Полный текст (6 113 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
﴿ظَالِمُونَ﴾
(١٢٨) - يُنَبِّهُ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ الكَرِيمَ إلَى أنَّ الأمْرَ كُلَّهُ للهِ، وَلَيْسَ لِلنَّبِيِّ شَيْءٌ مِنَ الحُكْمِ وَالتَّصَرُّفِ فِي أمْرِ العِبَادِ، غَيْرَ مَا أمَرَهُ مِنْ إِبْلاَغِهِمْ رِسَالَةَ رَبِّهِمْ، وَهُوَ تَعَالَى إمَّا أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ مِمّا هُمْ فِيهِ مِنَ الكُفْرِ، فَيَهْدِيَهُمْ بَعْدَ الضَّلاَلَةِ، وَإِمَّا أنْ يُعَذِّبَهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ فِي الدُّنيا وَالآخِرَةِ، وَيَكْبِتَهُمْ وَيُذِلَّهُمْ لأنَّهُمْ يَسْتَحِقُّونَ ذَلِكَ بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ.
стр. 422
﴿السماوات﴾
(١٢٩) - واللهُ يَمْلِكُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَأَهْلُهُمَا عَبيدٌ لَهُ، وَهُوَ المُتَصَرِّفُ المُطْلَقُ فِي الوُجُودِ كُلِّهِ، وَلاَ مُعَقِّبَ عَلَى حُكْمِهِ، فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ، وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ، وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
стр. 423
﴿يَآ أَيُّهَا﴾ ﴿آمَنُواْ﴾ ﴿الربا﴾ ﴿أَضْعَافاً﴾ ﴿مُّضَاعَفَةً﴾
(١٣٠) - يَنْهَى اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ المُؤْمِنِينَ عَنْ أَكْلِ الرِّبَا، وَالتَّعَامُلِ بِهِ، بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ، وَهُدَى اللهِ لَهُمْ، كَمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ فِي الجَاهِلِيَّةِ، إذْ كَانُوا يَقُولُونَ لِلمَدِينِ إذَا حَلَّ أجَلُ الدَّيْنِ: إمّا أنْ تَقْضِيَ دَيْنَكَ وَإمَّا أنْ تُرٍبيَ. فَإِنْ قَضَاهُ فِبِهَا، وَإلاَّ زَادَهُ فِي المُدَّةِ وَزَادَهُ فِي المِقْدارِ، وَهَكَذَا كُلَّ عَامٍ، فَرُبَّما تَضَاعَفَ القَلِيلُ حَتَّى يَصِيرَ كَثِيراً مُضَاعَفاً. وَيَأمُرُ اللهُ عِبَادَهُ بِالتَّقْوَى لَعَلَّهُمْ يُفْلِحُونَ فِي الأولَى وَالآخِرَةِ.
اتَّقُوا اللهَ - خَافُوهُ وَاجْعَلُوا لأَنْفُسِكُمْ وِقَايَةً مِنْ عَذَابِهِ.
стр. 424
﴿لِلْكَافِرِينَ﴾
(١٣١) - وَيَأمُرُ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ بِالتَّقْوَى، وَبِالابْتِعَادِ عَنْ مُتَابَعَةِ المُرَابِينَ، وَتَعَاطِي مَا يَتَعَاطَوْنَهُ مِنْ أَكْلِ الرِّبا، الذِي يُفْضِي بِهِمْ إِلى دُخُولِ النَّارِ التِي أعَدَّهَا اللهُ لِلْكَافِرِينَ.
стр. 425
(١٣٢) - وَيَأمُرُُ اللهُ المُؤْمِنِينَ بِطَاعَتِهِ، وَطَاعَةِ رَسُولِهِ ﷺ ، فِيمَا نَهَيَا عَنْهُ مِنْ أَكْلِ الرِّبَا، وَمَا أَمَرا بِهِ مِنَ الصَّدَقَةِ كِي يُرْحَمُوا فِي الدُّنيا، بِصَلاحِ حَالِ المُجْتَمَعِ، وَفِي الآخِرَةِ، بِحُسْنِ الجَزَاءِ.
стр. 426
﴿السماوات﴾
(١٣٣) - وَيَنْدُبُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ إلَى القِيَامِ بِالأَعْمِالِ الصَّالِحَةِ، وَإلى المُسَارَعَةِ فِي فِعْلِ الخَيْرَاتِ، لِيَنَالُوا مَغْفِرَةَ اللهِ وَرِضْوَانَهُ، وَجَنَّتَهُ الوَاسِعَةَ العَرِيضَةَ التِي أَعَدَّهَا اللهُ لِعِبَادِهِ المُتَّقِينَ، الذِينَ يَمْتَثِلُونَ أَمْرَهُ.
стр. 427
﴿والكاظمين﴾
(١٣٤) - يَذْكُرُ اللهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الآيَةِ صِفَاتِ أهْلِ الجَنَّةِ فَيَقُولُ: إِنَّهُمُ الذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ مَرْضَاةِ اللهِ، فِي الرَّخَاءِ (السَّرَاءِ) ، وَفِي الشِّدَّةِ (الضَرَّاءِ) ، وَفِي الصِّحَّةِ وَالمَرَضِ، وَفِي جَمِيعِ الأَحْوَالِ، لاَ يَشْغَلُهُمْ أَمْرٌ عَنْ طَاعَةِ اللهِ، وَالإِنْفَاقِ فِي سَبيلِ مَرْضَاتِهِ، وَإِنَّهُمْ يَكْتُمُونَ غَيْظَهُمْ إذَا ثَارَ، وَيَعْفُونَ عَمَّنْ أَسَاءَ إِلَيهِمْ. وَاللهُ يُحِبُّ الذِينَ يَتَفَضَّلُونَ عَلَى عِبَادِهِ البَائِسِينَ، وَيُوَاسُونَهُمْ شُكْراً للهِ عَلَى جَزِيلِ نِعَمِهِ عَلَيْهِمْ. (وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ كَظَمَ غَيْظَهُ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى إِنْفَاذِهِ مَلأَ اللهُ جَوْفَهُ أَمْناً وَإِيمَاناً ") .
كَظَمَ غَيْظَهُ - كَتَمَ غَيْظَهُ فِي نَفْسِهِ وَأَخْفَاهُ.
كَظَمَهُ الغَيْظُ - أَخَذَ بِنَفْسِهِ - فَهُو كَظِيمٌ.
السَّرَّاءَ - الحَالَةُ التِي تَسُرُّ (اليُسْرِ) .
الضَّرَّاء - الحَالَةُ التِي تَضُرُّ (العُسْرِ) .
стр. 428
﴿فَاحِشَةً﴾
(١٣٥) - وَمِنْ صِفَاتِ أَهْلِ الجَنَّةِ أَنَّهُمْ إذَا صَدَرَ عَنْهُمْ فِعْلَ قَبيحٌ يَتَعَدَّى أثرُهُ إلَى غَيْرِهِمْ (كَغَيبَةِ إِنْسَانٍ) ، أَو صَدَرَ عَنْهُمْ ذَنْبٌ يَكُونُ مُقْتَصِراً عَلَيْهِمْ (كَشُرْبِ خَمْرٍ وَنَحْوَهُ) ، ذَكَرُوا اللهَ تَعَالَى وَوَعِيدَهُ، وَعَظَمَتَهُ وَجَلاَلَهُ، فَرَجَعُوا إلَى اللهِ تَائِبِينَ، طَالِبِينَ مَغْفِرَتَهُ، وَلَمْ يُقِيمُوا عَلى القَبِيحِ مِنْ غَيْرِ اسْتِغْفَارٍ، لِعِلْمِهِمْ أنَّ اللهَ هُوَ الذِي يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً، وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى الذَّنْبِ، لأَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ أنَّ مَنْ تَابَ إلَى اللهِ، تَابَ اللهُ عَلَيهِ، وَغَفَرَ لَهُ.
الفَاحِشَةُ - الفَعْلَةُ الشَّنِيعَةُ.
ظُلْمُ النَّفْسِ - ارْتِكَابُ الذَّنْبِ الذِي يَقْتَصِر أثَرُهُ عَلَى الفَاعِلِ كَشُرْبِ إنْسَانٍ الخَمْرَ مُسْتَتِراً.
الإِصْرَارُ - الإِقَامَةُ عَلَى الفِعْلِ.
стр. 429
﴿أولئك﴾ ﴿وَجَنَّاتٌ﴾ ﴿الأنهار﴾ ﴿خَالِدِينَ﴾ ﴿العاملين﴾
(١٣٦) - وَالمُتَّقُونَ المُتَمَتِّعُونَ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ سَيَجْزِيهِمْ رَبُّهُمْ عَلَيهَا بِالمَغْفِرَةِ، وَبِالأَمْرِ مِنَ العِقَابِ، وَلَهُمْ ثَوَابٌ عَظِيمٌ فِي جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ، وَهُمْ مُخَلَّدُونَ فِيهَا أَبَداً، وَالجَنَّةُ خَيْرُ مَا يُكَافَأُ بِهِ المُؤْمِنُونَ العَامِلُونَ عَلَى أَعْمَالِهِمْ الصَّالِحَاتِ.
стр. 430
﴿عَاقِبَةُ﴾
(١٣٧) - يُخَاطِبُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ بَعْدَ مَصَابِهِمْ فِي وَقْعَةِ أُحُدٍ فَيَقُولُ لَهُمْ:
لَقَدْ جَرَى عَلَى أَتْبَاعِ الأَنْبِيَاءِ السَّابِقِينَ مِنَ الأُمَمِ الغَابِرَةِ نَحُوٌ مِمَّا جَرَى لَكُمْ يَوْمَ أحُدٍ، فَأُصِيبُوا وَقُتِلُوا وَهُزِمُوا. . وَلَكِنَّ العَاقِبَةَ كَانَتْ لَهُمْ، وَالدَّائِرَةَ كَانَتْ عَلَى الكَافِرِينَ. . . وَهَذِهِ هِيَ سُنَّةُ اللهِ فِي خَلْقِهِ أَنَّهُ مَا التَقَى الإِيمَانُ وَالشِّرْكُ إلاّ نَصَرَ اللهُ المُؤْمِنِينَ المُخْلِصِينَ، وَأَعْلَى رَايَةَ الإِيْمَانِ، وَهَزَمَ الشِّرْكَ وَأَهْلَهُ، وَنَكَّسَ أَعْلاَمَهُ. وَأَجْدَرُ النَّاسِ بِمَعْرِفَةِ هَذِهِ الحَقِيقَةِ هُمُ المُؤْمِنُونَ فَسِيرُوا يَا أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ فِي الأَرْضِ، وَتَأَمَّلُوا فِيمَا حَلَّ بِالأُمَمِ السَّابِقَةِ.
السُنَنُ - جَمْعُ سُنّةٍ - الطَّرِيقَةُ وَالسِّيرَةُ.
خَلَتْ - مَضَتْ.
العَاقِبَةُ - النِّهَايَةُ وَالمَصِيرُ.
стр. 431
(١٣٨) - وَمَا تَقَدَّمَ هُوَ بَيَانٌ لِلنَّاسِ كَافَّةً، وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ مِنْهُمْ خَاصَّةً، فَالإِرْشَادُ عَامٌّ لِلنَّاسِ، وَحُجَّةٌ عَلَى المُؤْمِنِ وَالكَافِرِ، (وَذَلِكَ يَدْحَضُ مَا قَالَهُ المُشْرِكُونَ: لَوْ كَانَ مُحَمَّدٌ رَسُولاً حَقّاً لَمَا غُلِبَ فِي وَقْعَةِ أُحُدٍ) . فَهَذا البَيَانُ وَالهُدَى يُرشِدَانِ إلَى أنَّ سُنَنَ اللهِ حَاكِمَةٌ عَلَى الأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ، كَمَا هِيَ حَاكِمَةٌ عَلَى سَائِرِ خَلْقِهِ، فَمَا مِنْ قَائِدٍ يُخَالِفُهُ جُنْدُهُ، وَيَتْرُكُونَ حِمَايَةَ الثَّغْرِ الذِي عُهِدَ إلَيهِمْ بِحِمَايَتِهِ، إلاّ كَانَ جَيْشُهُ عُرْضَةً لِلْهَزِيمَةِ.
وَهَذَا البَيَانُ هُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ، لأَنَّهُمْ هُمُ الذِينَ يَتَفَكَّرُونَ فَيَعْتَبِرُونَ.
هُدًى - إِرْشَادٌ إلَى الطَّرِيقِ القَوِيمِ.
стр. 432
(١٣٩) - وَلاَ تَضْعَفُوا عَنِ الجِهَادِ، وَمَا يَتَطَلَّبُهُ مِنْ حُسْنِ التَّدْبِيرِ وَالإِعْدَادِ، بِسَبَبِ مِا أَصَابَكُمْ مِنَ الفَشَلِ وَالجِرَاحِ يَوْمَ أحُدٍ، وَلاَ تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَقَدْتُمْ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ، فَإِنَّ العَاقِبَةَ وَالنَّصْرَ سَيَكُونَانِ لَكُمْ إذَا تَمَسَّكْتُمْ بِحَبْلِ اللهِ، وَرَاعَيْتُمْ تَعَالِيمَهُ، فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ اللهِ أنْ يَجْعَلَ العَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ.
الوَهْنُ - الضَّعْفُ.
стр. 433
﴿آمَنُواْ﴾ ﴿الظالمين﴾
(١٤٠) - إنْ كُنْتُمْ قَدْ أَصَابَتْكُمْ جِرَاحٌ، وَقُتِلَ مِنْكُمْ رِجَالٌ يَوْمَ أحُدٍ، فَقَدْ أَصَابَ أَعْدَاءَكُمْ قَرِيبٌ مِمَّا أَصَابَكُمْ، فَلاَ يَنْبَغِي لَكُمْ أنْ تَقْعُدُوا وَتَتَقَاعَسُوا عَنِ الجِهَادِ بِسَبَبِ مَا أَصَابَكُمْ، فَالمُشْرِكُونَ قَدْ سَبَقَ أنْ أَصَابَهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ مِثْلَ مَا أَصَابَكُمْ أَنْتُمْ فِي أحُدٍ، فَلَمْ يَتَقَاعَسُوا، وَلَمْ يَقْعُدُوا عَنِ الإِعْدَادِ لِلْحَرْبِ وَمُبَاشَرَتِهَا، وَهُمْ عَلَى بَاطِلِهِمْ، فَكَيْفَ تَتَرَدَّدُونَ وَأَنْتُمْ عَلَى حَقٍّ، وَاللهُ وَعَدَكُمْ نَصْرَهُ، وَجَعَلَ العَاقِبَةَ لَكُمْ؟ وَمِنْ سُنَنِ اللهِ تَعَالَى مُدَاوَلَةُ الأَيَّامِ بَيْنَ النَّاسِ، فَمَرَّةً تَكُونُ الغَلبَةُ لِلْبَاطِلِ عَلَى الحَقِّ، إذَا أَعَدَّ لَهُ أَهْلُهُ وَاحْتَاطُوا، وَتَرَاخَى أَهْلُ الحَقِّ، وَمَرَّةً تَكُونُ الغَلَبَةُ لِلْحَقِّ عَلَى البَاطِلِ. وَلَكِنَّ العَاقِبَةَ تَكُونُ دَائِماً لِلْحَقِّ وَأَهْلِهِ. وَاللهُ تَعَالَى يَبْتَلِي المُؤْمِنينَ لِيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ الصَّادِقِينَ مِنْهُمْ، وَلِيَتّخِذَ مِنَ المُؤمِنِينَ رِجَالاً يُكْرِمُهُمْ بِالشَّهَادَةِ.
إنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ - إنْ يُصِبْكُمْ جِرَاحٌ.
نُدَاوِلُهَا - نُصَرِّفُها، فَنُدِيلُ تَارَةً لِهؤلاءِ وَتَارَةً لِهَؤلاءِ، وَالمُدَاوَلَةُ نَقْلُ الشَّيءِ مِنْ شَخْصٍ إلى شَخْصٍ.
стр. 434
﴿آمَنُواْ﴾ ﴿الكافرين﴾
(١٤١) - وَيُدَاوِلُ اللهُ الأيَّامَ بَيْنَ النَّاسِ لِيَمِيزَ المُؤْمِنِينَ الصَّادِقِينَ، مِنَ المُنَافِقِينَ، وَلِتَطْهُرَ نُفُوسُ بَعْضِ ضُعَفَاءِ المُؤْمِنِينَ مِن كُدُورَتِهَا، فَتَصْفُوَ مِمَّا شَابَهَا وَخَالَطَهَا، وَلاَ يَكُونُ ذَلِكَ إلا بِالتَّجَارِبِ الكَثِيرَةِ، وَالامْتِحَانِ بِالشَّدَائِدِ، وَلِيَكُونَ الجِهَادُ وَالحَرْبُ فِي سَبيلِ اللهِ وَسِيلةً لِتَدْمِيرِ الكَافِرِينَ الذِينَ إذا ظَفِرُوا بَغَوا وَبَطِرُوا.
التَّمْحِيصُ - التَّنْقِيَةُُ مِنَ الشَّوَائِبِ.
المَحْقُ - النُّقْصَانُ، وَأصْلُهُ المُحْوُ وَالإِبَادَةُ.
стр. 435
﴿جَاهَدُواْ﴾ ﴿الصابرين﴾
(١٤٢) - وَلاَ تَحْسَبُوا أَنَّكُمْ تَدْخُلُونَ الجَنَّةَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَبِرَكُمُ اللهُ تَعَالَى وَيُمَحِّصَكُمْ فِي الشَّدَائِدِ وَالجِهَادِ لِيَرَى صِدْقَ إيمَانِكُمْ، وَيَرَى مَنْ يَسْتَجِيبُ للهِ، وَيُخْلِصُ فِي طَاعَتِهِ، وَقِتَالِ أًَعْدَائِهِ، وَيَصْبِرُ عَلَى مَكَارِهِ الحُرُوبِ.
جَاهَدَ - احْتَمَلَ المَشَقَّةَ فِي مُكَابَدَةِ الشَّدَائِدِ، وَيُقْصَدُ بِالجِهَادِ هُنَا الدِّفَاعُ عَنِ الدِّينِ وَأهْلِهِ.
стр. 436
(١٤٣) - يُخَاطِبُ اللهُ تَعَالَى مَنْ شَهِدَ وَقْعَةِ أحُدٍ مِنَ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ لَمْ يَشْهَدُوا بَدْراً، وَكَانُوا يَتَحَرَّقُونَ شَوْقاً لِلْقِتَالِ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِيَكُونَ لَهُمْ يَومٌ كَيَوْمِ بَدْرٍ، وَقَدْ أَلَحُّوا عَلَى الرَّسُولِ ﷺ فِي الخُرُوجِ إلَى أحُدٍ لِيُقَاتِلُوا المُشْرِكِينَ. وَيَقُولُ تَعَالَى لِهَؤُلاءِ: لَقَدْ كُنْتُمْ تَتَمَنَّوْنَ المَوْتَ فِي سَبِيلِ اللهِ قَبْلَ أنْ تُلاَقُوا القَوْمَ فِي مَيْدَانِ المَعْرَكَةِ، فَهَا أَنْتُمْ تَرَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَتَمَنَّوْنَ فَمَا بَالُكُمْ دَهِشْتُمْ عِنْدَمَا وَقَعَ المَوْتُ فِيكُمْ؟ وَمَا بَالُكُمْ تَحْزَنُونَ وَتَضْعُفُونَ عَنْ لِقَاءِ مَا كُنْتُمْ تُحِبُّونَ وَتَتَمَنَّوْنَ؟
стр. 437
﴿أَفإِنْ﴾ ﴿أَعْقَابِكُمْ﴾ ﴿الشاكرين﴾
(١٤٤) - لَمَّا انْهَزَمَ المُسْلِمُونَ يَوْمَ أحُدٍ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ مَنْ قُتِلَ، أُشِيعَ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ قُتِلَ، فَحَصَلَ ضَعْفٌ فِي صُفُوفِ المُسْلِمِينَ، وَتَأَخُّرٌ عَنِ القِتَالِ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيةَ، وَفِيهَا يُذَكِّرُ المُسْلِمِينَ بِأَنَّ مُحَمَّداً بَشَرٌ قَدْ سَبَقَتُهُ رُسُلٌ، مِنْهُمْ مَنْ مَاتَ، وَمِنْهُمْ مَنْ قُتِلَ، ثُمَّ يُنْكِرُ اللهُ تَعَالَى عَلَى مَنْ ضَعُفَ مِنْهُمْ، حِينَ سَمَاعِ إِشَاعَةِ قَتْلِ الرَّسُولِ، ضَعْفَهُ، فَقَالَ لَهُمْ: أَفَإِنْ مَاتَ مُحَمَّدٌ، أوْ قُتِلَ، تَرَاجَعْتُمْ وَنَكَصْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ؟ وَمَنْ يَتَرَاجَعُ وَيَنْكُصْ عَلَى عَقِبَيْهِ، فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيئاً، لأنَّ اللهَ غَنِيٌ عَنِ العَالَمِينَ، أمّا الذِينَ امْتَثَلُوا لأمْرِ اللهِ، وَقَاتَلُوا عَنْ دِينِهِ، وَاتَّبَعُوا رَسُولَهُ، فَهَؤُلاءِ هُمُ الشَّاكِرُونَ، وَسَيَجْزِيهِمْ رَبُّهُمْ عَلَى ذَلِكَ.
انْقَلَبَ عَلَى عَقِبَيْهِ - رَجَعَ إلَى الوَرَاءِ، وَنَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ.
стр. 438
﴿كِتَاباً﴾ ﴿الآخرة﴾ ﴿الشاكرين﴾
(١٤٥) - لاَ يَمُوتُ أحَدٌ إلاَّ بِقَدَرِ اللهِ، وَحَتَّى يَسْتَوْفِيَ المُدَّةَ التِي جَعَلَهَا اللهُ لَهُ أَجَلاً (كِتَاباً مُؤَجَّلاً) ، فَلاَ يَتَقَدَّمُ عَنْهُ وَلاَ يَتَأَخَّرُ. وَإِذَا كَانَ مَحْيَا الإِنْسَانِ وَمَمَاتُهُ بِإِذْنِ اللهِ فَلاَ مَحَلَّ لِلْخَوْفِ وَالجُبْنِ، وَلاَ عُذْرَ فِي الوَهَنِ وَالضَّعْفِ.
وَفِي هَذِهِ الآيَةِ تَشْجِيعٌ لِلْجُبَنَاءِ عَلَى القِتَالِ. فَإِنَّ الإِقدَامَ وَالإِحْجَامَ لاَ يُنْقِصَانِ مِنْ عُمْرِ الإِنْسَانِ، وَلاَ يَزِيْدَانِ فِيهِ. وَمَنْ كَانَ عَمَلُهُ لِلْدُّنيا فَقَطْ نَالَهُ مِنَها مَا قَدَّرَهُ اللهُ لَهُ مِنْ ثَوَابِها، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ فِي الآخِرَةِ نَصْيبٌ. وَمَنْ قَصَدَ بِعَمَلِهِ ثَوَابَ الآخِرَةِ أَعْطَاهُ اللهُ مِنْ ثَوَابِهَا، وَأَعْطَاهُ مَعَها مَا قَسَمَهُ لَهُ فِي الدُّنيا مِنْ نَصِيبٍ. وَاللهُ يَجْزِي الشَّاكِرِينَ الذِينَ يَعْرِفُونَ أنْعُمَ اللهِ عَلَيْهِمْ، وَيَسْتَعْمِلُونَهَا فَي الأَعْمِالِ الصَّالِحَةِ. وَيُعْطِيهِمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ فِي الدُّنيا وَالآخِرَةِ بِمِقْدَارِ شُكْرِهِمْ وَعَمَلِهِمْ.
المُؤَجَّلُ - ذُو الأَجَلِ أوِ المُدَّةِ.
стр. 439
﴿وَكَأَيِّن﴾ ﴿قَاتَلَ﴾ ﴿الصابرين﴾
(١٤٦) - فِي هَذِهِ الآيَةِ يُسَلِّي اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ عَمَّا وَقَعَ فِي نُفُوسِهِمْ يَوْمَ أحُدٍ، فَقَالَ لَهُمْ: كَمْ مِنْ نَبِيٍّ قُتِلَ وَهُوَ يُقَاتِلُ، وَكَانَ مَعَه جَمَاعَاتٍ كَثِيرَةٌ (رِبِّيُّونَ) مِمَّنْ آمَنُوا بِهِ، وَاعْتَقَدُوا أَنَّهُ رَسُولُ اللهِ، فَمَا وَهِنُوا، وَمَا ضَعُفُوا بَعْدَ قَتْلِ النَّبِيِّ، وَمَا اسْتَكَانُوا، وَمَا اسَتَذَلُّوا لِمَا أصَابَهُمْ فِي الجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَفِي سَبِيلِ إِعْلاَءِ دِينِهِ، وَإِنَّمَا صَبَرُوا عَلَى قِتَالِ الأَعْدَاءِ، وَلَمْ يَهْرُبُوا مُوَلِّينَ الأَدْبَارَ، لأنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ لاَ فِي سَبِيلِ نَبِيِّهِمْ، فَعَلَيْكُمْ أيُّهَا المُسْلِمُونَ أنْ تَعْتَبِرُوا بِأولَئِكَ الرِّبِّيِّينَ، وَتَصْبِرُوا كَمَا صَبَرُوا فَإنَّ دِينَ اللهِ وَاحِدٌ، وَسُنَّتَهُ فِي خَلْقِهِ وَاحِدَةٌ.
رِبِّيُّونَ - جَمَاعَاتٌ كَثِيرَةٌ.
الوَهْنُ - ضَعْفٌ يَلْحَقُ النَّفْسَ.
الضَّعْفُ - اخْتِلاَلُ قُوَّةِ الجِسْمِ.
الاسْتِكَانَةُ - الخُضُوعُ لِلْخَصْمِ.
стр. 440
﴿الكافرين﴾
(١٤٧) - فَاحْتَسَبَ هَؤُلاءِ المُؤْمِنُونَ (الرِّبِّيُّونَ) اللهَ عِنْدَ اشْتِدَادِ الخَطْبِ، وَهُمْ يُقَاتِلُونَ أَعْدَاءَهُمْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ قَوْلٍ عِنْدَ نُزُولِ الكَوَارِث إلاَ الدُّعَاءُ إلَى اللهِ أنْ يَغْفِرَ لَهُمْ بِجِهَادِهِمْ مَا كَانُوا ألمُّوا بِهِ مِنْ ذنُوبٍ، وَتَجَاوُزَوا فِيهِ حُدُودَ الشَّرائعِ، وَأن يُثَبِّتَ أقْدَامَهُمْ عَلَى الصِّرَاطِ القَوِيمِ، حَتَّى لا تُزَحْزِحَهُم الفِتَنُ، وَلاَ يَعْرُوهُمُ الفَشَلُ حِينَ مُقَابَلَةِ الأعْدَاءِ فِي سَاحَةِ الحَرْبِ.
الإِسْرَافُ - مُجَاوَزَةُ الحَدِّ.
стр. 441
﴿فَآتَاهُمُ﴾ ﴿الآخرة﴾
(١٤٨) - فَآتَاهُمُ اللهُ النَّصْرَ وَالظَّفَرَ عَلَى الأَعْدَاءِ، وَهُمَا ثَوَابُ الدُّنْيا، وَجَمَعَ لَهُمْ، إلَى ذَلِكَ الظَّفَرِ، حُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ، وَهُوَ الفَوْزُ بِرُضْوَانِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ، وَاللهُ يُحِبُّ الذِينَ يُحْسِنُونَ العَمَلَ، لأَنَّهُمْ يُقِيمُونَ سُنَّتَهُ فِي أَرْضِهِ، وَيُظْهِرُونَ بِأَنْفُسِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ أَنَّهُمْ جَدِيرُونَ بِخِلاَفَةِ اللهِ فِيهَا.
стр. 442
﴿يَا أَيُّهَا﴾ ﴿آمنوا﴾ ﴿أَعْقَابِكُمْ﴾ ﴿خَاسِرِينَ﴾
(١٤٩) - يُحَذِّرُ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ المُؤْمِنِينَ مِنْ إِطَاعَةِ الكَافِرِينَ وَالمُنَافِقِينَ، الذِينَ حَاوَلُوا إِلْقَاءَ الشُّبُهَاتِ فِي قُلُوبِ ضِعَافِ المُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِمْ: لَوْ كَانَ مُحَمَّدٌ نَبِيّاً حَقّاً لانْتَصَرَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ يَوْمٌ وَعَلِيهِ يَوْمٌ. (وَهَؤُلاَءِ هُمْ أبُو سُفْيَانُ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ) لأَنَّ إِطَاعَتَهُمْ تُورِثُ البَوَارَ فِي الدُّنْيا، بِخُضُوعِهِمْ لِسُلْطَانِهِمْ، وَذِلَّتِهِمْ بَيْنَهُمْ، وَفِي الآخِرَةِ فِيمَا يُصِيبُهُمْ مِنَ العَذَابِ الأَبَدِيِّ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، وَجَهَنَّمُ بِئْسَ المَصِيرُ وَالمُسْتَقَرُّ.
стр. 443
﴿مَوْلاَكُمْ﴾ ﴿الناصرين﴾
(١٥٠) - يَأمُرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ بِطَاعَتِهِ، وَمُوَالاَتِهِ، وَالاسْتِعَانَةِ بِهِ، وَالتَّوَكُّلِ عَلَيهِ وَحْدَهُ، لأَنَّهُ خَيْرُ نَاصِرٍ لِعِبَادِهِ المُخْلِصِينَ. أمَّا رُؤُوسُ الكُفْرِ وَالضّلاَلَةِ وَالنِّفَاقِ فَإِنَّهُمْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ، وَلاَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ.
стр. 444
﴿سُلْطَاناً﴾ ﴿وَمَأْوَاهُمُ﴾ ﴿الظالمين﴾
(١٥١) - يُبَشِّرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ بِأَنَّهُ سَيُلْقِي فِي قُلُوبِ أَعْدَائِهِم الرُّعْبَ لأنَّهُمْ كَفَرُوا وَأَشْرَكُوا بِاللهِ، وَهَذِهِ هِيَ سُنَّةُ اللهِ، قَدْ جَعَلَ نُفُوسَ المُشْرِكِينَ مُضْطَرِبَةً، وَقُلُوبَهُمْ مُمْتَلِئَةً رُعْباً وَهَلَعاً مِنَ المُؤْمِنِينَ، حِينَما يَلْتَقُونَ بِهِمْ فِي سَاحَةِ الحَرْبِ، وَأنَّهُ سَيَدَّخِرُ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابَ النَّارِ وَنَكَالَها. وَالنَّارُ بِئْسَ المَثْوَى وَالنِّهَايَةُ لِلظَّالِمِينَ الكَافِرِينَ.
المَثْوَى - المَقَرُّ وَالمَأوَى.
سُلْطاناً - حُجَّةً وَبُرْهَاناً.
مَثْوَى الظَّالِمِينَ - مَأوَاهُمْ وَمُقَامُهُمْ.
стр. 445
﴿وَتَنَازَعْتُمْ﴾ ﴿أَرَاكُمْ﴾ ﴿الآخرة﴾
(١٥٢) - لَمَّا رَجَعَ النَّبِيُّ ﷺ وَالمُسْلِمُونَ إلَى المَدِينَةِ بَعْدَ مَعْرَكَةِ أحُدٍ قَالَ أُنَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ: مِنْ أَيْنََ أَصَابَنَا هَذا وَقَدْ وَعَدَنَا اللهُ تَعَالَى النَّصْرَ؟ فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ وَفِيها يَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ: إِنَّهُ صَدَقَكُمْ مَا وَعَدَكُمْ بِهِ مِنْ نَصْر، فَكُنْتُمْ تَقْتُلُونَهُمْ قَتْلاً ذَرِيعاً بِإذْنِ اللهِ، وَسَلَّطَكُمْ عَلَيهِمْ، حَتَّى إذَا أَصَابَكُمُ الضَّعْفُ وَالفَشَلُ، وَعَصَيْتُمْ أمْرَ الرَّسُولِ، وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ، (وَهُوَ مَا وَقَع لِلرُّمَاةِ الذِينَ أَمَرَهُمُ الرَّسُولُ أنْ يَلْزَمُوا مَوَاقِعَهُمْ فَتَخَلَّوا عَنْهَا) ، وَكَانَ اللهُ قَدْ أَرَاكُمُ الظَّفَرَ، وَهُوَ مَا تُحِبُّونَهُ، فَكَانَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنيا، وَيَطْمَعُ فِي المَغْنَمِ، حِينَ رَأَوْا هَزِيمَةَ المُشْرِكِينَ، فَتَرَكُوا مَوَاقِعَهُمْ عَلَى الجَبَلِ، وَمِنْكُمْ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الآخِرَةَ فِي قِتَالِهِ المُشْرِكِينَ لاَ يَلْتَفِتُ إلَى المَغْنَمِ، فَثَبَتَ مَكَانَهُ وَقَاتَلَ، ثُمَّ أدَالَ اللهُ المُشْرِكِينَ عَلَيكُمْ، وَجَعَلَ لَهُمُ الغَلَبَةَ عَلَيْكُمْ لِيَخْتَبِرَكُمْ، وَيَمْتَحِنَ ثَبَاتَكُمْ عَلَى الإِيمَانِ، وَقَدْ غَفَرَ اللهُ لَكُمْ ذَلِكَ الفِعْلَ، وَهُوَ عِصْيَانُ أَمْرِ الرَّسُولِ، وَالهَرَبُ مِنَ المَعْرَكَةِ، وَمَحَا أَثَرَهُ مِنْ نُفُوسِكُمْ، حِينَمَا أَظْهَرْتُمُ النَّدَمَ، وَرَجَعْتُمْ إلَى اللهِ، حَتَّى صِرْتُمْ وَكَأَنَّكُمْ لَمْ تَفُشَلُوا. وَلَمْ يَسْمَحِ اللهُ باسْتِئْصَالِكُمْ لأَنَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى المُؤْمِنِينَ.
تَحُسُّونَهُمْ - تَقْتُلُونَهُمْ، وَمِنَها سَنَةٌ حَسُوسٌ إذَا أَتَتْ عَلَى كُلِّ شَيءٍ.
الفَشَلُ - عَدَمُ النَّجَاحِ - وَهُوَ الضَّعْفُ.
صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ - كَفَّكُمْ عَنْهُمْ.
لِيَبْتَلِيَكم - لِيَخْتَبِرَكُم.
стр. 446
﴿تَلْوُونَ﴾ ﴿اأُخْرَاكُمْ﴾ ﴿فَأَثَابَكُمْ﴾ ﴿أَصَابَكُمْ﴾
(١٥٣) - فَقَدْ صَرَفَكُمُ اللهُ عَنِ المُشْرِكِينَ فَأخَذْتُمْ فِي الهَرَبِ مِنْ أَعْدَائِكُمْ فِي الجِبَالِ، لاَ تَلْتَفِتُونَ إلَى أَحَدٍ مِنَ الدَهَشِ وَالخَوْفِ، وَقَدْ خَلَّفْتُمُ الرَّسُولَ وَرَاءَكُمْ وَهُوَ يَدْعُوكُمْ إلَى العَوْدَةِ إلى القِتَالِ، وَيَقُولُ: هَلُمَّ عِبَادَ اللهِ أنَا رَسُولُ اللهِ، مَنْ يَكِرُّ فَلَهُ الجَنَّةُ، فَجَزَاكُمُ اللهُ ﷺ لِفِرَارِكُمْ، بِغَمٍّ يَمْلأُ نُفُوسَكُمْ عَلَى مَا كَانَ مِنْكُمْ، وَعَلَى تَرْكِكُمْ رَسُولَ اللهِ يُصِيبُهُ مَا أَصَابَهُ، وَهُوَ ثَابِتٌ دُونَكُمْ، وَذَلِكَ لِكَيْلاَ تَهْتَمُّوا وَتَحْفَلُوا بِشَيءٍ فَاتَكُمْ، وَلا بِأَذًى أَصَابَكُمْ، وَلِتَمْرُنُوا عَلَى تَجَرُّعِ الغُمُومِ، وَاحْتِمَالِ الشَّدَائِدِ، إذْ كَانَ مَا أَصَابَ النَّبِيِّ، وَمَا لَحِقَ بِنُفُوسِكُمْ مِنَ النَّدَمَ، وَهُوَ أَكْبَرُ عِنْدَكُمْ مِنْ كُلِّ شَيءٍ: أَكْبَرُ مِنَ الجِرَاحِ وَالقَتْلِ وَضَيَاعِ المَغْنَمِ. وَاللهُ خَبِيرٌ بِأَعْمَالِكُمْ وَمَقَاصِدِكُمْ، وَقَادِرٌ عَلَى مُجَازَاتِكُمْ عَلَيْهَا.
تُصْعِدُونَ - تَذْهَبُونَ فِي الأَرْضِ، تَبْتَعِدُونَ.
لاَ تَلْوُونَ - لاَ تَلْتَفِتُونَ إلَى شَيءٍ مِنْ شِدَّةِ الخَوْفِ وَالهَلَعِ.
فِي أُخْرَاكُمْ - فِي آخِرِكُمْ وَمُؤَخَّرَتِكُمْ.
أَثَابَكُمْ - جَازَاكُمْ وَعَاقَبَكُمْ.
الغَمُّ - الضِّيقُ مِمَّا يُحسُّ بِهِ الإِنْسَانُ.
غَمّاً بِغَمٍّ - غَمّاً مُتّصِلاً بِغَمٍّ.
стр. 447
﴿طَآئِفَةً﴾ ﴿طَآئِفَةٌ﴾ ﴿الجاهلية﴾ ﴿هَاهُنَا﴾
(١٥٤) - أصْبَحَ المُسْلِمُونَ بَعْدَ وَقْعَةِ أُحُدٍ فَرِيقَيْنِ:
١- فَرِيقاً ذَكُرُوا مَا أَصَابَهُمْ فَعَرَفوا أنَّهُ كَانَ بِتَقْصِيرٍ مِنْ بَعْضِهِمْ، وَذَكَرُوا وَعْدَ اللهِ بِنَصْرِهِمْ، فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ، وَوَثِقُوا بِوَعْدِ رَبِّهِمْ، وَأَيْقَنُوا أَنَّهُمْ إنْ غُلِبُوا فِي هَذِهِ المَرَّةِ، بِسَبَبِ مَا أَصَابَهُمْ مِنَ الفَشَلِ وَالتَّنَازُعِ وَعِصْيَانِ الرَّسُولِ فِيمَا أَمَرَ، فِإنَّ اللهَ سَيَنْصُرُهُمْ بَعْدُ، فَأَنْزَلَ اللهُ عَلَيْهِمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً، حَتَّى يَسْتَرِدُّوا مَا فَقَدُوا مِنْ قُوَّةٍ وَأمْنٍ، وَلِيَذْهَبَ عَنْهُمْ مَا لَحِقَهُمْ مِنْ خَوْفٍ.
٢- وَفَرِيقاً أَذْهَلَهُمُ الخُوْفُ حَتَّى صَارُوا مَشْغُولِينَ عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُمْ إذِ الوُثُوقُ بِوَعْدِ اللهِ، وَوَعْدِ رَسُولِهِ، لَمْ يَصِلْ إلَى قَرَارَةِ نُفُوسِهِمْ، لأَنَّهُمْ كَانُوا غَيْرَ مُؤْمِنِينَ حَقّاً، فَعَظُمَ الخَوْفُ عَلَيْهِمْ، حَتَّى ظَنُّوا بِاللهِ غَيْرَ الظَّنِّ الحَقِّ، إذْ كَانُوا يَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ: لَوْ كَانَ مُحَمَّدٌ نَبِيّاً حَقّاً لَمَا نَصَرَ اللهُ الكُفَّارَ عَلَيهِ، وَهَذَا مَقَالٌ لاَ يَقُولُهُ إلاَّ أَهْلُ الشِّرْكِ. وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَقُولُ لِبَعْضٍ عَلَى سَبِيلِ الإِنْكَارِ: هَلْ لَنَا مِنَ النَّصْرِ وَالفَتْحِ والظَّفْرِ نَصِيبٌ؟ ﴿هَل لَّنَا مِنَ الأمر مِن شَيْءٍ﴾ ، وَهُمْ يَعْنُونَ أنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ ذَلِكَ شَيءٌ، وَكَانَ مَا حَدَثَ فِي ذَلِِكَ اليَوْمِ دَلِيلاً، فِي نَظَرِهِمْ، عَلَى أنَّ دِينَ مُحَمَّدٍ ﷺ لَيْسَ بِحَقٍّ. وَيَرُدُّ اللهُ تَعَالَى عَلَيهِمْ قَائِلاً: إنَّ كُلَّ مَا يَجْرِي هُوَ بِقَدَرِ اللهِ، وَبِحَسَبِ سُنَنِهِ فِي الخَلِيقَةِ وَلِذَلِكَ فَلاَ أَمْرَ لأَحَدٍ غَيْرَ اللهِ.
ثُمَّ يَكْشِفُ تَعَالَى عَنْ خَبِيئَةِ نُفُوسِ هَؤُلاَءِ فَيَقُولُ: إِنَّهُمْ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لاَ يُبْدُونَ لَكَ، فَنُفُوسُهُمْ مَلأى بِالوَسَاوِسِ وَالهَوَاجِسِ، وَالاعْتِرَاضَاتِ، وَيَقُولُونَ لَوْ كَانَ أَمْرُ النَّصْرِ وَالظَّفْرِ بَأَيْدِينَا كَمَا ادَّعَى مُحَمَّدٌ: (وَهُوَ أنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ للهِ وَلأَوْلِيائِهِ وَأَنَّهُمْ هُمُ الغَالِبُونَ) لَمَا غُلِبْنَا، وَلَمَا قُتِلَ مِنَ المُسْلِمِينَ مَنْ قُتِلَ فِي هَذِهِ المَعْرَكَةِ، فَهُمْ يَظُنُّونَ أنَّ خِطَّةَ القِيَادَةِ هِيَ التِي أَوْصَلَتْهُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ.
وَيَقُولُ تَعَالَى مُصَحِحاً قَوْلَ هَؤُلاءِ وَاعْتِقَادَهُمْ، قُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ: إنَّ قَدَرَ اللهِ سَيَقَعُ لاَ مَحَالَةَ، وَلَوْ كَانَ الذِينَ كُتِبَ عَلَيهِم القَتْلُ مَوْجُودِينَ فِي بُيُوتِهِمْ لَخَرَجُوا، دُونَ دَعْوَةٍ مِنْ أَحَدٍ إلَى حَيْثُ قُدِّرَ لَهُمْ أنْ يُقَتْلُوا، لِيُقَتْلُوا. فَهُنَاكَ أَجَلٌ مَكْتُوبٌ لاَ يَسْتَقْدِمُ وَلاَ يَسْتَأْخِرُ، وَجَعَلَ الله الأَمْرَ كُلَّهُ ابْتِلاءً مِنْهُ، واخْتِبَاراً لِمَا فِي صُدُورِ المُؤْمِنِينَ وَقُلُوبِهِمْ، وَتَمْحِيصاً لِمَا فِي نُفُوسِهِمْ وَتَطْهِيراً. وَلَيْسَ كَالحَقِّ كَاشِفٌ لِلنُّفُوسِ وَالحَقَائِقِ، وَاللهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ،، وَبِالأسْرَارِ الخَفِيَّةِ.
الأَمِنَةُ - الأَمْنُ.
يَغْشَى - يَُغَطِّي وَيَسْتُرُ، أيْ يَسْتَولي عَلَيهِم النُّعَاسُ.
لَبَرَزَ - لَخَرَجَ.
لِيُمَحِّصَ - لِيُنَقِّيَ وَيَكْشِفَ.
ذَاتِ الصُّدُورِ - السَّرَائِرِ.
стр. 448
﴿الشيطان﴾
(١٥٥) - إنَّ الرُمَاةَ الذِينَ أَمَرَهُمُ الرَّسُولُ بِأَنْ يَثْبُتُوا فِي مَوَاقِعِهِمْ لِيَدْفَعُوا المُشْرِكِينَ عَنْ ظُهُورِ المُؤْمِنِينَ، إنَّمَا تَرَكُوا مَوَاقِعَهُمْ لأنَّ الشَّيْطَانَ اسْتَدرَجَهُمْ، وَحَمَلَهُمْ عَلَى ارْتِكَابِ الزَّلَلِ. . وَالخَطِيئَةُ الصَّغِيرَةُ إذَا تَرَخَّصَ فِيها الإِنسَانُ سَهَّلَتِ اسْتِيلاءَ الشَّيْطَانِ عَلَى نَفْسِهِ. فَهُمْ إِنَّمَا انْْحَرَفُوا عَنْ أَمَاكِنَهُمْ بِتَأوُّلٍ مِنْهُمْ، وَظَنّاً مِنْهُمْ أنْ لَنْ تَكُونَ لِلْمُشْرِكِينَ كَرَّةٌ مِنْ هَزِيمَتِهِمْ، فَلاَ يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَهَابِهِمْ وَرَاءَ المَغَانِمِ فَوَاتَ مَنْفَعَةٍ، وَلاَ وُقُوعَ ضَرَرٍ. وَلَكِنَّ هَذَا التَّأوُّلَ كَانَ سَبَباً فِيمَا جَرَى مِنَ المَصَائِبِ، وَقَدْ عَفَا اللهُ عَمَّا صَدَرَ مِنْهُمْ مِنَ الذُنُوبِ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ، وَجَعَلَ عُقُوبَتَهُمْ فِي الدُّنيا تَرْبِيَّةً وَتَمْحِيصاً، وَاللهُ يَغْفِرُ الذُنُوبَ جَمِيعَهَا صَغيرَها وَكبِيرَها.
اسْتَزَلهُم - أَوْقَعَهُمْ فِي الزَّلَلِ وَالخَطِيئَةِ.
بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا - بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ.
стр. 449
﴿ياأيها﴾ ﴿آمَنُواْ﴾ ﴿لإِخْوَانِهِمْ﴾
(١٥٦) - يَنْهَى اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ المُؤْمِنِينَ عَنْ مُشَابَهَةِ المُنَافِقِينَ (الكَافِرِينَ) فِي اعْتِقَادِهِمُ الفَاسِدِ، إذْ يَقُولُونَ عَنْ إِخْوَانِهِمِ الذِينَ قُتِلُوا فِي الحُرُوبِ (كَانُوا غُزًّى) ، أوْ مَاتُوا وَهُمْ فِي أَسْفَارِهِمْ سَعْياً وَرَاءَ الرِّزْقِ فِي التِّجَارَةِ (ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ) : لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا أَقَامُوا، وَتَرَكُوا ذَلِكَ لَمَا أَصَابَهُمْ مَا أَصَابَهُمْ، وَقَدْ جَعَلَ اللهُ تَعَالَى هَذَا الاعْتِقَادِ فِي نُفُوسِهِمْ لِيَزْدَادُوا أَلَماً وَحَسْرَةً عَلَى مَوْتَاهُمْ، يَزيدَانِهِم ضَعْفاً، وَيُورِثَانِهُم نَدَماً عَلَى تَمكِينِهِمْ إيَّاهُمْ مِنَ التَّعَرُّضِ لِمَا ظَنُّوهُ سَبَباً ضَرُورِياً لِلْمَوتِ.
وَيَرُدُّ اللهُ تَعَالى عَلَيهِمْ قَائِلاً: إنَّ المَوْتَ وَالحَيَاةَ بِيَدِ اللهِ، وَإلَيهِ يَرْجِعُ الأمْرُ، وَعِلْمُهُ وَبَصَرُهُ نَافِذَانِ فِي جَمِيعِ خَلْقِهِ، فَعَلَى المُؤْمِنِينَ أنْ لاَ يَكُونُوا مِثْلَ هَؤُلاءِ فِي قَوْلِهِمْ وَاعْتِقَادِهِمْ، وَإلاَّ أَصَابَهُمُ الضَّعْفُ وَالوَهَنُ وَالفَشَلُ؛ وَالإيمَانُ الصَّادِقُ يَزِيدُ صَاحِبَهُ إيقَاناً وَتَسْلِيماً بِكُلِّ مَا يَجْرِي بِهِ القَضَاءُ، وَأنَّ مَا وَقَعَ كَانَ لاَ بُدَّ لَهُ مِنَ أنْ يَقَعَ.
غُزًّى - غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللهِ.
الضَّرْبُ فِي الأَرْضِ - السَّفَرُ فِي طَلَبِ الرِّزْقِ وَالتِّجَارَةِ.
стр. 450
﴿وَلَئِنْ﴾
(١٥٧) - فَالَّذِينَ يُقْتَلُونَ وَهُمْ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ إِعْلاَءِ كَلِمَةِ اللهِ، وَنَصْرِ دِينِهِ، أَوْ يَمُوتُونَ فِي أَثْنَاءِ الجِهَادِ، سَيَجِدُونَ عِنْدَ رَبِهِمْ مَغْفِرَةً تَمْحُو مَا كَانَ مْنْ ذُنُوبِهِمْ، وَرَحْمَةً وَرِضْوَاناً خَيْراً مِنْ جَمِيعِ مَا يَتَمَتَّعُ بِهِ الكُفَّارُ مِنَ المَالِ وَالمَتَاعِ فِي هَذِهِ الدُّنيا الفَانِيةِ، فَهَذَا ظِلٌّ زَائِلٌ، وَذَاكَ نَعِيمٌ خَالِدٌ.
стр. 451
﴿وَلَئِنْ﴾
(١٥٨) - وَبِأيِّ سَبَبٍ كَانَ هَلاَكُكُمْ، فَإِنَّكُمْ تُحْشَرُونَ إلى اللهِ لِيَجْزِيَكُمْ عَلَى أَعْمَالِكُمْ مَا تَسْتَحِقُّونَ، فَآثِرُوا مَا يُقَرِّبُكُمْ إلَى رَبِّكُمْ، وَيُحَقِّقُ لَكَ رِضَاهُ، فَعَلَيْكُمْ بِطَاعَةِ اللهِ وَالجِهَادِ فِي سَبِيلِهِ.
стр. 452
(١٥٩) - لَقَدْ كَانَ مِنَ أَصْحَابِكَ مَا يَسْتَحِقُّ المَلاَمَةَ وَالتَّعْنِيفَ، بِمُقْتَضَى الطَّبِيعَةِ البَشَرِيَّةِ، إذْ تَخَلَّوْا عَنْكَ حِينَ اشْتِدَادِ الحَرْبِ، وَشَمَّرُوا لِلْهَزِيمَةِ وَالحَرْبِ قَائِمَةٌ، وَمَعَ ذَلِكَ لِنْتَ لَهُمْ، وَعَامَلْتَهُمْ بِالحُسْنَى، لِرَحْمَةٍ أوْدَعَها اللهُ فِي قَلْبِكَ، وَخَصَّكَ بِهَا. وَقَدْ مَدَحَ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ ﷺ بِحُسْنِ الخُلُقِ فِي أَكْثَرِ مِنْ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ العَزِيزِ. ثُمَّ قَالَ لَوْ كُنْتَ خَشِناً جَافِياً فِي مُعَامَلَتِهِمْ لَتَفَرَّقُوا عَنْكَ، وَلَنَفَرُوا مِنْكَ، وَلَمْ يَسْكُنُوا إلَيْكَ، وَلَكِنَّ اللهَ جَمَعَهُمْ عَلَيْكَ، وَأَلانَ جَانِبَكَ لَهُمْ تَأَلُّفاً لِقُلُوبِهِمْ. ثُمَّ أمَرَ اللهُ رَسُولَهُ ﷺ بِأَنْ يَتَجَاوَزَ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ وَهَفَوَاتِهِمْ، وَأنْ يَسْتَغْفِرَ لَهُم الله، وَأنْ يُشَاوِرَهُمْ فِي الأَمْرِ تَطِييباً لِقُلُوبِهِمْ، وَشَحْذاً لِهِمَمِهِمْ.
ثُمَّ يَقُولُ تَعَالَى لِرَسُولِهِ. فَإذا شَاوَرْتَهُمْ فِي الأَمْرِ، وَعَزَمْتَ عَلَى إِنْفَاذِهِ، فَتَوكَّلْ عَلَى اللهِ فِيهِ، لأنَّ اللهَ يُحِبُّ مَنْ يَتَوكَّلُ عَلَيْهِ، وَيَثِقُ بِنَصْرِهِ.
فَبِمَا رَحْمَةٍ - فَبِسَبَبِ رَحْمَةٍ عَظِيمَةٍ رُكِّبَتْ فِيكَ.
الفَظُّ - الخَشِنُ أوِ الشَّرِسُ الأَخْلاَقِ.
الغَلِيظُ - القَاسِي.
انْفَضَّ القَوْمُ - تَفَرَّقُوا.
стр. 453
(١٦٠) - النَّصْرُ مِنْ عِنْدِ اللهِ، فَإِنْ قَدَّرَ اللهُ نَصْرَكُمْ فَلَنْ يَغْلِبَكُمْ أَحَدٌ، كَمَا وَقَعَ يَوْمَ بَدْرٍ، حِينَ عَمِلْتُمْ بِسُنَّتِهِ. وَإنْ قَدَّرَ خُذْلاَنَكُمْ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ مِنَ الفَشَلِ وَالتَّنَازُعِ وَالعِصْيَانِ، كَمَا جَرَى يَوْمَ أحُدٍ، فَلاَ نَاصِرَ لَكُمْ مِنْ دُونِهِ. وَعَلَى المُؤْمِنِينَ أنْ يَتَوَكَّلُوا عَلَى اللهِ، وَأنْ يُسَلِّمُوا أمُورَهُمْ إليهِ.
فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ - فَلاَ قَاهِرَ.
стр. 454
﴿القيامة﴾
(١٦١) - يُنَزِّهُ اللهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الآيةِ رَسُولَهُ الكَرِيمَ عَنْ أخْذِ شَيءٍ مِنَ المَغْنَمِ خِلْسَةً (عَنِ الغُلُولِ) ، وَعَنِ الخِيَانَةِ فِي أَدَاءِ الأَمَانَةِ، فَقَالَ تَعَالَى: مَا يَنْبَغِي لِنَبيٍّ أنْ يَغُلَّ لأنَّ اللهَ عَصَمَهُ مِنْ ذَلِكَ وَيُهَدِّدُ اللهُ تَعَالَى مِنْ يَغُلُّ بأنَّهُ سَيَأتِي يَوْمَ القِيَامَةِ وَهُوَ يَحْمِلُ مَا غَلَّ لِيُحَاسَبَ عَلَيهِ، وَاللهُ لاَ يَظْلِمُ أَحَداً مِنْ خَلْقِهِ.
(هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ فِي قَطِيفَةٍ حَمْرَاءَ فُقِدَتْ يَوْمَ بَدْرٍ مِنَ المَغْنَمِ، فَقَالَ بَعْضُ المُسْلِمِينَ لَعَلَّ رَسُولَ اللهِ أَخَذَهَا) .
الغُلُولُ - الخِيانَةُ فِي المَغْنَمِ وَأخْذُ شَيءٍ مِنْهُ خِلْسَةً.
стр. 455
﴿رِضْوَانَ﴾ ﴿وَمَأْوَاهُ﴾
(١٦٢) - لاَ يَسْتَوي مَنِ اتَّبَعَ أمْرَ اللهِ فِيمَا شَرَعَهُ، وَتَرَكَ الغُلُولَ وَغَيْرَهُ مِنَ الفَوَاحِشِ وَالمُنْكَرَاتِ، حَتَّى زَكَتُ نَفْسُهُ، فَاسْتَحَقَّ رِضْوَانَ اللهِ، وَجَزيلَ ثَوَابِهِ، مَعَ مَنِ اسْتَحَقَّ غَضَبَ اللهِ بِفِعْلِ الخَطَايا، وَارْتِكَابِ الذُّنُوبِ: مِنْ سَرِقَةٍ، وَخِيَانَةِ أَمَانَةٍ، وَغُلُولِ، وَقَتْلٍ، وَسَلْبٍ. . فَكَانَ جَزَاؤُهُ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً.
بَاءَ بِسَخَطٍ - رَجَعَ مُتَلَبِّساً بِغَضَبٍ شَدِيدٍ.
стр. 456
﴿دَرَجَاتٌ﴾
(١٦٣) - يُخَبِّرُ اللهُ تَعَالَى أنَّ أهْلَ الخَيْرِ الذِينَ اسْتَحَقُّوا رِضْوَانَ اللهِ، وَأهَلَ الشَّرِّ الذِينَ بَاؤُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ، مُتَفَاوِتُونَ فِي مَنَازِلِهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ بِحَسَبِ أَعْمَالِهِمْ، وَاللهُ بَصِيرٌ عَالِمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ، وَسَيُوَفِّيهِمْ أَعْمَالَهُمْ، وَلا يَظْلِمُهُمْ خَيْراً فَعلُوهُ، وَلاَ يَزيدُهُمْ شَرّاً لَمْ يَفْعَلُوهُ.
стр. 457
﴿يَتْلُواْ﴾ ﴿آيَاتِهِ﴾ ﴿الكتاب﴾ ﴿ضَلالٍ﴾
(١٦٤) - مِنْ فَضْلِ اللهِ عَلَى المُؤْمِنِينَ أنْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ جِنْسِهِمْ، وَمِنْ أهْلِ بَلَدِهِمْ وَلُغَتِهِمْ (مَنْ أنْفُسِهِمْ) ، لِيَتَمَكَّنُوا مِنْ مُخَاطَبَتِهِ وَمُجَالَسَتِهِ، وَالانْتِفَاعِ بِصُحْبَتِهِ وَسُؤَالِهِ عَمَّا سَيْتَشْكِلُ عَلَيْهِمْ فِي أمُوِر دِينِهِمْ، وَيَتْلُو عَلَيهِم القُرآنَ (آياتِ اللهِ) وَيَأمُرُهُمْ بِالمَعْرُوفِ، وَيَنْهَاهُمْ عَنِ المُنكَرِ، لِتَزْكُوَ أنْفُسُهُم، وَتَطْهُرَ مِنْ أرْجَاسِ الجَاهِليَّةِ، وَيُعَلِّمُهُمُ القُرآنَ (الكِتَابَ) وَالسُّنَّةَ (الحِكْمَةَ) فَقَدْ كَانُوا قَبْلَ هَذا الرَّسُولِ فِي غَيٍّ وَجَهَالَةٍ (ضَلاَلٍ) ظَاهِرَيْنِ لِكُلِّ أحَدٍ.
مِنْ أنْفُسِهِمْ - مِنْ جَنْسِهِمْ وَلُغَتِهِمْ وَقَوْمِهِمْ.
الضَّلاَلَةُ - الجَهَالَةُ.
يُزَكِّيهِمْ يُطَهِّرُهُمْ مِنْ أرْجَاسِ الجَاهِلِيَّةِ.
стр. 458
﴿أَصَابَتْكُمْ﴾
(١٦٥) - لاَ تَعْجَبُوا يَا أيُّهَا المُؤْمِنُونَ مِمَّا حَلَّ بِكُمْ فِي مَعْرَكَةِ أحُدٍ، فإنَ خِذْلاَنَكُمْ فيها لَمْ يَبْلُغْ مَبْلَغَ ظَفَرِكُمْ فِي بَدْرٍ، فَقد كَانَ ظَفَرُكُمْ فِي بَدْرٍ ضِعْفَيْ نَصْرِهِم في أحُدٍ، فَقَدْ قُتِلَ مِنْكُمْ سَبْعُونَ رجلاً في أحُدٍ، وَقَتَلْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ سَبْعِينَ رَجُلاً فِي بَدْرٍ وَأسَرْتُمْ سَبْعِينَ رَجلاً، أيْ مِثْلَي مَا أضَعْتُم، وَأنتم الآنَ تَتَسَاءَلُونَ كَيْفَ حَدَثَ هذا؟ فَأنْتُمْ تُدَافِعُونَ عَنِ الإِسلامِ، وَهُمْ يُدَافِعُونَ عَنِ الشِّرْكِ. فَقُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ: إنَّ مَا حَدَثَ كَانَ مِنْ عِنْدِ أنْفُسِكُمْ، إذَ كَانَ سَبَبَهُ فَشَلُكُمْ، وَتَنَازُعُكُمْ فِي الأمْرِ، وَمُخَالَفَتُكُمْ أمْرَ رَسُولِكُمْ، فَقَدْ كَانَ مِنْ رَأي الرَّسُولِ ﷺ عَدَمُ الخُرُوجِ مِنَ المَدِينَةِ، فَإذا جَاءَ المُشْرِكُونَ إلَيْكُمْ قَاتَلْتُمُوهُمْ عَلَى أبْوَابِها، وَظُهُورُكُمْ مَحْمِيَّةٌ، فَطَالَبَ بَعْضُكُمْ بِالخُرُوجِ، وَرَجَعَ ثُلْثُ الجَيْشِ الإِسْلاَمِيِّ مَعَ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ، وَهَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أنْ تَفْشَلا. ثُمَّ إنَّ الرَّسُولَ ﷺ أَمَرَ الرُّمَاةَ بِلُزُومِ أمَاكِنِهِمْ، وَبِعَدَمِ تَرْكِهَا مَهْمَا كَانَتْ نَتِيجَةُ المَعْرَكَةِ، فَتَرَكُوهَا حِينَما لاَحَتْ بَشَائِرُ النَّصْرِ لِلْمُسْلِمِينَ، فَكَانَ هُجُومُ فُرْسَانِ المُشْرِكِينَ مِنَ الخَلْفِ، فَتَبَدَّلَ نَصْرُ المُسْلِمِينَ إلَى هَزِيمَةٍ. وَاللهُ قَدِيرٌ عَلَى كُلِّ شَيءٍ، وَهُوَ تَعَالَى يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَلاَ مُعَقِّبَ عَلَى حُكْمِهِ، فَهُوَ القَادِرُ عَلَى نَصْرِكُمْ، إنْ أطَعْتُمْ وَثَبَتُّمْ وَصَبَرتُمْ، وَهُوَ القَادِرُ عَلَى التَّخَلِّي عَنْكُمْ إنْ خَالَفْتُمْ وَعَصَيْتُمْ، وَهُوَ قَدْ رَبَطَ المُسَبباتِ بِالأسْبَابِ، وَلاَ يَشُذُّ عَنْ ذَلِكَ مُؤْمِنٌ وَلاَ كَافِرٌ.
المُرَادُ بِالمُصِيبَةِ - مَا أَصَابَ المُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ.
مِثْلَيْهَا - ضِعْفَيهَا.
مِنْ عِنْدِ أنْفُسِكُمْ - بِشُؤْمِ مَعْصِيَتِكُمْ، وَسُوءِ تَصَرُّفِكُمْ.
أنَّى هَذَا - مِنْ أَيْنَ لَنَا هَذَا الخِذْلاَنُ.
стр. 459
﴿أَصَابَكُمْ﴾
(١٦٦) - مَا أَصَابَكُمْ يَا أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ يَوْمَ أحُدٍ، حِينَمَا التَقَيْتُمْ بِعَدوكُمْ فِي مَيْدَانِ المَعْرَكَةِ، وَمَا حَلَّ بِكُمْ مِنْ هَزِيمَةٍ وَقَتْلٍ، إنَّمَا كَانَ بِإِذْنِ اللهِ وَقَدَرِهِ وَقَضَائِهِ السَّابِقِ، الذِي جَعَلَ المُسَببَاتِ نَتَائِجَ لأسْبَابِهَا، فَكُلُّ عَسْكَرٍ يَعْصِي قَائِدَهُ، وَيَكْشِفُ ظَهْرَهُ لِعَدُوِّهِ يُصَابُ بِمِثْلِ مَا أُصِبْتُمْ بِهِ، وَأَكْثَر مِنْهُ، وَللهِ الحِكْمَةُ البَالِغَةُ فِي ذَلِكَ، لأنَّ الشَّدَائِدَ تَكْشِفُ عَنْ حَقِيقَةِ المُؤْمِنِينَ الذِينَ صَبَرُوا وَثَبَتُوا، وَلَمْ يَتَزَلْزَلُوا أَمَام العَدُوِّ.
الجَمْعَانِ - هُمَا جَيْشَا المُؤْمِنِينَ وَالمُشْرِكِينَ يَوْمَ أحُدٍ.
بِإِذْنِ اللهِ - بِإرَادَتِهِ الأزَلِيَّةِ.
стр. 460
﴿قَاتِلُواْ﴾ ﴿لاَّتَّبَعْنَاكُمْ﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ ﴿لِلإِيمَانِ﴾ ﴿بِأَفْوَاهِهِم﴾
(١٦٧) - وَالشَّدَائِدُ تُظهِرُ المَُاَفِقِينَ الذِينَ تَبَطَّنُوا بِالكُفْرِ، وَأَظْهَرُوا الإِيمَانَ، مِنْ جَمَاعَةِ ابْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ، الذِينَ رَجَعُوا إلَى المَدِينَةِ قَبْلَ المَعْرَكَةِ، فَلَحِقَ بِهِمْ رِجَالٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ يَدْعُونَهُمْ لِلْعَوْدَةِ إلَى الصَّفِّ، وَيُحَرِّضُونَهُمْ عَلَى القِتَالِ وَمُسَاعَدَةِ المُسْلِمِينَ، وَإكْثَارِ عَدَدِهِمْ أمَامَ المُشْرِكِينَ (أو ادْفَعُوا) ، فَرَدُّوا مُتَعَلِّلِينَ: لَوْ نَعْلَمُ أنَّكُمْ سَتَلْقَونَ حَرْباً لاتَّبَعْنَاكُمْ، وَلَكِنَّنَا فِي قُلُوبِهِمْ يَعْتَقِدُونَ غَيْرَهُ. وَهُمْ حِينَما قَالُوا هَذَا القَوْل كَانُوا فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ أقرْبَ لِلْكُفْرِ مِنْهُمْ إلَى الإِيمَانِ، وَاللهُ أعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ فِي قُلُوبِهِمْ وَفِي نُفُوسِهِمْ مِنَ الكُفْرِ وَالكَيْدِ لِلْمُسْلِمِينَ، وَسَيُعَاقِبُهُمْ عَلَيهِ فِي الدُّنْيا وَالآخِرَةِ.
следующие страницы →