Полный текст (6 113 стр.). Показаны 4971–5010 · переход к 4976.
стр. 4971
﴿المصدقات﴾ ﴿يُضَاعَفُ﴾
(١٨) - إِنَّ المُتَصَدِّقِينَ وَالمُتَصَدِّقَاتِ بِأَمْوَالِهِمْ عَلَى المُحْتَاجِينَ مِنْ عِبَادِ اللهِ، وَهُمْ لاَ يَبْتَغُونَ مِنْ وَرَاءِ عَمَلِهِمْ هَذَا إِلاَّ رِضْوَانَ اللهِ وَثَوَابَهُ وَجَنَّتَهُ، يُضَاعِفُ اللهُ لَهُُمُ الحَسَنَاتِ، وَيَتَجَاوَزُ لَهُمْ عَنِ السَّيِّئَاتِ، وَيُجْزِلُ لَهُمُ الأَجْرَ يَوْمَ الحِسَابِ فِي الآخِرَةِ.
المُصَّدَّقِينَ - المُتَصَدَّقِينَ.
стр. 4972
﴿آمَنُواْ﴾ ﴿أولئك﴾ ﴿بِآيَاتِنَآ﴾ ﴿أولئك﴾ ﴿أَصْحَابُ﴾
(١٩) - وَالذِينَ آمَنُوا بِوُجُودِ اللهِ تَعَالَى، وَأَقَرُّوا بِوَحْدَانِيَّتِهِ وَصَدَّقُوا رُسُلَهُ، وَآمَنُوا بِمَا جَاءَهُمْ بِهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِمْ، فَهَؤُلاَءِ عِنْدَ اللهِ فِي مَنْزِلَةِ الصِّدِّيقِينَ الذِينَ أَلِفُوا الصِّدْقَ حَتَّى صَارَ لَهُمْ خُلُقاً وَسَجِيَّةً، وَالذِينَ اسْتُشْهِدُوا فِي سَبْيلِ اللهِ، وَفِي سَبِيلِ نَصْرِ دِينِهِ، لَهُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ، وَلَهُمْ نُورٌ عَظَيمٌ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ، لِيَسِيرُوا عَلَى هُدَاهُ، وَهُمْ يَتَفَاوَتُونَ فِي مَرَاتِبِهِمْ بِحَسَبِ أَعْمَالِهِمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا.
أَمَّا الذِينَ كَفَرُوا بِاللهِ، وَكَذَّبُوا رُسُلَهُ، وَجَحَدُوا بِآيَاتِهِ، وَحُجَجِهِ الدَّالَّةِ عَلَى وُجُودِهِ وَوَحْدَانِيَّتِهِ، وَصِدْقِ رُسُلِهِ، فَهَؤُلاَءِ يَكُونُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَيَبْقَوْنَ فِيهَا خَالِدِينَ أَبَداً لاَ يَحُولُونَ عَنْهَا وَلاَ يَزُولُونَ.
стр. 4973
﴿الحياة﴾ ﴿الأموال﴾ ﴿والأولاد﴾ ﴿فَتَرَاهُ﴾ ﴿حُطَاماً﴾ ﴿رِضْوَانٌ﴾ ﴿الحياة﴾ ﴿مَتَاعُ﴾
(٢٠) - وَاعْلَمُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنَّ الحَيَاةَ الدُّنْيَا لَيْسَتْ إِلاَّ مَتَاعاً لِلَّهْوِ وَاللَّعِبِ، وَالزِّينَةِ والتَّفَاخُرِ وَالمُبَاهَاةِ بِكَثْرَةِ الأَمْوَالِ وَالأَوْلاَدِ، وَمَا مَثَلُهَا فِي نَضْرَتِهَا، وَسُرْعَةِ زَوَالَهَا، وَانْقِضَائِهَا إِلاَّ مَثَلُ أَرْضٍ أَصَابَهَا مَطَرٌ غَزِيرٌ فَأَخْرَجَتْ مِنَ النَّبَاتَاتِ مَا أَعْجَبَ الزُّرَّاعَ وَسَرَّهُمْ، وَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى تِلْكَ الحَالِ إِذْ بِهَذَا النَّبَاتِ قَدْ صَوَّحَ واصْفَرَّ وَأَخَذَ فِي اليَبَسِ وَالجِفَافِ، ثُمَّ يَصِيرُ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ. وَفِي الآخِرَةِ يَجِدُ النَّاسُ أَمَامَهُمْ إِمَّا عَذَاباً أَلِيماً جَزَاءً عَلَى أَعْمَالِهِمْ، إِنْ كَانُوا قَدْ آثَرُوا الدُّنْيَا، وَعَمِلُوا لَهَا، وَانْهَمَكُوا فِي مَلَذَّاتِهَا، وَإِمَّا ثَوَاباً كَرِيماً، وَرِضْوَانا مِنَ اللهِ، إِنْ كَانُوا قَدْ أَعْرَضُوا عَنِ الدُّنْيَا، وَعمِلُوا فِي دُنْيَاهُمْ لآخِرَتِهِمْ، وَمَا الحَيَاةُ الدُّنْيا إِلاَّ مَتَاعٌ زَائِلٌ خَادِعٌ يَغُرُّ مَنْ رَكَنَ إِلَيْهِ، وَاعْتَقَدَ أَنَّهُ لاَ دَارَ سِوى هَذِهِ الدَّارِ الدُّنْيا.
تَكَاثُرٌ - مُبَاهَاةٌ وَتَطَاوُلٌ بِالعَدَدِ وَالعُدَدِ.
أَعْجَبَ - رَاقَ.
يَهِيجُ - يَيْبَسُ.
يَكُونُ حُطَاماً - يُصْبِحُ فَتَاتاً مُتَنَاثِراً مُتَكَسِّراً.
стр. 4974
﴿آمَنُواْ﴾
(٢١) - سَابِقُوا يَا أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ أَقْرَانَكُمْ فِي مِضْمَارِ الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَقُومُوا بِمَا كَلَّفَكُمْ بِهِ رَبَّكُمْ مِنَ الوَاجِبَاتِ، يُدْخِلْكُمْ رَبُّكُمْ جَنَّةً وَاسِعَةً عَرْضُها كَعَرْضِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَقَدْ أَعَدَّهَا اللهُ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِهِ، وَصَدَّقُوا رُسُلَهُ فِيمَا جَاؤُوهُمْ بِهِ، وَهَذَا الذِي أَهَّلَهُمُ اللهُ لَهُ هُوَ مِنْ فَضْلِهِ عَلَيْهِمْ، وَإِحْسَانِهِ إِلَيْهِمْ، وَاللهُ وَاسِعُ الفَضْلِ كَثِيرُ العَطَاءِ، فَيُعْطِي مَنْ يَشَاءُ مَا شَاءَ كَرَماً وَتَفُضُّلاً.
سَابِقُوا - سَارِعُوا مُسَابِقِينَ غَيْرَكُمْ.
стр. 4975
﴿كِتَابٍ﴾
(٢٢) - مَا أَصَابَكُمْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ مِنْ مَصَائِبَ فِي آفَاقِ الأَرْضِ كَقَحْطٍ وَجَدْبٍ وَقِلَّةِ رِزْقٍ. . . وَمَا أَصَابَكُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ مِنْ أَمْرَاضٍ وَأَسْقَامٍ وَنَكَبَاتٍ. . إِلاَّ وَهُوَ مَسْطُورٌ فِي أَمِّ الكِتَابِ عِنْدَ اللهِ، قَبْلَ أَنْ يَبْرَأَ اللهُ هَذِهِ الخَلِيقَةَ (أَوْ قَبْلَ أَنْ يَبْرَأَ اللهُ هَذِهِ النُّفُوسَ) ، وَعِلْمُ اللهِ السَّابِقُ بِمَا سَيَقَعُ مِنْ أَحْدَاثٍ فِي الأَرْضِ أَوْ فِي السَّمَاءِ، وَإِثْبَاتُهُ فِي كِتَابٍ، هُوَ سَهْلٌ يَسِيرٌ عَلَيهِ، لأَنَّ اللهَ تَعَالَى يَعْلَمُ مَا كَانَ وَمَا سَيَكُونُ.
نَبْرَأَهَا - نَخْلُقَ هَذِهِ الكَائِنَاتِ أَوِ النُّفُوسَ.
стр. 4976
﴿آتَاكُمْ﴾
(٢٣) - وَقَدْ أَعْلَمَكُمُ اللهُ تَعَالَى يَا أَيُّهَا النَّاسُ بِتَقَدُّمِ عِلْمِهِ لِمَا سَيَقَعُ مِنَ الأَحْدَاثِ، وَبِسَبْقِ كِتَابَتِهِ كُلَّ مَا سَيَقَعُ قَبْلَ حُدوثِهِ، لِتَعْلَمُوا أَنَّ مَا أَصَابَكُمْ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكُمْ، فَلاَ تَحْزنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَتَحَسَّرُوا، وَلِكَيْلاَ تَقُولُوا: لَوْ فَعَلْنا كَذَا لَكانَ كَذَا، وَلَوْ لَمْ نَفْعَلْ كَذَا لمَا كَانَ كَذَا.
وَلِكَيْلاَ تَفْخَرُوا عَلَى النَّاسِ بِمَا أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْكُمْ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِسَعْيِكُمْ، وَلاَ بِكَدِّكُمْ، وَإِنَّمَا هُوَ عَنْ قَدَرِ اللهِ وَرِزْقِهِ، فَلاَ تَتَّخِذُوا نِعْمَةَ اللهِ أَشَرَاً وَبَطَراً، وَتَفْخَرُوا بِهَا عَلَى النَّاسِ.
المُخْتَالُ - المُتَكَبِّرُ بِسَبَبِ فَضْلَةٍ يَرَاهَا فِي نَفْسِهِ.
الفَخُورُ - المُبَاهِي بِالأَشْيَاءِ العَارِضَةِ كالمَالِ وَالجَمَالِ.
لِكَيْلاَ تَأْسَوْا - لِكَيْلاَ تَحْزَنُوا حُزْنَ قُنُوطٍ.
стр. 4977
(٢٤) - الذِينَ يُمْسِكُونَ أَيْدِيَهُمْ عَنِ الإِنْفَاقِ فِي سَبيلِ اللهِ، وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِعَدَمِ الإِنْفَاقِ، فَإِنَّهُمْ لاَ يَضُرُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ، وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ الإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللهِ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ النَّاسِ جَمِيعاً، وَعَنْ عِبَادَتِهِمْ، وَصَدَقَاتِهمْ، وَإِنْفَاقِهِمْ، وَهُوَ المَحْمُودُ عِنْدَ خَلْقِهِ لِمَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ.
стр. 4978
﴿بالبينات﴾ ﴿الكتاب﴾ ﴿مَنَافِعُ﴾
(٢٥) - وَلَقَدْ أَرْسَلَ اللهُ تَعَالَى الرُّسُلَ بِالمُعْجِزَاتِ وَالحُجَجِ الدَّالَّةِ عَلَى إِرْسَالِ الرُّسُلِ مِنَ اللهِ إِلَى أَقْوَامِهِمْ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِمُ الكُتُبَ وَالشَّرَائِعَ، فِيهَا الهِدَايَةُ لِلنَّاسِ، وَفِيهَا صَلاَحُ أُمُورِهِمْ، وَأَمَرَهُمْ بِأَنْ يَتَعَامَلُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ بِالعَدْلِ، وَبِأَلاَّ يَظْلِمَ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَحَداً. وَلَمَّا كَانَ لاَ بُدَّ لإِقَامَةِ العَدْلِ مِنْ سُلْطَةٍ وَقُوَّةٍ وَسِلاَحٍ، لِذَلِكَ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى جَعَلَ الحَدِيدَ تُصْنَعُ مِنْهُ السُّيُوفُ وَالرِّمَاحُ والدُّرُوعُ وَعُدَدُ الحُرُوبِ، التِي تَرْدَعُ مَنْ يَتَجَاوَزُ الحُدُودَ، وَيَأْبى إِقَامَةَ العَدْلِ، بَعْدَ قِيَامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِ. كَمَا جَعَلَ اللهُ فِي الحَدِيدِ مَنَافِعَ لِلنَّاسِ، يَنْتَفِعُونَ بِهِ فِي أُمُورِ دُنْيَاهُمْ، وَمَعَايِشِهِمْ، كَأَدَوَاتِ العَمَلِ وَالحَرْثِ. . . وَالسَّلاَحِ والسُّفُنِ. . . وَإِنَّمَا فَعَلَ اللهُ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ مَنْ يَنْوِي اسْتِعْمَالَ السَّلاَحِ فِي نَصْرِ دِينِ اللهِ، وَمَنْ يَنْوِي اسْتِعْمَالَهُ فِي الإِفْسَادِ فِي الأَرْضِ، وَاللهُ قَوِيٌ عَزِيزٌ يَنْصُرُ مَنْ نَصَرَهُ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجِ مِنْهُ إِلَى الخَلْقِ، وَإِنَّمَا شَرَعَ الجِهَادَ لِيَبْلُوا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ.
المِيزَانَ - العَدْلَ وَأَمَرَ بِهِ - أَوْ هُوَ المِيزَانُ المُسْتَعْمَلُ فِي الوَزْنِ.
أَنْزَلْنَا الحَدِيدَ - خَلَقْنَاهُ أَوْ هَيَّأْنَاهُ لِلنَّاسِ.
بَأْسٌ شَدِيدٌ - قُوَّةٌ شَدِيدَةٌ.
стр. 4979
﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ ﴿الكتاب﴾ ﴿فَاسِقُونَ﴾
(٢٦) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُ مُنْذُ أَنْ أَرْسَلَ نَبِيّاً إِلَى قَوْمِهِ، لَمْ يُرْسِلْ بَعْدَهُ رَسُولاً، وَلاَ نَبِيّاً إِلاَّ مِنْ ذُرِّيَتِهِ، ثُمَّ بَعَثَ اللهُ بَعْدَهُ إِبْراهِيمَ ﵇ إِلَى قَوْمٍ آخرِينَ، فَدَعَاهُمْ إِلَى عِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ، وَقَدِ افْتَرَقَتْ ذُرِّيَةُ نُوحٍ وَذُرِّيَةُ إِبْرَاهِيمَ مِنْ بَعْدِهِمَا فِرْقَتَينِ: فِرْقَةً مُهْتَدِيَةً إِلَى الحَقِّ مُسْتَبْصِرَةً بِهِ، وَفِرْقَةً ضَالَّةً مُتَّبِعَةً هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ.
стр. 4980
﴿آثَارِهِم﴾ ﴿آتَيْنَاهُ﴾ ﴿كَتَبْنَاهَا﴾ ﴿رِضْوَانِ﴾ ﴿فَآتَيْنَا﴾ ﴿آمَنُواْ﴾ ﴿فَاسِقُونَ﴾
(٢٧) - وَبَعْدَ إِبْرَاهِيمَ أَرْسَلَ اللهُ تَعَالى رُسُلاً كَثِيرِينَ، وَكَانَ آخِرَهُمْ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الإِنِجِيلَ، وَفِيهِ شَرْعُ اللهِ وَوَصَايَاهُ، وَقَدْ جَاءَ عِيسَى مُكَمِّلاً لِلتَّوْرَاةِ، وَمُخْفِّفاً بَعْضَ أَحْكَامِهَا التِي شُرِعَتْ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ، بِسَبَبِ نَقْضِهِمْ العَهْدَ وَالمِيثَاق، وَجَعَلَ اللهُ فِي قُلُوبِ النَّصَارَى أَتْبَاعِ عِيسَى، الذِينَ سَارُوا عَلَى نَهْجِهِ، رَأْفَةً وَرَحْمَةً فِي التَّعَامُلِ، فِيمَا بَيْنَهُمْ، وابْتَدَعُوا رَهْبَانِيَّةً لَمْ يَفْرِضْهَا اللهُ عَلَيْهِمْ، وَإِنَّمَا فَرَضُوها عَلَى أَنْفِسِهِمْ طَلَباً لِرِضْوَانِ اللهِ وَمَرْضَاتِهِ، فَانْقَطَعُوا عَن الدُّنْيَا وَمَلَذَّاتِهَا، وَلَكِنَّ الكَثِيرِينَ مِنْهُمْ لَمْ يُحَافِظُوا عَلَى هَذِهِ الرَّهْبَانِيَّةِ المُبْتَدَعَةِ، وَلَمْ يَقُومُوا بِهَا، فَأَعْطَى اللهُ المُؤْمِنِينَ المُخْلِصِينَ مِنْهُمْ أَجْراً عَظِيماً، ثَوَاباً لَهُمْ عَلَى أَعْمَالِهِمْ، وَلَكِنَّ الكَثِيرِينَ مِنْهُمْ فَسَقُوا وَخَرَجُوا عَنْ طَاعَةِ اللهِ، واجْتَرَح السَّيِّئَاتِ، وارْتَكَبُوا المُنْكَرَاتِ، وَسَيُعَاقِبُهُمُ اللهُ تَعَالَى عَلَى فِسْقِهِمْ وَخُرُوجِهِمْ عَنْ طَاعَتِهِ.
قَفَّينَا عَلَى آثارِهِمْ - أَتْبَعْنَاهُمْ وَبَعَثْنَاهُمْ.
الذِينَ اتَّبَعُوهُ - مَوَدَّةً وَلِيناً وَشَفَقَةً.
رَهْبَانِيَّةً - مُغَالاَةً فِي التَّعْبُّدِ والتَّقَشُّفِ.
مَا كَتَبْنَاهَا - لَمْ نَفْرِضْهَا عَلَيْهِمْ.
стр. 4981
﴿ياأيها﴾ ﴿آمَنُواْ﴾ ﴿آمِنُواْ﴾
(٢٨) - يَحُثُّ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، مِنَ اليَهُودِ والنَّصَارَى، عَلَى تَقْوى اللهِ، وَاجْتِنَابِ مَعَاصِيهِ، وَيَأْمُرُهُمْ بِالإِيْمَانِ بِرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَيَعِدُهُمْ إِنْ هُمْ آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ، وَاتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا العَمَلَ بِأنَّهُ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أَجْرَهُمْ ضِعْفَيْنِ جَزَاءً لَهُمْ عَلَى إِيْمَانِهِمْ بِنَبِّيهِمْ وَبِالأَنْبِيَاءِ السَّابِقِينَ قَبْلَهُ، وَأَجْراً آخَرَ لإِيْمَانِهِمْ بِمُحَمَّدٍ، وَأَنَّهُ سَيَجْعَلُ لَهُمْ هُدى وَنُوراً يَمْشُونَ بِهِ فَيُجِنِّبُهُمْ العَمَى وَالضَّلاَلَةَ، وَأَنَّهُ سَوْفَ يَغْفِرُ لَهُمْ مَا سَلَفَ مِنْ ذُنُوبِهِمْ، وَيُعْلِمُهُمْ بِأَنَّ اللهَ وَاسِعُ المَغْفِرَةِ لِمَنْ شَاءَ، رَحِيمٌ بِعِبَادِهِ، يَقْبَلُ إِنْ أَحْسَنُوا التَّوْبَةَ إِلَيهِ.
(وَرُوِيَ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ حِينَمَا فَخَرَ مُؤْمِنُوا أَهْلِ الكِتَابِ عَلَى أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ لَمَّا نَزَلَتِ الآيَةُ ﴿أولئك يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ﴾ فَجَعَلَ اللهُ لِلْمُسْلِمِينَ أَجْرَينِ وَزَادَهُمْ نُوراً) .
وَفِي الحَدِيثِ الشَّرِيفِ: " ثَلاَثَةٌ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ:
- رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ آمَنَ بِنَبِيَّهِ وَآمَنَ بِي فَلَهُ أَجْرَانِ.
- وَعَبَدٌ مَمْلُوكٌ أَدَّى حَقَّ اللهِ وَحَقَّ مَوَالِيهِ فَلَهُ أَجْرَانِ.
- وَرَجُلٌ أَدَّبَ أَمَتَهُ فَأَحْسَنَ تَأَدِيبَهَا ثُمَّ أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا فَلَهُ أَجْرَانِ ") .
(رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ) .
стр. 4982
﴿الكتاب﴾
(٢٩) - وَقَدْ فَعَلَ اللهُ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَهْلُ الكِتَابِ أَنَّهُمْ لاَ يَنَالُونَ مِنْ فَضْلِ اللهِ مِنَ الأجْرَينِ شَيئاً، كَثِيرُ العَطَاءِ، يَمْنَحُ فَضْلَهُ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَلاَ يَخُصُّ قَوْماً دُونَ قَوْمٍ.
لِئَلاَّ يَعْلَمَ - لِيَعْلَمَ.
стр. 4983
﴿تُجَادِلُكَ﴾
(١) - هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ فِي خَوْلَةَ بِنْتِ ثَعْلَبَةَ وَزَوْجِها أَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ، ﵄، وَكَانَ أَوْسٌ قَدْ كَبرَ، وَسَاءَ خُلُقُهُ، فَدَخَلَ عَلَى زَوْجِهِ يَوْماً فَرَاجَعَتْهُ فِي شَيءٍ فَغَضِبَ، وَقَالَ لَهَا: أَنْتِ عَلِيَّ كَظَهْرِ أُمِّي. وَكَانَ الرَّجُلُ فِي الجَاهِلِيَّةِ إِذَا قَالَ هًَذَا القَوْلَ حَرُمَتْ عَلَيْهِ زَوْجُهُ أَبَداً.
ثُمَّ أَرَادَ أَوْسٌ مُرَاجَعَةَ زَوْجَتِهِ فَأَبَت ْ، وَقَالَتْ: وَاللهِ لاَ تَمسُّنِي حَتَّى يَحْكُمْ اللهُ وَرَسُولُُ، وَذَهَبَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ تَقُصُّ عَلَيهِ قِصَّتَهَا، وَتَشْتَكِي إِليهِ أَنَّها إِذَا فَارَقَتْهُ، وَضَمَّتْ أَوْلاَدَهَا إِليهَا جَاعُوا، لأَنَّهَا لاَ مَالَ لَهَا، وَإِنْ تَرَكَتْهُمْ لأَبِيهِمْ ضَاعُوا. ثُمَّ رَفَعَتْ رَأْسَهَا إِلَى السَّمَاءِ وَأَخَذَتْ تَبُثُّ شَكْوَاهَا إِلَى اللهِ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَاتِ. (وَتُعْرَفُ بِآيَاتِ الظِّهَارِ) .
يَقُولُ تَعَالَى: إِنَّهُ سَمِعَ شَكْوَى المَرْأَةِ التِي جَاءَتْ تُرَاجِعُ النَّبِيَّ ﷺ فِي شَأْنِ زَوْجِهَا، وَتَبُتُّ شَكْوَاهَا إِلَى رَبِّهَا، وَهُوَ تَعَالَى يَسْمَعُ كُلَّ مَا تَتَرَاجَعَانِ بِهِ مِنَ الكَلاَمِ، وَهُوَ مُحِيطٌ سَمْعُهُ بِكُلِّ مَا يُسْمَعُ، وَمُحِيطٌ بَصَرُهُ بِكُلِّ مَا يُبْصَرُ.
تُجَادِلُكَ - تُحَاوِرُكَ وَتُرَاجِعُكَ الكَلاَمَ.
تَحَاوُرَكُمَا - مُرَاجِعَتَكُمَا القَوْلَ.
стр. 4984
﴿يُظَاهِرُونَ﴾ ﴿نِّسَآئِهِمْ﴾ ﴿أُمَّهَاتِهِمْ﴾ ﴿اللائي﴾
(٢) - الذِينَ يَقَعُ مِنْهُم الظِّهَارُ مِنْ نِسَائِهِمْ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمْ لامْرَأَتِهِ: (أَنْتِ عَليَّ كَظَهْرِ أُمِّي) ، وَهُوَ يُريدُ بِذَلِكَ تَحْرِيمَهَا عَلَى نَفْسِهِ، كَمَا تَحْرُمُ الأُمُّ عَلَى ابْنِهَا، هُمْ مُخْطِئونَ فِيمَا يَصْنَعُونَ، فَزَوْجَةُ المَرءِ لَيْسَتْ أُمَّهُ، لأَنَّ أُمَّهُ هِيَ التِي وَلَدَتْهُ دُونَ غَيِرِهَا مِنَ النِّسَاءِ، فَلاَ يَنْبَغِي أَنْ يُشَبِّهَ المَرْءُ أُمَّهُ بِغَيِرِهَا مِنَ النِّسَاءِ. وَهَؤُلاَءِ الذِينَ يَقُولُونَ هَذَا القَوْلَ، وَيُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِم، يَقُولُونَ قَوْلاً نُكراً لاَ يُجِيزُهُ الشَّرْعُ وَيَقُولُونَ كَذِباً وَزُوراً وَبَاطِلاً، لأَنَّ رَابِطَةَ الزَّوْجَةِ بِزَوْجِهَا هِيَ رَابِطَةٌ وَاسِعَةٌ خَاصَّةٌ، لَيْسَ مِثْلَهَا رَابِطَةُ الأُمِّ بِابْنِهَا، لأنَّهَا رَابَطةٌ تَقُومُ عَلَى الاحْتِرَامِ وَالإِجْلاَلِ.
وَاللهُ كَثِيرُ العَفْوِ وَالغُفْرَانِ لِذُنُوبِ مِنْ تَابَ إِلَيهِ مِمَا قَالَ، وَرَجَعَ إِلَى رَبِّهِ تَائِباً مُنِيبا. ً
يُظَاهِرُونَ - يُحَرِّمُونَ نِسَاءَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ كَمَا تَحْرُمُ الأُمُّ عَلَى الوَلَدِ.
مُنْكَراً مِنَ القَوْلِ - قَوْلاً مُنْكَراً يُنْكِرُهُ الشَّرْعُ وَالعَقْلُ.
زُوراً - كَذِباً وَبَاطِلاً مُنْحَرِفاً عَنِ الحَقِّ.
стр. 4985
﴿يُظَاهِرُونَ﴾ ﴿نِّسَآئِهِمْ﴾
(٣) - وَالذِينَ يَقُولُونَ هَذَا القَوْلَ المُنْكَرَ ثُمَّ يَرْجِعُونَ عَمَّا قَالُوا، وَيُرِيدُونَ مُوَاقَعَةَ نِسَائِهِمْ، فَعَلَيْهِمْ إِعْتَاقُ رَقَبَةٍ قَبْلَ التَّمَاسِّ، إِنْ كَانَ ذَلِكَ الإِعْتَاقُ فِي طَوْقِهِمْ وَقُدْرَتِهِمْ، وَقَدْ شَرَعَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الكَفَّارَةَ لِيَكُونَ ذَلِكَ عِظَةً لِلْمُتَسَرِّعِينَ، وَرَادِعاً لَهُمْ عَنْ أَنْ يَقَعُوا فِيهِ، وَاللهُ خَبِيرٌ بِأْعْمَالِ العِبَادِ، لاَ تَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهُمْ خَافِيَةٌ.
يَتَمَاسَّا - يَسْتَمْتِعَا بِالوِقَاعِ أَوْ دَوَاعِيهِ.
стр. 4986
﴿لِلْكَافِرِينَ﴾
(٤) - فَمَنْ لَمْ يَجِدْ رَقَبَةً يُعْتِقُهَا، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ فِي قُدْرَتِهِ أَنْ يَشتَرِيَ رَقَبَةً يُعْتِقُهَا، فَإِنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَصُومَ شَهْرَينِ مُتَتَابِعَينِ، قَبْلَ التَّمَاسِّ، فَإِنْ أَفْطَرَ يَوْماً وَاحِداً مِنَ الشَّهْرَينِ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ الإِفْطَارُ لِعُذْرٍ أَوْ سَفَرٍ، لِزَمَهُ أَنْ يَسْتَأْنِفَ الصِّيَامَ مِنْ جَدِيدٍ لِزَوَالِ التَّتَابُعِ.
وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ هَذَا الصَّوْمَ، لِكِبَرِ سِنِّهِ، أَوْ لِمَرَضٍ أَصَابَهُ، فَعَلَيْهِ أَنْ يُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِيناً، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ نِصْفُ صَاعٍ مِنَ الحِنْطَةِ، أَوْ صَاعٌ مِنَ الشَّعِيرِ، قَبْلَ أَنْ يَتِمَّ التَّمَاسُّ بَيْنَهُمَا؛ وَقَدْ فَرَضَ اللهُ تَعَالَى عَلَى المُؤْمِنِينَ هَذِهِ الكَفَّارَةَ لِيُقِرُّوا بِوَحْدَانِيَّتِهِ تَعَالَى، وَيُصَدِّقُوا بِرَسُولِهِ، وَيَتَقَيَّدُوا بِحُدُودِ مَا فَرَضَ اللهُ، وَلاَ يَتَجَاوَزُوهَا، وَلِلْكَافِرِينَ بِفَرَائِضِ اللهِ وَحُدُودِهِ، عَذَابٌ أَلِيمٌ.
стр. 4987
﴿آيَاتٍ﴾ ﴿بَيِّنَاتٍ﴾ ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾
(٥) - إِنَّ الذِينَ يُعَانِدُونَ اللهَ، وَيَخْتَارُونَ لأَنْفُسِهِمْ حُدُوداً غَيْرَ الحُدُودِ التِي شَرَعَهَا اللهُ تَعَالَى وَرَسُولُهُ، سَيَلْحَقُهُمْ الخِزْيُ وَالنِّكَالُ، وَالخِذلاَنُ فِي الدُّنْيَا، كَمَا لَحِقَ مَنْ قَبْلَهُمْ مِنَ الكُفَّارِ مِنَ الأُمَمِ السَّابِقَةِ. وَكَيْفَ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ وَقَدْ أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى آيَاتٍ وَاضِحَاتٍ تُبَيِّنُ قَوَاعِدَ الشَّرْعِ، وَتَحدُّ حُدُودَهُ، وَتُفَصِّلُ أَحْكَامَهُ، فَلاَ عُذْرَ لَهُمْ فِي مُخَالَفَتِهَا، وَالانْحِرَافِ عَنْهَا، وَلِلجَاحِدِينَ بِتِلْكَ الآيَاتِ عَذَابٌ مُهِينٌ يَوْمَ القِيَامَةِ.
يُحَادُّونَ - يُعَادُونَ وَيُشَاقُّونَ وَيُخَالِفُونَ.
كُبِتُوا - نَزَلَ بِهِمْ الهَوَانُ وَالخِزْيُ.
стр. 4988
﴿أَحْصَاهُ﴾
(٦) - وَفِي يَوْمِ القِيَامَةِ يَبْعَثُ اللهُ الخَلْقَ جَمِيعاً وَيَجْمَعُهُمْ فِي صَعْيدٍ وَاحِدٍ، فَيُخْبِرُهُمْ بِمَا عَمِلُوا مِنْ خَيرٍ وَشَرٍّ، وَقَدْ أَثْبَتَهُ اللهُ تَعَالَى فِي سِجِلِّ أَعْمَالِهِمْ وَهُمْ قَدْ نَسُوهُ، وَاللهُ شَاهِدٌ عَلَى مَا يَعْمَلُونَ، لاَ يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ شَيءٌ، وَلاَ يَنْسَى شَيئاً.
أَحْصَاهُ اللهُ - أَحَاطَ بِهِ عِلْماً وَسَجّلَهُ المَلاَئِكَةُ فِي صَحِيفَةِ أَعْمَالِهِ.
стр. 4989
﴿السماوات﴾ ﴿ثَلاَثَةٍ﴾ ﴿القيامة﴾ ﴿أَيْنَ مَا﴾
(٧) - وَكَيْفَ لاَ يَعْلَمُ اللهُ مَا عَمِلَ هَؤُلاَءِ، وَهُوَ خَالقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَالِكُهُمَا، وَالمُتَصَرِّفُ فِيهِمَا، وَيَعْلَمُ مَا فِيهِمَا، فَلا يَتَنَاجَى ثَلاَثَةٌ إِلاَّ كَانَ مَعَهُمْ يَسْمَعُ مَا يَقُولُونَ، وَيَعْلَمُ مَا يُدَبِّرُونَ، وَلاَ يَجْتَمِعُ خَمْسَةٌ إِلاَّ وَيَكُونُ اللهُ تَعَالَى سَادِسَهُمْ، وَلاَ يَجْتَمِعُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ العَدَدِ وَلاَ أَقَلُّ، وَلاَ يَتَنَاجَوْنَ إِلاَّ كَانَ مَعَهُمْ يسْمَعُ وَيَرى، وَيُثْبِتُ ذَلِكَ عِنْدَهُ، ثُمَّ يَوْمَ القِيَامَةِ يُنَبِّئُهُمْ بِنَجْوَاهُمْ وَأَسْرَارِهِمْ، وَاللهُ تَعَالَى عَالمٌ وَلاَ تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ مِنْ تَصَرُّفَاتِ خَلْقِهِ.
نَجْوَى ثَلاَثَةٍ - تَنَاجِيهِمْ وَمسَارَّتُهُمْ.
هُوَ رَابِعُهُمْ - يَعْلَمُهُ لأَنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلَى حَدِيثِهِمْ وَمسَارَّتِهِمْ.
стр. 4990
﴿وَيَتَنَاجَوْنَ﴾ ﴿العدوان﴾ ﴿مَعْصِيَتِ﴾ ﴿جَآءُوكَ﴾
(٨) - كَانَ بَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ وَبَيْنَ يَهُودِ المَدِينَةِ مُوَادَعَةٌ، وَكَانَ اليَهُودُ إِذَا مَرَّ أَحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ يَتَنَاجَوْنَ فِيمَا بَيْنَهُمْ، حَتَّى لَيَظُنَّ المُؤْمِنُ أَنَّهُمْ إِنَّمَا يَتَنَاجَوْنَ بِقَتْلِهِ، أَوْ بِمَا يَكْرَهُ، فَإِذَا رَأَى المُؤْمِنُ ذَلِكَ خَشِيَهُمْ فَتَرَكَ طَرِيقَهُ عَلَيْهِمْ، فَنَهَاهُمُ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ النَّجْوَى فَلَمْ يَنْتَهُوا، وَعَادُوا إِلى النَّجْوَى، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ يُبَيِّنُ لِرَسُولِهِ مَا يَتَنَاجَوْنَ بِهِ، فَقَالَ لَهُ إِنَّهُمْ يَتنَاجَوْنَ بِمَا هُوَ إِثْمٌ فِي نَفْسِهِ، وَبِمَا هُوَ وَبَالٌ عَلَيْهِمْ، وَبِمَا هُوَ تَعَد عَلَى هُوَ تَعَد عَلَى المُؤْمِنينَ، وَتَوَاصٍ بِمُخَالَفَةِ النَّبِيِّ.
وَدَخَلَ نَفَرٌ مِنَ اليَهُودِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكَ يَا أَبَا القَاسِمِ، فَقَالَ النَّبِيُّ: (وَعَلَيْكُمُ) . وَكَانَ هَذَا النَّفَرُ مِنَ اليَهُودِ يَقْصدُ بِقَوْلِهِ هَذَا الإسَاءَةَ إِلَى الرَّسُولِ ﷺ ، والدُّعَاءَ عَلَيهِ، فَفَضَحَهُمْ اللهُ، وَكَشَفَ أَسْتَارَهُمْ، ثُمَّ ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى لِرَسُولِهِ الكَرِيمِ، انَّهُمْ كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، وَيُحَدِّثُونَ أَنْفُسَهُمْ بِأَنَّ مُحَمَّداً لَوْ كَانَ نَبِيّاً حَقّاً لَعَذَّبَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيَا بِمَا يَقُولُونَ، لأَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ.
وَرَدَّ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ: قَائِلاً إِنَّ جَهَنَّمَ كَافِيَةٌ لِعِقَابِهِمْ وَعَذَابِهِمْ، وَهِيَ بِئْسَ المَقَرُّ وَالمَصِيرُ لَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ.
لَوْلاَ يُعَذَّبُنَا - هَلاَّ يُعَذِّبُنَا.
حَسْبُهُمْ جَهَنتَّمُ - كَافِيهِمْ جَهَنَّمُ عَذَاباً.
يَصْلَوْنَهَا - يَدْخُلُونَهَا أَوْ يُقَاسُونَ حَرَّهَا.
стр. 4991
﴿آمنوا﴾ ﴿تَنَاجَيْتُمْ﴾ ﴿تَتَنَاجَوْاْ﴾ ﴿العدوان﴾ ﴿مَعْصِيَتِ﴾ ﴿تَنَاجَوْاْ﴾
(٩) - وَيُؤدِّبُ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ المُؤْمِنِينَ لِئلاَّ يَكُونُوا كَالكَفَرَةِ وَالمُنَافِقِينَ، فَيَقُولُ لَهُمْ: إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فِي أَنْدِيتكُمْ وَخَلواتِكُمْ، فَلاَ تَفْعَلُوا كَمَا يَفْعَلُ أُولَئِكَ الكُفَّارُ، مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، وَمَنْ وَالاَهُمْ عَلَى ضَلاَلِهِمْ مِنَ المُنَافِقِينَ، وَتَنَاجَوا بِمَا هُوَ خَيْرٌ، وَاتَّقُوا اللهَ فِيمَا تَفْعَلُونَ وَفِيمَا تَذُرُونَ، وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيهِ تُحْشَرُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَأَنَّهُ سَيُحَاسِبُكُمْ عَلَى أَعْمَالِكُمْ.
стр. 4992
﴿الشيطان﴾ ﴿آمَنُواْ﴾
(١٠) - إِنَّما التَّنَاجِي بِالإِثْمِ وَالعُدْوَانِ مِنْ وَسْوَسَةِ الشَّيْطَانِ وَتَزْيِينِهِ، والشَّيْطَانُ يَفْعَلُ ذَلِكَ لِيَحْزُنَ الذِينَ آمَنُوا بإِيهَامِهِمْ أَنَّ هَذِهِ النَّجْوَى تَضُرُّهُمْ، وَلَكِنَّ الشَّيْطَانَ لاَ يَضُرُّ المُؤْمِنِينَ شَيْئاً، إِلاَّ بِإِرَادَةِ اللهِ وَمَشِيئَتِهِ، فَعَلَى المُؤْمِنِينَ أَلاَّ يَهْتَمُّوا بِنَجْوَى الكُفَّارِ وَالمُنَافِقِينَ، وَلْيَتَوَكَّلُوا عَلَى اللهِ.
(وَجَاءَ فِي الحَدِيثِ الشَّرِيفِ: " إِذَا كُنْتُمْ ثَلاَثَةً فَلاَ يَتَنَاجَ اثْنَانِ دُونَ الثَّالِثِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَحْزُنُهُ ") . (البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ) .
إِنَّمَا النَّجْوَى - المَنْهِيُّ عَنْهَا.
لِيَحْزُنَ - لِيُوقِعَ الهَمَّ الشَّدِيدَ.
стр. 4993
﴿ياأيها﴾ ﴿آمَنُواْ﴾ ﴿المجالس﴾ ﴿دَرَجَاتٍ﴾
(١١) - رُوِيَ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي مَجَالِسِ الذِّكْرِ، وذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا رَأَوا أَحَدَهُمْ مُقْبِلاً ضَنُّوا بِمَجَالِسِهِمْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَأَمَرَهُمُ اللهُ بِأَنْ يُفْسِحَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ. وَقِيلَ إِنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الصُّفَّةِ، وَفِي المَكَانِ ضِيقٌ. وَكَانَ الرَّسُولُ ﷺ يُكْرِمُ أَهْلَ بَدْرٍ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، فَجَاءَ أُنَاسٌ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ، وَقَدْ سَبَقَهُمْ غَيْرُهُمْ إِلَى المَجْلِسِ، فَقَامُوا حِيَالَ رَسُولِ اللهِ، فَقَالُوا: السَّلاَمُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، فَرَدَّ عَلَيْهِم النَّبِيُّ. ثُمَّ سَلَّمُوا عَلَى القَوْمِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَقَامُوا حِيَالَ الرَّسُولِ، فَلَمْ يُفْسَحْ لَهُمْ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأًنْصَارِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ بَدْرٍ: قُمْ يَا فُلاَنُ وَأَنْتَ يَا فُلاَنُ. . . فَلَمْ يَزَلْ يُقِيمُهُمْ بِعِدَّةِ النَّفَرِ الذِينَ هُمْ قِيَامٌ بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى مَنْ أُقِيمَ مِنْ مَجْلِسِهِ. وَعَرَفَ النَّبِيُّ الكَرَاهَةَ فِي وُجُوهِهِمْ. وَأَرْجَفَ المُنَافِقُونَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: رَحِمَ اللهُ رَجُلاً يُفْسِحُ لأَخِيهِ، فَجَعَلُوا يَقُومُونَ بَعْدَ ذَلِكَ سِرَاعاً فَيُفْسِحُ القَوْمُ لإِخْوَانِهِمْ.
وَيُبَيِّنُ اللهُ تَعَالَى لِلْمُؤْمِنِينَ أَنَّهُ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَوَسَّعُوا فِي المَجَالِسِ: مَجَالِسِ رَسُولِ اللهِ، أَوْ فِي مَجَالِسِ القِتَالِ، فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللهُ فِي مَنَازِلِكُمْ فِي الجَنَّةِ، وَإِذَا دُعِيتُمْ إِلَى القِيَامِ مِنْ مَجْلِسِ رَسُولِ اللهِ فَقُومُوا (انْشُزُوا) ، لأَنَّ الرَّسُولَ كَانَ يُؤْثِرُ الانْفِرَادَ لِتَدْبِيرِ شُُؤونِ المُؤْمِنِينَ.
(وَلاَ يَنْبَغِي لِقَادِمٍ أَنْ يُقِيمَ أَحَداً مِنْ مَجْلِسِهِ لِيَجْلِسَ مَكَانَهُ) .
وَجَاءَ فِي الحَدِيثِ الشَّرِيفِ: " لاَ يُقِمِ الرَّجُلُ مِنْ مَجْلِسِهِ، وَلَكِنْ تَفَسَّحُوا وَتَوَسَّعُوا " (البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ) .
فَإِذَا انْفَسَحَ المُؤْمِنُونَ وَنَشَزُوا، امْتِثَالاً لأَمْرِ اللهِ وَرَسُولِهِ، فَإِنَّ اللهَ يَرْفَعُهُمْ، وَيَرْفَعُ الَعالِمِينَ مِنْهُمْ خَاصَّةً، دَرَجَاتٍ كَثِيرَةً فِي الثَّوَابِ وَالمَنْزِلَةِ، وَاللهُ خَبِيرٌ بِأَعْمَالِ العِبَادِ، لاَ تَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهُمْ خَافِيَةٌ.
تَفَسَّحُوا في المَجَالِس - تَوَسَّعُوا فِيهَا وَلاَ تَضَامُّوا.
انْشُزُوا - انْهَضُوا للتَّوْسِعَةِ أَوْ لِعِبَادَةٍ أَوْ خَيْرٍ.
стр. 4994
﴿ياأيها﴾ ﴿آمَنُواْ﴾ ﴿نَاجَيْتُمُ﴾ ﴿نَجْوَاكُمْ﴾
(١٢) - يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ الذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يُحَدِّثُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ، (أَيْ مُسَارَّةً) ، أَنْ يُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ ذَلِكَ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ، وَتُؤهِّلُهُمْ لِبُلَوغِ هَذَا المُقَامِ، وَفِي تَقدِيمِ هَذِهِ الصَّدَقَةِ بَيْنَ يَدَيْ مُنَاجَاةِ الرَّسُولِ ﷺ ثَوَابٌ عَظِيمٌ عِنْدَ اللهِ، وَتَزْكِيَةٌ لِلنُّفُوسِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ، مَنْ يُرِيدُ مُنَاجَاةَ الرَّسُولِ، مِمَّنْ يَمْلِكُونَ شَيْئاً يَسْتَطِيعُونَ التَّصَدُّقَ بِهِ فَلاَ حَرَجَ عَلَيهِ إِذَا لَمْ يَتَصَدّقْ، وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
وَقَدْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ لِلتَّخْفِيفِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ السُّؤَالِ فَقَدْ سَأَلَهُ قَوْمٌ حَتَّى شَقُّوا عَلَيهِ، فَأَرَادَ اللهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْهُ.
стр. 4995
﴿أَأَشْفَقْتُمْ﴾ ﴿نَجْوَاكُمْ﴾ ﴿صَدَقَاتٍ﴾ ﴿الصلاة﴾ ﴿آتُواْ الزكاة﴾
(١٣) - أَبَخِلْتُمْ بِالمَالِ أَنْ تُنْفِقُوهُ فِي سَبْيلِ اللهِ، وَخِفْتُم الفَقْرَ إِنْ قَدَّمْتُمُ الصَّدَقَاتِ، وَوَسْوَسَ إِلَيْكُمُ الشَّيْطَانُ أَنَّ هَذَا الإِنْفَاقَ فِيهِ ضَيَاعٌ لِلْمَالِ؟ فَمَا دُمْتُمْ لَمْ تُنْفِقُوا المَالَ، وَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْكُمْ فَقَدْ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ، وَرَخَّصَ لَكُمْ بِالمُنَاجَاةِ مِنْ غَيْرِ تَقْدِمِةِ صَدَقَاتٍ، فَتَدَارَكُوا ذَلِكَ بِالمُثَابَرَةِ عَلَى إِقَامَةِ الصَّلاَةِ عَلَى وَجْهِهَا الأَكْمَلِ، وَعَلَى دَفْعِ الزَّكَاةِ عَنْ أَمْوَالِكُمْ، وَأَطِيعُوا اللهَ فِيمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ هُوَ وَرَسُولُهُ، وَانْتَهُوا عَمَّا يَنْهَاكُمْ عَنْهُ، وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا يَعْمَلُهُ العِبَادُ، وَسَيُحَاسِبُهُمْ عَلَيْهِ.
أَأَشْفَقْتُمْ - أَخِفْتُم الفَقْرَ وَالعَيلَةَ.
تَابَ اللهُ عَلَيْكُمْ - خَفّفَ عَنْكُمْ بِنَسْخِ حُكْمِهَا.
стр. 4996
(١٤) - يُنْكِرُ اللهُ تَعَالَى المُنَافِقِينَ مُوَالاَتَهُمْ لِلْيَهُودِ، وَمُنَاصَحَتَهُمْ إِيَّاهُمْ، وَنَقْلَهُمْ أَسْرَارَ المُؤْمِنينَ إِلَيهِمِ. فَيَقُولُ تَعَالَى لِرَسُولِهِ الكَرِيمِ مَا مَعْنَاهُ: أَلاَ تَرَى إِلَى حَالِ هَؤُلاَءِ المُنَاقِقِينَ، الذِينَ يَتَوَلَّوْنَ اليَهُودَ، الذِينَ غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ، لِكُفْرِهِمْ، وَلِكِتْمَانِهِمْ رِسَالَةَ مُحَمَّدٍ، وَهِيَ الحَقُّ الذِي يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ، إِنَّهَا لَحَالٌ تُثِيرُ العَجَبَ. فَهُمْ يُنَاصِحُونَ اليَهُودَ، وَيُبَلِّغُونَهُمْ جَميِعَ مَا يَعْرِفُونَهُ مِنْ دَخَائِلِ المُسْلِمِينَ، اكْتِسَاباً لِوِدِّهِمْ وَصَدَاقَتِهِمْ، وَهُمْ مَعَ المُؤْمِنينَ، يَتَظَاهَرُونَ بِالإِيْمَانِ، وَبِالإِخْلاَصِ لِلإِسْلاَمِ وَالمُسْلِمِينَ. ثُمَّ يُخْبِرُ تَعَالَى: أَنَّ هَؤُلاَءِ المُنَافِقِينَ لَيْسُوا فِي الحَقِيقَةِ وَالوَاقِعِ مِنَ المُؤْمِنِينَ، لأَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا مُؤْمِنينَ لَطَبَعَ الإِيْمَانُ أَعْمَالَهُمْ. وَلَمَا وَالَوا اليَهُودَ أَعْدَاءَ اللهِ، وَهُمْ فِي نَفْسِ الوَقْتِ لَيْسُوا مِنَ اليَهُودِ، لأَنَّهُمْ لاَ يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ عَلَى حَقٍّ فِي دِينِهِمْ، وَلَكِنَّهُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يَحْتَفِظُوا بِمَودَّتِهِمْ، فَقَدْ يَحْتَاجُونَ إِلَيهَا، إِذَا دَارَتِ الدَّائِرَةُ عَلَى المُؤْمِنِينَ. وَيُؤْكِّدُ هَؤُلاَءِ المُنَافِقُونَ إِيمَانَهُمْ وَإِخْلاَصَهُمْ، أَمَامَ الرّسُولِ ﷺ وَأَمَامَ المُؤْمِنينَ، بِحَلْفِ الأَيْمَانِ الكَاذِبَةِ عَلَى أَنَّهُمْ مُؤْمِنُونَ مُخْلِصُونَ فِيمَا يَقُولُونَ، وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ فِيمَا يَقُولُونَ، لأَنَّهُمْ لاَ يَعْتَقِدُونَ هُمْ أَنْفُسُهُمْ صِدْقَهُ.
تَوَلَّوْا قَوْماً - اتَّخَذُوا اليَهُودَ أَوْلياءَ.
غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ - هُمُ اليَهُودُ.
стр. 4997
(١٥) - وَقَدْ هَيأَ اللهُ تَعَالَى لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً يَصْلَوْنَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، جَزَاءً لَهُمْ عَلَى مُعَادَاةِ الرَّسُولِ وَالمُؤْمِنينَ وَغِشِّهمْ، وَعَلَى مُوَالاَتِهِم الكُفَّارَ وَمُنَاصَحَتِهِمْ، وَسَاءَ عَمَلُهُمْ هَذَا.
стр. 4998
﴿أَيْمَانَهُمْ﴾
(١٦) - أَظْهَرُوا الإِيْمَانَ، وَأَبْطَنُوا الكُفْرَ، وَتَسَتَّرُوا بِالإِيْمَانِ الكَاذِبِ، فَظَنَّ مَنْ لاَ يَعْرِفُ حَقيقَةَ حَالِهِمْ أَنَّهُمْ صَادِقُونَ، فَاغْتَرَّ بِهِمْ، وَتَمَكَّنُوا بِذَلِكَ مِنْ صَدِّ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ عَنِ الدُّخُولِ فِي الإِسْلاَمِ، فَلهُمْ عِنْدَ اللهِ عَذَابٌ مُهِينٌ مُذِلٌّ، جَزَاءً لَهُمْ عَلَى سُوءِ صَنِيعِهِمْ، وَعَلَى حَلْفِهِمْ بِاسْمِ اللهِ العَظِيمِ كَذِباً وَرِيَاءً.
جُنَّةً - وِقَايَةً لأَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ.
стр. 4999
﴿أَمْوَالُهُمْ﴾ ﴿أَوْلاَدُهُمْ﴾ ﴿أولئك﴾ ﴿أَصْحَابُ﴾ ﴿خَالِدُونَ﴾
(١٧) - وَلَنْ يَنْفَعَ هَؤُلاءِ المُنَافِقِينَ عِنْدَ اللهِ شَيءٌ مِمَا ظَنُّوهُ نَافِعاً لَهُمْ مِنْ مَالٍ وَمِنْ وَلَدٍ، وَلَنْ يَدْفَعَ شَيءٌ عَنْهُمْ عَذَابَ اللهِ وَنَقْمَتَهُ، فَلاَ المَالُ مَقْبُولٌ مِنْهُمْ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنَ العَذَابِ، وَلاَ الأَوْلاَدُ قَادِرُونَ عَلَى نَصْرِهِمْ مِنْ بَأْسِ اللهِ، وَسَيَكُونُونَ مِنْ أَهْلِ نَارِ جَهَنَّمَ وَمِنْ أَصْحَابِهَا، وَيَبْقَونَ فِيهَا خَالِدِينَ أَبَداً.
لَنْ تُغْنِيَ - لَنْ تَنْفَعَ وَلَنْ تَدْفَعَ.
стр. 5000
﴿الكاذبون﴾
(١٨) - وَاذْكُرْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ حَالَهُمْ، يَوْمَ القِيَامَةِ، حِينَمَا يَبْعَثُهُم اللهُ جَمِيعاً مِنْ قُبُورِهِمْ، فَلاَ يُغَادِرُ مِنْهُمْ أَحَداً، فَيَحْلِفُونَ لَهُ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا عَلَى الهُدَى، وَأَنَّهُمْ لَمْ يُشْرِكُوا بِعِبَادَتِهِ شَيئاً، فَيَقُولُونَ ﴿والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ اليَوْمَ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا، عَلَى أَنَّهُمْ مُؤْمِنُونَ، وَهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّ حَلْفَهُمْ أَمَامَ اللهِ نَافِعُهُمْ عِنْدَهُ، كَمَا كَانَ يَنْفَعُهُمْ عِنْدَ العِبَادِ حَلْفُهُمْ عَلَى أَنَّهُمْ مُؤْمِنُونَ.
وَيَرُدُّ اللهُ تَعَالَى عَلَى هَؤُلاَءِ المُنَافِقِينَ مُنْكِراً تَصَرُّفَهُمْ هَذَا، فَيَقُولُ: أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ الكَاذِبُونَ فِيمَا يَحْلِفُونَ عَلَيْهِ، وَفِيمَا يَظُنُّونَهُ مِنْ أَنَّ أَيْمَانَهُمُ الكَاذِبَةَ تَرُوجُ عِنْدَ اللهِ، وَتُنْقِذُهُمْ مِنْ بَأْسِ اللهِ وَعَذَابِهِ.
стр. 5001
﴿الشيطان﴾ ﴿فَأَنسَاهُمْ﴾ ﴿أولئك﴾ ﴿الشَّيْطَانِ﴾ ﴿الخَاسِرُونَ﴾
(١٩) - استَوْلَى الشَّيْطَانُ عَلَى قُلُوبِهِمْ، وَسَيْطَرَ عَلَيهَا بِوَسْوَسَتِهِ، حَتَّى أَنْسَاهُمْ أَنْ يَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ، وَأَنْ يَتَّبِعُوا أَوَامِرَهُ، وَأَنْ يَجْتَنِبُوا نَوَاهِيَهُ، بِمَا زَيِّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مِنَ الشَّهَوَاتِ، فَهَؤُلاَءِ هُمْ جُنُودُ الشَّيْطَانِ وَحِزْبُهُ وَحِزْبُ الشَّيْطَانِ هُمْ الخَاسِرُونَ لأَنَّهُمْ فَوَّتُوا عَلَى أَنْفُسِهِم النَّعِيمَ، وَأَوْصَلُوهَا إِلَى الجَحِيمِ وَعَذَابِهِ.
اسْتَحْوَذَ - استَوْلَى وَغَلَبَ عَلَى عُقُولِهِمْ.
стр. 5002
﴿أولئك﴾
(٢٠) - إِنَّ الذِينَ يُخَالِفُونَ أَوَامِرَ اللهِ، وَيُعَادُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَمْتَنِعُونَ عَنِ القِيَامِ بِمَا فَرَضَ اللهُ عَلَيْهِمْ، هُمْ فِي جُمْلَةِ أَهْلِ الذِّلَّةِ، لأنَّ الغَلَبَةَ للهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ، وَسَيُلاَقُونَ الذِّلَّةُ فِي الدُّنْيَا بِالقَتْلِ والأَسْرِ وَالإِخْرَاجِ، وَفِي الآخِرَةِ بِالخِزْيِ وَالنَّكَالِ وَالعَذَابِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ.
يُحادُّونَ - يُعَادُونَ وَيُشَاقُّونَ وَيُخَالِفُونَ.
الأَذَلِّينَ - الزَّائِدِينَ فِي الذِّلَّةِ وَالهَوَانِ.
стр. 5003
(٢١) - وَقَدْ قَضَى اللهُ تَعَالَى، وَحَكَمَ فِي أُمِّ الكِتَابِ، بِأَنَّ النَّصْرَ والغَلَبَةَ سَتَكُونُ لَهُ تَعَالَى، وَلِرَسُولِهِ وِلِعِبَادِهِ المُؤْمِنِينَ، فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَقَضَاءُ اللهِ نَافِذٌ لاَ مَحَالَةَ، وَلاَ رَادَّ لَهُ، وَاللهُ قَوِيٌ لاَ يُقْهَرُ، عَزِيزٌ لاَ يُغَالَبُ.
عَزِيزٌ - غَالِبٌ عَلَى أَعْدَائِهِ غَيْرُ مَغْلُوبٍ.
стр. 5004
﴿الآخر﴾ ﴿آبَآءَهُمْ﴾ ﴿إِخْوَانَهُمْ﴾ ﴿أولئك﴾ ﴿الإيمان﴾ ﴿جَنَّاتٍ﴾ ﴿الأنهار﴾ ﴿خَالِدِينَ﴾
(٢٢) - لاَّ تَجِدُ قَوْماً يَجْمَعُونَ بَيْنَ الإِيْمَانِ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ، وَبَينَ مُوَادَّةِ أَعْدَاءِ اللهِ وَأَعْدَاءِ رَسُولِهِ، لأَنَّ المُؤْمِنِينَ حَقّاً لاَ يُوَالُونَ الكَافِرِينَ، وَلَوْ كَانَ هَؤُلاَءِ الكَافِرُونَ هُمْ أَهْلَهُمْ، وَأَقْرِبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ الذِينَ هُمْ أَقْرَبُ النَّاسِ إِلَيهِمْ، وَالمُؤْمِنُونَ الذِينَ يَمْتَنِعُونَ عَنْ مُوَادَّةِ الكَافِرِينَ، وَلَوْ كَانُوا أَقْرَبَاءَهُمْ وَعَشِيرَتَهُمْ، هُمُ الذِينَ ثَبَّتَ اللهُ الإِيْمَانَ فِي قُلُوبِهِمْ، وَزَيَّنَ لَهُمُ الهُدَى، وَقَوَّاهُمْ بِطُمَأْنِينَةِ القَلْبِ، وَالثَّبَاتِ عَلَى الحَقِّ ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ﴾ ، وَسَيُدْخِلُهُمُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ فِي جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ، وَيَبْقَوْنَ فِيهَا خَالِدِينَ أَبَداً، ﵃، وَأَدْخَلَهُمْ فِي رَحْمَتِهِ، فَأَدْخَلَهُمُ الجَنَّاتِ، وَرَضُوا بِمَا آتَاهُم اللهُ عَنْهُمْ، وَأَدْخَلَهُمْ فِي رَحْمَتِهِ، فَأَدْخَلَهُمُ الجَنَّاتِ، وَرَضُوا بِمَا آتَاهُم اللهُ مِنْ فَضْلِهِ، وَبِمَا عَوَّضَهُمْ بِهِ لاِسْخَاطِهِم الأَقَارِبَ وَالأَبْنَاءَ. وَهَؤُلاَءِ هُم أَنْصَارُ اللهِ، وَجُنْدُهُ، وَحِزْبُهُ، وَأَهْلُ كَرَامَتِهِ، وَهُمْ أَهْلُ الفَلاَحِ وَالسَّعَادَةِ والنَّصْرِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ.
بِرُوحٍ مِنْهُ - بِنُورٍ يَقْذِفُهُ فِي قُلُوبِهِمْ أَو بِالقُرآنِ.
стр. 5005
﴿السماوات﴾
(١) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى أَنَّ جَمِيعَ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ مَخْلُوقَاتٍ تُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَتُمَجِّدُهُ، وَتُنَزِّهُهُ عَنِ العَجْزِ وَالنَّقْصِ. وَيَكُونُ تَسْبِيحُ المَخْلُوقَاتِ لِرَبِّهَا إِمَّا بِاللِّسَانِ أَوْ بِالقَلْبِ أَوْبِدَلاَلَةِ الحَالِ. وَاللهُ تَعَالَى هُوَ العَزِيزُ الذِي لاَ يُقْهَرُ، الحَكِيمُ فِي شَرْعِهِ وَقَضَائِهِ وَتَدْبِيرِهِ.
стр. 5006
﴿الكتاب﴾ ﴿دِيَارِهِمْ﴾ ﴿فَأَتَاهُمُ﴾ ﴿ياأولي﴾ ﴿الأبصار﴾
(٢) - كَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ صَالَحَ يَهُودَ بَنِي النَّضِيرِ فِي المَدْينَةِ عَلَى أَنْ لاَ يَكُونُوا عَلَيهِ وَلاَ لَهُ. فَلَمَّا أُصِيبَ المُسْلِمُونَ يَوْمَ أُحُدٍ، أَخَذَ اليَهُودُ فِي الدَّسِّ وَالوَقِيعَةِ، وَالتَّأَلِيب عَلَى المُسْلِمِينَ، وَذَهَبَ زَعِيمُهُمْ كَعْبُ بْنُ الأَشْرَفِ إِلَى مَكَّةَ فَحَالَفَ قُرَيْشاً واسْتَحَثّهَا عَلَى حَرْبِ الرَّسولِ ﷺ والمُسْلِمِينَ، واسْتِئْصَالِ شَأفَتِهِم، وَحَاوَلَ يَهُودُ بَنِي النَّضِيرِ قَتْلَ الرَّسُولِ بِطَرْحِ حَجَرٍ عَلَيْهِ مِنْ سَطْحِ أَحَدِ المَنَازِلِ، بَيْنَمَا كَانَ الرَّسُولُ يَجْلِسُ فِي ظِلّهِ. فَأَنْجَاهُ اللهُ مِنْ كَيْدِهِمْ، فَأَمَرَ الرَّسُولُ بِقَتْلِ كَعْبِ بْن الأَشْرَفِ فَقَتَلَهُ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ - هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ - عِيْلَةً. وَتَأَهَّبَ المُسْلِمُونَ وَسَارُوا لِقِتَالِ بَنِي النَّضِير. فَتَحَصَّنَ بَنُو النَّضيرِ فِي مَوَاقِعِهِمْ، وَاسْتَعَدُّوا لِلْحَرْبِ. وَدَسَّ المُنَافِقُونَ - وَعَلَى رَأْسِهِمْ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُّولٍ - إِلَى بَنِي النَّضِيرِ - وَكَانَ حَلِيفاً لَهُمْ فِي الجَاهِلِيَّةِ - أَنْ لاَ يَخْرَجُوا مِنْ حُصُونِهِمْ، فَإِنْ قَاتَلَهُم المُسْلِمُونَ فَإِنَّ المُنَافِقِينَ سَيَنْضَمُّونَ إِلَيهِمْ فِي قِتالِ المُسْلِمِينَ، وَإِنْ أَخْرَجَهُم المُسْلِمُونَ مِنْ دِيَارِهِمْ فَإِنَّهُمْ سَيَخْرُجُونَ مَعَهُمْ. وَجَاءَ المُسْلِمُونَ فَحَاصَرُوا بَنِي النَّضِيرِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ لَيْلَةً، وَقَذَفَ اللهُ الرُّعْبَ فِي قُلُوبِهِمْ، وَيَئِسُوا مِنْ نَصْرِ المُنَافِقِينَ، فَطَلُبُوا الصُّلْحَ، فَأَبَى الرَّسُولُ إِلاَّ جَلاَءَهُمْ عَنِ المَدِينَةِ، عَلَى أَنْ يَحْمِلَ كُلُّ ثَلاَثَةِ أَبْيَاتٍ عَلَى بَعِيرٍ وَاحِدٍ مَا شَاؤُوا مِنْ مَتَاعِهِمْ فَجَلا أَكْثَرُهُمْ إِلَى الشَّامِ وَالحِيرَةِ. وَعَمَدَ اليَهُودُ إِلَى بُيُوتِهِمْ فَخَرَّبُوهَا لِكَيْلا يَنْتَفِعَ المُسْلِمُونَ بِهَا، وَعَمَدُوا إِلَى مَا لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَقْلَهُ مِنْ أَثَاثِهِمْ فَدَمَّرُوهُ. وَكَانَ نَخْلُ بَنِي النَّضِيرِ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ خَاصَّةً أَعْطَاهُ اللهُ إِيَّاهُ وَخَصَّهُ بِهِ.
وَيَقُصُّ اللهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ السُّورَةِ قِصَّةَ بَنِي النَّضِيرِ، فَيَقُولُ تَعَالَى: إِنَّهُ هُوَ الذِي أَجْلَي بَنِي النَّضِيرِ عَنْ دِيَارِهِمْ، بِعِزَّتِهِ وَقُدْرَتِهِ، وَكَانَتْ هَذِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ حُشِرُوا فِيهَا وَأُخْرِجُوا مِنَ الجَزِيرَةِ العَرَبِيَّةِ، لَمْ يُصبْهُمُ الذُّلُّ قَبْلَهَا، وَكَانَ آخِرُ حَشْرٍ لَهُمْ زَمَنَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ حِينَ أَجْلاَهُمْ مِنْ خَيْبَرَ إِلَى الشَّامِ. وَكَانَ المُسْلِمُونَ لاَ يَظُنُّونَ أَنَّ هَؤُلاَءِ اليَهُودَ يُمْكِنُ أَنْ يُجْلَوا عَنِ المَدِينَةِ لِقُوَّتِهِمْ، وَشِدَّةِ بَأْسِهِمْ وَمَنَعَةِ حُصُونِهِمْ، وَكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ وَكَانُوا هُمْ يَظُنُّونَ أَنَّ حُصُونَهُمْ سَتَمْنَعُهُمْ وَسَتَحْمِيهِمْ مِنْ أَنْ يُصِيبَهُمْ سُوءٌ مِنْ أَعْدَائِهِمْ، فاطْمَأَنُّوا إِلَى تِلْكَ القُوَّةِ، وَشَرَعُوا فِي الدَّسِّ وَالكَيْدِ لِلرَّسُولِ ﷺ وَلِلمُسْلِمِينَ، فَجَاءَهُمْ بَأْسُ اللهِ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَتَوَقَّعُوا، وَلَمْ يَخْطُرْ لَهُمْ عَلَى بَالٍ. وَبَأسُ اللهِ لاَ يُدْفَعُ وَلاَ يُردُّ إِذَا جَاءَ. وَقَدْ قَذَفَ اللهُ الرُّعْبَ فِي قَلُوبِهِمْ فَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا الخَوْفُ وَالهَلَعُ حِينَ جَاءَ الرَّسُولُ وَالمُؤْمِنُونَ، فَلَمْ يَسْتَطِيعُوا المُقَاوَمَةَ بَعْدَ قَتْلِ رَئيسِهِمْ كَعْبِ بْنِ الأَشْرَفِ، وَبَعْدَ أَنْ نَكَلَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ المُنَافِقينَ عَنْ إِنْجَادِهِمْ، وَمَدِّ يَدِ العَوْنِ إِلَيْهِمْ، كَمَا وَعَدَهُمْ، وَأَخَذُوا، مِنْ شِدَّةِ مَا أَصَابَهُمْ مِنْ هَلَعٍ وَرُعْبٍ، يُخَرِّبُونَ بُيُوتَهُمْ، وَيُدَمِّرُونَ أَثَاثَهُمْ، لِكَيْلاَ يَنْتَفِعَ بِهِ المُسْلِمُونَ، وَكَانَ المُسْلِمُونَ يُدَمِّرُونَ بُيُوتَهُمْ عَلَيْهِمْ مِنْ خَارِجِهَا لِيَدْخُلُوهَا عَلَيْهِمْ، فَيَصِلُوا إِلَيهِمْ، وَيَتَمَكَّنُوا مِنْ قِتَالِهِمْ، فَاتَّعِظُوا يَا أَوْلِي الأَلْبَابِ وَالبَصَائِرِ بِمَا جَرَى عَلَى هَؤُلاَءِِ، وَالعَاقِلُ مَنِ اتَّعَظَ بِغَيْرِهِ.
الحَشْرُ - إِخْرَاجُ جَمْعٍ مِنَ النَّاسِ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ آخَرَ.
قَذَفَ - أَلْقَى وَأَنْزَلَ إِنْزَالاً شَدِيداً.
الذِينَ كَفَرُوا - هُمْ يَهُودُ بَنِي النَّضِيرِِ.
لأَوَّلِ الحَشْرِ - فِي أَوَّلِ إِخْرَاجٍ مِنَ الأَرْضِ.
стр. 5007
(٣) - وَلَوْلاَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى قَدَّرَ جَلاَءَهُمْ مِنَ المَدِينَةِ، وَخُرُوجَهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ عَلَى هَذَا الوَجْهِ المُهِينِ، لَعَذَّبُهُمْ فِي الدُّنْيَا بِمَا هُوَ أَفْظَعُ مِنْهُ كَالقَتْلِ وَالأَسْرِ وَالسَّبْيِ، لأَنَّ اللهَ كَتَبَ عَلَيْهِمْ أَنَّهُ سَيُعَذِّبُهُمْ فِي الدُّنْيَا مَعَ مَا أَعَدَّ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ مِنَ العَذَابِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ.
الجَلاَءُ - الخُرُوجُ مِنَ الدَِّيَارِ بِالأَهْلِ وَالوَلَدِ.
стр. 5008
(٤) - وَقَدْ كَتَبَ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِم الجَلاَءِ فِي الدُّنْيَا، وَالعَذَابَ فِي الآخِرَةِ، لأَنَّهُمْ عَادَوا رَسُولَ اللهِ، وَكَادُوا لَهُ وَلِلْمُسْلِمِينَ، وَأَلَّبُوا عَلَيْهِم المُشْرِكِينَ، مَعَ أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ رِسَالَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ حَقٌ. وَمَنْ يُعَادِ اللهَ وَيُحَارِبْهُ فَإِنَّ اللهَ يُعَاقِبُهُ أَشَدَّ العِقَابِ، وَيُنْزِلُ بِهِ الخِزْيَ وَالذِّلَّةَ وَالهَوَانَ فِي الدُّنْيَا، وَيُنْزِلُ بِهِ العَذَابَ الأَلِيمَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ فِي الآخِرَةِ.
شَاقُّوا - عَادَوا وَعَصَوا وَخَالَفُوا.
стр. 5009
﴿قَآئِمَةً﴾ ﴿الفاسقين﴾
(٥) - لَمَّا حَاصَرَ الرَّسُولُ ﷺ بَنِي النَّضِيرِ فِي حُصُونِهِمْ أَمَرَ بِقَطْعِ نَخْلِهِمْ إِرْعَاباً لَهُمْ، فَبَعَثُوا إِلَى رَسُولِ اللهِ يَقُولُونَ: إِنَّكَ تَنْهَى عَنِ الفَسَادِ، فَمَا بَالُكَ تَأْمُرُ بِقَطْعِ الأَشْجَارِ؟ فَأْنَزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ وَفِيهَا يَقُولُ تَعَالَى لِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنينَ: إِنَّ مَا قَطَعْتُمْ مِنْ أَشْجَارِ النَّخِيلِ، وَمَا تَرَكْتُمُوهُ دُونَ قَطْعٍ فَالجَمِيعُ بِإِذْنِ اللهِ وَقَدَرِهِ وَقَضَائِهِ، وَلاَ بَأْسَ عَلَيْكُمْ فِيهِ وَلاَ حَرَجَ، وَفِيهِ نِكَايَةٌ وَخِزْيٌ وَنكَالٌ لِلفَاسِقِينَ الخَارِجِينَ عَنْ طَاعَةِ اللهِ.
لِينَةٍ - نَخْلَةٍ.
عَلَى أُصُولِهَا - عَلَى سُوقِهَا بِدُونِ قَطْعٍ.
стр. 5010
(٦) - نَزَلَ يَهُودُ بَنِي النَّضِيرِ عَلَى حُكْمِ النَّبِيِّ ﷺ فَفَرَضَ عَلَيْهِم الجَلاَءَ، وَتَرْكَ أَمْوَالِهِمْ، إِلاَّ مَا اسْتَطَاعُوا حَمْلَهُ، فَجَعَلَ اللهُ أَمْوَالَهُمْ فَيئاً لِرَسُولِ اللهِ، وَمَغْنَماً خَالِصاً لَهُ، فَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُنْفِقُ مِنْهُ عَلَى عِيَالِهِ، ثُمَّ يُنْفِقُ البَاقِي فِي الوُجُوهِ المُقَرَّرَةِ فِي الآيَةِ التَّالِيَةِ.
وَقَدْ جَعَلَ اللهُ تَعَالَى لِلمَالِ الذِي يَغْنَمُهُ المُسْلِمُونَ مِنْ غَيرِ قِتَالٍ، وَلاَ مُصَاوَلَةٍ، وَلاَ إِيجَافِ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ، نِظَاماً خَاصَّاً، وَلاَ يُقْسَمُ فِي الجَيْشِ كَمَا تُقْسَمُ الغَنَائِمُ، وَفْقاً لِمَا جَاءَ فِي سُورَةِ الأَنْفَالِ.
وَمَعْنَى الآيَةِ: إِنَّ اللهَ أَفَاءَ أَمْوَالَ بَنِي النَّضِيرِ عَلَى رَسُولِهِ دُونَ قِتَالٍ إِذْ قَذَفَ اللهُ الرُّعْبَ فِي قُلُوبِهِمْ فَنَزَلُوا عَلَى حُكْمِ النَّبِيِّ فَقَضَى بِجَلاَئِهِم عَنْ أَرْضِهِمْ.
وَاللهُ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ أَعْدَائِهِ، وَيَقْذِفُ الرُّعْبَ فِي قُلُوبِهِمْ فَيَسْتَسْلِمُونَ لَهُمْ بِدُونِ قِتَالٍ، وَاللهُ قَوِيٌّ عَزِيزٌ، قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَفْعَلَ مَا يَشَاءُ، لاَ يُعْجِزُهُ شَيءٌ.
الفَيءُ - مَا أُخِذَ مِنْ أَمْوَالِ الكُفَّارِ بِغَيْرِ قِتَالٍ.
أَوْجَفَ - حَمَلَ الفَارِسُ أَوْ رَاكِبُ البَعِيرِ رَاحِلَتَهُ عَلَى الإِسْرَاعِ.
الرِّكَابُ - مَا يُرْكَبُ مِنَ الإِبلِ - رَاحِلَةٌ.
следующие страницы →