسُولَهُ كَانَ جَزَاؤُهُنَّ أَنَّ اللهَ تَعَالى قَصَرَهُ عَلَيْهِنَّ، وَحَرَّمَ عَلَيهِ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِغَيْرِهِنَّ، أَوْ أَنْ يَسْتَبْدِلْ بِهِنَّ أَزْوَاجاً غَيْرَهُنَّ بِأَنْ يُطلِّقَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ وَيَتَزَوَّجَ غَيرَها، إِلاَ مَا مَلَكَتْ يِمِينُهُ. وَقَدْ مَلَكَتْ يَمِينُهُ بَعْدَ ذَلِكَ مَارِيَّةَ القِبطِيَّة فَتَسَرّاهَا وَأَولَدَها إِبراهِيمَ وَمَاتَ رَضِيعاً. وَكَانَ اللهُ حَافِظاً وَمُطَّلِعاً عَلَى كُلِّ شَيءٍ، عَلِيماً بالسِّرِّ والنَّجْوَى، فَاحْذَرُوا تَجَاوُزَ حُدُودِهِ، وَتَخَطَّيَ حَلاَلِهِ إِلى حَرَامِهِ. (وَقِيلَ إِنَّ مَعْنَى -لاَ يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدَ) هُوَ مِنْ بَعدِ مَا ذَكَرْنا مِنْ صِفَةِ النِّسَاءِ اللاَتِي أَحْلَلْنا لَكَ مِنْ نِسَائِكَ اللاتي آتيتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَبناتِ الأَعْمَامِ والعَمَّاتِ وَبَنَاتِ الأَخْوَالِ والخَالاَتِ، وَالوَاهِبَاتِ أَنْفُسَهُنَّ. أَمَّ مَا سِوَى ذلِكَ مِنْ أَصْنافِ النِّسَاءِ فَلاَ يَحِلُّ لَكَ) . رَقِيباً - حَفِيظاً وَمُطَّلِعاً.

стр. 3467

﴿ياأيها﴾ ﴿آمَنُواْ﴾ ﴿نَاظِرِينَ﴾ ﴿إِنَاهُ﴾ ﴿مُسْتَأْنِسِينَ﴾ ﴿مَتَاعاً﴾ ﴿فاسألوهن﴾ ﴿أَزْوَاجَهُ﴾ (٥٣) - يَا أَيُّها المُؤِمنُونَ لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ ﷺ إِلاَّ أَنْ تُدْعَوْا إِلى طعام تَطْعَمُونَهُ غَيْرَ مُنْتَظِرِينَ إِدْرَاكَ نُضْجِهِ، (أَي إِذا دُعِيتُم إِلى طَعَامٍ في بَيْتِ رَسُولِ اللهِ فَلا تَدْخُلُوا إِلا إِذَا عَلِمْتُمْ أَنَّ الطَّعَامَ قَدْ تَمَّ نُضْجُهُ وإِعْدَادُهُ) وَلكِنْ إِذا دَعَاكُمُ النَّبِيُّ إِلى الدُّخُولِ فَادخُلُوا، فَإِذَا أَكَلْتُمُ الطَّعَامَ فَانصَرِفُوا، وَلا تَمْكُثُوا فِيهِ لِتَبَادُلِ الحَدِيثِ، فَذَلِكَ اللُبْثُ، بَعْدَ تَنَاوُلِ الطَّعَامِ، كَانَ يُؤِْي النَّبِيَّ، وَيُثْقِلُ عَليهِ وَعَلى أَهْلِهِ، وَلكِنَّهُ كَانَ يَسْتَحْيِي مِنْ أَنْ يَقُولَ لَكُمْ ذَلِكَ، وَأَنْ يَدْعُوَكُمْ إِلى الانْصِرَافِ، وَاللهُ الذِي يُريدُ أَنْ يُحْسِنَ تَرِبيتَكم وَتَأدِيبكُمْ، يُريدُ أَنْ يَقُولَ لَكُمُ الحَقَّ لتَعمَلُوا بِهِ، فَإِذا طَعِمْتُم فِي بَيتِ النَّبِيِّ ﷺ فَاخْرُجُوا، وَلاَ تَقْعُدُوا لِلْحَدِيثِ. وَإِذا طَلَبْتُم مِنْ أَزواجِ النَّبِيِّ وَنِسَاءِ المُؤمِنِينَ شَيئاً تَتَمَتَّعُونَ بِهِ، مِنْ مَاعُونٍ، وَغيرِهِ، فَاطْلُبُوهُ مِنْ وَرَاءِ سِتْرٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُنَّ. وَذلِكَ الدُّخُولُ بَعْدَ الاسْتِئِذَانِ، وَعَدَمُ البَقَاءِ بَعْدَ الطَّعَامِ للاسْتِئْنَاسِ بِالحَدِيثِ، وَسُؤالُ نِسَاءِ النَّبِيِّ المَتَاعَ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ. . كُلُّ ذَلِكَ أَطْهَرُ لِقُلُوبِ الرِّجَالِ وَقُلُوبِ النِّسَاءِ مِنْ وَسَاوِسِ الشَّيْطَانِ، وَأَبْعَدُ عَنْ الرِّيبِ والشُّكُوكِ، وَلاَ يَنْبَغِي لِلْمُؤِمِنينَ أَنْ يَفْعَلُوا فَعْلاً فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ يُؤْذِيهِ وَيُزْعِجُهُ، وَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُؤْذُوهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ بِالتَّزَوٌّجِ بِنِسَائِهِ. فَإِيذَاءُ النَّبِيِّ فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَ مَمَاتِهِ هُوَ أَمْرٌ عَظِيمٌ لاَ يُقَدِّرُ قَدْرَهُ إِلاَّ اللهُ تَعَالى. (وَقَدْ سُمِّيت هذِهِ الآيةُ بآيَةِ الثُّقَلاءِ) . غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاءُ - غَيْرَ مُنْتَظِرِينَ نُضْجَهُ. فَانْتَشِرُوا - فَتَفَرَّقُوا وَلاَ تَمْكُثُوا عِنْدَهُ. سَألتُمُوهُنَّ مَتَاعاً - حَاجَةً يُنْتَفَعُ بِهَا.

стр. 3468

(٥٤) - إِنْ تُظْهِرُوا شَيئاً مِمَّا يُؤْذِي النَّبِيَّ، أَوْ تُخْفُوهُ فِي صُدُورِكُمْ، فَإِنَّ الله كَانَ عَليماً بِكُلِّ شَيءٍ، فَهُوَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّهُ الضَّمَائِرُ، وَمَا تَنْطَوِي عَليهِ السَّرائِرُ، وَلاَ تَخْفَى عَليهِ مِنَ النَّاسِ خَافِيةٌ، ثُمَّ يُجَازِي كُلَّ وَاحِدٍ عَلَى حَسْبِ فِعْلِهِ وَنَوَايَاهُ. (وَرُوِيَ فِي سَبَبِ نُزُولِ هذِهِ الآيةِ: لَمَّا نَزَلَتْ آيَةٌ الحِجَابِ قَالَ رَجُلٌ: أنُنْهَى أَنْ نُكَلِّمَ بَنَاتِ أَعْمَامِنَا إِلاّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ؟ لَئِنْ مَاتَ مُحَمَّدٌ لَنَتَزَوَّجَنَّ نِسَاءَهُ) .

стр. 3469

﴿آبَآئِهِنَّ﴾ ﴿أَبْنَآئِهِنَّ﴾ ﴿إِخْوَانِهِنَّ﴾ ﴿أَخَوَاتِهِنَّ﴾ ﴿نِسَآئِهِنَّ﴾ ﴿أَيْمَانُهُنَّ﴾ (٥٥) - اسْتثْنَى اللهُ تَعَالى فِي هذِهِ الآيةِ مَنْ يَحِلُّ لَهُمْ أَنْ يُكَلِّمُوا نِسَاءَ النَّبِيِّ (وَالنِّسَاءَ عَامَّةً) ، مِنْ دُونِ حِجَابٍ، وَهُمُ الآبَاءُ والأَبْنَاءُ والإِخْوَةُ وَأَبْنَاءُ الإِخْوَةِ وأَبْنَاءُ الأَخَوَاتِ، والنِّسَاءُ المُسْلِمَاتُ، والعَبيدُ الذِينَ يَمْلِكْنَ رِقَابَهُمْ لأَنَّ فِي الاحْتِجَابِ عَنْهُمْ حَرَجاً وَمَشَقَّةً، لأَنَّهُمْ يَقُومُونَ بالخِدْمَةِ عَلَيْهِنَّ. ثُمَّ أَمَرَ اللهُ نِسَاءَ النَّبِيِّ بِأنْ يَخْشَيْنَ اللهَ فِي السِّرِّ والعَلَنِ، فَإِنَّهُ شَهِيدٌ عَلَى كُلِّ شَيءٍ، وَلاَ تَخْفَى عَليهِ خَافِيةٌ.

стр. 3470

﴿مَلاَئِكَتَهُ﴾ ﴿ياأيها﴾ ﴿آمَنُواْ﴾ (٥٦) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالى عِبَادَهُ المُؤْمِنينَ بِمَنْزِلَةِ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ مُحمَّدٍ ﷺ فِي المَلإِ الأَعْلَى، وَأَنَّ المَلائِكَةَ تَسْتَغفِرُ لَهُ، ثَمَّ أَمَرَ اللهُ عِبَادَهُ بالصَّلاة والسَّلامِ عَلى نَبِيِّهِ ﷺ لِيَجْتَمِعَ لَهُ الثَّنَاءُ عَلَيهِ مِنْ أَهْلِ العَالَمَيْنِ: العُلْوِيِّ وَالسُّفْلِيِّ. (وَقَالَ رَسُولُ ﷺ : " إِنَّ جِبِرْيلَ، ﵇، أَتَانِي فَبَشَّرَني أَنَّ اللهَ يَقُولُ لَكَ: مَنْ صَلَّى عَليكَ صَلَّيْتُ عَليهِ، وَمَنْ سَلَّمَ عَلَيكْ سَلَّمْتُ عَلَيْهِ ") (رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ) .

стр. 3471

﴿الآخرة﴾ (٥٧) - إِنًَّ الذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ فَيَرْتَكِبُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ مِنَ الكُفْرِ وَالمَعَاصِي، (وَمِنْهُمُ اليَهُودُ الذِينَ قَالُوا: يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ، والنَّصَارَى الذِينَ قَالُوا المَسيحُ ابْنُ اللهِ، والمُشْرِكُونَ الذِينَ قَالُوا: المَلاَئِكَةُ بَنَاتُ اللهِ. .) وَالذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ (كالذينَ قَالُوا شَاعرٌ وَكَاهِنٌ وَالذينَ آذَوْهُ بِعَيرِ ذَلِكَ مِنَ الأقوالِ وَالأَفْعَالِ. .) فَإِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِهؤلاءِ وَهؤُلاءِ عَذَاباً مُهِيناً، يَومَ القِيَامَةِ، بِجَعْلِهِمْ فِي مُقَامِ الزِّرَايَةِ والاحْتِقَارِ وَالخِزْيِ.

стр. 3472

﴿المؤمنات﴾ ﴿بُهْتَاناً﴾ (٥٨) - والذَينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنينَ وَالمُؤْمِنَاتِ، بِأَنْ يَنْسبُوا إِليهِمْ أَعْمَالاً لَمْ يَعْمَلُوهَا عَلى سَبيلِ العَيْبِ والتَّنَقُّصِ، فَإِنَّهُمْ يَكُونُونَ قَدِ اجْتَرحُوا كَذِباً فَظِيعاً، وَذَنباً عَظِيماً وَاضِحاً، فَالذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ، وَالذِينَ يُؤْذُونَ الرَّسُولَ يُؤْذُونَ اللهَ. (وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أَرْبى الرِّبا عِنْدَ اللهِ اسْتِحَلاَلُ عِرْضِ امرِيءٍ مُسْلِمٍ، ثُمَّ قَرأَ هذِهِ الآيةَ ") . (أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ) . بُهْتَاناً - فِعْلاً شَنِيعاً - أَو كَذِباً فَظِيعاً.

стр. 3473

﴿ياأيها﴾ ﴿لأَزْوَاجِكَ﴾ ﴿جَلاَبِيبِهِنَّ﴾ (٥٩) - يَأْمُرُ اللهُ تَعَالى رَسُولَه ﷺ بأَنْ يَأْمُرَ نِسَاءَهُ وَبَنَاتِهِ والنِّسَاءَ المُؤْمِنَاتِ، بِأَنْ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلاَبِيبِهِنَّ، وَأَن يُغَطِّينَ وُجُوهَهُنَّ مِنْ فَوْقِ رُؤُوسِهِنَّ، وَأَنْ يُغَطِّينَ ثَغْرَةَ نُحُورِهِنَّ بِالجَلابِيبِ التِي يُدْنِينَهَا عَلَيهِنَّ. وَالغَايَةُ مِنْ ذَلِكَ التَّسَتُّرُ، وَأَن يُعْرَفْنَ بِأَنَّهُنَّ حَرَائِرُ فَلا يُؤْذِيهِنَّ أَحَدٌ، وَلا يَتَعَرَّضُ لَهُنَّ فَاسِقٌ بِأَذى وَلا رِيبَةٍ، وَرَبُّكُمْ غَفَّارٌ لِمَا عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدْ صَدرَ مِنَ الإْخْلاَلِ بالسِّتْرِ، كَثِيرُ الرَّحْمَةِ لِمَنِ امْتَثَلَ أَمْرَهُ، وَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ عَمَّا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ قَدْ قَصَّرَ فِي مُرَاقَبَتِهِ فِي أُمُورِ التَّسَتُّرِ يُدْنِينَ عَلَيهِنَّ - يُرْخِينَ وَيُسْدِلْنَ عَلَيْهِنّ. جَلاَبِيبِهِنَّ - مَا يَسْتَتِرْنَ بِهِ كَالمِلاَءَةِ.

стр. 3474

﴿لَّئِن﴾ ﴿المنافقون﴾ (٦٠) - لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ المُنَافِقُونَ الذِينَ يُظْهِرُونَ الإِيمَانَ، وَيُبْطِنُونَ الكُفْرَ، وَأَهْلُ الرِّيَبِ والشُّكُوكِ والفُسُوقِ (الذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) الذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ باتِّباعِ نِسَائِهِمْ، والإِسَاءَةِ إِلَيهِنَّ، وَلئِنْ لَمْ يَنْتَهِ المُرْجِفُونَ الذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَالمُؤْمِنينَ بِنَشْرِ الشَّائِعَاتِ الكَاذِبَةَ المُثَبِّطَةِ لِهِمَمِ المُؤْمِنِينَ وَعَزَائِمِهِمْ (كَقَوْلِهِمْ مُحَمَّدٌ غُلِبَ، وَجَاءَتْ جُيُوشٌ مُشْرِكَةٌ لِحَرِبِ المُسلِمينَ لا قِبلَ لَهُمْ بِهَا. . .) لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ هؤلاءِ جَمِيعاً، فَإِنَّ الله سَُسَلِّطُ رَسُولَهُ عَلَيهِمْ، وَيُغْرِيهِ بِقَتَالِهِمْ وَإِجلائِهِمْ عَنْ المَدينةِ فَلا يَسْكُنُونَ مَعَهُ فِيها، وَلا يَمْضِي وَقْتٌ قَصِيرٌ حَتَّى تَخْلُوَ المَدِينَةُ مِنْهُمْ. المُرِجِفُونَ - المُشِيعُونَ للأَخْبَارِ الكَاذِبَةِ. لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ - لَنُسَلِّطَنَّكَ عَلَيهِمْ.

стр. 3475

(٦١) - وَسيَكُونُونَ خِلاَلَ هذل الوَقْتِ القَصِيرِ الذِي يَبْقونَ فِيهِ فِي المَدينةِ مَلْعُونِينَ، مَطْرُودِينَ مِنْ رَحْمَة اللهِ، وَإِذا خَرَجُوا تَبْقَى الذِّلَّةُ مُلازِمَةً لَهُمْ، وَلا يَجِدُونَ مَلْجأً يَعْصِمُهُمْ مِنْ بَأْسِ المُؤْمِنينَ، فَأْيْنَما وُجِدُوا كَانُوا فِي ذِلَّةٍ مُعَرَّضِينَ للأَخْذِ وَالقَتْلِ في كُلِّ حِينٍ. ثُقِفُوا - وُجِدُوا وأَدْرِكُوا.

стр. 3476

(٦٢) - وَهذِهِ هِيَ سُنَّةُ اللهِ، وَهذَا هُوَ شَرْعُهُ فِي المُنَافِقِينَ، وَفِي أَمْثَالِهِمْ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكانٍ، إِذا اسْتَمَرُّوا عَلَى كُفْرِهِمْ وَعِنَادِهِمْ، وَلَمْ يَرْجِعُوا عَمَّا هُمْ فِيهِ مِنْ غَيٍّ وَضَلاَلٍ، فَإِنَّ اللهُ يُسَلِّطُ عَليهِمْ أَهْلَ الإِيمَانِ، وَسُنَّةُ اللهِ لاَ يَسْتَطيعُ أَحَدٌ تبدِيلَهَا وَلاَ تَغْيِيرَهَا.

стр. 3477

﴿يَسْأَلُكَ﴾ (٦٣) - يُكْثِرُ النَّاسُ مِنْ سُؤَالِ النَّبِيِّ ﷺ عَنِ السَّاعَةِ، وَمَتَى يَكُونُ مَوْعِدُ قِيَامِهَا. فَالمُشْرِكُونَ يَسْأَلُونَ عَنْ ذَلِكَ اسْتِعْجَالاً لَهَا، لأَنَّهُمْ يَسْتَبعِدُونَ وَقُوعَها، وَاليَهُودُ يَسْأَلُونَ عَنْها اخْتِباراً لِلرَّسُولِ، وَهَلْ سَيَرُدُّ أَمْرَهَا إِلى اللهِ كَمَا جَاءَ فِي التَّورَاةِ، أَمْ أَنَّهُ سَيَقُولُ غَيْرَ ذَلِكَ. وَقَدْ أَمَر اللهُ تَعَالى رَسُولَهُ الكَريمَ بِأَنْ يُجِيبُ هؤلاءِ جَميعاً: إِنَّ عِلْمَ السَّاعةِ عِنْدَ اللهِ، وَلَمْ يُطْلِعْ أَحَداً مِنْ خَلْقِهِ عَلَيْهِ. ثُمَّ قَالَ تَعَالى لِلرَّسُولِ ﷺ : وَمَا يُدْرِيكَ؟ فَقَدْ يَكُونُ مُوْعِدُ قِيامِها قَريباً جِدّاً.

стр. 3478

﴿الكافرين﴾ (٦٤) - إِنَّ اللهَ تَعَالى لَعَنَ الكَافِرِينَ، وَأَبْعَدَهُمْ مِنْ كُلِّ خيرٍ، وَطَرَدَهُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ، وَأَعدّ لَهُم فِي الآخِرَةِ نَاراً تَتَّقِدُ وَتَتَسَعَّرُ.

стр. 3479

﴿خَالِدِينَ﴾ (٦٥) - وَيَبْقَوْنَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ أَبَداً، لا يَحُولُونَ عَنْهَا وَلاَ يَزُولُونَ، وَلا يَجِدُونَ لَهُم نَاصِراً مِنْ بَأْسِ اللهَ وَعَذَابِِهِ.

стр. 3480

﴿ياليتنآ﴾ ﴿الرسولا﴾ (٦٦) - وَهُمْ لاَ يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً يَنْصُرهُم، وَيُنْقِذُهُمْ مِنْ عَذَابِ اللهِ، حِين تُقَلَّبُ وُجُوهُهُم فِي النَّارِ مِنْ جَانِبٍ إِلى جَانِبٍ آخَرَ، كَمَا يُقَلَّبُ اللَّحْمُ فَوْقَ النَّارِ، وَحِينَئِذٍ يَقُولُونَ مُتَحَسِّرِينَ: يَا لِيْتَنا أَطَعْنَا اللهَ وَرَسُولَهُ فِيمَا جَاءَنا بهِ في حَيَاتنا الدُّنْيا، مِنْ دَعْوةٍ إِلى اللهِ، وَتَحْذِيرٍ مِنْ عَذَابِهِ، وَلَوْ أَنّنا أَطْعْنا اللهَ وَرَسُولَهُ لَمَا كُنّا اليَوْمَ نَتَقَلَّبُ في نَارِ جَهَنَّمَ، وَلا نَجِدُ لَنَا سمَنْ يُنْقِذُنَا مِنْ بَأْسِ اللهِ، وَلاَ مَنْ يُجِيرُنا مِنْ عَذَابِهِ.

стр. 3481

﴿السبيلا﴾ (٦٧) - وَقَالَ الكَافِرُونَ، وَهُمْ يُقَاسُونَ شِدَّةَ العَذَابِ في نَارِ جَهَنَّمَ: رَبَّنا إِننا أَطَعْنا أَئِمَّتَنا في الضَّلاَلةِ، وَكُبَرَاءَنا، وَأَشْرَافَ قَوْمِنا، فَجَعَلُونا نَضِلُّ طَرِيقَ الهُدَى وَالحَقِّ الذِي يُؤَدِّي إلى الإِيمَانِ بِكَ وَإِلى الإِقْرَارِ بِوحْدَانِيِّتِكَ.

стр. 3482

﴿آتِهِمْ﴾ (٦٨) - رَبَّنا وَأَضْعِفْ لَهُمُ العَذابَ مَرَّتِينِ: مَرَّةً لِكُفِرِهِمْ بِكَ، وَمَرَّةً لإِضْلالِهِمْ إِيَّانا، اللهُمَّ وَاخْزِهِمْ وَاطْرُدْهُمْ مِنْ رَحْمَتِكَ. ضِعْفِينِ - مِثْلَيْنِ.

стр. 3483

﴿ياأيها﴾ ﴿آمَنُواْ﴾ ﴿آذَوْاْ﴾ (٦٩) - يَا أَيُّها الذِين آمَنُوا لا تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ بِقَولٍ يَكْرَهُهُ، وَلاَ بِفِعْلٍ لاَ يُحِبُّه، وَلاَ تَكُونُوا أَمْثَالَ الذينَ آذوْا مُوسَى ﵇، نَبيَّ اللهِ، فَزَعَمُوا كَذِباً وَبَاطِلاً أَنَّ فِيهِ عَيْباً في جِسْمِهِ، فَبَرَّأهُ اللهُ مِمّا قَالوا فيهِ، بِمَا أَظْهَرَهُ مِنَ الأدِلَّةِ عَلى كَذِبِهِمْ، وافْتَرائِهِمْ، وَكَانَ مُوسَى ذَا وَجَاهَةٍ وَكَرَامَةٍ عِنْدَ اللهِ. وَجِيهاً - ذَا جَاهٍ وَقَدْرٍ - مُسْتَجَابَ الدَّعْوَةِ.

стр. 3484

﴿ياأيها﴾ ﴿آمَنُواْ﴾ (٧٠) - يَا أَيُّها الذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَلاَ تَعْصُوهُ، وَقُولُوا فِي المُؤْمِنينَ قَوْلاً حَقّاً لاَ بَاطِلَ فيهِ، وَلا جَوْرَ عَنِ الصَوَابِ. قَوْلاً سَدِيداً - صَوَاباً وَصِدْقاً أَوْ قَاصِداً إِلى الحَقِّ.

стр. 3485

﴿أَعْمَالَكُمْ﴾ (٧١) - وَمَنْ يُؤْمِنْ باللهِ وَيَتَّقِهِ، وَيَقُلِ القَوْلَ المُنْصِفَ السَّديدَ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالى يُوفِّقُهُ إِلى صَالِحِ الأَعْمَالِ، وَيُسَدِّدُ خُطَاهُ فِي مَسِيرَتِهِ، وَيَغْفِرُ لَهُ ذُنُوبَهُ. وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَيَعْمَلْ بِمَا أَمَرَهُ بِهِ، وَيَنْتَهِ عَمَّا نَهَاهُ عَنْهُ، فَقَدْ ظَفِرَ بِالمَثُوبَةِ والكَرَامَةِ يومَ الحِسَابِ ﴿فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ .

стр. 3486

﴿السماوات﴾ ﴿الإنسان﴾ (٧٢) - قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الأَمَانَةُ هُنَا تَعْنِي الطَّاعَةَ، وَقَالَ أَيْضاً: إِنَّها الفَرَائِضُ. يَقُولُ تَعَالى: إِنَّهُ عَرَضَ التَّكَاليفَ عَلَى السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ وَالجِبَالِ، فَلَمْ يُطِقْنَ حَمْلَها، وأَشْفَقَتْ مِنْها مَخَافَةَ التَّقْصِيرِ فِي أَمرٍ أَرَادَهُ اللهُ، ثُمَّ عَرَضَهَا عَلَى آدَمَ وَقَالَ لَهُ: إِنَّنِي قَدْ عَرَضْتُ الأَمَانَةُ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالجِبالِ فَلَم يُطِقْنَها، فَهَلْ أَنْتَ آخذٌ بِمَا فِيها؟ قَال: يَا رَبِّ وَمَا فِيها؟ قَالَ: إِنْ أَحْسَنْتَ جُزِيْتَ، وَإِنَّ أَسَأْتَ عُوقِبْتَ. فَقَبلَ آدمُ حَمْلَها بِمَا فِيها. وَهكَذَا حَمَلَ الإِنسَانُ الأَمَانَةَ عَلَى ضَعْفِهِ، وَكَانَ جَاهِلاً بِثِقَلِها، ظَلُوماً نَفْسَهُ بِحَمْلِها، إِلاَّ مَنْ عَصَمَ اللهُ. عَرَضْنَا الأَمَانَة - التَّكاليفَ مِنْ أَوَامِرَ وَنَواهٍ. فَأَبْينَ - امْتَنَعْنَ. أَشْفَقْنَ - خِفْنَ مِنَ الخِيَانَةِ فِيها.

стр. 3487

﴿المنافقين﴾ ﴿المنافقات﴾ ﴿المشركات﴾ ﴿المؤمنات﴾ (٧٣) - وَقَدْ حَمَّلَ اللهُ الإِنسَانَ الأَمَانةَ (وَهِيَ التَّكَالِيفُ) لِتَكُونَ نَتيجَةُ ذلِكَ أَنْ يُعَذِّبَ مَنْ خَانَها، وَقَصَّرَ فِي حَمْلِها وَأَدَائِهَا، مِنْ المُنَافِقينَ وَالمُنَافِقَاتِ الذِينَ يُبْطِنُونَ الكُفْرَ والشِّرْكَ، وَيُظْهِرُونَ الإِيمَانَ خَوْفاً وَتَحَسُّباً، ومنَ الكَافِرِينَ الجَاحِدِينَ بِوُجُودِ اللهِ وَوحْدَانِيَّتِهِ، وَلِيَقْبَلَ تَوْبَةَ المُؤْمِنينَ وَالمُؤمِناتِ إِذا رَجَعُوا إِليهِ تَائِبينَ مُنِيبِينَ، لِتَلافِيهِمْ مَا فَرطَ مِنْهُمْ عَنْ جَهْلٍ وَعَدَمِ تَبَصُّرٍ، وَتَدَارُكِهِمْ ذَلِكَ بالتَّوْبَةِ. واللهُ تَعَالى غَفَّارٌ لِلذُّنُوبِ، سَتَّارٌ لِلْعُيوبِ، كَثيرُ الرَّحْمَةِ لِلْعِبَادِ التَّائِبِينَ إِليْهِ.

стр. 3488

﴿السماوات﴾ ﴿الآخرة﴾ (١) - يُمَجِّدُ اللهُ تَعَالى نَفْسَهُ الكَرِيمَةَ، وَيُخْبِرُ عِبَادَهُ بِأَنَّهُ هُوَ المُسْتَوْجِبُ الثَّنَاءَ المُطْلَقَ (الحَمْدُ) فِي الدُّنيا وَالآخِرَةِ، وَفي السَّماوَاتِ والأَرضِ، لأََنَّهُ الخَالِقُ الرَّازِقُ، المُتَفَضِّلُ عَلَى الخَلائِقِ، فِي الدُّنيا وَفي الآخِرَةِ، وَهُوَ المَالِكُ لِلُوجُودِ جَمِيعِه بِمَنْ فِيهِ وَمَا فِيهِ، وَهُوَ الحَاكِمُ المُتَصَرِّفُ فِيه، وَالجَميعُ تَحْتَ قَهرِهِ وَحُكْمِهِ، وَهُوَ الحَكِيمُ فِي شَرْعِهِ وَقَدَرِهِ وَتَدْبِيرِهِ، وَهُوَ الخَبِيرُ الذِي لاَ تَخْفَى عَلَيهِ خَافِيةٌ مِنْ أَحْوالِ الخَلْقِ.

стр. 3489

(٢) - يَعْلَمُ مَا يَدْخُلُ فِي الأَرْضِ (يَلِجُ) مِنْ مَطَرٍ وَبَذْرٍ وَمَعَادِنَ وَأَمْوَاتٍ وَدَفَائِنَ، وَمَا يَخْرُجُ مِنْها مِنْ حَيَوَانٍ وَنَبَاتٍ وَغَازَاتٍ وَمَاءٍ وَمَعَادِنَ وَمُخَلَّفَاتٍ تَرَكَتْها الأُمَمُ السَّالِفَةُ، وَيَعْلَمُ مَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَلائِكةٍ وَكُتُبٍ وَشُهَبٍ وَمَطرٍ وَصَوَاعِقَ، وَمَا يَصْعَدُ (يَعْرُجُ) فِيها مِنْ مَلائِكَةٍ وَأَعْمَالِ عِبَادٍ، وَغيرِ ذَلكَ، وَهُوَ الرَّحيمُ بِعِبَادِهِ فَلاَ يُعَاجِلُ العُصَاةَ بِالعُقُوبَةِ، وَهُوَ الغُفُورُ لِذُنُوبِ التَّائِبينَ إليهِ، المُنِيبِينَ لَهُ. مَا يَلِجُ - مَا يَدْخُلُ فِي الأَرْضِ مِنْ مَطَرٍ وَغيرِهِ. مَا يَعْرُجُ - مَا يَصْعَدُ مِنَ المَلاَئِكَةِ وَالأَعْمَالِ.

стр. 3490

﴿عَالِمِ﴾ ﴿السماوات﴾ ﴿كِتَابٍ﴾ (٣) - بَعْدَ أًَنْ أَبَانَ اللهُ تَعَالى أَنَّهُ صَاحِبُ الحَمْدِ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَفِي الدُّنيا وَالآخِرَةِ عَلَى مَا أَسْدَى إِلى عِبَادِهِ مِنَ النِّعَم، أَتْبَعَ ذَلِكَ بِقَولِهِ إِنَّ كَثيراً مِنْ خَلْقِهِ يُنْكِرِ الآخِرَةَ، وَيَسْتَهزِئُ بِمَنْ يَعْتَقِدُ بِوُقُوعِها، وَيَسْتَعجِلُ بِالعَذَابِ الذِي يَتَهَدَّدُ اللهُ بهِ المُجْرِمينَ الكَافِرينَ، فَيقُولُ تَعَالى: وَقَال الذِينَ كَفَروا بِاللهِ وَنِعَمِهِ عَلَيهِمْ، وَجَحَدُوا بِما تَهْدِي إِليهِ العُقُولُ السَّلِيمَةُ: إِنَّهُ لاَ رَجْعَةَ إِلى الحَيَاةِ بَعْدَ أَنْ يَمُوتَ البَشَرُ، وَلاَ بَعْثَ وَلاَ حِسَابَ وَلاَ عِقَابَ، وَمَا يُهْلِكُهُمْ إِلاَّ الدَّهْرُ. . ثُمَّ أَمَرَ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ ﷺ بِأَنْ يَرُدَّ عَلَيهِمْ مُقْسِماً بِرَبِّهِ العَظِيمِ عَلَى أَنَّ المَعَادَ سَيَقَعُ، لا مَحَالَةَ، وَلاَ شَكَّ في ذلِكَ، وَلكِنَّ وَقْتَ مَجِيءِ السَّاعَةِ التِي تَقُومُ فِيهَا القِيَامَةُ، وَيَبْعَثُ فِيها اللهُ الخَلائِقِ، لاَ يَعْلَمُهُ إلاّ اللهُ عَلاَّمُ الغُيُوبِ، الذِي لا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ شَيءٌ دَخَل فِي الأَرْضِ، أَوْ صَعِدَ فِي السَّمَاءِ، فَهُوَ تَعَالى يَعْلَمُ مَا يَتَفَرَّقُ مِنْ ذَرّاتِ أَجْسَادِ الأَموَاتِ وأَيْنَ تَسْتَقِرُّ فَيَجْمَعُها يَومَ القِيَامَةِ بأَمرٍ مِنْهُ فَيُعِيدُها خَلْقاً جَدِيداً كَمَا كَانَتْ، وَقَدْ أوْدَعَ اللهُ تَعَالى كُلَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ لاَ يَضِلُّ وَلا يَنْسَى. وَهذِهِ الآيَةُ إِحْدَى ثَلاثِ آياتٍ فِي القُرآنِ، أَمرَ اللهُ فِيها الرَّسُولَ الأكرمَ بِأَنْ يُقَسِمَ بِرَبِّهِ العَظِيمِ عَلَى أَنَّ السَّاعَةَ سَتَقُومُ، وَأَنَّ الأَمواتَ سَيُبْعَثُونَ لِلْحِسَابِ. الآيَةُ الأولَى جَاءَت فِي سُورَةِ يُونُس: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وربي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ وَالآيَةُ الثَّانيَةُ جَاءَتْ فِي سُورَةِ التَّغَابُنِ: ﴿زَعَمَ الذين كفروا أَن لَّن يُبْعَثُواْ قُلْ بلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى الله يَسِيرٌ.﴾ والثَّالثَةُ هذهِ الآيَةُ. لا يَعْزُبُ - لاَ يَغِيبُ عَنْهُ وَلاَ يَخْفَى عَلَيهِ. مِثْقَالُ ذَرَّةٍ - مِقْدَارُ أَصْغَرِ مَا يُوزَنُ.

стр. 3491

﴿آمَنُواْ﴾ ﴿الصالحات﴾ ﴿أولئك﴾ (٤) - وَالحِكْمَةُ فِي قِيامِ السَّاعَةِ، وَحَشْرِ الخَلاَئِقِ هِيَ لِحِسَابِهِمْ عَلَى مَا قَدَّمُوا مِنْ عَمَلٍ فِي حَيَاتِهِمُ الدُّنْيا، فَيَجْزِي اللهُ المُؤْمِنِينَ بِرَبِّهِمْ، وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، الذِينَ عَمِلُوا العَمَلَ الصَّالِحَ بالحُسْنَى، فَيَغْفِرُ لَهُمْ ذُنُوبَهُمْ وَيُدْخِلُهُمْ فِي جَنَّتِهِ، وَيُؤتِيهِمْ رِزْقاً كَرِيماً وَاسِعاً.

стр. 3492

﴿سَعَوْا﴾ ﴿مُعَاجِزِينَ﴾ ﴿أولئك﴾ (٥) - أَمَّا الذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ، وَسَعَوْا فِي صَدِّ النَّاسِ عَنِ اتِّبَاعِ مَا دَعَتْهُمْ إِليهِ الرُّسُلُ مِنَ الإِيمَانِ، وَالعَمَلِ الصَّالِحِ، وَسُبُلِ الهُدَى، وَأَجْهَدُوا أَنْفُسَهُمْ فِي مَحَارَبةِ اللهِ وَرَسُولِهِ وَقُرآنِهِ. . . فإِنَّ اللهَ سَيُعَذِّبُهُمْ فِي نَارِ جَهَنَّمَ عَذَاباً أَليماً. مُعَاجِزينَ - مُسَابِقِينَ ظَانِّينَ أَنَّهُمْ يَفُوتُونَ اللهَ هَرَباً. الرِّجْزَ - العَذَابُ الشَّديدُ المُؤْلِمُ.

стр. 3493

﴿صِرَاطِ﴾ (٦) - والمُْؤْمِنُونَ الذِينَ صَدَّقُوا الرُّسُلَ فِيمَا جَاؤُوهُمْ بهِ مِنْ رَبِّهمْ واعتَقَدُوا بأَنَّ الله سَيَحْشُرُ العِبَادَ يَوْمَ القِيَامَةِ، لِيُحاسِبَهُمْ عَلَى أَعْمَالِهِمْ، فَإِنَّهُمْ حِينَما يَرَوْنَ قِيَامَ السَّاعَةِ يَقُولُونَ: مَا أَنْزلَهُ اللهُ إِليكَ يَا مُحَمَّدُ هُوَ الحَقُّ الذِي لاَ شَكَّ فِيهِ وَلا مِرْيَةَ، وَهُوَ يُرْشِدُ مَنِ اتَّبَعَهُ إِلى سَبيلِ اللهِ الذِي لا يُغَالَبُ ولا يُمَانَعُ (العَزِيزُ) وَهُوَ المَحْمُودُ فِي جَميعِ مَا قَالَ وَشَرَعَ وَقَدَّرَ.

стр. 3494

(٧) - وَقَالَ بَعْضُ كُفَّارِ قُرَيْشٍ لِبَعْضِ المُتَهَكَّمينَ وَالمُسْتَهزِئِينَ بارَّسُولِ: هَلْ تُرِيدُونَ أَنْ نَدُلَّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُخْبِرُكُم أَنَّكُمْ سَتُبْعَثُونَ أَحياءً، بَعدَ أَنْ تَمُوتوا، وَتَتَفَرَّقَ أَجْسَادُكُمْ، وَتَتَبَعْثَرَ فِي تُرابِ الأَرضِ، وَأَنَّكُمْ سَتُحَاسَبُونَ عَلَى أَعْمَالِكُمُ التِي عَمِلْتُمُوهَا فِي الدُّنْيا، إِنْ خَيْراً فَخْيراً، وَإِنْ شَراً فَشَرّاً؟ وَيَقْصِدُونَ بِالرَّجُلِ محَمَّداً ﷺ .

стр. 3495

﴿بالآخرة﴾ ﴿والضلال﴾ (٨) - وَهذا قَوْلٌ لاَ يَقُولُهُ إِلا رَجُلٌ تَعمَّدَ الافْتَراءَ عَلَى اللهِ، والزَّعْمَ بِأَنَّ الله أَوْحَى إِليهِ ذَلِكَ، أَوْ رَحُلٌ مَجْنُونٌ مَعْتُوهٌ، قَدِ اخْتَلَّ عَقْلُهُ، فَصَارَ يَتَكَلَّمُ بِمَا يَتَخَيَّلُهُ. وَيَرُدُّ اللهُ تَعَالَى عَلَى هؤُلاءِ المُكَذِّبِينَ قَائِلاً: إِنًَّ الأَمْرَ لَيْسَ كَمَا زَعَمُوا وَتَوهَّمُوا، وَقَدَّرُوا، فَمُحَمَّدٌ ليسَ مُفْتَرِياً، وَلا مَجْنُوناً، وَإِنَّما هُو البَرُّ الرَّشِيدُ، الذِي جَاءَ بِالحَقِّ مِنْ عِنْدِ رَبِّهَ، وَإِنَّهُمْ هُمُ الكَاذِبُونَ الجُهَلاءُ، المُوغِلُونَ فِي الكُفِرِ والضَّلاَلَةِ، وَهذا مَا سَيْؤَدِّي بِهِمْ إِلى عَذَابِ اللهِ فِي الآخِرَةِ. بَهِ جِنَّةٌ - بِهِ جُنُونٌ يُوهِمُهُ مَا يَقُولُ.

стр. 3496

﴿لآيَةً﴾ (٩) - ثُمَّ ذَكَّرَهُمْ تَعَالى بِمَا يَرَوْنَهُ بِأَعْيُنِهِمْ فِي هذا الوُجُودِ حَوْلَهم، مِمَّ يَدُلُّ عَلَى قُدْرَتِهِ تَعَالى عَلَى فِعْلِ مَا يَشَاءُ، فَقَالَ: أَفَلَمْ يَنْظُرْ هؤلاءِ المُكَذِّبُونَ بِالمَعَادِ إِلى الأَرْضِ التِي يَقِفُونَ عَلَيها، وَالسَّمَاءِ التِي تُظِلُّهُمْ وَتُحِيطُ بِهِمْ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، فَيَعْلَمُوا أَنَّ قُدْرَةَ اللهِ مُحِيطَةٌ بِهِمْ، وَأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى أض، ْ يَأْمُرَ الأَرْضَ فَتَنْخَسِفَ بِهِمْ، وَأَنْ يَأْمُرَ السَّمَاءَ فَتَسْقُطَ عَلَيهِمْ قِطَعاً (كِسَفاً) وَتُدَمِّرَهُمْ، فَاللهُ تَعَالى قَادِرٌ عَلى ذَلِكَ، وَلِكِنَّهُ يُؤَخِّرُ وَقُوعَهُ إِلى أَجَلٍ حَدَّدَهُ هُوَ، وَعَيَّنَ مِيَقَاتَهُ. وفي النَّظَرِ إِلى مَا خَلَقَ اللهُ مِنْ سَمَاءٍ وَأَرْضٍ دَلاَلةٌ كَافِيةٌ عَلَى قُدْرَةِ اللهِ تَعالى عَلى بَعْثِ الأَجْسَادِ مِنَ الأَجْدَاثِ لِكُلِّ عَبْدٍ فَطِن، مُنِيبٍ إِلى رَبِّهِ. نَخْسِفْ بِهِمْ الأَرْضَ - نُغَيِّبْ بِهِمُ الأَرْضَ. كِسَفاً مِنَ السَّمَاءِ - قِطَعاً مِنْها. مُنيب - رَاجِعٍ إِلى رَبِّهِ بِالتَّوبَةِ وَالطَّاعَةِ.

стр. 3497

﴿آتَيْنَا﴾ ﴿دَاوُودَ﴾ ﴿ياجبال﴾ (١٠) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالى عَمَّا أَنْعَمَ بِهِ عَلَى عَبْدِهِ دَاوُدَ، ﵇، مِنَ الفَضْلِ المُبينِ، إِذْ جَمَع لَهُ المُلْكَ المُتَمَكِّنَ، والنُّبُوَّةَ، والصَّوْتَ الرَّخِيمَ، فَكَانَ إِذا سَبَّحَ رَافعاً صَوْتَهُ كَانَتِ الجِبالُ تُرَجِّعُ تَسْبِيحَهُ، وَتَقِفُ لهُ الطُّيُورُ، وَتُجَاوِبُهُ مُسَبِّحَةً بِأْصْوَاتِها، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: إِنَّهُ أَنْعَمَ عَلَى دَاوُدَ أَيْضاً بِأَنْ أَلآنَ لَهُ الحَدِيدَ، وَعَلَّمَهُ صُنْعَ الدُّرُوع، وَجَعَلَهَا حَلَقاً مُتَدَاخِلاً لِوِقَايَةِ المُجَاهِدِينَ فِي سَبيلِ اللهِ، مِنْ بَأْسِ الأَعْدَاءِ، أَثْناءَ القِتَالِ، وَكَانَتْ الدُّرُوعَ تُصْنَعُ قَبْلاً صَفَائِحَ تَعُوقُ حَرَكَةَ لاَبِسِيها، فَلَمَّا أَصْبَحَتْ حَلَقاً مَتَدَاخِلاً أَصْبَحَتْ حَرَكَةُ لاَبِسِيهَا أَكْثَرَ سُهُولَةً. أَوِّبِي - رَجِّعِي وَرَدِّدِي مَعَهُ التَّسِبِيحَ. أَلاَن - جَعَلَهُ لَيِّناً طَرِيّاً.

стр. 3498

﴿سَابِغَاتٍ﴾ ﴿صَالِحاً﴾ (١١) - وَأَلْهَمَهُ اللهُ تَعَالى أَنْ يَصْنَعَ مِنَ الحَدِيدِ الذِي أَلاَنَهُ لَهُ الدًّرُوعَ عَلَى أَكْمَلِ وَجْهٍ، وَأَحْكُمِ نِظَامٍ (سَابِغَاتٍ) فَكَانَ يَسْتَعْمِلُ مِسْمَاراً وَسَطاً لا رَفِيعاً وَلاَ غَلِيظاً، فَتَجِيءُ الحَلَقَاتُ عَلى قَدَرِ الحَاجَةِ (وَقَدِّر فِي السَّرْدِ) . ثُمَّ أَمرَ اللهُ تَعَالى دَاوُدَ بِشُكْرِهِ تَعالى عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَليهِ، وَذلِكَ بِأَنْ يَعْمَلَ هُوَ وَأْهْلُهُ أَعْمَالاً صَالِحَةً تُرضِي اللهَ، وَقَالَ لَهُ تَعَالى إِنَّهُ بَصيرٌ بأَعْمَالِهِمْ وَأَقْوَالِهِمْ، لاَ يَخْفى عَلَيهِ مِنْها شَيءٌ. سَابِغَاتٍ - دُرُوعاً كَامِلَةً وَاسِعةً. السَّرْدِ - حَلَقِ الحَدِيدِ - وَقِيلَ إِنَّهُ النَّسْجُ أَيِ الصُّنْعُ وَرَبْطُ الحَلَقَاتِ بَعْضِها بِبَعْضٍ. قَدَّرْ فِي السَّرْدِ - أَيِ اقْتَصِدْ واجْعَلِ الحَلَقَاتِ مُتَجَانِسَةً مُتَقَارِبَةً.

стр. 3499

﴿لِسُلَيْمَانَ﴾ (١٢) - وَيَقُولُ تَعَالى إِنَّهُ أَنْعَمَ عَلَى عَبْدِهِ سُلَيمَانَ بْنِ دَاوُدَ، ﵉، بِأَنْ سَخَّر لَهُ الرِّيحَ، يَنْتَفِعُ بِها فِي أُمُورٍ يَعْرِفُها هُوَ، وَكَانَتِ الرِّيحُ حِينَ تَسيرُ تَقْطَعُ خِلاَلَ فَترَةِ الغَدَاةِ (أَيْ مِنَ الصُّبْحِ حَتَّى الزَّوَالِ) مَسَافَةً يَقْطَعُها الرّاكِبُ المُجِدُّ خِلاَلَ شَهرٍ كَامِلٍ. وَكَانَتْ تَقْطَعُ فِي فَترةِ الرَّواحِ (أَيْ مِنَ الزَّوَالِ حَتَّى مَغِيبِ الشَّمْسِ) مَسَافَةً يَقْطَعُها الرَّاكِبُ المُجِدُّ خِلاَلَ شَهْرٍ. ثُمَّ قَالَ تَعَالى إِنَّهُ آذَابَ النُّحَاسَ (القِطْرَ) لِسُلَيْمَانَ مِنْ دُونِ حَاجَةٍ إِلى نَارٍ، فَكَانَ النُّحَاسُ يَخْرُجُ مِنْ عينٍ فِي الأَرضِ سَائِلاً ذَائباً، وَكَأَنَّهُ يَنْبُوعُ مَاءٍ (وَلِذَلِكَ قَالَ عَيْنَ القِطْرِ) وَسَخَّرَ تَعَالى لِسُلَيمَانَ الجِنَّ يَعْمَلُونَ بإِذْنِهِ تَعَالى مَا يَأْمُرُهُمْ سُلَيمَانُ بهِ مِنَ الأَعْمَالِ - وَقَدْ جَاءَ تَفْصِيلُها فِي الآيةِ التَّاليةِ - وَمَنْ شَذَّ عَنْ طَاعَةِ سُلَيْمَانَ مِنْهُمْ، فَإِنَّ الله يُذِيقُهُ عَذاباً أَليِماً. (وَقَدْ يَكُونُ المَعْنَى: وَمَنْ خَرَجَ مِنْهُمْ عَنْ طَاعَةِ اللهِ فِيما أَمَرَهُ مِنْ العَمَلِ بِأَمْرِ سُلَيْمَانَ فَإِنَّ اللهَ يُعَذِّبُهُ عَذاباً أَلِيماً) . زَاغَ عَنِ الأَمْرِ - خَرَجَ عَنِ الطَّاعَةِ وَعَدَلَ عَنْهَا. غُدُوُّهَا شَهْرٌ - جَرْيُها بِالغَدَاةِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ. رَوَاحُها شَهْرٌ - جَرْيُها بِالعَشِيِّ كذِلِكَ. عَيْنَ القِطْرِ - عَيْنَ النُّحَاسِ يَنْبُعُ ذَائِباً كَالمَاءِ.

стр. 3500

﴿مَّحَارِيبَ﴾ ﴿تَمَاثِيلَ﴾ ﴿رَّاسِيَاتٍ﴾ ﴿آلَ دَاوُودَ﴾ (١٣) - وَكَانَتِ الجِنُّ تَعْمَلُ لِسُلَيْمَانَ مَا يَشَاءُ: مِنْ قُصُورٍ شَامِخَاتٍ (مَحَارِيبَ) ، وَصُوَرٍ مُخْتَلِفَةٍ (تَمَاثِيلَ) ، وَقِصَاعٍ لِلطَّعَامِ ضَخْمَةٍ (جِفَانٍ) كَأَنَّها أَحْوَاضُ المَاءِ (كَالجَوَابِ) وَقُدُورٍ ثَوَابِتَ لا تُنْقَلُ مِنْ مَكَانِها لِضَخَامِتِهَا (رَاسِيَاتٍ) . وَقَالَ اللهُ تَعَالى لآلى دَاوُد: اعْمَلُوا بِطَاعَةِ رَبِّكُم شُكْراً لَهُ عَلَى أَنْعُمِهِ التِي لا تُحْصَى عَلَيكم، وَقَليلٌ مِنْ عِبَادِ اللهِ مَنْ يُطِيعُهُ شُكْراً لَهُ عَلَى أَنْعُمِهِ. (وَجَاءَ فِي الحَدِيثِ: " ثَلاَثٌ مَنْ أُوتِيهنَّ فَقَدْ أُوتِيَ مِثْلَمَا أُوتِي آلُ دَاوُدَ: العَدْلُ فِي الرِّضَا وَالغَضَبِ، وَالقَصْدُ فِي الفَقْرِ والغِنَى، وَخَشْيَةُ اللهِ في السِّرِّ والعَلَنِ ") . (رَوَاهُ التَّرمذِي) . تَمَاثِيلَ - صُوَرٍ مُجَسَّمَةٍ مِنْ نُحَاسٍ وَغَيرِهِ. جِفَانٍ كَالجَوَابِ - قِصَاعٍ كِبَارٍ كَحِيَاضِ المِياهِ العِظَامِ قُدُورٍ رَاسِيَاتٍ - ثَابِتَاتٍ عَلَى المَوَاقِدِ لِعِظَمِهَا. المَحَارِيبُ - القُصُورُ الشَّامِخَاتُ (أَوِ المَسَاجِدُ لِلْعِبَادَةِ) .

стр. 3501

(١٤) - وَلَمّا قَضَى اللهُ تَعَالى عَليهِ المَوتَ، اتَّكَأَ عَلَى عَصَاهُ وَهُوَ وَاقِفٌ، وَلَبِثَ فَتْرَةً وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الحَالِ، وَالجِنُّ يَعْمَلُونَ بَيْنَ يَدِيهِ، وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُ حَيٌّ يَنْظُرُ إِليهِمْ فَلا يَتَوقفُونَ عَنِ العَمَلِ فِمَا أَمَرَهُمْ بِهِ. ثُمَّ يَحْسَبُونَ أَنَّهُ حَيٌّ إِليهِمُ فَلاَ يَتَوقفُونَ عَنِ العَمَلِ فِيمَا أَمَرَهُمْ بِهِ. ثُمَّ سَخَّرَ اللهُ حَشَرَةً صَغِيرةً أَخَذَتْ تَنْخُرُ عَصَاهُ حَتَّى ضَعُفَتْ فانْكَسَرَتْ وَسَقَطَ سُلَيْمَانُ عَلَى الأَرضِ، فَعَلِمَتِ الجِنُّ أَنَّهُ مَاتَ مُنْذُ زَمَنٍ وَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ. وَتَبَيَّنَ مِنْ ذَلِكَ لِلنَّاسِ وَلِلْجِنِّ أَنَّ الجِنَّ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ لَعَلِمُوا بِمَوْتِ سُلَيْمَانَ سَاعَةَ حُدُوثِهِ، وَلَم يَنْتَظِرُوا حَتَّى تَأْكُلَ دَابَّةٌ الأَرْضِ 'َصَاهُ التِي كَانَ يَتَوَكَّأُ عَلَيها فَيَسْقُطَ عَلى الأَرضِ، وَلَمْ يَسْتَمرُّوا فِي الأَعمَالِ الشَّاقَةِ التِي كَلَّفَهُم بِهِا سُلَيْمَانُ (العَذَابِ المُهِينِ) . المِنْسَأَةُ - العَصَا. خَرَّ - سَقَطَ. دَابَّةُ الأَرضِ -حَشَرةُ الأَرْضِ التِي تَأْكُلً الخَشَبَ.

стр. 3502

﴿آيَةٌ﴾ (١٥) - كَانَتْ قَبِيلَةُ سَبَأٍ تَسْكُنُ اليَمَنَ، وَقِيلَ إِنَّ (سَبَأَ) جَدَّهُمْ هُوَ يَشْجُبُ بْنُ يَعْرُبَ بْنِ قَحْطَانَ. وَيَقُولُ اللهُ تَعَالى: إِنَّ هذِهِ القَبيلَةَ كَانَتْ فِي نِعْمَةٍ وَفِي غِبْطةٍ فِي بِلادِهِمْ وَعَيْشِهِمْ، وَاتِّسَاعِ أَرْزَاقِهِمْ. وَكَانَتْ لَهُمْ حَدَائِقُ غَنَّاءُ، وَبَسَاتِينُ فَيْحَاءُ، عَنْ يَمِينِ الوَادِي الذِي أَقَامُوا فِيهِ السَّدَّ فِي مَأْرِبٍ، وَعَنْ شِمَالِهِ. ثُمَّ بَعَثَ اللهُ إليهِمُ الرُّسُلَ تَأْمُرُهُمْ بِعِبادَةِ اللهِ وَتَوْحِيدِهِ، وَبِأَنْ يَأْكُلُوا مِنَ الرِّزْقِ الذي يَسَّرَهُ لَهُمْ اللهُ، وَبِأًنْ يَشْكُرُوه عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيهِمْ رَبُّهُمْ مِنَ البَلَدِ الطَّيِّبِ، والرِّزْقِ الوَفير، فَأَطَاعُوا، وَعَبَدُوا اللهَ وَشَكَرُوهُ إِلى حِينٍ. سَبَأْ - قَبِيلَةٌ فِي اليَمَنِ - وَبَلْدَةٌ أَيْضاً. آيةٌ - بُرْهَانٌ وَدَلاَلَةٌ عَلَى قُدْرَةِ اللهِ. جَنَّتَانِ -بُسْتَانَانِ أَوْ جَمَاعَتَانِ مِنَ البَسَاتِينِ. بَلْدَةٌ طََيِّبَةٌ - زَكِيَّةٌ مُسْتَلَذَّةٌ.

стр. 3503

﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ﴾ (١٦) - ثُمَّ أَعْرَضُوا عَمَّا أُمِرُوا بِهِ مِنْ عِبَادَةِ اللهِ وَشُكْرِهِ عَلى أَنْعُمِهِ، وَكَفَرُوا بِرَّبهمْ وَنِعَمِهِ، فَعَاقَبَهُمُ اللهُ تَعَالى عَلَى ذَلِكَ بِأَنْ أَرْسَلَ عَلَيْهِمْ سَيْلاً ضَخْماً كَسَرَ السَّدَّ وَخَرَّبَهُ، وَاقْتَلَعَ حِجَارَتَهُ، المُرْكُومَ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ لِحَجْزِ المَاءِ، فَتَدَفَّقَ المَاءُ مِنَ السَّدِّ، وَذَهَبَ بالجنَانِ وَالبَسَاتِينِ والخُضْرَةِ والنُّضْرَةِ، وَأْهْلَكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ، فَتَفَرَّقَ القَوْمُ فِي البِلادِ، وَأَبْدَلَهُمُ اللهُ بِتِلْكَ الجِنَانِ الفَيْحَاءِ، والثِّمَارِ الوَفِيرَةِ، وَالنِّعَمِ الكَثِيرَةِ، بَسَاتِينَ لَيْسَ فِيها إٍلا بَعْضُ الأَشْجَارِ ذَاتِ الثَّمَرِ المُرِّ المَذَاقِ (أُكُلٍ خَمْطٍ) ، وَبَعْضَ أَشْجَارٍ مِنَ الطَّرْفَاءِ (أَثْلٍ) وَأَشْجَار قَلِيلة مِنَ النَّبْقِ (السِّدْرِ) . فَأَعْرَضُوا - أَي عَنِ الشُّكْرِ وَتَوَلَّوا عَنْ دَعْوَةِ أَنْبِيَائِهِمْ. سَيْلَ العِرِمِ - سَيْلَ السَّدِّ أَوِ المَطَرِ الشَّدِيدِ. أُكُلٍ خَمْطٍ - ثَمَرٍ مُرٍّ حَامِضٍ بَشِعٍ. أًثْلٍ - ضَرْبٍ مَنَ الطَّرْفاءِ (وَهُوَ نَوْعٌ مِنَ الشَّجَرِ) . سِدْرٍ - الضَّالِ أَو شَجَرَةِ النِّبْقِ.

стр. 3504

﴿جَزَيْنَاهُمْ﴾ ﴿نجازي﴾ (١٧) - وَقَدْ عَاقَبْنَاهُمْ ذَلِكَ العِقَابَ الأَليمَ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ بِرَبِّهِمْ وَجُحُودِهِمْ بِنِعَمهِ، وَعُدُولِهِمْ عَن الحَقِّ إِلى البَاطِلِ، وَاللهُ لا يُجَازِي مِثْلَ هذَا الجَزاءِ الشَّدِيدِ المُسْتَأْصِلِ إٍِلا الجَحُودَ الكَثِيرَ الكُفْرِ باللهِ وَنِعَمِهِ (الكَفُورَ) .

стр. 3505

﴿بَارَكْنَا﴾ ﴿ظَاهِرَةً﴾ ﴿آمِنِينَ﴾ (١٨) - وَبَعْدَ أَنْ بَيَّنَ اللهَ تَعَالى مَا كَانَ لِسَبأٍ مِنْ نَعِيمٍ وَسَعَادَةٍ، وَوَفْرَةِ رِزْقٍ فِي مَسَاكِنِهِمْ فِي اليَمَنِ، ذَكَرَ تَعَالى هُنَا مَا كَانَ قَدْ مَنَّ بِهِ عَلَيهِمْ فِي مَسَالِكِهِمْ وَأَسْفَارِهِمْ، فَكَانُوا يَمُرُّونَ فِي أَراضٍ عَامِرَةٍ آمِنةٍ، فِيها قَرىً ظاهِرَةٌ عَلى مَسَافَاتِ مُتَقَارِبَةِ (قَدَّرْنَا فِيها السَّيرِ) ، يَجِدُونَ فِيها المَاءَ والزَّادَ والعَلَفَ، فَلا يَحْتَاجُونَ إِلى حَمْلِ زَادٍ وَلا مُؤُونَةٍ، فَيَخْرُجُونَ صَبَاحاً من قَرْيَةٍ، وَيَبِيتُونَ مَسَاءً فِي قريةٍ أُخْرَى، إِلى أَنْ يَصِلُوا إِلى قُرَى الشَّامِ (التي بَارَكْنا فِيها) . ثُمَّ يَقُولُ تَعَالى إٍِنَّهُ قَالَ لَهُمْ: سِيرُوا فِي هذِهِ القُرى التِي تَقَعُ بَيْنَ اليَمَنِ، وَبَيْنَ بِلادِ الشَّامِ، لَيَالِيَ وأَيَّاماً لاَ تَخْشَوْنَ شَيْئاً مِنَ الجُوعِ أَوِ العَطَشِ أَوْ بَطْشِ الأَعْدَاءِ. قُرىً ظَاهِرَةً - مُتَوَاصِلَةً مُتَقَارِبَةً. قَدَّرْنَا فِيها السَّيرَ - جَعَلْنَاهُ عَلَى مَرَاحِلَ مُتَقَارِبَةٍ. آمِنينَ - مِنْ بَطْشِ الأَعْدَاءِ وَمِنَ الجُوعِ والعَطَشِ.
следующие страницы →