Полный текст (6 113 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
﴿آمَنُوا﴾ ﴿الصالحات﴾ ﴿الظالمين﴾
(٥٧) - وَأمَّا المُهْتَدُونَ الذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَعَمِلُوا الأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ فَيُثِيبُهُمْ ثَوَاباً وَافِياً عَلَى أَعْمَالِهِمْ، فِي الدُّنيا بِالنَّصْرِ والظَّفَرِ، وَفِي الآخِرَةِ بِالخُلُودِ فِي جَنَّتِهِ، وَاللهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ المُتَجَاوِزِينَ لِحُدُودِهِ، وَلاَ يَرْفَعُ لَهُمْ قَدْراً.
стр. 352
﴿الآيَاتِ﴾
(٥٨) - مَا قَصَصْنَاهُ عَلَيكَ يَا مُحَمَّدُ مِنْ أمْرِ عِيسَى، وَأمِّهِ مَرْيَمَ، وَأمِّها امْرَأَةِ عِمْرَانَ، وَمَبْدَأ وِلاَدةَ عِيسَى، وَتَفْصِيلِ أَمْرِهِ، وأَمْرِ زَكَرِيّا وَيَحْيَى، وَمَا قَصَصْنَاهُ عَليكَ مِنْ أمْرِ الحَوَارِيينَ وَاليَهُودِ. . إنَّما هُوَ وَحْيٌ مِنَ اللهِ ألْقَاهُ إليكَ عَلَى لِسَانِ جِبْرِيلَ، وَهُوَ مِنَ القرآنِ وَالحِكْمَةِ، يُبَيِّنُ وُجُوهَ العِبَرِ عَلَى مَنْ حَاجَّكَ مِنْ وَفْدِ نَجْرَانَ، وَيَهُودِ بَنِي إِسْرَائِيلَ الذِينَ كَذَّبُوكَ، وَكَذَّبُوكَ، وَكَذَّبُوا بِمَا جِئْتَهُمْ بِهِ مِنَ الحَقِّ.
стр. 353
﴿ءَادَمَ﴾
(٥٩) - إنَّ مَثَلَ عِيسَى فِي قُدْرَةِ اللهِ عَلَى خَلْقِهِ مِنْ دُونِ أبٍ، كَمَثَلِ آدَمَ فِي خَلْقِهِ مِنْ تُرابٍ (مِنْ دُونِ أبٍ وَلاَ أمٍّ) ، وَإنَّما أنْشَأهُ بَشَراً بِنَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ، فَكَانَ كَمَا أمَرَ اللهُ.
مَثَلَ عِيسَى - حَالَهُ وَصِفَتَهُ العَجِيبَةَ.
стр. 354
(٦٠) - وَهذا القَوْلُ الذِي أَنْبَأكَ بِهِ رَبُّكَ فِي شَأْنِ عِيسَى وَمَرْيَمَ ﵉، هُوَ القَوْلُ الحَقُّ الذِي لاَ حَقَّ سِوَاهُ.
المُمْتَرِينَ - المُتَشَكِّكِينَ.
стр. 355
﴿لَّعْنَتَ﴾ ﴿الكاذبين﴾
(٦١) - قَدِمَ وَفْدٌ مِنْ نَصَارَى نَجْرَانَ فِيهِ سُتُّونَ رَاكِباً أخَذُوا يُحَاجُّونَ الرَّسُولَ ﷺ ، وَيَقُولُونَ فِي المَسِيحِ ﵇: إنَّهُ اللهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ إنَّهُ ابْنُ اللهِ، وَقَالَ آخَرُونَ إنَّهُ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ. . وَلمَّا طَالَ الجَدَلُ أَنْزَلَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ الآيَاتِ المُتَعَلَّقَةَ بِعِيسَى وَمَرْيَمَ، وَأمَرَهُ بِدَعْوَتِهِمْ إلى المُبَاهَلَةِ، بِأنْ يَدْعُوَ كُلُّ فَرِيقٍ أبْنَاءَهُ وَنِسَاءَهُ وَنَفْسَهُ ثُمَّ يَضْرَعُونَ إلى اللهِ بِأنْ يَجْعَلَ غَضَبَهُ وَنَقْمَتَهُ عَلَى مَنْ كَذَّبَ فِي أَمْرِ عِيسَى مِنْ كَوْنِهِ خُلِقَ مِنْ غَيْرِ أبٍ، وَأنَّهُ رَسُولُ اللهِ، وَلَيسَ إلهاً.
فَتَشَاوَرَ أعْضَاءُ الوَفْدِ فِي أمْرِهِمْ فَرَأوا أنْ لا يُلاَعِنُوا النَّبِيَّ خَوْفاً مِنَ العَاقِبَةِ.
(وَفِي هَذِهِ الآيَةِ يُكَذِّبُ اللهُ اليَهُودَ فِيمَا رَمَوْا بِهِ السَّيِّدَةَ البَتُولَ مَرْيَمَ مِنَ الإِفْكِ وَالبُهْتَانِ، وَفِي تَكْذِيبِهِمْ عِيسَى، وَيُكَذِّبُ مَنْ زَعَمَ مِنَ النَّصَارَى أنَّ المَسِيحَ إلهٌ) .
(المُبَاهَلَةُ هِيَ أنْ يَجْتَمِعَ فَرِيقَانِ يَخْتَلِفَانِ فِي أمْرٍ ثُمَّ يَبْتَهِلاَنِ إلى اللهِ بِأنْ يَجْعَلَ لَعْنَةَ اللهِ عَلَى الكَاذِبينَ) .
(وَهَذا الطَّلَبُ يَدُلّ عَلَى قُوَّةِ يِقِينِ صَاحِبِهِ، وَثِقَتِهِ بِمَا يَقُولُ) .
حَاجَّكَ - جَادَلَكَ.
تَعَالَوْا - هَلُمُّوا وَأقْبِلُوا.
نَبْتَهِلْ - نَدْعُ بِاللَّعْنَةِ عَلَى الكَاذِبِ مِنَّا.
стр. 356
(٦٢) - هذا الذِي قَصَصْنَاهُ عَلَيكَ يَا مُحَمَّدُ فِي أمْرِ عِيسَى وَأمِّهِ هُوَ القَصَصُ الحَقُّ الذِي لا معْدَى عَنْهُ، وَلَيْسَ هُنَاكَ إلهٌ غَيْرُ اللهِ، وَاللهُ هُوَ العَزِيزُ فِي قُدْرَتِهِ، الحَكِيمُ فِيمَا قَضَى بِهِ.
القَصَصُ - تَتَبُّعُ الأثَرِ. ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي الحَدِيثِ.
стр. 357
(٦٣) - فَإنْ أعْرَضُوا عَنِ اتِّبَاعِكَ وَتَصْدِيقِكَ، وَلَمْ يَقْبَلُوا عَقِيدَةَ التَّوْحِيدِ التِي جِئْتَ بِها، وَلَمْ يُجِيبُوكَ إلى المُبَاهَلَةِ، فَإنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِحَالِ المُفْسِدِينَ الذِينَ يَعْدِلُونَ عَنِ الحَقِّ إلى البَاطِلِ، وَسَيَجْزِيهمُ اللهُ عَلَى خُبْثِ سَرَائِرِهِمِ شَرًّ الجَزَاءِ.
стр. 358
﴿ياأهل﴾ ﴿الكتاب﴾
(٦٤) - قُلْ يَا مُحَمَّدُ لأَهْلِ الكِتَابِ مِنَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى: أنَا وَأنْتُمْ نَعْتَقِدُ أنَّ العَالَمَ مِنْ صُنْعِ إلهٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ خَالِقُهُ وَمدَبِّرُهُ، وَهُوَ الذِي يُرْسِلُ الأنْبِياءَ لِيُبَلِّغُوا عَنْهُ مَا يُرِيدُ، فَتَعَالوا إلى عِبَارَةٍ، أوْ جُمْلَةِ عَدْلٍ وَإنْصَافٍ (سَوَاءٍ) ، نَسْتَوِي نَحْنُ وَإيَّاكُمْ فِيها، وَاتَّفَقَتْ عَلَيها جَمِيعُ الرُّسُلِ وَالكُتُبِ التِي أنْزِلَتْ إلَيْهِمْ، وَهِيَ ألاَّ نَعْبُدَ إلاَّ اللهَ وَحْدَهُ، لَهُ السُّلْطَةُ المُطْلَقَةُ فِي التَّشْرِيعْ وَالتَّحْرِيمِ وَالتَّحْلِيلِ، وَلاَ نُشْرِك بِهِ شَيْئاً (لاَ وَثَناً وَلا صَنَماً وَلاَ صَلِيباً وَلاَ طَاغُوتاً) وَهَذِهِ هِيَ دَعْوَةُ جَميعِ الرُّسُلِ، وَلا يُطِيع بَعْضُنا بَعْضاً فِي مَعْصِيَةِ اللهِ. فَإنْ رَفَضُوا الاسْتِجَابَةَ لِهَذِهِ الدَّعْوَةِ، وَتَوَلَّوْا عَنْهَا، وَأبَوْا إلاًّ أنْ يَعْبُدُوا غَيْرَ اللهِ، وَاتَّخَذَوا الشُّرَكَاءَ وَالوُسَطَاءَ وَالأرْبَابَ الذِينَ يُحَلِّلُونَ وَيُحَرِّمُونَ، فَقُولُوا لَهُمْ - أنْتَ وَالمُسْلِمُونَ مَعَكَ -: اشْهَدُوا عَلينَا بِأنَّنَا مُقِيمُونَ عَلَى دِينِ الإسْلاَمِ الذِي شَرَعَهُ اللهُ لَنَا، وَنَحْنُ مُخْلِصُونَ لَهُ لاَ نَعْبُدُ مَعَ اللهِ أحداً غَيْرَهُ.
الرَّبُّ - السَّيِّدُ المُرَبِّي الذِي يُطَاعُ فِي أمْرِهِ وَنَهيهِ.
مُسْلِمُونَ - مُنْقَادُونَ إليهِ.
كَلِمَةٍ سَوَاءٍ - كَلِمَةِ عَدْلٍ وَإِنْصَافٍ، لاَ تَخْتَلِفُ فِيهَا الشَّرَائِعُ.
стр. 359
﴿ياأهل﴾ ﴿الكتاب﴾ ﴿اإِبْرَاهِيمَ﴾ ﴿التوراة﴾
(٦٥) - يُنْكِرُ اللهُ تَعَالَى عَلَى اليَهُودِ وَالنَّصَارَى ادّعَاءَ كُلِّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ بِأنَّ إبراهِيمَ كَانَ مِنْهُمْ، وَعَلَى دِينِهِمْ، فَقَدِ اجْتَمَعَ وَفْدٌ مِنْ نَصَارَى نَجْرَانَ وَأحْبَارِ يَهُودِ المَدِينَةِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَتَنَازَعُوا حَوْلَ إبراهِيمَ. فَأنْزَلَ اللهُ الآيةَ مُسْتَنْكِراً ادَّعَاءَاتِهِمْ لأنَّ إبراهيمَ كَانَ قَبْلَ نُزُولِ التَّوْرَاةِ، وَقَبْلَ نُزُولِ الإِنْجِيلِ. وَلَمْ يَكُنْ إبراهِيمُ عَلى شَيءٍ مِنْ تَقَالِيدِ اليَهُودِ وَلا النَّصَارَى، وَإنَّمَا كَانَ عَلَى الإِسْلاَمِ الذي يَدْعُوا إليهِ مُحَمَّدٌ ﷺ ، فَكَيفَ يَقُولُونَ قَوْلاً عَلَى جَهْلِهِمْ، وَقِصَرِ عُقُولِهِمْ؟
حَاجَّ - جَادَلَ.
стр. 360
﴿هاأنتم﴾ ﴿حَاجَجْتُمْ﴾
(٦٦) - لَقَدْ جَادَلْتُمْ وَحَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ - عَلَى مَا تَزْعُمُونَ - مِنْ أمْرِ عِيسَى، وَإذْ قَامَتْ عَلَيكُمُ الحَجَّةُ، وَتَبَيَّنَ أنَّ مِنْكُمْ مَنْ غَلاَ وَأفْرَطَ وَادَّعَى ألُوهِيَّتَهُ، وَمِنْكُمْ مَنْ فَرَّطَ وَقَالَ: إنَّهُ دَعِيٌّ كَذَّابٌ، وَلَمْ يَكُنْ عِلْمُكُمْ بِمَانِعٍ لَكُمْ مِنَ الخَطَأ، فَلِمَاذَا تَحَاجُّونَ فِي أمْرِ إبراهِيمَ، وَلَيَسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ، وَلاَ لِدِينِهِ ذِكْرٌ فِي كُتُبِكُمْ، فَمِنْ أيْنَ أتَاكُم أنَّهُ كَانَ يَهودِيّاً أوْ نَصْرَانِيّاً؟ وَاللهُ يَعْلَمُ مَا غَابَ عَنْكُمْ وَلَمْ تُشَاهِدُوهُ، وَلَمْ تَأتِكُمْ بِهِ الرُّسُلُ مِنْ أمْرِ إبراهِيمَ وَغَيْرِهِ مِمَّا تُجَادِلُونَ فِيهِ، وَأنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ إلاَّ مُا عَايَنْتُمْ وَشَاهَدْتُمْ وَأدْرَكْتُمْ عِلْمَهُ بِالسَّمَاعِ.
стр. 361
﴿إِبْرَاهِيمُ﴾
(٦٧) - إنَّ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى الذِينَ جَادَلُوا فِي إبراهِيم وَمِلَّتِهِ، وَقَالُوا: إنَّهُ كَانَ عَلَى مِلَّتِهِمْ وَدِينِهِمْ، هُمْ كَاذِبُونَ فِي دَعْوَاهُمْ، وَإنَّ الصَّادِقَ هُمْ أهْلُ الإسْلامِ، فَإنَّهُمْ وَحْدَهُمْ أهْلُ دِينهِ، وَعَلَى مِنْهَاجِهِ وَشَرِيعَتِهِ، دُونَ سَائِرِ المِلَلِ، فَقَدْ كَانَ إبراهِيمُ مطيعاً للهِ، مُقِيماً عَلَى مَحَجَّةِ الهُدَى التِي أمِرَ بِلُزُومِهَا، خَاشِعاً للهِ، مُتَذَلِّلَ القَلْبِ، مُذْعِناً لِمَا فَرَضَهُ اللهُ عَلَيهِ، وَألْزَمَهُ بِهِ، وَلَمْ يَكُنْ مِنَ المُشْرِكينَ.
الحَنِيفُ - المُنْحَرِفُ عَنِ الشِّرْكِ وَالعَقَائِدِ الزَّائِفَةِ.
مُسْلِماً - موَحِّداً أوْ مُنْقَاداً للهٍ مُطِيعاً.
стр. 362
﴿بِإِبْرَاهِيمَ﴾ ﴿آمَنُواْ﴾
(٦٨) - إنَّ أحَقَّ النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ وَنُصْرَتِهِ وَوِلاَيتِهِ، هُمُ الذِينَ اتَّبَعُوهُ عَلَى دِينِهِ، وَسَلَكُوا طَرِيقَهُ وَمِنْهَاجَهُ في عَصْرِهِ، فَوَحَّدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ، وَكَانظثوا حُنَفَاءَ مُسْلِمِينَ غَيْرَ مُشْرِكِينَ، ثُمَّ هذا النَّبِيُّ (يَعْنِي مُحَمَّداً ﷺ ، وَالذِينَ آمَنُوا مِنَ المُهَاجِرينَ وَالأنْصَارِ، وَمَنِ تَبِعَهُمْ بَعْدَهُمْ، فَهؤُلاءِ هُمْ أهْلُ التَّوْحِيدِ الخَالِصِ، وَهُمْ المُخْلِصُونَ للهِ فِي أعْمَالِهِمْ وعِبَادَتِهِمْ، دُونَ شِرْكٍ وَلاَ رِيَاءٍ، وَاللهُ وَلِيُّ المُؤْمِنينَ.
أوْلى النَّاس - أحَقَّ النَّاسِ.
وَلِيُّ المُؤْمِنينَ - نَاصِرُهُمْ وَمُجَازِيهِمْ بِالحُسْنَى.
стр. 363
﴿طَّآئِفَةٌ﴾ ﴿الكتاب﴾
(٦٩) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عَنْ حَسَدِ اليَهُودِ لِلْمُؤْمِنينَ، وَرَغْبَتِهِمْ في إضْلالِهِمْ، وَصَرْفِهِمْ عَنِ الإِيمَانِ، فَقَالَ: إنَّ طَائِفَةً مِنْ أَحْبَارِ اليَهُودِ وَرُؤَسَائِهِمْ أحَبُّوا أنْ يُوقِعُوكُمْ فِي الضَّلاَلَةِ بإِلْقَاءِ الشُّبُهَاتِ التِي تُشَكِّكُكُمْ في دِينِكُمْ، وَتَرُدُّكُمْ إلى مَا كُنْتُمْ عَلَيهِ مِنَ الكُفْرِ، وَلكِنَّهُمْ فِي الحَقِيقَةِ يُضِلُّونَ أنْفُسَهُمْ، وَيُفْسِدُونَ فِطْرَتَهُمْ بِاخْتِيارِهِمْ، لأنَّهُمْ يَشْغَلُونَ أنْفُسَهُمْ فِب البَحْثِ عَنْ وَسِيلةٍ لإِضْلاَلِكُمْ فَيَصْرِفُونَ أنْفُسَهُمْ عَنِ النَّظَرِ في طُرُقِ الهِدَايَةِ، وَلاَ يَشْعُرُونَ أنَّ مَكْرَهُمْ مُحِيقٌ بِهِمْ، وَانَّ عَاقِبَةَ سَعْيِهِمْ لاَ تَضُرُّ المُؤْمِنينَ.
وَدَّتْ - تَمَنَّتْ.
الطَّائِفَةُ - الجَمَاعَةُ.
стр. 364
﴿ياأهل الكتاب﴾ ﴿بِآيَاتِ﴾
(٧٠) - يُنْكِرُ اللهُ تَعَالَى عَلَى اليَهُودِ كُفْرَهُمْ بِآيَاتِ اللهِ، وَبَرَاهِينِهِ، الوَاضِحَةِ الدَّالَّةِ عَلَى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَهُمء يَعْلَمُونَ أنَّهَا حَقٌّ وَصِدْقٌ، وَكُتُبُهُمْ تَشْهَدُ بِصِحَّتِهَا، وَقَدْ جَاءَتْ فِيها البِشَارَةُ بِهِ، وَبَيَّنَتْ أوْصَافَهُ، وَهِيَ لاَ تَنْطَبِقُ إلاَّ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ .
стр. 365
﴿ياأهل الكتاب﴾ ﴿بالباطل﴾
(٧١) - يُنْكِرُ اللهُ تَعَالَى عَلَى اليَهُودِ كُفْرَهُمْ، وَخَلْطَهُمُ الحَقَّ الذِي جَاءَ بِهِ الأنْبِياءُ، وَنَزَلَتْ بِهِ الكُتُبُ، بِالشُّبُهَاتِ الوَاهِيَةِ، والتَّأوِيلاتِ البَاطِلَةِ، وَعَدَمَ إذاعَتِهِم الحَقَّ صَرِيحاً وَاضِحاً بَعِيداً عَنِ التَّخْلِيطِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ أنَّ عِقَابَ اللهِ عَظِيمٌ عَلَى مِثْلِ هَذِهِ الأعْمَالِ.
تَلْبِسُونَ - تَخْلِطُونَ وَتُمَوِّهُونَ أوْ تَسْتُرُونَ.
стр. 366
﴿طَّآئِفَةٌ﴾ ﴿الكتاب﴾ ﴿آمِنُواْ﴾ ﴿آخِرَهُ﴾ ﴿آمِنُواْ﴾
(٧٢) - اقْتَرَحَتْ طَائِفَةٌ مِنَ اليَهُودِ: هُمْ عَبْدُ اللهِ بْنُ الصَّيْفِ، وَعَدِسُّ بْنُ زَيْدٍ، وَالحَارِثُ بْنُ عَوْفٍ عَلَى إخْوَانِهِم اليَهُودِ أنْ يَكِيدُوا لِلْمُسْلِمِينَ، وَيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ أمْرَهُمْ، وَذَلِكَ بِأنْ يُؤْمِنَ فَرِيقٌ مِنَ اليَهُودِ بالإِسْلاَمِ أوَّلَ النَّهَارِ (وَجْهَ النَّهَارِ) ، ثُمَّ يَعُودُونَ فَيَرْتَدُّونَ عَنْهُ فِي آخِرِ النَّهَارِ، لِيَظُنَّ الجَهَلَةُ مِنَ المُسْلِمِينَ أنَّهُمْ إنَّما رَدَّهُمْ إلى دِينِهِمْ اطّلاَعُهُمْ عَلَى نَقِيصَةٍ وَعَيْبٍ فِي دِينِ الإسْلامِ، فَيَرْتَدُّونَ هُمْ أيْضاً.
وَقَدْ حَذَّرَ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ ﷺ مِنْ هَؤلاءِ، وَأطْلَعَهُ عَلَى سِرِّهِمْ وَمَكْرِهِمْ، حَتَّى لاَ تُؤثِّرَ هَذِهِ الحِيَلُ فِي قُلُوبِ ضُعَفَاءِ الإِيمَانِ.
(وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: صَلَّتِ اليَهُودُ مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ صَلاَةً الصُّبْحِ، وَكَفَرُوا آخِرَ النَّهَارِ مَكْراً مِنْهُمْ لِيُرُوا النَّاسَ أنَّهُ قَدْ بَدَتْ لَهُمْ الضَّلاَلَةُ مِنْهُ، بَعْدَ أَنْ كَانُوا اتَّبَعُوهُ) .
وَجْهَ النَّهَارِ - أوَّلَهُ.
стр. 367
﴿وَاسِعٌ﴾
(٧٣) - وَتَقُول هَذِهِ الطَّائِفَةُ مِنْ أهْلِ الكِتَابِ: لاَ تَطْمَئِنُّوا وَلا تُظْهِروا أسْرَارَ دِينكُمْ، وَمَا عِنْدَكُمْ إلاَّ لِمُتَّبِعِي دِينِكُمْ، وَلاَ تُظْهِرُوا شَيْئاً مِمَّا عِنْدَكُمْ لِلْمُسْلِمِينَ فَيَتَعَلَّمُوا، وَيُسَاوُوكُمْ بِهِ، وَيَحْتَجُّوا بِهِ عَلَيْكُمْ.
وَقَالُوا: لاَ تَعْتَرِفُوا أمَامَ العَرَبِ، أوْ غَيْرِهِمْ أنَّكُمْ تَعْتَقِدُونَ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُبْعَثَ نَبِيٌّ مِنْ غَيْرِ بَنِي إسْرَائِيلَ.
وَرَدَّ اللهُ عَلَيهِمْ بِقَوْلِهِ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ: إنَّ الرِّسَالَةَ فَضْلٌ مِنَ اللهِ، وَهوَ تَعَالَى العَلِيمُ بِمَنْ يَسْتَحِقُّ فَيُعْطِيهِ، وَإنَّ اللهَ هُوَ الذِي يَهْدِي القُلُوبَ إلى الإيمَانِ الكَامِلِ، بِمَا يُنْزِلُ عَلَى عَبْدِهِ مُحَمَّدٍ مِنَ الآيَاتِ، وَالدَّلاَئِلِ، وَالحُجَجِ الوَاضِحَاتِ. وَإذا كُنْتُمْ يَا أيُّها اليَهُودُ تَكْتُمُونَ صِفَة َ مُحَمَّدٍ المُبَيَّنَةَ فِي كُتُبِكُمْ، وَوَصَلَتْكُمْ مِنْ أَنْبِيَائِكُمْ، فَإِنَّ اللهَ أعْلَمَ بِهَا رَسُولَهُ. وَقُلْ لَهُمْ: إِنَّ الفَضْلَ وَالأمُورَ كُلَّها بِيدِ اللهِ، وَهُوَ المُعْطِي وَالمَانِعُ، يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ بالإيمَانِ، وَيُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ، وَاللهُ وَاسِعُ العِلْمِ وَالفَضْلِ.
آمَنَ لَهُ - صَدَّقَهُ وَسَلَّمَ بِمَا يَقُولُ.
الفَضْلَ - هُنَا النُّبُوَّةَ. وَفي الأصْلِ الزِّيَادَةُ.
وَاسِعٌ - مَغْفِرَتُهُ وَاسِعَةٌ.
стр. 368
(٧٤) - وَاللهُ تَعَالَى يَخْتَصُ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ بَرَحْمَتِهِ، وَيَبْعَثُهُ نَبِيّاً لإبْلاَغِ رِسَالاَتِهِ، وَقَدِ اخْتَصَّ بِهَا مُحَمَّداً ﷺ ، وَالله هُوَ صَاحِبُ الفَضْلِ العَظِيمِ، لا يُنَازِعُهُ فِيهِ غَيْرُهُ، وَلا يُحْجَزُ عَلَيهِ في عَطَاءٍ.
стр. 369
﴿الكتاب﴾ ﴿قَآئِماً﴾ ﴿الأميين﴾
(٧٥) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عَنْ خِيَانَةِ اليهُودِ، وَيُحَذِّرُ المُؤْمِنِينَ مِنَ الاغْتِرَارِ بِهِمْ، فَمِنْهُمْ جَمَاعَةٌ أُمَنَاءُ يُؤَدُّونَ مَا ائْتُمِنُوا عَلَيْهِ، حَتًّى وَلَو كَانَ قِنْطَاراً مِنَ المَالِ. وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ فِي الأَمَانَةِ، فَلاَ يُؤَدُّونَ مَا ائْتُمِنُوا عَلَيْهِ، إلاَّ بِالمُلاَزَمَةِ وَالإِلْحَاحِ، لاسْتِخْلاَصِ الحَقِّ مِنْهُمْ، حَتَّى وَلَوْ كَانَ دِينَاراً وَاحِداً. وَالذِي حَمَلَهُمْ عَلَى ذَلِكَ هُوَ قَوْلُهُمْ: إِنَّهُ لاَ حَرَجَ عَلَيهِمْ فِي أَكْلِ أَمْوَالِ العَرَبِ (الأُمِّيِّينَ) ، وَاعْتِقَادُهُمْ بِأَنَّ اللهَ أَحَلَّ لَهُمْ أَكْلَ أَمْوَالِ النَّاسَ مِمَنْ هُمْ عَلَى غَيْرِ دِينِهِمْ بِأيَّةِ طَرِيقَةٍ كَانَتْ، بِالحِقِّ أوْ بِالبَاطِلِ. وَقَوْلُهُمْ هَذا كَذِبٌ، واعْتِقَادُهُمْ بَاطِلٌ، لأنَّ اللهَ حَرَّمَ أَكْلَ الأَمْوَالِ إلاَّ بِحَقِهَا، وَإِنَّمَا هُمْ قَوْمٌ بُهْتٌ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ كَذِبَ قَوْلِهِمْ هَذا، كَمَا يَعْلَمُونَ أنَّ اللهَ حَرَّمَ أَكْلَ أَمْوَالِ النَّاسَ بِالبَاطِلِ.
(وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ أنَّ جَمَاعَةً مِنَ المُسْلِمِينَ بَاعُوا إلَى اليَهُودِ بَعْضَ السِّلَعِ فِي الجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَا أَسْلَمُوا وَتَقَاضَوْهُمُ الثَّمَنَ قَالُوا: لَيْسَ لَكُمْ عَلَينَا أَمَانَةً، وَلاَ قَضَاءَ لَكُمْ عِنْدَنَا، لأَنَّكُمْ تَرَكْتُمْ دِينَكُمْ الذِي كُنْتُمْ عَلَيهِ، وَادَّعَوْا أَنَّهُمْ وَجَدُوا ذَلِكَ فِي كُتُبِهِمْ) .
تَأمَنْهُ - تَأتَمِنْهُ مِنَ الأمَانَةِ.
الأمِّيُّونَ - العَرَبُ لأَنَّهُمْ لا يَقْرَؤُونَ وَلاَ يَكْتُبُونَ.
السَّبِيلُ - المُؤَاخَذَةُ أو الإِثْمُ أوِ الجُرْمُ.
عَلَيهِ قَائِماً - مُلاَزِماً لَهُ تُطَالِبُهُ وَتُقَاضِيهِ.
стр. 370
(٧٦) - وَيَرُدُّ اللهُ تَعَالَى عَلَيهمْ قَائِلاً: بَلَى عَلَيكُمْ فِي الأمِّيِّينَ سَبِيلٌ، وَعَلَيكُمُ الوَفَاءُ بِعُقُودِكُم المُؤَجَّلَةِ، وَأدَاءِ الأَمَانَاتِ لأَصْحَابِهَا، فَعَلَى أَهْلِ الكِتَابِ أنْ يُوفُوا بِعَهْدِهِمْ، وَأنْ يَتَّقُوا مَحَارِمَ اللهِ، وَيَتَّبِعُوا طَاعَتَهُ وَشَرْعَهُ، لأنَّ اللهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ.
стр. 371
﴿وَأَيْمَانِهِمْ﴾ ﴿أولئك﴾ ﴿خَلاَقَ﴾ ﴿القيامة﴾
(٧٧) - أخَذَ اللهُ المِيثَاقَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أنْ يُؤْمِنُوا بِكُلِّ نَبيٍِّ يُرْسِلُهُ، وَأنْ يُؤَيِّدُوهُ، وَألاَّ يَكْتُمُوا شَيْئاً مِمَّا شَرَعَ اللهُ، وَألْزَمَهُمْ شَرْعُهُمْ بِالصِّدْقِ وَالوَفَاءِ بِمَا يَتَعَاهَدُونَ عَلَيهِن وَبِمَا يَتَعَاقَدُونَ، وَبِأنْ يُؤَدُّوا الأمَانَاتِ إلى أهْلِهَا، وَأنْ يَعْبُدُوا اللهَ وَحْدَهُ وَلاَ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً، فَخَالَفُوا عَنْ أمْرِ اللهِ، وَكَفَرُوا بِعِيسَى وَبِمُحَمَّدٍ، وَبِغَيْرِهِمَا مِنَ الأَنْبِيَاءِ، ﵈. وَقَتَلُوا النَّبِيِّنَ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَكَتَمُوا مَا فِي كُتُبِهِمْ مِنْ صِفَاتِ عِيسَى وَمُحَمَّدٍ، وَمِنَ التَّبْشِيرِ بِهِمَا، خَوْفاً عَلَى نُفُودِهِمْ مِنْ أنْ يَزُولَ، وَعَلَى مَوَارِدِهِمْ مِنْ أنْ تَقِلًّ، إذا بَيَّنُوا لِلنَّاسِ شَرْعَ اللهِ، لِذَلِكَ فَإِنَّهمْ قَدْ خَالَفُوا عَهْدض اللهِ وَمِيثَاقَهُ وَكَأنَّهُمْ اشْتَرَوا بِهِذا العَهْدِ قَلِيلاً مِنْ حَطَامِ الدُّنيا الفَانِيَةِ، فَهؤُلاءِ لاَ نَصِيبَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ ولاَ حَظَّ، وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلاَ يَنْظُرُ إلَيْهِمِ، وَإنَّما يَتَلَقَاهُمْ وَهُوَ عَلَيهِمْ غَضْبَانُ، وَيَأمُرُ بِإِلْقَائِهِمْ فِي نَارِ جَهَنَّمَ لِيَنَالُوا العَذَابَ الألِيمَ الذِي يَسْتَحِقُونَهُ.
(وَهَذِهِ الآيَةُ تَنْطَبِقُ عَلَى كُلِّ مَنْ يَحْلِفُ يَمِيناً كَاذِباً لِيَأكُلَ بِهَا مَالَ النًّاسِ بِالبَاطِلِ. وَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسم مَنِ اقْتَطَعَ مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ حَقٍّ لَقِيَ اللهَ وَهُوَ عَليهِ غَضْبَانُ، وَقَرَأ رَسُولُ اللهِ هَذِهِ الآيَةِ) .
يَشْتَرُونَ - يَسْتَبْدِلُونَ.
لاَ يُزَكِّيهِمْ - لاَ يُثْنِي عَلَيْهِمء وَلاَ يَمْدَحُهُمْ.
العَهْدُ - عَهْدُ اللهِ إلَى النَّاسِ بِأنْ يَلْتَزِمُوا الصِّدْقَ وَالوفَاءَ بِمَا يَتَعَاهَدُونَ عَلَيهِ.
الأَيْمَانُ - يُقْصَدُ بِهَا هُنَا الأَيْمَانُ الكَاذِبَةُ.
الخَلاَقُ - النَّصِيبُ وَالحَظُّ.
стр. 372
﴿يَلْوُونَ﴾ ﴿بالكتاب﴾
(٧٨) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ ﷺ أنَّ فَرِيقاً مِنَ اليَهُودِ (مِثْلَ كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ وَمَالِكِ بْنِ الصَّيْفِ وَأضْرَابِهِمَا) يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ، وَيَتَأوَّلُونَ كِتَابَ اللهِ، وَهُمْ يَنْسُبُونَهُ إلى اللهِ، وَهَذَا كَذِبٌ عَلَى اللهِ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ إنهم لَكَاذِبُونَ.
ليُّ اللِّسَانِ بِالكِتَابِ - فَتْلُهُ لِلْكَلاَمِ، أوْ تَحْرِيفُهُ بِصَرْفِهِ عَنْ مَعْنَاهُ إلى مَعْنىً آخَرَ.
стр. 373
﴿الكتاب﴾ ﴿رَبَّانِيِّينَ﴾
(٧٩) - مَا يَنْبَغِي لِبَشَرٍ آتَأهُ اللهُ الكِتَابَ وَالحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ أنْ يَقُولَ لِلنَّاسِ اعْبُدُونِي مِنْ دُونِ اللهِ، وَلَكِنَّ الرَّسُولَ يَقُولُ لِلنَّاسِ: اعْبُدُوا اللهَ، وَكُونُوا أهْلَ عِبَادَةٍ للهِ وَتَقْوىً (رَبَّانِيِّينَ) ، وَكُونُوا فُقَهَاءً تَفْهَمُونَ شَرَائِعَ دِينِهِ، وَتَحْفَظُونَها، وَتَدْرُسُونَ كُتُبَهُ وَتَعْمَلُونَ بِهَا.
الرَّبَّانِيُّ - المَنْسُوبُ إلى الرَّبِّ، لأنَّهُ عَالِمٌ بِهِ، قَائِمٌ بِطَاعَتِهِ.
تَدْرُسُونَ - تَقْرَؤُونَ الكِتَابَ.
الحُكْمَ - الحِكْمَةَ أوِ الفَهْمَ وَالعِلْمَ.
стр. 374
﴿الملائكة﴾ ﴿والنبيين﴾
(٨٠) - وَلاَ يَأمُرُكُمُ النَّبِيُّ أنْ تَعْبُدُوا أحَداً غَيْرَ اللهِ، لا نَبِيّاً مُرْسَلاً وَلاَ مَلَكاً مُقَرَّباً، لأنًَّ عِبَادَةَ غَيرِ اللهِ كُفْرٌ. وَمَنْ دَعَا إلى عِبَادَةِ غَيْرِ اللهِ فَقَدْ دَعَا إِلى الكُفْرِ. وَالأنْبِيَاءُ إِنَّمَا يَأْمُرُونَ بِالإِيْمَانِ، وَهُوَ عِبَادَةُ اللهِ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَبإِخْلاصِ العِبَادَةِ لَهُ وَحْدَهُ، وَلَيْسَ مِنَ المَعْقُولِ أنْ يَدْعُوَ النَّبِيُّ النَّاسَ إلى الكُفْرِ، بَعْدَ أنْ أَسْلَمُوا وُجُوَهَهُمْ للهِ مُؤْمِنينَ مُطِيعِينَ.
стр. 375
﴿مِيثَاقَ﴾ ﴿النبيين﴾ ﴿آتَيْتُكُم﴾ ﴿كِتَابٍ﴾ ﴿أَأَقْرَرْتُمْ﴾ ﴿الشاهدين﴾
(٨١) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُ أَخَذَ المِيثَاقَ عَلَى كُلِّ نَبِيٍّ بَعَثَهُ مِنْ لَدُنء آدَمَ، أَنَّه مَهْمَا آتَى أَحَدَهُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ، وَبَلَغَ أيَّ مَبْلَغٍ، ثُمَّ جَاءَ رَسُولٌ بَعْدَهُ فَإِنَّ عَلَيهِ أنْ يُؤْمِنَ بِهِ وَيَنْصُرَهُ، وَلاَ يَمْنَعُهُ مَا هُوَ عَلَيهِ مِنَ العِلْمش وَالنُّبُوَّةِ مِنِ اتِّباعِ مَنْ بُعِثَ بَعْدَهُ، وَمِنْ نُصْرَتِهِ.
وَقَالَ اللهُ لِلأنْبِيَاءِ: أأقْرَرْتُمْ بِذلِكَ، وَعَاهَدْتُمُونِي عَهْداً وَثِيقاً مُؤَكَّداً؟ قَالُوا: أقْرَرْنا. قَالَ اللهُ تَعَالَى للأنْبِيَاءِ: فَاشْهَدُوا وَأنَا عَلَى ذَلِكَ مِنَ الشَّاهِدِينَ. وَقَدْ أبْلَغَ الأنْبيَاءُ، صَلَواتُ اللهِ عَلَيْهِمْ، أُمَمَهُمْ بِهَذَا العَهْدِ، فَوَجَبَ عَلَى أُمَمِهِمْ أنْ يُؤْمِنُوا بِالنَّبِيِّ الذِي يَبْعَثُهُ اللهُ، وَيَنْصُرُوهُ، وَفَاءً وَاتِّبَاعاً بِمَا الْتَزَمَ بِهِ أنْبِياؤُهُمْ.
المِيثَاقُ - العَهْدُ المُوثَّقُ بِالأيْمَانِ.
الإصْرُ - العَهْدُ المُؤَكَّدُ المُغَلَّظُ.
أخَذْتُمْ - قَبِلْتُمْ.
стр. 376
﴿فأولئك﴾ ﴿الفاسقون﴾
(٨٢) - فَمَنْ تَخَلَى بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ هَذا العَهْدِ وَالمِيثَاقِ، وَاتَّخَذَ الدِّينَ وَسِيلَةً لِلتَّفْرِيقِ وَالعُدْوانِ، وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالنَّبِيِّ المُتَأخِّرِ المُصَدِّقِ لِمَنْ تَقَدَّمَهُ، وَلَمْ يَنْصُرْهُ، فَأولَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ الجَاحِدُونَ الخَارِجُونَ عَنْ طَاعَةِ اللهِ. فَأهْلُ الكِتَابِ الذِينَ جَحَدُوا نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ ، هُمْ خَارِجُونَ عَنْ مِيثَاقِ اللهِ، نَاقِضُونَ لِعَهْدِهِ، وَلَيْسُوا عَلَى الدِّينِ الحَقِّ.
стр. 377
﴿السماوات﴾
(٨٣) - يُنكِرُ اللهُ تَعَالَى عَلَى مَنِ ابْتَغَى دِيناً غَيْرَ دِينِ اللهِ الذِي أَنْزَلَهُ فِي كُتُبِهِ، وَأَرْسَلَ بِهِ رُسُلَهُ، وَهُوَ دِينُ الإِسلامِ، الذِي يَدْعُو إلى عِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ، لاَ شَرِيكَ لَهُ، الذِي اسْتَسْلَمَ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ، طَوْعاً كَمَا يَفْعَلُ المُؤْمِنُونَ، وَكَرْهاً كَمَا اسْتَسْلَمَ الكَافِرُونَ، فَإِنَّهُمْ جَمِيعا تَحْتَ سُلْطَانِ اللهِ العَظِيمِ الذِي لاَ يُعَارَضُ وَلاَ يُرَدُّ، وَإليهِ يُرْجَعُونَ جَمِيعاً يَوْمَ الحَشْرِ وَالمَعَادِ، فَيُجَازِي كُلاًّ بعَمَلِهِ.
стр. 378
﴿آمَنَّا﴾ ﴿اإِبْرَاهِيمَ﴾ ﴿وَإِسْمَاعِيلَ﴾ ﴿وَإِسْحَاقَ﴾
(٨٤) - قُلْ: آمَنَّا، أنَا وَمَنْ مَعِي، بِوُجُودِ اللهِ، وَبِوَاحْدَانِيَّتِهِ، وَبِالقُرآنِ الذِي أُنْزِلَ عَلَينا، وَبِمَا أُنْزِلَ عَلَى النَّبِيِّينَ مِنَ الصُّحُفِ وَالوَحْيِ، وَمَا أُنْزِلَ عَلَى مُوسَى مِنَ التَّورَاةِ، وَعَلَى عِيسَى مِنَ الإِنْجِيلَ وَالمُعْجِزَاتِ، وَمَا أُنْزِلَ عَلَى النَّبِيِّينَ مَنْ وَحْيٍ مِنْ رَبِّهِمْ (وَهَذا يَعُمُّ وَيَشْمَلُ جَمِيعَ الأنْبِيَاءِ) فَنَحْنُ نُؤْمِنُ بِهِمْ جَمِيعاً وَبِمَا أنزِلَ عَليهِمْ، وَلاَ نُفَرِّقُ بَيْنَهُمْ، وَلاَ نُمَيِّزُ أحَداً مِنْهُمْ عَلَى أحَدٍ، وَنَحْنُ مُسْلِمُونَ وُجُوهَنَا للهِ، لاَ نَبْتَغِي بِذَلِكَ إلاَّ التَّقَرُّبَ إلَيهِ.
السِّبْطُ - وَلَدُ الوَلَدِ - وَالأسْبَاطُ هُنْا أحْفَادُ يَعْقُوبَ.
стр. 379
﴿الإسلام﴾ ﴿الآخرة﴾ ﴿الخاسرين﴾
(٨٥) - مَنِ ابْتَغَى دِيناً لاَ يَقُودُهُُ إلَى الإسْلاَمِ الكَامِلِ للهِ، وَالخُضُوعِ التَّامِّ لَهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، فَلاَ يُقْبَلُ مِنْهُ هَذا الدِّينُ، وَيَكُونُ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ، لأنَّهُ يَكُونُ قَدْ سَلَكَ طَريقاً غَيْرَ مَا شَرَعَهُ اللهُ. وَجَاءَ فِي الصَّحِيحِ: " مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيهِ أمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ) .
الخَاسِرُ - مَنْ أضَاعَ رَأسَ مَالِهِ.
الإسْلامُ - التَّوْحِيدُ أوْ دِينُ مُحَمَّدٍ ﷺ .
стр. 380
﴿إِيمَانِهِمْ﴾ ﴿البينات﴾ ﴿الظالمين﴾
(٨٦) - أَسْلَمَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ ثُمَّ ارْتَدَّ وَلَحِقَ بِالشِّرْكِ، ثُمَّ نَدِمَ فَأَرْسَلَ إلَى قَوْمِهِ أنْ اسْأَلُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ هَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ وَمَا بَعْدَهَا فَعَادَ إلى الإِسْلاَمِ.
فَالذِينَ يَرْتَدُّونَ عَنِ الإِسْلاَمِ بَعْدَ أنَ تَبَّينَ لَهُمْ هُدَاهُ، وَقَامَتَ لَدَيْهِمِ البَرَاهِينُ عَلَى صِدْقِهِ، وَصِدْقِ مَا جَاءَهُمْ بِهِ الرَّسُولُ، كَيْفَ يَسْتَحِقُونَ الهِدَايَةَ؟ ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: إِنَّهُ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظَالِمِينَ أنْفُسَهُمْ، الجَانِينَ عَلَيهَا، لأَنَّهُمْ تَنَكَّبُوا عَنِ الطَّرِيقِ القَوِيمِ، وَتَرَكُوا هِدَايَةَ العَقْلِ، بَعْدَ أنْ ظَهَرَ نُورُ النُّبُوَّةِ، وَعَرَفُوهُ بِالبَيِّنَاتِ.
стр. 381
﴿أولئك﴾ ﴿والملائكة﴾
(٨٧) - وَهَؤُلاَءِ يَسْتَحِقُونَ سَخَطَ اللهِ وَغَضَبَهُ، وَسَخَطَ المَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ جَمِيعاً، إِذْ أَنَّهُمْ مَتَى عَرَفُوا حَقِيقَةَ حَالِهِمْ لَعَنُوهُمْ.
стр. 382
﴿خَالِدِينَ﴾
(٨٨) - وَمَنْ لَعَنَهُمُ اللهُ تَعَالَى كَانَ جَزَاؤُهُمُ العَذَابَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ فِي الآخِرَةِ، وَيَبْقَوْنَ خَالِدِينَ فِي اللَّعْنَةِ وَالعَذَابِ مَسْخُوطاً عَلَيْهِمْ إلَى الأبَدِ. وَلاَ يُفَتَّر عَنْهُمُ العَذَابُ، وَلاَ يُخَفَّفُ سَاعَةً وَاحِدَةً، وَلاَ يُمْهَلُونَ لِمَعْذِرَةٍ يَعْتَذِرُونَ بِهَا.
لاَ يُنظَرُونَ - لاَ يُؤَخَّرُونَ عَنِ العَذَابِ لَحْظَةً.
стр. 383
(٨٩) - وَمِنْ لُطْفِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ أنَّ مَنْ تَابَ إِلَيهِ مِنْ عِبَادِهِ، تَابَ اللهُ عَلَيْهِ، فَاسْتَثْنَى، اللهُ تَعَالَى مِنْ حُكْمِ المُرْتَدِّينَ، الذِين تَابُوا مِنْ ذُنُوبِهِمْ، وَأَنَابُوا إلَى رَبِهِمْ، وَتَرَكُوا الكُفْرَ الذِي دَنَّسُوا بِهِ أنْفُسَهُمْ، نَادِمِينَ عَلَى مَا أصَابُوا مِنْهُ، وَأصْلَحُوا أَنْفُسَهُمْ بِصَالِحِ الأَعْمَالِ، فَإنَّ اللهَ يَتُوبُ عَلَيهِمْ، وَيَقْبَلُ تَوْبَتَهُمْ، وَيَغْفِرُ لَهُمْ لأنَّهُ تَعَالَى هُوَ الغَفُوُرُ الرَّحِيمُ.
стр. 384
﴿إِيمَانِهِمْ﴾ ﴿وأولئك﴾
(٩٠) - وَقَبُولُ التَّوبَةِ مُنوطٌ بالاسْتِمْرَارِ عَلَى الإيمَانِ، فَالذِينَ يَكْفُرُونَ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ، وَيَزْدَادُونَ فِي كُفْرِهِمْ طُغْيَاناً وَفَسَاداً، وَإِيذَاءً لِلْمُؤْمِنِينَ، وَيَسْتَمِرُّونَ فِي ذَلِكَ حَتَّى مَمَاتِهِمْ فإنَّ اللهَ لَنْ يَقْبَلَ التَّوْبَةَ التِي يُحْدِثُونَها وَقْتَ المَوْتِ لأَنَّها لَيْسَتْ تَوْبَةً خَالِصَةً، وَهُؤلاءِ هُمْ أَهْلُ الضَّلاَلَةِ.
стр. 385
(٩٢) - لَنْ تَنَالُوا يَا أيُّها المُؤْمِنُونَ الخَيْرَ وَالجَنَّةَ حَتَّى تُنْفِقُوا فِي سَبيلِ اللهِ مِنْ أحَبِّ أمْوالِكُم إليَكُمْ، وَاللهُ يَعْلَمُ كُلَّ شَيءٍ يُنْفِقُهُ العَبْدُ فِي سَبيلِ مَرْضَاةِ رَبِّه.
نَالَ الشَّيءَ - حَصَلَ عَلَيهِ.
البِرَّ - مَا يَكُونُ بِهِ الإِنْسَانُ بَارّاً وَهُوَ الإِحْسَانُ وَالخَيْرُ.
стр. 386
﴿اإِسْرَائِيلَ﴾ ﴿إِسْرَائِيلُ﴾ ﴿التوراة﴾ ﴿التوراة﴾ ﴿صَادِقِينَ﴾
(٩٣) - جَاءَ وَفْدٌ مِنَ اليَهُودِ إلَى الرَّسُولِ ﷺ يَسْأَلُونَهُ عَمَّا حَرَّمَ يَعْقُوبُُ عَلَى نَفْسِهِ (إِسْرَائِيلُ) فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّهُ مَرِضَ مَرَضاً شَدِيداً، فَنَذَرَ إنْ عَافَاهُ اللهُ أَنْ يُقْلِعَ عَنْ أَكْلِ أحَبِّ الطَّعَامِ إليهِ، وَهُوَ لَحْمُ الإِبْلِ، وَألذِّ الشَرَّابِ إليهِ وَهُوَ ألْبَانُها، فَحَرَّمَهَا عَلَى نَفْسِهِ بَعْدَ شِفَائِهِ، وَتَابَعَهُ بَنُوهُ اقْتِدَاءً بِهِ.
(وَيُرْوَى أَيْضاً: أنَّ اليَهُودَ جَاؤُوا إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالُوا: إِنَّكَ تَدَّعِي أَنَّكَ عَلَى مِلْةِ إِبْْرَاهِيمَ، فَكَيْفَ تَأْكُلُ لُحُومَ الإِبْلِ، وَتَشْرَبُ أَلْبَانَهَا مَعَ أنَّ ذَلِكَ كَانَ مُحَرَّماً فِي مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ؟ فَأَنْتَ قَدْ اسْتَحْلَلْتَ مَا كَانَ مُحَرَّماً. فَرَدَّ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِم بِهَذِهِ الآيَة) .
ثُمَّ ارْتَكَبَ اليَهُودُ جَرَائِمَ وَمُخَالَفَاتٍ دِينِيَّة فَعَاقَبَهُمُ اللهُ عَلَى ذَلِكَ بِأَنْ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ كَانَتْ حَلاَلاً عَلَيْهِمْ، وَبَيَّنَتِ التَّورَاةُ هَذِهِ المُحَرَّمَاتِ عَلَى اليَهُودِ. وَقَدْ أكَّدَ اللهُ هَذا الوَاقِعَ بِقَولِهِ في القُرْآن:
﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ وَهَذِهِ هِيَ التَّوْرَاةُ تَشْهَدُ بِصِدْقِ مَا نَقُولُ. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ يَرُدُّ بِهَا عَلَى هَؤُلاَءِ المُفْتَرِينَ الكَذِبَ عَلَى اللهِ، وَقَالَ لَهُمْ إِنَّ التَّوْرَاةَ أُنْزِلَتْ عَلَى مُوسَى، وَمُوسَى مِنْ أَنْسَالِ إِبْرَاهِيمَ وَبَيْنَ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى مِئَاتُ السِّنِينَ وَلِذَلِكَ فَلاَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَا جَاءَ فِي التَّوْرَاةِ المُنْزَّلَةِ عَلَى مُوسَى دَلِيلاً عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ شَرْعُ إِبْرَاهِيمَ.
ثُمَّ أَمَرَ اللهُ رَسُولَهُ الكَرِيمَ بِأَنْ يَطْلُبَ مِنَ اليَهُودِ بِأَنْ يَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ لِيَقْرَؤُوهَا، وَيَرَوْا صِدْقَ مَا أَوْحَى اللهُ بِهِ إِلَيْهِ.
стр. 387
﴿فأولئك﴾ ﴿الظالمون﴾
(٩٤) - فَمَنِ افْتَرَى الكَذِبَ عَلَى اللهِ، وَاخْتَرَعَهُ، وَزَعَمَ أنَّ التَّحْرِيمَ كَانَ نَزَلَ عَلَى الأَنْبِياءِ السَّابِقِينَ، قَبْلَ نُزُولِ التَّوْرَاةِ، فَهَؤُلاَءِ هُمُ الظَّالِمُونَ المُسْتَحِقُّونَ عَذَابَ اللهِ، لأنَّهُمْ ضَلُّوا وَأَضَلُّوا أشْيَاعَهُمْ بِإصْرَارِهِمْ عَلَى اتِّبَاعِ البَاطِلِ، وَعَدَمِ تَصْدِيقِهِمْ رَسُولَ اللهِ.
стр. 388
﴿إِبْرَاهِيمَ﴾
(٩٥) - بَعْدَ أنْ أثْبَتَ اللهُ تَعَالَى عَجْزَ اليَهُودِ عَنِ الإِتْيَانِ بِدَليلٍ مِنَ التَّورَاةِ عَلَى صِدْقِ مَا يَدَّعُونَ مِنْ أنَّ مَا يُحَرِّمُونَهُ كَانَ حَرَاماً في شَرْعِ إبراهِيمَ، قَالَ اللهُ تَعَالَى لِرَسُولِهِ الكَرِيمِ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ: صَدَقَ اللهُ فِيما أَخْبَرَ بِهِ، بِأَنَّ سَائِرَ الأَطْعِمَةِ كَانَتْ حَلاَلاً لِبَني إِسْرَائِيلَ قَبْلَ نُزُولِ التَّوْرَاةِ، وَأنا لَمْ أَكُنْ أعْرِفُ ذَلِكَ لَوْلاَ وَحْيُ اللهِ الذِي أعْلَمَنِي بِهِ، وَبِذَلِكَ ثَبَتَ أنِّي مُبَلِّغٌ عَنِ اللهِ، فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إبراهِيمَ التِي شَرَعَهَا اللهُ، وَبَيَّنَها فِي القُرآنِ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ؛ وَكَانَتْ مِلَّةُ إبراهِيمَ حَنِيفيَّةً سَمْحَةً، فَهِيَ المِلَّةُ التِي لَمْ يَأْتِ نَبِيٌ بِأكْمَلَ مِنْهَا وَلاَ أبْيَنَ، وَلَمْ يَكُنْ إبرَاهِيمَ مِنَ المُشْرِكِينَ، وَإِنَّمَا كَانَ مُسْلِماً مُنْحَرِفاً عَنِ الشِّرْكِ.
حَنِيفاً - مُنْحَرِفاً عَنِ الشِّرْكِ.
стр. 389
﴿لِّلْعَالَمِينَ﴾
(٩٦) - وَمِنِ اتِّبَاعِ مِلَّةِ إبرَاهِيمَ الاتِّجَاهُ في الصَّلاَةِ إلى البَيْتِ الذِي بَنَاهُ، وَالحَجُّ إليهِ فَإِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلْعِبَادَةِ (أيْ لِعِبَادَةِ النَّاسِ) هُوَ البَيْتُ الحَرَامُ (الكَعْبَةُ) المَوْجُودَةُ فِي مَكَّةَ.
(وَتُسَمَّى مَكَّةَ أيْضاً بَكَّةَ، وَإبْدَالُ المِيمِ بَاءً كَثِيرُ الاسْتِعْمَالِ فِي اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، فَيَقُولُونَ دَائِمٌ وَدَائِبٌ) .
وَهَذا البَيْتُ قَدْ بَنَاهُ إِبراهِيمُ، ﵇، أمَّا بَيْتُ المَقْدِسِ فَقَدْ بُنِيَ بَعْدَهُ بِزَمَنٍ (وَقِيلَ إنَّ الذِي بَنَاهُ هُوَ سُلَيْمَانُ سَنَةَ ١٠٠٥ قَبْلَ المِيلادِ) .
وَقَدْ جَعَلَ اللهُ البَيْتَ الحَرَامَ مُبَارَكاً وَهُدىً لِلنَّاسِ.
البَرَكَةُ - تُطْلَقُ فِي العَرَبِيَّةِ عَلَى مَعْنَيينِ:
- الزِّيَادَةِ وَالنمَاءِ.
- البَقَاءِ وَالدَّوَامِ.
- بَكَّةَ - مَكَّةَ.
стр. 390
﴿آيَاتٌ﴾ ﴿بَيِّنَاتٌ﴾ ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ ﴿آمِناً﴾ ﴿العالمين﴾
(٩٧) - وَفيهِ دَلاَلاَتٌ ظَاهِرَاتٌ عَلَى أنَّ إبْرَاهِيمَ الخَلِيلَ هُوَ الذِي بَنَاهُ، وَهَذِهِ الدَّلاَلاَتُ هِيَ مَقَاُم إبراهِيمَ. إذْ أنَّ إبرَاهِيمَ لَمّا ارْتَفَعَ بِنَاءُ البَيْتِ، اتْخَذَ لَهُ مَقَاماً يَقِفُ عَلَيْهِ، وَإسْمَاعِيلُ يُنَاوِلُهُ مَوَادَّ البِنَاءِ، (وَكَانَ المَقَامُ مُلْتَصِقاً بِجِدَارِ الكَعْبَةِ، فَلَمَّا وَلِيَ عُمَرُ ﵁ أخرَّهُ إلى حَيْثُ يَقُومُ الآنَ لِيَتَمكَّنَ النَّاسُ مِنَ الصَّلاَةِ عِنْدَهُ دُونَ إزْعَاجِ الطَّائِفِينَ بِالبَيْتِ، وَكَانَ إبراهِيمُ يَتَّخِذُهُ مَوْضِعاً لِصَلاتِهِ وَعِبَادَتِهِ) . وَقَدْ اتَّفَقَ العَرَبُ جَمِيعاً عَلَى احْتِرامِ البَيْتِِ وَتَعْظِيمِهِ، لِذَلِكَ كَانَ مَنْ دَخَلَهُ يُصْبِحُ آمِناً مِمَّا يُخِيفُهُ.
وَفِي هَذِهِ الآيَةِ يَفْرِضُ اللهُ تَعَالَى الحَجَّ عَلَى المُسْلِمِينَ، وَبِذَلِكَ أَصْبَحَ أَحَدَ أَرْكَانِ الإِسْلاَمِ، وَأَصْبَحَ فَرْضاًً عَلَى مَنْ اسْتَطَاعَ الحَجَّ مِنْ نَفَقَةٍ وَقُدْرَةٍ.
وَمَنْ جَحَدَ فَرِيضَةَ الحَجِّ فَقَدْ كَفَرَ وَاللهُ غَنِيٌّ عَنْهُ (وَقِيلَ المُرَادُ بِالكُفْرِ هُوَ جُحُودُ كَوْنِ البَيْتِ الحَرَامِ أَوْلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِعِبَادَةِ النَّاسِ) .
следующие страницы →