← Тафсир

Тафсир · id 1787

أيسر التفاسير لأسعد حومد

أسعد حومد

Полный текст (6 113 стр.). Показаны 4411–4450 · переход к 4416.

стр. 4411

﴿آلِهَتِنَا﴾ ﴿الصادقين﴾ (٢٢) - فَرَدُّوا عَليه قَائِلِينَ: أَجِئتَنَا لِتَصْرِفَنَا عَنْ عِبَادَةِ آلهِتنا إِلى عِبَادةِ رَبِّكَ الذِي تَدْعُونا إِليهِ، فَعَجِّلْ لَنَا بِإِنْزَالِ العَذَابِ عَلَينا، إِنْ كُنْتَ مِنْ الصَّادِقينَ في وَعِيدِكَ لَنا (وَهُوَ أَنَّ رَبَّكَ سَيُنْزِلُ عَلينا عَذاباً مُدَمِّراً مُهْلِكاً يُبِيدُنا بهِ إِذا ما بقينا مُقِيمِينَ عَلَى عِبَادَةِ أَصْنَامِنا) . لِتَأْفِكَنَا - لِتَصْرِفَنا.

стр. 4412

﴿أَرَاكُمْ﴾ (٢٣) - فَقَالَ لَهُم هُودٌ ﵇: إِنَّ اللهَ هُو الذِي يَعْلَمُ إِنْ كُنْتُمْ تَسْتَحِقُّونَ العَذَابَ، وَهُوَ القَادِرُ عَلى إِنزالِهِ بِكُمِ، وَهُوَ العَالِمُ بالوَقْتِ الذِي يُنزِلُهُ بِكُم إِنْ شَاءَ، أَمَّا أَنَا فَمَهَمَّتِي هِيَ إِبْلاغُكُمْ ما أَرْسَلَنِي بهِ إِليكُم، وأَنا لا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُعجِّلَ العَذَابَ الذِي تَطْلُبُونَهُ، وَلاَ أَقدِرُ عَليهِ، وإِنِّي أَعْتَقِدُ أَنَّكُم قَوْمٌ تَجْهَلُونَ مَهَمَّةَ الرَّسُولِ، ولِذَلِكَ طَلَبتُمْ مِنّي أَنْ أُعَجَّلَ لَكُمُ العَذَابَ، كَمَا أَنِّي أَعتَقِدُ أَنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ عَظَمَةَ اللهِ وَقُدْرَتَهُ وَشِدَّةَ بَأسِهِ، لِذَلِكَ طَلبتُمْ تَعْجِيلَ إِنْزالِ العَذَابِ بِكُمْ، والعَذَابُ لا يَطْلُبُ عَاقِلٌ أَنْ يَنْزِلَ بِهِ.

стр. 4413

(٢٤) - وَكَانَ اللهُ تَعَالى قَدْ حَبَسَ المَطَرَ عَنْ عَادٍ مُدَّةً مِنَ الزَّمَنِ، حَتَّى اشتَدَّ بِهِم العَطَشُ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِليهِمْ غُيُوماً كَثِيفَةً اتَّجَهَتْ إِلى أودِيَتِهِمْ فَفَرِحَ بها قَوْمُ عَادٍ، واستَبْشَرُوا ظَنَّاً مِنْهُمْ أَنَّها سَحَائِبُ تَحمِلُ المَطَرَ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: هذا سَحَابٌ سَيُمْطِرُنا. وَقَالَ لهُمُ اللهُ تَعَالى (أَوْ قَالَه لَهُمْ هُودٌ ﵇ . بَل هُوَ العَذَابُ الذِي استَعْجَلْتُم بإِنْزَالِهِ بِكُم، حِينَ قُلْتُمْ لِرَسُولِكُم ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ الصادقين﴾ إِنَّهُ رِيحٌ تحمِلُ إِليكُمْ عَذاباً مُهْلِكاً شَدِيدَ الإِيلامِ. عارِضاً - سحاباً يَعْرِضُ فِي الأُفُقِ.

стр. 4414

﴿مَسَاكِنُهُمْ﴾ (٢٥) - وهذهِ الرِّيحُ التي أَرسَلَها اللهُ عَلَى قَوْمِ عَادٍ تُهلكُ وَتُخَرِّبُ كُلَّ شَيءٍ مَرَّتْ بِهِ بإِذن رَبِّها. وَوَصَفَهَا تَعَالى في آيةٍ أخْرى بأنَّها ﴿مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاَّ جَعَلَتْهُ كالرميم﴾ وَسَلَّطَ اللهُ تَعَالى هذهِ الرِّيحَ العَاتيةَ على قَومِ عَادٍ، فَهَبَّتْ عَلَيهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيةَ أيَّامٍ كَامِلاَتٍ مُتَتَالِيَاتٍ، فَأهْلَكَتْهُمْ جَميعاً، ولم تَترُكْ لَهُمْ في أَرْضِهِمْ مِنْ بَاقِيةٍ، وَلَم يَعُدْ يُرى في دِيَارِهم إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ خَالِيةً لا سَاكِنَ فِيها. وَيُخْبِرُ تَعَالى أَنَّهُ يُعَاقِبُ بِمِثْلِ هذِهِ العُقُوبَةِ كُلَّ مَنْ كَذَّبَ رُسُلَهُ، وَخَالَفَ أَوامِرَهُ. تُدَمِّر - تُهْلِكُ وَتُخَرِّبُ.

стр. 4415

﴿مَكَّنَاهُمْ﴾ ﴿مَّكَّنَّاكُمْ﴾ ﴿أَبْصَاراً﴾ ﴿أَبْصَارُهُمْ﴾ ﴿بِآيَاتِ﴾ ﴿يَسْتَهْزِئُونَ﴾ (٢٦) - وَقَدْ مَكنَّا لِقَومِ عَادٍ في الدُّنيا فِيمَا لمْ نُمَكِّنْكُمْ فيهِ، وَأَعْطَينَاهُمْ مَا لَمْ نُعْطِكُم مِثْلَهُ، وَلاَ قَريباً مِنْهُ، مِنَ الأَمْوالِ الكَثِيرَة، وَالأَولادِ، وَبَسْطَةِ الأَجْسَام، وَقُوَّةِ الأَبدَانِ، وَجَعَلْنا لَهُمْ أَسْماعاً وَأَبْصَاراً، فَلَم يَسْتَعْمِلُوا شَيئاً مِنْ أَسْماعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وأَفْئِدَتِهِمْ فِيما خُلِقَتْ لَهُ، وَلَمْ يَنْتَفِعُوا بِها في الاهتداء إِلى وُجودِ الخالِق وَوحْدَانِيتهِ، وَقُدْرَتِهِ العَظِيمَةِ عَلَى الخَلْقِ، لأَنَّهُمْ كَانُوا يُكَذِّبُونَ رُسُلَ اللهِ، وَيُنْكِرُونَ آياتِهِ فَأَنزَلَ اللهُ تَعَالى بَأْسَهُ وَعَذَابَهُ عَلَيهِم، وَأَحَاطَ بِهِم العَذَابُ الذِي كَانُوا يَسْتَهِزِئُونَ بِهِ، وَيَسْتَبْعِدُونَ وُقُوعَهُ بِهِمْ، فَاستَعْجِلُوهُ. فَلْيَحْذَرْ مُشْرِكُو مَكَّةَ أَنْ يَنْزِلَ بِهِمْ مَا نَزَلَ بِقَوْمِ عَادٍ، إِذا استَمَرَوُا عَلَى كُفْرِهِمْ وَتَكْذِيبهِمْ. مَكَّنَاهُمْ - أَقْدَرنَاهُمْ وَبَسَطْنا لَهُمْ. فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ - فَمَا دَفَعَ عَنْهُمْ. حَاقَ بِهِمْ - أَحَاطَ وَنَزَلَ بِهِمْ.

стр. 4416

﴿الآيات﴾ (٢٧) - وَلَقَدْ أَهْلَكَ اللهُ تَعَالى القُرَى مِنْ حَوْلِ مَكَّةَ (مِثْلَ عَادٍ وَثَمُودَ وَمَدْينَ وَقَوْمِ لُوطٍ) ، وَأَهْلُ مَكَّةَ يَعْرِفُونَ مَنَازِلَ تِلْكَ الأقوامِ، وَكَانُوا يَمُرُّونَ بِها وَهُمْ غَادُونَ رَائِحُونَ في أَسْفَارِهِمْ، وَقَدْ أَهْلَكَ اللهُ أَهْلَ هذهِ القُرى بَعْدَ أَنْ أَنْذَرَهُمْ، وَحَذَّرَهُمْ، وَضَرَبَ لَهُمُ الأَمثَالَ، وَبَيَّنَ لَهُمْ دَلاَئِلَ قُدْرَتِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ عَنْ غَيِّهِمْ وَطُغْيَانِهِمْ، فَلَم يَرْجِعُوا، وَلَمْ يَتَّعِظُوا، فَأَخَذَهُمُ اللهُ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ.

стр. 4417

﴿آلِهَةَ﴾ (٢٨) - فَهَلاَّ نَصَرَهُمُ الأَرْبابُ الذِينَ اتَّخَذُوا عِبَادَتَهُمْ قُرْبَةً يَتَقَرَّبُونَ بِها إِلى اللهِ فِيما زَعَمُوا، حِينَما نَزَلَ بِهِمْ بَأسُ اللهِ وَأَمْرُهُ فَأَنْقَذُوهُمْ ممَّا نَزَلَ بِهِمْ؟ لَكِنَّ هَؤُلاَءِ الأَرْبَابَ أَصْنَامٌ لاَ تَضُرُّ وَلاَ تَنْفَعُ وَقَدْ غَابُوا عَنْهُم، وَهُمْ أَحْوَجُ مَا يَكُونُونَ إِليهِمْ. وَعَجْزُ هؤُلاءِ الأَرْبَابِ عَنْ نُصْرَتِهِمْ أَثْبَتَ لَهُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ في اتَّخَاذِهِمْ آلهَةً، وَأَنَّهُم يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الكَذِبَ في زَعْمِهِمْ أَنَّهُم يُقَرِّبُونَهُم إِلى اللهِ زُلْفَى، وَيَشْفَعُونَ لَهُمْ عِنْدَ اللهِ تَعَالى. قُرْبَاناً آلهةً - مُتَقَرَّباً بِهِمْ إِلى اللهِ. إِفْكُهُمْ - أَثَرُ كَذِبِهِمْ في اتِخَاذِها آلهةً. يَفْتَرُونَ - يَخْتَلِقُونَ في قَوْلِهم إِنَّها آلهةٌ.

стр. 4418

﴿القرآن﴾ (٢٩) - يَقُصُّ اللهُ تَعَالى عَلى رَسُولِهِ الكَرِيمِ قِصَّةَ نَفْرٍ مِنَ الجِنِّ وَجَّهَهُمُ اللهُ تَعَلى إِلى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يَقرَأُ القُرآنَ، فَاسْتَمَعُوا إِليهِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أَنصِتُوا واستَمِعُوا لهذا القُرآنِ. فَلَمَّا فَرَغَ الرَّسُولُ مِنْ تِلاَوتِهِ انْصَرَفُوا إِلى جَمَاعَتِهم يُخْبرِونَهم بما سَمِعُوا، وَيُحَذِّرُونَهم مِنَ الكُفْرِ، وَيَدْعُونَهم إِلى الإِيمانِ بِاللهِ، وَبِما أَنْزَلَ عَلَى رُسُلهِ. صَرَفْنا إِليكَ - وَجَّهْنَا نَحْوَك. أَنصِتُوا - اسْتَمِعُوا وَاسْكُتُوا. قُضِيَ - أُتِمَّ وَفُرِغَ مِنْ قِراءَتِهِ.

стр. 4419

﴿ياقومنآ﴾ ﴿كِتَاباً﴾ (٣٠) - وَقَالَ النَّفَرُ مِنَ الجِنِّ، الذِينَ اسْتَمَعُوا إِلى تَلاوَة الرَّسُولِ ﷺ القُرآنَ لِقَومِهِمْ: يَا قُومَنَا إِنَّنا سَمِعْنَا كِتاباً أَنزَلَهُ اللهُ بَعْدَ التَّوراةِ، الذِي أَنزَلَه عَلَى مُوسى، يُصَدِّقُ مَا أَنْزَلَه اللهُ قَبلَه مِنَ الكُتُبِ عَلَى رُسُلِه، وَيُرْشِدُ إِلى سَبيلِ الحَقِّ والهُدى، وَإِلى الطَّريقِ القَوِيمِ الذِي يُوصِلُ إِلى رِضْوانِ اللهِ وَجَنَّتِه. (وَقَدْ خَصَّ اللهُ التَّوْرَاةَ بالذِّكْرِ لأَنَّهُ الكِتَابُ الإِمامُ لِبَنِي إِسْرائِيلَ، وَلأَنَّ الإِنْجِيلَ مُتَمَّمٌ لِشَرِيعَةِ التَّورَاةِ) .

стр. 4420

﴿ياقومنآ﴾ ﴿وَآمِنُواْ﴾ (٣١) - وَتَابَعَ النَّفْرُ مِنَ الجِنِّ نُصْحَهُمْ لِقَومِهِمْ فَقَالُوا: يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا رَسُولَ اللهِ مُحَمَّداً الذِي يَدْعُوكُم إِلى الإِيمَانِ بِرَبِّكُمْ، والإِخْلاَصِ في طَاعَتِهِ، وَصَدِّقُوه فِيما جَاءَ بِهِ مِنْ أَمْرٍ وَنَهْيٍ، يَغْفِرْ لَكُمْ رَبًُّكُمْ مَا سَلَفَ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيَقِكُمْ مِنْ عَذَابِهِ الأَلِيمِ.

стр. 4421

﴿أولئك﴾ ﴿ضَلاَلٍ﴾ (٣٢) - وَمَنْ لَمْ يَسْتَجِبْ إِلى مَا يَدْعُو إِليهِ رَسُولُ اللهِ مِنَ الإِيمَانِ باللهِ وَحْدَه لا شرِيكَ لَهُ، وَالإِخلاصِ في العَمَلِ، فَإِنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ الإِفلاتَ مِنْ عِقَابِ رَبِّهِ إِذا أَرَادَ عُقُوبَتَهُ، وَلاَ يَجدُ لهُ مَنْ يَنْصُرُهُ مِنْ بَأسِ اللهِ، وَلاَ مَنْ يَدْفَعُ عَنْهُ سُوءَ العَذَابِ. والذِينَ لا يَسْتَجِيبُونَ للهِ وَللرَّسُولِ يَكُونُونَ في ضَلالٍ وَاضِحٍ بَيِّنٍ، وَيَسْتَحِقُّونَ العِقَابَ الشَّديدَ مِنَ اللهِ تَعَالى. فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ - فَلَيْسَ بِفَائِتٍ مِنْهُ بِالهَرَبِ.

стр. 4422

﴿السماوات﴾ ﴿بِقَادِرٍ﴾ ﴿يُحْيِيَ﴾ (٣٣) - أَوَ لَمْ يَعْلَمْ هؤلاءِ المُنْكِرُونَ لِلبَعْثِ، المُسْتَبْعِدُونَ إِحْيَاءَ الأَمْواتِ يَوْمَ القِيَامةِ، وَإِخْرَاجَهُمْ مِنْ قُبُورِهِمْ، أَنَّ اللهَ هُوَ الذِي خَلَقَ السَّمَاواتِ وَالأَرضَ وَمَا فِيهِما خَلْقاً مُبْتَدأً، وَلم يُعْجِزْهُ خَلْقُهُما، وَلَم يَضِقْ بِهِ، لِيَعْلَمُوا أَنَّ الذِي خَلَقَ السَّماوَاتِ والأَرْضَ لاَ يُعجزُهُ أَنْ يُعِيدَ بَعْثَ الأَمْواتِ مِنَ القُبُورِ بَعْدَ أَنْ صَارَتْ أَجسَادُهُم وَعِظَامُهُم رَميماً بالياً. فَاللهُ تَعَالى إِذا أَرادَ شَيئاً فإِنَّما يَقُولُ لَهُ: كُنْ، فَيَكُونُ الشَّيءُ لِسَاعَتِهِ. بَلَى إِنَّ الذِي خَلَقَ الأَكْوَانَ لَذُو قُدْرَةٍ عَلَى كُلِّ شَيءٍ، وَلاَ يُعْجِزُهُ إِعَادَةُ بَعْثِ الأَمْواتِ مِنَ القُبُورِ يَوْمَ القِيَامَةِ. لَم يَعْيَ - لَم يَتْعَبْ، أَوْ لَمْ يُعْجِزْهُ. بَلى - إِنَّهُ قَادِرٌ عَلَى إِحيَاءِ المَوتَى.

стр. 4423

(٣٤) - وَفِي يَوْمِ القِيَامَةِ يُوقَفُ هؤُلاءِ الكَافِرُونَ المُكَذِّبُونَ بِالبَعْثِ والنُّشُورِ عَلَى نَارِ جَهَنَّمَ، وَيُقَالُ لَهُمْ عَلَى سَبِيلِ التَّقْرِيعِ والتَّأنِيبِ: أَلَيْسَ هذا الذِي تَرَوْنَهُ، مِنْ بَعْثٍ وَحَشْرٍ وَحِسَابٍ وَجَزَاءٍ عَلى الأَعْمَالِ، وَنَارٍ وَقُودُها النَّاسُ والحِجَارَةُ. . . حَقّاً؟ وَكُنْتُم تُكَذِّبُونَ بهِ في الحياةِ الدُّنيا؟ فَيَقُولُونَ: بَلى وَرَبِّنا إِنَّهُ لَحَقٌّ. فَيُقَالُ لَهُمْ: ذُوقُوا الآنَ العَذَابَ في نَارِ جَهَنَّمَ، جَزَاءً لَكُمْ عَلَى كُفْرِكُمْ، وَتَكْذِيبِكُمْ بِالحَقِّ.

стр. 4424

﴿أُوْلُواْ﴾ ﴿بَلاَغٌ﴾ ﴿الفاسقون﴾ (٣٥) - فَاصْبِرْ يَا مُحَمَّدُ عَلى مَا تُلاقِيهِ مِنْ تَكْذِيبِ قَومِكَ لَكَ، كَمَا صَبَرَ أَصْحَابُ القُوَّةِ والثِّبَاتِ، مِنَ الرُّسُلِ الذِينَ سَبَقُوكَ، عَلَى تَكْذِيبِ أَقْوامِهِمْ لَهُمْ حِينَما أَبْلَغُوهُمْ دَعْوَةَ اللهِ إِلى الإِيمَانِ بِهِ. وَلا تَسْتَعْجِلْ بِسُؤَالِ رَبِّكَ أَنْ يُنزِلَ بِهِم العَذَابَ، فَهُوَ واقعٌ بِهِمْ لا مَحَالَةَ. وَأِنَّهُمْ حِينَما يَنْزِلُ بِهِم العَذَابُ يَومَ القِيَامَةََ يَرَوْنَ أَنَّ مُدَّةَ لَبِثِهِمْ في الدُّنيا (أَوْ في قُبُورِهِمْ) كَانَتْ قَصِيرةً، حَتَّى لَيَحْسَبُوها سَاعَةً مِنْ نَهارٍ. وَهذا الذِي وُعِظْتُم بِهِ لكَافٍ في المَوعِظَةِ، وَلاَ يَهلِكُ بالعَذابِ إِلا الكَافِرُونَ الخَارِجُونَ عَنْ طَاعَةِ اللهِ وَأَمْرِهِ، لأَنَّ اللهَ لا يُعَذِّبُ إِلا مَنْ يَسْتَحِقُّ العَذَابَ.

стр. 4425

﴿أَعْمَالَهُمْ﴾ (١) - الذِينَ كَفَرُوا بِاللهِ، وبآيَاتِهِ، وبِكُتُبِه، وَرُسُلِهِ، وَعَبَدُوا غَيْرَهُ، وَصَدُّوا النَّاسَ عَنِ الدُّخُولِ في دِينِ الإِسْلاَمِ، أَبْطَلَ اللهُ أَعْمَالَهُمْ، وَأهْلَكَها وَجَعَلَها تَسِيرُ عَلَى غَيْرِ هُدًى. (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ هذِه الآيةَ نَزَلَتْ في المُطْعِمِينَ مِنْ قُرَيشٍ بِبَدرٍ وهُم اثْنا عَشَرَ رَجُلاً) . أضَلَّ أَعْمَالَهُمْ - أبْطَلَها وَأحْبَطَها.

стр. 4426

﴿آمَنُواْ﴾ ﴿الصالحات﴾ (٢) - والذِينَ آمَنُوا باللهِ، وَبِكُتُبهِ، وَرُسُلِهِ، وَعَمِلُوا بِطَاعَةِ ربِّهم، وَصَدَّقُوا بالقُرآنِ الذي أنْزَلَهُ عَلَى عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ مُحمَّدٍ ﷺ ، وَهوَ الحَقُّ مِنَ اللهِ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالى كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّّئَاتِهِم، وَغَفَرَ لَهُم ذُنُوبَهُمْ، وأصْلَحَ حَالَهم في الدُّنيا، بتوفيقِهم إلى طَريقِ الخير والسَّعَادَةِ والفَلاَحِ. وَيُصْلحُ حَالَهم في الآخِرة بأنْ يُورْثَهُمُ الجَنَّةَ لِيَبْقَوْا فِيها خَالِدينَ أبداً. كَفَّرَ عَنهُمْ - أزالَ وَمَحَا عَنْهُمْ. أصْلَحَ بَالَهُمْ - أَصْلَحَ حَالَهُمْ وَشَأنَهُمْ.

стр. 4427

﴿الباطل﴾ ﴿آمَنُواْ﴾ ﴿أَمْثَالَهُمْ﴾ (٣) - وَقَدْ أَبْطَلَ اللهُ تَعَالى أعْمَالَ الكُفَّارِ، وَتَجَاوزَ عَنْ سَيِّئَاتِ المُؤْمِنينَ الأبرَارِ، وأصْلَحَ لَهمُ حَالَهُمْ، لأنَّ الذِينَ كَفَرُوا اخْتَارُوا اتِّبَاعَ البَاطِلِ عَلى اتِّبَاعِ الحَقِّ، ولأنَّ المُؤْمِنِينَ اتَّبَعُوا الحَقَّ الذِي جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهم فَهَدَاهُم رَبُّهم إِلى سَبيلِ الرَّشَادِ. وَكَما بَيَّنَ اللهُ تَعَالى أفْعَالِ الكُفَّار والفُجَّارِ، وَحَالَ المُؤْمِنينَ الأَبْرَارِ، وَمَا سَيَفْعَلُهُ بِكُلِّ فَريقٍ، فَإِنَّهُ يَضْرِبُ الأمثَالَ للنّاسِ، وَيُشبِّهُ لهُمُ الأشْياءَ، وَيُبَيِّنُ لَهُمْ مآلَ أعْمالِهم وَمَا يَصِيرُونَ إليهِ لِيَتَفكَّرُوا وَيَتَّعِظُوا.

стр. 4428

﴿لِّيَبْلُوَاْ﴾ ﴿أَعْمَالَهُمْ﴾ (٤) - يُرشِدُ اللهُ تَعَالى المُؤْمِنينَ إلى وُجُوب قِتَالِ المُشْرِكِينَ الذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ، وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبيلهِ حَتَّى يَنْخَذِلَ الشِّرْكُ وَأهْلُهُ، وَيُبَيِّنُ لَهُمُ الأَسْلُوبَ الذِي يَعْتَمِدُونَهُ في قِتَالِهِمْ فَيَقُولُ تَعَالى: إذا لَقِيتُمُ المُشْرِكِين في سَاحَةِ الحَرب فَاحْصُدُوهُم حَصْداً بالسيُّوفِ، حَتَّى إذا تَمَّتْ لَكُمُ الغَلَبَةُ عَلَيهِم، وَقَهَرْتُم مَنْ تَبَقَّى مِنْهُمْ حَيّاً، وَصَارُوا أسْرى في أيدِيكم، شُدُّوا وِثَاقَهُمُ لِكَيلاَ يَعْمَدُوا إِلى الهَرَبِ، أوِ العَوْدةِ إِلى القِتَالِ، وَبَعْدَ انتِهَاءِ الحَرْبِ فأنْتُم بِالخيارِ بَيْنَ المَنِّ عَلَيهِم وإِطْلاقِ سَرَاحِهِمْ بِدُونِ فِدَاء، وَبَيَنُ مُفَادَاتِهِمْ. وَقَدْ تَكُونُ المُفَادَاةُ بِمالٍ يُؤْخَذُ مِنْهُمْ لإِضْعَافِ شَوْكَتِهْم، وَقَدْ تَكُونُ بأسْرى مِنَ المُسْلِمينَ. وهذهِ هيَ السُّنَّةُ في قِتَالِ المُشْرِكِينَ والكُفَّارِ حَتَى تَنْتَهِيَ الحَرْبُ وَتَضَعَ أوْزَارَها، وَلَوْ شَاءَ الله أَنْ يَنْتَقِمَ منهُمْ بِعُقُوبةٍ عَاجِلَةٍ لَفَعَلَ، وَلَكَفَاكُمْ أَمْرَهُمْ، وَلكِنَّهُ شَرَعَ الجِهَادَ، وَقتَالَ الأعداءِ، لِخْتَبِرَ المُؤمِنينَ وَصَبْرَهُمْ عَلَى القِتَالِ، وَيخْتَبِرَ المُشرِكِينَ، فَيُعَاقِبَ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ بأيدِي المُؤْمِنينَ، وَيَتَّعِظَ مِنْهُمْ مَنْ شَاءَ وَيَرْجِعَ إِلى الحَقِّ. واللهُ يَجْزِي الشَّهَداءَ الذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِهِ تَعَالى، وَيَتَجَاوزُ عَنْ سَيَّئَاتِهِمْ، وَيُثَمِّرُ لَهُمْ أعْمالَهُمْ وَيُنَمِّيها لَهُمْ. فَضَرْبَ الرِّقاب - فَاضرِبُوا الرِّقابَ ضَرْباً. أثْخَنْتُمُوهُمْ - أوْسَعْتُمُوهُمْ قَتْلاً وَجَرْحاً وَأسْراً. شُدُّوا الوَثَاقَ - أحْكِمُوا وَثَاقَ الأسْرَى. حَتَّى تَضَعَ الحَربُ أوْزَارَها - حَتّى تَنْتَهِيَ الحَرْبُ. مَنّاً - إطلاقَ سَراحِ الأسْرى بِغَيْرِ فِداءٍ. فِدَاءً - أوْ إطلاقَ سََرَاحِهِمْ مَعَ المُفَاداةِ بِمَالٍ أوْ بِأسْرى مِنَ المُسْلِمينَ.

стр. 4429

(٥) - وسَيَهْدِي اللهُ الشُهَدَاءَ في سَبيلِهِ إلى طَريقِ الجَنَّةِ، ويُصْلِحُ حَالَهم في الآخِرَةِ.

стр. 4430

(٦) - وَيدُخْلِهُمَ ربُّهم الجَنَّةَ، فَيَجِدُ كُلُّ وَاحِد فيها مَقَرَّهُ لا يَضِلُّ في طَلَبِه، وَكَأنَّهُ يَعْرِفُهُ مِنْ قَبْلُ. (وَجَاءَ في الحَدِيثِ الشَّرِيفِ: " لأَحَدُكُمْ بِمَنْزِلِهِ في الجَنَّةِ أعْرَفُ مِنْهُ بِمَنْزَلِهِ في الدُّنيا ") . (رَوَاهُ البُخَارِيُّ) .

стр. 4431

﴿ياأيها﴾ ﴿آمنوا﴾ (٧) - يَحُثَّ اللهُ تَعَالى المُؤْمِنينَ عَلَى الجِهَادِ، وَيُعْلِمُهُمْ بَأنَّه يَنْصُرُهُمْ إذا أخْلَصُوا النيَّةَ في قِتَالِ أعدائِهِ، فَيَقُولُ لَهُمْ: إنَّهُمْ إذا نَصَرُوا دِينَ اللهِ نَصَرَهُمُ اللهُ عَلَى أعْدائِهِمْ، وثَّبتَ أقْدَامَهُمْ في الحَرْبِ وَفي الدِّينِ.

стр. 4432

﴿أَعْمَالَهُمْ﴾ (٨) - وَالذِينَ كَفَرُوا باللهِ فَخِزْياً لَهُمْ وَشَقَاءً، وَأَبْطَلَ اللهُ أعْمَالَهُمْ، وَجَعَلَهَا عَلَى غَيرِ هُدىً واستِقَامةٍ لأنَّها عُمِلَتْ لِلشَّيْطَانِ فَتَعْساً لَهُمْ - فَعِثَاراً أوْ شَقَاءً لَهُمْ.

стр. 4433

﴿أَعْمَالَهُمْ﴾ (٩) - وَقَدْ أتْعَسَ اللهُ الكَافِرِينَ وَأخْزَاهُمْ وَأضَلَّ أعْمَالَهُمْ، لأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أنزَلَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ قُرآنٍ وَأحْكَامٍ وَشَرْعٍ وَتَكَالِيفَ. أَحْبَطَ أعْمَالَهم - أبْطلَهَا.

стр. 4434

﴿عَاقِبَةُ﴾ ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ ﴿أَمْثَالُهَا﴾ (١٠) - أفَلَم يَسِرْ هَؤُلاءِ المُكَذِّبونَ في الأَرْضِ لِيَرَوا كَيْفَ عَاقَبَ اللهُ المُكَذِّبينَ مِنَ الأمَمِ السَّالِفَةِ، لَقَدْ دَمَّرَ قُراهُمْ وَبُيُوتَهُمْ، وأهْلَكَ أولادَهُمْ وَأمْوَالَهُمْ، أفَلا يَعْتَبِرُ هَؤُلاءِ بِما نَزَلَ بِمَنْ سَبَقَهُمْ مِنَ المُكَذِّبينَ، وَيَنْتَهُونَ عَمَّا هُمْ فِيهِ مِنَ الكُفْرِ وَالغَيِّ والضِّلاَلَةِ؟ وَكَما أهْلَكَ اللهُ المُكَذِّبينَ السَّابِقِينَ، وَنجَّى المُؤْمِنينَ مِنْ بَيْنِ أظْهُرِهِمْ، كَذلِكَ يَفْعَلُ اللهُ بالكَافِرينَ، السَّائِرينَ سِيرَتَهُمْ. دَمَّرَ عَلَيهِمْ - أطْبَقَ الهَلاكَ عَلَيهِمْ.

стр. 4435

﴿آمَنُواْ﴾ ﴿الكافرين﴾ (١١) - وَقَدْ دَمَّرَ اللهُ عَلَى الكَافِرينَ، وَنَجَّى المُؤْمِنينَ وَأَظْهَرَهُمْ عَلَى الكَافِرينَ، لأنَّ اللهَ مَوْلى الذِينَ آمَنُوا وَصَدَّقُوا رَسُولَهُ وأطَاعُوهُ، وَهُوَ نَاصِرُهُمْ وَحَافِظُهُمْ، وَلأنَّ الكَافِرينَ لاَ ناصِرَ لَهُمْ فَيَدْفَعُ عَنْهُمُ العُقًُوبَةَ وَالعَذَابَ.

стр. 4436

﴿آمَنُواْ﴾ ﴿الصالحات﴾ ﴿جَنَّاتٍ﴾ ﴿الأنهار﴾ ﴿الأنعام﴾ (١٢) - وَفي يَوْمِ القِيَامةِ يُدخِلُ اللهُ تَعَالى الذِينَ آمَنُوا بهِ، وَبِكُتَبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَعَمِلُوا الأعْمَالَ الصَّالِحَاتِ، جَنَّاتٍ تَجرِي في أرْضِها الأنهَارُ جَزاءً لَهُم عَلَى إيمَانِهِمْ. أمَّا الكَافِرُونَ الذِين كَفَرُوا باللهِ وبِكُتُبهِ، وَكَذَّبُوا رُسُلَهُ، فَإِنَّهُم يَتَمَتَّعُونَ بما في هذهِ الدُّنيا مِنْ مَتَاعٍ زَائِلٍ، وَيَأكُلُونَ فِيها كَالأنعَامِ، غَيرَ مُفَكِّرِينَ في عَواقِب أمُورِهِمْ، وَلا مُعْتَبِرِينَ بِما أقَامَهُ اللهُ لِلْعِبَادِ منَ الأدِلَّةِ على وُجُودِهِ ووَحْدَانِيَّتِهِ تَعَالى، وَسَيَصِيرُونَ في الآخِرَةِ إلى جَهَنَّمَ فَتَكُونُ مَسْكَنَهُمْ وَمَأوَاهُمْ. مَثْوىً - مَوضِعُ ثَواءٍ وَإِقَامَةٍ لَهُمْ.

стр. 4437

﴿وَكَأَيِّن﴾ ﴿أَهْلَكْنَاهُمْ﴾ (١٣) - وَكَثيرٌ مِنَ البَلادِ السَّالِفَةِ كَانَ أهْلُها أشَدَّ بَأساً مِنْ أهْلِ مَكَّةَ الذِينَ أخْرَجُوكَ مِنْ بَيْنِ أظْهُرِهِم، وَأكْثرَ قُوَّةً، فأَهْلَكَهُمُ اللهُ، وَدَمِّرَ قُراهُم، فَلَمْ يِجِدوا لَهُمْ نَاصِراً يَنْصرُهُمْ مِنَ اللهِ، وَلا مُعِيناً يَدْفَعُ عَنْهمَ بأسَهُ وعَذابَه، فَاصْبِرْ يا مُحَمَّدُ كَما صِبَرَ أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ، فَإِنَّ العَاقِبةَ سَتَكُونُ لَكَ وَللمُؤْمِنينَ. كَأيٍّ مِنْ قَريَةٍ - كَثيرٌ منَ القُرَى.

стр. 4438

(١٤) - أفَمنْ كَانَ عَلَى بَصِيرَةٍ برَبِّهِ وَخَالقِهِ، وَبِما أَنْزَلَهُ في كِتَابِهِ مِنَ الهُدَى والعِلْمِ، فَهُوَ يُدْرِكُ أنَّ لَهُ ربّاً خَلَقَهُ وَرَعَاهُ، وأنَّهُ سَيُجَازِيهِ على أعْمالِهِ في الآخِرةِ بإدخَالِهِ الجَنَّةَ، كَمَنْ حَسَّنَ لَهُ الشَّيطَانُ عَمَلَهُ القَبيحَ، وَأراهُ إِيَّاهُ جَميلاً فأقَامَ عَلَيهِ، وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَشَهَواتِهِ فَانْغَمَسَ فِي المَعَاصِي غَيْرَ مُفَكِّرٍ فِي بَعْثٍ وَلاَ حِسَابٍ، وَلاَ فِي جَزَاءٍ عَلَى الأعمالِ، إِنَّهُ بِلا شَكٍّ مُفَكِّرٍ فِي بَعْثٍ وَلاَ حِسَابٍ، وَلاَ فِي جَزَاءٍ عَلَى الأعمالِ، إِنَّهُ بِلا شَكٍّ لاَ يَتَساوَى المُؤْمِنُ الصَّالِحُ، مَعَ الكَافِرِ الفَاجِرِ، في الجَزَاءِ عِندَ اللهِ فِي الآخِرَةِ.

стр. 4439

﴿أَنْهَارٌ﴾ ﴿آسِنٍ﴾ ﴿لِّلشَّارِبِينَ﴾ ﴿الثمرات﴾ ﴿خَالِدٌ﴾ (١٥) - يَصِفُ اللهُ تَعَالى الجَنَّةَ التي وَعَدَ المُتَّقينَ بإدخَالِهم إليها، فَيَقُولُ تَعَالى: إنَّها جَنَّةٌ تَجري فيها أنْهَارٌ مِنْ مِيَاهٍ غَيرِ مَتَغَيِّرةِ الطَعْمِ واللَّوِنِ والرَّائِحَةِ، لطُولِ مُكْثِها وَرُكُودِها، وَفيها أنْهَارٌ مِنْ لَبنٍ لم يَتَغيّرْ طَعْمُهُ وَلَمْ يَفْسُدْ، وَفِيها أنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذِيذَةِ الطَّعْمِ وَالمَذَاقِ لِشَاربيها، لاَ تَغْتَالُ العُقُولَ، وَلا يُنْكِرُهَا الشَّارِبُون، وَفِيها أَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ قَدْ صُفِّي مِنَ الشَّمْعِ والفَضَلاتِ. ولِلْمُتَّقِينَ فِي الجَنَّةِ مِنْ جَميعِ الفَوَاكهِ المُخْتَلِفَةِ الأَنْواعِ والطُّعُومِ وَالمَذَاقِ والرَّائِحَةِ. وَلَهُمْ فَوْقَ ذلكَ مَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ تَعَالى، فَهُو يَتَقَّبَلُ مَا قَدَّمُوه مِنْ عَمَلٍ، وَيَتَجَاوَزُ عَنْ هَفَواتِهِمِ التِي اقْتَرَفُوهَا في الدُّنيا. فَهَلْ يَتَسَاوى هَؤُلاءِ المُتَّقُونَ النَّاعِمُونَ في رِضْوانِ اللهِ، وَجَنَّاتِهِ، مَعَ الأشقِياءِ الذِين أدْخَلَهُمُ اللهُ النَّارَ لِيَبْقَوا فِيها خَالِدِينَ أبَداً، جَزاءً لَهُمْ عَلَى كُفْرِهِم وتكْذِيبهِمُ رُسُلَ رَبِّهم، وَأعْمَالِهم السَّيِّئَةِ؟ إِنَّهُمْ لاَ يَتَسَاوَوْنَ أبَداً. وَإذا طَلَبَ هَؤُلاءِ الأشقِيَاءُ، وَهُمْ يُعَذَّبُونَ في نَارِ جَهَنَّمَ، الماءَ لِيُطْفِئُوا ظَمَأهُم فَإنَّهُم يُسْقَوْنَ مَاءً شَدِيدَ الحَرَارةِ إذا شَرِبُوهُ قَطَّعَ أمْعَاءَهُمْ. مَثَلُ الجَنَّةِ - وَصْفُها. غَيرِ أسِنٍ - غَيْرِ مُنْتِنٍ وَلا مُتَغَيِّرِ الطَّعْمِ. مَاءً حَميماً - بَالِغاً الغَايَةَ في الحَرَارَةِ.

стр. 4440

﴿آنِفاً﴾ ﴿أولئك﴾ (١٦) - وَمِنَ النَّاسِ مُنَافِقُونَ يَسْتَمِعُونَ إلى الرَّسُولِ فَلا يَعُونَ مَا يَقُولُ، وَلا يَفْهَمُونَ مَا يَتْلُو عَلَيهِمْ مِنْ كِتَابِ اللهِ، فَإِذا خَرَجُوا من عِنْدهِ قَالُوا لِمَنْ حَضَرَ المَجْلِسَ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ بِكِتابِ اللهِ: مَاذَا قَالَ مُحمَّدٌ قَبْلَ أَنْ نُغَادِرَ المَجْلِسَ؟ وَهُمْ بِذَلِكَ يَسْتَهْزِئُونَ، وَيَسْتَخِفُّونَ بِما يَقُولُهُ رَسُولُ اللهِ، وَكأنَّ ما يَقُولُهُ لَيْسَ ممَّا يُؤبَهُ بهِ، وَهَؤُلاءِ هُمُ الذينَ خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ، فَلا يَهتَدُونَ إلى الحَقِّ الذي جَاءَهُمْ بِهِ الرَّسُولُ، واتَّبْعُوا شَهَواتِهِمْ وَأهْوَاءَهُمْ، فَلا يَرْجِعُونَ إلى حُجَّةٍ وَلا بُرْهَانٍ. آنِفاً - الآنَ أوِ السَّاعةَ أوْ مُنْذُ قَليلٍ.

стр. 4441

﴿آتَاهُمْ﴾ ﴿تَقُوَاهُم﴾ (١٧) - وَالذِينَ قَصَدُوا الاهْتِداءَ بِمَا جَاءَ بهِ الرَّسُولُ، وَالانِتْفَاعَ بِمَا جَاءَ في القُرآنِ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالى يُوفِّقُهم إِلى ذلِكَ، وَيُثِيبُهُمْ عَليه، وَيَشْرَحُ صُدُورَهُم لَهُ، وَيُلْهِمُهُمْ رُشْدَهُمْ، وَيُعيِنُهُمْ عَلَى تَقْواهُ.

стр. 4442

﴿ذِكْرَاهُمْ﴾ (١٨) - وَبَعْدَ أنْ قَامَتِ الدَّلائلُ عَلَى وُجُودِ اللهِ تَعَالى، وَوحْدَانِيَّتِهِ، وَصِدْقِ نُبُوَّةِ رَسُولِهِ، وأنَّ اللهَ سَيَبْعَثُ العِبَادَ مِنْ قُبُورِهِمْ يَوْمَ القِيَامِةِ لِيُحَاسِبَهُم عَلَى أعْمَالِهم، فَماذا يَنْتَظِرُ هَؤُلاءِ المُكَذِّبُونَ لِيَعْتَبُروا وَيُؤمِنُوا؟ وَهَلْ سَيَظَلُّونَ عَلَى كُفْرِهم وَتَردُّدِهِمْ وَتَكْذِيبِهِمْ حَتَّى تَقُومَ السَّاعةُ وَتْفجَأهُمْ، وَهُمْ لاَهُونَ، لِيتَأكَّدُوا أنَّ مَا جَاءَهُمْ بهِ الرَّسُولُ من عِنْدِ رَبِّهم حَقٌّ، وَحِينَئِذٍ يُؤمِنُونَ وَيُصَدِّقُونَ، وَقَدْ ظَهَرتْ عَلامَاتُ قِيامِ السَّاعةِ، وأمَاراتُ اقتِرابِها. وَحِينَما تَقُومُ السَّاعةُ فَمِنْ أيْنَ لِلْكَافِرين التَّذَكُّرُ، وَقَدْ فَاتَ أوَانُهُ، وَهُمْ لاَ يَنْتَفِعُونَ بِهِ، ولا تُقبَلُ مِنْهُمُ التَّوْبَةُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الدُّنيا. جَاءَ أشْراطُهَا - عَلاَمَاتُ حُلُولِها وَوُقُوعِها. فَأنَّى لَهُمُ - فَكَيفَ لَهُمْ وَمِنْ أينَ لَهُمْ. ذِكْرِاهُمْ - تَذَكُّرُهُمْ مَا فَرَّطُوا في جَنْبِ اللهِ.

стр. 4443

﴿المؤمنات﴾ ﴿مَثْوَاكُمْ﴾ (١٩) - يَأْمُرُ اللهُ تَعَالى رَسُولَهُ الكَريمَ ﷺ بالثَّبَاتِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيهِ مِنَ الإِيمَانِ بأنَّهُ لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَمن دَوامِ الاسْتِغفَارِ لِنَفسِهِ وَللْمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ، واللهُ يَعْلَمُ تَصَرُّفَ العِبَادِ في نَهَارِهِمْ، وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهُمْ في لَيلِهِمْ، فَعَلَيهمْ أَنْ يَتَّقُوهُ وَيَسْتَغْفِرُوهُ (والأحادِيثُ كَثِيرةٌ في فَضْلِ الاسْتِغْفارِ) . يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ - مُتَصَرَّفَكُمْ في حَيَاتِكُمْ. وَمثْواكُم - مُقَامَكُم وَمَكَانَ ثَوائِكُمْ.

стр. 4444

﴿آمَنُواْ﴾ (٢٠) - كَانَ المُؤْمِنُونَ المُخْلِصُونَ يَشْتَاقُونَ إِلى الوَحْي، وَيَتَمَنَّوْنَ أنْ تَنْزِلَ آيَاتٌ تَحُثُّ المُؤْمِنينَ عَلَى الجِهَادِ، وَيَقُولُون: هَلاَّ نَزَلَتْ سُورَةٌ تَأمُرنَا بِهِ. فَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ وَاضِحَةُ الدَّلالةِ في الحَثِّ عَلَى الجِهَادِ، وهيَ لا تَحْتَمِلُ تَأويلاً آخَرَ غَيْرَ وُجُوبِهِ، فَرِحَ بِها المُؤْمِنُونَ المُخْلِصُونَ، وَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى المُنَافِقِينَ الذِينَ في قُلُوبِهِم مَرَضٌ وَشَخَصَتْ أبْصَارُهُمْ مِنْ فَزَعِهِم وَجَزَعِهمْ مِنْ لِقاءِ الأعداءِ، وَنَظَرُوا نِظْرَةَ الشَّاخِصِ بِبَصَرِهِ عِنْدَ المَوتِ خَوْفاً مِنَ الموتِ، وَكُرْهاً لهُ، وكَانَ الأوْلَى بِهؤُلاءِ المُنَافِقِينَ مِنْ هذا الهَلَعِ وَالجَزَعِ أنْ يَسْتَمِعُوا وَيُطِيعُوا. مُحَكَمَةٌ - وَاضِحَةٌ وَلاَ تَحْتَمِلُ تَأْوِيلاً آخَرَ. المَغْشِيِّ عَلَيهِ - مَنْ أصَابَتْهُ الغَشْيَةُ والسَّكْرَةُ. فَأوْلَى لهَمُ - فَالعِقَابُ وَالهَلاكُ أحَقُّ بِهِمْ وَأوْلَى لَهُمْ.

стр. 4445

(٢١) - وَطَاعَةٌ للهِ، وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ، خَيْرٌ لَهُم وَاَحْسَنُ مِمَّا هُمْ فِيهِ منَ الهَلَعِ والجَزَعِ، فَإِذا جَدَّ الجِدُّ، وَحَضَرَ القِتَالُ، فَلَو صَدَقُوا الله في القِتَالِ، وَأخْلَصُوا لَهُ النِّيةَ، وَبَذَلُوا جَهْدَهُم لَكَانَ ذَلِكَ خَيْراً لَهُمْ عِنْدَ رَبِّهِم، لأنَّهُم يَنَالُونَ بِهِ الثَّوابَ مِنَ اللهِ تَعَالَى: طَاعةٌ - لَوْ أَطَاعُوا اللهَ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ. عَزَمَ الأمرُ - جَدَّ الجِدُّ وَحَضَرَ الجِهَادُ.

стр. 4446

(٢٢) - فَلَعَلَكُمْ يَا أيُّها المُنَافِقُونَ إِنَ تولَّيتُمْ عَنِ الجِهَادِ خَوْفاً وَفَزَعاً مِن أَهْوَالِ الحَرْبِ، تَخْرُجُونَ مِنَ الإِسْلامِ الذي دَخْلَتُمُوهُ في الظَّاهِرِ، وَتَعُودُونَ إلى مَا كُنْتُم عَلَيهِ في الجَاهِليَّةِ تُفِسدُونَ في الأَرْضِ وَتَقْطَعُونَ أرْحَامَكُمْ. (وَقَدْ يَكُونُ المَعْنى: فَلَعَلَّكُم إنْ تَوَلَّيتُمُ الحُكْمَ وَأمُورَ الأمَّةِ تَعْمَدُونَ إلى الإِفسَادِ في الأَرْضِ وَتَقْطِيعِ الأرْحَامِ) . فَهَلْ عَسَيْتُمْ - فَهَلْ يُتَوقَّعُ مِنْكُم أوْ لَعَلَّكُمْ. تَوَلَّيتُمْ - إذا تَرَكْتُمُ الجِهَادَ - أوْ تَوَلَّيتُمُ الحُكْمَ.

стр. 4447

﴿أولئك﴾ ﴿أَبْصَارَهُمْ﴾ (٢٣) - وَالذِينَ يَبْلُغُ بِهِم الأمْرُ حَدَّ التَّوَلِّي عَنِ الجِهَادِ، وَعَنِ الإِيمان، وَحَدَّ الإِقْدَامِ عَلَى الإِفسَادِ في الأَرْضِ وَقَطْعِ الأرْحَامِ، هُمُ الذِينَ طَرَدَهُمُ اللهُ مِنْ رَحَمْتِهِ، فأصَمَّهُمْ عَنِ الانْتِفَاعِ بِما يَسْمَعُونَ، وَأعْمَى أبْصَارَهُمْ عَنْ رُؤْيَةِ مَا نَصَبَ اللهُ في الكَوْنِ مِنْ آياتٍ، وَعَنِ الاعْتِبَارِ بِها.

стр. 4448

﴿القرآن﴾ (٢٤) - أفَلاَ يَتَدبَّرُ المُنَافِقُونَ مَا في القُرآنِ مِنْ مَواعِظَ وَعِبرٍ لِيَعْلَمُوا خَطأ مَا هُمْ مُقِيمُونَ عَلَيهِ، أمْ أنَّ قُلُوبَهمَ وَضَعَ اللهُ عَليهَا أقفالاً فَهِي تَحوُلُ بَيْنَك وَبَينَ فَهْمِ القُرآنِ وَتَدَبُّرِ عِظَاتِهِ؟ أقْفَالُهَا - مَغَالِيقُها.

стр. 4449

﴿أَدْبَارِهِمْ﴾ ﴿اشيطان﴾ (٢٥) - إنَّ الذِينَ ارتَدُّوا عَنِ الإِيمانِ، وَرَجَعُوا إلى مَا كَانُوا عليهِ من الكُفْرِ، مِنْ بَعْدِ ما تَبَينَّ لَهُمُ الحَقُّ، والهُدَى، والإِيمانُ، الشَّيطَانُ هو الذي زيَّن لَهُم ذَلِكَ، وَحَسَّنَه في أعْيُنِهم، وَمَدَّ لَهُمْ في الآمَالِ الكَاذِبةِ، وَوَسْوَسَ لَهُم أنَّ الحَيَاةَ لَذِيذَةٌ حُلْوةٌ يَسْتَطِيعُونَ التَّمَتَّعَ بِها، ثُمَ يتُوبُونَ وَيَعُودُونَ إلى التَّقْوى وَالإِخلاصِ في الإِيمانِ. سَوَّلَ لَهُمْ - زَيَّنَ لَهُم وَحَسَّنَ لَهُمْ خَطَايَاهُمْ. أمْلَى لَهُمْ - مَدَّ لَهُمْ في الأمَانِي البَاطِلَةِ.

стр. 4450

(٢٦) - وَكَانَ السَّبَبُ الَّذِي جَعَلَ لِلشَّيْطَانِ سُلْطَاناً عليهم فأَدَّى ذَلِكَ بِهِمْ إلى الارْتِدَادِ عَنِ الإِسْلاَمِ، بَعْدَ أَنْ عَرَفُوا حَلاَوَةَ الإِيمَانِ، هُو أنَّهُمْ مَالَؤُوا يَهُودَ المدِينةِ، وَنَاصَحُوهُمْ سِرّاًَ عَلَى المُؤْمِنِينَ، وَاللهُ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعلنُونَ وَلا يَخْفَى عَلَيهِ مِنْ أمُورِهِمْ خَافِيةٌ. وَاليهُودُ كَرِهُوا أنْ يَبْعَثَ اللهُ رَسُولاً مِنَ العَرَبِ، فَكَادُوا للرَّسُولِ وَالإِسلامِ والمُسْلِمِينَ، وَحَارَبُوهُم حَرْباً لا هَوَادة فِيها، مَعَ أَنَّهم كَانُوا يَعْلَمُونَ مِنْ كُتَبِهِم أنَّ اللهَ سَيَبْعَثُ رَسُولاً مِنْ بَني إِسْمَاعِيلَ (أيْ مِنَ العَرَبِ) ، وَكَانُوا هُمْ قَبلَ مَبْعَثِ الرَّسُولِ يَسْتَنْصِرُونَ بِهِ عَلَى عَرَب المَدِينَةِ، وَيَقُولُونَ لَهُم: إِنَّهُمْ سَيُحَارِبُونَ العَرَبَ تَحْتَ لِوائِهِ، وَسَيَنْتَصِرُونَ عَلَيهِم، فَلَمَا بُعثَ الرَّسُولُ مِنْ غَيْرِهِمْ كَفرُوا بِهِ وَبِرِسَالتِهِ. يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمُ - إخْفَاءَهُمْ مَا يُسِرُّونَ في أنْفُسِهِمْ.
следующие страницы →