← Тафсир

Тафсир · id 1787

أيسر التفاسير لأسعد حومد

أسعد حومد

Полный текст (6 113 стр.). Показаны 4376–4415 · переход к 4381.

стр. 4376

(٢٤) - وَقَالَ المُشْرِكُونَ مُنْكِرِينَ البَعْثَ والنُّشُورَ في الآخِرَةِ: لاَ حَياةَ أُخْرَى بَعْدَ هذِهِ الحَياةِ، فَنَحنُ نَعِيشُ في هذِه الحِياةِ ثُمَّ نَمُوتُ، وَيَحيَا أَبنَاؤنَا مِنْ بَعدِنا، وَلا مَعَادَ، وَلا يُفني العِبَادَ غيرُ كَرِّ اللَيالي، وَمَرِّ الأَيَّامِ (الدَّهْرُ) . وَلَيسَ لِهؤُلاءِ القَائِلينَ هذا القَوْلَ دَليلٌ عَلَى صِحَّةِ قَولِهم أنْ لاَ حَيَاةَ أُخْرى، وَلا يُهلِكُ العِبَادَ إِلاَّ كَرُّ الأيامِ، وَمَرُّ الدُّهورِ، وإِنَّهم إِنَّما يَقُولُونَ ذَلِكَ عَلَى سَبيلِ الظَّنِّ والتَّخْمِينِ وَالتَّوَهُّم. وَالظَّنُّ لا يُغنِي عَنِ الحَقِّ شَيئاً. (وَجَاءَ في الحَدِيثِ: " يَقُولُ تَعَالى يُؤْذِيني ابنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهْرَ وأَنا الدَّهْرُ، بِيَدي الأَمرُ أقلَّبُ ليلَهُ وَنَهارَهُ ") . (وَفي رِوَايةٍ: " لا تَسُبُّوا الدَّهْرَ فَإِنَّ اللهَ تَعَالى هُوَ الدَّهرُ ") . (أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ) .

стр. 4377

﴿آيَاتُنَا﴾ ﴿بَيِّنَاتٍ﴾ ﴿بِآبَآئِنَآ﴾ ﴿صَادِقِينَ﴾ (٢٥) - وَإِذا قُرئَتْ عَلَى هؤلاءِ المُشْرِكِينَ آيَاتُ القُرآنِ الدَّالَّةُ عَلَى أَنَّ البَعْثَ حَقٌّ، وأَنَّ الله سَيُعِيدُ خَلْقَ العِبَادِ يَوْمَ القِيَامَةِ لِيُحَاسِبَهُم عَلَى أعْمالِهِمْ، وَأَنَّهُ تَعَالى قَادِرٌ عَلَى إِعَادَةِ الأَبدَانِ بَعْدَ فَنَائِها إِلى مَا كَانَتْ عَلَيهِ، فإِنَّ هؤُلاءِ المُشْرِكِينَ لاَ يَجِدُونَ حُجَّةً يَدْحَضُونَ بِها ذلِكَ إِلاَّ قَوْلَهُمْ: إِذَا كَانَ مَا تَقُولُونَهُ حَقّاً، فَابعَثُوا لَنَا آباءَنا الأَوَّلِينَ مِنْ قُبُورِهِمْ، وَأَعِيدُوهُمْ إِلى الحِيَاةِ حَتَّى نُصَدِّقَ مَا تَقُولُونَ.

стр. 4378

﴿القيامة﴾ (٢٦) - فَقُلْ يَا أَيُّها الرَّسُولُ لِهؤلاءِ المُشْرِكينَ، المُنكِرينَ لِوُقُوعِ البَعْثِ وَالمَعَادِ، والحِسَابِ والجَزَاءِ، عَلَى الأَعْمَالِ. . . إِنَّ اللهَ هُوَ الذي أَحْيَاكُمْ وأَخْرَجَكُمْ إِلى الوُجُودِ مِنَ العَدَمِ، وَسَتَعِيشُونَ مَا قُدِّرَ لَكُمْ مِنْ حَيَاةٍ، ثُمَّ إذا انقَضَتْ آجَالُكُمْ أَمَاتَكُمْ، ثُمَّ يَعُودُ فَيُحْييكُمْ وَيحشُرُكُمْ إِليه جَميعاً يَومَ القِيَامةِ. وَيوْمُ القِيامَةِ آتٍ لاَ شَكَّ فيهِ وَلا رَيبَ، وَلا شَكَّ وَلا رَيبَ في نَشْرِكُمْ وَحَشْرِكُم إِلى رَبِّكُم لِيُحَاسِبَكُمْ عَلَى أَعمالِكُم، وَلكِنَّ أَكثرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ قُدْرةَ اللهِ وَلِذلِكَ فَإِنَّهُم يُنْكِرُونَ البَعْثَ، وَيَسْتَبعِدُونَ عَوْدَةَ الأَجْسَادِ إلى الحِيَاةِ بَعْدَ أَنْ صَارَتْ تُراباً.

стр. 4379

﴿السماوات﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ (٢٧) - وَاللهُ تَعَالى هُوَ مَالكُ السَّماواتِ والأَرضِ، وَهُوَ الحَاكِمُ فيهما في الدُّنيا والآخِرةِ، وَلا تَملِكُ الأَصْنَامُ والأَوثانُ والأندادُ شيئاً. وَيومَ تقومُ السَّاعةُ يَبْعَثُ اللهُ الخَلاَئقَ مِن القُبُورِ، ويحشُرُهُمْ إِليهِ، وَحينئذٍ يُدركُ الكَافِرُونَ، المُنكِرُونَ لِلْبَعْثِ، أَنَّهُم قَدْ خَسِروا خُسراناً مُبيناً بِكُفْرِهِمْ بِاللهِ، وَتَكْذِيبِهِمْ كُتًُبَهُ وَرُسُلَهُ.

стр. 4380

﴿كِتَابِهَا﴾ (٢٨) - وفِي اليَومِ الذِي تَقُوُمُ فيهِ السَّاعةُ، تَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثيةً عَلَى رُكَبِهَا، مِنْ شِدِّةِ الهَوْلِ في ذَلِكَ اليَومِ، وَتُدْعَى كُلُّ أُمَّةٍ إِلى كِتابِ أَعمالِها الذِي أودعَ فيهِ الملائِكةُ الكَاتِبونَ أعمالَ الخَلائقِ، وَيُقالُ لَهُمْ: هذِه هيَ أعمالُهُم في الحيَاةِ الدُّنيا، وَسَيُجْزَونَ بِها. جَاثِيةً - بَارِكَةً عَلَى الرُّكَبِ، لِشِدَّةِ الهَوْلِ. كِتَابِها - صَحَائِفِ أعمالِها.

стр. 4381

﴿كِتَابُنَا﴾ (٢٩) - وَيُقَالُ لَهُمْ: هذا هُوَ كِتَابُنَا الذِي سَجَّلْنا فِيهِ جَميعَ أعْمالِكُم في الحَيَاةِ الدُّنيا، مِنْ غَير زِيَادَةٍ ولا نُقْصَانٍ، وَقَدْ أَمَرْنا الملائكَةَ الحَافِظِينَ بِنَسْخِ أَعْمَالِكُمْ وَإِثباتِها في صَحَائِفِكُمْ، فَهُوَ وَفْقَ مَا عَمِلْتُم بالضَّبْط. نَسْتَنْسِخُ - نَأْمُرُ المَلائِكَةَ بِنسخٍ.

стр. 4382

﴿آمَنُواْ﴾ ﴿الصالحات﴾ (٣٠) - فَأَمَّا الذِينَ آمَنَتْ قُلُوبُهُم، وَعَمِلَتْ جَوَارِحُهُم الأَعْمَالَ الصَّالحةَ، فإِنَّ اللهَ يُكَافِئُهُمْ عَلَى إِيمَانِهِمْ بأَنْ يُدْخِلَهُمْ الجَنَّةَ، والظَّفْرُ بِدُخُولِ الجَنَّةِ فَوْزٌ عَظِيمٌ لا يَعْدِلُهُ فَوْزٌ.

стр. 4383

﴿آيَاتِي﴾ (٣١) - وأَمَّا الذِين كَفَروا، وَكَذَّبُوا رُسُلَهُ، وأَنكَرُوا كُتَبَه وَشَرْعَهُ فَيُقالُ لَهُم، عَلَى سَبِيلِ التَّقريعِ والتَّوبيخِ: ألم تَكُنْ رُسُلُ رَبِّكُم يَتلُونَ عَلَيكم آيَاتهِ فَكُنْتُم تَستَكبِرُونَ عَنِ الإِيمَانِ بِها، وَكُنتمُ قَوْماً مُجرِمِينَ في أَفعالِكُمْ.

стр. 4384

(٣٢) - وَكُنْتُم إِذا قَالَ لَكُمُ الرَّسُولُ والمؤمِنُونَ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ، وإِنَّ اللهَ سَيَبْعَثُكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ قُبورِكم لِيُحَاسِبَكُمْ عَلَى أَعمالِكُمْ، وإِنَّ السَّاعَةَ آتِيةٌ لا رَيبَ في ذَلِكَ ولاَ شَكَّ، فاتَّقُوا اللهَ وآمِنُوا بهِ، وَصَدِّقُوا رُسُلَهُ، فَكُنتمُ تَقُولُونَ عُتُوّاً واستِكْبَاراً: مَا هِيَ هذِه السَّاعَةُ التي تَتَحَدَّثُونَ عَنْها؟ إِنَّنا لا نَعرِفُها ولا عِلمَ لَنا بِها، ونَحْنُ نَظُنُّ وُقُوعَها ظَناً، وَمَا نَحْنُ بِمُوقِنينَ أَنَّها آتِيَةٌ.

стр. 4385

﴿يَسْتَهْزِئُونَ﴾ (٣٣) - وَظَهَرَتْ لَهُم في ذلِكَ المَوقِفِ قَبَائِحُ أَعْمَالِهِمْ، وَأَحَاطَ بِهِم العَذَابُ الذِي كَانُوا يَسْخَرونَ مِنهُ، وَيَسْتَهزِئُونَ بهِ، وَيَسْتَبعِدُونَ وَقُوعَهُ حاقَ بِهِمْ - نَزَلَ بِهِمْ وَأَحَاطَ بِهِمْ.

стр. 4386

﴿نَنسَاكُمْ﴾ ﴿وَمَأْوَاكُمُ﴾ ﴿نَّاصِرِينَ﴾ (٣٤) - ويُقَالُ لَهُم: إِنَّكُمْ نَسِيتُم لِقَاءَ هذا اليَومِ فَلَمْ تَعْمَلُوا لَهُ عَمَلاً يَنْفَعُكُم، وَلِذَلِكَ فَإِنَّ اللهَ سَيُدْخِلُكُمُ النَّارَ لِيُجَازِيَكُمْ عَلَى أَعمالِكُمُ السَّيِّئةِ، وَسَيَنْساكُم فِيها لِتَخلُدُوا في العذَابِ، كَما نَسِيتُمْ أَنَّكُمْ ستُحْشَرُونَ إِلى اللهِ، وأَنَّكُمْ سَتُلاَقُونَهُ في هذا اليَومِ الشَّدِيدِ الهَولِ، وَلَنْ تَجِدُوا مَنْ يُنْقِذكُمْ مِنْ هذا العَذَابِ. نَنْسَاكُمْ - نَتْرُكُكُمْ في العَذَابِ. مَأْوَاكُمُ النَّارُ - مَنْزِلُكُمْ وَمَقَرُّكُمْ

стр. 4387

﴿آيَاتِ﴾ ﴿الحياة﴾ (٣٥) - ويُقالُ لَهُمْ عَلَى سَبِيلِ التَّقريعِ والتَّوبيخِ: إِنَّ الذِي حَلَّ بِكُمْ مِنْ عِذَابِ اللهِ إِنَّما سَبَبُهُ أَنَّكُم اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللهِ مَوْضُوعاً لِلْهُزْءِ والسَّخْريَةِ، وَخَدَعَتْكُمُ الحَيَاةُ الدُّنيا فَاطْمَأْنَنْتُمْ إِليها، فأَصْبَحْتُمْ مِنَ الخَاسِرينَ، فَاليَومَ لا تُخْرَجُونَ منَ النَّارِ، ولا تُرَدُّونَ إِلى الدُّنيا لِتَتُوبُوا وَتَعْمَلُوا صَالحاً. وَلا يُطَلبُ مِنْهُمْ في ذَلِكَ اليَومِ أَنْ يَسْتَرْضُوا رَبَّهم الكَرِيمَ بالاعْتِذارِ إِليهِ لِيُزيلُوا عَتَبَهُ عَلَيهِمْ، لِفَواتِ أَوانِ ذَلِكَ. غَرَّتْكُمْ - خَدَعَتْكُم بِبَهْرَجِها. يُستَعْتَبُونَ - يُطْلَبُ مِنْهُم الرُّجُوعُ إِلى مَا يُرْضِي اللهَ.

стр. 4388

﴿السماوت﴾ ﴿العالمين﴾ (٣٦) - فَلِلَّهِ الحَمْدُ والثَّنَاءُ عَلَى أَنْعُمِهِ وَأَفْضَالِهِ عَلَى خَلْقِهِ، وَهُوَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَرَبُّ الأَرْضِ، وَخَالِقُهُما وَمَالِكُهُما، وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيءٍ في هذا الوُجُودِ.

стр. 4389

﴿السماوات﴾ (٣٧) - وَلِلهِ العظِيمِ وَحْدَهُ الجَلاَلُ والسُّلْطَانُ، فِي السَّمَاواتِ والأَرضِ، وَكُلُّ شَيءٍ خَاضِعٌ لَهُ، فَقِيرٌ إِليهِ، وَهُوَ العَزِيزُ الذِي لا يُمَانَعُ ولا يُغَالَبُ، وَهُوَ الحَكِيمُ في أَفْعَالِهِ وَأَقْوالِهِ. لَهُ الكِبْرِيَاءُ - لَهُ العَظَمَةُ وَالمُلْكُ وَالجَلاَلُ.

стр. 4390

(حَ. مِيم) (١) - وتُقْرأُ مُقَطَّعةً كُلُّ حَرْفٍ عَلَى حِدَةٍ (حَا - مِيمْ) اللهُ أَعْلَمُ بِمُرَادِهِ.

стр. 4391

﴿الكتاب﴾ (٢) - إِنَّ هذا الكِتَابَ أَنْزَلَهُ اللهُ تَعَالى، العَزِيزُ الذِي لا يغالبا الحَكِيمُ في شَرْعِهِ وَتَدَبِيرِهِ، عَلَى عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ لِيَكُونَ نَذِيراً لِلنَّاسِ بَيْنَ يَدَي عَذَابٍ أَلِيمٍ.

стр. 4392

﴿السماوات﴾ (٣) - لَم يَخْلُقِ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ إِلاَّ بِالحَقِّ والعَدْلِ وَالحِكمةِ التي اقْتَضَتْها مَشِيئَتُهُ تَعَالى، لاَ لِلْعَبَثِ وَاللَّهُوِ والتَّسلِيَةِ. وَقَدَّرَ لِهذهِ الكَائِنَاتِ أَجَلاً مُعَيَّناً لِبَقَائِها، لا يَزِيدُ ولا يَنقُصُ، فإِذا حَانَ ذَلِكَ الأَجَلُ قَامَتِ القيامةا وَبُغِثَ الناسُ، وَحُوسِبَ كُلُّ واحدٍ مِنْهُمْ على عَمَلِهِ في الحَيَاةِ الدنيا وَجُزِيَ بِعَمَلِهِ. وَمَعَ أَنَّ اللهَ تَعَالى قَدْ نَصَبَ الأَدِلَّةَ لِلْعِبَادِ في الأَنفسُ وفي الآفَاقِ عَلَى وُجُودِهِ، وَوحْدَانِيَّتِهِ، وعظمتها وَقُدْرَتِهِ عَلَى الخَلْقِ، ثمَّ أَرْسَلَ الرُّسُلَ إِلى النَّاسِ بالكُتُبِ مُحَذِّرِينَ وَمنذِرينَ، فَإِنَّ الذِينَ كَفَرُوا استَمَرُّوا في كُفْرِهِمْ وَتَكْذِيبهِمْ وَإِعراضِهِمْ عنْ نُذُرِ اللهِ. أَجَلٍ - مُسَمىً - هُوَ يَوْمُ القِيَامِةِ.

стр. 4393

﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ ﴿السماوات﴾ ﴿بِكِتَابٍ﴾ ﴿أَثَارَةٍ﴾ ﴿صَادِقِينَ﴾ (٤) - قُلْ - يَا مُحَمَّدُ - لِهؤُلاَءِ المُشْرِكِينَ: تَأَمَّلُوا في خَلْقِ هذا الكَوْنِ، وَمَا فِيهِ مِنْ كَائِنَاتٍ، ثُمَّ أَخْبِرُوني عَنْ حَالِ الآلِهَةِ التِي تَدْعُونَها مِنْ دُونِ اللهِ، هَلْ خَلَقُوا شَيئاً مِنَ الكَائِنَاتِ المَوْجُودَةِ في الأَرْضِ لِيَسْتَحِقُّوا العِبَادَةَ مِنْ أَجْلِ خَلْقِهِ؟ وَلَوْ أَنَّهم كَانُوا خَلَقُوا شَيئاً لَظَهَرَ التَّفَاوُتُ في الخَلْقِ بينَ مَا خَلَقَ اللهُ، وَمَا خَلَقُوهُ هُمْ. وَلكِنَّ خَلْقَ الكَونِ مُتَناسِقٌ بديعا وَكُلُّ مَا فِيهِ مِنْ نِظَامٍ وَاتّسَاقٍ وَجَمالٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ خَالَقَهُ وَاحدٌ. وَإِذ ظَهَرَ أَنَّهُمْ لَم يَخلُقُوا شَيئاًَ في الأَرْضِ، فإِنَّهُمْ لاَ شَرِكَةَ لَهُمْ فِي خَلْقِ شَيءٍ في السَّماواتِ لِيَسْتَحِقُّوا العِبَادَةَ مِنْ أجلِ خَلْقِهِ، أَو الاشتِراكِ في خَلْقِهِ وَتَدْبِيرِهِ. إِنَّ المُلْكَ كُلَّهُ للهِ، وَلَهُ وَحْدَهُ التَّصَرُّفُ في الوُجُودِ، فَكَيفَ تَعبُدُونَ مَعَهُ غَيرَهُ؟ وَكَيفَ تُشرِكُونَ الأَصْنَامَ مَعَهُ في العِبَادَةِ؟ وَمَنْ أَرْشَدَكُم إِلى هذا؟ اللهُ سُبْحَانَهُ أَمَركُمْ بِهذا؟ أَمْ هُوَ شَيءٌ اقْتَرَحْتًُمُوهُ أَنْتُمْ مِنْ عِنْدِ أَنفُسِكُم؟ فَإِذا كَانَ مَا تَقُولُونَهُ عَنْ عِبَادَتِكُمْ لهذِهِ الآلهةِ والأَصْنَامِ والأَوثَانِ حَقّاً، فَهَاتوا كِتاباً مِنْ كُتُبِ اللهِ المُنَزَّلَةِ عَلَى رُسُلِهِ يَأْمُرُكُمْ فِيهِ بِعِبَادَتِها، أَوْ هَاتُوا شَيئاً تَبَقَّى لَكُمْ مِنْ عِلْمِ الأَوَّلينَ المُفَكِّرِينَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يُرِشدُ إِلى اسْتِحْقَاقِ الأَصْنَامِ لِلْعِبَادَةِ؟ لَهُم شِرْكٌ - شَرِكَةٌ وَنَصِيبٌ مَعَ اللهِ. أثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ - بَقِيَّةٍ مِنْ عِلْمٍ عِنْدَكُمْ.

стр. 4394

﴿يَدْعُواْ﴾ ﴿القيامة﴾ ﴿دُعَآئِهِمْ﴾ ﴿غَافِلُونَ﴾ (٥) - وَيُقَرِّعُ اللهُ تَعَالى المشركينا الذِينَ يَتْرُكُونَ عِبَادَةَ اللهِ القَادِرِ القَاهِرِ المُبْدِعِ، وَيَعْبُدُونَ أصْنَاماً وَأَوْثَاناً لا تَضُرُّ وَلا تَنْفَعُ، فَيقُولُ تَعَالى: لاَ أَحَدَ أَكثَرُ ضَلاَلاً مِمَّنْ يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً هِيَ أَصْنَامٌ وَأوْثَانٌ، لاَ تَسْمَعُ دَعْوَتَهُم إِذا دَعَوْهَا، وَلاَ تَسْتَجِيبُ لِدُعَائِهِمْ أَبَدَ الدَّهْرِ (إِلى يَومِ القِيَامَةِ) إِذا دعوها إِذْ إِنَّ هذِهِ الآلِهَةَ في غَفْلَةٍ عَنْ دُعَاءِ مَنْ يَدْعُوها لأَنَّها حِجَارَةٌ صَمَّاءُ لاَ حَيَاةَ فِيهَا، لاَ تَسْمَعُ ولا تُبْصِرُ، وَلاَ تَتَكَلَّمُ.

стр. 4395

﴿كَافِرِينَ﴾ (٦) - وَالمَعْبُودَاتُ التِي يَعبُدُهَا الكَفَرَةُ مِنْ دُونِ اللهِ لاَ تَنْفَعُ عَابِدِيها شَيْئاً فِي الدُّنْيا وَكَذَلِكَ فَإِنَّها لاَ تَنْفَعُهُم في الآخِرَةِ، وَسَتَكُونُ عَلَيْهمْ ضِدّاً فِي ذَلِكَ اليَوْمِ، إِذْ أَنَّها سَتَكْفُرُ بِعِبَادَتِهِمْ إِيَّاهَا، وَسَتَتَبَرَّأُ مِنْهُمْ وَهُمْ أَحْوَجُ مَا يَكُونُونَ إِلَيْهَا.

стр. 4396

﴿آيَاتُنَا﴾ ﴿بَيِّنَاتٍ﴾ (٧) - وَإِذا تُلِيَتْ عَلَى هؤُلاءِ الكَافِرِينَ آيَاتُ اللهِ، وَهِيَ بَيِّنَةٌ جَلِيَّةٌ وَاضِحَةٌ، قَالوا: هذا سِحْرٌ وَاضِحٌ يُؤَثِّرُ في النُّفُوسِ، كَما يُؤَثِّرُ السِّحْرُ فِيمَنْ شَاهَدَهُ.

стр. 4397

﴿افتراه﴾ (٨) - أَم إِنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ مُحمَّداً افْتَرى القُرآنَ، وَوَضَعهُ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ، وَنَسَبَهُ إِلى اللهِ تَعَالى. وََيَأْمرُ اللهُ تَعَالى رَسُولَه الكَرِيمَ ﷺ بِأَنْ يَرُدَّ عَلى فِرْيَةِ هؤُلاءِ المُفتَرِينَ، وَأَنْ يَقُولَ لَهُمْ: لَوْ أَنَّني كَذَبْتُ عَلى اللهِ، وَزَعَمْتُ أَنَّهُ بَعَثَنِي إِليكُم رَسُولاً، وََهُوَ لَم يَبْعَثْنِي رَسُولاً، لَعَاقَبَنِي أَجْرُؤُ عَلَى الإِقدَامِ عَلَى هذِهِ الفِرْيَةِ، وأُعرِّضُ نَفْسِي لِعِقَابِ اللهِ؟ وَاللهُ أَعْلَمُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ بِما تَخُوضُونَ فِيهِ مِنْ التَّكْذِيبِ بِالقُرآنِ، والطَّعْنِ في آيَاتِهِ والقولِ إِنَّها سِحْرٌ. وَكَفَى بِاللهِ شَهِيداً لِي ِالصِّدْقِ فِيمَا أُبَلِّغُكُمْ عَنْهُ، وَيَشْهَدُ عَلَيكُمْ بِالكُفْرِ والتَّكْذِيبِ، وَهُوَ الغَفُورُ إِن تبتما وأَقْلَعْتُمْ عَمَّا أَنْتُمْ عَلَيهِ مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ، وَهُوَ الرَّحِيمُ بِعِبَادِهِ يَرْحَمُ التَّائِبِينَ المُسْتَغْفِرِينَ. تُفِيضُونَ فِيهِ - تَنْدَفِعُونَ فِيهِ طَعْناً وَتَكْذِيباً.

стр. 4398

(٩) - وَقُلْ لَهُمْ يَا مُحمَّدُ: إِنَّني لَسْتُ بِأَوَّلِ رَسُولٍ جَاءَ إِلى الخَلْقِ في الأَرْضِ وَبلِّغَ رِسَالَةً عَنْ رَبِّهِ، فَقَدْ جَاءَتْ رُسُلٌ قَبْلي، وَأَبْلَغُوا أَقْوَامَهُمْ رِسَالاتِ رَبِّهِمْ، وَتَلَوا عَلَيهِمْ آيَاتِهِ وَكُتُبَهُ المُنَزَّلةَ عَلَيهِمْ. وَأَنا بَشَرٌ لا أَسْتَطِيعُ أَنْ آتيِ بِشَيءٍ مِنْ عِنْدِي، والذِي يُرسِلُ المُعجِزاتِ هُوَ اللهُ وَحْدَهُ، يُرسِلُها حِينَما يشاءا وأَنا لاَ أَعْلَمُ مَا يُفْعَلُ بي في الدُّنيا أَأُخْرَجُ مِنْ بَلَدِي أَمْ أُقتَلُ؛ وأَنا لاَ أَتَّبعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِليَّ مِنْ عِنْدِ اللهِ تَعَالى مِنَ القُرآنِ، لا أَبْتَدِعُ شَيْئاً مِن عِندِي، وَمَا أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ أُنذِرُكُمْ عِقَابَ اللهِ، وَأُخَوِّفُكُمْ مِنْ عذابها وَآتِيكُمْ بِالشَّوَاهِدِ الوَاضِحَةِ عَلَى صِدْقِ مَا جِئْتُكمْ بِهِ.

стр. 4399

﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ ﴿إِسْرَائِيلَ﴾ ﴿فَآمَنَ﴾ ﴿الظالمين﴾ (١٠) - قُلْ يَا مُحمَّدُ لهؤُلاءِ المُشْرِكِينَ الكَافِرِينَ بالقُرآنِ: أَخْبِرُوني عَنْ حَالِكُمْ إِنْ ثَبَتَ أَنَّ هذا القُرآنَ مُنزَّلٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ تعالى وأَنَّهُ لَيْسَ بِسِحْرٍ وَلا مُفْتَرًى عَلَى كَمَا تَزْعمُونَ، ثُمَّ كَذَّبْتُمْ أَنْتُمْ بها وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ عُلَماءِ بَني إِسْرائِيلَ عَلَى أَنَّ هذا القُرآنَ مُنَزَّلٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ، فآمَنَ هُوَ بِهِ، واسْتَكْبَرتُمْ أَنْتُمْ عَنِ الإِيمَانِ بِهِ، أَفَلا تَكُونُونَ أَضَلَّ النَّاسِ وأَظْلَمَهُمْ؟ وَاللهُ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمينَ. (وَقِيلَ إِنَّ هذا الشَّاهِدَ مِنْ بَني إِسْرَائِيلَ هُوَ عبدُ اللهِ بنُ سَلاَّمٍ، وَكَانَ حَبراً مِنْ أَحْبَارِ اليَهُودِ ثُمَّ أَسْلَمَ) .

стр. 4400

﴿آمَنُواْ﴾ (١١) - وَقَالَ مُشْرِكُو مَكَّةَ اسْتِهْزاءً بِالمُؤْمِنينَ، واسْتِعْلاَءً عَلَيهِمْ: لَوْ كَانَ مَا أَتَى بِهِ مُحمَّدٌ حَقّاً، مَا سَبَقَنَا إِليهِ فُقَرَاءُ المُؤْمِنينَ، وضعفاؤهما وَعَبِيدُهُمْ (مِثْلُ بِلاَلٍ وَصُهَيبٍ وَعَمَّارٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ. .) لأَنَّهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّ أَعَالِي الأُمُورِ لاَ يَنَالُها إِلاَّ أَصْحَابُ الجَاهِ والسلطانا وَأَصْحَابُ مُحمَّدٍ أكثَرُهُمْ فُقَرَاءُ وَعَبيدٌ، لِذَلِكَ استَبْعَدَ رُؤُوسُ الشِّرْكِ أَنْ يَسْبِقَهُمْ غَيرُهُم إِلَى الخَيْرِ، وَإِلى الحَقّ. وَبِمَا أَنَّهُم لم يَهْتَدُوا، وَلَمْ يُؤْمِنُوا بِرِسَالَةِ مُحمَّدٍ وقرآنها فَسَيقُولُونَ: هذا كَذِبٌ قَدِيمٌ مِنْ أَسَاطِيرِ الأَوَّلِينَ. إِفْكٌ قَدِيمٌ - كَذِبٌ مُتَقَادِمٌ.

стр. 4401

﴿كِتَابُ﴾ (١٢) - وَقَبْلَ هذا القُرآنِ، الذِي يُكَذِّبُ بِهِ المَلأُ مِنْ قُرَيشٍ، أَنْزَلَ اللهُ التَّورَاةَ عَلَى عَبْدِهِ مُوسَى، وَجَعَلَهَا إِماماً وقُدْوَةً لِبَنِي إِسْرَائِيلِ وَرَحْمَةً لَهُمْ. وَقَدْ أَشَارَتِ التَّوراةُ إِلى مَبْعَثِ مُحمَّدٍ، وَرِسَالتِهِ، وَصِفَاتِهِ. وَبِما أَنَّ المُشْرِكِينَ لاَ يُمَارُونَ في أَنَّ التَّورَاةَ مُنَزَّلةٌ مِنْ عِندِ اللهِ، وَبما أَنَّ التَّورَاةَ بَشَّرَتْ بِمُحَمَّدٍ وَكِتاَبِهِ، فَلاَ بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُحمَّدٌ صَادِقاً في رِسَالَتهِ، وَلاَ بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ هذا القُرآنُ مُنَزَّلاً مِنْ عِنْدِ اللهِ تَعَالى. وَقَدْ أَنْزَلَهُ اللهُ بِلِسَانٍ عَرَبيٍّ لِيُنْذِرَ الذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بِالشِّرْكِ، وَليبشِّرَ المُؤمِنينَ المُحْسِنينَ بِأَنَّ لَهُمُ الثَّوابَ الجَزِيلَ عِنْدَ اللهِ تَعَالى. وَقَدْ جَاءَ القُرآنُ مُوَافِقاً لما جَاءَ في التَّوراةِ، وَمُصَدِّقاً لَها فِيما جَاءَتْ بِهِ، مَعَ أَنَّها نَزَلَتْ بالعبرانيةا والقُرآنُ جَاءَ بالعَرَبِيَّةِ، فَتَوَافقُهُمَا في الأغْراضِ وَالأَفكَارِ والمبَادِئِ الأَسَاسِيَّةِ يَدُلُّ عَلَى وَحدَةِ المَصْدَرِ وَهُوَ اللهُ تَعَالَى.

стр. 4402

﴿استقاموا﴾ (١٣) - إِنَّ الذِينَ قَالُوا: رَبُّنَا اللهُ لا إِلَهَ غَيرُهُ، وَلاَ مَعْبُودَ سِوَاهُ، ثُمَّ ثَبَتُوا عَلَى تَصْدِيقِهِم بِذَلِكَ، وَلَمْ يَخْلِطُوا إِيمَانَهم بِشِرْكٍ أَوْ ظُلْمٍ، وَلَمْ يُخالِفُوا أَمْرَ اللهِ، أُولئِكَ لا خَوْفٌ عَلَيهِمْ فِيما يَسْتَقْبِلُونَهُ مِنْ أَمْرِهِمْ يَومَ القيامةا وَلا يَحزَنُونَ عَلَى مَا خَلَّفُوهُ وَرَاءَهُم في الدُّنيا.

стр. 4403

﴿أولئك﴾ ﴿أَصْحَابُ﴾ ﴿خَالِدِينَ﴾ (١٤) - وََهَؤُلاءِ الذِينَ آمَنُوا باللها واستَقَامُوا عَلَى الإِيمَانِ والعَمَلِ الصَّالِحِ، هُمْ أَصْحَابُ الجَنَّةِ يَخلُدُونَ فِيها أبداً، ثَواباً لَهُمْ مِنْ عِنْدِ اللها وَجَزَاءً لَهُمْ عَلَى مَا قَدَّمُوا مِنْ أَعْمَالٍ صَالِحَاتٍ فِي الدُّنيا.

стр. 4404

﴿الإنسان﴾ ﴿بِوَالِدَيْهِ﴾ ﴿إِحْسَاناً﴾ ﴿فِصَالُهُ﴾ ﴿ثَلاَثُونَ﴾ ﴿وَالِدَيَّ﴾ ﴿صَالِحاً﴾ ﴿تَرْضَاهُ﴾ (١٥) - بَعْدَ أَنْ أَمَرَ اللهَ تَعَالى عِبَادَهَ بالإِيمانِ بِهِ وَبِتَصْدِيقِ رَسُولِهِ، وبما جاءَ بِهِ مِنْ كِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللهِ، والاستِقَامَةِ عَلَى الإِيمانِ، حَثَّ النَّاسَ عَلَى الإِحسَانِ إِلى الوَالِدَينِ فأَخبَرَ تَعَالَى: أَنَّهُ أَمَرَ الإِنسَانَ بالإِحسَانِ إِلى وَالديْهِ، وَبِالحُنُوِّ عَلَيهِما، وَجَعَلَ برَّهُما مِنْ أَفْضَلِ القُرُبَاتِ إِلى اللهِ، وَجَعَلَ عُقُوقَهُما مِنَ كَبَائِرِ الذُّنوبِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعَالى سَبَبَ تَوصِيَتِهِ الإِنسَانَ بِبِرِّ وَالدَيهِ، فَقَالَ: إِنَّ أُمَّهُ قَاسَتْ في حَمْلِهِ مَشَقَّةً وَتَعَباً، وَقَاسَتْ في وَضعِهِ مَشَقَّةً وأَلماً، وَكُلُّ ذَلِكَ يَسْتَدعي مِنَ الإِنسانِ الشكرَ، واستِحقَاقَ التَّكريمِ، وَجَميلَ الصُّحْبَةِ. وَمُدَّةُ حَمْلِ الطّفْلِ، وفِطَامِهِ، ثَلاثُونَ شَهْراً تَتَحَمَّلُ فِيها الأٌمُ أَعْظَمَ المَشَاقِّ. حَتَّى إِذَا بَلَغَ الطّفْلُ كَمَالَ قُوَّتِهِ وَعَقْلِهِ، وَبَلَغَ أَربَعِينَ سَنَةً مِنْ عُمْرِهِ قَالَ: رَبِّ أَلْهِمْنِي وَوَفِّقْنِي إِلى شُكْرِ نِعْمَتِكَ التِي أَنْعَمْتَ بِها عَلَيَّ، وَعَلَى وَالِدَيَّّ، مِنْ صِحَّةِ جِسْمٍ، وَسَعَةِ عَيْشٍ، واجْعْلَنْي أَعْمَل عَمَلاً صَالِحا يُرضِيكَ عَنِّي لأَنَالَ مَثُوبَتَهُ عِنْدَكَ، وَاجَعْلِ اللهُمَّ الصَّلاَحَ سَارِياً في ذُرِّيَّتِي، إِني تُبتُ إِليكَ مِنْ ذُنُوبِي التِي صَدَرتَ عَنِّي فِيما سَلَفَ مِنْ أَيَّامِي، وَإِنِّي مِنَ المُستَسلِمِينَ لأَمرِكَ وَقَضَائِكَ. وَصِّينا - أَمَرْنا وَأَلزَمْنا. كُرْهاً - ذَاتَ كُرهٍ وَمَشَقَّةٍ. حَمْلُهُ وفِصَالُهُ - مُدَّةُ حَملِهِ وَفِطَامِهِ. بَلَغَ أَشُدَّهُ - بَلَغَ كَمَالَ قُوَّتِهِ وَعَقْلِهِ. رَبِّ أَوْزِعْني - يا رَبِّ أَلْهِمْنِي وَوَفّقْنِي.

стр. 4405

﴿أولئك﴾ ﴿أَصْحَابِ﴾ (١٦) - وَهؤلاءِ المُتَّصِفُونَ بِالصِّفَاتِ السَّابِقَةِ (التَّائِبُونَ إِلى اللهِ، المُنِيبُونَ إِليهِ، المُسْتَدْرِكُونَ مَا فَاتَ بِالتُّوْبَةِ والاسْتِغْفَارِ. .) هُمُ الذِينَ يَتَقَبَّلُ اللهُ تَعَالى مِنْهُمْ أحسَنَ مَا عَمِلُوهُ في الدُّنيا، وَيَصْفَحُ عَنْ سَيِّئاتهِمْ فَيَغْفِرُ لَهُمُ الكَثيرَ مِنَ الزَّلَلِ الذِي صَدَرَ مِنْهُم فِي حِيَاتِهم الدُّنيا، ولمْ يَتَرسَّخْ فِعْلُهُ في نُفُوسِهِم، وَيَقْبَلُ القَليلَ مِنَ العَمَلِ. وَهُمْ في عِدادِ أَهْلِ الجَنَّةِ تَحقيقاً للوَعْدِ الصِّدْقِ الذِي وَعَدَهُمْ بِهِ رَبُّهم فِي الدُّنيا، وَلا يُخْلِفُ اللهُ وَعْدَهُ أَبداً. (وَرُوِيَ أَنَّ هذهِ الآيةَ نَزَلَتْ في سَعْدِ بنِ أَبي وَقَّاصٍ. وَرُوِيَ أَيْضاً أَنَّها نَزَلَتْ في أَبي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁. والآيَةُ تَنْطَبِقُ عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ فَهُوَ مُوصىً بِوالِدَيهِ، مَأْمُورٌ بِشُكْر أَنْعُمِ الله عَلَيهِ وَعليهِما، وَبأَنْ يَعْمَلَ صَالِحاً، وَأَنْ يَسْعَى في إِصْلاَحِ ذُرِّيَّتهِ، وَأَنْ يَدْعُوَ اللهَ أَنْ يُوِّفقَهُ إِلى عَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ) .

стр. 4406

﴿لِوَالِدَيْهِ﴾ ﴿آمِنْ﴾ ﴿أَسَاطِيرُ﴾ (١٧) - بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ تَعَالى حَالَ البَرَرَةِ الصَّالحينَ، وَما أَعَدَّهُ لَهُمْ مِنَ النَّعِيم في الدُّنيا وَالآخِرَةِ، جَاءَ عَلَى ذِكْرِ الأَشْقِيَاءِ أَهْلِ العُقُوقِ لِلْوَالِدَينِ، المُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ والنُّشُورِ، فَأَخْبَرَ تَعَالى: أَنّ الذِي أَجَابَ وَالديهِ حِينَما دَعَواهُ إِلى الإِيمَانِ باللهِ والإِقْرارِ بالبَعْثِ وَالحِسَابِ: أُفٍّ لَكُما، أَتَقُولاَنِ إِنَّني سأُبْعَثُ مِنْ قَبْرِي حَيّاً بَعْدَ مَوتِي، وَبَعْدَ أَنْ أَصِير تُراباً وَرَمِيماً؟ إِنَّ هَذا لأَمْرٌ لا يُصدَّقُ، فَهذِهِ أَجْيَالٌ مِنَ البَشَرِ مَضَتْ، وَأُمَمٌ قَدْ خَلَتْ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا أَحَدٌ، وَلَوَ كُنْتُ مَبُعُوثاً بَعْدَ مَوتي لَكَانَ بُعِثَ مَنْ مَضَى مِنَ الأُمَمِ الغَابِرَةِ. وَقَدِ استَغَاثَ وَالِدَاهُ بِاللهِ استِعْظَاماً لجُرمِهِ، وَقَالاَ لَهُ، وَهُما يَحُثَّانِهِ عَلَى الإِيمَانِ بِاللهِ: هَلَكْتَ إِنْ لَمْ تُؤْمِنْ بِما وَعَدَ اللهُ مِنَ المَعَادِ مِنْ بَعْدِ المَوتِ، ثُمَّ بِالحِسَابِ وبِالجَزَاءِ عَلى الأَعْمالِ، فَوَعْدُ اللهِ حَقٌ لاَ شَكَّ فِيهِ، واللهُ تَعالى لا يُخْلِفُ وَعْدَه أبداً. وَيَرُدُّ الوَلَدُ عَلى نَصِيحَةِ وَالِدَيهِ قَائِلاً: إِنَّ مَا يَقُولاَنِهُ لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ شَيءٌ مِمَّا سَطَّرهُ الأَوَّلُونَ مِنْ أَبَاطِيلهِمْ، وَلا ظِلَّ لَهُ مِنَ الحَقِيقَةِ. أُفٍّ لَكُما - أفٍّ كَلِمَةُ تَضَجُّرٍ وَتَبَرُّمٍ بِما يَقُولاَنِ. وَهِيَ اسْمُ فِعْلٍ مُضَارِعٍ. أَنْ أُخْرَجَ - أَن أُبْعَثَ مِنْ قَبْرِي بَعْد َأَنْ تَصِيرَ عِظامي رَميماً. خَلَتِ القُرُونَ - مَضَتِ الأُمَمُ وَلَمْ تُبْعَثْ. وَيْلَكَ - هَلَكْتَ، وَهِيَ هُنَا تَعنِي حَثَّهُ عَلَى الإِيمَانِ. أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ - قَصَصُ الأَوَّلِينَ وَخُرَافَاتُهُمْ المَسْطُورَةُ في كُتِبِهمْ.

стр. 4407

﴿أولئك﴾ ﴿خَاسِرِينَ﴾ (١٨) - وَهؤُلاءِ الذِينَ اتَّصفُوا بِصَفاتِ أَهْلِ الكُفْرِ بِاللهِ، والعُقُوقِ لِلوالِدَينِ، يُصَنَّفُونَ في زُمْرَةِ أَمَثَالِهِم مِنَ الكَافِرينً مِنْ أُمَمٍ قَدْ مَضَتْ قَبْلَهُمْ مِنَ الإِنْسِ وَالجِنِّ، فَحَقَّتْ عَلَيهِم عُقُوبَةُ اللهِ وَعَذَابُهُ، لأَنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ إِذِ اشتَرَوا الضَّلاَلَةَ بِالهُدَى. حَقَّ عَلَيهِم القَوْلُ - وَجَبَ عَلَيهِمْ وَعِيدُ اللهِ. قَدْ خَلَتْ - مَضَتْ وَتَقَدَّمَتْ.

стр. 4408

﴿دَرَجَاتٌ﴾ ﴿أَعْمَالَهُمْ﴾ (١٩) - وَلِكُلٍّ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ وَأَهْلِ النَّارِ، يَوْمَ القِيَامةِ، مَنَازِلُ تُنَاسِبُ أَعْمالِهم، وَلا يَظلِمُهم اللهُ شَيئاً: فَلا يَزيدُ فِي سَيِّئَاتِهم، وَلا يَنقصُهُم شَيئاً مِنْ حَسَناتِهم.

стр. 4409

﴿طَيِّبَاتِكُمْ﴾ (٢٠) - ويَومَ القِيامَةِ يُوقَفُ الذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ، وَيُقَالُ لَهُمْ عَلَى سَبِيلِ التَّقْرِيعِ والتَّأْنِيبِ: إِنَّ كُلَّ ما قُدِّر لَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ والنَّعِيمِ قدِ استَمْتَعْتُمْ بِهِ، واستَوفَيْتُمُوهُ في حَيَاتِكُمُ الدُّنيا واستَهْلَكْتُمُوهُ فِيها، ولم يَبْقَ لَكُم شَيءٌ مِنَ المُتَعِ واللَّذَّاتِ. وَهكَذَا لَم يَبْقَ لَكُمْ شَيءٌ في الآخِرَةِ تَنَالُونَهُ غيرُ الخِزْيِ وَالإِهَانةِ، جَزَاءً لَكُمْ عَلى استِكْبَارِكُمْ عَنِ اتِّباعِ الحَقِّ، وَعَلى فسْقِكُم وَخُرُوجِكُم عَنْ طَاعَةِ رَبِّكُمْ. الفِسْقُ - الخُروجُ عَنِ الطَّاعَةِ.

стр. 4410

(٢١) - ويُسَلِّي اللهُ تَعَالى رَسُولَه الكَريمَ عَمَّا يُلاقِيهِ مِنْ تَكْذِيبِ قَوْمِهِ لَهُ، واسْتِهْزَائِهِمْ بهِ، وَيُذَكِّرُهُ بِقَصَصِ الأَنبِيَاءِ الذِينَ قَبْلَهُ، فَكَذَّبَهمْ أَقْوامُهُم، وَاسْتَهْزَاؤوا بِهِمْ فَجَاءَ نَصْرُ اللهِ فَنَجَّى الرُّسُلَ وَالذِينَ آمَنُوا، وأَهْلَكَ المُجْرِمينَ. وَهُنَا يَبْدَأُ تَعَالى بِسَرْدِ قِصَّةِ هُودٍ، ﵇، مَعَ قُومِهِ عَادٍ، وَقَدْ كَانوا يَسْكُنُونَ الأَحْقَافَ في مِنْطَقَةِ حَضْرَمَوْتَ، جَنُوبيِّ الجَزِيرَةِ العَرَبيَّةِ، فَقَدْ بَعَثَهُ اللهُ إِليهِمْ فَدَعَاهُم إِلى عِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَذَكَّرَهُمْ بِأَنْعُمِ اللهِ عَلَيهِم، وَبِما مَنَّ عَلَيهِمْ بِهِ من قُوَّةٍ وَغِنىً، وَكَثْرَةِ عَدَدٍ، وَأَنذَرَهُمْ بَأسَ اللهِ الشَّدِيدَ وَعِقَابَهُ إِن أَقَامُوا عَلى كُفْرِهم وَظُلْمِهِمْ. وَقَدْ أَرْسَلَ اللهُ قَبْلَ هُودٍ رُسُلاً آخرِينَ دَعَوا أَقْوَامَهُم إِلى الإِيمانِ باللهِ، وَأَنْذَرُوهُمْ عَذَابَ اللهِ إِنْ أَصَرُّوا عَلَى كُفْرِهِمْ، وَحَثُّوهُمْ عَلَى الإِقْلاَعِ عَنِ الشِّرْكِ بِاللهِ، وَعَلى إِفرادِهِ تَعَالى بِالأُلُوهِيَّةِ وَحْدَهُ. وَقَالَ هُودٌ لِقَوْمِهِ نَاصِحاً: إِنِّي أَخَافُ عَلَيكُم عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمِ الهَوْلِ، هُوَ َيَوْمُ القِيَامَةِ إِذا أَصَرُّوا علَى كَفْرهِمْ وَتَكْذِيبِهِمْ. الأَحْقَافُ - فِي جَنُوبيِّ الجَزِيرَةِ العَرَبِيَّةِ - حَضْرَ مَوْتُ.

стр. 4411

﴿آلِهَتِنَا﴾ ﴿الصادقين﴾ (٢٢) - فَرَدُّوا عَليه قَائِلِينَ: أَجِئتَنَا لِتَصْرِفَنَا عَنْ عِبَادَةِ آلهِتنا إِلى عِبَادةِ رَبِّكَ الذِي تَدْعُونا إِليهِ، فَعَجِّلْ لَنَا بِإِنْزَالِ العَذَابِ عَلَينا، إِنْ كُنْتَ مِنْ الصَّادِقينَ في وَعِيدِكَ لَنا (وَهُوَ أَنَّ رَبَّكَ سَيُنْزِلُ عَلينا عَذاباً مُدَمِّراً مُهْلِكاً يُبِيدُنا بهِ إِذا ما بقينا مُقِيمِينَ عَلَى عِبَادَةِ أَصْنَامِنا) . لِتَأْفِكَنَا - لِتَصْرِفَنا.

стр. 4412

﴿أَرَاكُمْ﴾ (٢٣) - فَقَالَ لَهُم هُودٌ ﵇: إِنَّ اللهَ هُو الذِي يَعْلَمُ إِنْ كُنْتُمْ تَسْتَحِقُّونَ العَذَابَ، وَهُوَ القَادِرُ عَلى إِنزالِهِ بِكُمِ، وَهُوَ العَالِمُ بالوَقْتِ الذِي يُنزِلُهُ بِكُم إِنْ شَاءَ، أَمَّا أَنَا فَمَهَمَّتِي هِيَ إِبْلاغُكُمْ ما أَرْسَلَنِي بهِ إِليكُم، وأَنا لا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُعجِّلَ العَذَابَ الذِي تَطْلُبُونَهُ، وَلاَ أَقدِرُ عَليهِ، وإِنِّي أَعْتَقِدُ أَنَّكُم قَوْمٌ تَجْهَلُونَ مَهَمَّةَ الرَّسُولِ، ولِذَلِكَ طَلَبتُمْ مِنّي أَنْ أُعَجَّلَ لَكُمُ العَذَابَ، كَمَا أَنِّي أَعتَقِدُ أَنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ عَظَمَةَ اللهِ وَقُدْرَتَهُ وَشِدَّةَ بَأسِهِ، لِذَلِكَ طَلبتُمْ تَعْجِيلَ إِنْزالِ العَذَابِ بِكُمْ، والعَذَابُ لا يَطْلُبُ عَاقِلٌ أَنْ يَنْزِلَ بِهِ.

стр. 4413

(٢٤) - وَكَانَ اللهُ تَعَالى قَدْ حَبَسَ المَطَرَ عَنْ عَادٍ مُدَّةً مِنَ الزَّمَنِ، حَتَّى اشتَدَّ بِهِم العَطَشُ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِليهِمْ غُيُوماً كَثِيفَةً اتَّجَهَتْ إِلى أودِيَتِهِمْ فَفَرِحَ بها قَوْمُ عَادٍ، واستَبْشَرُوا ظَنَّاً مِنْهُمْ أَنَّها سَحَائِبُ تَحمِلُ المَطَرَ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: هذا سَحَابٌ سَيُمْطِرُنا. وَقَالَ لهُمُ اللهُ تَعَالى (أَوْ قَالَه لَهُمْ هُودٌ ﵇ . بَل هُوَ العَذَابُ الذِي استَعْجَلْتُم بإِنْزَالِهِ بِكُم، حِينَ قُلْتُمْ لِرَسُولِكُم ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ الصادقين﴾ إِنَّهُ رِيحٌ تحمِلُ إِليكُمْ عَذاباً مُهْلِكاً شَدِيدَ الإِيلامِ. عارِضاً - سحاباً يَعْرِضُ فِي الأُفُقِ.

стр. 4414

﴿مَسَاكِنُهُمْ﴾ (٢٥) - وهذهِ الرِّيحُ التي أَرسَلَها اللهُ عَلَى قَوْمِ عَادٍ تُهلكُ وَتُخَرِّبُ كُلَّ شَيءٍ مَرَّتْ بِهِ بإِذن رَبِّها. وَوَصَفَهَا تَعَالى في آيةٍ أخْرى بأنَّها ﴿مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاَّ جَعَلَتْهُ كالرميم﴾ وَسَلَّطَ اللهُ تَعَالى هذهِ الرِّيحَ العَاتيةَ على قَومِ عَادٍ، فَهَبَّتْ عَلَيهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيةَ أيَّامٍ كَامِلاَتٍ مُتَتَالِيَاتٍ، فَأهْلَكَتْهُمْ جَميعاً، ولم تَترُكْ لَهُمْ في أَرْضِهِمْ مِنْ بَاقِيةٍ، وَلَم يَعُدْ يُرى في دِيَارِهم إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ خَالِيةً لا سَاكِنَ فِيها. وَيُخْبِرُ تَعَالى أَنَّهُ يُعَاقِبُ بِمِثْلِ هذِهِ العُقُوبَةِ كُلَّ مَنْ كَذَّبَ رُسُلَهُ، وَخَالَفَ أَوامِرَهُ. تُدَمِّر - تُهْلِكُ وَتُخَرِّبُ.

стр. 4415

﴿مَكَّنَاهُمْ﴾ ﴿مَّكَّنَّاكُمْ﴾ ﴿أَبْصَاراً﴾ ﴿أَبْصَارُهُمْ﴾ ﴿بِآيَاتِ﴾ ﴿يَسْتَهْزِئُونَ﴾ (٢٦) - وَقَدْ مَكنَّا لِقَومِ عَادٍ في الدُّنيا فِيمَا لمْ نُمَكِّنْكُمْ فيهِ، وَأَعْطَينَاهُمْ مَا لَمْ نُعْطِكُم مِثْلَهُ، وَلاَ قَريباً مِنْهُ، مِنَ الأَمْوالِ الكَثِيرَة، وَالأَولادِ، وَبَسْطَةِ الأَجْسَام، وَقُوَّةِ الأَبدَانِ، وَجَعَلْنا لَهُمْ أَسْماعاً وَأَبْصَاراً، فَلَم يَسْتَعْمِلُوا شَيئاً مِنْ أَسْماعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وأَفْئِدَتِهِمْ فِيما خُلِقَتْ لَهُ، وَلَمْ يَنْتَفِعُوا بِها في الاهتداء إِلى وُجودِ الخالِق وَوحْدَانِيتهِ، وَقُدْرَتِهِ العَظِيمَةِ عَلَى الخَلْقِ، لأَنَّهُمْ كَانُوا يُكَذِّبُونَ رُسُلَ اللهِ، وَيُنْكِرُونَ آياتِهِ فَأَنزَلَ اللهُ تَعَالى بَأْسَهُ وَعَذَابَهُ عَلَيهِم، وَأَحَاطَ بِهِم العَذَابُ الذِي كَانُوا يَسْتَهِزِئُونَ بِهِ، وَيَسْتَبْعِدُونَ وُقُوعَهُ بِهِمْ، فَاستَعْجِلُوهُ. فَلْيَحْذَرْ مُشْرِكُو مَكَّةَ أَنْ يَنْزِلَ بِهِمْ مَا نَزَلَ بِقَوْمِ عَادٍ، إِذا استَمَرَوُا عَلَى كُفْرِهِمْ وَتَكْذِيبهِمْ. مَكَّنَاهُمْ - أَقْدَرنَاهُمْ وَبَسَطْنا لَهُمْ. فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ - فَمَا دَفَعَ عَنْهُمْ. حَاقَ بِهِمْ - أَحَاطَ وَنَزَلَ بِهِمْ.
следующие страницы →